1

حرب «حماس» أكثر خطورة بالنسبة لإسرائيل من حرب 1973

يرى الدكتور هنري جيه. باركي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ليهاي الأميركية، أن الحرب الحالية مع «حماس» تمثل تهديداً أكثر خطورة بشكل كبير بالنسبة لإسرائيل من «حرب أكتوبر» عام 1973، قبل خمسين عاماً: ففي 1973، كانت الحرب عسكرية فقط، حيث نجح الإسرائيليون، رغم معاناتهم من خسائر كبيرة للغاية، في الالتفاف. ولم يكن يعتقد أحد أن وجود دولة إسرائيل في خطر، في ذلك الوقت. ولكن الحال هذه المرة مختلف، فهي حرب سياسية، وتشير الدلائل الأولية إلى أن إسرائيل تخسرها، وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء الألمانية.

لقطة لما وصفته «حماس» بإطلاق قذائف مضادة للدروع باتجاه الدبابات والمركبات الإسرائيلية في غزة (رويترز)

ويقول باركي، وهو زميل أول مساعد لدراسات الشرق الأوسط بمجلس العلاقات الخارجية، في تقرير نشرته مجلة ناشيونال إنتريست الأميركية، إن هذا الأمر أكثر خطورة، حيث إن الخطر يتعلق بشرعيتها في أعين الكثيرين. وربما يرى الإسرائيليون، ويعتقدون، أن هذا خطأ وأنه يتم تجاهل وحشية هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول). وهذا لا يهم، فالانطباعات هي الانطباعات، وهي لا تختفي، والمذبحة في غزة تغذي يومياً ما تعلنه «حماس» عن الحرب.

ويقول باركي: «دعونا نواجه الأمر: ربما يمكن القول إن (حماس) فازت بالفعل في المعركة السياسية».

وفي قلب هذه الكارثة الإسرائيلية يكمن شخص واحد: رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وهو، بطبيعة الحال، مسؤول تماماً عن عدم استعداد إسرائيل وعن السعي لإقرار تغييرات دستورية كان هدفها الرئيسي مصلحته الشخصية.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

ويضيف باركي أن دور نتنياهو في هذه المأساة أكبر كثيراً، فهو مسؤول بلا مصداقية دولية. وعبر السنين، كان هناك صلفه، وانعدام تعاطفه وتبنيه لسياسات غير شرعية وقاسية في الضفة الغربية المحتلة. وربما كان أمراً صادماً للغاية بالنسبة للجميع، تعيينه علانية سياسيين عنصريين في حكومته وسلكه الدبلوماسي.

ويقول باركي: «فلنتخيل للحظة أن أحفاد ضحايا الهولوكست – أسوأ تجربة إنسانية في مجال كراهية الأجانب – يجدون من وصفوا أنفسهم بأنهم عنصريون مشاركون في المستويات العليا لحكومتهم. وللعلم، فإن نتنياهو غير مقبول ومكروه من الكثيرين من القادة الذين يدعمون إسرائيل، وتواجده على رأس الحكومة يجعل من السهل تماماً على الناس عدم تصديق المزاعم والحجج الإسرائيلية. لقد أظهر عدم قدرته التامة على الاعتراف بمسؤوليته عن فشله بإلقائه اللوم علناً على قيادة الاستخبارات بالنسبة لهجوم 7 أكتوبر، وقد اضطر إلى سحب تصريحه تحت ضغط الرأي العام.

ومن ثم، فإنه بالإضافة إلى المجتمع الدولي، لماذا يثق الإسرائيليون في نتنياهو لخوض هذه الحرب التي تعدُّ مصالح البلاد في جوهرها؟ وهو يعرف أنه انتهى سياسياً ولن ينجو من المساءلة السياسية التي سوف تجرى بمجرد انتهاء الحرب. وأصبح أمله فقط هو أن ينتزع «انتصاراً» في هذه الحرب مع «حماس» لإنقاذ سمعته. وعموماً، هو رئيس الوزراء الذي قضى أطول مدة في المنصب في تاريخ البلاد، وهذه الكارثة ستكون هي ما سيتذكره بها الجميع للأبد.

جانب من الدمار جراء القصف الإسرائيلي على مخيم جباليا أمس (أ.ف.ب)

كما أنه يرفض استيعاب الصورة السياسية الأوسع، ويصر على تنفيذ حرب كارثية من الواضح أن الإسرائيليين لم يكونوا مستعدين لها. ونتيجة لذلك، سوف تزداد هذه الحرب سوءاً يوماً بعد يوم، كما يتضح من خلال كل القنابل التي تقتل المدنيين الفلسطينيين، التي تقوض أي دعم.

ويشير باركي إلى أن الفشل في حرب 1973 أدى إلى ظهور التيار اليميني على حساب حزب العمل الذي قضى فترة طويلة في الحكم بإسرائيل. وهذه المرة، يمكن أن يتوقع المرء أيضاً، حدوث نتيجة مماثلة حيث سيعاقب الناخبون الإسرائيليون بشدة نتنياهو والتيار اليميني. ومع ذلك، وعلى خلاف حزب العمل، الذي قبل مصيره بهدوء، لا يمكن للمرء أن يكون متأكداً من أن الجناح اليميني في إسرائيل ما يزال يؤمن بالديمقراطية.

آلية عسكرية إسرائيلية تجري مناورات داخل قطاع غزة (إ.ب.أ)

ويرى باركي أنه إذا أراد نتنياهو حقاً أن يتذكره الإسرائيليون بشكل مقبول إلى حد ما، أو بصورة أقل عداء، يتعين عليه الاستقالة ودعم تشكيل حكومة وحدة وطنية تحت قيادة شخص يغرس الثقة داخل البلاد، وفي الخارج.

وأحد الأسماء التي يدور الحديث حولها هو الجنرال المتقاعد في سلاح الجو الإسرائيلي عاموس يادلين.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




«جباليا»… معاناة إنسانية في السلم ومجازر في الحرب

شهد قطاع غزة، أمس الثلاثاء، مجزرة جديدة أسقطت ما لا يقل عن 400 قتيل وجريح، على أثر استهداف القوات الإسرائيلية مخيم جباليا في شمال القطاع.

وأبادت إسرائيل حيّاً كاملاً وسط المخيم، وحوّلته إلى جثث وأنقاض. وقالت وزارة الداخلية الفلسطينية في غزة إن العدد الأكبر من الضحايا هم من الأطفال والنساء.

فماذا نعرف عن مخيم جباليا؟ وما سبب استهداف إسرائيل له؟

يُعدّ مخيم جباليا أكبر مخيمات اللاجئين الثمانية في قطاع غزة، ويقع بالقرب من قرية تحمل الاسم نفسه. وقد أنشأته «وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى (أونروا)» عام 1948.

وتشير «أونروا»، على موقعها الرسمي على الإنترنت، إلى أن اللاجئين الفلسطينيين استقرّوا في المخيم بعد حرب 1948، وأن غالبيتهم كانوا قد فرّوا من القرى الواقعة جنوب فلسطين.

ويضمّ المخيم نحو 116 ألف لاجئ يعيشون في مساحة من الأرض تبلغ فقط 1.4 كيلومتر مربع، ومن ثم فإنه يُعدّ من أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان في العالم.

وبوجد في المخيم 32 منشأة تابعة لـ«أونروا»، و16 مدرسة، ومركز توزيع أغذية واحد، و3 مراكز صحية، و7 آبار مياه، ومكتبان للإغاثة والخدمات الاجتماعية.

ويعاني المخيم، منذ سنوات، عدة مشكلات كبيرة، من بينها انقطاع الكهرباء بصورة مستمرة، وتلوث إمدادات المياه، إلى جانب الكثافة السكانية المرتفعة، وتفاقم أزمة البطالة.

وتقول «أونروا» إن «الحصار الإسرائيلي على غزة في عام 2007 جعل الحياة بمخيم جباليا أكثر صعوبة، فقد ارتفعت معدلات البطالة بشكل كبير، ولم تعد معظم العائلات قادرة على إعالة نفسها. أما تلك التي كانت قادرة في البداية على إعالة نفسها فقد أصبحت مؤخراً تعتمد على المساعدات الغذائية والنقدية التي نقدمها لهم لتلبية احتياجات الغذاء الأساسية».

وأضافت: «علاوة على ذلك، فإن 90 في المائة من المياه الموجودة بالمخيم غير صالحة للاستهلاك البشري».

وتعود الأهمية الكبرى لمخيم جباليا إلى حقيقة أنه كان مركز انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى «انتفاضة الحجارة»، التي اندلعت في أواخر عام 1987.

كما يُعدّ «جباليا» أقرب مخيم إلى معبر إيريز، المَنفذ الوحيد لسكان غزة إلى إسرائيل.

وقد اشتُهر المخيم بأنه أحد مراكز المقاومة الفلسطينية، وأُطلق منه مراراً صواريخ باتجاه المستوطنات المحاذية لقطاع غزة، ليشكل بذلك مصدر أرق لإسرائيل.

مجازر سابقة

تعرّض المخيم لعدد من المجازر وعمليات القصف، أشهرها المجزرة التي حدثت في عام 2004، وعُرفت باسم «عملية أيام الندم».

واستمرت هذه العملية 17 يوماً، وشارك فيها 100 دبابة إسرائيلية، وعشرات الطائرات، حيث قالت إسرائيل إن الهدف منها كان «محاولة منع إطلاق الصواريخ من شمال القطاع على مستوطنة سديروت الإسرائيلية القريبة».

وأكد تقرير لـ«أونروا» أن العملية أسفرت عن مصرع أكثر من 100 فلسطيني، وتشريد أكثر من ‏600‏ آخرين، بالإضافة إلى خسائر مادية تتجاوز ‏3‏ ملايين دولار.

وفي عام 2005، استهدفت إسرائيل عرضاً عسكرياً نظّمته «حماس» بمخيم جباليا بـ4 صواريخ، ما أسفر عن مقتل 19 شخصاً على الأقل، وإصابة نحو 80 آخرين.

أما في عام 2014، فقد قصفت إسرائيل مدرسة تديرها «أونروا» بالمخيم، لتودي بحياة 16 شخصاً.

