1

إرجاء زيارة الرئيس الجزائري إلى باريس: 5 ملفات ثقيلة تعرقل التوصل إلى اتفاقات

أقرت الحكومة الجزائرية بتأجيل زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى باريس، التي كانت مقررة منذ مدة طويلة، نظراً لعدم توفر الظروف المساعدة. وجاء هذا التأجيل بسبب خمس ملفات لم يتم التوصل إليها بشكل مشترك، ما أعاق التوصل إلى اتفاقيات وتفاهمات تمنح “زيارة الدولة” أبعاداً سياسية.

وفي حوار مع منصة “أثير” أمس الأربعاء، أوضح وزير الشؤون الخارجية الجزائري أحمد عطاف أن تأجيل الزيارة جاء بسبب عدم توفر الظروف المثلى، حيث لم تكن هناك ظروف مثالية تسمح بإجراء الزيارة بالشكل المناسب مع الشريك الفرنسي. وأشار إلى خمس ملفات تعتبر ثقيلة، وهي ملف الذاكرة والأرشيف، وملف التنقل (تنقل الأشخاص والتأشيرات)، وملف التعاون الاقتصادي، وملف التفجيرات النووية في الصحراء، بما في ذلك ملف التعويضات.

أكد عطاف أن من ضمن الجوانب التي أعاقت الزيارة عدم استجابة باريس لبعض المطالب الجزائرية. وقد أوضح قائلاً: “على سبيل المثال في ملف الذاكرة، هناك أمر يثير الحزن لدى المسؤولين الجزائريين. تم وضع زيارة إلى قصر أمبواز حيث كان الأمير عبد القادر معتقلاً في برنامج الزيارة، وحيث كانت تعيش عائلته بين سنتي 1847 و1852. قد طلبنا من فرنسا تسليم سيف وبرنوس الأمير عبد القادر إلى الجزائر، لأنه يحمل رمزية خاصة بالنسبة للجزائريين. ومع ذلك، رفض الجانب الفرنسي هذا الطلب، مشيراً إلى ضرورة وجود قانون يسمح بذلك”.

تأجلت زيارة الرئيس الجزائري إلى باريس مرتين متتاليتين، حيث كانت مقررة في يناير/كانون الثاني ومايو/أيار الماضيين, وكشف الرئيس تبون في أغسطس/آب الماضي رفضه إجراء زيارة بروتوكولية بلا أهداف واتفاقات محددة، خاصة في ملفات الذاكرة والشؤون السياسية وتنقل الأشخاص. وأكد تبون أنه ينتظر اقتراحاً من الرئاسة الفرنسية لبرنامج الزيارة، مشيراً إلى أنه لن يذهب فقط للاستقبال في الشانزيليزيه أو للتجوال. وبين أن “الزيارة ما زالت قائمة، وننتظر فقط البرنامج الذي يجسد الزيارة من طرف الرئاسة الفرنسية، خصوصاً أن الأمر لا يتعلق بزيارة سياحية، ولكن لا بد لها من نتائج”.

وفي سياق مشابه، أكد وزير الخارجية أن ملف الشراكة والتعاون الاقتصادي بين البلدين يعاني من رفض الجانب الفرنسي مقترح إنشاء صندوق استثمار بقيمة 100 مليون دولار، حيث أعلن الفرنسيون عدم حاجتهم لذلك. وأشار إلى قضية التجارب النووية، حيث لم يتم التوصل إلى تفاهمات حولها، وأكد أن الجزائر تطالب بإقرار واعتراف من فرنسا بالأضرار الناتجة عن تلك التجارب في منطقة الصحراء، مطالبة بالتعويضات، ولكن لم يتم التوصل إلى اتفاق حتى الآن.

قضية التفجيرات النووية

وضع الرئيس تبون قضية التفجيرات النووية على رأس أولويات العلاقات مع فرنسا، حيث تطالب الجزائر ببذل الجهود لتحمل باريس مسؤولياتها في تطهير المناطق التي شهدت تفجيرات نووية في الصحراء. وتعود هذه التجارب إلى عام 1958، حيث بلغ عددها 17 تجربة، ولا تزال تترك آثاراً مستمرة على الإنسان والبيئة والتنوع البيولوجي والحيوانات.

تلك التجارب النووية تركت تبعاتٍ مدمرة تمتد حتى الوقت الحاضر، حيث تسببت الإشعاعات في إصابة آلاف السكان في تلك المنطقة بأمراض مزمنة مثل السرطان والتشوهات الخلقية وأمراض العيون والشلل، وأثرت بشكل كبير على البيئة والحياة البرية. تطالب الجزائر بالتعويضات والاعتراف بالأضرار التي نجمت عن هذه التجارب النووية، وتؤكد أهمية تحمل فرنسا مسؤولياتها في هذا السياق.

في 21 إبريل/نيسان 2021، قدم قائد الجيش الجزائري الفريق سعيد شنقريحة طلباً إلى رئيس أركان الجيوش الفرنسية الفريق أول فرانسوا لوكوانتر، يطلب فيه “توفير الخرائط الطبوغرافية للجزائر، لتمكيننا من تحديد المناطق التي دفنت فيها النفايات الملوثة، سواء كانت مشعة أو كيميائية والتي لم يتم اكتشافها حتى الآن”.

في الفترة الأخيرة، جرت سلسلة من الزيارات بين كبار المسؤولين في الجزائر وفرنسا، وقد اعتبر وزير الخارجية الجزائري أن هذه الزيارات تأتي في سياق التحضير لزيارة الرئيس تبون إلى باريس. في هذا السياق، زارت الأمينة العامة للخارجية الفرنسية الجزائر، وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان في زيارة إلى الجزائر في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، تلتها زيارة للأمين العام لوزارة الخارجية الجزائري لوناس ماقرامان إلى باريس، وذلك على أمل التقدم في حلحلة الملفات العالقة وتحقيق تقدم في القضايا المعلقة.

عثمان لحياني

المصدر: صحيفة العربي الجديد




موقع أمريكي: هل قتلت إسرائيل القائد الإيراني لإثارة حرب أوسع؟

يضع هذا المقال الذي نشره موقع ” Responsible Statecraft” والذي قام بنشره موقع الخنادق الإلكتروني، بأن اغتيال إسرائيل للشهيد القائد في قوة القدس رضي موسوي في العاصمة السورية دمشق، يهدف الى 3 احتمالات خطيرة على المنطقة.

فما هي هذه الاحتمالات؟

النص المترجم:

اغتيل القائد الأعلى الإيراني في سوريا، سيد راضي موسوي، الأحد، في غارة جوية إسرائيلية في أحد أحياء دمشق، بحسب وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية إيرنا والمرصد السوري لحقوق الإنسان ومقره بريطانيا.

وقد دفع ذلك طهران إلى الدعوة إلى الانتقام، مما أثار المخاوف من أن هذه قد تكون المباراة التي تشعل حربا أوسع في الشرق الأوسط.

ولم تصدر وكالة الأنباء السورية بيانا، وامتنعت إسرائيل عن التعليق.

قتلت إسرائيل موسوي إما كتحذير لإيران – نظرا لدعم طهران لهجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر – أو استفزازا لتوليد رد إيراني من شأنه أن يعطي إسرائيل ذريعة لتوسيع الحرب، أو كخطوة تحضيرية لتوسيع الحرب بغض النظر عن رد إيران. أي منهما يشير إلى المتاعب.

سبق هذا الإجراء الغارات الجوية الأمريكية في شمال العراق التي أسفرت عن مقتل عدد من المسلحين الشيعة المرتبطين بكتائب حزب الله، وهي جماعة مسلحة شيعية وفروعها، يُفترض أنها مدعومة من إيران. وجاءت الضربات، التي أمر بها بايدن، ردا على هجوم على القوات الأمريكية هناك أدى إلى إصابة ثلاثة من أفراد الخدمة الأمريكية، أحدهم في حالة حرجة، وفقا للبنتاغون.

ومن المحتمل جدًا أن تكون إسرائيل وراء اغتيال موسوي لأنها القوة الوحيدة التي لديها الدافع والقدرة على تنفيذ مثل هذا القتل – ناهيك عن تاريخها الطويل في اغتيال العملاء الإيرانيين. الولايات المتحدة لديها القدرة ولكن ليس بالضرورة الدافع. يعتمد التحليل أدناه على افتراض آمن إلى حد ما بأن موسوي قد تم اغتياله على يد إسرائيل.

تعتقد المخابرات الأمريكية أن إيران متورطة بنشاط في استهداف حركة الحوثي للسفن في البحر الأحمر، مما أدى فعليًا إلى إغلاق مضيق باب المندب أمام إسرائيل وكلف الاقتصاد الإسرائيلي مليارات الدولارات. ويصر الحوثيون على أنهم سيواصلون الهجمات – على الرغم من التهديدات بالانتقام من الولايات المتحدة – حتى توقف إسرائيل قصفها لغزة.

إسرائيل ترفض بالطبع، وبايدن يكره الضغط على إسرائيل من أجل وقف إطلاق النار. ومن وجهة نظر إسرائيل، فإن إيران لا تدفع ثمن دورها المزعوم في هجمات البحر الأحمر. ونتيجة لذلك، قد يكون الاغتيال بمثابة تحذير لإيران بأن إسرائيل لديها القدرة والرغبة في تحصيل ثمن من إيران – حتى في المناطق التي ربما افترض الإيرانيون أنها آمنة.

وفي السيناريو الثاني، قد يكون الاغتيال استفزازاً متعمداً لتوليد رد إيراني يعطي إسرائيل ذريعة لتوسيع الحرب. وبينما أعطت إدارة بايدن إسرائيل الضوء الأخضر لقصف غزة وتحويلها إلى أشلاء، فإن بايدن يعارض توسيع الحرب لأن ذلك من المحتمل جدًا أن يجر الولايات المتحدة إليها.

ويتجه الجدل داخل الحكومة الإسرائيلية بشكل متزايد نحو توسيع الحرب. لقد حشدوا بالفعل أكثر من ثلاثمائة ألف جندي، وهناك اعتقاد متزايد في إسرائيل بأنه من غير المقبول أن تعيش إسرائيل إلى جانب حزب الله.

واعتقدت إسرائيل أنها قادرة على إدارة التهديد الذي تمثله حماس، لكنها لم تتمكن من ذلك. على الرغم من أن حزب الله لم يكن هو الذي هاجم إسرائيل في 7 أكتوبر، فإن الحجة الإسرائيلية هي أنه في المرة القادمة قد يكون حزب الله هو الذي هاجم، ونتيجة لذلك، ليس أمام إسرائيل خيار سوى توسيع الحرب. ولكن ما لم يكن هناك هجوم من إيران أو حزب الله نفسه، فقد تستمر الولايات المتحدة في معارضة مثل هذه الخطوة.

لكن اغتيال موسوي قد يدفع إيران إلى الانتقام من إسرائيل عبر حزب الله، كما يقول المنطق، ويمكن لإسرائيل بعد ذلك استخدام تصرفات حزب الله كذريعة ليس فقط لتوسيع الحرب إلى لبنان – بل وأيضاً لإجبار الولايات المتحدة على المضي قدماً في ذلك.

