1

نتنياهو أراد إسقاط حماس لكنه يتجه نحو إسقاط “إسرائيل”

بعد القصف الإسرائيلي العنيف بشكل خاص خلال حصار بيروت في تموز/ يوليو 1982، اتصل الرئيس الأمريكي رونالد ريغان برئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن للمطالبة بوقف القصف، وقال ريغان: “هنا على شاشات تلفزيوننا ليلة بعد ليلة تظهر لشعبنا رموز هذه الحرب وهي محرقة”.

وخلافًا للديمقراطيين في البيت الأبيض اليوم؛ كان رئيس الولايات المتحدة الجمهوري قادرًا ومستعدًا لدعم أقواله بالأفعال، فقد أوقفت الولايات المتحدة الذخائر العنقودية وبيع طائرات إف 16 لإسرائيل.

وتختلف أرقام الضحايا المبلغ عنها في الحرب في لبنان بشكل كبير، فووفقًا للتقديرات اللبنانية، قُتل 18085 لبنانيًا وفلسطينيًا في الأشهر الأربعة التي تلت بدء الغزو، وكانت أرقام منظمة التحرير الفلسطينية هي: 49.600 مدني بين قتيل وجريح.

وفي غضون شهرين فقط، قتلت إسرائيل نفس العدد من الأشخاص، ولكنها ألحقت مستوى أعلى بكثير من الدمار في غزة.

ووفقًا لمحللين عسكريين أجرت صحيفة فايننشال تايمز مقابلات معهم؛ فإن الدمار الإسرائيلي في شمال غزة – حيث تم تدمير 68 بالمائة من المباني بحلول 4 كانون الأول/ ديسمبر – يفوق قصف الحلفاء لهامبورغ (75 بالمائة)، وكولونيا (61 بالمائة)، وكولونيا (61 بالمائة). دريسدن (59 بالمائة)، وهذا ما حدث لهذه المدن بعد سنتين من القصف.

لقد قُتل ما يقرب من 20 ألف فلسطيني؛ 70 بالمائة منهم من النساء والأطفال، في نصف الوقت الذي استغرقه إجبار منظمة التحرير الفلسطينية على مغادرة بيروت الغربية في سنة 1982، وما زالت شهوة إسرائيل للدماء لم تتوقف بعد هجوم حماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر.

وفي تعبيره عن المزاج الشعبي؛ قال تسفي يحزكيلي، مراسل الشؤون العربية في القناة 13، إنه كان ينبغي على إسرائيل أن تقتل 100 ألف فلسطيني. وقالت دانييلا فايس، رئيسة حركة الاستيطان الإسرائيلية، إنه يجب محو غزة حتى يتمكن المستوطنون من رؤية البحر.

الأرض المقدسة

وعلى عكس حصار بيروت أو مجازر سنة 1982 في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين، فإن القصف الليلي على غزة يتم بثه مباشرة على قناة الجزيرة.

ولا يستطيع ملايين العرب أن يبتعدوا عن مشاهدة مشاهد الرعب في الوقت الحقيقي، لقد قالت امرأة تبلغ من العمر 91 سنة في عمان بالأردن، لابنها إنها تخجل من تناول وجبتها أمام التلفزيون بينما تقوم إسرائيل بتجويع غزة؛ حيث إن التجويع الجماعي القسري ليس مبالغة.

واتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش إسرائيل باستخدام المجاعة الجماعية كسلاح في الحرب؛ حيث إن تجويع غزة كسياسة حكومية أكدته ميري ريجيف، وزيرة النقل، التي تساءلت في اجتماع مجلس الوزراء الأخير عما إذا كان التجويع قد يؤثر على قيادة حماس. وكان لا بد من تصحيحها من قبل زملائها بأن المجاعة كانت جريمة حرب.

إن التأثير الذي تحدثه هذه الصور هو كارثة ليس فقط على هذه الحكومة، أو على أي حكومة إسرائيلية مستقبلية، ولكن على أي عدد من اليهود يقررون البقاء في هذه الأرض عندما ينتهي هذا الصراع أخيرًا.

إن الدمار الذي لحق بغزة يرسي الأساس لخمسين سنة أخرى من الحرب، فلن تنسى أجيال من الفلسطينيين والعرب والمسلمين أبدًا الهمجية التي تقوم بها إسرائيل بتفكيك القطاع اليوم. إن غزة، وهي في حد ذاتها مخيم كبير للاجئين، أصبحت أرضًا مقدسة.

تراجع الدعم للسلطة الفلسطينية

إن هناك إسرائيليون فهموا الرسالة، ومن بينهم عامي أيالون، رئيس الشاباك السابق وقائد البحرية، والذي حدد نقطة ضعف أساسية في التفكير التقليدي في الدوائر الأمنية الإسرائيلية.

فقد أخبر آرون ديفيد ميلر، وهو محلل أميركي متخصص في شؤون الشرق الأوسط، أنه في حين يرى الجيش الإسرائيلي النصر من خلال منظور القوة الصارمة – فكلما زاد عدد الأشخاص الذين قتلوا ودمر المزيد، كلما زاد اعتقاده بأنه فاز – فإن حماس تنظر إلى النصر من خلال القوة الصلبة. ومن منظور “القوة الناعمة”؛ كلما اكتسبت المزيد من القلوب والعقول، كلما كان النصر أعظم.

ويرتكب الإسرائيليون نفس الخطأ الذي ارتكبه الفرنسيون في الجزائر عندما قتلوا ما بين نصف مليون إلى 1.5 مليون جزائري، مما يشكل 5 إلى 15 بالمائة من السكان، بين سنتي 1954 و1962، معتقدين أنهم بذلك سينتصرون في الحرب. ومع ذلك؛ بحلول نهاية الحرب، كان عليهم المغادرة ومنح الجزائر استقلالها.

لا شيء آخر يمكن أن يفسر الصعود المذهل الذي حققته حماس في استطلاعات الرأي في الضفة الغربية والأردن، بل وحتى في أماكن مثل السعودية؛ حيث حاولت قياداتها عمدًا دفن الحرب من خلال إقامة المهرجانات.

وقد وجد خليل الشقاقي؛ خبير استطلاعات الرأي التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية والذي يحظى باحترام واسع، وهو ليس من محبي حماس، أن 72 بالمائة من المشاركين يعتقدون أن حماس كانت “على حق” في شن هجومها في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، بينما أيدها 82 بالمائة في الضفة الغربية.

وفي الوقت نفسه؛ انخفض الدعم المقدم للسلطة الفلسطينية تبعًا لذلك؛ حيث وجد الشقاقي أن 60 بالمائة يريدون حله. وتؤكد سلسلة من التقييمات الاستخباراتية الأميركية الارتفاع الكبير في شعبية حماس منذ بداية الحرب، ويقول مسؤولون مطلعون على التقييمات المختلفة إن الجماعة نجحت في وضع نفسها في أجزاء من العالم العربي والإسلامي كمدافع عن القضية الفلسطينية ومقاتل فعال ضد إسرائيل، حسبما ذكرت شبكة سي إن إن.

وهذه أخبار سيئة بالنسبة لكل تلك البلدان ـ وعلى رأسها الولايات المتحدة بطبيعة الحال ـ التي تتصور أن السلطة الفلسطينية قادرة على الحلول محل حماس في غزة، وهذه ليست مجرد أرقام؛ إنه الواقع السياسي الجديد بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر.

وأي أحد من كبار فتح يقول خلاف ذلك يتم تحديه على الفور، واليوم يظهر الفلسطيني الكبير الطموح المنفي محمد دحلان وعشيرته وكأنه من أنصار حماس منذ فترة طويلة، وليس مثل العمود الفقري السابق لمؤامرة دولية لطرد حماس من غزة في سنة 2007 بمجرد فوزها في انتخابات حرة في العام السابق على ذلك.

الصفقة المنجزة

لكن خليفة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، حسين الشيخ، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، لم يلحظ بعد تغير المزاج في رام الله.

وفي حديث لرويترز هاجم الشيخ حماس قائلًا إنها خاضت خمس حروب ضد إسرائيل منذ سنة 2008 ولم تحقق شيئًا بمحاربة الاحتلال عسكريًا، وأضاف: “من غير المقبول أن يعتقد البعض أن أسلوبهم وطريقتهم في إدارة الصراع مع إسرائيل كان الأمثل والأفضل”.

وتابع: “بعد كل هذا [القتل] وبعد كل ما يحدث، ألا يستحق الأمر إجراء تقييم جدي وصادق ومسؤول لحماية شعبنا وقضيتنا الفلسطينية؟”، وقال الشيخ: “ألا يستحق الحديث عن كيفية إدارة هذا الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي؟”.

أما بالنسبة لتولي السلطة الفلسطينية السلطة في غزة بعد الحرب، فقد كانت هذه صفقة محسومة، كما بدا أن الشيخ يشير ضمنًا. وقال للقناة 12 الإسرائيلية إن إسرائيل والسلطة الفلسطينية اتفقتا على آلية تسمح للسلطة بتلقي الأموال المحتجزة منذ بداية الحرب.

لقد استغرق الأمر يومين كاملين قبل أن يتراجع الشيخ 180 درجة عن هجومه على حماس، وسئل كيف يمكن لزعيم فتح الذي حصل على نسبة 3 بالمائة أن ينتقد حماس، التي حصلت على 48 بالمائة من الأصوات، على أرضه.

وفي حديثه هذه المرة لقناة الجزيرة؛ قال الشيخ إن تعليقاته حول مساءلة حماس: “تم تحريفها”، وقال لقناة الجزيرة بتوتر: “السلطة الفلسطينية هي أول من يدافع عن المقاومة”.

تقسيم وحكم

لقد أدى الهجوم الإسرائيلي على غزة إلى تغيير منطقة الشرق الأوسط بالكامل، كما وعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ولكن ليس على النحو الذي قد تستفيد منه حكومته أو الحكومات المستقبلية.

لمدة 17 سنة؛ ظلت غزة منسية أو متجاهلة من قبل بقية العالم باستثناء حروب السنوات 2009 و2012 و2014 و2021؛ حيث بذلت أمريكا والقوى الأوروبية الكبرى قصارى جهدها لتعزيز الحصار الذي تفرضه إسرائيل ومصر في عهد عبد الفتاح السيسي على غزة.

حسنًا؛ مع تدمير 60 بالمائة منها ومع وجود 2.3 مليون شخص لا يملكون منازل أو مدارس أو مستشفيات أو طرق أو متاجر أو مساجد للعودة إليها، لم يعد هناك خطر من تجاهل غزة بعد الآن.

وإذا كانت السياسة التي تنتهجها إسرائيل طيلة سبعة عشر سنة تتلخص في مبدأ “فرق تسُد” من خلال فصل غزة عن الضفة الغربية وإزالة كل احتمالات المشاركة في حكومة وحدة وطنية، فإن غزة والضفة الغربية سوف يتوحدان من جديد على نحو لم يسبق له مثيل.

لو كان الأردن هادئًا لمدة 50 سنة بعد الحرب الدموية بين جيشه ومنظمة التحرير الفلسطينية، ولو أن الانقسامات بين الأردنيين الشرقيين والمواطنين الفلسطينيين في الأردن اتسمت بعدم الثقة المتبادلة؛ فإن الأردن اليوم، الأردنيون والفلسطينيون على حد سواء، هو خزان يغلي من الكراهية ضد إسرائيل. وهناك محاولات متزايدة لتهريب الأسلحة إلى الضفة الغربية عبر حدود يبلغ طولها 360 كيلومترًا، أي أكثر من أربعة أضعاف حدودها مع لبنان وسوريا.

ويعتقد الأردن أن إسرائيل ستحتاج إلى خمسة أضعاف عدد القوات التي تواجه لبنان لتأمين هذه الحدود، ومع وجود 13 مخيمًا للاجئين وملايين الفلسطينيين كمواطنين؛ يعد الأردن أكبر مُجمع للفلسطينيين في الشتات، بحوالي ستة ملايين، وهو ما يفوق عدد الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة.

أشخاص يحملون لافتات خلال احتجاج لدعم الفلسطينيين في غزة، في عمان، الأردن في 1 كانون الأول/ ديسمبر 2023.

إذا كان نتنياهو، في 6 تشرين الأول/ أكتوبر، كان يتبجح بأن انتصار الصهاينة كان وشيكًا، ملوحًا بخريطة إسرائيل أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة التي محت فلسطين من الخريطة، فإن تفاخره اليوم يبدو في غير محله على الإطلاق، إذا كان توقيع السعودية على صفقة الاعتراف بإسرائيل يعتبر مجرد مسألة وقت؛ فإن اتفاقيات إبراهيم قد ذابت اليوم في المرجل الذي أشعلته إسرائيل في غزة.

نتنياهو و”لعبة اللوم”

وما هو الرأي في السعودية؟ يحتوي الاستطلاع الأخير على رقمين مذهلين لبلد يحاول زعيمه عن وعي التخلص من الأساليب القديمة، بما في ذلك دعم فلسطين؛ حيث يوافق 91 بالمائة على أن الحرب في غزة هي انتصار للفلسطينيين والعرب والمسلمين، و40 بالمائة لديهم مواقف إيجابية تجاه حماس، وهو ما يمثل تحولًا بمقدار 30 نقطة عن شهر آب/ أغسطس من هذه السنة.

واليوم، إذا قرأت واستمعت إلى ما يقوله السعوديون والبحرينيون والقطريون والإماراتيون؛ فإن الاعتراف بإسرائيل يحمل تشابهًا صارخًا مع مبادرة السلام العربية لسنة 2002، والتي صُممت الاتفاقيات لتحل محلها.

