1

واشنطن بوست: التدمير الإسرائيلي في غزة أكبر بضعفين من التدمير الأمريكي في الموصل والتدمير السوري-الروسي في حلب

مع استمرار الكشف عن قتل وإصابة أعداد كبيرة من الجنود الإسرائيليين خلال العدوان على غزة، تطالب أوساط إسرائيلية بالمزيد من القصف الجوي وتتهم الحكومة بتخفيفه في المدة الأخيرة بضغط من الإدارة الأمريكية، لكن الناطق العسكري نفى ذلك، وأكد أن سلاح الجو يقوم فورا بكل ما تطلب منه القوات البرية.

بالتزامن، كشف تحقيق صحافي أمريكي عن حجم الجرائم الإسرائيلية داخل القطاع، مؤكدا أن قوة التفجيرات في غزة ضعف التفجيرات الأمريكية في الموصل، والتفجيرات السورية على حلب.

ويؤكد تحقيق صحيفة “واشنطن بوست” أن عمليات التدمير داخل قطاع غزة هي من الأكبر في العالم طيلة القرن الواحد والعشرين. واستنادا لصور الأقمار الصناعية، تقارن الصحيفة بين حجم الدمار في غزة خلال الشهرين الأخيرين، وبين عمليات التدمير في حلب طيلة ثلاث سنوات وفي الموصل طيلة 9 شهور.

ويوضح التحقيق الصحافي الأمريكي، أن إسرائيل ألقت على غزة منذ بدء الحرب، 29 ألف قنبلة من الجو، منبهّة إلى أن 40-45% من هذه القنابل غير موجّهة، بعضها يزن نحو طن من الديناميت وتسبب بإلحاق الدمار بـ37379 مبنى من بينها أكثر من عشرة آلاف مبنى تم تدميرها بالكامل خلال أول شهرين من الحرب.

إسرائيل ألقت على غزة منذ بدء الحرب 29 ألف قنبلة من الجو و40-45% منها غير موجّهة

وتستنتج الصحيفة الأمريكية أن إسرائيل تدير حربا على ما يبدو هي الأكبر من ناحية حجم النار والدمار غير المسبوقين في أي صراع شهده العالم في الفترة الأخيرة، وأن سرعة التدمير في غزة أكبر من سرعة التدمير السوري في حلب المدعوم من روسيا، وكذلك من التدمير الأمريكي في الموصل حتى 2016 ضمن حربها على “داعش”.

كما توضح “واشنطن بوست” أن حجم تدمير المباني داخل قطاع غزة أكثر بثلاثة أضعاف الدمار في مدينة الرقة السورية “عاصمة الخلافة الإسلامية” التي أقامتها “داعش” والتي احتلتها قوات التحالف وقوات الأكراد في 2017.

وتنوه “واشنطن بوست” أن معطياتها مستقاة من المركز الأممي للأقمار الاصطناعية، علاوة على معطيات من مناطق القتال في الميدان ومصادر أخرى.

يشار إلى أن تحقيقا مشابها قد نشرته الصحيفة ذاتها في 12 أكتوبر الماضي، ونقلت عن مصادر عسكرية أمريكية دهشتها وصدمتها لقيام جيش الاحتلال بإلقاء 6000 قنبلة على غزة وهي كمية متفجرات تعادل ما ألقته الولايات المتحدة على أفغانستان طيلة عام كامل.

وتوضح الصحيفة الأمريكية أن التحقيق الجديد جاء على خلفية تجاوز عدد الشهداء الفلسطينيين العشرين ألفاً، 70% منهم نساء وأطفال، وعلى خلفية المعاناة الكبيرة التي يكابدها المدنيون داخل قطاع غزة نتيجة القصف الإسرائيلي. ولم يشمل التحقيق طبعا المذبحة الجديدة في مخيم المغازي ليلة أمس الأحد، والتي قتلت فيها إسرائيل 70 مدنيا بقصف جوي وحشي وعشوائي.

في تعقيبه، قال جيش الاحتلال إنه بعد “الهجمات البربرية التي نفذتها حماس، يعمل الجيش من أجل تفكيك قدرات حماس العسكرية والسلطوية”.

ورغم مشاهد النار والدمار والمذابح المتتالية، تزعم إسرائيل أن جيشها وبخلاف حماس، لا يوجه نيرانه للمدنيين ويلتزم بالقانون الدولي.

يشار في هذا السياق إلى أن وسائل الإعلام الإسرائيلية، خاصة قنوات التلفزة، تحجب مشاهد القتل والتدمير داخل قطاع غزة ضمن مساعيها لهندسة وعي الإسرائيليين، ولا يشهد إلا عدد قليل منها مثل صحيفة “هآرتس” التي تنشر تقارير ومقالات رأي عن جرائم الاحتلال بحق المدنيين داخل القطاع.

في مقاله الأخير، حذّر كاتب المقالات الصحافي جدعون ليفي، من أن حجم التدمير في غزة يفوق ما تعرضت له مدينة دريزدن الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية، محذّرا من أن ذلك سينتج بحرا من الكراهية والرغبة بالثأر في الجانب الفلسطيني، مما يعني عودة هذا القصف الوحشي كيدا مرتدا على إسرائيل.

وبعد نشره هذا المقال قبل أيام، تعرض ليفي لتهديدات بالقتل، وبات مضطرا للتحّرك تحت الحراسة، وهذا ما حصل خلال حرب “الجرف الصامد” على غزة عام 2014.

المصدر: صحيفة واشنطن بوست الأميركية

ترجمة: وديع عواوودة – القدس العربي




نيويورك تايمز: هل ستترك حركة الدفاع عن غزة أثرها على جيل أمريكي كما فعلت فيتنام؟

تساءلت صحيفة “نيويورك تايمز” إن كانت الحرب في غزة ستعلّم جيلا جديدا في أمريكا كما علّمت حرب فيتنام جيلا بأكمله سابقا.

وجاء في التقرير أن حركة الاحتجاج في الجامعات التي أدت لإنهاء حرب فيتنام في السبعينات من القرن الماضي، قد تقود إلى الأمر نفسه في حرب غزة.

وأعد التقرير مايكل واينز، حيث نقل عن ريتشارد فلاكس، تذكره التحديات لبناء حركة احتجاج أثناء حرب فيتنام والتي كانت عمودا لجماعة “طلاب من أجل مجتمع ديمقراطي” ذات الميول اليسارية والمعادية للحرب.

وقال إن حركة “طلاب من أجل مجتمع ديمقراطي” بدأت  بفكرة: “نريد طريقا جديدا لأن نكون مع اليسار، ومفردات جديدة واستراتيجية جديدة”.

وساعد فلاكس في كتابة مانفستو الحركة أوما عرف ببيان ميناء هورتون في 1962، وقال: “عرفنا أننا على الطريق الصحيح، ولا أعتقد أننا كنا متغطرسين”.

وبعد 60 عاما، فلدى إيمان عابد نفس التحديات في حرب غزة، وتقول: “لوقت طويل، لم نكن قادرين على جعل فلسطين موضعا للناس لكي يهتموا به”. وعابد هي المنسقة والمديرة للحملة الأمريكية من أجل حقوق الفلسطينيين، والتي تعمل مع الجماعات المؤيدة لفلسطين، وتضيف: “لكن الناس يهتمون بها لأنهم يرونها، وهم يشاهدونها على حسابات التواصل الاجتماعي ويراقبون الأخبار”.

وتعلق الصحيفة أنه من المبكر الحديث فيما إن كان النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني سيعلّم هذا الجيل كما حدث أثناء المعارضة لحرب فيتنام مع شباب في عمرها قبل نصف قرن. وبالنسبة للذين درسوا وعاشوا حرب فيتنام فالمقارنة قوية: القصف الجوي والدمار على منطقة صغيرة، وانقسام جيلي بشأن أخلاقية النزاع، وحس بأن الحرب تقدم تيارات سياسية وثقافية وثقة لا تتزعزع بين الطلاب الذين يتعاملون مع قضيتهم بإيمان مطلق.

لكن الاختلافات واضحة، فحرب غزة بدأت بهجوم قامت به حماس ضد إسرائيل، والحرب الحالية لا تقاتل فيها أمريكا كما في فيتنام، حيث خسرت آنذاك 58000 جندي.

ويرى مايلز رابورت، وزير خارجية ولاية كونكيتكت، الذي انضم لحركة المعارضة لحرب فيتنام وهو طالب بجامعة هارفارد في الستينات، أن هناك تشابها، لكنّ الحركتين مختلفتان بشكل أساسي من ناحية اللحظة. فالولايات المتحدة خاضت حرب فيتنام من أجل إظهار أنها القوة العظمى، أما إسرائيل فتقول إنها تخوض حربا وجودية. لكن هناك الكثير من التشابه عندما يتم النظر إلى الحربين من الناحية الأخلاقية.

وقد عبّر عن هذا المشاركون في المسيرات المؤيدة لإسرائيل، كما فعل مؤيدو الحرب في الجامعات الأمريكية أثناء فيتنام. ولكن رابورت يرى أن الحركتين تعبران وبشكل غريزي عن التضامن المبدئي مع الطرف الضعيف، و”هذا متعلق بحس التضامن مع الناس الذي يقاتلون من أجل بلدك الحر من أي وجود استعماري”.

ومنذ فيتنام، تظاهر طلاب الجامعات عدة مرات ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وضد مقتل الرجال والنساء السود في 2014 و2020، ولكن حملة مناهضة للحرب على غزة متواصلة بشكل لم يحدث من قبل.

ويقول لون تران (28 عاما) أمريكي- فيتنامي، والمدير الوطني لجماعة يسارية اسمها “الغالبية الصاعدة” إن هناك مقارنة بين فيتنام وغزة. ولم يقابل جده أي جندي أمريكي في الحرب، أما جدته فقد قاتلت ضد القوات الامريكية مع قوات الشمال، ويقول: “عندما أسمع الفلسطينيين يقارنون فيتنام ودور الولايات المتحدة والاستعمار، فهذا يثير دهشتي وهي رابطة واضحة” و”أشعر بها في جسدي والكثير من أبناء مجتمعي الفيتنامي يشعرون بها في أجسادهم، أي مقاومة الحرب ومقاومة الاحتلال”.

وبالنسبة للنقاد، فمسيرات اليوم تعكس إفراطا وليس قيم حركة المناهضة لحرب فيتنام، حيث يهتف بعض المشاركين هتافات يعتبرها البعض دعوة لإبادة اليهود، تماما كما دعم متظاهرون جيش فيتنام الشمالي أثناء الحرب. ويتهم نقاد حركة المناصرة لفلسطين بالنفاق؛ لأنها قد تهمش قضايا مثل حركة المثليين والمرأة.