وهناك أيضا تفسير ثالث. وبحسب أمواج ميديا، كان موسوي مسؤولاً عن تسهيل دخول القوات التي تقودها إيران وشحنات الأسلحة إلى سوريا وكذلك حركة حزب الله اللبنانية. وإذا كانت إسرائيل تعتزم مهاجمة لبنان، فإن القضاء على موسوي قد يكون خطوة منطقية أولى لعرقلة تسليح حزب الله، فضلاً عن خطوط إمداده. وعلى هذا النحو، قد يكون الاغتيال بمثابة خطوة تحضيرية لتوسيع الحرب بغض النظر عن رد إيران على مقتل موسوي. تشير كل هذه السيناريوهات إلى حقيقة واحدة لا يمكن إنكارها: طالما أن بايدن يرفض الضغط على إسرائيل لقبول وقف إطلاق النار في غزة، فإن التوترات في المنطقة سوف تستمر في التصاعد، وسوف ينجذب الشرق الأوسط نحو حرب إقليمية من المرجح أن تجتاح الولايات المتحدة أيضًا. قد يعتقد بايدن أنه قادر على السيطرة على هذه الأحداث والسماح لإسرائيل بذبح الناس في غزة مع إبقاء خطر التصعيد تحت السيطرة.

ومن المرجح أن يكون مخطئا، وقد يجد الشعب الأمريكي نفسه قريبا في حرب أخرى غير ضرورية في الشرق الأوسط بسبب عدم كفاءة بايدن الاستراتيجية.


المصدر: Responsible Statecraft

ترجمة: موقع الخنادق




ماذا تعرف عن الوحدة الخاصة 669 الإسرائيلية؟

لعلها الوحدة الأكثر نشاطاً في جيش الاحتلال الإسرائيلي، خاصةً خلال الحروب والمعارك، وهذا ما نشهده في عملها خلال معركة طوفان الأقصى. إنها وحدة الإنقاذ التكتيكية الخاصة (669)، التي تعدّ واحدةً من قوى الكوماندوس الأربع في جيش الاحتلال، المتخصصة فيما يعرف بالبحث والإنقاذ القتالي (Combat Search And Rescue – CSAR).

مع العلم بأنها في العديد من المواجهات العسكرية المباشرة مع المقاومة الإسلامية في لبنان أو مع المقاومة الفلسطينية، لم تجرؤ على الاقتراب من ساحات المعركة في الكثير من الحالات، لأنها كانت تخشى من مواجهة المقاومين وإسقاط مروحياتها، كما حصل في العديد من الحالات في بنت جبيل خلال حرب تموز / يوليو من العام 2006.

فما هي أبرز المعلومات حول هذه الوحدة؟

_ هي وحدة تابعة للقوات الجوية الإسرائيلية، ضمن الجناح السابع الموجود في قاعدة بالماحيم.

_ تم تأسيسها في كانون الثاني / يناير من العام 1974، وكانت مهمتها الوحيدة حينها هي إنقاذ أطقم الطائرات التي أُسقطت، وتدريب أطقم الطائرات على الهروب وتطوير نظرية الإنقاذ.

_ الدور الرئيسي للوحدة هو إنقاذ الطيارين الذين تم إسقاط طائراتهم، وإنقاذ الجرحى وإجلاء القتلى العسكريين، وتنفيذ عمليات الإنقاذ السري خلف “خطوط العدو”.

_تعمل هذه الوحدة في مختلف الأماكن الجوية والبحرية والأرض، وفي بيئات محدودة للإنقاذ، في أي مكان وفي أي حالة وفي أي وقت.

_تقوم بمهام البحث والإنقاذ القتالية وتقوم بإجلاء الضحايا تحت النار باستخدام مروحيات هجومية تابعة للقوات الجوية ومركبات مخصصة. بالإضافة إلى ذلك، فهي تنقذ الطواقم البحرية والمسافرين في حالات الطوارئ، وتقوم بتوجيه المصابين إلى المستشفيات، وإجراء عمليات مسح جوية وأرضية لتحديد أماكن المفقودين. أي كل حوادث الإنقاذ المعقدة التي لا تستطيع هيئات الطوارئ المدنية تقديم الاستجابة المناسبة لها.

_نظرًا لقدراتها، تشارك في العمليات الخاصة لجيش الاحتلال والأجهزة الأمنية الأخرى، وكثيرًا ما يعبر مقاتلوها “خطوط العدو”.

_ تتكون الوحدة من عدة أقسام:

1)أسراب من المقاتلات: تضم مقاتلات الإنقاذ النظامية والاحتياطية.

2)فرقة طبية تضم مسعفي وأطباء الوحدة.

3)فرع الإعداد والإدارة الذي يختص بتطوير المعدات وصيانتها.

4)مدرسة التدريب التي تقوم بتجهيز وتدريب مقاتلي الإنقاذ وأفراد الطاقم الجوي.

5)غيف إيتان (تحديد أماكن المفقودين).

_ تستغرق دورة تدريب المقاتل في الوحدة حوالي سنة و6 أشهر. ويشتركون في التدريب مع وحدة شيلداغ (كوماندوس القوات الجوية). أمّا أبرز التمارين التي يقومون بالتدرب عليها: دورة طبية قتالية، القفز بالمظلات، الغوص، دورات البقاء على قيد الحياة، وأسير حرب.

ثم ينتقلون بعدها الى التدريب على طائرات الهليكوبتر، والتدريب على الإنقاذ من جميع التضاريس والظروف الجوية – البرية والبحرية والوديان والمنحدرات والسفن والإنقاذ من الطائرات والمركبات والمزيد.

 ويشترط على خريجي هذا المسار الخدمة لمدة 20 شهراً.

_ تستخدم الوحدة طائرات الهليكوبتر الهجومية من نوع “بلاك هوك – UH-60″، وطائرة “يسعورCH-53 Sea Stallion “. كما تم تدريب أطقم الوحدة الأرضية على الإنقاذ سرا باستخدام مركبات خفيفة لجميع التضاريس (LL UTV) والوصول إلى وجهتهم بواسطة المظلة التكتيكية.

أبرز الإخفاقات

_ في 16 تشرين الأول / أكتوبر 1986، لم تستطع الوحدة إنقاذ الطيار رون أراد الذي أسقطت طائرته في سماء جنوب لبنان، حيث استطاع مقاومو حركة أمل من أسره، ولا يزال حتى الآن مجهول المصير.

_ بالرغم من تنفيذها لـ 110 مهمة إخلاء مصاب خلال حرب تموز / يوليو من العام 2006، إلا أنها كانت ترفض الكثير من المهام الليلية أو التواجد في مناطق الاشتباكات القوية، بل كانت تنسحب عند حصول أي إطلاق نار في المكان الذي ستنفذ فيه مهمة ما. وقد تعرضت العديد من المروحيات والأطقم التابعة لها، لنيران مضادة للدبابات والطائرات، في الجو وعلى الأرض. وعليه من غير المستبعد أن تتكرر هذه الحوادث في قطاع غزة أيضاً.

المصدر: موقع الخنادق




هآرتس: تقديس القتل العشوائي في غزة هو الهزيمة الثانية لإسرائيل

نقلت صحيفة هآرتس العبرية ما جرى في 7 أكتوبر عندما أمر “العميد باراك حيرام، دبابة بإطلاق النار على منزل في كيبوتس بئيري يحتجز فيه الإرهابيون 14 رهينة”. وقالت في تقرير بعنوان “تقديس القتل العشوائي في غزة هو الهزيمة الثانية لإسرائيل”، ترجمه موقع “الخنادق” أنه قد “اعترف بذلك دون أن يرمش له جفن”.

النص المترجم:

سعى أصدقاء من كيبوتس أور هانر إلى الاتصال بإيريس حاييم، التي كان ابنها يوتام واحدا من ثلاثة رهائن قتلوا برصاص جنود إسرائيليين بعد هروبهم من أسر حماس. عاش حاييم في مستوطنة ماسوا قبل أن ينتقل إلى الكيبوتس في العام الماضي. جلست شيفاه في موشاف شويفا. ولدهشة الكيبوتسات، قابلهم عند الباب موظف في مجلس ماتي يهودا الإقليمي، الذي عمل كحارس. وخلفها، كان المنزل مكتظاً بالرجال الذين يرتدون الكيبوت والنساء المحجبات. منذ 7 أكتوبر، أصبح حاييم سلاحاً استراتيجياً لليمين المسيحي الاستيطاني.

المعسكر الذي أخذ الأمة رهينة مصمم على دفع هذه الرسائل: يحظر انتقاد الحكومة. يحظر انتقاد جنود جيش الدفاع الإسرائيلي (على عكس قادته)، يحظر إنهاء القتال، الجنود والرهائن القتلى هم تضحية نبيلة مستحقة في طريق الخلاص، الطبق الفضي الذي ستقوم عليه دولة يهودا. بالنسبة لهذا المعسكر، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هو حمار المسيح، وهو أحمق مفيد. يحذرونه باستمرار من أن اليوم الذي يجرؤ فيه على وقف القتال هو اليوم الذي تسقط فيه حكومته.

لم يخضع نتنياهو حقاً ل “التطرف”، على الأقل ليس بطريقة أيديولوجية عميقة، لأن عقيدته الوحيدة هي البقاء في السلطة. في الماضي، تجنب العمليات العسكرية احتراماً للاتفاقية القائلة بأن الإسرائيليين حساسون لموت الجنود. لكن الخريطة تغيرت. تثبت استطلاعات الرأي أن القاعدة تريد الدم والنار وأعمدة الدخان. والأسوأ من ذلك كله، أن عدد الجثث اليومي يتم قبوله كأمر إلهي للمصير حتى خارج الناخبين الذين دعموا هذه الحكومة الكابوسية.

كما تم التضحية بالرهائن. بطل المعسكر المسيحي هو العميد باراك حيرام، الذي اعترف دون أن يرمش له جفن أنه أمر في 7 أكتوبر دبابة بإطلاق النار على منزل في كيبوتس بئيري يحتجز فيه الإرهابيون 14 رهينة. وقتل الجميع في القصف، باستثناء اثنين. قائد الفرقة الذي أصدر مثل هذا الأمر يجب أن يجلس في السجن. هناك خط مباشر من المقابلات الإعلامية المتكررة التي أجرتها إيريس حاييم إلى نهج حيرام. حيرام، بالمناسبة، أجرى مقابلة مريحة مع إيلانا ديان بعد السبت الأسود. مع بريق في عينيه، قال شعرياً عن رؤية احتلال قطاع غزة وقال، من وجهة نظره، إن الأمر لا يتعلق بالجيش، “ولكن شيء أبعد من ذلك، الشعب اليهودي”.

هذا موقف ميتافيزيقي أصولي، الحرب كخلاص. حيرام، الذي يعيش في مستوطنة تقوع، لا يتناسب مع كليشيهات المستوطن مع سترة عوزي وعلى غرار الجيش. ولد في حيفا، وتخرج من المدرسة الداخلية العسكرية في مدرسة ريالي وهو حليق الذقن. ينظر إليه على أنه التيار السائد.

ونشرت صحيفة نيويورك تايمز الحادث كجزء من تحقيق شامل في الهجوم الإرهابي في بئيري. في وسائل الإعلام الإسرائيلية، باستثناء هآرتس، لا يوجد مجال لانتقاد الجيش. ولا للنظر والتحدي للغرق في حرب عصابات في طين غزة، دون أفق دبلوماسي وتحت قيادة زعيم غير لائق.