وكانت السمة الرئيسية لاتفاقيات إبراهيم كما وضعها السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، وجاريد كوشنر، هي جعل حق النقض الفلسطيني غير ذي صلة، والآن عاد مرة أخرى. وحتى لو وقعت المزيد من الدول على الاتفاق؛ فإن ذلك يصبح غير ذي صلة؛ حيث يتبلور القتال الحقيقي بين الفلسطينيين وإسرائيل.

ووسط أنقاض كل هذه الخطط، لم يعد أمام نتنياهو وائتلافه اليميني المتطرف سوى طريق واحد للمضي قدماً – وهو المضي قدماً؛ لا يمكنهم التراجع.

ومن أجل بقائه السياسي والقانوني، يتعين على نتنياهو مواصلة الحرب، وكذلك الأمر بالنسبة للصهيونية الدينية القومية؛ حيث يعلم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش أنهما سيخسران فرصة العمر لتغيير التوازن الديموغرافي لليهود والفلسطينيين في الضفة الغربية إذا أجبر الرئيس الأمريكي جو بايدن نتنياهو على إنهاء الحرب.

وعندما سأل موقع ميدل إيست آي عن خطط إسرائيل لليوم التالي لانتهاء الحرب، أجمع كبار المحللين والدبلوماسيين الإسرائيليين السابقين على إجابتهم؛ لم يكن هناك أي شيء.

وقال عيران عتصيون، الدبلوماسي السابق وعضو مجلس الأمن القومي، إن نتنياهو كان يفكر بالفعل في اليوم التالي، ولكن فقط بقدر ما يؤثر ذلك على فرصه في البقاء السياسي، وأضاف: “من الواضح جدًا أنه أدرك بالفعل أن الأمريكيين سيوقفونه قبل أن يحقق أهداف الحرب؛ إنه يستعد بالفعل لـ”لعبة اللوم”، التي سيكون هدفه فيها هو بايدن والقادة العسكريين ووسائل الإعلام، وكما نقول بالعبرية، العالم كله وزوجته التي منعته من تحقيق النصر”.

وتابع: “بالنسبة له، اليوم التالي هو استمرار الحرب بأي وسيلة، والهدف هو البقاء في السلطة”.

وأشار عتصيون إلى أنه حتى بعد شهرين من الحملة، لم يكن هناك منتدى رسمي أو مجموعة من المسؤولين يخططون للحكم في غزة بعد الحرب، ولم تكن هناك مناقشات رسمية بين مؤسسة الدفاع الإسرائيلية والمسؤولين الأمريكيين في واشنطن.

سوء تقدير مذهل

وربما تنتهي الحرب تحت ضغط الولايات المتحدة، وتستمر كنزاع يتسم بضربات يشنها الجيش الإسرائيلي ضد قيادة حماس وحرب عصابات طويلة الأمد ينفذها مقاتلون يعملون في وحدات صغيرة.

لكن هذا لا يعني قيام إسرائيل بالاستيلاء على معبر رفح وإغلاق الأنفاق لمنع حماس من إعادة التزود بالأسلحة المهربة عبر الحدود فحسب؛ بل يعني أيضًا قيام إسرائيل بتوفير الإدارة المدنية لشمال غزة الذي دمرته بالكامل.

وبالنسبة للجناح اليميني؛ فإن الرهائن الذين لا تزال حماس تحتجزهم هم في حالة موت، لكن نتنياهو سوف يتعرض لضغوط متزايدة من عائلاتهم لحمله على التخلي عن حربه.

“ميتوت حماس” أو “انهيار حماس” هو الشعار باللغة العبرية وهو هدف حكومة الحرب الإسرائيلية. وبعد شهرين من هذا التدمير، يمكنهم أيضًا تعديل هذا ليصبح “ميتوت إسرائيل”، لأن هذا هو التأثير الذي قد تحدثه هذه الحرب

إن أشباح لبنان تعود حقًا لتطارد إسرائي، فلقد استغرق الأمر 15 سنة حتى تغادر إسرائيل بعد أن أصبحت بيروت في وضع لا يمكن الدفاع عنه، لكنهم غادروا في سنة 2000. وعندما فعلوا ذلك، أصبح حزب الله القوة العسكرية والسياسية المهيمنة في البلاد.

لقد كانت هذه الحرب بمثابة سوء تقدير مذهل بالنسبة لإسرائيل؛ فضلًا عن كونها كارثة أخلاقية، فهي كارثة عسكرية أيضا. لقد منحت المقاومة شعبية ومكانة في العالم العربي لم يسمع بها أحد منذ عقود عديدة.

وحتى الانتفاضة الأولى والثانية لم تحققا نفس النجاح الذي حققته حماس في غزة خلال الشهرين الماضيين، فلقد أشعلت غزة من جديد جذوة الغضب العربي بسبب إذلالها على أيدي المهاجرين اليهود.

ومن الممكن أن تكون نتيجة هذه الحرب حالة مستمرة من الصراع، الأمر الذي سيحرم إسرائيل من الادعاء بأنها أصبحت دولة عادية على النمط الغربي. وفي ظل هذه الظروف، فإن خطر توسع الحرب سيكون موجودًا دائمًا، كما تظهر هجمات الحوثيين في اليمن على السفن الغربية التي تمر عبر البحر الأحمر.

“ميتوت حماس” أو “انهيار حماس” هو الشعار باللغة العبرية وهو هدف حكومة الحرب الإسرائيلية. وبعد شهرين من هذا التدمير، يمكنهم أيضًا تعديل هذا ليصبح “ميتوت إسرائيل”، لأن هذا هو التأثير الذي قد تحدثه هذه الحرب.

ديفيد هيرست

المصدر: ميدل إيست آي

ترجمة: موقع نون بوست




محور فيلادلفيا الحدودي: تساؤلات عن مخططات الاحتلال والموقف المصري

تضاربت الأنباء على مدار الساعات الماضية بشأن تحركات عسكرية لجيش الاحتلال عند معبر كرم أبي سالم باتجاه محور فيلادلفيا الحدودي بين مصر وقطاع غزة، حيث نشرت وسائل إعلام عربية وعبرية أخبارًا تفيد بأن الاحتلال أبلغ القاهرة نيته احتلال تلك المنطقة الحدودية، وطلب من الجنود المصريين إخلاءها بشكل كامل، وأنه غير مسؤول عن سلامة أي جندي مصري خلال تلك المحاولة.

بعد ساعات قليلة من انتشار هذا الخبر الذي أثار جدلًا واسعًا، قالت قناة “القاهرة الإخبارية” المصرية نقلًا عما أسمته مصادر رسمية مصرية أن تلك الأخبار غير صحيحة، فيما ذكرت هيئة المعابر الفلسطينية في غزة أن الجانب المصري نفى أي معلومات عن “التحرك العسكري الإسرائيلي في محور الحدود الفلسطينية المصرية”.

بعيدًا عن ذلك، إلا أن هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها المنطقة الحدودية المصرية الفلسطينية لانتهاكات إسرائيلية، حيث قصف الاحتلال معبر رفح الحدودي بين سيناء وغزة أكثر من مرة منذ بداية الحرب، وأوقع إصابات في صفوف الجنود المصريين، رغم اعتذاره عن هذا الأمر الذي تكرر قرابة 4 مرات في غضون شهرين.

وبينما كان الشارع المصري الغاضب من تلك الانتهاكات التي يراها تمس سيادته واستقلاليته ينتظر ردًا رسميًا حاسمًا إزاء تلك الأخبار وما سبقها من تهديدات وتحرشات إسرائيلية، إلا أن القاهرة – كالعادة – التزمت الصمت، في موقف فتح الباب على مصراعيه أمام التساؤلات الحرجة بشأن مقاربات السلطات المصرية إزاء هذا الأمر الذي ينسجم بصورة كبيرة مع الموقف الرسمي تجاه حرب الإبادة التي تُشن ضد سكان غزة منذ أكثر من شهرين ونصف.

ما هو محور فيلادلفيا؟

يمتد محور فيلادلفيا على الشريط الحدودي بين مصر وغزة، من البحر المتوسط شمالًا وحتى معبر كرم أبو سالم جنوبًا، وبطول قرابة 14 كيلومترًا، وهو بمثابة الشريط الموازي للحدود المصرية من الجانب الفلسطيني، ويمثل منطقة أمن قومي من الطراز الأول للدولة المصرية.

كان هذا المحور قديمًا منطقة عازلة بموجب معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية الموقعة عام 1979، وكان خاضعًا لسيطرة الاحتلال حتى عام 2005 حين انسحب من قطاع غزة الذي بات تحت سلطة حكومة حماس، فيما عرف بخطة “فك الارتباط”.

يتمركز في تلك المنطقة قرابة 750 جنديًا مصريًا تابعًا لجهاز الشرطة وليس القوات المسلحة، وذلك استنادًا إلى ما يُسمى بـ”بروتوكول فيلادلفيا” الموقع عام 2005 بين القاهرة وتل أبيب الذي يسمح للجانب المصري بالوجود الشرطي في تلك المنطقة لمكافحة الإرهاب والتسلل عبر الحدود والحد من الوجود العسكري للجانبين.

خلال الفترة من 2006-2010 وفي ظل تضييق الاحتلال الخناق على قطاع غزة، اضطر الفلسطينيون إلى اللجوء لهذا الشريط الحدودي للعبور إلى الجانب المصري الذي أحكم قبضته عليه لاحقًا بالاتفاق مع حكومة القطاع، تجنبًا لأي استغلال سلبي له بما يهدد الأمن القومي المصري.

مع مرور الوقت تحول هذا المحور إلى طوق النجاة الأبرز لحياة أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون تحت حصار مطبق من الجانب الإسرائيلي، وهو ما أوغر صدر الاحتلال الذي حاول بشتى السبل غلق هذا المنفذ بدعوى تهريب السلاح من خلاله للمقاومة الفلسطينية عبر الأنفاق المحفورة أسفله بحسب الرواية الإسرائيلية.

وشهد هذا المحور خلال السنوات الماضية توترات عدة بين الجانب المصري وحركة حماس، بسبب اتهام القاهرة للحركة بإدخال السلاح من خلال تلك الأنفاق للجماعات المسلحة في سيناء، وهي السردية التي أقنع الاحتلال بها نظيره المصري الذي سمح له بالدخول إلى الأراضي المصرية للمساعدة في مواجهة تلك الجماعات المسلحة، وهو ما ساعد جيش الاحتلال في استهداف تلك الأنفاق وإغراقها لخنق قطاع غزة بشكل كامل.

وكان نتيجة لذلك أن جُرفت منطقة فيلادلفيا بشكل كبير من الجانبين، فيما نصب الجانب المصري أسلاكًا شائكة وبنى جدارًا أسمنتيًا بطول الشريط الحدودي، بجانب إقامة منطقة عازلة أمنيًا في مدينة رفح بعمق قرابة 5 كيلومترات إلى داخل سيناء، بعد تهجير سكان تلك المنطقة إلى مناطق أخرى بدعوى محاربة الجماعات التكفيرية ثم إعادتهم مرة أخرى، وهو ما لم يحدث رغم مرور أكثر من 4 سنوات على هذا الأمر.

مخطط إسرائيلي للهيمنة على المحور

رغم نفي الجانب المصري لأخبار التحركات الإسرائيلية باتجاه المحور، فإن هذا لا يلغي أو ينفي رغبة الكيان المحتل في السيطرة على تلك المنطقة بشكل كبير، لاعتبارها منطقة تهديد مباشر للأمن القومي الإسرائيلي من الناحية الجنوبية.

خلال الأسابيع الماضية نشر الإعلام العبري العديد من النقاشات داخل الوسط السياسي الإسرائيلي عن أهمية السيطرة على فيلادلفيا وإحكام الهيمنة الإسرائيلية عليها بشكل كامل، حيث أشار موقع “والا” العبري إلى أنه منذ بداية الحرب الدائرة الآن في غزة ناقشت النخبة الإسرائيلية كيفية التعامل مع هذا المحور وذلك من “منطلق أنه كان على مدار سنوات يعتبر منطقة لتهريب الأسلحة والذخائر من سيناء إلى القطاع” .

غير أنه وبحسب الموقع العبري فإن تلك المسألة حساسة جدًا للمصريين، ومن الممكن أن تثير حفيظتهم وتوتر العلاقات الجيدة مع القاهرة، وهو ما دفع الجيش لتأخير عملياته إزاء المنطقة الحدودية في رفح، رغم شكوكه بأنها منطقة تهريب السلاح للمقاومة الفلسطينية.

وقبل أسبوعين تقريبًا حذر مسؤولون في الجهاز الأمني الإسرائيلي من تلك الحساسية المفرطة التي تبديها “إسرائيل” تجاه مصر فيما يتعلق بالتعامل مع المحور الحدودي، لافتين إلى أن ذلك ربما يقود في النهاية إلى تعزيز قدرات المقاومة عبر الحصول على المزيد من السلاح بما يضعف الموقف الإسرائيلي ميدانيًا، وعليه تصاعدت مطالب التعامل مع هذا الملف بجدية وحسم، وفق ما نقلت شبكة ” i24NEWS” العبرية عن موقع “والا”.

في سياق تأكيد الرغبة الإسرائيلية في الهيمنة على تلك المنطقة، كانت هيئة البث الإسرائيلية قد سربت قبل أيام تصريحات لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، أمام اجتماع مغلق للجنة الخارجية والأمن في الكنيست، عن نية حكومته السيطرة على محور فيلادلفيا بشكل كامل خلال وقت قريب، بحسب ما ذكرته شبكة “بي بي سي“.