وفي يوم 9 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قصفت القوات الإسرائيلية سوق الترنس، في مخيم جباليا، بالقنابل الثقيلة، الأمر الذي تسبب في مقتل 50 شخصاً، معظمهم من الأطفال.

ماري وجدي

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




الملثّم: رمز معركة غزة

صوت «كتائب القسام» الذي يقود الحرب الإعلامية والنفسية ضد إسرائيل

الكلمة التي لا ينفك كثير من الفلسطينيين اليوم عن ترديدها هي كلمة «أبو عبيدة»، الناطق العسكري باسم «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس». لا يهتم به الفلسطينيون فقط. فقد فرض نفسه أيضاً على الإسرائيليين، في خضم معركة صعبة ومعقدة وضارية، حوّلته ملهماً لكثير من مناصري «حماس» في العالمَين العربي والغربي، وعدواً مكروهاً في تل أبيب ولدى حلفائها.

يطل «أبو عبيدة» منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعدما أعلن محمد الضيف، قائد «القسام»، بدء معركة «طوفان الأقصى»، مرة كل أيام عدة، عبر خطاب مسجل، مرتدياً زي الجنود الأخضر المموه، متلثماً بكوفية حمراء، ليلقي موقف «القسام» ويتحدث عن جديد «المعركة».

ومنذ بدأت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، خرج «أبو عبيدة» قبل أو بعد كل موقف فاصل، وأدار الحرب الإعلامية باحترافية لافتة في مواجهة الناطقين الإسرائيليين، بحسب ما يقول مؤيدون فلسطينيون لـ«حماس». فقد كان يسبقهم أحياناً إلى معلومات مهمة، وأحرجهم بالإعلان عن أعداد قتلى أو أسرى إسرائيليين قبل صدور أرقام رسمية في تل أبيب. كما أحرج «أبو عبيدة» الإسرائيليين بإعلانه رغبة «القسام» في الإفراج عن بعض الأسرى، ورفض إسرائيل تسلمهم. كما كان أكثر واقعية من الإسرائيليين في توصيف تطورات المعركة على الأرض، بما في ذلك إعلانه عن قتل جنود إسرائيليين قبل ساعات طويلة من صدور تأكيد عن الجيش الإسرائيلي (الذي عليه أن ينتظر إبلاغ عائلات جنوده القتلى قبل الإعلان عن ذلك في وسائل الإعلام).

دمار عقب قصف إسرائيلي على مخيم جباليا اليوم الأربعاء (أ.ف.ب)

ويستخدم «أبو عبيدة» الذي بدأ الفلسطينيون في التعرف إليه عام 2002، المصطلحات في سياق لغوي عادة ما يتحول «ترند» مثلما يتحول مادةً للتغني. فقد راح الفلسطينيون ينشدون له «يا ملثم يا أبو الكوفية… يا أبو عبيدة الهمة قوية… تصريحك بارود» و«يا أبو عبيدة يا معذبهم… ليلة ليلة بيرعبهم».

فمن هو «أبو عبيدة»؟

ظهر «أبو عبيدة» أول مرة عام 2002 كأحد مسؤولي «القسام» الميدانيين، وكان يتحدث إلى جميع وسائل الإعلام تقريباً وفي المؤتمرات الصحافية، لكنه لم يظهر أبداً مكشوف الوجه، مقتدياً بذلك بالقيادي السابق في «القسام» عماد عقل الذي قتلته إسرائيل عام 1993 وكان ينفذ عملياته معتمراً كوفية حمراء.

بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005، عُيّن «أبو عبيدة» رسمياً ناطقاً باسم «القسام».

ينحدر من بلدة نعليا في غزة، والتي احتلتها إسرائيل عام 1948، وهو يعيش الآن في جباليا شمال شرقي غزة، بحسب المعلومات القليلة ومصدرها إسرائيل. قُصف منزله من قبل أكثر مرة، في الأعوام 2008 و2012 و2014، وفي الحرب الحالية في غزة.

برز «أبو عبيدة» كثيراً في حرب عام 2014 بعد إعلانه اختطاف الجندي الإسرائيلي شاؤول أرون في خضم مواجهات برية، وخرج فلسطينيون آنذاك إلى الشوارع في الضفة الغربية في مسيرات عفوية يهتفون له ولـ«المقاومة».

مظاهرة دعماً لإسرائيل في براغ حمل المشاركون فيها صور أسرى لدى “حماس” اليوم الأربعاء (إ.ب.أ)

كان يملك حساباً على «تويتر» سابقاً (منصة إكس حالياً)، وآخر على «فيسبوك»، قبل أن يجري إغلاقهما. واليوم يغرّد «أبو عبيدة» عبر موقع «القسام» الرسمي ويستخدم تطبيق «تلغرام» وقناة «الأقصى» التابعة لـ«حماس» لبث فيديوهاته التي تعيد نشرها فضائيات ووسائل إعلام مختلفة.

وعلى الرغم من السرية التي يضربها الرجل حول نفسه، تقول إسرائيل إنها تعرف هويته الحقيقية. وقال الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي: إن «الملثم حذيفة كحلوت يختبئ خلف الكوفية واللقب أبو عبيدة». ونشر أدرعي صورة للكحلوت، ووصفه بأنه «كذاب وجبان»، وهي معلومات لم تعرها «حماس» أو «القسام» أي اهتمام ولم تعقّبا عليها.

حصل «أبو عبيدة» قبل حرب عام 2014 على رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية من كلية أصول الدين، تحت عنوان «الأرض المقدسة بين اليهودية والنصرانية والإسلام».

وهو يُعدّ اليوم رأس حربة «الحرب النفسية ضد إسرائيل»، ويبدأ خطاباته عادة بقوله «بسم الله الرحمن الرحيم»، ثم يتلو آية قرآنية، وينهي خطابه بجملة «إنه لجهاد نصر أو استشهاد».

وواضح اليوم أن «أبو عبيدة»، بأسلوبه ولثامه الأحمر وبزته العسكرية، وتشميره عن الساعد، بات رمزاً بالنسبة إلى كثيرين من الفلسطينيين، وأيضاً لمؤيدي «حماس» خارج الأراضي الفلسطينية.

وقبل عامين دخل طفل فلسطيني لا يتجاوز الـ5 أعوام إلى المسجد الأقصى، وأخذ يهتف في وجه جنود إسرائيليين بالعبرية قائلاً: «أبو عبيدة بديرخ» («أبو عبيدة في الطريق»).

وقبل يومين في مسيرة تضامن مع غزة في بيت لحم بالضفة، أُعلن عن خطاب لـ«أبو عبيدة»، فتحلّق المتظاهرون حول سماعة سيارة وبدأوا يهتفون باسمه، وهي هتافات بات كثير من الفلسطينيين يرددونها في كل مظاهرة في الضفة.

وفي بداية الحرب ووسط نقاش رياضي حول مباراة كرة قدم، فاجأ محلل رياضي زملاءه بقوله إنه اكتشف مدرباً جديداً أقوى من الإيطالي كارلو أنشيلوتي مدرب نادي ريال مدريد والإسباني بيب غوارديولا مدرب مانشستر سيتي، اسمه «أبو عبيدة»، مشيراً إلى أنه «علّمنا الكرة الشاملة، الكرة الهجومية».

أما الفنان المصري محمد رمضان، فتعهد أن يسمي نفسه «أبو عبيدة» في مسلسل قادم. وقال رمضان في مقطع مصور سخر خلاله من قناة إسرائيلية طالبت بمقاطعة أعماله، بعد دعوته لنصرة فلسطين: «اسمي في المسلسل القادم هو أبو عبيدة».

كفاح زبون

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




عن الحرب النفسية في خطاب السيد نصرالله: ليست فقط القنابل ما يحسم المعركة

عندما سرت شائعات حول مرض الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله وانتقاله إلى إيران لتلقي العلاج، ناقش المحللون في استديوهات التحليل العبرية، لساعات، وجادلوا عما إذا كانت هذه الأخبار صحيحة، أو أنها في إطار الحرب النفسية التي تُشنّ ضدّ الحزب. وخلصوا إلى أنّ كل ظهور للسيد نصرالله هو جولة من جولات الحرب. وهي حرب اشتدت بعد عدوان تموز،  إسرائيل هي مهندسها، وهدفها التأثير على معنويات المقاومة وقاعدتها الشعبية، بعدما تبيّن لهؤلاء أنه في الحرب مع حزب الله، ليست فقط القنابل ما يحسم المعركة. 

عدد لا يمكن حصره من الأبحاث التي تناولت شخصية السيد نصرالله وجاذبيته التي أصبحت جزءً لا يتجزّأ من تاريخ الشرق الأوسط كما عبر أحد الأبحاث لجامعة أوكسفورد. وقد وصفه العديد من المعلقين في بداية الصعود بأنه “تشي جيفارا الثاني” قبل أن تضعه الولايات المتحدة على رأس لائحة التهديد. ونظرًا لنجاحه الباهر في الحرب النفسية، يؤمن العديد من المحللين الاسرائيليين أن الطريقة التي يظهر بها السيد نصرالله تخضع لخبراء الحرب النفسية في الحزب. وأنّ خطاباته تكون خاضعة للتدقيق. يرتاح هؤلاء عندما يصيغون الأمر على هذه الطريقة، إذ من الصعب عليهم أن يتقبّلوا أنّ الرجل بحدّ ذاته هو سلاح بفعالية أقوى من الصواريخ الدقيقة.

في استديوهات التحليل الإعلامية وحتى الأبحاث الأكاديمية، يدرس هؤلاء مزاجه الهادئ أو المستنفر، هل رفع إصبعه مهدّدًا إسرائيل أم لا. إذا لم يرفع إصبعه في أي خطاب كان فإن للمسألة دلالة لديهم. في خطابه حول النفط والغاز، بعد اسبوع كامل من التحليل حول صحته، كانت الطائرات الإسرائيلية تحلّق فوق لبنان بطريقة غير مسبوقة، في تلك الفترة كان الحديث عن الحرب التي تحلّق في الأرجاء متصاعدًا، وكان العدوّ يشنّ غارات وهمية على علوٍّ منخفض فوق المناطق الحدودية. لكن السيد نصرالله لم يرفع إصبعه. تم تحليل سلوك السيد الهادئ بأن الحزب يمتلك “صاروخًا نفسيًا متطورًا” يُطلّق على إسرائيل وأعداء الحزب.