وينظر اليهود لتظاهرات المناصرين لفلسطين بنوع من الخوف، كما يقول مدير مركز برانديس لحقوق الإنسان بموجب القانون، كينيث برانديس، ويشير إلى أن التظاهرات المناصرة لفلسطين كانت موجودة قبل غزة. واعتبر أن الحركة التي يدعمها الطلاب معادية للسامية، رغم وجود طلاب يعتقدون أنهم يدعمون بالمشاركة فلسطين. واتهم الجامعات بالرد الضعيف والجبان.

ولكن حركة الاحتجاج المعارضة لحرب غزة تستفيد من تراث حركة المعاداة لفيتنام مثل شعارات “كم من الأطفال قتلتم اليوم؟”. وقال فلاكس إن طلاب الستينات لم يكن أمامهم مثال لتقليده. وأضاف أن “الكثير من الأساليب التي اختُرعت أصبحت جزءا من حقيبة الأدوات في نشاط الجامعات”.

وقال دانيال مايلستون، المحامي المتقاعد من نيويورك: “ليس من الواضح الرهان لك ولي في النزاع” وكان من الداعين لوقف حرب فيتنام.

وبالتأكيد، فأساليب التجميع وتحضير المواد اللوجيستية اليوم هي أسهل من الماضي، وسهلتها منصات التواصل الاجتماعي، والتعليمات التي ترسل مباشرة لحسابات الناشطين. كما تغير شكل التظاهرات عن فترة فيتنام، التي كانت غالبيتها من البيض، وهو ما يعكس حرم الجامعات في الستينات. أما في 2023، فهي حضرية وتضم طلابا من الملونين الذين يتعاطفون مع فلسطين. كما يشكل غير الطلاب غالبية المتظاهرين اليوم.

وقال مايكل كازين، الأستاذ بجامعة جورج تاون: “الحركات لا تظهر من لا مكان”، فحركة معاداة حرب فيتنام نشأت نتيجة مذبحة شاربفيل في جنوب أفريقيا عام 1960، أما احتجاجات غزة، فتعود لمعاداة المسلمين بعد 9/11 والظلم المستمر لهم.

وعندما نزل السود احتجاجا على مقتل شاب أسود في فيرغسون بولاية مونتانا في 2014، قدم الفلسطينيون النصيحة حول كيفية التعامل مع الغاز المسيل للدموع. وأصبح اليوم طلاب جامعة كاليفورنيا- سانتا بربارة، من السود واللاتينو، عصب حركة التأييد لفلسطين كما يقول البروفيسور فلاكس.

المصدر: صحيفة نيويورك تايمز الأميركية

ترجمة: إبراهيم درويش




حرب غزة تؤكد خطورة نفاق بايدن.. ازدواجية معايير مع إسرائيل في غزة وروسيا في أوكرانيا

نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا للمحرر الدبلوماسي باتريك وينتور قال فيه إن ممارسة الولايات المتحدة معايير مزدوجة مع روسيا وإسرائيل هي لعبة خطيرة، فمراوغة الغرب بشأن ما يجري في غزة يدفع لتمرد على هيمنته وتحكمه بالخطاب الدولي.

وأشار إلى المحلل المعروف للنظام الدولي، ريتشارد هاس الذي قال إن “الاتساق في السياسة الخارجية هو ترف لا يستطيع صناع السياسة تحمله”.

 وبشكل متساو، فالنفاق الوطني الصارخ، قد يأتي بثمن عال، فيما يتعلق بفقدان الثقة والمكانة الدولية وفقدان الاحترام الذاتي. ولهذا فقرار الرئيس جو بايدن دعم إسرائيل وأساليبها في غزة سريعا، وشجب روسيا في سياق مختلف، لم يثر قلق الليبراليين والمحامين. وقد ترك أثرا حقيقيا على العلاقة بين عالم الشمال والجنوب والغرب والشرق، بشكل ترك تأثيرات يمكن أن تترك ترددات وعلى مدى عقود.

 وربما قالت إدارة بايدن، المترددة بتغيير مسارها، إن الموازنات بين غزة وأوكرانيا ليست دقيقة، ولكنها تعرف أنها تفقد تدريجيا الدعم الدبلوماسي. وعندما انضمت إلى الولايات المتحدة وإسرائيل 8 دول، بما فيها مايكرونيسيا ونارو، كما حدث عندما رفضتا قرار وقف إطلاق النار في غزة بكانون الأول/ديسمبر، يصعب القول إن أمريكا لا تزال قوة لا يمكن الاستغناء عنها، وهي عبارة طالما رددتها وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت ويشير إليها دائما بايدن. وبالمقارنة، فالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين وبعد فترة من العزلة “يشعر أن كل شيء يسير لصالحه عند هذه النقطة”، كما تقول فيونا هيل، المسؤولة السابقة في وزارة الخارجية والمختصة بالشؤون الروسية.

وفي سياق تزداد فيه الشكوك من النظام الدولي القائم على القواعد، فالنص يكتب نفسه حسب وزير الخارجية الروسي المخضرم، سيرغي لافروف. فقد اشتكى أثناء مشاركته بمنتدى الدوحة في كانون الأول/ديسمبر قائلا: “لم يتم نشر القواعد ولم تعلن أبدا لأي أحد ويتم تطبيقها على من يريده الغرب في لحظة محددة من التاريخ الحديث”.

 وبالنسبة لهيل، فخطاب بايدن في تشرين الأول/أكتوبر عندما ربط بين أوكرانيا وإسرائيل في جهوده لإقناع الكونغرس كي يفرج عن الأموال المخصصة لأوكرانيا “ربما كان سياسة داخلية جيدة ولكنه على الأرجح ليس سياسة دولية ناجحة”. وترى الصحيفة أن الضحية لكل هذا هو الرئيس الأوكراني فولدومير زيلينسكي الذي سيجد صعوبة في الإبحار وسط هذا.

 إلا أن الانتقائية الأمريكية والتي ينظر إليها عبر عالم الجنوب قد تقود إلى يوم حساب. ففي الماضي تم النظر لفلسطين عادة على أنها حالة تاريخية خاصة في السياسة العالمية.

 لكنها الآن، وبحسب المحلل الإسرائيلي دانيال ليفي، قد دخلت “في قلب ما يطلق عليه الناس أزمة متعددة”. وقال إن “لعبة الاحتكار التي تمارسها الولايات المتحدة [فيما يتعلق بغزة] ليست متساوقة مع العالم الذي نعيش فيه اليوم وبالجيوسياسة المعاصرة. وبهذا المعنى، فقد حصل أمر مهم ومثير، وربما كان مصدرا للأمل، ورأيناه فيما يطلق عليه بعالم الجنوب والعديد من مدن الغرب، حيث أصبحت فلسطين تحتل مكانا رمزيا. وهي نوع من “أفاتار” (تجسيدا لفكرة/صورة) للثورة ضد النفاق الغربي وضد النظام العالمي غير المقبول وضد نظام ما بعد الاستعمار”.

وفي الوقت الذي تقاتل المؤسسات الدولية ما يتحدث عنه أنطونيو غوتيريش “قوى الشرذمة” فإن الطريقة التي تتعامل فيها الولايات المتحدة مع غزة لا تهم غزة فقط بل والتعددية الدولية. ولو سار دعم الولايات المتحدة لإسرائيل في الطريق الخطأ، فمن المحتمل أن نكون أمام واحدة من نتيجتين، فربما زاد نمو التحالفات التعاقدية غير الأيديولوجية، فالبحث عن تحالفات وقاية استراتيجية وسلعية ومن أجل إدارة تحوطات مالية قد يصبح الواقع لا الاستثناء.

 وكبديل عن هذه النتيجة، قد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام كتل قوية وأكثر حسما، سواء كانت “بريكس” بقيادة روسيا هذا العام أو تحالفات أخرى تقودها الصين. وقبل ستة أشهر كان الوضع مختلفا، فبعد فترة مما أطلق عليها “ويستليسنس” (شعور الغرب بالقلق) والتي نبعت من المخاطر الذي مثلتها رئاسة دونالد ترامب، فقد اكتشف الغرب قدرة وأظهر عزيمة للرد على غزو بوتين أوكرانيا في 2022. ولم يظهر خوفا من روسيا أو خسارة مصادر الطاقة منها.

فلم تكشف الحرب عن ضعف وفساد الجيش الروسي أمام أبواب كييف، بل وكشفت عن جرائمه الشنيعة في بوتشا. وقد أحيت أوكرانيا النظام الليبرالي الذي مزقته حرب العراق والهزيمة في أفغانستان. وشجبت حوالي 140 دولة في الأمم المتحدة الغزو الروسي. ونظم بايدن قمة للديمقراطية وأعلن عن مشاريع بنى تحتية لمنفعة دول الجنوب وكجزء من تقاليد تعود إلى فرانكلين دي روزوفلت المعادية للإمبريالية وهاري ترومان المناصر لميثاق الأمم المتحدة (وقع عام 1945) ومحاولات كينيدي توثيق صلات مع دول عدم الانحياز.

 إلا أن السؤال المحير، كان عن سبب رؤية دول الجنوب أوكرانيا بطريقة مختلفة، فعندما طلب منها القيام بعمل عملي لدعم الحرب فيها، مثل فرض عقوبات، انخفض عدد الدول الداعمة إلى 90. وهز القادة أكتافهم وتصرفوا بلا مبالاة، وقال رئيس رواندا بول كاغامي “في حالتي يجب ألا أدعم طرفا، فليس لدي ما أساهم فيه بهذا النقاش، وهو بيد دول أخرى ولا يهمني”.

ومن الواضح أن بقية دول العالم لم تتعامل مع أوكرانيا، كحرب ضد الاستعمار، بقدر ما هي إقليمية داخل أوروبا تسببت بزيادة أسعار الطعام. وقال المحلل الكسندر خارا، من معهد استراتيجيات الدفاع في كييف “اعتقدنا أن غزو دولة ذات سيادة والخرق الواضح للقانون الدولي سيضع الدول بشكل أوتوماتيكي إلى جانبنا، وقللنا من التأثير الروسي في القارة الأفريقية”.

وفي محاضرة لانارت ميري، بالعاصمة الأستونية تالين، وضحت هيل أن بوتين استغل وبمهارة مشاعر الحنق الموجودة على الإمبراطورية الأمريكية التي تتلاشى “هذا تمرد على ما يرونه الهيمنة الجمعية للغرب للخطاب الدولي الذي فرض مشاكله على الجميع وتجاهل أولوياتهم بشأن التعويضات عن التغيرات المناخية والتنمية الاقتصادية والإعفاء من الديون، وتشعر البقية بأنها مهمشة عن شؤون العالم”.