ماذا يريد الاحتلال من ذلك؟

قبيل عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الثاني الماضي كانت تحكم دولة الاحتلال سيطرتها على قطاع غزة من الجانب الشرقي الملاصق لها فيما يعرف بغلاف غزة، لكنها اليوم تحاول أن تفرض سيطرتها على بقية الجبهات حتى تطبق حصارها المشدد على القطاع برمته بما يحول دون تشكيله أي تهديد عليها مستقبلًا.

اليوم وبعد أكثر من 77 يومًا من الحرب يسعى جيش الاحتلال إلى الهيمنة على شمال القطاع، رغم المقاومة الشرسة والاشتباكات الدائرة حتى اليوم، بجانب الشريط الغربي على طول البحر المتوسط، حيث التمركز الخانق للقوات البحرية في تلك البقعة، فضلًا عن المنطقة الحدودية الجنوبية مع الجانب المصري التي تمثل الصداع الأكثر ألمًا للجانب الإسرائيلي.

وبإحكام السيطرة على محور فيلادلفيا فإن جيش الاحتلال يحاول فصل قطاع غزة عن صحراء وسيناء مصر كما ذهب الخبير العسكري والإستراتيجي فايز الدويري، الذي يرى أن الاحتلال بعد خسائره المتتالية على المستوى الإستراتيجي والعسكري يسعى بشتى السبل إلى جعل كل منافذ العبور والخروج التي تؤدي إلى قطاع غزة تحت سيطرته الكاملة والمطلقة.

وعن المنطقة العازلة التي يحاول الاحتلال إنشاءها في القطاع يقول الدويري في حديثه لـ”الجزيرة” إنها في الغالب ستكون من 3 اتجاهات رئيسية: الجبهة الشمالية وطول الشريط والحدود مع جمهورية مصر، هذا بخلاف تموضعه في وادي غزة من أجل فصل الشمال عن الجنوب.

ويستبعد الخبير العسكري الأردني تحقيق جيش الاحتلال لتلك الأهداف المزعومة، لافتًا إلى أن نتنياهو الذي تحدث بداية الحرب عن القضاء على حماس وعن مرحلة ما بعد غزة، ها هو اليوم – بعد الخسائر الفادحة التي مني بها على مدار أكثر من شهرين ونصف – يصدر تعليماته بتخفيف الوجود العسكري في القطاع وسحب بعض الألوية، وينتقل إلى ما يسمى بالمرحلة الثالثة وبناء مناطق عازلة، الأمر الذي يكشف المأزق الكبير لجيش الاحتلال ميدانيًا.

الصمت المصري.. ما مقاربات القاهرة؟

تجدر الإشارة إلى أن إقدام الاحتلال على السيطرة الأحادية على محور فيلادلفيا يمثل خرقًا مباشرًا لاتفاقية السلام الموقعة بين مصر و”إسرائيل”، فالأمر بحاجة إما إلى تنسيق مع الجانب المصري وإما توقيع بروتوكول ملحق باتفاقية السلام، كالذي تم إقراره عام 2005 بعد انسحاب الاحتلال من قطاع غزة.

وعليه فإن التحرش الإسرائيلي بتلك المنطقة الحدودية، بجانب أنه خرق لاتفاقية السلام، فإنه يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري، كونه يضع الجيش الإسرائيلي على بعد أمتار قليلة من التراب المصري، ما يدعو للتساؤل عن الموقف الرسمي إزاء هذا الأمر، وأي مقاربات للقاهرة إزاء هذا التطور الذي يهدد سيادتها وأمنها في آن واحد.

بداية، لا بد من الإشارة إلى أن سيطرة “إسرائيل” على هذا الشريط الحدودي سيضيق الخناق أكثر على فلسطيني غزة، ويحول القطاع إلى ما يشبه السجن المفتوح، وعليه ستكون الهجرات الطواعية للجانب المصري بصفته المنفذ الوحيد أمام الفلسطينيين، وهو ما تتحفظ عليه السلطات المصرية وحذرت منه أكثر من مرة، غير أن القاهرة لم تتحرك بأي اتجاه يناهض تلك التحركات الإسرائيلية.

يفسر البعض رد الفعل الرسمي المصري إزاء تلك التحركات والتحرشات على مدار أيام الحرب السبعة والسبعين برغبة القاهرة في عدم التصعيد مع حليفها الإسرائيلي، حيث العلاقات القوية التي تجمع بين نظامي البلدين خلال السنوات الأخيرة وشهدت تناغمًا لم يعرفه تاريخ العلاقات المصرية الإسرائيلية منذ توقيع اتفاقية السلام، فيما يذهب آخرون إلى الحديث عن مساعي مصر لعدم الانجرار نحو الاستفزاز الإسرائيلي وتوسيع دائرة الصراع بما يخدم أهداف الاحتلال لا سيما بنيامين نتنياهو الذي يسعى لإطالة أمد الحرب أطول فترة ممكن بما يؤجل ملاحقته قضائيًا.

جزء من تجنب هذا التصعيد مرتبط بالمصالح المصرية – أو بالأحرى مصالح النظام في مصر – في الإبقاء على تلك العلاقات في منطقتها الدافئة، ما يضمن استمرار الدعم الأمريكي والغربي، وتقديم أوجه الدعم الاقتصادي واللوجستي للقاهرة في مواجهة مأزقها الحاليّ الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة، كفيلة أن تؤجج الجبهة الداخلية وتشعل غضبها ضد النظام.

هذا بخلاف خشية العبث ببعض الملفات الأخرى التي تتشابك معها المصالح المصرية كما هو  الحال في الملف الليبي وملف سد النهضة والأمن المائي المصري، وهي الملفات التي تلعب فيها “إسرائيل” وحلفاءها الغربيين دورًا مؤثرًا بما يمثل ورقة ضغط على الجانب المصري.

كذلك الموقف المصري بصفة عامة من حماس وحركات المقاومة الإسلامية، حيث ترى القاهرة أن الحركة ابن شرعي لجماعة الإخوان المسلمين، وأي انتصار لها سيكون له تأثيره على الجماعة الأم في مصر، وعليه فإن هزيمتها ربما تكون رغبة غير معلنة للعديد من أنظمة المنطقة كالسعودية والإمارات وغيرها، حتى لو كان المقابل تصفية المقاومة بشكل كامل كما ألمح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في تصريحات سابقة له.

تلك الرغبة ربما تجد لها خطابًا داعمًا على منصات التواصل الاجتماعي بشكل واضح ومباشر، بل وهناك من يحرض عليها بصورة معلنة، كما ذهب العميد السابق بالقوات المسلحة المصرية سمير راغب، رئيس المؤسسة العربية للدراسات السياسية (حاليًا)، الذي تساءل في مداخلة متلفزة له على قناة “الجزيرة” عن أهداف “إسرائيل” من وراء احتلال محور فيلادلفيا، لافتًا إلى أن مصر قضت على الأنفاق تمامًا مع غزة، وأن تل أبيب لو أرادت احتلال المحور عليها التنسيق مع المؤسسة العسكرية المصرية للاتفاق على ذلك وفق تعديلات في خطة “فك الارتباط”، منوهًا أن الجانب المصري لن يمانع في هذا الأمر بعد مناقشته، كون هذا الشريط ليس مصريًا، فضلًا عن أن الاحتلال كان قد وافق على مطالب مصرية سابقة خارج السياق كإدخال تشكيلات مسلحة في المنطقة (ج) محظورة السلاح لمحاربة التنظيمات المسلحة، وبالتالي فلا مشكلة في أن تحتله “إسرائيل” وتتولى تأمين الحدود المصرية من الجانب الفلسطيني، على حد قوله.

علاوة على ذلك، فإن رد الفعل المصري إزاء التعامل مع تهديدات الأمن القومي شرقًا وغربًا يكشف حالة من الازدواجية الفاضحة، ففي الوقت الذي استأسد فيه نظام السيسي على ليبيا وتدخل عسكريًا ووضع خطوطًا حمراء في العمق الليبي، ها هو ينبطح أمام تحرشات الإسرائيليين على الشريط الحدودي، رغم الفارق الكبير في فحوى وتأثير واحتمالية التهديدات الأمنية هنا وهناك، فقادة الاحتلال كثيرًا ما عبروا عن حلمهم القديم في دولتهم المزعومة من النهر إلى البحر، وهو الحلم الذي يهدد أمن مصر بشكل مباشر ويضع سيادتها على أرضها على المحك.

نجحت تل أبيب في تحييد الجانب المصري إزاء حرب الإبادة التي تشنها ضد القطاع بفزاعة الترحيل إلى سيناء، وهو ما قزم دور مصر وحول كل اهتمامها باتجاه الحيلولة دون التهجير إلى الأراضي المصرية، ما أسفر عن تخليها عن دورها المنوط في الدفاع عن القضية الفلسطينية ودعم أهل غزة والتصدي لهمجية الاحتلال، ناهيك بدورها في تشديد الحصار على القطاع ومساعدة الكيان المحتل في خنق الفلسطينيين، سواء كان ذلك بقصد أم دون قصد، فالنتيجة واحدة.

كما أن غياب الموقف العربي الموحد إزاء الوضع في غزة أقلق الجانب المصري من أي تحرك بشكل فردي، رغم الضغوط الممارسة عليه، ليكتفي الجميع بدور المشاهدين من مقاعد الجمهور، دون تأثير أو حراك يحفظ للعروبة ماء وجهها، الأمر الذي شجع المحتل وجرأه على ارتكاب المزيد من الانتهاكات يقينًا منه أن الأنظمة العربية لن تحرك ساكنًا ولن تتجاوز حاجز الصمت والشجب والإدانة.

ويبقى السؤال: إن لم يكن احتلال الشريط الحدودي مع مصر والاستهداف المتكرر له تهديدًا لأمنها القومي فما هو التهديد إذًا؟ وإن لم يكن هذا الخرق نسفًا لاتفاقية السلام يستوجب مراجعتها واستخدامها كورقة ضغط، فمتى يكون ومتى تستخدمها القاهرة؟ وإن لم تُزلزل كل تلك الانتهاكات بحق أطفال ونساء وشيوخ غزة ضمائر العرب، فمتى تتحرك؟ وإن لم يكن ما يحدث في غزة من تصفية للقضية الفلسطينية وتهديد مباشر للأمن القومي العربي يتطلب التحرك في أقصى سرعة قبل فرض أمر واقع جديد، فمتى يكون التحرك؟ وإن لم يُسمى هذا الصمت الفاضح انبطاحًا.. فما الانبطاح في قواميس أنظمة الحكم العربية إذًا؟

صابر طنطاوي

المصدر: موقع نون بوست




عمالة للعدو أم مجرّد وجهة نظر؟

سبق أن نشرت «القوس» مقالاً يميّز بين جرم العمالة وجرم خرق قانون مقاطعة إسرائيل وجرم دخول أراضي العدو، ولكلٍّ منها وصف جنائيّ مختلف. لكن ماذا عن جرم التطبيع؟ قد تكون البلاد بحاجة إلى توصيف مختلف للجرم يشدّد العقوبة ويوضحها، وفي الوقت نفسه يمنع توقيف الأبرياء ظلماً. وفي المقابل، فإنّ تضمين قانون مقاطعة إسرائيل حظر التطبيع يستدعي تعديل القوانين اللبنانية بشكل أكثر وضوحاً.

يسمع اللبنانيون ويقرؤون كلّ يوم عن وجهات نظر مختلفة إزاء العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي، بوصفه مصنّفاً في حالة العداء وفقاً للقوانين اللبنانية. فمنهم من يعتبر أنّ التعامل يشمل مشاركة ممثل عن العدوّ في حلقة تلفزيونية مثلاً، في حين أنّ البعض الآخر يرى ذلك أمراً مسموحاً طالما كان الموقف على الملأ، باعتبار أنّ القانون اللبناني لا يمنع ذلك، وفقاً لزعمهم.
وفي إطار النّزاع السياسي اللامتناهي، يخوّن اللبنانيون بعضهم البعض في حين أنّ الموقف الرسمي لجميع سلطات الدولة يكنّ العداء للعدو بشكلٍ واضح.

القانون يجرّم أيّ اتصال مع العدوّ

من المحسوم قانوناً أنّ الصلات مع العدو غير مشروعة، فقد تناول قانون العقوبات مسألة دخول أراضي العدو، فنصت المادة 285 منه على أنّ كل لبناني وكلّ شخص مقيم في لبنان، أقدم أو حاول أن يقدم مباشرة أو بواسطة شخص مستعار على صفقة تجارية أو أيّ صفقة شراء أو بيع أو مقايضة مع أحد رعايا العدو، أو مع شخص ساكن في بلاد العدو، كما يُعاقب بذات العقوبة كلّ لبناني وكل شخص في لبنان من رعايا الدول العربية يدخل مباشرة أو بصورة غير مباشرة، ومن دون موافقة الحكومة اللبنانية المسبقة بلاد العدو لأيّ سبب كان.
يعاقب القانون كل لبناني وكل شخص في لبنان من رعايا الدول العربية زار بلاد العدو لأي سبب كان، سواء كان دخول بلاد العدو بشكل مباشر أو غير مباشر، ومن دون موافقة الحكومة اللبنانية المسبقة. ولكن، هل من الممكن أن توافق الحكومة مسبقاً على دخول أراضي العدو لكي يصبح الأمر مباحاً؟
من جهة أخرى يحقّ للقضاء ملاحقة أيّ لبناني أو أجنبي مقيم على الأراضي اللبنانية يتواصل مع العدو وهو على بيّنة من ذلك. لكن ماذا لو لم يكن على بيّنة؟ الأمر يستدعي من القضاء أن يكون دقيقاً كي لا يقع الافتراء، كما رأينا في أكثر من ملف، إذ باشر القائمون على التحقيقات بتسريب شكوكهم إلى الإعلام في عدد من الملفات، وتبيّن أنّ المتهم بريء بموجب حكم نهائي، فمن يُعيد إلى هذا المتهم كرامته؟ وعلى العكس من ذلك، فقد برّأت محكمة التمييز أحد العملاء الذين تأكّدت عمالتهم لسبب غير مقنع كما يثبت من الحكم الآتي.