 الشاهد الأساسي ياتي في خضم أكبر عملية شنتها المقاومة الفلسطينية في تاريخ الكيان المؤقت، عندما عبرت حماس المحاصرة من غزة، وأسرت المئات من المستوطنين. وعلى الرغم من الجبهات المشتعلة، فإن سلاح السيد نصرالله لم يتم إشهاره بعد. يقلق ذلك الإسرائيليين، وكلّما تأخر الوقت، يزدادون إيمانًا بأن موعده هو “يوم القيامة”، كما عبّرت هآرتس. ويترقبون أي إشارة تدلّ على هذا اليوم. تمّ نشر شريط فيديو لبضع ثوانٍ يمرّ فيه السيد نصرالله بجانب شعار حزب الله، ولا يظهر سوى ظهره. تحلل صحيفة يديعوت أحرنوت ذلك على أنه ينقل رسالةً مفادها أنّ الأمين العام لحزب الله موجود في قلب الحدث، على الرغم من أنه لم يتحدّث حتى الآن. بعدها بفترة قليلة، تمّ الإعلان عن موعد الخطاب ضمن مهرجانات شعبية في لبنان، والآن، يجري التحليل على الشكل التالي: لماذا ضمن مهرجانات شعبية وما دلالات ذلك؟ هل يمكن أن يقول “أنظروا إليها تحترق” أمام الحشود دون أن يخاف عليها من قصف إسرائيلي؟ وآخر يقول هذا تمرينه الكلاسيكي للإلهاء، الليلة أو بعد غد سيقوم بمحاولة الغزو.. لا تصدقوا ذلك، إنه يخطط لشيء ربما الليلة. تعليق آخر على إعلان الخبر يقول، ليلة الجمعة هي بالضبط الوقت المناسب للانتقام لدماء القتلى.. إنه يومهم المقدس.. 

هذا بالنسبة لجمهور العدوّ ومحلليه.. لكن ماذا عن جمهوره الذي يمنحه الشرعية في أي عمل يقوم به؟

في كتابه سيكولوجيا الجماهير، أسهب غوستاف لو بون في الحديث عن القادة السطحيين والمجانين في التاريخ، وكيف يدغدغون الغرائز الوضيعة للجماهير، وبالتالي فإن النفوذ الذي يمارسونه على الناس يظلّ دائمًا مؤقتًا وعابرًا. أما المقتنعون الكبار بمبادئهم والذين استطاعوا التوصل إلى تحريك روح الجماهير وحماستها من أمثال بطرس الناسك وقادة الثورة الفرنسية وغيرهم فهم لم يسحروا الجماهير ويبهروها، إلا بعد أن كانوا هم قد سُحِروا بعقيدة ما أو إيمان ما. وعندئذٍ استطاعوا أن يثيروا في النفوس تلك القوة الهائلة التي تُدعى الإيمان. ثم ذكر لو بون أن هؤلاء نادرون جدًا إلى حدّ أنه يمكن تعدادهم على مدار التاريخ. لقد استطاع السيد حسن نصرالله أن يزوّد جماهيره وحتى أعداءه بالإيمان بقوته، قوة الحقّ بأرضه التي يمتلكها أولًا وقوّته العسكرية ثانيًا، وإذا ما تزوّد الجمهور بالإيمان، تضاعفت قوّته عشرات المرات، حتى إن الجمهور العربي من خارج لبنان، لم يعد يناشد الأنظمة العربية كما كان الحال سابقًا في التظاهرات ضد الجرائم الإسرائيلية،لم يعد ثمّة أمل. لقد بات يردد باسم السيد حسن نصرالله. ويؤمن بذلك العدوّ قبل الصديق.

زينب عقيل

المصدر: موقع الخنادق




دخول اليمن في الحرب: بيان أنصار الله قد داس على التهديدات الأمريكية بحذائه

“استجابة لمطالب شعبنا اليمني ومطالب الشعوب الحرة ونجدةً لأهلنا في غزة”، أعلنت حركة أنصار الله دخولها الحرب التي باتت قاب قوسين أن تصبح إقليمية، بسبب استمرار الكيان المؤقت في ارتكاب المجازر في فلسطين، دون رادع يُذكر. وعلى الرغم من التحذيرات التي تمّ التصريح بها أو ارسالها عبر القنوات الدبلوماسية، بأنه إذا لم يتم وقف الفظائع في غزة فإنها ستثير الغضب العام وتستنفذ صبر حركات المقاومة، لكن الأمريكيين والإسرائيليين المستقوين بحاملات الطائرات وتعزيز الدفاعات في محمياتهم في المنطقة، فضلوا التجاهل. في المقابل، يتجاهل اليمنيون كلّ استعراض القوة هذا عبر البحار، ويعلنون عبر البحر الأحمر حربهم على إسرائيل. 

يأتي إطلاق النار اليمني في الوقت الذي ترسو فيه حاملة القوات والطائرات “يو إس إس باتان” وعناصر أخرى من مجموعتها الضاربة في البحر الأحمر، إلى جانب سفن أمريكية أخرى. اعترف العميد في سلاح الجو بات رايدر، السكرتير الصحفي للبنتاغون بنيران اليمنيين التي استهدفت إسرائيل. وقال: ” هذا شيء سنواصل مراقبته، نريد منع نشوب صراع إقليمي أوسع”. إنهم يريدون مراقبة الصواريخ اليمنية القادرة على الوصول إلى حوالي 1000 كيلو متر، وماذا بعد؟.

ردود الفعل الشعبية كانت مرحبة للخطوة اليمنية على الرغم من انّ الشعب اليمني لم يأخذ استراحة من الحرب منذ 8 سنوات. إلا أن مشاهد الأطفال والنساء التي تقتل في غزة على مرأى من الحكام العرب، جعلهم لا يخافون استئناف الحرب من جبهة الولايات المتحدة وإسرائيل. خاصة أن شعارهم لم ينفكّ أن يكون: “الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل.. اللعنة على اليهود..”. والآن، “لديهم القوة الصلبة لدعمها”، كما يقول توماس جونو، الباحث في شؤون اليمن لسنوات. وقال جونو “كانت مسألة وقت فقط قبل أن يتمكنوا من القيام بذلك” مشيرًا إلى برنامج الصواريخ الذي يتقدم باطراد والذي جاء بمساعدة إيرانية. وأضاف “حقيقة أن هناك جبهة أخرى مباشرة إلى الجنوب تثير خطر إرباك إسرائيل (الدفاعات الجوية) ومن ثم يمكن أن يكون الأمر أكثر إثارة للقلق” إذا أطلق حزب الله وحماس وغيرهما وابلا صاروخيًا هائلًا.

وكان رئيس المجلس السياسي الأعلى، مهدي المشاط، قد تحدث متهمًا أمريكا بعودة الحرب في اليمن “لمنع الشعب اليمني من القيام بمسؤولياته تجاه شعب فلسطين”.  كما جرى التلميح على أنّه من شأن دخول الحرب أن يعرقل التسوية السياسية الداخلية، على خلفية تعقيد مسار المفاوضات مع السعودية، وبالتالي تأخير الحلحلة في الأزمة اليمنية، خاصة أن الحلف العربي مع واشنطن كان يسعى للتخلص من أنصار الله كقوة معادية للمحور الغربي، قبل أن ييأسوا ويتوصّلوا إلى أنّ حلّ الصراع في اليمن لن يكون إلا سياسيًا بالتفاوض مع الحركة.  

إلى ذلك، برز مؤيدون من خارج نسق الانقسامات التقليدية وهم الأشخاص الرماديون كما نعبّر عنهم. كتب مختار الرحبي، رئيس مجلس إدارة فضائية المهرية، أن “الكيان الصهيوني يدرس الرد على الصواريخ التي أُطلقت من اليمن، وبهذا سيكون على كل أبناء اليمن أن يخوضوا هذه الحرب ضد الكيان الصهيوني الإرهابي، وستكون أطهر حرب، وسيكون بنك الأهداف كبيرًا للصهاينة والصهاينة العرب، وحينها سيكون 30 مليون يمني في الجبهات يقاتل ويدافع عن مقدسات الأمة”. في حين قالت الصحفية منى صفوان في تدوينة على منصة إكس إنّ “بيان الحوثي قد داس على التهديدات الأمريكية بحذائه”.

أما بالنسبة للكيان المؤقت، ثمة تجاهل إسرائيلي رسمي لدى الحديث عن الصواريخ والمسيرات اليمنية، يظهر في محاولة التقليل من شأنها، إلا أنّ نجاح الصواريخ اليمنية في تجاوز الدفاعات الجوية الإسرائيلية، سيدفع بالتأكيد إلى ظهور حالة الهلع التي يحاول الإسرائيلي منعها من خلال التفكير بالتمني، بأنّ الترسانة الأمريكية من الممكن أن تحميه.

زينب عقيل

المصدر: موقع الخنادق




في اليوم الخامس للغزو البري: خسائر 7 أكتوبر الإسرائيلية ستتكرر

لعلّ ما قالته صحيفة يديعوت أحرونوت، هو أفضل ما يمكن وصف به ما يجري من أحداث خلال الغزو البري لجيش الاحتلال في قطاع غزة، خلال معركة طوفان الأقصى، بحيث قالت” يجب أن نعرف أن الشعور الذي أصابنا جميعًا يوم 7 أكتوبر سيعود مرة أخرى في الأيام والأسابيع المقبلة بسبب القتال داخل غزة”.

فخلال 24 ساعة فقط، وباعتراف جيش الاحتلال بنفسه (وهو المعروف عنه حجب الأرقام الخسائر الحقيقية وعدم إعلانها)، مقتل 14 جندي من قوات النخبة، وإصابة العشرات بالجراح، خلال المواجهات مع مجموعات المقاومة الفلسطينية التي تدور في مختلف محاور غزة.