وقال وزير شؤون الخارجية الهندي أس جيشنكار “في مكان ما من أوروبا يجب التخلي عن عقلية أن مشاكل أوروبا هي مشاكل العالم وليس العكس”.

وقدمت غزة تعزيزا لهذا الموقف، فرغم رفض إدارة بايدن للربط القانوني والأخلاقي بين تصرف إسرائيل وروسيا والتأكيد أن الرابط هو بين موسكو وحماس، حيث ارتكبتا جرائم حرب.

فالغزو الروسي وتدمير المدن الأوكرانية، ليس دفاعا عن النفس أو ردا على دخول قوات أوكرانية إلى الأراضي الروسية وقتل مشاركين في مهرجان، بل هو محاولة لتأكيد مجال التأثير الروسي.

 لكن عندما يتم لصق صور العمارات المدمرة في غزة على منصات التواصل الاجتماعي إلى جانب العمارات المحطمة في ماريوبول، فالصورة مختلفة، حيث يحضر للذهن موضوع التناسب في القصف الجوي. فالرد الإسرائيلي يشبه رد أمريكا على هجمات 9/11.

لكن الغرب وبشكل عام التزم الصمت حيال غزة، وباستثناءات قليلة مثل مسؤول السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل الذي قال “أعتقد أن حرمان السكان المدنيين من الخدمات الأساسية- ماء وطعام ودواء وكل شيء- أمر يبدو وكأنه ضد القانون الدولي”. إلا أن ممثلة بريطانيا في الأمم المتحدة -والتي لم تكن أقل من 11 دولة في مجلس الأمن الدولي- والتي حثت إسرائيل على الالتزام بالقانون الدولي، لكنها تجنبت القول إن إسرائيل فشلت باتباعه.

وتجنب القادة الغربيون التعليق على مقتل أكثر من 18.000 مدني وإن كان خرقا للقانون الدولي، وتحدثوا بلغة مشروطة، وهي أنهم لا يستطيعون الحكم لأن المسؤولية هي للمحاكم. وقال مستشار الأمن القومي، جيك سوليفان “لن نسارع إلى إصدار أحكام والتصرف كمحلفين وسط كل هذا”.

ومقارنة مع هذا، فقد قال وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري إن تدمير روسيا حلب عام 2016 “لم يكن متناسبا للقصف بهذه الطريقة، وهو بالمطلق ضد قوانين الحرب، وهو ضد اللياقة وهو ضد الأخلاقية العامة وثمنه باهظ”.

أو ما قاله بايدن في بولندا، بعد عام من الغزو الروسي لأوكرانيا “لقد ارتكبوا أعمالا فاحشة وجرائم ضد الإنسانية بدون خجل أو تأنيب ضمير، واستهدفوا المدنيين بالموت والدمار. واستخدموا الاغتصاب كسلاح حرب وسرقوا الأطفال الأوكرانيين في محاولة لسرقة مستقبل أوكرانيا، وقصفوا محطات القطارات ومستشفيات الولادة والمدارس ودور الأيتام”.

 كل هذا النشاط، حصل في غضون شهر أو شهرين من حرب أوكرانيا، وبالمقارنة، لم تر وزارة الخارجية أي داع لفحص داخلي بشأن ارتكاب إسرائيل جرائم حرب في غزة، مع أن القنابل التي تستخدم لقتل المدنيين جاءت من أمريكا، وقتلت مدنيين في غزة بغضون شهرين وأكثر مما قتل في أوكرانيا خلال عامين. ولم تر وزارة الخارجية وسط التقارير عن استخدام القنابل الغبية وتصريحات الرئيس عن مخاوفه من القصف الذي لا يميز ضد المدنيين، حاجة لفتح تحقيق رسمي في انتهاكات القانون الإنساني الدولي.

وبنظرة لردود الفعل العالمية على الموقف الأمريكي من غزة، فهناك إمكانية لأن تصبح واشنطن معروفة بالمعايير المزدوجة. وقال أودو جود إليو، من مركز النزاعات المدنية النيجيري، وهو واحد من عدد لا يحصى قدموا تحذيرات “نحن الآن أمام وضع أصبحت فيه هوية المعتدي وهوية الضحية تحدد الردود العالمية. ولا يمكن الحفاظ على إطار حماية عندما يتوفر الصك المفتوح”. وقال ماندلا مانديلا، حفيد نيلسون مانديلا “سئل المسؤولون الأمريكيون عن استخدام الجيش الإسرائيلي القوة التي لا تميز في غزة، وكان الرد: “لن نتحدث عن غارات بعينها”، لكن أليست هذه مسألة مبادئ، في ضوء الأسابيع الأخيرة والحروب السابقة في غزة”.

ونفس الردود المشابهة من وزير الخارجية المصري والرئيس البرازيلي ورئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم “طلب منا شجب العدوان في أوكرانيا، لكن البعض التزم بالصمت حيال المذابح التي ارتكبت ضد الفلسطينيين، فهذه لا تهم حسهم للعدالة والعطف”.

لكن إدارة بايدن المتعاطفة مع إسرائيل تلعب دور الأصم. وقال المتحدث باسم الأمن القومي جون كيربي “أذكر لي اسم دولة تعمل كما تفعل الولايات المتحدة لتخفيف معاناة أهل غزة”. مجيبا “لا تستطيع”. وصُور روبرت وود، نائب السفيرة الأمريكية في الأمم المتحدة وهو ينظر بدون اهتمام إلى هاتفه، في وقت ألقى فيه السفير الفلسطيني خطابا عاطفيا ومؤلما عن غزة. أو بايدن نفسه، الذي دافع بحرارة عن إسرائيل ثم اعترف بعد دقيقة أن القصف العشوائي يحدث.

المصدر: صحيفة الغرديان البريطانية

ترجمة: إبراهيم درويش




إعلام عبري: واشنطن ترفض تزويد إسرائيل بمقاتلات “أباتشي” إضافية

كشف تقرير إسرائيلي، الثلاثاء، أن الولايات المتحدة الأمريكية “ترفض” طلب إسرائيل الحصول على طائرات مقاتلات حربية إضافية من طراز “أباتشي”.

وجاء التقرير رغم التأكيد على أن حجم المساعدات العسكرية الأمريكية المقدمة لإسرائيل منذ اندلاع الحرب على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الزول الماضي، ارتفعت إلى أعلى مستوى منذ حرب أكتوبر عام 1973.

وذكر موقع “واينت” الإخباري، وهو النسخة الإلكترونية من صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية أن “الجيش الإسرائيلي طلب طائرات هليكوبتر هجومية من طراز أباتشي من الولايات المتحدة، ولكن تم رفض الطلب حتى الآن”.

وأضاف: “تم تقديم الطلب إلى (وزارة الدفاع الأمريكية) البنتاغون في الأسابيع الأخيرة، كما أثاره وزير الدفاع يوآف غالانت خلال اجتماعاته مع وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن خلال زيارته لإسرائيل الأسبوع الماضي”.

وتابع: “تشير مصادر أمنية إلى أنه لم يتم اتخاذ قرار نهائي بشأن عملية الاستحواذ المحتملة، وأن إسرائيل تواصل ممارسة الضغوط”.

ولفت الموقع العبري إلى أن الجيش الإسرائيلي عزا طلبه قائلا إن “المروحيات مطلوبة لتعزيز عملياته الجوية”.

أوضح الجيش في طلبه أنه استخدم “مروحياته الهجومية من طراز أباتشي في (قطاع) غزة، وللقيام بعمليات ضد أهداف حزب الله في جنوب لبنان وضرب أهداف إرهابية في الضفة الغربية”، بحسب الموقع العبري.

ووفقا لموقع “واينت”، يمتلك الجيش الإسرائيلي “سربين فقط من طائرات الهليكوبتر أباتشي وهما السرب 190 والسرب 113، ويقومان بعمليات على مدار الساعة في غزة منذ بداية الحرب”.

وأضاف الموقع: “مقر أحد السربين في مطار رامون جنوبا، والآخر في رمات دافيد شمالا، وتم نشر مروحيات من الفرع الشمالي على حدود غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي”.

ونوه الموقع إلى أن “عبء العمل على السربين مرتفع للغاية”.

جدول عملياتي مزدحم

وعلي هذا النحو، أشار الموقع إلى انه “طُلب من قائد القوات الجوية العميد تومار بار استدعاء الطيارين المتقاعدين الذين تتراوح أعمارهم بين 54 و55 عاما للعودة إلى الخدمة الفعلية، على الرغم من أنهم تجاوزوا الحد الأدنى المقبول للعمر للرحلات القتالية، وهو 51 عامًا”.

واستدرك: “كما تم استدعاء الطيارين الأكبر سنا الذين تتراوح أعمارهم بين 55 و60 عاما حتى اكتمال المناصب العملياتية على الأرض”.

ونوه إلى أن الطيارين الذين غادروا إسرائيل في السابق لمتابعة حياتهم المهنية في الخارج “عادوا أيضا عندما بدأت الحرب، بشكل أساسي من الولايات المتحدة أو الشرق الأدنى، وبعد الانتهاء من الدورات التنشيطية، تم تكليفهم بمهام الطيران”.

وأرجع الموقع هذه السياسة إلى الحاجة إلى “تخفيف العبء عن جنود الاحتياط وأسرهم والاقتصاد”.

وأوضح: “وضعت القوات الجوية جدولا يتطلب منهم (الطيارين المتواجدين فعليا في الخدمة) القيام بمهام عدة أيام في الأسبوع، وأدى ذلك إلى طيران الطيارين في الخدمة الفعلية لساعات أطول، مع استمرار بعض الطلعات الجوية من 3 إلى 4 ساعات متواصلة دون مغادرة قمرة القيادة الخاصة بهم”.

مساعدات أمريكية هي الأكبر منذ 1973

ورغم الإشارة إلى رفض واشنطن طلبا إسرائيليا بالحصول على مقاتلات “أباتشي” إضافية، لفت موقع “واينت” إلى أن المساعدات العسكرية الأمريكية المقدمة لتل أبيب منذ اندلاع الحرب ضد غزة “ارتفعت إلى أعلى مستوى منذ حرب يوم الغفران (أكتوبر) عام 1973”.

وقال إن هذه المساعدات “تشمل الطائرات والسفن وآلاف أنظمة الأسلحة والذخائر، مثل قذائف الدبابات وقنابل الطائرات المتخصصة والطائرات بدون طيار ومعدات الرؤية الليلية والرادارات وحتى المركبات المدرعة وسيارات الإسعاف”.

وبيّن الموقع العبري أنه تم توزيع هذه الإمدادات على “الوحدات العاملة على جميع الجبهات، بما في ذلك الضفة الغربية، لتلبية المطالب العسكرية بشكل فعال”.