محكمة التمييز وهيئة الاستشارات والتشريع: «العملاء أحياناً لطفاء»

عام 1998، اعتبرت محكمة التمييز في حكمها الصادر عن غرفتها السادسة الرقم 214/1998 أن تزويد أحد الأفراد اللبنانيين للعدو بمعلومات عن نشاطات الجبهة الشعبية – القيادة العامة والعمليات المنوي تنفيذها من قبلها ومنازل المسؤولين فيها، وكذلك عن بعض المسؤولين في حركة أمل وحزب الله، ليس جرم خيانة للوطن. إذ اعتبرت محكمة التمييز أنّ هذه المعلومات وإن كان يمكن للعدو الإسرائيلي استغلالها لغايات خاصة به، لا تتميّز بطابع السريّة والكتمان المقصود في المادة 281 عقوبات، إذ لا علاقة لها بسلامة الدولة اللبنانية، إنما فقط بأمن الجبهة الشعبيّة وحركة أمل وحزب الله، ولا سيما أنه ليس في التحقيق ما يُفيد عن أنّ توفير هذه المعلومات للإسرائيليين، كان يهدف إلى تمكينهم من الاعتداء على الدولة اللبنانية أو أراضيها. وخلُصت المحكمة إلى أنّ عناصر المادة 283 عقوبات تكون بذلك منتفية، وبانتفائها تنتفي أيضاً عناصر المادة 284 المعطوفة عليها؛ ما يقتضي منع المحاكمة عن المدعى عليه.
والمؤسف أنّ هيئة الاستشارات والتشريع سبق أن وقعت في هفوة مشابهة، عندما اعتبرت في استشارتها الرقم 376/2014 تاريخ 27/5/2014 أنّ المشترع، وتحديداً في ما يتعلق بالفقرة (2) من المادة الوحيدة من القانون الرقم 194/2011 – بسماحه للبنانيين وعائلاتهم الذين لم ينضووا عسكرياً وأمنياً ولجأوا إلى الأراضي المحتلة إثر تحرير الشريط الحدودي في 25 أيار 2000، بالعودة إلى لبنان – يكون قد أخرج هؤلاء اللبنانيين من دائرة تطبيق قانون مقاطعة إسرائيل ومن سائر القوانين الجزائية التي تعاقب على أي اتصال بالعدو الإسرائيلي، مساوياً بالتالي هؤلاء بأيّ لبناني آخر لم يتعامل مع العدو ولم يقبل بدخول أراضي العدو، وهو أمر أيضاً يستدعي التنبّه له ورفضه تماماً.
هذا الحكم وهذا الرأي يستدعيان إعادة النظر بقانون العقوبات، لأنّ خيانة الوطن هي من الجنايات الواقعة على أمن الدولة الخارجي، ومنها أعمال العدوان ضد لبنان والتجسّس ودس الدسائس عبر إقدام أيّ لبناني أو أجنبي مقيم في لبنان على التواصل مع العدو .
ما يقضي بتعديل قانون العقوبات بشكل يشمل أي تواصل مع العدو ويجرّم إعطاء أية معلومات أياً كانت وعن أي لبناني أو أية جهة كانت.

قانون مقاطعة إسرائيل أم حظر إدخال البضائع الإسرائيلية؟

بمراجعة قانون مقاطعة إسرائيل الصادر في حزيران من عام 1955، يشتفّ من مضمونه وكأنه محصور بالشؤون الاقتصادية، أي إن القانون ينحو تجاه حظر البضائع الإسرائيليّة فقط، وهذا الأمر يزداد تأكداً إذا ما قام المتابعون بمراجعة أسبابه الموجبة التي ورد فيها ما حرفيّته:
الحصار الاقتصادي المفروض على إسرائيل من لبنان وسائر الدول العربية يحتّم استصدار تشريع خاص ينظّم أعمال مقاطعة إسرائيل، فيحدد المسؤوليات ويعيّن الموجبات وينزل العقوبات بالمهرّبين من إسرائيل وإليها.

يعاقب القانون كل لبناني وكل شخص في لبنان من رعايا الدول العربية زار بلاد العدو لأي سبب كان

وهو ما يبرز أيضاً من المرسوم التطبيقي للقانون ذي الرقم 12562 تاريخ 19 نيسان 1963، مرسوم تنظيم مقاطعة إسرائيل والمرسوم الرقم 2896 تاريخ 16 كانون الأول عام 1959 المتعلّق بتنظيم وزارة الاقتصاد الوطني حين تم إتباع مكتب مقاطعة إسرائيل بوزارة الاقتصاد.
في عام 2018، أكّد مجلس شورى الدولة على أمرين: وجوب استمرار تطبيق قانون مقاطعة إسرائيل، وعلى الشقّ الاقتصادي للقانون.
بموجب قراره الرقم 682 /2017-2018 رفض مجلس شورى الدولة إبطال قرار وزير الاقتصاد، وبالتالي رفض إبطال قرار مجلس الوزراء في شقه المتعلّق بحظر التعامل مع إحدى الشركات الأميركية. إذ تبيّن للمجلس أنّ الشركة المذكورة في قرار مجلس الوزراء، لها شركات فرعية في إسرائيل تدعم إنشاء المستوطنات، وتعتبر بالتالي في حكم الشركات المحظور التعامل معها وفقاً للفقرة الأخيرة من المادة الأولى من قانون مقاطعة إسرائيل الصادر بتاريخ 23/6/1955، ما اقتضى معه ردّ المراجعة لعدم ارتكازها على أساس قانوني سليم.
أن يصبح ملف العداء للاحتلال أمراً فيه وجهة نظر، خطب جلل يستدعي تعديل قانون العقوبات وقانون مقاطعة إسرائيل، وتضمين القانون الأخير حظر التطبيع يستدعي التعديل لهذه الجهة.

قانون مقاطعة إسرائيل تاريخ 23/06/1955

صادق علوية

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار




هدايا العيد: قنابل وصواريخ على الكنائس والمساجد والقبور

باتت الآثار والأضرحة التاريخية والأماكن الدينية، تحديداً تلك التي بُنيت منذ آلاف السنين، أهدافاً عسكرية تتعرّض للقصف والتدمير المنهجي، وكأن التاريخ هو العدو الذي يجب أن يُقضى عليه. الخطورة تكمن في العقليّة التي تقف وراء هذا التدمير المتعمّد وليس العرضي. لذلك حظيت أماكن العبادة وغيرها من المعالم التراثية والحضارية بمكانة خاصة في الصكوك الدولية التي أسبغت عليها حماية قانونية أثناء النزاعات المسلّحة الدولية وغير الدولية. وقد أكد إعلان اليونسكو لعام 2003 بشأن التدمير المتعمّد للتراث الثقافي على أهميته والالتزام بمكافحة تدميره المتعمّد بأي صورة من الصور، ليمكن نقل هذا التراث إلى الأجيال القادمة، ووجوب أن تتّخذ الدول جميع التدابير الملائمة أثناء النزاعات المسلحة، وفي زمن الاحتلال على نحوٍ يكفل حماية التراث الثقافي وفقاً للقانون الدولي، وعلى أطراف النزاع التزام بسط الحماية الضرورية للممتلكات الثقافية والحيلولة دون تدميرها أو نهبها أو العبث بها.

الاعتداءات الإسرائيلية على المقدّسات في فلسطين سياسة ممنهجة يتّبعها الكيان المحتل ضد المقدسات الإسلامية والمسيحية. فمنذ احتلالها عام 1967 للضفة الغربية والقدس، تتواصل الاعتداءات على المسجد الأقصى على نحوٍ متكرر، وأبرزها إحراق المسجد في 21 آب 1969، ومنع المصلّين من الصلاة فيه وتدنيسه من قوات الاحتلال ومستوطنيه واقتحامه على نحو استفزازي مستمر، والتهديد بهدمه والقيام بأعمال حفر وخلخلة أساساته سعياً لبناء هيكلهم المزعوم. كذلك لم تسلم أماكن العبادة المسيحية من الانتهاكات الإسرائيلية، من بينها الاعتداء على كنيسة بئر يعقوب للروم الأرثوذكس وسرقة كنائس عدة والاستيلاء على عقارات تعود لإلى الوقف المسيحي، واحتلال القوات الإسرائيلية للكنيسة اللوثرية في بيت جالا، إضافة إلى إطلاق دعوات يهودية متطرّفة إلى حرق الكنائس والاعتداء على مشاركين في مسيرات شعائرية مسيحية وغيرها.

قصف متعمّد للأماكن الدينية في غزة

أماكن العبادة كانت أيضاً ضمن الأهداف المباشرة للطيران الإسرائيلي الهمجي ضد غزة. يوثّق تقرير صادر عن مبادرة التراث من أجل السلام (منظمة غير حكومية تُعنى بحماية التراث الإنساني المعرّض للخطر مركزها إسبانيا) في السابع من تشرين الثاني 2023، المعالم الأثرية والدينية التي تعرّضت للدمار الكلّي أو الجزئي. من بين هذه المعالم التي دُمّرت بالكامل: كنيسة جباليا البيزنطية، كنيسة برفيريوس الأرثوذكسية، المسجد العمري، مسجد الشيخ شعبان ومسجد الظفر دمري، ومقبرة دير البلح، ودير القديس هيلاريون، ومقام خليل الرحمن، ومسجد السيد هاشم، ومقام الخضر، ومقام النبي يوسف. فماذا نعرف عن تلك المعالم الدينية؟
كنيسة جباليا البيزنطية تعود إلى العهد البيزنطي، بُنيت في عام 444 ميلادية. فيما كنيسة برفيريوس من أقدم الكنائس الأثرية في البلدة القديمة في غزة، وتقع في حي الزيتون. بُنيت عام 425 ميلادية على يد القديس برفيريوس وهي تضم ضريحه. أما مقبرة دير البلح فمن أهم المقابر التاريخية والأثرية، وتعكس تاريخ الشعب الفلسطيني على مدى عصور عدة، وقد كشفت تنقيبات أثرية بين عامَي 1972 و1982 أنّها أهم مقبرة تعود إلى العصر البرونزي المتأخّر، وتُنسب إلى ما يسمى «ملوك الفلسطينيين». ويعود تأسيس مسجد الظفر دمري إلى العصر المملوكي على يد الأمير شهاب الدين أحمد بن أزفير الظفر دمري. وتُعد تلّة أم عامر، وهي موقع القديس هيلاريون (في النصيرات)، من أبرز المعالم الدينية الأثرية وارتبط اسمها باسم القديس هيلاريون الذي عاد إلى غزة بعد رحلة روحية قضاها مع القديس أنطونيوس في صحراء سيناء، وأسّس ديراً للتنسّك في خربة أم عامر عام 329 ميلادية، والموقع كان مسجلاً ضمن اللائحة التمهيدية للتراث العالمي. وألحق القصف الهمجي الإسرائيلي أضراراً بأرضية فسيفساء لبقايا كنيسة أصلان البيزنطية. ويعتبر مسجد السيد هاشم من أشهر المساجد في غزة وأقدمها، وهو يضم ضريحاً تحت قبّته، يُعتقد أنه يعود إلى السيد هاشم بن عبد مناف، الجد الأكبر للنبي محمد(ص)، وبه تُعرف باسم غزة هاشم. المسجد العمري الكبير هو من أكبر مساجد غزة وأقدمها ويقع في مدينة غزة القديمة، وقد أُطلق عليه هذا الاسم تكريماً للخليفة عمر بن الخطاب، وهو يقع فوق معبد قديم، حوَّله البيزنطيون إلى كنيسة في القرن الخامس الميلادي، وبعد الفتح الإسلامي في القرن السابع حوَّله المسلمون إلى مسجد. وقد وصفه الرحالة والجغرافي ابن بطوطة، في القرن العاشر الميلادي، بـ«المسجد الجميل».

الجيش الإسرائيلي اعتدى على كنيسة جباليا البيزنطية وكنيسة برفيريوس الأرثوذكسية ودير القديس هيلاريون والمستشفى الأهلي المعمداني

إسرائيل بقصفها لكل المعالم التراثية الروحية تُضيف إلى سجلّها الإجرامي جريمة حرب أخرى، وهي تعمد إلى تدمير الأماكن الدينية التي تجسّد البُعد التاريخي والحضاري لفلسطين، بهدف طمس الهوية الثقافية لفلسطين التي تهدّد الادعاءات الصهيونية وتفضح تزييفها للتاريخ.

وقد نجحت فلسطين عندما انضمت إلى منظمة اليونسكو في 31 تشرين الأول 2011، في تسجيل ثلاثة مواقع فلسطينية على لائحة التراث العالمي، هي كنيسة المهد ومسار الحجّاج في بيت لحم (2012). وفي عام 2017 استطاعت أن تسجل البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي في الخليل كتراث ثقافي فلسطيني. وفي أيلول الماضي، صدر قرار عن اليونسكو بإدراج أريحا (تل السلطان) على لائحة التراث العالمي، وكان العمل جارياً لإعلان المواقع الأثرية والدينية في غزة تراثاً عالمياً.