وفي الوقت نفسه، أصبحت إسرائيل أكثر خشونة وغباء. تم تصوير الرئيس يتسحاق هرتسوغ هذا الأسبوع وهو يكتب “نحن نعتمد عليك” على قذيفة مدفعية متجهة إلى قطاع غزة. هذه رسالة فظيعة، بصرف النظر عن الضرر الذي تسببه صورة كهذه لمكانة إسرائيل الدولية المهتزة بالفعل. خدمت كضابط في سلاح المدفعية. المدفعية سلاح إحصائي، على عكس السلاح الموجه بدقة. وهو لا يميز بين الإرهابيين والنساء والأطفال وغيرهم من غير المقاتلين.

الصحافي تسفي يحزكيلي يكرر على القناة 13 الإخبارية أنه كان يجب أن يقتل 100,000 من سكان غزة في الضربة الافتتاحية للحرب، وأن كل واحد من سكان قطاع غزة البالغ عددهم 2 مليون نسمة مرتبط بحماس. هذه دعوة للإبادة الجماعية، ويحزكيلي هو حالياً المتحدث الأكثر شعبية في وسائل الإعلام الإسرائيلية (رسوم المحاضرة: 20,000 شيكل، أو 5,523 دولارا).

إن المجتمع الذي يقدس الموت والقتل العشوائي يفقد تفوقه الأخلاقي ومبرر وجوده. هذه هي الضربة الهائلة الثانية التي توجهها حماس للهبوط علينا، وهي أكثر فظاعة من الأولى.


المصدر: هآرتس

ترجمة: موقع الخنادق




غسان سلامة لـ«الشرق الأوسط»: عناصر حل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني لم تكتمل بعد

اتفاق «الطائف» اللبناني ليس كتاباً مقدساً… و«موسيقى ناعمة» تسمع من بكين

كما في نهاية كل عام، ثمة وقفة يُطرح خلالها كثير من الأسئلة حول ما حملته أشهر العام الماضي من أحداث ستبقى في الأذهان، وسيكون لها أثرها على المقبل من الأيام. ولكن أيضاً حول ما حضرته للعام الجديد من مفاجآت وتحديات ومصائب. وللتوقف عند ما قضى، واستجلاء ما سيأتي، قصدنا الدكتور غسان سلامة، الوزير السابق والأستاذ الجامعي وصاحب المؤلفات الكثيرة في العلاقات الدولية، والذي عمل للأمم المتحدة في العراق وليبيا وميانمار.

والحوار مع الدكتور سلامة ليس عملاً مثرياً بذاته بالنظر لقدراته التحليلية المرتكزة إلى متابعة دقيقة واتصالات رفيعة المستوى، بل هو أيضاً متعة حقيقية بفضل وضوح الرؤية لديه ووضوح ودقة التعبير. وفي جلسة مطولة استضاف خلالها «الشرق الأوسط» بباريس، كانت جولة واسعة على شؤون العالم العربي وعلى حالة العالم اليوم وما ستكون عليه غداً: من حرب غزة إلى حرب أوكرانيا مروراً بأوجاع العالم العربي، وصولاً الى المنافسة البنيوية بين الولايات المتحدة الأميركية والصين وتحول الثقل العالمي نحو الشرق وفشل مجلس الأمن الدولي في القيام بالمهمة المنوطة به منذ تأسيسه؛ وهي الحفاظ على السلم العالمي وأسباب تقاعسه، كلها ملفات طرحت مع الدكتور غسان سلامة الذي تناولها بعمق. وفيما يلي نص الحوار:

نظرة سريعة على عام 2023

* بعد أيام قليلة نودع عام 2023 ونستقبل عام 2024. سنغوص لاحقاً في التحديات التي يطرحها العام الجديد أكان بالنسبة للعالم العربي أو بشكل عام. ولكن قبل ذلك؛ سؤالي الأول يتناول المحطات اللافتة التي توقفت أو تتوقف عندها في العام المنتهي…

– في العام المنتهي يكاد يكون استمراراً لما سبقه أكثر مما هو انفتاح على ما هو لاحق. أولاً، من الناحية الاقتصادية نرى أن العام المذكور كان إجمالاً إيجابياً بعد سنة 2022 التي كانت سلبية للغاية بالنسبة للاقتصاد العالمي. فقد شهدنا عودة الصين إلى السوق العالمية، ورأينا نمواً ولو ضعيفاً في الدول الغربية بالتوازي مع محاربة كثيفة للتضخم في مختلف اقتصادات العالم. واللافت أن الدول النامية لم تتأثر كثيراً بحرب أوكرانيا، لأن موسم 2023 من الحبوب كان جيداً للغاية. لذلك فإن عدم تمكن روسيا، خصوصاً أوكرانيا من تصدير الحبوب بصورة كافية لم يؤثر كثيراً على أسعار الحبوب، لا سيما أسعار القمح. وبالطبع، هذا أمر مهم لأن عدم توافر القمح وارتفاع أسعاره يفضيان، في كثير من الدول، إلى انتفاضات وثورات واضطرابات بالشارع.

إذن أعتقد أن الحكومات نجحت في تجنب هذا الهم الكبير باعتبار أن موسم الحبوب في السنتين الماضيتين كان جيداً في كل أنحاء العالم. من ناحية أخرى، رأينا أن حرب أوكرانيا التي انطلقت في شهر فبراير (شباط) من عام 2022، وتواصلت في العام الذي يليه دون توقف، تميزت بأمر أساسي؛ وهو أن الهجوم المضاد الذي حاولت أوكرانيا أن تقوم به ضد القوات الروسية في الدونباس فشل، ولم تتمكن أوكرانيا إلا من استعادة مساحات قليلة، ما يعني أن وضع الرئيس الأوكراني الذي كان يراهن كثيراً على نجاح هذا الهجوم المضاد قد ضعف. هو اليوم في فوهة المدفع كما يقال. وشهدنا، من الناحية الأخرى، تمكن بوتين من القضاء على نوع من الانتفاضة التي قام بها مؤسس حركة «فاغنر»، التي فاجأت الجميع بحصولها وبسهولة انطلاقها من جنوب روسيا نحو موسكو دون أن يوقفها أحد. لكنه بعد شهرين من ذلك، توفي مؤسس «فاغنر» في حادث جوي.

من جانبه، استمر الرئيس بوتين باللعب على ورقة يعدّها رابحة، وهو الوقت الذي يرى أنه يعمل لصالحه، إذ إن لديه إمكانات صناعية ذاتية لتأمين جيشه، بينما لأوكرانيا إمكانات خارجية فقط، حيث إنها تعتمد على الدعم الخارجي في الأعتدة والسلاح.

عام 2023 شهد أيضاً أمراً مهماً في أفريقيا؛ وهو عودة الانقلابات العسكرية في 8 من دولها، ما يعني أن أفريقيا تتراجع في الديمقراطية لمصلحة الأنظمة التسلطية العسكرية. ومعظم هذه الأنظمة التي تم الانقلاب عليها عسكرياً في منطقة الساحل. والجزء الثاني من الصورة هناك هو، عملياً، طرد الوجود العسكري الفرنسي من دول مثل بوركينا فاسو ومالي والنيجر، وغيرها، وهو أمر له بعد تاريخي لأن عدداً من القواعد العسكرية الفرنسية التي أقفلت عمرها أكثر من 30 أو 40 عاماً. إذن هناك انحسار حقيقي للنفوذ الفرنسي في منطقة الساحل. وآخر تجلياته بالأمس انتهاء الانسحاب العسكري الفرنسي من النيجر وإغلاق السفارة.

من العناصر الأخرى المثيرة للانتباه طبعاً عودة الشعبوية بكثرة إلى أميركا اللاتينية، لا سيما في انتخابات الأرجنتين التي جاءت بشخص شعبوي بامتياز إلى رئاسة الجمهورية. لكن الحدث الأبرز بالنسبة لنا، عربياً، كان ولا شك حرب غزة التي سنتوقف لاحقاً ملياً عندها.

أما في أنحاء العالم الأخرى فالجميع يتهيأ للعام المقبل الذي سيكون بامتياز عام الانتخابات، إذ سيحصل أكثر من 60 انتخاباً وطنياً؛ في الولايات المتحدة، في الهند، في جنوب أفريقيا، وفي دول كثيرة بالعالم. أما في الاتحاد الأوروبي، فستحصل انتخابات البرلمان الأوروبي. إذن السنة المقبلة هي سنة الانتخابات الكبيرة، وبالتالي هي سنة تأثر السياسة الخارجية بالحسابات الانتخابية الداخلية، وهو ما لم نعرفه كثيراً في 2023.

أمراض البلدان العربية

* بالنظر لمنطقتنا من لبنان إلى سوريا إلى العراق وليبيا واليمن وتونس وحتى السودان، لوجدنا أزمات متعددة ومختلفة. هل هناك علة واحدة يمكن أن تبين أسباب هذه التمزقات أم هناك مجموعة من العلل؟ ما هي؟ وكيف الخروج منها؟

– حقيقة الأمر أن هناك جوانب متشابهة لعدد من الأزمات، ولكن أيضاً هناك جوانب خاصة بكل بلد. فيما خص الجوانب المتشابهة، علينا أن نشير أولاً إلى أننا ندفع ثمن الانفجار السكاني الذي حصل في القرن العشرين بمختلف هذه البلدان. هذا الانفجار تضاءل بعض الشيء في القرن الحادي والعشرين، لكن أنت تشعر بخطورته عندما تصل أجيال ذلك الانفجار إلى سن العشرين أو سن الثلاثين، وتجد صعوبة في العثور على عمل. لذا، نحن نشهد وندفع أولاً وأساساً كلفة الانفجار السكاني الذي حصل في العقود الأخيرة من القرن العشرين، والذي حمل إلى سوق العمل شباباً وشابات مؤهلين تلقوا تعليمهم في الجامعات والمعاهد… ولذلك فإن اشمئزازهم من عجزهم عن الحصول على العمل أكبر من اشمئزاز الذين لم يتعلموا ولم يتدربوا.

هذا أمر عام في أنحاء المنطقة من المغرب إلى العراق، مروراً بمصر وتونس وغيرها من البلدان. وهناك سبب ثانٍ مهم في نظري؛ وهو أن العقد السابق من القرن الحادي والعشرين شهد نوعاً من الأمل بالتغيير من خلال ما سمي «الربيع العربي» الذي رأينا تداعياته تقريباً في نصف الدول العربية بينها مصر وتونس والجزائر وسوريا واليمن وغيرها من البلدان. هذا الأمل تحطم. ربما كان أملاً كاذباً منذ اليوم الأول.

أنا لا أريد الدخول بالتفاصيل هنا، ولكن من دون أي شك كان هناك أمل خصوصاً بالنسبة للشباب. وهذا الأمل تحطم، وحل مكان الأنظمة التي كان يسعى هؤلاء الشبان إلى تغييرها؛ إما أنظمة أكثر تسلطية من الأنظمة التي سقطت في الربيع العربي، أو اندلعت حروب أهلية دامية في عدد من البلدان وما زال بعضها جارياً حتى الساعة، لا سيما في دول مثل سوريا واليمن وغيرهما. هذا هو العنصر الثاني الجامع أو لنسميه «العابر للحدود» العربية كلها. والعنصر الثالث هو الدور الصعب الذي لعبه الإسلام السياسي في عدد من هذه البلدان، بمعنى أن الإسلام السياسي تمكن من الوصول إلى عتبة السلطة بالانتخاب، كما انتخاب محمد مرسي في مصر مثلاً، أو فوز النهضة بالانتخابات في تونس، أو عبر وسائل وطرق أخرى. ولكن الإسلام السياسي بدا كأنه على الخواء نفسه الذي نجده عند الأحزاب الأخرى أو عند الأنظمة القائمة: الخواء في المشروعات الاقتصادية والإنمائية، الخواء في المشروعات الاجتماعية… لا يكفي أن تقول إن الإسلام هو الحل. يجب أن يعرض الحلول العملية التي يقدمها. ورأينا ذلك مثلاً في مصر أو في تونس. أما الأحزاب العلمانية أو غير الإسلامية فقد بدت لنا أنها خاوية أيضاً. هذه بنظري العناصر العابرة لمختلف الدول العربية.