وتابع: “لقد تم الحصول على هذه الإمدادات من المستودعات الأمريكية في الشرق الأوسط، وبدون هذه المساعدة، كان الجيش الإسرائيلي سيواجه تحديات في مسار التقدم في الصراع وتحقيق أحد أهدافه، وهو الردع”.

وأشار موقع “واينت” الى أنه “في الوقت نفسه، واصلت الولايات المتحدة الضغط على إسرائيل لتجنب حرب شاملة مع قوات حزب الله في لبنان”.

واعتبر أن إسرائيل “خضعت حتى الآن، لهذه الضغوط الصادرة عن الولايات المتحدة وفرنسا، وامتنعت عن توسيع الصراع إلى الشمال”.

ووفقا للموقع العبري، يأتي الخضوع الإسرائيلي رغم دعوات وزير الدفاع غالانت “لتوجيه ضربة استباقية لحزب الله، الذي يُنظر إليه على أنه التهديد الرئيسي لأمن إسرائيل”.

ولم تعلق الولايات المتحدة الأمريكية رسميا على هذا التقرير.

وكانت صحيفة “يديعوت أحرونوت” كشفت، الاثنين، عن إرسال الولايات المتحدة أكثر من 230 طائرة شحن، و20 سفينة محملة بالأسلحة لإسرائيل منذ 7 أكتوبر الماضي.

وتقول وزارة الدفاع الإسرائيلية إن تكلفة الحرب حتى الآن تصل إلى 65 مليار شيكل (17.5 مليار دولار)، بحسب إعلام عبري.

وتعد واشنطن من أكثر الداعمين لتل أبيب في حربها ضد قطاع غزة، التي خلفت علي مدار 81 يوما، 20 ألفا و674 شهيدا و54 ألفا و536 جريحا، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا هائلا في البنية التحتية وكارثة إنسانية غير مسبوقة، وفقا لسلطات القطاع والأمم المتحدة.

وإلى جانب عملية التسليح، تعرقل الولايات المتحدة أي جهود في مجلس الأمن الدولي من شأنها تحقيق “وقفا فوريا” لإطلاق النار في غزة، والذي تعارضه إسرائيل وتراه تهديدا لمسار هدفها الرئيسي من الحرب وهو إنهاء حكم حماس في غزة، والقضاء على الحركة.

المصدر: وكالة الأناضول




دعم فلسطين ينتشر بين المسلمين الأمريكيين وفي أماكن غير متوقعة

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أعده تيم كريغ وكلارا إنس مورس قالا فيه إن الشباب المسلمين في الولايات المتحدة يظهرون معارضة لإسرائيل في أماكن غير متوقعة.

ولم تحتمل أسماء زعيتر، 17 عاما، وهي تشاهد النزاع في غزة يتكشف أمام ناظريها، وقررت تنظيم احتجاج لدعم القضية الفلسطينية في مكان غير محتمل، في ساحة محكمة هانتسفيل في ولاية ألاباما. وشعرت زعيتر وهي من الجيل الثاني للفلسطينيين الأمريكيين بالخوف من عدم استجابة أحد لدعوتها، فقد كانت تعرف أن هانتسفيل هي بلدة محافظة ومعروفة بالنقاش الانقسامي المتعلق بالمعالم المتعلقة بالكونفدراليين وأكثر من النزاعات في الخارج.

ومع بداية الاحتجاج، حضر عشرات من المسلمين بمن فيهم نساء محجبات إلى ساحة البلدة، نهاية تشرين الأول/أكتوبر حاملين اللافتات التي تشجب الغزو الإسرائيلي لغزة. وجاء الإعلام المحلي وعرفت زعيتر أنها نجحت بربط بلدتها وسكانها المسلمين الذين يتزايدون بنزاع في النصف الثاني من الكرة الأرضية. وقالت “يعرف الناس أن هناك صوتا فلسطينيا في المدينة”، وتضيف زعيتر، وهي طالبة جامعية بجامعة ألاباما في هانتسفيل “كل واحد له صوت ويمكنه قول ما يشعر أنه الصواب مستخدما صوتنا”.

 وفي كل أنحاء الولايات المتحدة من عمق الجنوب إلى أبالاتشيا والمجتمعات الريفية نسبيا في وسط الغرب، ظهرت الاحتجاجات الداعمة لمحنة الفلسطينيين، بشكل يكشف عن توزع المسلمين الأمريكيين في قلب البلد. ونظم أبناء المهاجرين من الدول الإسلامية العديد من التظاهرات كدليل على الصحوة السياسية بين الجيل الجديد من الشبان الأمريكيين والذين يعملون على تشكيل الرأي العام الأمريكي دعما لوقف إطلاق النار في الشرق الأوسط.

والاحتجاجات المعادية للحرب في هانتسفيل وأوكسفورد بمسيسبي وبون أبالتشيا وفي نيويورك تخلق حسا مجتمعيا بين المسلمين الذين لم يحلموا وحتى وقت قريب بتجميع أعداد كبيرة دعما لقضاياهم. وقد صمموا اليوم على مواصلة نشاطاتهم وإظهار قوتهم السياسية في الفضاء العام. ويقول حماد تشاودري، 24 عاما، وهو من الجيل الثاني من الباكستانيين الأمريكيين “حقيقة عيشنا في الولايات المتحدة لا تعني أننا معزولون أو منفصلون”. وساعد تشاودري في تنظيم مظاهرة مؤيدة لفلسطين بجامعة ولاية أبالتشيا ببون حيث قال “نعيش في عالم معولم حيث يترك شيء صغير جدا أثره العظيم في مكان آخر”.

ويقول العلماء المسلمون إن ظهور النشاط هذا لم يكن متوقعا قبل عقد من الزمان وهو متجذر في انتشار العائلات المسلمة في الولايات المتحدة. فمن الموجات الأولى للمهاجرين المسلمين إلى الولايات المتحدة في السبعينات والتسعينات من القرن الماضي كانوا عادة ما يتجمعون في عدد من الولايات مثل نيويورك وميتشغان وكاليفورنيا.

ومثل بقية المهاجرين، فقد انتقل بعضهم مع مرور الوقت إلى أماكن أخرى بحثا عن وظائف وفرص أفضل. وفي الفترة الأخيرة، سكن المهاجرون من الدول ذات الغالبية المسلمة في الجنوب ووسط الغرب على أمل الحصول على مساكن بأسعار معقولة. وفي تحليل أجراه معهد بيو للاستطلاعات عام 2017، قدر عدد المسلمين الأمريكيين بحوالي 3.45 مليون نسمة، ثلاثة أرباعهم من المهاجرين أو أنهم أبناء مهاجرين. وبالمجمل فالسكان المسلمون هم شباب مع مجمل سكان أمريكا، حيث أظهرت دراسة بيو أن نسبة 35% هم ما بين 18- 29 عاما مقارنة مع 21% من مجمل السكان.

وفي بيانات جمعتها جمعية الإحصائيين للمؤسسات الدينية الأمريكية، واستعانت بها “واشنطن بوست” وجدت أن 234 منطقة أمريكية شهدت زيادة في عدد مراكز العبادة المسلمة منذ عام 2000. وهو ما يشكل نسبة 7% من مقاطعات البلاد. وفي 217 مقاطعة، تضاعف عدد المرتادين للمساجد في الفترة ما بين 2000- 2020.

وزاد عدد المساجد على مستوى البلاد منذ عام 2000، وذلك حسب معهد السياسة الاجتماعية والتفاهم، وهي شركة تقوم بدراسة المجتمعات المسلمة. وحصل أهم نمو ملاحظ في المناطق الصغيرة، حيث شهدت شبانا مسلمين يتحدثون عن محنة الفلسطينيين. ففي هانتسفيل، مثلا، هناك أربعة مساجد يرتادها حوالي 3.935 شخصا مقارنة مع 1.218 عام 2000. ويقول يوسف شهود، الأستاذ المساعد في جامعة كريستوفر نيوبورت، في نيوبورت نيوز بفرجينيا إن الشبان المسلمين “نضجوا” ويتحدثون عن سياسة الشرق الأوسط بطريقة لم يكن الجيل السابق قادرا على الحديث عنها. وقال شهود، 40 عاما، وهو مصري أمريكي إن الموجات الأولى للمهاجرين المسلمين ركزت بداية على تأمين الوظائف والاستقرار داخل الثقافة الأمريكية.

وبعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر شعر الشبان المسلمون تحديدا بضرورة “الامتزاج” ليصبحوا “سفراء لدينهم” وممارسة حياتهم بطريقة غير صدامية. و”كانت فترة شعر فيها الكثير من المسلمين بضرورة ترتيب البيت من الداخل وتثبيت أنفسنا أولا وأخيرا، وللبحث عما يعني أن تكون أمريكيا ومسلما” و”اليوم فالشبان في الجامعات والمدارس العليا يشعرون بالراحة بوضعهم ومستعدون لرفع أصواتهم والاحتجاج على عدد من القضايا”.

وقال خليل أبو عالية، من الجيل الثاني للفلسطينيين الأمريكيين ويحضر لدراسة الصيدلة بجامعة تينسي في أوكسفورد، البالغ من العمر 23 عاما إنه لم يكن يتصور أن تكون تجربته في الكلية ستؤدي به إلى ناشط معارض للحرب. وفي أثناء السنة التحضيرية، ذهب إلى اجتماع لجمعية الطلاب المسلمين ولديها 100 عضو، وشهد مسجد أوكسفورد زيادة في المصلين من 163 إلى 275 شخصا ومنذ 2000 حسب تحليل “واشنطن بوست”. و”قلت يا إلهي يوجد هنا مسلمون أكثر مما كنت أتصور” و”هو ما جعلني أفكر بأن أكون ناشطا”. وبسبب زيادة الضحايا في غزة قرر أبو عالية وطلاب الجمعية الإسلامية أن الوقت قد حان لاحتجاجات معادية للحرب في جامعة المسيسبي التي كانت في مقدمة الاحتجاجات المطالبة بالحريات المدنية في عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي.

وقال أبو عالية “أحب أكسفورد، مسيسبي وبخاصة عندما تفكر بمكانها، فقد كانت محورية في أمر كهذا، ويمكننا أن نظهر أن الحوار مفتوح هنا”. وكانت أول تظاهرة صامتة حول “غروف” وهو متنزه مشجر ومرتبط بالحياة الطلابية. ومثل زعيتر، كان أبو عالية قلقا من استجابة الناس قبل أن يتجمع 50 طالبا وقفوا صمتا لإظهار التضامن مع الغزيين. وبعد أسابيع شعر أنه يحدث فرقا “عندما يفكر الكثير من الأشخاص، وبخاصة أبناء الأقليات مثلي بالجنوب، بالنمطيات والناس الجاهلين الذين لا يهتمون، بغيرهم من الناس”، مشيرا إلى أن الناس على خلاف هذا منفتحون على الحوار ويريدون الحديث والاستماع. وفي الأسابيع الأخيرة، أظهرت استطلاعات الرأي أن مواقف الرأي العام تغيرت لصالح وقف إطلاق النار.