حماية التراث الروحي في الصكوك الدولية

لا جدال في أن الاعتداءات الإسرائيلية على الأماكن المقدسة هو انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني الذي يمثل المستوى الأول لحماية الممتلكات الثقافية في حالات النزاع المسلّح. فقد كُرّس أول نصوصه في اتفاقية بروكسل لعام 1874 للنظر في قوانين الحرب وأعرافها، وكان أحد أهدافها حماية دور العبادة من النزاع المسلّح، ونصّ على وجوب اتخاذ كل التدابير الضرورية لتجنيب المباني المخصّصة للعبادة والفنون والعلوم الضرر، وتبعته اتفاقية لاهاي الثانية لعام 1907 التي تنصّ في المادة 27 على أنه «في حالات الحصار أو القصف، يجب اتخاذ كل التدابير اللازمة لتفادي الهجوم قدر المستطاع على المباني المخصّصة للعبادة»، والمادة 56 التي تنص على أنه «يجب معاملة ممتلكات البلديات وممتلكات المؤسسات المخصّصة للعبادة والأعمال الخيرية والتربوية، والمؤسسات الفنية والعلمية، كممتلكات خاصة، حتى عندما تكون ملكاً للدولة، ويُحظّر كلّ حجز أو تدمير أو إتلاف عمدي لمثل هذه المؤسسات… وتتخذ الإجراءات القضائية ضد مرتكبي هذه الأعمال». كذلك تنص البروتوكولات الإضافية لعام 1977 الملحقة باتفاقيات جنيف لعام 1949 على الحماية ذاتها. كما جاء في المادة 53 من البروتوكول الإضافي الأول أنه «تحظّر الأعمال الآتية: ارتكاب أي من الأعمال العدائية الموجّهة ضد الآثار التاريخية أو الأعمال الفنية أو أماكن العبادة التي تشكّل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب».
المستوى الثاني من الحماية تؤمنه اتفاقية لاهاي لعام 1954، وهي الحجر الأساس لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاع المسلّح سواء كان دولياً أو داخلياً. وبموجب هذه الاتفاقية، يتعين على الأطراف حماية جميع الممتلكات الثقافية، سواء كانت داخل أراضيها أو داخل أراضي الدول الأطراف الأخرى، عبر توفير الحماية العامة، وهي أولاً صون ممتلكاتها الثقافية من الآثار التي قد تنجم عن نزاع مسلّح (المادة 3) والامتناع عن استعمالها لأي غرض من شأنه أن يعرّضها للتدمير أو التلف في حالة نزاع مسلّح، وثانياً الامتناع عن توجيه أي عمل عدائي إزاء تلك الممتلكات الثقافية. وثالثاً حظر ومنع أي شكل من أشكال السرقة أو النهب أو التبديد للممتلكات الثقافية ووقف تلك الأعمال وحظر أي عمل تخريبي موجّه ضدها. أما في حالة الاحتلال فقد نصّ البروتوكول الأول لاتفاقية عام 1954 المتعلق بوضع الممتلكات الثقافية تحت الاحتلال في المادة الخامسة منه، على أنه يتعين على الدول الأطراف التي تحتل أراضي إحدى الدول الأطراف الأخرى وقاية ممتلكاتها الثقافية والمحافظة عليها بقدر المستطاع.

ماذا عن مسؤولية مرتكبي الاعتداء على أماكن العبادة أثناء النزاع المسلّح؟

وفقاً للاتفاقيات السابقة، تتحمل الدولة أولاً مسؤولية مدنية وفقاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقية عام 1954 التي ترتب المسؤولية المدنية على الدولة المعتدية، بوجوب إعادة الحال إلى ما كان عليه أولاً، فإذا استحال ذلك عليها تقديم التعويض المالي وتقديم اعتذار رسمي. أما المسؤولية الجنائية فتترتب على الأفراد مرتكبي الاعتداءات، وهو ما نص عليه القانون الجنائي الدولي، وتحديداً بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التي اعتبرت مادتها الثامنة أنه تجوز محاكمة من يقوم بالهجمات التي تستهدف عمداً المباني المخصصة للشعائر الدينية أو للأنشطة التعليمية أو الخيرية والآثار التاريخية والمستشفيات، شريطة ألا تكون أهدافاً عسكرية في نزاع دولي أو غير دولي، وتعتبر هذه الهجمات جرائم حرب.
الجدير ذكره في هذا السياق، أنّ عدم الانضمام لأي من هذه الاتفاقيات الدولية لا يعفي الدولة من الالتزام بما يفرضه القانون الدولي المدوّن، إذ إن كل النصوص المدوّنة في الاتفاقيات السابقة باتت جزءاً من القواعد الدولية العرفية الملزمة للدول.
 

القضاء الدولي ومعاقبة المعتدين

شهدت الحرب التي وقعت في يوغسلافيا السابقة تدمير مئات المواقع الدينية والثقافية بشكل منهجي. وأكدت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابق، أن تدمير التراث الثقافي يُعد جريمة بموجب القانون الدولي العرفي. كما قررت أن الجرائم الممنهجة ضد التراث الثقافي يمكن أن ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، «لأن البشرية جمعاء تتأذّى بالفعل من تدمير ثقافة دينية فريدة». ويعتبر حكمها الصادر في آذار 2004 سابقة قضائية، إذ أدانت المحكمة متهمين لارتكابهم جرائم دولية عدة، من بينها التدمير أو الضرر المتعمّد لمؤسسات مكرّسة للدين أثناء حصار مدينة دوبروفنيك الكرواتية عام 1991.
كذلك أدانت المحكمة الجنائية الدولية في حكم صدر عام 2017 المدعو أحمد الفقي المهدي لارتكابه جريمة حرب تتمثل في شن هجمات ضد مبانٍ مخصّصة للأغراض الدينية وآثار تاريخية أدت إلى تدمير مسجد تاريخي، إضافة إلى الأضرحة التراثية بين 30 حزيران و11 تموز 2012. وقد غرّمته المحكمة بمبلغ 2,7 مليون يورو تُدفع لأهالي تمبكتو ومبلغ رمزي آخر قيمته يورو واحد لدولة مالي ولمنظمة اليونسكو.
وشكّل حكم المحكمة الجنائية الدولية سابقة قضائية أيضاً. فقضية أضرحة تمبكتو كانت أول دعوى تنظر فيها المحكمة بشكل مباشر في مسألة الاعتداء على مبان مخصّصة لأغراض دينية. ولكن السؤال: هل ستتكرر مثل هذه الدعوى في المستقبل ضد الكيان الصهيوني؟ فجريمة التدمير المتعمّد للمواقع الدينية، وإن باتت جريمة حرب، فإن توقيع العقوبة مرتبط بالإرادة السياسية للدول المعنية، والقضاء الدولي بأنواعه لا يستطيع التحرّك ما لم تتوافر هذه الإرادة.

لونا فرحات

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار




ضحايا زواج “الكونترا”… أطفال مغاربة يدفعون ثمن عقود ديْن

يدفع أطفال مغاربة ثمن عقود دين بين أجدادهم وآبائهم تسمى زواج “الكونترا” أو العقد، ويفترض أن يضمن حق الزوجة القاصر في الاعتراف والتوثيق أو إجبار الرجل على دفع الدين، غير أن سلسلة من المخالفات القانونية تدمر حياتهم.

– تنتقد المحامية المغربية نبيلة جلال، رئيسة فدرالية رابطة حقوق النساء بجهة الدار البيضاء سطات، منْح القانون الخيارَ للزوج في أن يعترف بنسب ابنه أو أن يرفض ذلك حتى بعد إثبات الأمر عبر تحليل الحمض النووي DNA، الذي يجرى بطلب من القاضي في الدعاوى المرفوعة لإثبات نسب الأطفال نتاج ما يعرف بـ”زواج الكونترا”، أي زواج العقد، الذي يقوم على توقيع زوج القاصر التي يقل عمرها عن 18 عاماً على ورقة دين مالي لصالح الأب أو الولي الشرعي من أجل إلزامه بتوثيق الزواج عند بلوغ العروس السن القانونية، أو تهديده بدفع الدين في حال تراجعه عن الاتفاق، مبينة أن “هذا الزواج يشكل تحدياً للمجتمع لما يترتب عنه من ضياع حقوق الزوجة القاصر والأطفال الناتجين منه الذين يعدون غير شرعيين في نظر القانون”.

وتبدو خطورة الظاهرة في ما ترصده حفيظة شهري، منسقة البرامج النسائية في جمعية المحامين الشباب في مدينة الخميسات شرق الرباط (حقوقية)، التي تقول إنها توثق ما يراوح بين ثلاث إلى أربع حالات أسبوعياً لفتيات تزوجن بطريقة الكونترا، منذ تصاعد الظاهرة في عام 2016، وبعضهن يمتلكن وثيقة اعتراف بالدّيْن، وأخريات لديهن تعهد بالزواج لاحقاً، وهاتان الوثيقتان لا تعتبران سنداً قانونياً يحل مشاكلهن العديدة وينهي معاناة أبنائهن أمام المحاكم كما تقول شهري.

ضحايا “زواج الكونترا”

لاحظ محمد طارق، الكاتب العمومي في إقليم قلعة السراغنة شرق مراكش أول حالة زواج بطريقة الكونترا من خلال عقد سلف بين طرفين، يوجد فيه دائن (الأب) وهو مقدم المبلغ ومدين (الزوج)، وهو من قبض المبلغ على وجه السلف، على أساس أن يرد الدين في أجل محدد بالسند، وهو رابطة قانونية بين شخصين، وضعها المشرع لحماية صاحب الحق واسترجاع ماله في حالة إنكار المدين، وهنا تتوقف الغاية من الأمر بعيداً عن أي مسألة زواج أو مبادلة، لكن عندما تجد أن الطرف الدائن هو والد فتاة قاصر، رفض القاضي منحها الإذن بتزويجها، يتضح أنه تم الاعتماد على عقد السلف عوض عقد الزواج كضمانة لحماية حقوق الفتاة، حسب رواية الطرفين.

وتتعامل عزيزة زهير، المنسقة المكلفة باستقبال الضحايا في مركز النساء في وضعية صعبة (غير حكومي يهتم برعاية النساء اللواتي بحاجة لمساعدة ومقره إقليم قلعة السراغنة)، مع ضحايا هذا الزواج كما تقول، موضحة أن المركز استقبل 130 حالة لفتيات تزوجن بهذه الطريقة ولجأن إليهم طلباً للمساعدة، وكان بينهن حالتا حمل خلال عام 2016، الذي شهد ذروة شيوع الظاهرة.

ولا يوجد أي حصر دقيق لدى الجهات الرسمية أو الحقوقية لتحديد عدد الأطفال الناتجين من تلك الزيجات طالما لم يجر توثيقها بحسب الناشطة جلال، التي تقول إن المشرع المغربي سبق له أن فتح الفرصة أمام الأشخاص الذين تزوجوا عبر الكونترا مراراً لتوثيقه، عملاً بالمادة 16 من مدونة الأسرة، التي جرى تطبيقها بدءاً من فبراير/شباط عام 2004 واستمر حتى فبراير 2014، ثم جرى تمديد الفترة لخمسة أعوام إضافية انتهت في فبراير 2019، “وعلى الرغم من ذلك قرر أولئك التجاوز على الإجراءات القانونية”، مؤكدة أن عقد الكونترا صوري في نظر القانون، ولا يمكن لعقد ديْن أن يحل محل عقد للزواج، وبالتالي، هذه علاقة غير شرعية لا يمكن إثباتها عبر مسطرة ثبوت الزوجية. أما الأطفال الناتجون من هذه العلاقة، فالقانون يمنحهم الحق في النسب، إما من طريق الإقرار، وهو إشهاد رضائي يعترف فيه الأب بالبنوة أمام محكمة الأسرة، وإما عبر اللجوء إلى القضاء، وهو إجراء تسلكه الأم العازبة ضد الزوج في حالة نكرانه للطفل، ويستوجب تقرير فحص الحمض النووي، والذي لا يأذن به قاضي محكمة الأسرة إلا في حالات ثلاث هي: الفراش كأن يكون الزوج يشك بنسب طفلهما، وحالة الإقرار التلقائي بالعلاقة من قبل الزوج، ما يستوجب تأكد القاضي، وعند الحمل في مرحلة الخطوبة، وخارج هذه الشروط الثلاث توضح جلال أنه لا يمكن للزوجة المطالبة باختبار النسب الجيني، ولا يمكن للمختبرات المغربية منحها هذه الخدمة إلا بإذن قضائي، وسيبقى للزوج دائماً حتى بعد إجراء الفحص خيار الاعتراف من عدمه، بناءً على المادة الـ 148 من مدونة الأسرة المغربية المعدلة في 29 يوليو/تموز 2021، والتي تنص على أنه “لا يترتب على البنوة غير الشرعية بالنسبة للأب أي أثر من آثار البنوة الشرعية”، أي إن الطفل غير الشرعي لا يرتبط بأي شكل من الأشكال بالأب البيولوجي، سواء بالنسب أو بالبنوة، كما تفسر جلال.

ماذا يجري عند اللجوء إلى القضاء؟

في حال اضطرار القاصر وأسرتها إلى تحريك دعوى قضائية بالاعتماد على الورقة الموقعة بين الطرفين، خصوصاً في الحالات التي ينتج منها حمل، فإن النتيجة لن تتجاوز حصولها على مبلغ الدين المتفق عليه، وإذا أخذت القضية منحى قضية جنحة سيحكم على الزوج بتهمة هتك عرض قاصر بصرف النظر عن موافقة القاصر من عدمها، والأب بتهمة المتاجرة في البشر، بحسب توضيح جلال للتكييف القانوني لمثل هذه التجاوزات. 