بيد أنني أريد أن أسأل: هل الأزمات التي تلم بهذه البلدان أمر طبيعي أم غير طبيعي؟ أنا أعتقد أن الأمر طبيعي أكثر مما نعترف به. علينا أن نسأل: بمن نقارن هذه الدول لنقول إنها دول مأزومة؟ هل لم تكن مأزومة في السابق وأصبحت مأزومة الآن؟ جوابي بالنفي. لقد كانت ربما مستقرة وهادئة ولكنها مأزومة. ما حصل الآن أن هذه الأزمات ظهرت إلى السطح وأضحت مجال تناول وبحث وتمحيص.

لا شك أن لكل بلد هناك خصوصياته. ولكن ما يتعين التوقف عنده أن رد الأزمات إلى التدخلات الخارجية من أسهل الأمور لأنها قابلة للرصد بسهولة. ولكنني تعلمت من تجاربي في العراق ولبنان وليبيا، أمراً مهماً؛ وهو أن الديناميات الداخلية أصعب قراءة من التدخلات الخارجية. هي في معظم الأحيان أساسية وأكثر خطورة على تطور البلدان. هذا ما يحصل في قراءة الأحداث بالمنطقة العربية حيث نركز على التدخلات الخارجية، لأننا نتمكن بسهولة من رصدها فيما فهم الديناميات الداخلية أساسي، لأنها في معظم الأحيان جوهر الموضوع أكبر بكثير من التدخلات الخارجية، لا سيما أن القوى الداخلية في الدول المأزومة أو الدول التي تمر بحروب هي التي تستدعي التدخلات الخارجية، وتوفر لها التربة الخصبة وهي التي تضع حداً لها إذا شاءت، وبالتالي فإن التدخلات الخارجية لا تحصل من فراغ. لذلك على الإعلام، وأيضاً على المراقبين السياسيين والدبلوماسيين، أن يكسروا هذه الآلية السهلة.

مصير الصيغة اللبنانية

* سنترك القراءة العامة وسندخل في التفاصيل بدءاً بلبنان حيث الأزمات تتراكم: دستورية، ومؤسساتية، وسياسية، واجتماعية، ومالية… سؤالي جذري: هل يعني تتابع وتوالي واستمرار هذه الأزمات أن ما يسمى «الصيغة اللبنانية» لم تعد قابلة للحياة وما يمكن أن يكون البديل عنها؟

– سؤالك جذري، وجوابي لن يكون أقل جذرية. لقد شاءت الظروف أن يكون لي دور متواضع في بلورة اتفاق الطائف، حيث عملت إلى جانب اللجنة العربية التي كانت تبحث آنذاك في عام 1989 عن حل. وأود التأكيد بادئ ذي بدء أنه لم يخطر ببالنا أبداً، لا اللجنة العربية ولا موفدها السيد الأخضر الإبراهيمي ولا مستشارها غسان سلامة يوماً، أننا نعمل للتوصل إلى النموذج الدستوري المثالي والأفضل للبنان. كنا نسعى للخروج من الحرب، لوضع حد للقصف العنيف والقتل والدمار. باختصار، كنا نبحث عن صيغة انتقالية تسمح بوقف الحرب من خلال تهدئة الميليشيات المتقاتلة، وأيضاً الطرف السوري الذي كان منخرطاً فيها.

من هنا، أرى أن التمسك اللاهوتي باتفاق الطائف في غير مكانه. في الطائف، كنا نأمل، بعد وقف الحرب، أن يدخل لبنان في مرحلة سلم واستقرار وبحبوحة تسمح لأبنائه بأن يفكروا بما هو النظام الأمثل الذي يصبون إليه. هذا التصحيح ضروري، لأن هناك من حول اتفاق الطائف إلى كتاب مقدس. هو ليس كتاباً مقدساً، هو مفيد وكان مفيداً في حينه، وأنا فخور بأنني شاركت فيه.

ثانياً، إن بلداً يحتاج لسنة أو سنتين أو 3 ليختار رئيساً للجمهورية في كل مرة يشغر ذلك المنصب، ويحتاج لأشهر وأشهر لتأليف حكومته، ويحتاج لأشهر وأشهر للتفاهم على التمديد لقائد جيش، كما يحتاج لأشهر لتعيين موظف على رأس مصرفه المركزي، هذا البلد يعاني من نظام لا يناسبه. النظام الحالي في لبنان لا يناسب مصلحة اللبنانيين. هذا جوابي الجذري على سؤالك الجذري.

أما البديل، فالمشكلة ليست فيه، بل في إيجاد الوقت والظروف المناسبين لفتح هذا الملف. ثمة حاجة لتوافر ظروف من الاستقرار الداخلي ومن الاحتضان الخارجي ومن تغير الأفئدة والأفكار التي تسمح بالتوافق على نظام جديد. الآن، تسود في لبنان ظروف لم تعد مناسبة لفتح هذا الملف. لذلك أنا لا أعترض على حلول ترقيعية مثل انتخاب رئيس جمهورية بما تيسر، أو تأليف حكومة بما تيسر. لكن يتعين أن تكون مهمتهم الأولى، بعد إعادة تسيير المؤسسات، العمل على فتح الملف الدستوري من أساسه: هل نريد فعلاً نظاماً أكثر لامركزية أو نظاماً أكثر مركزية؟ يتضمن اتفاق الطائف دعوة للامركزية. لكن ثمة من يتخوف من تفتت الدولة ويتمسك بالمركزية.

ثم هناك سؤال آخر مهم خصوصاً في جو طائفي مشحون. صحيح، إن اتفاق الطائف يقول بإلغاء الطائفية السياسية وإن هذا يبدأ من مجلس النواب. ورأيي أن هذا خطأ، إذ أرى أن يبدأ إلغاء الطائفية أولاً من الإدارة العامة ومن الحكومة ثانياً ومن الرئاسات ثالثاً، وأخيراً من مجلس النواب. لماذا؟ لأن مجلس النواب هو السلطة الوحيدة المنتخبة وبالتالي، في مرحلة الانتقال من نظام طائفي إلى نظام لا طائفي، نحن بحاجة لهيئة دستورية يعترف بها الناس ويعدّون أنها من صنعهم لكي تحميهم في هذه المرحلة الانتقالية التي قد تثير القلق لدى كثير منهم.

هناك موضوع ثالث لا يقل أهمية؛ وهو أن الخلاف في لبنان على المواضيع الكبرى وليس على المواضيع الصغرى. لذلك من يدعو اليوم مثلاً لإلغاء إحدى الطبقات في الإدارة العامة (القضاء أو المحافظة لأن البلد صغير) ربما لا يجيب عن السؤال الأساسي الذي يتناول الثقافة السياسية في لبنان التي هي في حالة مزرية، لدرجة أنها غير قادرة على تقبل فكرة الدولة. ربما أن اللبنانيين تعودوا، أكثر من اللازم، على الحياة من دون دولة وعلى مجتمع من دون دولة.

* لكن اللبنانيين نزلوا بعشرات الآلاف إلى الشوارع والساحات احتجاجاً على غياب الدولة والفساد وأزمة المصارف…

– صحيح أن الآلاف من الأشخاص نزلوا إلى الشوارع والساحات لكنه ليس أمراً خاصاً بلبنان. ما نراه الآن في مختلف أنحاء العالم هو أن وسائل التواصل الاجتماعي تسهل جداً تعبئة الناس وإنزالهم إلى الشارع، لكنها أيضاً وسائل كاذبة. قد تتمكن من إنزال الملايين في بلد ما ولا تصل إلى نتيجة. لماذا؟ لأن التعبئة المجتمعية على أساس التواصل الاجتماعي تؤدي إلى نوع من التعبئة الأفقية، ولكنها لا تؤدي إلى ظهور قيادات ولا تؤدي إلى تبني برامج واضحة بديلة عن برامج السلطة القائمة، وبالتالي هي مثيرة للإعجاب بحجمها أو بقدرتها على تعبئة أكبر عدد ممكن من الناس، ولكنها تثير الخيبة والمرارة لأنها عاجزة عن أن تتوصل إلى برنامج حكم أو إلى إفراز قادة جدد.

وإجمالاً، التركيز على الجانب الأفقي وعلى التعاضد الأفقي يصبح نوعاً من المرض الواسع في وسط هذه المظاهرات. هم لا يريدون أن يظهر قادة يأخذون مكان القادة الموجودين. لكن لا مناص في أي تغيير سياسي من وجوه جديدة تحل محل من هم في السلطة، ولا مناص من وجود برنامج متفق عليه يختلف عن برنامج المتربعين في السلطة. التعبئة على أساس «السوشيال ميديا» تعبئة سهلة مثيرة للإعجاب، ولكنها في معظم الأحيان دون نتيجة.

حرب غزة وحل الدولتين

* لو جئنا إلى حرب غزة، لدي سؤال مثلث الأضلع: أولاً؛ كيف يمكن أن تنتهي هذه الحرب؟ ثانياً؛ هل عودة الحديث عن حل الدولتين أمر جدي أم بيع أوهام للفلسطينيين؟ ثالثاً؛ هل يمكن الرهان على وجود إرادة أميركية حقيقية للذهاب إلى حل سياسي معروفة محدداته؟

– بدوري أطرح تساؤلاً: هل الطرف الفلسطيني جاهز لكي يلعب هذا الدور التاريخي كحاضن لدولة فلسطينية ممكنة؟ جوابي هو لا. «حماس» غير مقبولة، والسلطة غير قادرة، وبالتالي نحن أمام خواء فلسطيني. ثمة حاجة لمخاطبة طرف فلسطيني جديد مقبول، لديه صدقية وليس فقط لديه شرعية السلطة الفلسطينية (وفقاً لاتفاقات أوسلو). لكن الواقعية تقضي بأن نقول إنه ليست لديها صدقية.

وفي الجانب المقابل، ثمة حاجة أيضاً لطرف إسرائيلي. والحال أنه غير موجود، إذ هناك حكومة متطرفة جداً تتبنى رفض فكرة الدولتين بصورة واضحة وصريحة، ليس فقط على لسان المتطرفين فيها مثل سموتريتش، ولكن على لسان رئيسها بنفسه. وهناك أيضاً مجلس حرب يتميز بالتشدد الكبير. وفي زيارته إلى إسرائيل في الأسبوع الأول من الحرب، فوجئ الرئيس بايدن بأن النظرية القديمة التي تقول إن جنرالات إسرائيل هم أقل تطرفاً من السياسيين ليست صحيحة في هذه الحرب، إذ إن الجنرالات الذين دخلوا إلى مجلس الحرب قد يكونون أكثر تطرفاً من نتنياهو نفسه في تحديد أهداف الحرب. لماذا؟ لأن هؤلاء مهووسون باستعادة قدرة الردع التي فقدها الجيش الإسرائيلي، وهو أمر قد لا يهم نتنياهو كثيراً.