وبحسب استطلاع لمجلة أيكونوميست- يوغف في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر فنسبة 65% من المواطنين مع اتفاق بين إسرائيل وحماس على وقف إطلاق النار، مقابل 16% معارضة وأخرى 19% ليست متأكدة. والدعوة لوقف إطلاق النار لا تعني أنها لا تدعم إسرائيل، فنسبة 38% متعاطفة معها و11% مع الفلسطينيين والبقية متعاطفة مع الطرفين. وهاجم نقاد التظاهرات المؤيدة لفلسطين واعتبروها معادية للسامية ومتعاطفة مع حماس. لكن المتظاهرين الجدد يرون أن هذا غير منصف “ليقولوا ما يريدون ولا يمكننا عمل أي شيء تجاه هذا سوى استخدام صوتنا والقتال ردا عليه”.

ولا يدعم المحتجون حماس ولا أساليبها واحتجاز الرهائن، كما أنهم لا يدعمون الرد الإسرائيلي وما يرونه ردا غير متناسب، وبدلا من ذلك فهم يريدون أن يظهروا أن المدنيين هم الذين سحقوا في هذا النزاع. ومع زيادة نشاطات المسلمين، واجه الناشطون الإسلاموفوبيا وصرخات تدعو للكراهية. وفي هانتسفيل تجمعت السيارات حول المحتجين وصرخوا على المتظاهرين ووصفوهم “بالمتعصبين”. وتقول سلمى تريش، 21 عاما، التي ساعدت في تنظيم التظاهرة في جامعة أبالتشيا إن البعض مر بسيارته وهو يصرخ بعبارات مهينة.

وتعتبر حملات التواصل الاجتماعي المحرك الأساسي في التنظيم، حيث حاول الناشطون ربط “فلسطين حرة” بحركة الاحتجاج العمالي والكفاح الاقتصادي في أبالتشيا. ويقول خرم طارق، المختص بمرض السرطان في بون، إن الحديث عن الحقوق الفلسطينية أصبح سهلا في مناطق نورث كارولينا لأن أعداد المسلمين تزايدت وأصبحت مستقرة. ولم يكن في بون مسجد قبل عامين، حيث تواصل مريض لطارق معه وأخبره أنه مسلم وتعرفا على حجم المجتمع والطلاب وعدد من اللاجئين الأفغان بشكل قاد لافتتاح المركز الإسلامي وضم مسجدا يشرف عليه كريم في تموز/يوليو 2022.

وفي بون التي يسكنها 18.000 نسمة مطعم يقدم الأكل الحلال ومخبز. وقال طارق إن نمو المجتمع المسلم يكشف عن نضج في الشتات بحيث فتح المجال أمام أبنائه لدعم القضية الفلسطينية وبحماس.

المصدر: صحيفة واشنطن بوست الأميركية

ترجمة: إبراهيم درويش




“نبي الغضب” المناوب في إسرائيل: الناطقون والمحللون العسكريون يقدمون صورة مزيفة عن وقائع الحرب

في اليوم الثمانين للحرب على غزة، عاد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو للتأكيد أن الحرب مستمرة حتى تدمير حركة “حماس”. وفي التزامن تتزايد بشكل مثابر الأوساط التي تشكّك باحتمالاتها وجدواها وسلّم أولوياتها، بعضها يوجّه الاتهامات لمن يقودها بخلط الأوراق والاستمرار في الحرب خوفاً من انهيار الائتلاف الحاكم. مقابل العشرات من ذوي عائلات المحتجزين، الذين كانوا يصرخون بقلوب مكسورة، مطالبين باستعادة أقاربهم، تحدّثَ نتنياهو داخل الكنيست الإسرائيلي، أمس، عن الحاجة لمواصلة الحرب، مستخدماً من جديد فزاعة “حماس” لترهيب مجمل الإسرائيليين من تبعات بقائها في غزة.

وقطع نتنياهو الشك باليقين، أمس، وفهمت عائلات المحتجزين أنه عملياً لن يوقف الحرب من أجل استعادة أبنائهم، وعبّر بعض هؤلاء لاحقاً عن خيبة أمل، فيما حَمَلَ معلقون إسرائيليون كثر على “بَلادة إحساس” نتنياهو وهو يتحدث لمن تشظّت قلوبهم واكتوت أرواحهم نتيجة بقاء أعزائهم في الأسر، وعرضة للقصف الجوي الإسرائيلي.

كادمون: نتنياهو يواصل تشغيل “ماكنة نثر السمّ”، وتقسيم الإسرائيليين، ويعتبر أن الجنود القتلى أبطالٌ من اليمين، بينما المخطوفون وعائلاتهم من اليسار

وقالت المعلقة السياسية البارزة في صحيفة “يديعوت أحرونوت” سيما كادمون، في مقال اليوم الثلاثاء بعنوان: “أين القلب؟”، إن نتنياهو لا يتصرف كما ينبغي أمام عائلات محطمة، ويواصل تشغيل “ماكنة نثر السمّ”، وتقسيم الإسرائيليين، ومحاولة إشغالهم مجدداً بكراهية متبادلة، فيعتبر أن الجنود القتلى أبطالٌ من اليمين، بينما المخطوفون وعائلاتهم من اليسار”.

 ساعات رملية

 وقبيل اللقاء مع نتنياهو، بادر عددٌ من عائلات المحتجزين لتثبيت ساعات رمل مقابل مقر وزارة الأمن في قلب تل أبيب، لجانب خيام الاعتصام، لتذكير صنّاع القرار بأن وقت أعزائهم محدود، ويشارفون على الموت داخل القطاع.

بخلاف نتنياهو تماماً، وفي تلميح غليظ، دعا رئيس المعارضة يائير لبيد لتغيير سلّم الأولويات، حتى بثمن وقف الحرب، فقال، في كلمته في الكنيست، إن “المحتجزين هدفٌ أهم وأكثر إلحاحاً”. وموقف لبيد هذا لا يتصادم فقط مع موقف نتنياهو ووزرائه والجيش، بل يتناقض مع موقف زميله الوزير بيني غانتس، الذي انتقل من المعارضة للائتلاف بعد الحرب، وهو، ورغم انتقادات متكررة لنتنياهو، يتماثل معه في الموقف والمضمون الداعي لمواصلة الحرب حتى تحقيق أهدافها المعلنة. تجلّى ذلك أمس في الكنيست، حيث قال غانتس إنه يجب احترام عائلات المحتجزين والتعامل معهم بحساسية وخشوع، لافتاً لضرورة مواصلة الحرب حتى تدمير “حماس”، معلّلاً ذلك بالقول إن وقفها الآن يعني زيادة تجرؤ أعداء إسرائيل عليها نتيجة تردي هيبتها وقوة ردعها. وربما يعكس ذلك رغبة غانتس بالتماثل مع أغلبية إسرائيلية تؤيد مواصلة الحرب على غزة (نصف الإسرائيليين ونيف يؤيدون مواصلة الحرب، حسب الاستطلاعات حتى الآن)، خاصة أن لديه، هو الآخر، حسابات حزبية وشخصية انتخابية، وعيناه على مقعد رئاسة الوزراء بعد نتنياهو.

وتطالب مجموعة من الوزراء بما يدعو له عددٌ من المراقبين الإسرائيليين بضرورة خنق المقاومة الفلسطينية داخل القطاع بحرمانه من المساعدات الإنسانية، كالماء والغذاء والوقود، من أجل حسم المعركة، التي طال أمدها، وباتت مكلفة أكثر.

وكشفت القناة 12 العبرية، ليلة أمس، أن هناك وزراء يدعون مجلس الحرب لوقف المساعدات الإنسانية ومجابهة الولايات المتحدة التي تشترط مواصلة تأييدها الحرب باستمرار قنال الإغاثة الإنسانية. ونوهت أن نتنياهو قد رد على ذلك بالقول، حسب تسريبات صحفية، إن إسرائيل لا تستطيع فعل ذلك، وخاصة الآن، لأن ذلك سيؤدي لحصار عالمي على إسرائيل. وهذا ما قاله للإذاعة العبرية الرسمية، صباح اليوم الثلاثاء، الوزير بلا حقيبة حيلي تروبر (الحزب الدولاني، برئاسة غانتس)، الذي قال إنه رغم انسداد الأفق، وتعثّر مساعي عقد صفقة جديدة علينا مواصلة تمكين إدخال مساعدات إنسانية للقطاع، فهذا جزء من ثمن الحرب”.

أزمة ثقة

وكان تروبر، بحديثه عن انسداد الأفق يقصد رفض الصفقة الكبرى التدريجية المقترحة من قبل مصر، التي رفضتها “حماس” وإسرائيل، التي تعتبرها استسلاماً.

تحدّثَ نتنياهو داخل الكنيست عن الحاجة لمواصلة الحرب، مستخدماً من جديد فزاعة “حماس” لترهيب مجمل الإسرائيليين من تبعات بقائها في غزة

وفي التزامن، تكشف مصادر إسرائيلية عن أزمة ثقة متصاعدة بين نتنياهو ووزير الأمن غالانت، على خلفية مساعي التوصل لصفقة. وقالت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، اليوم، إن أزمة الثقة تنبع من “تعليمات شاذة لرؤساء المؤسسات الأمنية الاستخباراتية بعدم المشاركة في اجتماعات غالانت حول المخطوفين. وحسب التسريبات، فإن خلفية التوتّر تحامل نتنياهو بعدما اكتشف أن غالانت طلب إحاطات من رئيس الموساد، بعد زيارة سرية، قبل أن يطلع رئيس الوزراء أولاً، حيث يشدد نتنياهو على أن هذه تتم فقط بحضوره هو، وداخل مجلس الحرب”، ورسمياً نفى مكتب نتنياهو التسريبات، زاعماً أنه لا توجد تقييدات على مشاركة رئيس الموساد في أي اجتماع.

أهداف الحرب غير واقعية

في التزامن، ومقابل كل ذلك، يتواصل التشكيك في الجانب الإسرائيلي بجدوى واحتمالات وطريقة إدارة الحرب، مقابل معسكر وأوساط، معظمها ينتمي لليمين، تطالب بتصعيد الحرب بالقصف الجوي، وبتقليص المساعدات الانسانية.