يُحظر إجراء فحص الحمض النووي إلا بقرار قضائي

غير أن بشرى زروال، اختصاصية اجتماعية في مركز النساء في وضعية صعبة، تنفي نية المتاجرة لدى الآباء، مستدلة على ذلك بضعف قيمة المبالغ التي يحددونها في الورقة الموقعة بينهم، وتُرجع إقدامهم على مثل هذه الممارسات إلى جهلهم بالمساطر القانونية، ظناً منهم أنهم قادرون على إثبات الزواج بـ”الكونترا” فيما بعد، حتى وإن اختار الزوج إنكاره، بالتالي، “نجد القاصر في كثير من الحالات تختار التنازل عن القضية، خوفاً على أبيها من العقاب القانوني وطول الإجراءات وتعقيدها”. 

وهو ما حدث مع العشرينية نادية الزامل (اسم مستعار حفاظاً على خصوصيتها)، التي اقترنت بشخص عبر طريقة الكونترا عام 2018، وسرعان ما هجرها وطردها بعد مضي أقل من عام، لتكتشف حملها، ما دفعها إلى العودة إلى بيت الزوجية، لكنها فوجئت بعائلة الزوج تطردها أيضاً، الأمر الذي جعلها تواجه صعوبة في توثيق زواجها يوماً بعد يوم، ولم يبقَ لها سوى خيار وحيد، هو تحريك دعوى للمطالبة بإثبات النسب، وعندما استشارت محامياً، أبلغها أنها مسطرة معقدة جداً ومكلفة، حسب قولها، وقد يأذن لها قاضي الأسرة بإجراء اختبار جيني لإثبات النسب، لكن في المقابل ستضطر إلى تحمّل تكاليف هذا الاختبار الذي تتجاوز قيمته 4000 درهم مغربي (397 دولاراً)، بالإضافة إلى تكاليف القضية، وإن كانت تحاليل اختبار النسب إيجابية، فلن يكون القانون قادراً على إجبار الأب على الاعتراف بالطفل، و”هذه الثغرة” القانونية سبّبت تراجع الزامل عن متابعة الإجراءات، وزادت من شعورها باليأس والاستسلام، وبالنتيجة أسهمت التعقيدات القانونية في عدم حصول طفلها على وثائق تثبت نسبه وتمنحه حقوقه القانونية، وقد أصبح الآن في الخامسة من عمره، دون أن تكون له شهادة ميلاد، ما يعقد من وضعه في نواحٍ عديدة، مثل التعليم والالتحاق بالمدرسة، كما تقول والدته.

الصلح خير: إن تمّ 

تزوجت العشرينية غيثة عيد (اسم مستعار للحفاظ على خصوصية العائلة)، بطريقة الكونترا بعد عقد دين نص على مبلغ 80 ألف درهم (7927 دولاراً) عام 2018، وعاشت مع شريكها حياة مليئة بالعنف، كما روت لـ”العربي الجديد”، إلى أن قررت تقديم شكوى ضده، وسجن على إثرها بعد إدانته بالاغتصاب وهتك عرض قاصر، لكن عيد عرفت بحملها بعد دخوله السجن، فاختارت التنازل عن القضية مقابل اعترافه بالطفل، واتفقت معه على ذلك، غير أنه خدعها واستغل التنازل لصالحه، وعندما خرج من السجن رفض الزواج بها والاعتراف بالطفل كانتقام منها لسجنه.

زواج الكونترا قائم على عقد صوري غير معترف به
تحول التعقيدات القانونية دون حصول أطفال زواج “الكونترا” على وثائق تثبت نسبهم وتمنحهم حقوقهم (Getty)

وفي تلك المرحلة، كانت عيد في مركز النساء في وضعية صعبة، نظراً لصعوبة وضعها الاجتماعي والمادي، وفي محاولة لمساعدتها تدخل المسؤولون بالمركز في مفاوضات مع شريكها للاتفاق على الصلح ما دام القانون غير قادر على إجباره على الاعتراف بالزواج والطفل بحسب الناشطة زهير، المنسقة في المركز.

وبالفعل، نجحت محاولاتهم وتزوجها بعقد جديد ونسب طفله إليه وسجله في دفتر الأسرة (سجل الأحوال المدنية) وحصل ابنه على حقوقه قبل دخوله المدرسة.

وتعلق زهير على تجربة عيد، قائلة إنها من التجارب الناجحة في توثيق عقد الزواج والاعتراف بالطفل، لكن في حالات أخرى يستعصي عليهم ذلك، حينها تضطر الأم إلى إسناد الطفل إلى نسبها.

وفي هذه الحالة، بحسب المحامية نبيلة جلال، تكون الأم هي الوصي الشرعي عليه أمام المؤسسات الإدارية ويسمى قانونياً طفلاً لأم عازبة، وأصدر القضاء الاستعجالي عام 2017 قراراً يقضي بحق الأم العازبة في الحصول على دفتر عائلي، وأن تستخرج شهادة ميلاد لطفلها، ليستفيد من حقوقه، وعلى رأسها التعليم، غير أن تطبيقه واجه عوائق عديدة، لأن المجتمع ومؤسسات الدولة ما زالت تعتبر منح التسهيلات للأمهات العازبات بمثابة مخالفة للمرجعية الدينية وتشجيع للعلاقات خارج مؤسسة الزواج، وهذا له تبعات خاصة على الأطفال، أبرزها عدم التحاقهم بمقاعد الدراسة، بحسب مصادر التحقيق.

ويرى الحسن زعطم، مدير المكتب الإقليمي لمركز حقوق الناس في إقليم قلعة السراغنة (منظمة غير حكومية)، أن العقوبات الزجرية التي وضعتها المحاكم الابتدائية في الأقاليم المختلفة، بخاصة قلعة السراغنة الذي انتشرت فيه الظاهرة أكثر من غيره، ساهمت في تخفيض الإقبال على هذا النوع من الزواج، ومنها “التفاعل السريع لوكلاء الملك مع هذه القضية، والاعتقال الفوري للأطراف في العقد كلما تم التبليغ عن حالة من حالات الكونترا، وهذه إجراءات خلقت نوعا من الخوف والتراجع”، على حدّ قوله.

لا يلزم القانون الأب الاعتراف بالمولود خارج مؤسسة الزواج

وفي بعض الحالات، تلجأ القاصر إلى استعطاف الزوج حتى يوثق زواجهما رسمياً، ثم يطلقها لتتمكن من الحصول على وثيقة الطلاق، وحتى تصبح في نظر المحيط سيدة تزوجت وتطلقت، وهذا في نظر الناس يختلف عن النظرة إلى سيدة مرتبطة بطريقة غير شرعية وأنجبت طفلاً، غير أن الزوج قد يتهرب أيضاً من توثيق الزواج لمنحها الطلاق، كما تفسر زروال، لأنه يفضل دائماً الخروج من صفقة الزواج دون أضرار أو أعباء مادية، والطلاق قد يجعله ملزماً بدفع النفقة وحقوق الزوجة.

كوثر العيدي

المصدر: صحيفة العربي الجديد




المستوطنات الحدودية مع لبنان: حرب حقيقية ودمار كبير

تتواصل الضغوط التي يمارسها أهالي المستوطنات الإسرائيلية على الحدود مع لبنان على حكومة الاحتلال الإسرائيلي للقيام بخطوات تتيح عودتهم إلى منازلهم التي تركوها منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عقب عملية “طوفان الأقصى” التي نفّذتها حركة حماس في منطقة غلاف غزة.

وتزامناً مع ما يحصل في جنوب فلسطين المحتلة، تشهد المناطق الشمالية تصعيداً في المناوشات بين “حزب الله” في لبنان وجيش الاحتلال الإسرائيلي، والتي كانت قد سبقت هجوم “طوفان الأقصى” لكنها تصاعدت بشكل لافت بعده.

ويكرر رؤساء المستوطنات، منذ بداية الحرب، أنه بدون عملية تضمن الهدوء فإنهم لن يعيدوا السكان إلى منازلهم، التي بدا رويداً رويداً يتكشّف حجم الدمار الذي لحق بجزء منها، مطالبين بإبعاد حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني، وذلك في إطار شروط وضعها الاحتلال، يستند فيها إلى القرار الأممي 1701، الذي يؤكد الجانب اللبناني الرسمي تطبيقه، شرط التزام إسرائيل بمندرجاته.

وتحدّث غيورا زيلس، رئيس “المجلس الإقليمي الجليل الأعلى”، للقناة 13 العبرية اليوم السبت، ووجّه انتقادات لاذعة للحكومة بسبب وجود سكان تلك المناطق خارجها منذ أكثر من شهرين ونصف وعدم تمكّنهم من العودة إليها حتى اليوم.

واعتبر زيلس أن الحكومة الإسرائيلية أقامت فعلياً، من خلال إخلاء البلدات في الشمال، منطقة عازلة بعرض نحو 10 كم، تمتد من جبل الشيخ (السوري المحتل) وحتى رأس الناقورة، في إشارة منه إلى أن تلك المناطق خالية من السكان تقريباً وتتواجد فيها بالأساس قوات الجيش الإسرائيلي.

زيلس: الحكومة الإسرائيلية أقامت فعلياً، من خلال إخلاء البلدات في الشمال، منطقة عازلة بعرض نحو 10 كم

وأضاف أنه “في هذه المنطقة يسكن عدد كبير من السكان تم إخلاء جزء منهم. وفي نفس المنطقة العازلة يتواجد الجيش الإسرائيلي داخل حدود إسرائيل ويعمل من داخل البلدات وبجوارها. عندما تقوم دبابة ميركافا 4 بإطلاق ثلاث قذائف قرب حي جديد أقيم منذ فترة قصيرة، فإن جميع النوافذ والأبواب تتحطم”.

وقال أيضاً إنه يجب التعامل مع الوضع في المنطقة الشمالية على أنه “حرب بكل ما تحمله الكلمة من معنى”، موضحاً: “ليس الأمر أن حزب الله يطلق النار على الجيش فقط أو هنا وهناك. نحن في حرب منذ 7 أكتوبر ونتائجها تنعكس من خلال مصابين وقتلى. بالأمس فقط قُتل جندي. هناك حرب في الشمال”.

وعندما سُئل عن توقعاته بشأن كيفية تعامل إسرائيل مع الموضوع قال: “أتوقع من الحكومة أن تتحمل المسؤولية وأن تهتم بتحقيق النتائج المرجوة. كيف ستفعل ذلك؟ أترك هذا لحساباتها. النتيجة المرجوة واضحة جداً. مثلما هو الحال في الجنوب، كذلك في الشمال أيضاً، يجب الحد بشكل كبير جداً من قدرات حزب الله”

دمار كبير على الحدود مع لبنان

في سياق متصل، عدا عن عدد القتلى والجرحى الذي يواصل الارتفاع في الجانب الإسرائيلي، جراء هجمات حزب الله، سواء كان ذلك بالمسيّرات أو الصواريخ والقذائف، تتسبب المواجهة العسكرية حتى اللحظة في أضرار مادية كبيرة جداً في المستوطنات الإسرائيلية القريبة من الحدود، من بينها “كيبوتس منارة”.

وفي الأيام الأخيرة تحدثت أورلي يتسحاق، من سكان الكيبوتس (تجمّع زراعي ذاتي الإدارة) إلى “إذاعة الشمال” العبرية، وأشارت إلى الأضرار الكبيرة التي تكبّدها منارة.

وبحسب المعطيات التي استعرضتها، فإن 86 منزلاً من بين 155 في الكيبوتس، قد تحطمت كلياً جراء إطلاق الصواريخ من قبل حزب الله.

وكان الكيبوتس قد أخلي في بداية الحرب، وأعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي عن نحو نصف مساحته، منطقة عسكرية مغلقة.

وأضافت يتسحاق، هذا يعني أنه حين تنتهي الحرب “فإن جزءاً كبيراً من السكان لن يكون لديهم مكان يعودون إليه. كنا نُمنع نحن وفرق الإطفاء من إخماد النيران التي تندلع في المنازل أو الوصول إليها. حجم الدمار كبير، بحيث لا مكان يعود إليه السكان”.

وأكدت بدورها أنها تتفهم “حجم الكارثة في منطقة الجنوب”، أي منطقة غلاف غزة، وأنه “لا يمكن مقارنة ما حدث هناك بما يحدث في الشمال، ولكن لا يمكن تحييد الوضع في الشمال. نحن جبهة حرب. الصهيونية أبقت السكان في هذا المكان الصعب والوحشي منذ سنوات”، مطالبة الجهات الحكومية والاستيطانية بتحمل مسؤوليتها وعدم التخلي عن السكان، ومضيفة بأنه “ليس من السهل العيش في منارة”.

نايف زيداني

المصدر: صحيفة العربي الجديد




“هآرتس”: نتنياهو منع هجوماً على لبنان يوم 11 أكتوبر

أفادت مصادر إسرائيلية بأن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، منع هجوماً على لبنان في 11 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وذلك بخلاف ما أوردته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، في وقت سابق السبت، بأن الرئيس الأميركي جو بايدن هو من أقنع نتنياهو بعدم مهاجمة حزب الله خشية وقوع حرب إقليمية. 

ونقل موقع صحيفة “هآرتس” العبرية، هذه الليلة، عن مسؤولين إسرائيليين كبار لم يسمّهم، قولهم إن نتنياهو منع الهجوم، وذلك بإقامة حكومة طوارئ في اليوم نفسه.

وبحسب مصادر الموقع الإسرائيلي، فإن وزير الأمن يوآف غالانت، ورئيس هيئة الأركان هرتسي هليفي، وعدداً آخر من كبار المسؤولين في المستوى الأمني الإسرائيلي، دعموا فكرة شنّ هجوم على لبنان، لاعتقادهم أنه سيحدث تغييراً استراتيجياً، ويغيّر خريطة التهديدات الموجهة إلى إسرائيل.