مع العلم بأن كتائب القسام أكّدت بأن عدد القتلى بصفوف جنود الاحتلال أكبر مما يتم إعلانه، وقد أشار رئيس المجلس السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، بأن الخسائر الإسرائيلية كبيرة جداً وموثّقة لدى كتائب القسام.

وقد كشف قائد ميداني في القسام، بأن دبابات الاحتلال تفشل في تقدمها على المحاور التي توغلت فيها، بسبب ما تواجهه من المقاومة الشرسة. مضيفاً بأن مقاومي الكتائب فجروا آليات إسرائيلية عدة، وأن المقاومين يشتبكون مع قوات الاحتلال في أكثر من محور.

فماذا عن التفاصيل الميدانية لليوم الخامس من الغزو البري الإسرائيلي؟

_ تُجمع المؤشرات الميدانية ومسارات المناورات البرية الإسرائيلية، على أن هدف جيش الاحتلال الشامل، هو فصل شمال القطاع عن المركز مدينة غزة.

_محاولة تحقيق تماس مع حي الشيخ رضوان والأطراف الغربية لمخيم جباليا من جهة دوار التوام، ومن جهة أخرى التماس مع الأطراف الجنوبية الغربية لبيت لهيا من خلال التقدم جنوباً من المدرسة الامريكية.

_استمرار الاشتباك ومحاولة إيجاد منافذ من محور إيريز – بيت حانون ومن محور سديروت  شرق بيت حانون .

_المناورة في مربع بيت حانون – أطراف مخيم جباليا الشرقية والشمالية الشرقية وصولاً إلى  شمال شرق حي التفاح والشجاعية، وتكثيف الضغط على محور المقبرة الشرقية للاقتراب من المناطق السكنية، بهدف قطع التواصل بين بيت حانون والجهة الشمالية من جباليا عن مخيم جباليا .

_ النتائج:

1)تراجع الجيش الاسرائيلي عن فكرة التقدم وشق محوري بيت حانون وبيت لاهيا إلى قسمين شمالي طريق صلاح الدين، للوصول إلى عقدة الطرق (طريق صلاح الدين ” شمالاً” – شارع صلاح خلف ” غرباً ” – شارع الكرامة ” شرقاً ” بعد ضربات النيران المباشرة وغير المباشرة التي تعرضت لها وحداته في محاور الشمال الـ 4، وكانت الخسائر على الشكل التالي:

أ)حصار قوة من 35 جندي مع آلياتهم في مبنى شرقي بيت حانون.

ب)استهداف 3 آليات بضربات مباشرة من وحدات ضد الدروع في نفس المحور.

ج)تم الاجهاز على آلية نمير بمن فيها من جنود وضباط بعبوة ناسفة كبيرة في دوار التوام.

د)استهداف دبابة ومدرعتين في محور بيت لاهيا بصواريخ وقذائف ضد الدروع.

2)استطاعت قوة إسرائيلية كبيرة من التقدم في الجهة الشرقية للقطاع (سريتين مدرعتين من 30 الى 32 دبابة + 3 جرافات)، حيث تغلب طبيعة الأرض الزراعية باتجاه المقبرة الشرقية، مستفيدة من كثافة الغارات الجوية والدعم المدفعي. ويهدف الإسرائيليون في هذه المنطقة الى تحقيق تماس مع المناطق السكنية في حيي التفاح والشجاعية.

3)لم تتمكن القوة الاسرائيلية التي حاولت التسلل من الوسط باتجاه طريق صلاح الدين البقاء، بحيث اضطرت للانسحاب إلى منطقة حجر الديك المفتوحة، بفعل ضربات المقاومة القاسية هناك. حيث تعرضت 6 مدرعات لكمين بواسطة عبوات ناسفة كبيرة وقذائف ياسين 105، وسقط للإسرائيليين خسائر كبيرة، ما أجبرهم الى التراجع الى منطقة قريبة من الجدار الفاصل ما بين القطاع ومنطقة غلاف غزة.

4)يحاول الاحتلال فتح محور جديد في منطقة البريج، لتوزيع جهد المقاومين في حي الزيتون ومنطقة خان يونس. كما فتح محوراً في منطقة شرق رفح (بعكس كل ادعاءاته السابقة بأنه لن يستهدف منطقة جنوب القطاع بأي عمل عسكري)، وذلك لجذب مجموعات جديدة من المقاومة من مناطق وسط وشمال غزة، لكن المعطيات الميدانية تشير إلى أن المقاومة بفصائلها المختلفة قد وزّعت مجموعاتها على كامل القطاع، بطريقة تحاكي أسوأ الاحتمالات.  

المصدر: موقع الخنادق




«طوفان الأقصى» والإشكاليات الجيوسياسية

في بداية القرن الحالي انشغل العالم في الحرب الأميركية-الدولية على افغانستان، ثم سارت بنا الولايات المتحدة الأميركية ضمن تحالف دولي ضدّ العراق، ثم تدريجيًا ظهر تنظيم «الدولة الاسلامية في العراق» (داعش) ليتطور بعدها الى العراق والشام، وذلك بعد انطلاق الأحداث في سوريا، وكانت قد سبقتها بأسابيع ليبيا ولحقتهما اليمن.

لم يعد خافيًا على أحد انّ المصالح الجيوسياسية طاغية في كل هذه الأحداث التي بدأت مع وصول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى الحكم بداية القرن الحالي والتبدّل في النهج السياسي المتّبع في تركيا مع وصول حزب «العدالة والتنمية» هناك. بالتزامن مع الدور الاستراتيجي الذي لعبته تركيا وروسيا كانت إيران تستعيد عافيتها لتكون اللاعب الأهم في المنطقة لأسباب عدة:

1- وجود أرضية شعبية واسعة الانتشار في منطقة غرب آسيا.
2- تحالفها الاستراتيجي مع روسيا الاتحادية وتلاقيهما في ملفات عدة وصولًا الى الانضمام أخيرًا الى منظمة شنغهاي ومجموعة دول «البريكس».
3- جرأتها على الاستفراد في دعم القضية الفلسطينية عسكريًا وأمنيًا على الرغم من الضغوط الدولية غير المحدودة.

انطلاقًا من هذا الدور الرئيسي الذي لعبته إيران في المنطقة، ثبُتَ لها دور غير قابل للتهميش في مختلف القضايا الجيوسياسية والجيو-اقتصادية في المنطقة، إلى جانب تحالفات استراتيجية وتكتيكية على الشكل الآتي:
1 – الشراكة الاستراتيجية الإيرانية مع روسيا في سوريا، والتي أسقطت الحرب على سوريا من جهة، وضربت المصالح الأميركية وتحديدًا في ما خصّ مشروع «نابوكو» للغاز، والذي كان مقرّرًا ان يكون في مواجهة الغاز الروسي بنحو رئيسي.
2 – العلاقة التكتيكية مع تركيا والتي اعتُبرت نجاحًا للديبلوماسية الإيرانية في غرب آسيا.
3 – مواجهة التمدّد الأميركي في العراق وقطع طريق الاستفراد بثروات العراق النفطية، بالإضافة الى ضرب التمدّد العسكري الاميركي في المنطقة.
4 – تثبيت القضية المحورية في فلسطين وعدم السماح لمشاريع تصفيتها من خلال تثبيت النزاع الفلسطيني العسكري مع اسرائيل من جهة، وضرب مشاريع التطبيع من جهة أخرى.

انطلاقًا مما تقدّم برزت معركة «طوفان الأقصى» لتخلط الاوراق الجيوسياسية مقدمةً خريطة جديدة في المنطقة يتمّ كتابتها بالدم الفلسطيني. في هذا الإطار، يقول مصدر قيادي فلسطيني، انّ المعركة التي تخوضها الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة أتت لتضرب آخر إسفين كان يتمّ تحضيره لتغيير خريطة فلسطين بنحو كامل وطمسها انطلاقًا من التطبيع الذي لامس الخطوط الحمراء.

ويضيف هذا القيادي الفلسطيني، أنَّ ما حصل أعاد خلط الأوراق الجيوسياسية بمقدار كبير، فما لا يعرفه البعض عن «طوفان الأقصى» هو انّها حمت المنطقة من مشاريع عدة أهمها:
1 – إغراق الأردن بملايين الفلسطينيين وتحويلها نحو نزاع داخلي دموي ترفض الفصائل الفلسطينية ان تكون جزءًا منه، على الرغم من مواقف الأردن غير المشجعة.
2 – إغراق مصر بمئات آلاف الفلسطينيين وتحويلها الى منطقة انطلاق لعمليات تحرير نحو الاراضي المحتلة.
3 – تثبيت اللجوء الفلسطيني وإلغاء حق العودة من لبنان وسوريا، وهذا الامر الذي كذلك يرفضه كل فلسطيني في هذه الدول.

انطلاقًا من المدخلات الجيوسياسية التي بدّلها «طوفان الأقصى»، تغيّرت خريطة المنطقة اليوم لتضعنا أمام مخرجات جديدة ما زالت مرتبطة في ما سيحصل داخل قطاع غزة على المستوى العسكري. في هذا الاطار، يقول مصدر قيادي بارز في محور المقاومة، انّ فصائل المقاومة في قطاع غزة لا يمكن ان تسقط عسكريًا، حتى لو كان الثمن إشعال المنطقة. ويضيف، أنّ غرفة العمليات المشتركة هي التي تحدّد التوقيت المناسب لمختلف الساحات، فهي على تواصل يومي وعلى مختلف المستويات، وحسابات غرف العمليات يختلف تمامًا عن حسابات المنابر والوسائل الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، خاتمًا «أنَّ محور المقاومة لا يقدّم مخطّطاته في المنطقة للجمهور او للعدو، انتظروا الميدان الذي ستنتج منه النتائج التي على اساسها ستكون المرحلة المقبلة».