 في الأمس، أثارت أصداءً واسعة تصريحاتُ أهارون زئيف فاركاش، رئيس سابق للاستخبارات العسكرية، بتأكيده أن أهداف الحرب غير واقعية. ففي حديث لـ موقع “واينت”، قال فاركاش: “إننا بدأنا الحرب مع شعار “تدمير حماس”، وحالياً نحن أمام تحدّ جديد؛ لا يمكن إنهاء الحرب دون استعادة المخطوفين”. وبذلك يتوافق مع عدد متزايد من الجنرالات في الاحتياط، ومن المراقبين الإسرائيليين، أمثال رئيس الموساد الأسبق تمير باردو، الأعلى والأوضح صوتاً من بين هؤلاء.

الجيش وأبواقه ينقصهم القليل من التواضع

 وعاد، اليوم، من يُعرف بـ “نبي الغضب” الإسرائيلي المناوب، الجنرال في الاحتياط يتسحاك بريك، للتحذير من مواصلة إسرائيل التورط بأخطاء خطيرة، بعدما كان قد تنبأ باحتمال وقوع “طوفان الأقصى”، قبل سنوات، منبهاً لعدم جاهزية الجيش البري للقتال.

في مقال تنشره صحيفة “هآرتس”، اليوم الثلاثاء، كَشَفَ يتسحاك بريك أنه يستند لمعلومات ميدانية استقاها من جنود وضباط يقاتلون داخل القطاع منذ البداية، ومنها توصّل للاستنتاجات التالية: الناطق العسكري دانئيل هغاري، والمحللون العسكريون في القنوات التلفزيونية الإسرائيلية يقدمون صورة مزيفة بكل ما يتعلق بآلاف القتلى في صفوف جنود “حماس”، وما يتعلق بالقتال وجهاً لوجه بيننا وبينهم. ويضيف جازما: “عدد قتلى حماس في الميدان بنيران قواتنا أقل بكثير مما يدعي الناطقون العسكريون والسياسيون. الحرب في معظمها لا تدار وجهاً لوجه، بعكس تقارير الناطق العسكري والمحللين في قنوات التلفزة. معظم القتلى والجرحى في صفوف الجيش الإسرائيلي نتيجة عبوات وألغام وصواريخ وقتال “غريلا”، دون أن نملك ما هو ملائم لهذا الطراز من القتال”.

في مصائد قاتلة

وكان بريك نفسه قد نبّه، في مقال نشرته صحيفة “معاريف” أمس، أن مفهوم رئيس الاستخبارات العسكرية الجنرال أهارون حليوه يقوم على الاعتقاد بأن “حماس” مرتدعة، ولم ير أمامه ضوءاً أحمر، عشية السابع من أكتوبر. وتابع، بلغة نقدية مباشرة: “إذا لم تتغير طريقة الاستخبارات العسكرية سنقع مجدداً في مصائد موت تهدد وجود إسرائيل. ما زالت الاستخبارات العسكرية حتى الآن تبلور تقييمات وتقديرات عن العدو بناءً على النوايا، لا على القدرات، وهذه غلطة، ينبغي العكس”.

 الوزير حيلي تروبر: رغم انسداد الأفق، وتعثّر مساعي عقد صفقة جديدة علينا مواصلة تمكين إدخال مساعدات إنسانية للقطاع، فهذا جزء من ثمن الحرب

“حماس” الداخل والخارج

وعلى غرار بريك، تطرّقت صحيفة “هآرتس” لقلة التواضع لدى القيادات الإسرائيلية، وذلك من خلال نشر رسم كاريكاتير، اليوم، يبدو فيه نتنياهو بصورة الخالق محاطاً ببعض المقربين من السياسيين والصحفيين الأبواق، وبيده مصباح وهو يقول: “أعطيت أوامري بإنارة الكون”، وفي أعلى الرسم كتب: “سفر التكوين”. وهذه إشارة لانشغال نتنياهو الآن، في ذروة الحرب، بالبحث عن اسم جديد لها بدلاً من “السيوف الحديدية”، وهناك عدة أسماء مقترحات معظمها دينيّ، منها “سفر التكوين”، المستمد من العهد القديم، حيث قيل: “وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه.. وقال الله ليكن نور فكان نور….”.

ويبدو أن نتنياهو، بالبحث عن اسم توراتي، يواصل مسعاه في تديين الصراع، بغية تيسير مهمة الحشد، وتهويش اليهود على العرب، ومواصلة صدّ تصاعد موجة إسرائيلية تشكّك بالحرب وجدواها وحساباتها وحسابات نتنياهو شخصياً. وهذا ما دفع محرر الشؤون العربية في صحيفة “هآرتس” دكتور تسفي بار إيل، اليوم، للقول إن نتنياهو عالقٌ، فهو في قرارة نفسه يدرك جوهر الحرب، لكنه يخشى انهيار حكومته بحال أوقفها.

 في المقابل، قال إن نتنياهو عالق  ومتشابك مع زعيم “حماس” في غزة يحيى السنوار، الذي يخشى من نهاية الحرب لأنه يتوجس من رغبة قيادة “حماس” في الخارج لترتيب اليوم التالي في القطاع بدون السنوار.

ويتزامن قول بار إيل مع محاولات متكررة على لسان محللين إسرائيليين، خاصة في قنوات التلفزة العبرية لتسليط الضوء على “خلافات وتوترات” بين قيادة “حماس” في القطاع وقيادتها في الخارج، وهناك من يرى أن هذه محاولة “فرق تسد”.

 في يومها الواحد والثمانين، يبدو مصير الحرب رهناً لقدرة المقاومة الفلسطينية على جبي ثمن باهظ من الجنود الغزاة، وبتصعيد “حزب الله” وإيران للجبهة المساندة، وباستمرار حالة التململ والتشكيك بها، وبإمكانيات نجاحها، وبأزمة الثقة المتزايدة مع نتنياهو وحكومته، وهذا المتغير الداخلي يبدو أكثر فاعلية من الضغوط الخارجية الخجولة والكاذبة، حتى الآن.

وديع عواوودة

المصدر: صحيفة القدس العربي




الصواريخ الإسرائيلية تمنع احتفالات الميلاد في غزة.. والحزن يخيم على كنائس باتت مراكز للإيواء

منعت الحرب والصواريخ الإسرائيلية، هذا العام، إضاءة شجرة عيد الميلاد في مدينة غزة، كما جرت العادة، في احتفالات عيد الميلاد المجيد وأعياد رأس السنة، وبدلاً من تزيين الكنيسة الرئيسة للمسيحيين المحتفلين بعيد الميلاد، وفق التقويم الغربي لإقامة القداس، احتضنت الكنيسة عدداً من النازحين الذين فرّوا من بيوتهم بمدينة غزة، هرباً من نار الصواريخ، على الرغم من تعرّض بعض الكنائس التي باتت “مراكز إيواء” لقصف إسرائيلي أوقع ضحايا ومصابين.

لا أشجار ميلاد

ولم تزين شجرة عيد الميلاد التي كانت توضع في ميدان الجندي المجهول غرب مدينة غزة، وهو أحد الأماكن التي تعرضت للدخول البري للدبابات الإسرائيلية، وأصابه تدمير كبير جداً، بدَّلَ ملامح المنتزه الذي كان يقام في تلك المنطقة، وبه أشجار وورود، وأماكن لجلوس المواطنين، إلى أكوام من الرمال.

وبالعادة كانت يجري تزيين إحدى الأشجار في ذلك المكان بالإضاءات الجذابة، وكان المواطنون ممن يزورون المكان، يحرصون في هذا الوقت على التقاط صور لهم أمام تلك الشجرة.

كما لم تقم كنائس مدينة غزة بوضع شجرة عيد الميلاد الكبيرة في ساحاتها العامة، واهتم القائمون على الكنائس، بدلاً من ترتيب الاحتفالات، بترتيب أوضاع النازحين لديها، الذين عانوا من الجوع والعطش، بسبب حصار الدبابات الإسرائيلية لمدينة غزة، وتوغلها في عمق المدينة، ووصولها إلى مناطق قريبة جداً من الكنائس.

وفي مدينة غزة هناك كنيستان رئيسيّتان، واحدة للمسيحيين الذين يحتفلون بالأعياد وفق التقويم الغربي، وأخرى للمحتفلين وفق التقويم الشرقي، علاوة عن كنائس أخرى صغيرة، منها تلك الكنيسة المتواجدة في المستشفى المعمداني بمدينة غزة، والتي تعرضت للدمار، بعد أن أصيبت ساحة المستشفى بصاروخ أطلقه الجيش الإسرائيلي خلال الحرب، أدى إلى استشهاد وإصابة المئات من النازحين في تلك المشفى، وإلى تضرر الكنيسة.

كما تعرضت خلال الحرب كنيسة دير اللاتين لقصف إسرائيلي آخر استهدفها، بعد تلك الحادثة، كذلك تعرضت كنيسة سانت بورفيريوس الأرثوذكسية لقصف إسرائيلي، أوقع عدداً من الشهداء والمصابين، من المواطنين المسيحيين والمسلمين الذين كانوا يلتجئون إليها هرباً من نيران الحرب.

ووصف مواطنون لجأوا إلى إحدى كنائس مدينة غزة، خلال الاجتياح البري الواسع للمدينة، الأوضاع المعيشية التي شهدوها خلال الفترة الماضية بـ “الصعبة جداً”، وتحدث هؤلاء، وفقاً لمناشدات أطلقوها خلال فترة حصار مدينة غزة الخانق، وتواجد الدبابات في محيط المكان، وأكدوا أن الأطعمة التي كانت بحوزتهم نفدت بالكامل، وأنهم واجهوا خطر الموت جوعاً، لعدم قدرتهم على التحرك والوصول إلى أي مكان محيط بحثاً عن الطعام، بسبب انتشار القناصة الإسرائيليين في تلك المناطق، والذين كانوا يطلقون النار على كل من وما يتحرك.

وحالت صعوبة الاتصالات الهاتفية، بسبب القصف الإسرائيلي لمقاسم الاتصالات الرئيسة، دون التواصل مع مسيحيين لجأوا إلى تلك الكنائس، ظناً منهم أنها أماكن آمنة تحميهم من نيران الحرب الإسرائيلية.

ومع بدء الاحتفالات الرسمية بالأعياد هذا العام، وبسبب الأوضاع الصعبة وانعدام الطعام للمحاصرين داخل الكنائس، أعلن الجيش الأردني أنه نفّذ “إنزالاً جوياً” في غزة، لإيصال المساعدات للمحاصرين داخل كنيسة القديس برفيريوس.

ووفق التقديرات، فإن عدد المحاصرين بالكنيسة يبلغ نحو 800 مواطن غزيّ من المسيحيين الموجودين داخل القطاع، ويعانون من شحّ في الطعام، ونقص حاد في مستلزمات الحياة الأساسية، ويعانون أيضاً من أوضاع إنسانية صعبة.