ونقل الموقع عن ذات المصادر قولها إن نتنياهو خشي فتح جبهة أخرى كبيرة في ذروة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وعليه، عرقل اتخاذ القرار بشأن الهجوم، إلى أن أقام حكومة الطوارئ وأدخل إلى مجلس الحرب (كابنيت الحرب) كلاً من بيني غانتس وغادي أيزنكوت، اللذين عارضا الهجوم على لبنان، وفضّلا التركيز على الحرب ضد حركة حماس.

وكانت “وول ستريت جورنال”، قد كتبت أن بايدن نجح في إقناع نتنياهو بوقف الهجوم، محذراً من أن هجوماً من هذا النوع قد يقود إلى حرب إقليمية.

وبحسب الموقع العبري، فإن الصحيفة الأميركية نقلت عن مصادر قولها إنه توافرت لدى إسرائيل معلومات استخباراتية تشير إلى أن حزب الله يخطط لتجاوز الحدود إلى داخل إسرائيل، في حين اعتقد الأميركيون أن المعلومات غير موثوقة.

وإضافة إلى ذلك، كانت الطائرات الإسرائيلية تحلّق في الهواء منتظرة التعليمات، في الوقت الذي كان فيه بايدن يتحدث إلى نتنياهو عبر الهاتف ويطلب منه التفكير في تبعات عملية من هذا النوع، بحسب مصادر مطلعة على تفاصيل المحادثة.

وكتبت الصحيفة أيضاً، وفق ما أورده الموقع العبري، أن الولايات المتحدة حصلت على معلومات أولية عن أن إسرائيل تخطط لهجوم استباقي في 11 أكتوبر، في الساعة 6:30 صباحاً بتوقيت واشنطن، وأن الإسرائيليين أبلغوا البيت الأبيض على نحو عاجل، باعتقادهم أن حزب الله يخطط لهجوم.

وكان معلوماً لإسرائيل أنها لا تستطيع القيام بالهجوم وحدها دون الدعم الأميركي، ولذلك توجهت إلى إدارة بايدن.

بعد ذلك، تحدث بايدن إلى نتنياهو وكابنيت الحرب، وطالب إسرائيل بسحب الفكرة.

ولم يقتنع نتنياهو وأعضاء “كابنيت الحرب” بشكل تام، خصوصاً الوزير غالانت، الذي أوضح أن حرباً واسعة أكثر، أمر لا مفر منه، مطالبين بالاستمرار في خطة الهجوم، فيما صدتهم الولايات المتحدة وأصرت على أنّ بالإمكان منع حرب شاملة.

وأشار الموقع العبري، نقلاً عن مصادر أميركية، إلى أن بايدن ونتنياهو كانا قد تحدثا لنحو 45 دقيقة، وقال نتنياهو في نهاية المحادثة إنه سيبحث الأمر مع الكابنيت.

وفي الوقت نفسه تقريباً، تلقّت قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي في الشمال أوامر للاستعداد لمحاربة عناصر حزب الله الذين يخططون لتجاوز الحدود من خلال طائرات شراعية مع محركات، والاستعداد للدخول إلى مناطق جنوب لبنان.

وبحسب المصادر الأميركية والإسرائيلية التي تحدثت إلى “وول ستريت جورنال”، فإن صفارات الإنذار انطلقت  في جميع أرجاء شمال فلسطين المحتلة، وتبيّن لاحقاً أنها إنذارات كاذبة، لكنها ساهمت في تغذية المخاوف من هجوم إضافي.

وأصدر ديوان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، مساء اليوم السبت، تعقيباً قال فيه إن ما نُشر في الصحيفة الأميركية غير صحيح.

وجاء في التعقيب: “منذ اليوم الأول للحرب، قرر نتنياهو أن إسرائيل ستعمل أولاً من أجل تحقيق نصر ساحق في الجنوب (أي في قطاع غزة)، وستستمر في ذات الوقت بالردع على الحدود الشمالية. وتبنت الكابنيت هذه السياسة”.

من جانبه، نقل موقع القناة 12 الإسرائيلية، عن مسؤول كبير في حكومة الاحتلال الإسرائيلي لم يسمّه، قوله مساء اليوم السبت: “تبيّن أن نتنياهو ضعيف أمام الأميركيين بعد إلغائه هجوماً استباقياً في لبنان، كان في غاية الأهمية لأمن إسرائيل. إنه ضعيف ويخضع للضغط أمامهم. طائرات سلاح الجو كانت قد انطلقت في الجو في طريقها (لضرب مواقع في لبنان)، لكن رئيس الحكومة أعادها بسبب مخاوفه”.

وأضاف المصدر: “من السخف أن نتنياهو يفضّل مصلحة الولايات المتحدة على المصلحة الإسرائيلية. كان هناك إجماع في القيادة الأمنية الإسرائيلية على أن هذا الهجوم في غاية الأهمية لأمن إسرائيل. نتنياهو استدعى الضغط الأميركي لأنه خشي القيام بهجوم في لبنان”.

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية

ترجمة: صحيفة العربي الجديد




ناقلات الغاز الأميركي تتجنب الحوثيين… إبحار بعيد عن البحر الأحمر

تتجنب شحنات الغاز الطبيعي المسال الأميركي عبور البحر الأحمر في طريقها إلى آسيا تجنباً لهجمات الحوثيين في اليمن، ما يزيد فترات وصول هذه الشحنات ويرفع كلفها ، وفق بيانات متخصصة في تتبع السفن.

وأشارت وكالة بلومبيرغ الأميركية في تقرير لها، إلى أن تحويل مسارات الشحنات يؤدي إلى استغراقها زمناً أطول يفوق الشهر.

وتبرز عمليات تغيير المسار تحول حركة تدفقات التجارة العالمية بعد أن أجبرت هجمات الحوثيين في الممر المائي الحيوي مئات السفن على اتخاذ طرق أكثر أماناً ولكنها أطول، ما أخّر وصول الشحنات.

ويحظى الغاز الطبيعي المسال بأهمية كبيرة بالنسبة لأكبر المشترين في منطقة شمال شرق آسيا، خصوصاً في ظل موسم ارتفاع الطلب شتاءً.

وباتت الولايات المتحدة الأميركية في السنوات الأخيرة من أبرز موردي الغاز المسال، لا سيما إلى أوروبا، حيث استفادت كثيراً من تقلص إمدادات الغاز الروسي كثيراً بعد غزو أوكرانيا في فبراير/ شباط 2022.

وبحسب بلومبيرغ، وضعت الناقلة “فيفيت أميركاس إل إن جي” التي تم تحميلها من محطة “كوف بوينت” في ماريلاند بتاريخ 16 ديسمبر/كانون الأول الجاري، مسارها في البداية عبر قناة السويس المصرية ومن ثم عبورها البحر الأحمر وصولاً إلى اليابان، قبل تحويل مسارها بعد 3 أيام للدوران حول أفريقيا.

ومن المقرر بحسب إشارات السفينة حالياً أن تصل وجهتها في 25 يناير/كانون الثاني المقبل، أي ما يفوق شهراً منذ تحميلها.

وتتفادى ناقلة أخرى أيضاً وهي “بريزم كوراج” المرور عبر البحر الأحمر متجهة إلى كوريا الجنوبية.

وتم تحميل الشحنة من محطة “فريبورت إل إن جي” للغاز الطبيعي المسال بولاية تكساس في 16 ديسمبر/كانون الأول، ويُنتظر أن تصل إلى الدولة الآسيوية في 26 يناير/كانون الثاني المقبل. وأبلغت أيضاً شركة تحليل البيانات “كبلر” عن عمليات تحويل المسار.

وبدأت ناقلات الغاز الطبيعي المسال تتجنب عبور البحر الأحمر الأسبوع الماضي، بما فيها سفن خاوية متجهة لتحميل شحناتها التالية.

وتمر بالطرق الأقصر من الولايات المتحدة إلى آسيا عبر قناة بنما، حيث تتعرض السفن في الوقت الراهن للتأخير وسط الازدحام الناجم عن الجفاف في بنما، أو عبر البحر الأبيض المتوسط وقناة السويس.

في المقابل كشفت بيانات تتبع السفن أن شحنات الغاز الطبيعي المسال القطرية واصلت حتى الآن الإبحار عبر قناة السويس متجهة إلى أوروبا.

ويأتي تجنب سفن الغاز الطبيعي المسال الأميركية عبور البحر الأحمر، بينما أعلن وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، الاثنين الماضي، تشكيل تحالف دولي لحماية التجارة في هذا الممر، يتألف من عشر دول هي الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وكندا، وإيطاليا، والبحرين، وهولندا، والنرويج، وسيشل، وإسبانيا.

ويبدو أن واشنطن واجهت صعوبة في إقناع الكثير من الدول للانخراط في تحالفها، حيث كانت قد أعلنت في الخامس من ديسمبر/ كانون الأول الجاري أن التحالف المستهدف يشمل 36 دولة.

والعملية التي تقودها أميركا مع الدول التسع الأخرى والتي أُطلق عليها “حارس الازدهار”، ستنفذ دوريات مشتركة في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن، “بهدف ضمان حرية الملاحة لجميع الدول، وتعزيز الأمن والرخاء الإقليميين”، وفق بيان أصدره “البنتاغون”.

لكن الحوثيين علقوا على الإعلان الأميركي بأنهم “لن يوقفوا” هجماتهم ضد السفن الإسرائيلية وغيرها من الجنسيات الأخرى المبحرة نحو إسرائيل.

المصدر: وكالة بلومبيرغ الأميركية




مسيحيون قلقون على مصير أحبائهم في قطاع غزة وسط الحرب

لن يحتفل المسيحيون في قطاع غزة الذي يشهد حرباً مدمّرة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بعيد الميلاد، تماماً كما هي حال مواطنيهم الفلسطينيين في كلّ الوطن المحتلّ. ويعبّر أقارب هؤلاء في خارج غزة عن قلقهم على أحبائهم وسط المذبحة التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي.

خليل صايغ واحد من هؤلاء، وهو لم يعد قادراً على النوم أو العيش بطريقة طبيعية منذ شهرَين بسبب شعوره بالخوف والقلق على عائلته في قطاع غزة. قبل أيام من عيد الميلاد، تلقّى خبر وفاة والده في داخل كنيسة نزح إليها في مدينة غزة شماليّ القطاع المحاصر والمستهدف من قبل الاحتلال.

ويروي صايغ البالغ من العمر 29 عاماً والمقيم في الولايات المتحدة الأميركية لوكالة فرانس برس: “ذهب والداي إلى كنيسة العائلة المقدسة الكاثوليكية. شقيقتي موجودة كذلك في تلك الكنيسة. شقيقتي الأخرى وزوجها في كنيسة القديس برفيريوس (التابعة لبطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية) مع أطفالهما الثلاثة، وقد ولد أحدهم في خلال الهدنة” التي طُبّقت في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي واستمرّت أسبوعاً.

يضيف صايغ: “تلقّيت خبر وفاة والدي من طريق قريب في رام الله (في وسط الضفة الغربية المحتلة) كان قد تواصل معه أحد الكهنة”، موضحاً أنّ الوفاة حصلت بسبب نقص الرعاية الطبية الملائمة له.

يُذكر أنّ النظام الصحي في شمال قطاع غزة انهار كلياً، بحسب ما أكدت منظمة الصحة العالمية أخيراً.

ويوضح صايغ أنّ التواصل نادر جداً مع أفراد عائلته، في ظلّ الانقطاع الكبير للكهرباء والإنترنت والاتصالات منذ بدء الحرب على غزة. ويتابع: “لم أتواصل معهم مباشرة منذ أسابيع”، مشيراً إلى أنّ ما يحدث في العادة، أنّ أحد النازحين الذي يملك شريحة هاتف تابعة لشبكة اتصالات خلوية يتواصل مع شخص في خارج القطاع، فيتولّى الأخير نقل الأخبار، “وهكذا يخبر أحدنا الآخر أنّ عائلتك بخير”، على سبيل المثال.

لا صوت للناس في قطاع غزة

ويصف صايغ الذي يعمل في مجال البحوث السياسية في الولايات المتحدة الأميركية كيف تمرّ “أيام وأيام من دون أن نتلقّى أيّ خبر. نعيش في خوف وشعور بعدم اليقين. لا نعرف إذا كانوا (الأهل) على قيد الحياة أو لا، إذا كانوا جياعاً أو يأكلون، إذا كانوا قادرين على الوصول إلى المياه أو لا”.

وإذ يؤكد أنّ “الطعام غير متوافر، وأنّ ثمّة نقصاً شديداً في المياه ونقصاً في الغذاء ونقصاً في الاحتياجات الأساسية”، يصف الأمر بأنّه “صعب جداً”.

يُذكر أنّ 1.9 مليون من سكان قطاع غزة نزحوا وفقاً لبيانات الأمم المتحدة، نتيجة القصف الذي يترافق منذ 27 أكتوبر الماضي بهجوم بري ومعارك على الأرض.

ويقول خليل صايغ إنّ حياته توقّفت بالفعل، مؤكداً بقوله: “لا أستطيع العمل بنسبة 100 في المائة. الأمر الوحيد الذي يدفعني إلى الاستمرار، أنّني أتحدث عمّا يحدث. أتذكّر أنّ الناس في غزة لا صوت لهم”.

وأوقف صايغ دراسته التي كان ينوي من خلالها الحصول على شهادة في حقوق الإنسان بعد الحرب، “لأنّني لم أعد أرى طريقة لتطبيقها في هذا الوقت”، بالإضافة إلى الضغوط التي يشعر بها وتمنعه من التركيز.

وصايغ الذي نشأ في غزة، لم يلتقِ عائلته منذ أعوام. لكنّه يتابع أخبارها، ويروي أنّ شقيقته أنجبت طفلاً في “وقت الهدنة وأسمته خضر. لم أرَ صورته، كلّ ما أعرفه عنه أنّه موجود”. ولصايغ شقيق أصغر في مدينة خانيونس في جنوب القطاع، و”هو مريض (…) يخضع لجلسات غسل كلى هناك”.