بحسب بعض المعطيات المتوافرة حاليًا، فإنَّ سيناريوهات المرحلة المقبلة قد تكون كالآتي:
1 – دخول القضية الفلسطينية مرحلة جديدة ستعيدها الى مشارف العام 1967 جغرافيًا.
2 – تثبيت اعتراف دولي في حق الفلسطينيين ان تكون لهم دولة متكاملة المعالم.
3 – تحرّك لساحات نزاع في المنطقة، كمنطلق لإنهاء الاحتلال بمختلف اشكاله للاراضي والثروات في سوريا والعراق في المديين القريب والمتوسط تدريجيًا.
4 – الاسراع في إنهاء الفراغ الرئاسي في لبنان الذي دخل في معركة «طوفان الاقصى» بعد نحو 24 ساعة من انطلاقتها.
5 – الإسراع في إنهاء بعض التفاصيل المتبقية في الملف اليمني، كمنطلق لإعادة ترتيب الملفات السعودية في المنطقة بعد معركة «طوفان الأقصى» وما ادّت اليه من تغييرات استراتيجية في سياسة ولي العهد السعودي.

د. زكريا حمودان

المصدر: صحيفة الجمهورية




القضية الفلسطينية بين السنة والشيعة في العراق… من جديد!

هجمات عنيفة خلّفت آلاف الضحايا المدنيين، خلال العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، منذ الـ7 من تشرين الأول/ أكتوبر الحالي، أدّت إلى حالة تضامن كبيرة لدى العراقيين، تمظهرت من خلال مسيرات مؤيدة، واعتصامات على الحدود الأردنية، مطالبة بالسماح لهم في التوجه إلى فلسطين، وصلوات دعاء تصدح في مساجد البلاد وكنائسها ومعابدها.

برغم ذلك، هناك مشهد آخر في العراق ظهر نتيجة ما يحصل في فلسطين. وكالعادة، فرض الخلاف نفسه. فالخلاف والتناقض سمتان ملازمتان للمجتمع العراقي، ومن السمات التي حاول عالم الاجتماع العراقي المعروف علي الوردي، تحليلها في كتابه “شخصية الفرد العراقي”.

خلافات الرأي

منذ بدايات الصراع العربي الإسرائيلي، وتحديداً منذ النكبة عام 1948، أعلن العراق تضامنه مع فلسطين، كما استقبل، من بين دول قلة، مجموعةً كبيرةً من لاجئيها، قُدّرت بنحو 90 ألف لاجئ في عام 2003، بحسب منظمة الأمم المتحدة.

سيرة طويلة في التعاطف والتضامن مع الفلسطينيين. لكن اليوم يبدو أن المشهد قد بدأ يتغيّر قليلاً، ويتراجع، ليس من باب التخلّي عن القضية الفلسطينية، ولكن لاعتبارات داخلية وطنية، كما يقولون. فقد عبّر البعض عن ضرورة الاهتمام بالمشكلات الداخلية التي يعاني منها العراق، قبل التوجه إلى حل أزمات البلدان الأخرى، وطالبوا الدولة بالتركيز على قضاياهم الداخلية المتراكمة بلا حل، قبل اقتراح حلول لأزمات منطقة الشرق الأوسط أو فلسطين.

“مشاكل بلدي تكفيني، ومالي علاقة بغير بلد”؛ هكذا يجيب محمد حيدر العبودي (26 عاماً)، من بغداد، بعد سؤاله عن موقفه من القضية الفلسطينية، إذ يرى ضرورة حل مشكلات العراق الداخلية والخارجية، بشكل عاجل، فتجاهلها أدى إلى تشريد الشعب ودفعه إلى اللجوء في مختلف بلدان العالم، كحال الشعب الفلسطيني، وهو يعتقد تالياً، بأن حل هذه الأزمات أو الأسباب التي دفعت بالشعب إلى الهجرة من بلده، أهم من حل المشكلة الفلسطينية، أو مشكلة أي بلد آخر، بحسب تعبيره.

ويتساءل عبد الله سلطان إبراهيم (36 عاماً)، من بغداد، عن الدور الذي يلعبه الشعب أو الحكومة العراقية في هذه الأزمة المستمرة منذ أكثر من خمسة وسبعين عاماً، في حين يعجزون عن حلّ مشكلات البلاد المتراكمة منذ نحو 20 عاماً.

ويتخوف في حديثه إلى رصيف22، من أن “تؤدي محاولات زج العراق في هذا الصراع، إلى تكرار سيناريو الحصار الاقتصادي الذي مرّت به البلاد في عام 1991، على إثر الإجتياح العراقي للكويت، وفرض العقوبات عليه، وما عاناه في تلك الحقبة من موت بسبب نقص الطعام والعلاج والخدمات، بالإضافة إلى عزلته العالمية”، مؤكداً عدم قدرة البلد على تحمل عقوبات مشابهة، لا يزال يتحمل أوزارها حتى اليوم.

متضامنون ولكن!

الاقتباس والتقليد، مع السياسة الإيرانية أو ضدها، كانا حاضرين بقوة في مشهد التضامن العراقي مع فلسطين. فريقان لطالما حاول كل منهما مناكفة الآخر في موقفه، ولكنهما هذه المرة، وقعا في فخ لا يُحسدان عليه.

فعلى سبيل المثال، يبدي البعض دعمه لإسرائيل، ليس حباً بها، ولكن بغضاً بالسياسة الإيرانية. هم يبررون رأيهم بأن إنسانية إسرائيل تفوق إنسانية حكومة طهران أو الأنظمة العربية. فبحسب مجد (26 عاماً)، من محافظة بغداد، رفض الإدلاء باسمه الكامل لأسباب أمنية: “إسرائيل وبرغم احتلالها لفلسطين، أحسنت بالفعل إلى مواطنيها، وراعت حقوق سجنائها، وتقدّم لهم الخدمات والرعاية الصحية، فيما تفتقر إيران والعالم العربي والإسلامي، إلى مثل هذه الحقوق”.

مثل هذه الآراء، وبرغم صواب جانبها المتعلق بانعدام حقوق الإنسان في بعض البلدان العربية والإسلامية، ولكن تأثرها بالإعلام الإسرائيلي واضح بشكل كبير، حيث توجه إسرائيل، ماكينتها الإعلامية نحو العراق، عبر صفحات رسمية ووهمية عدة، أبرزها “إسرائيل باللهجة العراقية” على فيسبوك، التي يؤكد مجد أنه أحد متابعيها بعد سؤاله، وقد طالته انتقادات وتهديدات بالقتل، بسبب دعمه لإسرائيل على أحد المنشورات، ما دفعه لحذف تصريحاته.

فيما يبدي مالك الوائلي (27 عاماً)، من محافظة بابل، تأييده للقضية الفلسطينية بشكل عام، وحق الفلسطينيين في تحرير أرضهم، ولكنه ينتقد العمليات التي تنفذها منظمة حماس، نظراً إلى الدعم الإيراني لها، ويرى استحالة أن تقدّم طهران دعمها لأي منظمة غير تابعة أو مؤيدة لسياستها أو مصالحها في المنطقة. ويستدل في رأيه على الدعم الذي تقدّمه إيران لبعض المجاميع المسلحة والحزبية داخل العراق، نظير خدمة مصالحها، وارتداد ذلك بشكل سلبي على الأوضاع الداخلية في البلاد.

وتالياً يعتقد في حديثه إلى رصيف22، أن عمليات حماس الأخيرة، هي مجرد توظيف إيراني للقضية الفلسطينية، وتنبع من محاولاتها لإشغال العالم عن مخطط أوسع تسعى إلى تحقيقه في المنطقة.

ويقول الوائلي: “لو كانت إيران تسعى حقاً لدعم فلسطين، فما هي أسباب تأخرها عن دعمها عسكرياً بشكل مباشر، ووقف الويلات التي حلت بقطاع غزة، لا سيما أنها تمتلك القدرات والمؤهلات لخوض هذه الحرب؟”

وبالضد من ذلك، يؤكد سعد مجبل (24 عاماً)، من محافظة النجف الأشرف، تضامنه مع غزة، بناءً على الإرشاد الذي تلقّاه من أحد المكاتب المرتبطة بحزب الله العراقي، والمقرب من طهران، ويشير إلى أن “معلوماته عن القضية الفلسطينية كانت شبه معدومة، قبل ذلك، ووقّع بالفعل على وثيقة للتطوع من أجل القتال في فلسطين، وزّعها عليهم هذا المكتب”.

ويلفت في تصريحه لرصيف22، إلى أن “تأييدي للقضية الفلسطينية مرتبط بتأييد المرجعية الدينية في إيران لها، والمتمثلة في خامنئي، وهي أولى بالتقليد لدى أي مناصر لفلسطين”، مؤكداً عدم جدوى المواقف العربية التي اعتادت على التنديد وسارت في طريق التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.

الطائفية في العراق

لم تكن الطائفية بعيدةً عن صراع الرأي العراقي، الخاص بالتضامن مع فلسطين المحتلة، وسببت لغطاً كبيراً داخل المجتمع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي في آن واحد.

يشبه رامي الجبوري (37 عاماً)، من محافظة كربلاء، “الخذلان الذي تبديه الطائفة السُنّية في العراق أو الدول السُنّية، بخذلان بني أمية للحسين”، فيما يؤكد ثبات الموقف الشيعي في نصرة فلسطين، بالضد من إسرائيل والعالم، والذي عبّر عنه قادة الأحزاب الشيعية والحشد الشعبي ووفود المقاتلين الشيعة المتواجدين قرب الحدود اللبنانية الفلسطينية.

وكان القيادي في الحشد الشعبي، الملقّب بأبي عزرائيل، قد أكد على صفحته الشخصية في موقع إكس، وجوده في منطقة الناقورة، على الحدود اللبنانية الفلسطينية، استعداداً لأوامر التدخل العسكري في فلسطين، رداً على اتهامه بالكذب في ما يخص مكان وجوده.

كما يؤكد نزار السوداني (28 عاماً)، من محافظة كربلاء أيضاً، أن “الشيعة برزوا في الدفاع عن حقوق فلسطين، وسارعت مرجعياتهم كافة إلى نصرة قضيتها، فيما تجاهلها السُنّة، اقتداءً بالتطبيع الحاصل في بلدانهم، حيث لم تشهد مناطقهم أي تظاهرة أو موقف لنصرة فلسطين حتى الآن”.