إلى ذلك، تواصلت التنديدات بالزيارة التي قام بها رؤساء الكنائس المسيحية في القدس للرئيس الإسرائيلي في ديوانه، حيث جرى رفض تبريرات رؤساء الكنائس.

وانتقد مجلس رعوي كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك برام الله تلك الزيارة، وقال إنها جاءت “في ظل المجازر بحق شعبنا الفلسطيني في غزة، والصمت العالمي المخزي”، رافضاً ما قدمه رؤساء الكنائس من “حجج واهية وأعذارٍ مشينة”.

وجاء في بيان لهم: “كمجلس رعوي كنيسة رام الله للروم الملكيين الكاثوليك، وكجزء من الشعب الفلسطيني الأصيل الذي ناضل ويناضل من أجل تحرير بلاده وعاصمتها القدس، نستنكر ونشجب مثل هذه اللقاءات التي لا تعبّر عنا، ولا تمت لنا بصلة”.

وقالت “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، في بيان لها، إن “العار سيظل يلاحق الذين شاركوا في اللقاء مع رئيس الكيان الصهيوني”، وثمّنت “الجبهة” مواقف الكنائس والشخصيات الدينية التي “انتصرت للحق والعدل في عموم أنحاء أفريقيا وآسيا والعالم المنددة بالعدوان الصهيوني، والتي شاركت في الفعاليات والتظاهرات الغاضبة رفضاً للعدوان”، داعيةً إياها إلى مواصلة جهودها من أجل وقف العدوان، ولفت انتباه العالم إلى جرائم الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني.

وتقدمت “الجبهة” “رغم الجراح والآلام” بالتهنئة للشعب الفلسطيني ومسيحيي العالم بمناسبة حلول عيد الميلاد المجيد، مشيدةً بالقرار الفلسطيني في بيت لحم والقدس والناصرة، وغيرها من المدن “بإلغاء احتفالاتهم هذا العام تنديداً بالعدوان ووقوفهم إلى جانب أبناء شعبهم في القطاع، الذي يتعرّض لحرب إبادة صهيونية متواصلة”.

وأكدت “الجبهة” أن الاحتلال، في عدوانه الهمجي المتواصل، لم يفرق بين فلسطيني وآخر، وبين مسيحي ومسلم، “فكل الشعب الفلسطيني مستهدف”، لافتة إلى أن عدوان الاحتلال واصلَ استهداف المساجد والكنائس والمؤسسات الفلسطينية، وارتكب مجازر كبيرة بحق مؤسسات ومشاف ومراكز صحية وثقافية مسيحية، أدت إلى ارتقاء عشرات الشهداء والجرحى من المسيحيين، وعلى رأسها المشفى الأهلي المعمداني والمركز الثقافي الأرثوذكسي، واستهداف كنيسة القديس برفيريوس العريقة (الأرثوذكسية) في مدينة غزة “في محاولة لمحو التاريخ وتدمير الهوية الفلسطينية”.

من جهتها، قالت حركة “حماس” إن أعياد المسيحيين الفلسطينيين تأتي، هذا العام، “في ظلّ عدوان فاشيٍّ مستمر، يشنّه الاحتلال النازي على كافة مكوّنات شعبنا الفلسطيني، مستهدفاً كلّ مقدّراته ومساجده وكنائسه، ووجوده على أرضه، مرتكباً جرائم مروّعة لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلاً. وسط صمت وتواطؤ دولي تقوده الإدارة الأمريكية، الشريكة في هذه الجرائم والانتهاكات”.

وثمنت حركة “حماس” موقف مسيحيي الشعب الفلسطيني الوطني المشرّف، بقَصْر احتفالاتهم هذا العام على إقامة الشعائر الدينية، والوقوف صفاً واحداً، مع قطاع غزة.

أشرف الهور

المصدر: صحيفة القدس العربي




الاحتلال الإسرائيلي ينكّل بالمعتقلين في غزة.. شهادات مؤلمة

اتهم فلسطينيون جيش الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الأحد، بتعذيبهم أثناء اعتقالهم في قطاع غزة، مؤكدين تعرّضهم إلى “الضرب” لفترات طويلة.

واعتقل الاحتلال الإسرائيلي مئات من الفلسطينيين في قطاع غزة، وأفرج لاحقاً عن قرابة عشرين منهم، والذين أدخلوا لمستشفى النجار في مدينة رفح بجنوب القطاع المحاصر.

وقال مدير المستشفى مروان الهمص إن هؤلاء “يعانون من كدمات وآثار الضرب، ووصلوا المستشفى للعلاج اليوم”.

وأوضح أحد المفرج عنهم، ويُدعى نايف علي (22 عاماً)، أنه اعتقل من حي الزيتون في شرق مدينة غزة، قائلاً إن جنود الاحتلال “أخذوا النساء على جنب والرجال على جنب آخر. ووضعونا في بيت استوطنوا فيه في المنطقة. قيّدونا ليومين بالضبط وراء ظهورنا. دون الحصول على مياه ولا طعام ولا حمام ولا أي شيء. فقط ضرب”، مؤكداً أن جندياً “واصل ضربي بكل قوة” حتى بعدما أبلغته بإصابتي.

وأضاف: “وضعونا في شاحنات وأخذونا إلى مكان لا نعرفه. منطقة باردة مثل الثلج”، متابعاً: “كانوا يسكبون علينا مياهاً باردة (..) ثم أخذونا إلى السجن، وتعرضنا للتعذيب والضرب. ممنوع الكلام. ممنوع نزع عصبة العينين. وممنوع فك الأصفاد”، مشيراً إلى أن الإسرائيليين “كانوا يرمون الخبز ولا يقبلون إطعامنا إياه. جعلونا نموت من الجوع”.

وأوضح: “أزالوا الأصفاد الحديدية ثم قيدونا بأصفاد بلاستيكية. في الحافلة كنت مجبراً على إنزال رأسي وممنوع رفعه. ثم رمونا على الحدود مع مصر، وبقينا نمشي لحين وصولنا معبر رفح” الحدودي.

من جهته، جلس خميس البرديني (55 عاماً) على سرير في المستشفى، بينما بدت آثار الأصفاد والكدمات على جسده، قائلاً: “لثلاثة أيام. لا تعرف أين أنت وإلى أين تذهب. طوال الليل (يسكبون) مياهاً باردة فوقك وبالنهار ضرب وضرب”، مضيفاً: “ذهبنا بعدها إلى السجن ولم نعرف أي سجن وما اسمه”.

وتعرّض جيش الاحتلال الإسرائيلي في الأسابيع الأخيرة لانتقادات إثر انتشار صور لعشرات الموقوفين في قطاع غزة لا يرتدون سوى ملابس داخلية تحت حراسة جنود إسرائيليين، وهم معصوبو الأعين ومكبّلو اليدين، ويجلسون أو يركعون على الأرض في أحد شوارع غزة.

يذكر أنه منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، يشنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي حرباً مدمرة على غزة، خلّفت، حتى اليوم الأحد، 20 ألفاً و424 شهيداً فلسطينياً و54 ألفاً و36 جريحاً، معظمهم أطفال ونساء.

المصدر: وكالة الأناضول – وكالة فرانس برس




بيت لحم أشبه بمدينة أشباح عشية عيد الميلاد بسبب الحرب

بدت بيت لحم، مسقط رأس المسيح، وكأنها مدينة أشباح اليوم الأحد، حيث ألغيت احتفالات عشية عيد الميلاد بسبب تواصل الحرب الإسرائيلية على غزة.

واختفت أضواء الاحتفالات وشجرة عيد الميلاد التي تزين عادة ساحة المهد، وكذلك حشود السياح الأجانب الذين يتجمعون كل عام للاحتفال بالعيد.

قام العشرات من رجال الأمن الفلسطينيين بدوريات في الساحة الخالية. وأغلقت العديد من متاجر الهدايا عشية عيد الميلاد، لكن بعض أصحاب المتاجر جاءوا عقب توقف هطول الأمطار. ومع ذلك، كان هناك عدد قليل من الزوار.

قال القس جون فينه، وهو راهب فرنسيسكاني من فييتنام يعيش في القدس منذ ست سنوات: “لا توجد شجرة عيد ميلاد هذا العام، هناك الظلام فقط”. وأضاف أنه يأتي إلى بيت لحم دائما للاحتفال بعيد الميلاد، لكن هذا العام يتسم بالحزن.

أحاطت أسلاك شائكة بساحة المهد، وغابت الأضواء والألوان المبهجة التي كانت تملأ الساحة عادة خلال موسم عيد الميلاد.

يقول علاء سلامة، فلسطيني صاحب مطعم في المنطقة: “لا يمكن تبرير إضاءة شجرة عيد الميلاد والاحتفال كالمعتاد، في حين ليس لدى سكان غزة حتى منازل تؤويهم”.

ويضيف سلامة أن ليلة عيد الميلاد عادة ما تكون أكثر أيام السنة ازدحاما.

“في العادة، لم يكن أحد يستطيع العثور على كرسي واحد للجلوس، لكن هذا العام، لم تمتلئ عندي سوى طاولة واحدة جلس عليها صحافيون كانوا يأخذون استراحة بسبب هطول الأمطار”، بحسب سلامة.

وذكر سلامة أن نسبة الإشغال في مطعمه بلغت حوالي 15 بالمائة، ولم يتمكن من تغطية تكاليف العمل. وقدر أن الأمر سيستغرق عاما آخر حتى تعود السياحة إلى بيت لحم كالمعتاد حتى بعد انتهاء الحرب.

واتخذ قادة الكنيسة في القدس ومجلس مدينة بيت لحم قراراً، الشهر الماضي، بعدم تنظيم “أي احتفال غير ضروري” في مناسبة عيد الميلاد، تضامناً مع سكان غزة.

ودخلت الحرب على غزة يومها الـ79، في ظل استمرار الغارات العنيفة التي تطاول مناطق متفرقة في القطاع، الذي لم يعد فيه مكان آمن يلوذ إليه الأهالي. كذلك، وُثِّقَت جرائم إعدامات ميدانية طاولت العشرات من المدنيين والنساء الحوامل.

المصدر: وكالة أسوشييتد برس




الاحتلال يستعد للمرحلة الثالثة من الحرب.. ماذا يعني ذلك؟

قالت هيئة البث الإسرائيلية، الجمعة 22 ديسمبر/كانون الأول 2023: “الجيش الإسرائيلي يستعد للانتقال إلى المرحلة الثالثة في القتال بغزة خلال الأسابيع المقبلة، وفقًا للإنجازات العملياتية”، وذلك نقلًا عن مصادر لم تسمها، زاعمة أن الجيش سيطر بشكل كامل على معظم مناطق شمال القطاع بينما يواجه صعوبات بالمضي قدمًا في الجنوب.