ثالثاً، الحل بحاجة لوسيط لأمور الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. الوسيط الوحيد اليوم الذي لديه وسائل ضغط على الطرف الإسرائيلي هو الولايات المتحدة. نشرت حاملات طائرات لردع خصوم إسرائيل كما قررت أن تمدها، إلى جانب المليارات الأربع السنوية بـ14 مليار إضافية. وهي، ثالثاً، تمنع تكراراً مجلس الأمن من أن يصوت على مشروع قرار يقبله الأعضاء الـ14 بالنسبة وترفضه هي. إذن لدى واشنطن وسائل ضغط حقيقية ليست موجودة عند أي طرف آخر، لا الصين ولا أوروبا.

لكن المشكلة أن الوسيط (أي الأميركي) مفقود. لماذا؟ أولاً لأن بايدن تميز كسيناتور، خلال 40 عاماً من حياته، بالاصطفاف المطلق وراء مصالح إسرائيل، وهو لم يتغير كرئيس رغم البرنامج الذي أوصله إلى الحكم. بايدن شخص مؤيد لإسرائيل أكثر من كل معاونيه دون استثناء. وإني أتحدث في هذا المجال عن معرفة وليس عن تبصر. وبايدن مكبل اليدين لأنه دخل في السنة الأخيرة من ولايته الأولى وولج المعركة الانتخابية، حيث هناك أصوات شبابية تدعوه إلى أن يكون أقل تطرفاً في الصراع. ولكن، بالمقابل، هو بحاجة لتمويل قد يأتي أو سيأتي من مصادر تدعوه للاستمرار في هذا الموقف المتشدد إلى جانب إسرائيل.

البحث عن «أفق سياسي» للفلسطينيين بحاجة لـ3 أطراف، ليس هناك أي منها في حالة مناسبة لكي يلعب الدور المنوط به. لذلك أنا أميل للتشاؤم، كما أتخوف من توسع رقعة الحرب بحيث تستمر في غزة لأسابيع وأسابيع مقبلة، وأن تنتقل أيضاً إلى الضفة الغربية، حيث التوتر بلغ أوجه، لا سيما بعد قتل أكثر من 300 فلسطيني وطرد الفلسطينيين من عدد من القرى. وقد تنطلق الحرب أيضاً بجنوب لبنان، لأن في إسرائيل هناك من يقول اليوم إن الحالة ممتازة للقيام بحرب في لبنان: 80 ألف إسرائيلي أجلوا عن الجليل الأعلى، وعدد كبير من المدنيين غادروا منازلهم في جنوب لبنان، بحيث أصبحت الساحة خالية من المدنيين.

في إسرائيل أصوات ترتفع وتدعو للحرب في لبنان، ومنها وزير الدفاع يوآف غالانت. لكن الأميركيين، حتى الساعة رغم تأييدهم لإسرائيل واستمرارها في الحرب في غزة، ما زالوا يعارضون فتح جبهة الشمال. بايدن أبلغهم بذلك في الأسبوع الأول من الحرب وعندما عادت نغمتها مجدداً للتداول منذ نحو أسبوعين، كررت الإدارة الأميركية رسمياً أنها ما زالت عند موقفها المعارض لفتح جبهة لبنان. لكن الخطر يبقى قائماً أولاً، لأن إسرائيل لا تطيع أميركا في كل الحالات، وثانياً لأن المناوشات الجارية في لبنان يومياً قد تتجاوز رغبة الطرفين بإبقاء النار هادئة أو بإبقاء النار تحت السيطرة وقد يحصل سوء تفاهم أو سوء تفسير، ويتم تجاوز الخطوط الحمر لقواعد الاشتباك التي تم التوصل إليها.

إصلاح مجلس الأمن

* بعد ما يزيد على 70 يوماً على حرب غزة وسقوط ما يزيد على 20 ألف قتيل وآلاف الجرحى، وتدمير المستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس، عجز مجلس الأمن عن وقف المجزرة من خلال إصدار قرار بوقف إطلاق النار ولو لأغراض إنسانية. والحال أن الأمم المتحدة أوجدت أساساً للحفاظ على السلم في العالم. فما فائدة هذه المنظمة الدولية اليوم؟

– هذا سؤال يطرح لدى اندلاع كل أزمة ويطرح اليوم في موضوع غزة بصورة أوضح، إذ حصلت محاولات للتوصل إلى وقف إطلاق النار في مجلس الأمن، من قبل البرازيل ومن قبل روسيا ومن قبل دولة الإمارات، ولم تصل إلى نتيجة. الأمم المتحدة أرخبيل من المؤسسات التي لا تعمل بالضرورة بالتنسيق فيما بينها. أنا أنظر إلى غزة وأشيد بالدور الذي تقوم به منظمات الأمم المتحدة. كذلك أريد تحية أمينها العام أنطونيو غوتيريش الذي قامت الدنيا عليه ولم تقعد حتى الساعة بسبب جملة واحدة قالها، وهي أن هجوم «حماس» يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) «لم يحصل من فراغ».

منظمات الأمم المتحدة المختلفة تنشط في غزة، وهي جزء حقيقي من الأمم المتحدة. وفي الجمعية العامة تحظى فلسطين بأكثرية مؤيدة لها. لسوء الحظ، قرارات الجمعية العامة ليست تنفيذية، ولكنّ لديها قدراً من الوزن السياسي، وبالتالي فإن الارتقاء بهذه المؤسسة إلى شيء آخر أمر يبدو ضرورياً يوماً بعد يوم، لكي تكون منظمة الأمم المتحدة أكثر تمثيلاً للعالم، كما هو اليوم، وليس كما أريد له أن يكون عام 1945.

بقي مجلس الأمن وخطيئته الأصلية اسمها «الفيتو». هذا «الفيتو»، بمعنى من المعاني، جعل الدول الكبرى تهتم بمجلس الأمن وتريده أن يبقى قلب نظام الأمم المتحدة. لكننا دفعنا لهذه الدول ثمناً غالياً بمنحها حق «الفيتو». أزمة غزة وقبلها أزمة أوكرانيا زادتا من الشعور بضرورة تغيير تركيبة مجلس الأمن، إما بحصر حق «الفيتو» بحالات معينة أو بمنعه تماماً في حالات إنسانية صعبة، أو بإعطاء عدد محدود من إمكانات استعماله خلال السنة الواحدة لكل دولة أو بإعطاء حق «الفيتو» لدول جديدة لديها وزن في النظام العالمي مثل الهند أو البرازيل أو الاتحاد الأفريقي، جرت محاولات عديدة لإصلاح مجلس الأمن، لكنها فشلت لأن الدول الخمس صاحبة حق «الفيتو» عارضتها. كثيرة هي الدول التي ترى أن نظام مجلس الأمن غير تمثيلي وغير عادل، بل إنه يعمل بمبدأ التمايز بين الدول.

* لكن ضمن أي شروط وفي أي ظروف يمكن أن يحصل الإصلاح المطلوب، علماً بأن هناك العشرات من مشروعات الإصلاح طرحت من 30 أو 40 سنة حتى اليوم…

– هناك نوع من غضبة عالمية على المنظمات الدولية، وهذا لا ينحصر فقط بمجلس الأمن، ولكن يتناول صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وهما أيضاً نشآ في عام 1945، وهما أيضاً قائمان على اللامساواة بين الدول في إداراتها، وهناك غضبة تحملها دول مثل الصين والبرازيل، وطبعاً الهند ودول أخرى مما يسمى «الجنوب الشامل». ولكن المشكلة الكبرى أن بين هذه الدول كم من الخلافات المتعددة: بين الصين والهند ثمة أكثر من 30 نقطة خلافية على حدودهما، وهناك تنافس على النفوذ بينهما في المحيطين الهندي والهادي. وهناك تشجيع هائل حالياً من الغرب للهند لكي تقف بوجه الصين. ولو جئنا لتمثيل الأفارقة فأنا أسأل: هل يمثلهم الاتحاد الأفريقي؟ الاتحاد الأفريقي فشل في حل كثير من المشاكل. هل تتمثل أفريقيا بدولة، وما هذه الدولة؟ جنوب أفريقيا، نيجيريا، إثيوبيا، مصر؟ ثم ننتقل إلى أوروبا ونسأل: هل يتعين ضم ألمانيا؟ وهل تقبل إيطاليا بذلك؟ ثم هناك 3 دول أوروبية دائمة العضوية (فرنسا وبريطانيا وروسيا التي هي دولة أوروبية أيضاً) فهل يتعين ضم دولة رابعة؟

ثمة مشاكل كبيرة بين الدول الراغبة في إحداث تغيير بالمجلس المذكور بشأن مواضيع قد تكون أكثر أهمية لهم مما يمنعهم من التفاهم على التوافق إزاء إصلاح المنظمات الدولية. لذلك بدأنا نسمع نوعاً من «الموسيقى الناعمة» في أنحاء العالم التي انطلقت من بكين، وهي أن كل هذه الأنظمة قد لا تكون قابلة للإصلاح، وبالتالي لماذا لا نقوم بإنشاء صندوق نقد خاص بالدول النامية وبنك دولي بديل عن البنك الدولي؟ ولماذا، في حالة أخرى لا ننشئ ربما مجلساً للأمن يوازي في تمثيله أو يتفوق على مجلس الأمن الراهن؟

تعريف «الجنوب الشامل» مرتبك

* يكثر الحديث منذ سنوات قليلة عن مفهوم «الجنوب الشامل». ما المقصود به؟ هل هو النموذج المناقض للنموذج الغربي الليبرالي؟ وما يمكن أن يؤدي إليه بشكل عملي؟

– تعريف مفهوم «الجنوب الشامل» ما زال مرتبكاً، إذ توضع فيه دول لا علاقة لها ببعضها. الصين أصبحت دولة عظمى. فهل هي جزء من الجنوب مثل زيمبابوي أو لبنان؟ هل روسيا جزء من الجنوب رغم أنها، ديموغرافياً، دولة بيضاء وجغرافياً أكثر من نصفها في أوروبا، فضلاً عن أنها تملك سلاحاً نووياً؟

في الحقيقة هناك صيغ أخرى استعملت للتعبير عن الشيء نفسه مثل دول عدم الانحياز أو مجموعة 127 في الجمعية العامة، ثم سميت كذلك «الجنوب الشامل» في تعبير شهير للويس أندرسن، حيث يعني «ما تبقى» من دول العالم. قيل إن «البريكس» هو التعبير المؤسسي عن الجنوب الشامل. والحال هناك خلافات بين الهند والصين وروسيا. الصين تريد أن توسع الإطار والهند تريد أن تبقيه ضيقاً. ثم إن «البريكس» نشأ سنة 2009 وليس لديه حتى اليوم موقع إلكتروني يمكن أن تعتمد عليه، كما أنه يفتقر لأمانة عامة دائمة. كذلك ليس لـ«البريكس» برنامج ولا حد أدنى من التوافق، باستثناء نوع من الخيبة أو من الغضب على الغرب، وهو يفتقر لرابط كافٍ سياسياً ومؤسسياً.

الآن، هناك دول مصرة على فكرة «الجنوب الشامل»، لا سيما الهند، لأنها تعطيها دوراً رائداً، وهي تريد تحديده باستثناء الغرب منه واستثناء الدول الكبرى منه، لا سيما روسيا والصين لتبقى هي في موقع متميز داخل هذه المجموعة.