يُذكر أن مكتب المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني، أصدر في 11 تشرين الأول/ أكتوبر الحالي، بياناً دعا فيه إلى إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني، ودعم حقوقه في الحرية واستعادة أرضه، وهو التصريح الذي عدّه البعض دعوةً إلى الجهاد في فلسطين. كما دعت مرجعيات أخرى إلى نصرة القضية وعدّها مصيريةً لجميع المسلمين.

لكن في المقابل، يقول خالد الزوبعي، من محافظة بغداد، إن “التظاهرات عمّت مختلف المحافظات السنّية، وندد شيوخ الدين بالعدوان الإسرائيلي، ولكن الجهات الإعلامية لا تسلّط كاميراتها على هذه التظاهرات، من أجل تعميق الطائفية داخل المجتمع، والتي تخدم مصالح خارجيةً”.

وجدير بالذكر أن المجمع الفقهي الأعلى، وهو هيئة الإفتاء السُنّية في العراق، قد أفتى في 8 تشرين الأول/ أكتوبر الحالي، بوجوب الدفاع عن فلسطين، كما دعا إلى فتح مراكز للتطوع والتعبئة من أجل فلسطين. كما شهدت مساجد محافظة بغداد ومحافظات سُنّية أخرى، حملة تكبيرات جماعية، مساء الـ27 من تشرين الأول/ أكتوبر، نصرةً للقضية الفلسطينية، تلتها مسيرة شعبية تضامنية في منطقة الأعظمية وسط بغداد.

يقول محمد الفهداوي (41 عاماً)، من محافظة الأنبار، وهو أحد المشاركين في الاعتصامات الحاصلة في منفذ طريبيل الحدودي مع الأردن، إن “اعتصامنا من أجل فتح الحدود نحو فلسطين، مستمر إلى اليوم”، وينبّه في تصريحه لرصيف22، إلى “عدم صحة الحديث عن تخاذل السُنّة عن دعم فلسطين”، ولكنه يتساءل عن أسباب تبدّل مواقف بعض مرجعياتهم، لا سيما تلك التي كانت تنادي بترك قضية فلسطين، وعدّها قضيةً ناصبية، لا تخص الشيعة، بالإضافة إلى ما عايشه فلسطينيو العراق، من عمليات تهجير وقتل شنّتها ضدهم الجماعات المسلحة الشيعية، إبان الصراع الطائفي عام 2006.

وتخمن دراسات وتقارير صحافية، بأن أكثر من 25 ألف فلسطيني هُجروا من بغداد إبان الحرب الحرب الأهلية العراقية بين عامي 2006 و2008، وقُتل أكثر من 600 آخرين على الهوية في سيطرات وهمية، أو مداهمات على بيوتهم.

يقول الباحث الاجتماعي عدنان ثامر، إن “الشخصية العراقية عنادية بشكل كبير، وتستهوي معارضة الآخر، بل نفسها أحياناً، وهو ما يعزز التناقض الداخلي فيها، وتالياً لا يتوقف صراع الرأي الحاصل حالياً على تأثر المجتمع بالماكينات الإعلامية الصهيونية الموجهة إلى العراق، بل هو صراع داخلي موجود منذ القدم”.

وعن سبب إثارة الطائفية في هذه المسألة، يؤكد في حواره مع رصيف22، أن “العراقي لطالما عُرف بتعلّقه بالمسألة الطائفية، وتعزز هذا التعلق الويلات ذات الصبغة الطائفية التي مرّ بها بعض الأفراد، فعلى سبيل المثال، مقتل مواطن شيعي بسبب الأحداث الطائفية أو تفجير انتحاري أو الحرب ضد تنظيم الدولة، سيدفع بمحبّيه وعائلته، إلى الحقد على السنّة، وكذلك بالنسبة للمجتمع السنّي”.

ويرى أن “التوجيه الحزبي يلعب دوره في هذه المسألة، إذ استغلت بعض الأحزاب أو الشخصيات السياسية هذه الأزمة من أجل تحريك جيوشها الإلكترونية وإثارة الفتنة داخل المجتمع من جديد، وتالياً بدلاً من اتحاد الناس حول موقف معيّن، يفضّلون التشتت فرقاً مختلفةً”.

مهند فارس

المصدر: موقع رصيف 22




قصص “الطفل الناجي في غزة”… الموت يملأ المستقبل

ليس فيلماً أمريكياً لبيتر غوتيرغ، إنما هي قصص حقيقية أبطالها أطفال ورضّع فلسطينيون في غزة، قتلت صواريخ الطائرات الإسرائيلية عائلاتهم، بينما كانوا آمنين نائمين، ليتحولوا إلى ناجٍ وحيد شاهد على فصول الجريمة، كفرع شجر يترعرع وحيداً على جانب الطريق، هشاً قلقاً أمام الغارات.

ففي أولى الصور، يظهر رضيع نجا من قصف الاحتلال في قطاع غزة ملفوفاً برداء ملطخ بالدم ورأسه الصغير مصاب بخدوش، بينما لُفّت يده بضمادة، ولم يُعرف الاسم الذي منحه إياه ذووه عند ولادته. قُدّر لهذا الطفل أن ينجو وحده من العدوان الإسرائيلي، الذي استهدف مبنى تقطنه عائلته في قطاع غزة. تقول العاملة في القطاع الطبي إنه نُقل إلى مركز عملها من مستشفى كمال عدوان، وإنه لا معلومات حول هويته.

كان أنس صابر (عامان)، محظوظاً برغم ما حلّ به من مأساة، فهو على الأقل يحتفظ باسمه ولقبه، منذ انقض الموت على عائلته فنجا هذا الصغير وحيداً.

على الجانب الآخر، وبرغم أن أهالي القطاع ومنهم عائلة الطفلة تالا أبو دقة، مجمعون على فكرة واحدة، وهي أن يناموا مع أبنائهم جميعاً في الغرفة نفسها حتى إذا نزلت قذيفة على البيت، يموت كل أفراد العائلة معاً كي لا يبقى أحد حياً، ويتحسّر على الأموات، إلا أن القدر سبقهم، إذ فقدت الطفلة والديها وأشقاءها، فيما تمكنت طواقم الدفاع المدني من انتشالها من بين الأنقاض، ليحتضنها عمها الذي فقد هو الآخر بقية أفراد عائلته.

أعداد هؤلاء الأطفال، ممن فقدوا عوائلهم، وصُنّف قسم منهم مجهولي الهوية، بالعشرات، خاصةً لعدم تمكّن الطواقم من رفع أنقاض الكثير من المباني والشقق السكنية التي قُصفت على رؤوس ساكنيها، وبعضهم يقطن وحيداً في زوايا مشافي القطاع، وآخرون تولّى أمر رعايتهم بعض المواطنين النازحين بشكل مؤقت.

أطفال غزة لا يصنعون العبوات في أوقات فراغهم، بل هم كسائر أطفال هذا العالم، يحبون الألعاب والحلويات ويخططون لرحلة المدرسة ويتحمسون لأي مغامراتٍ جديدة (سِوى الحرب). كان من المفترض أن “يصبحوا على خير”. وعلى الرغم من هذا كله، قتلت إسرائيل ومنذ بداية الحرب التي تشنها على غزة، ما يزيد عن 3240 طفلاً، فيما لا يزال 1020 آخرون تحت الأنقاض، وتشكل نسبة الأطفال والنساء من حصيلة الشهداء 70%، ووفقاً لمعلومات وزارة الصحة الفلسطينية، فإن هناك على الأقل 55 عائلةً بأكملها تضررت من الهجمات وتركت أطفالها من دون ذويهم.

مدير مستشفى الشفاء الدكتور محمد أبو سلمية، قال إن بعض الأطفال سُجّلوا كمجهولي الهوية، “لعدم القدرة على التعرف عليهم، أو لأن أهلهم قُتلوا تحت القصف، مؤكداً أن عددهم يفوق الـ70 أو 80 طفلاً، وبحسب من يصلون إلى المستشفى فإن 50 إلى 60% من المصابين هم من الأطفال والنساء.

وقالت منظمة إنقاذ الطفولة، إن أكثر من مليون طفل “محاصرون” في غزة، دون مكان آمن يذهبون إليه، وحذرت من الآثار المدمرة لنقص الأدوية والكهرباء لتشغيل البنية التحتية الصحية الحيوية في القطاع.

ودعت المنظمة جميع الأطراف إلى اتخاذ خطوات فورية لحماية حياة الأطفال، وطالبت المجتمع الدولي بدعم هذه الجهود، مضيفةً أن الغارات الجوية الإسرائيلية “تقتل وتجرح الأطفال بشكل عشوائي”.

المصير المجهول

تقول الناشطة في مجال حماية الطفل إلهام أبو مصبح، إن “أطفال قطاع غزة يعانون الكثير من المآسي، ويعيشون تحت ظروف قاسية، وحرمان لأبسط حقوقهم، وتتفاقم هذه الظروف بشكل كبير بعد كل حرب، فيُقتل الكثير منهم ويصاب آخرون بإعاقات متعددة، ومشكلات نفسية صعبة، ويفقد البعض منهم عائلاتهم بشكل كامل، ويواجهون في ما بعد مصيراً مجهولاً ومعقداً. ولعدم توافر بيئة آمنة وحاضنة لهم، يتشتت عدد منهم، بينما يضطر آخرون إلى البقاء مع أقاربهم، سواء من العائلة الممتدة أو البيولوجية”.

وتضيف في حديثها لرصيف22، أن “الأطفال في غزة يفتقرون إلى حاضنة لرعايتهم، بالأخص الأطفال الذين تأثروا بالحروب وفقدوا أهاليهم، فهؤلاء حيث هم يعانون من اضطهاد وحرمان، فالقطاع يفتقر إلى مركز إيواء لهذه الفئة ولا تتوفر الإمكانات المادية والمعنوية لإنشاء مركز إيواء خاص بالأطفال المتضررين من الحروب”.