تشييع شهداء كنيسة القديس برفيريوس في غزة (علي جاد الله/ الأناضول)
من مراسم جنازة شهداء كنيسة القديس برفيريوس في غزة (علي جاد الله/ الأناضول)

كنائس قطاع غزة في مرمى نيران الاحتلال

وكانت كنيسة القديس برفيريوس قد تعرّضت في 19 أكتوبر الماضي لقصف إسرائيلي، استشهد في خلاله نحو 20 فلسطينياً كانوا قد لجأوا إلى المرافق التابعة للكنيسة بعدما ظنّوا أنّها أكثر أماناً من بيوتهم.

وفي 16 ديسمبر/ كانون الأول الجاري استشهدت امرأتان في كنيسة العائلة المقدسة بمدينة غزة في ظروف مشابهة. وقد ندّد البابا فرنسيس حينها بأنّ “مدنيين من دون حماية يُستهدفون بقصف وإطلاق نار”، فيما ادّعت السلطات الإسرائيلية أنّ مسلحين من حركة حماس كانوا موجودين في المنطقة.

ويفيد مسؤولون في كنائس مسيحية في قطاع غزة بأنّ عدد المسيحيين الذين يعيشون في قطاع غزة اليوم يقارب الألف، بعد أن كانوا سبعة آلاف قبل عام 2007.

وتروي راهبة في القدس المحتلة، طلبت عدم الكشف عن هويتها، لوكالة فرانس برس أنّ راهبتَين من رهبانية الوردية المقدسة موجودتان حالياً في كنيسة العائلة المقدسة بمدينة غزة. وتشير إلى أنّ “التواصل معهما يجري بصعوبة شديدة، مرّة كلّ ثلاثة إلى أربعة أيام. كلّ ما نسمعه منهما، أنّهم (الموجودون في الكنيسة) بخير. وتطلبان منّا أن نصلّي من أجلهم”.

وتوضح الراهبة أنّ الاتصال ينقطع في بعض الأحيان، و”نحصل على رسائل صوتية عبر تطبيق واتساب”. تضيف: “قالتا لنا، يوم الاثنين الماضي، إنّ المياه غير متوافرة. الناس جميعاً هناك لم يستحمّوا منذ أسبوعين، ومياه الشرب بالكاد تكفي”.

وتؤكد الراهبة نفسها أنّ “الوضع سيّئ جداً. فليكن الله في عونهم”. وتتابع: “نحن نخجل أمام المعاناة التي يعانيها أهل غزة جميعاً، مسلمين ومسيحيين”.

عيد الميلاد وسط الحرب على قطاع غزة 

في القدس المحتلة، يقول الأب إبراهيم نينو، مسؤول التواصل في البطريركية اللاتينية، لوكالة فرانس برس إنّ “التواصل مع أهلنا في كنيسة العائلة المقدسة (في مدينة غزة) يتمّ من خلال الكاهن المساعد الموجود هناك أو الراهبات أو أفراد آخرين. وبعد محاولات كثيرة (…) نتمكّن من سماع أخبارهم”.

وعن وضع الموجودين حالياً في كنيسة العائلة المقدسة، يقول الأب نينو إنّ “ثمّة طعاماً ومياهاً وكهرباء متوافرة لأيام معدودة، لذا يعملون على التقليل من استخدامها قدر الإمكان”.

وكان المسؤولون الكنسيون في القدس المحتلة وبلدية مدينة بيت لحم بالضفة الغربية المحتلة قد اتّخذوا قراراً في الشهر الماضي بعدم تنظيم “أيّ احتفال غير ضروري” بعيد الميلاد تضامناً مع سكان غزة. لكنّ الأب نينو يشير إلى أنّ المسيحيين في غزة سيحتفلون بقداس عيد الميلاد.

بالنسبة إلى خليل صايغ، “لا بدّ من أن يكون عيد الميلاد زمناً للأمل. ومن الصعب جداً الاحتفال أو الشعور بأيّ بهجة فيما المذبحة مستمرّة في غزة بحقّ المسلمين والمسيحيين، وفيما يموت مدنيون أبرياء”.

يضيف صايغ: “أنا في الواقع مرهق جداً ومكتئب، لكنّني ما زلت أفرح بحقيقة أنّنا نعلم بأنّ الله معنا (…) هو يشعر بألم الناس، كلّ الناس، لا المسيحيين فحسب، بل كلّ الناس في غزة الذين يعانون من الألم والجوع والموت والدمار”.

المصدر: وكالة فرانس برس – صحيفة العربي الجديد




الحرب على غزة غيّرت حياة السكان: صراع للبحث عن أبسط المقومات

حوّلت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، المتواصلة لليوم الـ79، حياة سكانه إلى صراع دائم على أبسط مقومات الحياة من طعام ومياه، وحتى الحمام.

ويعاني القطاع الخاضع لحصار إسرائيلي مطبق منذ التاسع من أكتوبر/تشرين الأول، أزمة إنسانية خطيرة، إذ باتت معظم مستشفياته خارج الخدمة، فيما نزح نحو 1.9 مليون نسمة، أي 85 في المائة من سكانه، من شمال القطاع إلى جنوبه هرباً من الدمار والقصف، وفق الأمم المتحدة.

الطبيبة نور الوحيدي (24 عاماً)، مكثت 38 يوماً في مستشفى الشفاء في مدينة غزة بعد بداية الحرب، لتضطر إلى النزوح بعدها إلى رفح في جنوب القطاع. وتعمل حالياً في قسم الاستقبال والطوارئ في المستشفى الكويتي في مدينة رفح.

تروي نور كيف عملت لمدة 38 يوماً متواصلاً، وتقول لوكالة فرانس برس: “لم أذهب إلى البيت إطلاقاً. حوصر المستشفى، فنزحت في اليوم الـ38 (..) منذ أكثر من شهر”.

نازحون من الحرب بلا طعام أو مياه

تؤكد نور وجود “اختلاف شاسع بين حياتي السابقة في بيتي حيث جميع مقومات الحياة متوافرة، ووجودي في مكان غريب دون مواد غذائية أو مياه، وأي مقومات، الوضع كارثي، إنسانياً واقتصادياً ومعيشياً وصحياً”.

وتقول إنها تقيم في رفح الآن مع “أكثر من عشرين شخصاً في شقة صغيرة جداً، المكان لا يتسع للجميع. بقيت عائلتي من جهة والدتي في مدرسة تابعة للأونروا، أما جدتي وعمي وعمتي فما زالوا في غزة للأسف، والاتصال بهم منقطع، مستودعيهم الله”.

وتضيف: “كل يوم، أشاهد قصص معاناة لم أكن يوماً أتخيل مشاهدتها. وسائل الراحة ليست متوافرة، لا يمكنني أن أرتاح وأنام بعد الدوام، عدد الموجودين في البيت كبير”.

لكنها توضح قائلة: “نحن أفضل من غيرنا”، مشيرة إلى أنها بعد تركها العمل “أعود للبيت (..) أطبخ معهم على النار، أقوم بالغسيل على يدي حين تتوافر المياه”.

وتلاحظ “أصبحنا نفكر في إمدادات الطعام والشراب والمياه وشحن الهواتف النقالة وغيرها. أشياء لم نفكر بها يوماً. نفكر كيف نحيا”.

وتشير نور إلى أنها “عملت خلال العامين الماضيين في أثناء تصعيدات عسكرية، لكن هذه الحرب مختلفة في كل شيء”، موضحة أنّ “المدة طويلة وعدد الشهداء ونوع الإصابات لم يمر من قبل بسبب شدتها والنزوح”.

وتروي أنها خلال نزوحها “كنت أسير في الشوارع وأنا في حالة صدمة. لم أتخيل حجم هذه الحرب”، مشيرة إلى أن الحرب “خلقت من كل شخص فينا شخصاً مختلفاً تماماً. لا نستحق هذه الحياة، لا أحد يجب أن يعيش هذه الحياة”.

وبعد الحرب، تؤكد نور أن “الجميع يفكر بالسفر لأن البلد لم يبقَ فيه شيء. لا بشر ولا حجر ولا شجر”. وكانت نور تفكر قبل الحرب بالسفر لإكمال دراستها، وتؤكد الآن “الحرب شجعتني على ذلك وإذا نجوت (..) لكن في النهاية هذه بلدي وسأعود اليها”.

حياتنا انقلبت 180 درجة

من جهتها تؤكد سندس البايض (32 عاماً) وهي الأم لثلاثة أطفال أن حياتها “انقلبت 180 درجة” منذ بدء الحرب .

وتعيش سندس الآن في خيمة صغيرة أمام المستشفى الكويتي في مدينة رفح، تتذكر حياتها السابقة قائلة: “حياتنا قبل الحرب كانت مستقرة وسعيدة. كان يوجد كل شيء في منزلي. كنت أقيم في شقة في مبنى يعود لعائلة زوجي. وأطفالي يذهبون إلى المدارس”، موضحة أنها تشتاق لروتينها اليومي.

وتتابع: “روتين حياتي اليومي إيقاظ أطفالي صباحاً للمدرسة وتجهيزهم وتحضير الطعام قبل النوم مرة أخرى ثم شرب القهوة مع زوجي (..) حياة بسيطة ومستقرة، ليتها تعود”.

أما اليوم، فتشير السيدة المتزوجة صحافياً إلى أن نزوحها مع أطفالها حصل على مراحل، بينما بقي زوجها في غزة في البداية. وتوضح أنها مكثت في دير البلح لأكثر من أسبوعين، لكن “أصحاب المنزل خافوا من وجودي، لأن زوجي صحافي، وهم يعتقدون أن الصحافيين مستهدفون، بكيت بشدة لم أعرف ماذا سأفعل” وطلبوا منها المغادرة.

وبعدها توجهت إلى خانيونس، ثم فرت مرة أخرى إلى رفح.

وتوضح أنّ “الاستحمام صعب جداً وبماء بارد. أغسل في وعاء بلاستيكي”، مشيرة إلى أنه “لا يوجد خبز. ونحضر وجبات غذائية، لكن الأطفال يرفضون أكلها. الأكل سيئ جداً وملوث. ونعتمد على الخضار وبعض المعلبات”، ما سبّب لهم أعراضاً معوية حادة.

“الحرب أرهقتنا نفسياً”

وتضيف: “هذه الحرب أرهقتنا نفسياً بشدة. أطفالي سلوكهم تغير، وأصبحنا جميعا بمزاج حاد. جميعنا بحاجة لعلاج نفسي بعد الحرب”.

وتؤكد سندس أنها اتفقت مع زوجها على البقاء، إذ “نحن متعلقون بعائلاتنا. الغربة صعبة، وفراق الأهل والذكريات صعب”.

تحلم سندس بالعودة إلى منزلها، مؤكدة “أتمنى أن نعود إلى منزلنا، وألا نضطر إلى اللجوء إلى خارج غزة إن شاء الله. حال عدنا إلى بيوتنا سنسافر مع أطفالنا للنقاهة والترفيه لشهر أو عدة شهور لترميم نفسيتنا”.

الحرب تجهض حلم لين

تعيش لين روك (17 عاماً) حالياً في خيمة مع والديها وشقيقها وأربع شقيقات وابنة إحداهن. ولين طالبة في السنة الأخيرة من المدرسة كانت تحلم بدراسة الصحافة.

وتوضح: “حياتي كانت روتينية لدرجة أنني كنت أتذمر منها. الحرب غيرت كل شيء. أصبحت أتمنى العودة إلى حياتي التي لم تكن تعجبني”.

فرت عائلة لين من بيتها في خانيونس في اليوم الثاني لاندلاع الحرب “صورنا البيت ونحن نبكي، غادرنا إلى منزل أختي، لكنه لم يكن آمناً أيضاً، فنزحنا إلى مستشفى ناصر” في خانيونس.

وتروي: “كنت أعتقد أننا سنعود إلى المنزل بعد أسبوع كحد أقصى. مرّ أكثر من سبعين يوماً، ولم نعد بعد”. رفضت لين الأكل والشرب في البداية “حتى لا أضطر إلى الذهاب إلى الحمام. الحمامات قذرة وعليها طوابير طويلة” ومرضت مرات عدة.

فقدت لين الوعي في إحدى المرات، مشيرة إلى نقلها إلى قسم الطوارئ.

وتتابع: “لم أتوقع أن أعيش هذه الحياة. في منزلنا أربعة حمامات”، مؤكدة أنها فقدت 7 كيلوغرامات من وزنها في هذه الحرب. وتوضح لين أن العائلة تعيش على “أكل الزعتر والمعلبات. من الصعب توفير الخبز”.

الاستحمام والذهاب إلى الحمام أصبحا “معاناة. دخول الحمام كأنه سفر، لأن المسافة بعيدة”. وتضيف: “كنت أستحم يومياً قبل الحرب. والآن إذا حالفني الحظ استحم مرة واحدة في المسجد وبمياه باردة. أغسل شعري في المغاسل المخصصة للوضوء ثم أغسل جسمي في الحمام”.

وتشير الفتاة وهي تبكي: “أشعر بالحسرة لأنني سأفقد وكل الطلاب، هذا العام من حياتنا. لا أعتقد أننا سنعود إلى المدارس”. وتضيف: “كنت متحمسة لإنهاء المدرسة بتفوق حتى أسافر وأكمل حلمي”، متابعة: “كل ما أتمناه الآن أن يعود الجميع إلى منازلهم، وأن أعود إلى منزلي، وأن يكون لا يزال موجوداً”.

المصدر: وكالة فرانس برس