حرب أوكرانيا على طريق التجميد

* كشفت الحرب الروسية على أوكرانيا هشاشة البنية الأمنية في أوروبا، وبينت مخاوف موسكو من جهة، وطموحاتها من جهة أخرى. بعد أقل من عامين قليلاً على اندلاعها، ما التحولات العميقة البنيوية التي ستفضي إليها؟ وما صورة الهندسة الأمنية المقبلة في القارة القديمة؟

– أعتقد أن الرئيس بوتين مصيب في حساباته، بمعنى أن الوقت يعمل لصالحه، لأن الإمدادات العسكرية متوافرة، ولأن إمكانية تعبئة عدد أكبر من الناس، على صعوبته في روسيا، أقل صعوبة مما هو في أوكرانيا. وميدانياً، تبدو استعادة كييف، الدونباس وشبه جزيرة القرم، في المرحلة الحالية، أمراً يصعب تصوره، وبالتالي ما سيحصل، على الأرجح، في هذه المناطق التي ضمت شكلاً إلى روسيا ولم يعترف بضمها أحد باستثناء بيلاروس وسوريا، هو التوجه نحو ما يسمى «تجميد النزاع».

حماسة الغربيين لدعم أوكرانيا بالسلاح والمال تراجعت، وهناك تيار قوي في الولايات المتحدة لا يريد استمرار الحرب، فضلاً عن احتمال انتخاب ترمب مجدداً للرئاسة. وبوتين يعلم تماماً أن من أولى أولوياته، عند وصوله، توقيف أي دعم لأوكرانيا. وربما يراهن بوتين على انتخاب بايدن، وقد يضع الحرب على نار هادئة حتى تاريخ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

أما بالنسبة لأوروبا فقد رأينا، من جهة أولى، أن هذه الأزمة حملت الاتحاد الأوروبي للمرة الأولى في تاريخه أن يوحد عملية شراء السلاح لإعطائه لأوكرانيا، رغم أن أمراً كهذا سيادي بامتياز. لذا، يمكن القول إن حرب أوكرانيا عززت وحدة الاتحاد الأوروبي. وثانياً، الحرب أنعشت الحلف الأطلسي بدخول فنلندا وبطلب انضمام السويد المتعثر حالياً بسبب رفض هنغاريا وتركيا لدخولها. وثالثاً أخرجت الحرب ألمانيا وعدداً من الدول الأخرى في أوروبا، لا سيما في أوروبا الشمالية من وهم نهاية التاريخ. وأعني بذلك أن هذه الدول كانت عملياً تنفق 1 في المائة من ناتجها القومي على الدفاع، وكانت تعد أن الحرب قد غادرت القارة العجوز نهائياً. لذا حرب أوكرانيا جعلتها تستفيق وتستعيد وعيها لتلمس أن نظرية «نهاية التاريخ» التي روج لها فوكوياما كانت مضللة.

هذا الوهم الأوروبي سقط. حرب أوكرانيا كانت هجوماً روسياً من دولة نووية تسعى في الأرجح؛ ليس فقط لزعزعة أوكرانيا، وإنما فكفكة الاتحاد الأوروبي من أساسه. الهجوم الروسي على أوكرانيا أخذ بعداً جيو استراتيجياً مباشراً، لأن دولة عظمى تسعى لاستعادة موضعها في النظام العالمي هاجمت بصورة واضحة دولة أوروبية.

* لكن ماذا بالنسبة للهندسة الأوروبية الأمنية المستقبلية؟ هل يمكن تصور شيء جديد في السنوات المقبلة؟

– هناك فكرة فرنسية قديمة تعود للجنرال ديغول؛ وهي فكرة «الاستقلال الاستراتيجي» التي تبناها ماكرون منذ اليوم الأول لوصوله إلى السلطة. لكن يجب علينا أن نعترف بأن فرنسا عجزت عن تسويقها في مختلف دول أوروبا، لأنه عند الحديث عن الأمن والاستراتيجية، هناك إقرار مسبق بضعف أوروبا بمواجهة روسيا أو بمواجهة الصين، وبالتالي تبرز الحاجة لاحتماء شبه تلقائي تحت المظلة الأميركية.

واضح الاختلاف في وجهات النظر الذي لم تنجح فرنسا في تجاوزه باستثناءات قليلة هنا وهناك. هناك أصداء قليلة في القارة العجوز تأخذ بعين الاعتبار وجهة نظر فرنسا. لكن ما يثير انتباهي أن استطلاعات الرأي في فرنسا باتت تميل أيضاً إلى الاحتماء بحلف شمال الأطلسي، رغم أن لفرنسا قدرة ردع نووية، لكنها متواضعة (نحو 60 رأساً نووياً)، ولا توازي هول المخزون الأميركي والروسي أو حتى الصيني. الصين لديها حالياً برنامج طموح لزيادة رؤوسها النووية إلى الضعفين قبل عام 2030.

الطموحات الصينية

* بعد فترة من التوتر الشديد، عاد التواصل الدبلوماسي والاجتماعات الرسمية بين الولايات المتحدة الأميركية والصين. هل هذا يعني أن التنافس المنهجي بين الجانبين يمكن احتواؤه؟ أم أن الأمور بين هاتين القوتين ذاهبة إلى مزيد من التصعيد؛ إن بسبب تايوان أو لأسباب أخرى متعددة؟

– بدأ عام 2023 بـ«البالون الصيني» فوق أميركا وكندا، وزعمت بكين أنه لأغراض مناخية، بينما الجانب الأميركي كان متأكداً أنه بالون تجسس، وما زال عند هذا الرأي. وانتهى العام المذكور بلقاء في نوفمبر الماضي، على هامش قمة «أبيك»، باجتماع الرئيسين بايدن وتشي جينبينغ. المتفائلون يقولون بدأ بسوء تفاهم، وانتهى العام بقدر من التفاهم. لكن الأسس البنيوية للتنافس الحاد بين الولايات المتحدة والصين ما زالت هي هي.

أعداء الصين يتخوفون من الشعور القومي النافر لدى الرئيس الصيني وطموحاته النووية ومن تعزيز بحريته العسكرية التي تتفوق راهناً على البحرية الأميركية بالعدد، وليس من ناحية القدرات أو التقدم. أما بالنسبة لتايوان، فلا أعتقد أنها السبب الرئيسي للتوتر بين الجانبين، أو أنها جوهر الموضوع. قد تكون فتيلاً، لكن جوهر الموضوع يكمن في مكان آخر وعنوانه مسيرة العولمة.

الولايات المتحدة، كما قال جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي والرجل القوي في البيت الأبيض، بصريح العبارة مراراً وتكراراً خلال العام الماضي، ما معناه، إننا توصلنا إلى قناعة بأن العولمة عملت ضد مصلحتنا لأنها قوت دولاً دون أن تؤدي إلى تبنيهم أنظمتنا السياسية الديمقراطية، وبالتالي أدت إلى متانة اقتصادية لدول تسلطية، وأدت أيضاً إلى شيء ثانٍ مهم؛ وهو معاقبة العامل أو الموظف في الدول المتقدمة، لأن العولمة أدخلته في تنافس غير شريف مع العامل أو الموظف في الدول النامية، فتراجع مدخوله وغضب على حكامه، وصوت لمن يسعى إلى سياسات حمائية وإلى إقفال الحدود وإلى معاقبة المهاجرين، وخصوصاً إلى وضع مكوس وضرائب على الواردات من الدول النامية.

الصين، في نظري، هي النموذج الأكبر لانتقال الأوزان في النظام العالمي من الغرب نحو آسيا، بسبب العولمة. ثم إن هناك أيضاً سنة انتخابية حاسمة في أميركا، حيث يعلم بايدن كما يعلم ترمب والمرشحون الآخرون أن الرأي العام الأميركي يؤيد تواصل التوتر واستمرار فرض الضرائب على البضائع الصينية، واستمرار تقليص رقع التعاون التكنولوجي والجامعي والبحثي بين البلدين، واستمرار اعتبار الصين المنافس الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة. إذن كان هناك أمر واحد يتفق عليه الحزبان الجمهوري والديمقراطي اليوم؛ هو موضوع الصين. ولأننا ندخل في عام انتخابي فلا أتوقع أن تتراجع خلال العام المقبل هذه العداوة للصين، لأن لديها صدى كبيراً لدى الناخب الأميركي، لا سيما لدى الموظف أو العامل في المؤسسات الاقتصادية الأميركية.

ميشال أبو نجم

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة بين إيران وأوراسيا

وقع وزير الصناعة والمعادن والتجارة الإيراني عباس علي أبادي، اليوم الإثنين، على اتفاقية التجارة الحرة بين إيران وأوراسيا.

وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن وزير الصناعة والمعادن والتجارة الإيراني عباس علي أبادي، وقع اليوم الإثنين، على اتفاقية التجارة الحرة بين إيران وأوراسيا.

ووقع نواب رؤساء وزراء بيلاروسيا وكازاخستان وروسيا وقرغيزستان وأرمينيا كأعضاء في اتحاد أوراسيا الاتفاقية على هامش قادة الدول الخمس في سانت بطرسبرغ.

ووصل وزير الصناعة والتعدين والتجارة الايراني عباس علي أبادي  إلى سانت بطرسبرغ بهدف اجراء مباحثات مع بعض مسؤولي اتحاد اوراسيا وتوقيع اتفاقية دائمة للتجارة الحرة مع دول الاتحاد.

ويرافق عباس علي أبادي نائب وزير الخارجية الايراني في الشؤون الاقتصادية مهدي صفري، ونائب وزير الصناعة والتعدين والتجارة الايراني مهدي ضيغمي. وكان في استقبالهم نائب حاكم سانت بطرسبرغ وسفير ايران في روسيا.

* اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوراسي ستوفر الأرضية لجعل التجارة الإيرانية عالمية

وكان السفير الإيراني لدى روسيا كاظم جلالي قد قال إن اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوراسي ستوفر الأرضية لجعل التجارة الإيرانية عالمية وستبطل فاعلية الحظر الجائر ضد البلاد.

وقال: إن توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوراسي خطوة أخرى لمساهمات إيران على الصعيد الآسيوي والإقليمي وستكتمل ببدء انضمام البلاد إلى مجموعة البريكس الأسبوع المقبل.

وأضاف أن هذه الاتفاقية ستوفر الأرضية لجعل تجارة إيران عالمية وستبطل فاعلية العقوبات الجائرة.

* إلغاء الرسوم الجمركية على 87% من البضائع في التجارة بين إيران وأوراسيا

وقال نائب رئيس تعزيز الأعمال الدولية في منظمة تنمية التجارة الإيرانية: مع التوقيع على الوثيقة النهائية لاتفاقية التجارة الحرة، سيتم الغاء 87٪ من التعريفة الجمركية للسلع التجارية لإيران والاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

وقال سيد محمد صادق قناد زاده: بعد أكثر من 3 سنوات وأكثر من 30 جولة من المفاوضات، تم التوصل إلى الوثيقة النهائية لاتفاقية التجارة الحرة بين إيران والدول الأعضاء في الاتحاد الأوراسي. وقد تم تقديمها اليوم على هامش قمة هذا الاتحاد في سان بطرسبرغ بروسيا، ووقعه وزير الصناعة والمعادن والتجارة الإيراني ووزراء تجارة 5 دول أعضاء في هذا الاتحاد.