وتضاءلت خلال السنوات الماضية مشاريع الدعم النفسي للأطفال الفلسطينيين في القطاع، لضعف التمويل الدولي واتجاه الدعم العالمي إلى المتضررين في الحرب الأوكرانية، باستثناء وجود ملجأ أيتام واحد، وهو معهد الأمل للأيتام، والقبول فيه ضمن معايير محدودة وفئة عمرية معينة، كما توجد قرية للأطفال sos وهي تعمل وفق المعايير نفسها غالباً، ولا يُشترط أن يكون الطفل فاقداً الأبوين أو أحدهما. وهي تعمل على إخراج الأطفال في عمر 18 عاماً، وتفصلهم في أثناء فتره تواجدهم فيها عن المجتمع.

وتشير أبو مصبح، إلى أنه “ولعدم توفر الإمكانات والخبرات الخاصة في تقديم الرعاية الكاملة لفئة الأطفال المتضررين من الحروب وغير المصحوبين، فإن بعض الأطفال لا يوجد لهم ملجأ، وتالياً يتعرضون للعنف، وهم الفئة الأقل حظاً والأكثر تهميشاً في المجتمع، وهذا يجعل واقعهم هشاً فهم معرضون للإساءة بجميع أشكالها وأنواعها، والاستغلال وأحياناً يتم حرمانهم من فرص التعليم”.

دائماً ما يدفع الأطفال ثمن الحروب النظامية والأهلية والنزاعات والاعتداءات المسلحة أضعافاً مضاعفةً، ليس فقط لأنهم عرضة للقتل والإصابات البالغة التي تؤدي إلى العجز الجسدي على اختلاف أنواعه ودرجاته، ولكن أيضاً للآثار والرواسب النفسية المؤذية التي قد تلازم الفرد بقية حياته ولا يستطيع منها فكاكاً.

فعندما نتحدث عن مصطلح “الطفل الناجي أو الإنسان الناجي”، خاصةً في السياق الاستعماري الذي نعيشه كفلسطينيين، وتحديداً الحروب الأخيرة على غزة، وآخرها ما زالت قائمةً، فإننا نشير إلى عبء الدور النفسي الكبير الذي يعيشه الطفل، وهو يشعر بأنه بلا حضن دافئ يعانق فيه من كان يرعاه ويعتني به، وبيت آمن يأوي إليه.

محاولات النجاة

تشرح الباحثة في العلوم النفسية والاجتماعية، دعاء عبد الحميد، الآثار النفسية التي تلازم هؤلاء ما بعد الصدمة، قائلةً: “لسوء الحظ ومع الأسف الشديد، في كل صراع أو نزاع حرب، أول من يتلقى تأثيرات الحرب وممارساتها اللا شرعية واللا أخلاقية، هم الأطفال، إذ يُجبرون على مشاهدة ومعايشة مواقف كثيرة من القتل والدماء والقصف والنزوح، والانتقال من مكان إلى مكان بهدف الحصول على الأمن والأمان، وتوقف عملية التعليم والحياة الاقتصادية والاجتماعية، عدا عن مشاهد الموت لأفراد أسرهم والفقدان في أثناء الحرب وما تحمله من ممارسات فظيعة ومدمرة كالمجازر والأشلاء، وغيرها الكثير مما لا يخطر على عقل بشر”.

مع ذلك، تبقى صدمة الانفصال الجسدي والعاطفي عن العائلة أو الوالدين أو أحدهما، من أكثر صدمات الحروب التي يعاني منها الأطفال، ويظهر تأثيرها بشكل مباشر على جوانب شخصيتهم النفسية والسلوكية والعاطفية والمعرفية؛ لأن الحرب بالنسبة للطفل لا يمكن إدراكها، فهي كالوحش الذي يأكل ولا يرحم، يهدم الأحلام ويحطم المعنويات، وهذا ينعكس سلباً على الطفل لأن في اعتقاده أن البيت والعائلة هما الملاذ الآمن، فلما قُصف البيت، ورحلت عنه عائلته، لم يعد هنالك أمن وأمان. ببساطة فإن إدراك الطفل لمفهوم الأمان، هو بيت وعائلة، فلماذا يُحرم منهما؟

يبدأ التكوين النفسي لشخصية الطفل، بحسب الباحثة عبد الحميد، “بممارسة آليات نفسية شعورية ودفاعية ليحمي الأنا ويحاول استيعاب ما يحدث. ومع الأخذ بعين الاعتبار شدة الموقف الصادم الذي تعرض له الطفل، ومدته الزمنية، عدا عن شخصية الطفل وخصائصها كالتقبل والتكيف والمرونة النفسية بالإضافة إلى خبرات عنف سابقة كمعايشة حروب وأحداث سياسية صعبة متكررة، تتفاوت الاستجابات النفسية والسلوكية للطفل مثل التعلّق الزائد بأقرب شخص موجود معه، الصمت/ الخرس الانتقائي، القلق، مشكلات سلوكية، اضطرابات النوم، اضطراب ما بعد الصدمة، الاكتئاب، اضطرابات المزاج المشوش/ أو التخريبي، التبول اللا إرادي، اضطرابات الطعام وغيرها من المشكلات والصعوبات التي سيعاني منها الطفل”.

وفي سؤالنا عن أبرز احتياجات هؤلاء الناجين الوحيدين من الأطفال، تقول لرصيف22، إن “أبرز احتياجات الطفل خلال الحرب وبعدها، تتركز جُلّها في البقاء على قيد الحياة، أي محاولة النجاة بأقصى قدر ممكن، وذلك يكون من خلال البحث عن الأمان كحاجة إنسانية وبشرية، أي الشعور بالأمان العائلي على الأقل في فترة الحرب، بأني مع عائلتي، مع أناس أعرفهم ويعرفوني. إلا أنه عند الحديث عن احتياجات الطفل الناجي ما بعد الحرب، في ظل حقيقة أنه لم يعد هنالك شخص قريب منه يلجأ إليه ويعيش معه ويحتويه؛ فهذا يعني أن الطفل الناجي يعاني من أعراض صدمة نفسية يحاول فيها تفعيل آليتيّ إنكار حقيقة الوضع الذي هو عليه، ومحاولة اختبار الواقع وتفحصه وذلك يكون بعزل أنفسهم عن الانخراط في الحياة الاجتماعية والدراسية وأي مجالات من شأنها أن تبني أساليب تكيّف عند الطفل الناجي”.

خلاصة القول، يجب أن يكون هنالك دور فاعل لمساعدة الطفل الناجي في التعافي مما مرّ به، بهدف تلبية احتياجات النفسية والاجتماعية، وذلك يكون بتجنيبه العجز المكتسب؛ لأن هذا يمكن أن يفاقم من الشعور باليأس والمعاناة (تقلبات مزاجية وشعورية سلبية بين غضب وإحباط وحزن)، وزيادة الإجهاد والتوتر، وتطوير الاستعداد للإصابة بالأزمات والاضطرابات النفسية، وتدهور الصحة العامة، وانخفاض جودة الحياة، وفقدان الأمل في إجراء تحسن في حياتهم، وفقاً لرأي المختصة دعاء عبد الحميد.

منى حجازي

المصدر: موقع رصيف 22




في ظل انقطاع الاتصالات: كيف ينقل المراسلون الأخبار من غزة؟

أمطرت القنابل غزة لمدة 19 ساعة متواصلة؛ حيث أمضى وجيه أبو ظريفة، صحفي ومدير “وايت ميديا”، الليلة الأولى من الحرب مختبئًا في منزله، يراقب الأخبار ويحاول التخطيط لتغطية الأسبوع لفريقه المكون من 15 صحفيًا. وفي صباح يوم الأحد، عندما وصل إلى مكتب “وايت ميديا” في شارع الوحدة، وجد المبنى بأكمله قد تعرض للقصف. وبرزت من جانبها نتوءات فولاذية شوهتها صدمة الانفجار. وتناثرت الأنقاض عبر الطريق، مما أدى إلى ظهور أعمدة من الغبار. وتناثرت رزم من أوراق المكتب على الأرض.

قال أبو ظريفة: “لقد فقدنا كل شيء؛ السترات الواقية من الرصاص ونظام الصوت والإنترنت وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وأجهزة الكمبيوتر وكل ما كان لدينا.. لقد فقدناها في دقيقة واحدة”.

ولكن في مكان ما وسط الحطام، كان هناك بصيص من الحظ: لم يكن أي من موظفيه هناك عندما تم قصف المبنى، كما لم تكن كاميراتهم كذلك.

ومنذ بدء الصراع بين إسرائيل وحماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، قُتل ما لا يقل عن 24 صحفيًا، وفقًا للجنة حماية الصحفيين، وهي المنظمة غير الحكومية؛ حيث قالت إن هذا الرقم أكبر مما حدث في كل الحروب السابقة في غزة منذ عام 2001.

وقد قُتل أكثر من 5000 شخص هناك منذ بدء الصراع. كما أن الخدمات تنهار، ويخشى الكثيرون في القطاع الإنساني من وقوع كارثة وشيكة. إن مثل هذه الظروف هي التي تشتد الحاجة فيها إلى الصحافة، ومع قلة عدد وسائل الإعلام الدولية القادرة على دخول غزة، تقع مسؤولية إعداد التقارير على عاتق الصحفيين الفلسطينيين المحليين، الذين يضطرون إلى العمل وسط انقطاع الكهرباء والإنترنت، ونقص الغذاء والماء، والخوف المستمر من الموت، كما اضطر معظمهم إلى الفرار من منازلهم، ولقد فقد الكثيرون أفرادًا من عائلاتهم، وقد تم استهداف البعض بشكل مباشر نتيجة لعملهم؛ لكن العديد من الصحفيين في غزة استمروا في العمل على الرغم من هذه الضغوط، واكتشفوا طرقًا للبقاء على الإنترنت ومواصلة نقل الأخبار.

وبالنسبة لظريفة – الذي عاش في غزة لمدة 55 سنة وقام بتغطية صراعاتها لمدة 30 سنة – فإن تدمير مكتب شركة “وايت ميديا” لم يكن ليثنيه عن ذلك.

في صباح ذلك اليوم الأول؛ بدأ فريقه عملية إعادة البناء، وكان المطلب الرئيسي هو الطاقة: فقد بدأت إسرائيل بقطع الكهرباء عن غزة، لذلك أصبحوا مبدعين، فقاموا بتسخير الطاقة الشمسية، والبحث عن المولدات، والحصول على بطاريات محمولة كبيرة جدًا للشحن أثناء التنقل. والآن، يسافر صحفيوه في كثير من الأحيان سيرًا على الأقدام عبر قطاع غزة الذي يبلغ طوله 25 ميلًا من أجل توفير الوقود لمولداتهم.