وكشفت القناة الـ11 العبرية تفاصيل تلك المرحلة المزعومة، لافتة إلى أنها ستشمل “إنهاء المناورة البرية في القطاع، وتسريح القوات الاحتياطية، واللجوء إلى الغارات الجوية، وإقامة منطقة عازلة على الحدود بين إسرائيل وقطاع غزة”، إضافة إلى “تقليص عدد القوات والاستمرار في هجمات مركزة” بغزة.

وأشارت صحيفة “هآرتس” العبرية إلى أن الجيش أصبح فعليًا في مرحلة الإعداد لتلك المرحلة، عكس ما يعلنه صناع القرار داخل حكومة الكابينت، منوهة أن مراكز القوى في الوسط الإسرائيلي تستعد “لتغيير كبير” في يناير/كانون الثاني المقبل، موضحة أن هذا التغيير مرتبط بإعادة انتشار مئات آلاف جنود الاحتياط بسبب العبء على الاقتصاد والجنود وعائلاتهم.

ولم يحدد الإعلام العبري الجدول الزمني لبدء تلك المرحلة التي يرجح البعض أن تكون مع بداية العام الجديد، وهو ما ألمحت إليه وسائل إعلام أمريكية خلال الأيام الماضية، غير أن الوضع على الأرض ميدانيًا لا يتقدم بالوتيرة ذاتها التي يسير عليها الخطاب السياسي حسبما ذكرت “هآرتس”، الأمر الذي يثير الكثير من التساؤلات عن دلالات الانتقال للمرحلة الثالثة من الحرب ومدى تحقيق الاحتلال لأهداف المرحلتين السابقتين.

تطورات الميدان.. نظرة عن كثب

يأتي الإعلان عن تلك المرحلة في وقت يعاني فيه جيش الاحتلال من وضعية مأزومة ميدانيًا، حيث الفشل في تحقيق أي من أهدافه المعلنة بداية المعارك، فلا استطاع القضاء على حماس وبقية فصائل المقاومة، ولا حرر أسراه بأيدي المقاومة، ولا جعل من غزة منطقة آمنة لا تهدد الداخل الإسرائيلي.

فبعد أكثر من 76 يومًا من الحرب لا تزال رشقات حماس الصاروخية تسقط في تل أبيب، وتجبر عشرات آلاف المستوطنين والإسرائيليين على الاحتماء بالملاجئ، ولا تزال المواجهات ضارية في مناطق الشمال التي ادعى جيش الاحتلال أنه سيطر عليها بالكامل، هذا بخلاف الفشل في تحرير أسير واحد من المحتجزين لدى المقاومة بالقوة.

علاوة على سقوط أكثر من 140 مجندًا وضابطًا في صفوف الاحتلال منذ العملية البرية في 27 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، من إجمالي 470 عسكريًا قُتلوا منذ بداية الحرب، وإصابة أكثر من 5 آلاف، منهم 800 بإصابات خطيرة، فضلًا عن الاضطرابات النفسية التي تعرض لها آلاف العسكريين الإسرائيليين، وتصنيف سلطات الاحتلال لـ3 آلاف جندي كأصحاب إعاقات دائمة في الجيش.

ويتزامن الحديث عن المرحلة الثالثة من الحرب مع سحب لواء غولاني البري من قطاع غزة، وهو أكبر ألوية جيش الاحتلال وأقدمها على الإطلاق، وذلك بعد الخسائر التي تكبدها خلال الأيام الماضية، فيما بررت وسائل إعلام عبرية هذا الانسحاب المفاجئ بأنه “لإعادة تنظيم صفوفهم والتقاط أنفاسهم، وزيارة أهاليهم لبضعة أيام”.

لم يكن لواء غولاني هو الانسحاب الوحيد لقوات جيش الاحتلال من غزة هربًا من الخسائر التي تعرض لها، فبعد ساعات قليلة من هذا الانسحاب تلاه إخراج قوات المظليين والمدرعات من القطاع كذلك، في تطور يعكس الكثير من ملامح المشهد الميداني بعيدًا عن التصريحات العنترية الصادرة عن جنرالات الكابينت.

الإعلان عن مرحلة جديدة رغم الفشل.. ما الدوافع؟

بعد أكثر من شهرين ونصف من الحرب التي لم تحقق أي من أهدافها، بعيدًا عن الخطاب الشعبوي الإسرائيلي الذي يغازل الرأي العام الداخلي، آملًا في امتصاص غضبه المتصاعد، يبقى السؤال: لماذا يعلن الاحتلال عن مرحلة جديدة من تلك الحرب وفي هذا التوقيت تحديدًا؟

المحلل العسكري والإستراتيجي الأردني فايز الدويري يرى أن التصور المقترح بشأن تلك المرحلة التي تنطوي على تقليص أعداد الجيش وإعادة تموضع وإنشاء منطقة عازلة بعمق يصل إلى كيلومترين على طول السياج وتشمل وادي غزة، ينسجم بشكل كبير مع رؤية الإدارة الأمريكية وتوجهاتها في الآونة الأخيرة بشأن التخلي عن العملية البرية التقليدية والبحث عن عمليات نوعية يحقق بها الاحتلال أهدافه.

واستعرض الدويري على حسابه على منصة “إكس” 6 أسباب رئيسية وراء إعلان جيش الاحتلال عن بدء المرحلة الثالثة من الحرب، هي: “الضغوط الاقتصادية على دولة الكيان، بدء الحملة الانتخابية الأمريكية في بداية العام الجديد، تراجع الدعم الدولي لدولة الكيان والشعور الأمريكي بالعزلة، صمود المقاومة وقدرتها على الاستمرار في القتال لأمد مفتوح، الرفض المطلق لهدنة  إنسانية لإطلاق الرهائن، إلخ”.

وتذهب تقديرات أخرى إلى أن تلك المرحلة قد تتضمن اغتيال قادة المقاومة، وهو السيناريو غير المستبعد الذي أعلن عنه وزير خارجية الاحتلال بشكل مباشر، فضلًا عن وزير الدفاع، في تصريحات خاصة، تلك التصريحات التي وصفتها حماس بأنها محاولة للبحث عن انتصار زائف وسط هذا الفشل.

ويستبعد الخبير العسكري لقناة “الجزيرة” إمكانية تحقيق الاحتلال لتلك الخطة، خاصة بعد فشله في إنجاز أي من أهداف المرحلتين السابقتين، رغم كل الوحشية التي أظهرها خلالهما، لافتًا إلى أنه “في الحرب غير المتناظرة إذا لم يهزم الضعيف فهو منتصر”.

مأزق الاحتلال وفخ إدارة بايدن

بعد 75 يومًا من الإجرام اللا إنساني ضد قطاع غزة، وتحويله إلى محرقة طاردة للحياة وغير قابلة للعيش، يحاول جيش الاحتلال المدعوم من كبريات جيوش العالم الخروج من هذا المستنقع بأقل الخسائر، باحثًا عن انتصار يحفظ ماء الوجه، ويحافظ على استقرار الجبهة الداخلية للكيان المحتل وصورته الخارجية التي تعرضت للتشويه والتقزيم في 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي وتعاظمت خلال أيام الحرب السبعين.

ولأول مرة يطرق الاحتلال أبواب الوسطاء متسولًا صفقة مع المقاومة لتبادل الأسرى طويلة الأمد حتى ولو اُعتبرت انتصارًا لحماس، فليس هناك أي مشكلة لديه في تمرير هذا الأمر، لإنقاذه من وحل القطاع الغارق فيه ويتكبد يوميًا الخسائر الفادحة على المستويات كافة.

كما أن قطار الدعم العالمي الذي كان بمثابة الظهير السياسي الأكثر حضورًا للاحتلال بداية الحرب بدأ يتعرض لأعطال كثيرة، أسفرت عن انفلاته، عربة تلو الأخرى، ولم يعد يتبقى إلا العربة الأمريكية التي تواجه هي الأخرى انتقادات حادة بعد تصاعد الرأي العام ضدها، داخليًا وخارجيًا، ما تسبب في عزلها عن المجتمع الدولي الذي بدأ ينسحب تدريجيًا من قافلة دعم الاحتلال وجرائمه اللاإنسانية بحق الفلسطينيين.

ونتيجة لذلك استشعرت الولايات المتحدة الخطر على مصالحها التي باتت مهددة بسبب الشيك على بياض الذي منحته للاحتلال في انتهاكاته، وعليه جاء تراجع الخطاب على مضض، استجابة ورضوخًا لتلك الضغوط، وهو ما أفرز في النهاية عن قرار 2720 الصادر عن مجلس الأمن بالأمس والخاص بدخول المساعدات إلى قطاع غزة.

فالقرار رغم تفريغه من محتواه، يعد خطوة جيدة في مسار الانصياع الأمريكي للرأي العام الدولي ووضع الإدارة الأمريكية للغضب العالمي تحت مجهر الاهتمام، كما ذهب المحلل الفلسطيني، ياسر الزعاترة، خاصة بعد توسيع رقعة الحرب إثر دخول حزب الله والحوثيين على خط المعركة، ومخاوف خروج الأمر عن السيطرة بما يضع سمعة أمريكا ومصالحها في مرمى الاستهداف المباشر.

ويمكن القول إن صمود المقاومة وإدارتها للمعركة بشكل جيد، عسكريًا وسياسيًا وإعلاميًا ونفسيًا، وضع الاحتلال وأعوانه في مأزق كبير، الأول بفضح جرائمه وعنصريته من جانب، وهشاشة بنيته وضعف أدائه رغم الإمكانات الكبيرة من جانب آخر، والثاني من خلال كشف زيف شعاراتهم الإنسانية ومبادئهم المزيفة وازدواجيتهم الفاضحة.

ولذا كانت محاولات القفز من قارب الاحتلال لتبرئة الساحة والتطهر من المسؤولية هي السمة الأبرز لحلفاء الاحتلال من الأوروبيين خلال الأيام الأخيرة عبر تغير الخطاب الإعلامي والسياسي مقارنة بما كان عليه بداية المعركة، لتجد أمريكا نفسها وحيدة في ساحة غضب الرأي العام الدولي، وفي كفة واحدة مع الاحتلال وإجرامه الذي لا يتوقف.

وأسفرت تلك الضغوط التي تعمقها المقاومة يومًا بعد الآخر بثباتها وصمودها، مدعومة من الرأي العام العالمي، عن تغيرات جوهرية في الميدان، تجبر الاحتلال على إعادة تقييم المشهد والخروج من الفخ بأسرع وقت ممكن، لكن بصورة تحفظ له ماء وجهه وتوهمه بالنصر، فكان القفز للمرحلة الثالثة رغم الفشل في تحقيق أهداف المراحل السابقة.

عماد عنان

المصدر: موقع نون بوست