وقال قناد زاده: إن اتفاقية التجارة الحرة بين إيران والاتحاد الأوراسي ستكون قابلة للتطبيق بعد إقرارها في برلمانات الدول الموقعة. ومع تنفيذ هذه الاتفاقية، سيتم الغاء 87٪ من التعريفة الجمركية للسلع التجارية لإيران والدول الاعضاء في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

* تصميم أعضاء أوراسيا وإيران على إزالة العقبات أمام تطوير التفاعلات التجارية

إن تصميم الدول الأوراسية وإيران يرتكز على خلق مجال للتفاعلات الاقتصادية والتجارية بين الجانبين وإزالة العقبات على أعلى المستويات. وهذه هي الرسالة الأهم في الاتفاقية الحالية للقطاع الخاص لدى الجانبين.

المصدر: وكالة تسنيم الدولية




رغم العراقيل الغربية.. روسيا تحقق أهدافها الاقتصادية للعام 2023 ونيّف

أشار وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف إلى أنه من المتوقع أن يسجل عجز الميزانية الروسية حتى نهاية العام الجاري 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي أو أقل من ذلك.

وقال سيلوانوف في مقابلة تلفزيونية أمس الثلاثاء: “لقد خططنا أن يتراجع العجز في العام الحالي (2023) لأقل من 3 تريليونات روبل وتحديدا 2.9 تريليون روبل، ونتوقع أن يتم تحقيق ذلك”.

وأضاف: “نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي سيكون العجز بالطبع أقل من 2%، نتوقع الآن عجزا عند 1.5%”.

كما رجح احتمال أن يكون عجز الميزانية الروسية دون مستوى 1.5% بنحو طفيف بعد إجراء تقييم لحجم الناتج المحلي الإجمالي.

وحسب قانون ميزانية روسيا للأعوام 2023 و2024 و2025، فمن المقرر أن تبلغ إيرادات الميزانية في العام الحالي 26.13 تريليون روبل (17.4% من الناتج المحلي الإجمالي)، أما النفقات عند 29.056 تريليون (19.4% من الناتج المحلي الإجمالي).

ومن المقرر أن يكون عجز الميزانية للعام الحالي 2023 عند 2.925 تريليون روبل أو 2% من حجم الناتج المحلي الإجمالي للبلاد هذا العام، ويعني ذلك أن الاقتصاد الروسي يتجه لتسجل عجز دون المستوى المستهدف.

كما من المتوقع أن ينمو الاقتصاد الروسي في العام 2023 بنسبة 3.5% معوضا خسائره في عام 2022.

وتحقق روسيا هذه النتائج الاقتصادية على الرغم من العقوبات واسعة النطاق التي فرضها الغرب عليها، ويؤكد ذلك أهمية روسيا الاقتصادية في ميزان الاقتصاد العالمي، وقوة اقتصادها واكتفاءها.

المصدر: RT + نوفوستي




المطالبة الإثيوبية بميناء على البحر الأحمر: الدوافع، والخلفيات، والتداعيات

تحاول هذه الورقة تحليل أجندة رئيس الوزراء الإثيوبي التي قادته إلى دفع ملف المطالبة بمنفذ على البحر الأحمر إلى صدارة المشهد الإثيوبي، والأبعاد المحلية والإقليمية والدولية الكامنة خلفها، وكذلك الحجج الإثيوبية المطروحة لدعم هذه الرؤية، وتختم بتأثيرها في تشكل تحالفات جديدة بدأت معالمها في الظهور.


“البحر الأحمر هو الحدود الطبيعية لإثيوبيا وسيظل كذلك”(1). بهذه الجملة يمكن اختصار خطاب رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والذي صرح فيه بضرورة الحديث العلني عن حق بلاده في الحصول على منفذ سيادي على البحر الأحمر.
هذا الخطاب لا يمكن فصله عن الحديث المتصاعد حول هذا الموضوع من نخب إثيوبية مختلفة؛ ما حوله إلى القضية الأكثر إشغالًا للرأي العام في البلاد، بما له من عمق وجداني في نفوس الإثيوبيين، كما أثار أيضًا قلق دول الجوار ومخاوفهم من الخطوات التي قد تتخذها أديس أبابا في سبيل تحقيق هذا الحلم.

تحاول هذه الورقة تحليل أجندة رئيس الوزراء الإثيوبي التي قادته إلى دفع هذا الملف إلى صدارة المشهد الإثيوبي، والأبعاد المحلية والإقليمية والدولية الكامنة خلفها، وكذلك الحجج الإثيوبية المطروحة لدعم هذه الرؤية، وتختم بتأثيرها في تشكل تحالفات جديدة بدأت معالمها في الظهور.

أولًا: دوافع رئيس الوزراء الإثيوبي

مثَّل الحصول على منفذ بحري لإثيوبيا هاجسًا أساسيًّا لرئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، منذ توليه منصبه عام 2018. ويمكن عزو انفتاحه على دول الجوار واتباعه سياسة تصفير المشاكل معها في حينه كمحاولة لخلق حالة من التكامل الاقتصادي في المنطقة تكون إثيوبيا فيها المحرك والمهيمن الاقتصادي مستفيدة من المنافذ البحرية التي توفرها دول الجوار، وهو ما يمثل أحد الأهداف الجوهرية للتحالف الثلاثي مع كل من إريتريا والصومال(2).

في نفس السياق عقدت إثيوبيا اتفاقيات متعلقة بالمواني مع الصومال والسودان وكينيا وغيرها، ولعل أهم هذه الخطوات كان توقيع اتفاقية مع هيئة موانئ دبي العالمية وأرض الصومال للاستحواذ على نسبة 19% من ميناء بربرة بأرض الصومال، عام 2018(3)، وهو ما لم يكتمل نتيجة عدم استيفاء إثيوبيا لشروط العقد في المدة المحددة عام 2022(4).

ولعل الثقة الإثيوبية في متانة تحالفاتها الإقليمية حينها واعتبارها مدخلًا للحصول على منفذ بحري كانت أحد الدوافع المهمة وراء إعادة إحياء سلاح البحرية الإثيوبي بالتعاون مع فرنسا(5) والإعلان عن نية أديس أبابا إنشاء قاعدة بحرية في جيبوتي(6).

غير أن الصيغة التي تبنَّاها أحمد في خطابه يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول بأن الحصول على منفذ بحري يعد “مسألة وجودية” لبلاده، وما فُهم في ثنايا خطابه من احتمال اللجوء للقوة لتحقيق هذه الغاية(7)، مثَّلا تصعيدًا في المقاربة التي كانت تطرحها إثيوبيا المرتكزة على مشاريع تعاون متبادل.

ورغم أنه تراجع عن التلميح باستخدام القوة(8) إلا أن الرسالة التي تضمنها خطابه تدفع إلى القول بأن تبني رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، لهذا الخطاب تقف خلفه مجموعة من الدوافع المتشابكة، تتداخل فيها العوامل المرتبطة بالداخل والخارج والطموحات الشخصية، ويمكن إيراد أهمها على الشكل التالي:
أ- داخليًّا

رفع شعبية رئيس الوزراء

بعزفه على وتر حق إثيوبيا في الحصول على منفذ بحري يخاطب رئيس الوزراء الإثيوبي بعض التطلعات الوطنية ذات العمق الوجداني الكبير داخل المجتمع الإثيوبي؛ إذ لطالما كان الوصول إلى البحر حلمًا إثيوبيًّا لا يموت.

إعادة هذه القضية إلى صدارة المشهد الإثيوبي لا يمكن عزلها عن تفكك التحالف الذي اعتمد عليه رئيس الوزراء الإثيوبي في الحكم لسنوات مع القوميين من الأمهرة والذي انتهى إلى عداء صريح على خلفية نتائج الحرب في تيغراي. وبالتالي فالخطاب الرسمي الإثيوبي لا يسعى إلى رفع أسهم أحمد شعبيًّا فقط بل حتى اختراق بعض الكتل المعادية له؛ حيث يبدو طرح هذا المشروع في هذا التوقيت محاولة لسحب البساط والمزايدة على نخب الأمهرة القومية التي تتبنى طموحات إمبراطورية تمتد فيها إثيوبيا حتى السودان وشاطئ البحر الأحمر.

وتزداد أهمية هذه النقطة عند النظر إلى الصراع الضاري الذي تخوضه الحكومة الإثيوبية مع مقاتلي الأمهرة من الفانو وغيرهم من الميليشيات(9). وتمثل الأمهرة ثاني أكبر القوميات في البلاد وتتمتع بثقل تاريخي وثقافي هائل في إثيوبيا.

استقطاب الإثيوبيين حول هدف وطني جامع

يعاني المجتمع الإثيوبي من العديد من خطوط الصدع الطولية والعرضية التي تزايدت مع تفجر الصراعات الإثنية في السنوات الأخيرة والتي تجعل استمرارية الدولة بشكلها الحالي دومًا موضع تساؤل، ولذلك يبدو أن طرح قضية المنفذ البحري بعمقها الوجداني المرتبط بتطلعات إثيوبية تاريخية، وتصويرها كأنها حبل نجاة لإثيوبيا من العديد من أزماتها محاولة لبلورة هدف وطني يجمع الإثيوبيين خلفه، وهو ما يذكِّرنا بسد النهضة الذي استخدمته الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وتحالف الأهودق الحاكم (1991-2018) كنواة لمشروع أجمع الإثيوبيون عليه رغم اختلاف توجهاتهم(10).

صرف الأنظار عن الأزمات الداخلية

تمر إثيوبيا بالعديد من الأزمات الاقتصادية والسياسية والمجتمعية والأمنية التي تلقي بثقلها على المواطن والدولة معًا، ولذلك يبدو هذا الخطاب الإثيوبي محاولة لتحويل الانتباه عن الأسباب الجوهرية لأزمات البلاد، فعلى سبيل المثال يتم ترويج فكرة الحصول على المنفذ البحري كرافعة أساسية للاقتصاد الإثيوبي في حين يتم تجاهل أن الاضطرابات الأمنية وسوء الإدارة وتكاليف الحروب قد تكون وراء التدهور الاقتصادي الذي تعيشه البلاد في السنوات الأخيرة، وأن الاقتصاد الإثيوبي عاش أزهى سنواته 2010-2018 رغم أن البلاد لم تملك منفذًا بحريًّا في حينها.

رؤية رئيس الوزراء لدوره في التاريخ الإثيوبي

تعد الطموحات الشخصية لآبي أحمد ورؤيته لنفسه منقذًا لإثيوبيا محددًا نفسيًّا مهمًّا في تفسير الإستراتيجيات والأهداف التي يرسمها لبلاده؛ حيث ذكر في خطاب تنصيبه عام 2018 أن والدته تنبأت له في رؤية عميقة للغاية أنه سيكون الإمبراطور السابع المقدر إلهيًّا ليوحد ويحكم إثيوبيا(11).

ولذلك، فإن طرح حصول إثيوبيا على منفذ بحري من قِبله بهذه الصيغة هو في جزء منه يرسم ملامح الدور التاريخي الذي يعتقد أنه منوط به أن ينجزه، مستوحيًا إرث القادة والأباطرة الكبار في التاريخ الإثيوبي كرأس ألولا بانغا والإمبراطور هيلاسلاسي(12) الذي قاد في أربعينات القرن الماضي حملة محمومة لضم إريتريا إلى بلاده كانت في جوهرها رغبة في الوصول إلى البحر الأحمر.