ولقد وجدوا مساحة مكتبية جديدة في منطقة الرمال الشمالية بمدينة غزة؛ حيث نقلوا عملياتهم هناك. وبعد يومين، تم قصف المبنى المجاور، وتحطمت نوافذ مكتبهم الجديد. وعلى الرغم من الأضرار؛ قرروا البقاء هناك، وقال ظريفة: “لا توجد أماكن آمنة في غزة. لقد دمروا معظم المدينة. ويقع المكتب الجديد في منطقة قريبة من مستشفى الشفاء، لذا فهو أكثر أمانًا من الأماكن الأخرى”.

بدأ العديد من الصحفيين في استخدام المستشفيات والمناطق المحيطة بها كمكاتب مؤقتة، على أساس أنهم أقل عرضة للاستهداف، وفي مستشفى ناصر في مدينة خان يونس الجنوبية، أقام أكثر من 150 صحفيًا مخيمًا على أرض المستشفى، بما في ذلك نجل وجيه أبو ظريفة، صامد، الذي قال: “أقضي يومي محاولًا شحن هاتفي والكاميرا، والوصول إلى الإنترنت غير المستقر، ونقل القصص الإنسانية من المستشفى والمشرحة، التي لا تزال تمتلئ مرارًا وتكرارًا”.

لكن فكرة توفير المستشفيات للحماية أصبحت موضع تساؤل الأسبوع الماضي بسبب حادثة أظهرت مخاطر التغطية الصحفية عن هذا الصراع وسبب أهمية القيام بذلك عن قرب، ففي حوالي الساعة السابعة مساءً بالتوقيت المحلي يوم الثلاثاء 17 تشرين الأول/ أكتوبر، تعرض مجمع المستشفى الأهلي في وسط مدينة غزة لانفجار ضخم. وكانت التقارير الأولية مرعبة: فقد قُتل المئات بحسب ما زُعم. بالنسبة لظريفة، كانت المهمة الأولى هي التحقق من سلامة زملائه، ثم: أرسل شخصًا إلى هناك للتغطية الصحفية.

وبينما كان الصحفيون المحليون مثل ظريفة يتدافعون للوصول إلى مكان الحادث، توزعت الروايات حول ما حدث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبدأ محللو الاستخبارات مفتوحة المصدر في البحث عن لقطات من القنوات الإخبارية وكاميرات المراقبة، وإنشاء رسومات ثلاثية الأبعاد للمستشفى، واستشارة خبراء الذخائر وتحليل صوت الانفجار.

أصدرت مجموعات بحثية محترمة، بما في ذلك “فورينزيك أركيتكشر” و”بيلنجكات”، نتائج كانت بعيدة عن أن تكون قاطعة؛ حيث قال البعض إن السبب ربما كان قنبلة إسرائيلية، والبعض الآخر صاروخ تم إطلاقه بشكل خاطئ من داخل غزة. بعد وقت قصير من الغارة، أصدر الجيش الإسرائيلي مقطعًا صوتيًا يُزعم أنه يُظهر اثنين من مقاتلي حماس يناقشان صاروخًا لم يتم إطلاقه بشكل صحيح وأصاب المستشفى، وطلبت القناة الرابعة الإخبارية في المملكة المتحدة من صحفيين محليين مستقلين تحليل المقطع الصوتي، الذين وجدوا أن “اللغة واللهجة واللغة المحلية وبناء الجملة والنبرة” ليست ذات مصداقية. في الأساس، أوضحت القناة الرابعة أن المقطع مزيف.

بين التغطية الصحفية والبقاء على قيد الحياة، يتعين على الصحفيين في غزة أيضًا الحفاظ على سبل العيش التي كانوا يتمتعون بها قبل الحرب

وقال فرانشيسكو سيبريجوندي، مهندس الطب الشرعي الذي يساعد في التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان: “كانت المعلومات المضللة وتكتيكات الحرب الضبابية جزءًا من ترسانة الجيش الإسرائيلي لسنوات، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعمل العسكري في فلسطين، وفي غزة على وجه الخصوص”. وسيبريجوندي هو أيضًا زميل باحث في “فورينزيك أركيتكشر”، الذي انتقد رد فعل إسرائيل على الحوادث السابقة.

وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، شهدت مجموعة من الصحفيين الفلسطينيين مثل بلستيا العقاد، وبيسان عودة، ومعتز عزايزة، زيادة عدد متابعيهم إلى الملايين منذ بدء الحرب، فقد أثارت تغطيتهم الصامدة للوضع الثناء، ولكنها أدت أيضًا إلى التشكيك في موضوعيتهم، فبعد أن شوهدت العقاد وهي ترتدي قلادة عليها العلم الفلسطيني خلال مقطع فيديو، تلقت انتقادات شديدة عبر الإنترنت؛ حيث كتب أحد الأشخاص على موقع “إكس” في تعليق نموذجي للمناقشة التي جرت تحت منشوراتها: “إنها ليست صحفية، إنها حماس”.

وقالت تمارا خروب، نائبة المدير التنفيذي للمركز العربي، وهو مركز أبحاث في واشنطن العاصمة: “إن محاولات تشويه سمعة الصحفيين الفلسطينيين ورواياتهم ليست جديدة. إنها تتراوح بين حملات التشهير والاتهامات الكاذبة بدعم حماس إلى وصفها بأنها منحازة. هذا بالإضافة إلى استهدافهم بالإساءات والتهديدات عبر الإنترنت [و] الرقابة على منصات التواصل الاجتماعي”.

إن فكرة أن الصحفيين ليسوا محايدين – أو حتى أنهم مرتبطون بالمقاتلين – يمكن أن تعرضهم للخطر، فكثيرًا ما وجد العاملون في مجال الإعلام أنفسهم على خط النار. ففي آيار/ مايو 2021، قصف الجيش الإسرائيلي مكاتب وكالة أسوشيتد برس في غزة؛ حيث أعطى الموظفين مهلة ساعة للإخلاء قبل ضربها بالصواريخ، وزعم الجيش الإسرائيلي أن مقاتلي حماس كانوا يستخدمون المبنى أيضًا. وفي أيار/ مايو 2022؛ قُتلت الصحفية في قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة بالرصاص أثناء تغطيتها لمداهمة للجيش في الضفة الغربية. لعدة أشهر، ادعى الجيش الإسرائيلي أنه غير مسؤول، قبل أن يعترف في نهاية المطاف بوجود “احتمال كبير” لكونه الفاعل.

قبل حوالي أسبوعين، في 9 تشرين الأول/ أكتوبر، قُتل الصحفيان سعيد الطويل ومحمد صباح، عندما قصفت طائرات حربية إسرائيلية منطقة تضم عددًا من دور الإعلام في منطقة الرمال غرب قطاع غزة.

وقال شريف منصور، منسق برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في لجنة حماية الصحفيين: “إن غالبية القتلى هم من الصحفيين الفلسطينيين المحليين المستقلين والمصورين الصحفيين الذين يفتقرون إلى موارد السلامة، أو دعم غرفة الأخبار، أو يمكنهم الآن الوصول إلى العالم الخارجي بسبب نقص الإنترنت والكهرباء”.

يشعر العديد من الصحفيين أنه ليس لديهم خيار سوى الاستمرار في توثيق الحرب

بين التغطية الصحفية والبقاء على قيد الحياة، يتعين على الصحفيين في غزة أيضًا الحفاظ على سبل العيش التي كانوا يتمتعون بها قبل الحرب. بالنسبة لأمل حلس، وهي صحفية تعمل في جنوب غزة، فإن التحدي الأكبر هو الموازنة بين عملها ودورها كأم؛ حيث وتقول: “كلما أترك أطفالي، فإنهم يحتاجون إلى عناقي ولمسة يدي لتخفيف خوفهم من الانفجارات”. في بعض الأحيان، تقضي الليل بعيدًا عن المنزل لمواصلة تغطيتها.

أصبحت مهمة البقاء على اتصال مع العائلة والزملاء صعبة بشكل متزايد؛ حيث ينتشر انقطاع الإنترنت على نطاق واسع لدرجة أن الصحفيين غالبًا ما يتنقلون بين التقارير والمستشفيات، التي يتوفر في معظمها خدمة الواي فاي، من أجل الحفاظ على اتصالاتهم مع زملائهم. وحتى في هذه الحالة، قد يستغرق تحميل مقاطع الفيديو والصور ساعات، وعادة ما يتم إجراء الاتصالات أثناء التنقل عبر إشارة الهاتف الخليوي، ولكن هذا لا ينجح أيضًا في كثير من الأحيان. ولمتابعة الأخبار، بدأ الكثيرون في حمل أجهزة راديو صغيرة تعمل بالبطاريات.

ويقول ظريفة: “في كثير من الأحيان، نفقد التغطية بسبب فصل الإنترنت. لدينا المواد، لكننا لا نستطيع تحميلها”.

وعلى الرغم من هذه التحديات، يشعر العديد من الصحفيين أنه ليس لديهم خيار سوى الاستمرار في توثيق الحرب؛ حيث قالت أمل حلس:” إذا توقفتُ أنا والآخرون عن العمل، فمن سيوصل رسالتنا للعالم حول ما يحدث في قطاع غزة؟” وتساءلت: “من سيغطي هذه الأحداث الكارثية؟ من سيغطي المجازر؟ هذا هو عملنا وواجبنا كصحفيين في غزة. غزة الجريحة في قلوبنا، وهذا هو الحافز الأكبر لنا للاستمرار”.

قال ظريفة: “إذا توقفت تلك الكاميرات عن العمل، فلن يعرف العالم ما يحدث هنا. وإذا فقدنا الكهرباء، وإذا فقدنا الإنترنت، فسوف نتوقف. وهذا ما تريده إسرائيل، أن تفعل كل شيء في الظلام”.

توم بينيت

ترجمة: موقع نون بوست