ب- إقليميًّا

إرسال رسالة للنظام الإريتري لوقف دعمه لمقاتلي الأمهرة

لم تكن النتائج التي انتهت إليها حرب التيغراي مرضية للقوى القومية الأمهرية، وهو ما أدى إلى تعقد علاقاتها مع أديس أبابا وانقلابها من التحالف إلى حرب مفتوحة بين الطرفين. وبالنظر إلى ما يوصف بأنه علاقة وثيقة بين مقاتلي مجموعات فانو الأمهرية وإريتريا(13)، فإن الإعلان عن موضوع المنفذ البحري يحمل في طياته رسالة ضمنية إلى أسمرة بالتوقف عن دعم هذه المجموعات الأمهرية والتلويح بقدرة إثيوبيا على خلط الأوراق باعتبار إريتريا أبرز المعنيين عند الحديث عن وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر(14).

الاستفادة من الاضطراب الإقليمي

مما يغذي طموحات رئيس الوزراء الإثيوبي حالة الاضطراب السياسي التي يمر بها الإقليم مع الضعف الذي أصاب السودان نتيجة الحرب الجارية واحتمالات تقسيمه، والذي لطالما مثَّل قوة موازِنة للحضور الإثيوبي في المنطقة، وتغيير الخرائط في القرن الإفريقي الكبير ليس بالأمر المستبعد حيث يمثل الإقليم الوحيد الذي لا يزال ينتج كيانات سياسية مع استقلال إريتريا، 1993، وجنوب السودان، عام 2010، ومصير أرض الصومال الذي لا يزال معلقًا.

وبالنظر إلى السياق العالمي فإن روسيا اجتاحت أوكرانيا بدعاوى مرتبطة بالأمن القومي الروسي وهو ما نرى صداه في الربط الإثيوبي لمصير البلاد بالوصول إلى البحر؛ فقد تغري قدرة روسيا على فرض أمر واقع حكام أديس أبابا على اتخاذ خطوة مماثلة إن توافرت الظروف الملائمة من الدعم الدولي(15) واستعادة إثيوبيا لعافيتها بعد الحرب المدمرة التي خاضتها في إقليم تيغراي.

التعبير عن الإحباط من تعطل مشاريع سابقة مع إريتريا

رغم إحاطة بنوده بسرية تامة فإن استقراء بعض المؤشرات يشير إلى أن اتفاق السلام الإريتري-الإثيوبي تضمن جوانب مرتبطة باستفادة إثيوبيا من الموانئ الإريترية في صيغة قد تشابه ما كان قائمًا بين البلدين قبل حرب 1998-2000، ويندرج ذلك ضمن محاولة صنع سوق إقليمية تستثمر فيها الدول الراعية لعملية السلام الإريترية-الإثيوبية حيث كان من المتوقع تطوير البنى التحتية الرابطة بين مينائي عصب ومصوع وإثيوبيا(16).

تعطل العمل على هذه المشاريع يُعزى إلى أن الجانب الإريتري ربط إكمال تنفيذ هذه التفاهمات باستعادة السيطرة على الأراضي الإريترية المحتلة من قبل إثيوبيا وتصفية الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي(17)، وهو ما شكَّل أساس تحالف بين الطرفين خاضا بموجبه الحرب في تيغراي، لكن الصيغة التي انتهت إليها الحرب في إثيوبيا عبر اتفاق سلام بريتوريا لم تكون مقبولة من طرف أسمرة وهو ما أدى إلى تجميد هذه المشاريع، وبالتالي فإن إثارة ملف المنفذ البحري بهذا الشكل تعبِّر عن الإحباط الإثيوبي من إمكانية الوصول إلى الموانئ الإريترية وفق تفاهمات 2018.

ج- دوليًّا

مغازلة الغرب بتوتير العلاقة مع إريتريا

البرود الملحوظ في العلاقات بين أسمرة وأديس أبابا على خلفية مجموعة ملفات آخرها قضية المنفذ البحري يصب في صالح محاولات رئيس الوزراء الإثيوبي ترميم علاقاته بالغرب التي تضررت بشكل بالغ مع الحرب في تيغراي؛ حيث إن تفكيك التحالف الإريتري-الإثيوبي كان أحد أهم المطالب الأميركية من الحكومة الإثيوبية(18) وهو ما تزداد حساسيته بالنظر إلى التوجه الإريتري شرقًا ومحاولة بناء تحالفات مع كل من موسكو وبكين والتلويح بمنح روسيا قاعدة على البحر الأحمر(19).

ثانيًا: الذرائع الإثيوبية

ساق رئيس الوزراء الإثيوبي في خطابه أمام برلمان بلاده العديد من الخلفيات التي فسر بها أحقية بلاده بامتلاك منفذ على البحر الأحمر والمرتبطة بالتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والعوامل الإثنية(20)، في حين يورد باحثون وسياسيون ومعلقون إثيوبيون حججًا أخرى مرتبطة بالأمن والنفوذ الإقليمي، وسنعرض هنا أبرزها مع التأكيد أنها جميعًا غير مسلَّم بها، ولا توفر أساسًا صلبًا لهذه المطالبات الإثيوبية، لأنها تتجاهل ببساطة الواقع الجيوسياسي الحالي وأن الدول الشاطئية المجاورة دول تتمتع بالسيادة الكاملة على أراضيها.

  • الاقتصاد

يأتي الاقتصاد في مقدمة الدوافع الإثيوبية لضمان الوصول إلى منفذ بحري؛ حيث ينتج عن عدم وجود ميناء في إثيوبيا زيادة في تكاليف النقل، بما في ذلك الوقود والعمالة والوقت؛ مما يسهم في ارتفاع الأسعار بالنسبة للمستهلكين. كما أدى الاعتماد على جيبوتي في التجارة الخارجية إلى دفع حوالي 1.5 مليار دولار سنويًّا رسومًا للموانئ، أي ما يقرب من نصف الإيرادات الأجنبية السنوية لإثيوبيا من مبيعات السلع(21).

بجانب هذا، يمثل عدم امتلاك إثيوبيا منفذًا بحريًّا خاصًّا بها عائقًا أمام الوصول إلى الأسواق الدولية، مما يقلل من إيرادات الصادرات ويعوق النمو الاقتصادي، كما أن هذا قد يدفع الشركات الأجنبية إلى الحذر من الاستثمار في بلد لديه خدمات لوجستية تجارية باهظة الثمن، وهو ما يقود إلى تقليص فرص العمل ومصادر الإيرادات، بالإضافة إلى أن وضع إثيوبيا كدولة حبيسة يقلِّل من قدرتها التنافسية أمام الدول الأخرى التي تتمتع بإمكانية وصول أفضل إلى الموانئ(22).

  • القانون

يؤكد العديد من المسؤولين الإثيوبيين والوسائل الإعلامية الموالية للحكومة أن المادة 125 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) تدعم قانونية مطالب إثيوبيا في الوصول إلى البحر، حيث تنص على تمتع الدول غير الساحلية بالحق في الوصول إلى البحر والخروج منه وحرية العبور عبر أراضي دول العبور بجميع وسائل النقل(23). غير أن هذه المادة لا تنطوي على أي أحكام تضمن للدول غير الساحلية الحق في امتلاك المناطق الساحلية، بل الحق في المرور عبر أراضي الدول الأخرى للوصول إلى البحر ونقل وارداتها وصادراتها دون المساس بسيادة أو مصالح دول العبور(24).

  • الأمن

يمثل البحر الأحمر شريان الحياة للاقتصاد الإثيوبي من خلال ميناء جيبوتي الذي تمر 95% من حركة الصادرات والواردات الإثيوبية عبره(25). وبالنظر إلى هذه الحساسية لا تنفصل مخاوف أديس أبابا المتعلقة بأمن البحر الأحمر عن التهديدات المرتبطة بالأمن القومي للبلاد، ولاسيما عند النظر إلى تحوله إلى واحدة من ساحات الصراع الإقليمي والدولي(26) والتي كانت آخر تجلياتها العمليات التي قامت بها جماعة الحوثي ضد السفن الإسرائيلية.

محاولة مقاتلي التيغراي قطع الطريق الرابط بين جيبوتي وأديس أبابا عبر اختراق إقليم عفر(27) مثلت في أروقة صنع القرار الإثيوبي تأكيدًا جديدًا لا على خطورة الاعتماد على ميناء واحد فقط بل أيضًا على ضرورة السيطرة السيادية على المنفذ البحري، ولاسيما إن أضفنا إلى هذا وقوع المنافذ المائية القادرة على خدمة الاقتصاد الإثيوبي ضمن دول تعاني من حالة عدم الاستقرار السياسي كالصومال والسودان(28)، أو تحت حكم أنظمة من الصعب الوثوق بسياساتها إزاء قضية حيوية كالموانئ مثل حال النظام الإريتري.

  • التاريخ

في إطار حديثه عن التاريخ كداعم للحق الإثيوبي، أكد أحمد في خطابه على الدور الذي لعبته مملكة أكسوم التي كانت تسيطر على أجزاء من ساحل البحر الأحمر بين حضارات عصرها(29)، فإثيوبيا الحديثة وفق هذا الخطاب هي وريثة مملكة أكسوم التاريخية، وإن إثيوبيا هي ضحية للتدخل الاستعماري لإيطاليا الذي أنشأ مستعمرة إريتريا من جهة، وضحية لموافقة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي على استقلال إريتريا بعد استفتاء 1993(30).

وضمن هذه الرؤية يمكن اعتبار الجهود الإثيوبية المستميتة للاستيلاء على مدينة عصب الإريترية ضمن جولات حرب 1998-2000 محاولة لتصحيح هذا “الخطأ التاريخي” من وجهة نظر هذه النخب(31).

  • الديمغرافيا

تشهد إثيوبيا تزايدًا مطردًا في عدد السكان حيث تذهب تقديرات البنك الدولي إلى بلوغه قرابة 150 مليونًا مع حلول عام 2030 وتجاوزه لحاجز 200 مليون بعد أقل من عقدين من هذا التاريخ(32). وهذه التقديرات توجب على صانع القرار الإثيوبي البحث عن سبل لتطوير اقتصاد البلاد بما يمكِّنها من تلبية الاحتياجات التنموية المتزايدة. وضمن هذه الرؤية يمكن للوصول إلى منفذ بحري أن يوفر فرصًا للاستفادة من الموارد البحرية والسياحة وبالطبع التجارة الدولية، وهو ما عبَّر عنه رئيس الوزراء الإثيوبي بالقول: “إن 150 مليونًا لا يستطيعون العيش في سجن جغرافي”، محذرًا من أن هذا سيؤدي إلى الانفجار(33).

  • تعزيز النفوذ الإثيوبي في المحيط الإقليمي

بجانب الفوائد الاقتصادية المتوقعة من الوصول إلى البحر فإن هذه الخطوة ستزيد من قدرة إثيوبيا على زيادة نفوذها الإقليمي بتحولها إلى لاعب رئيسي فيما يتعلق بالإستراتيجيات المختلفة المرتبطة بالبحر الأحمر والقرن الإفريقي اللذين تحولا إلى نقطة جذب لتنافس دولي حاد خلال السنوات الفائتة.

وأكدت مسودة وثيقة أعدتها وزارة السلام الإثيوبية بعنوان “المصلحة الوطنية الإثيوبية: المبادئ والمضمون” ضرورة ممارسة إثيوبيا حقها في بناء واستخدام الموانئ، وضمان الوصول إلى البحر الأحمر، وكذلك مناطق عدن وشبه جزيرة الخليج، وممارسة حقها لتطوير الموانئ والاستفادة منها، واضعة تعزيز النفوذ الإقليمي، وتعزيز مصالح إثيوبيا في البحر الأحمر وشبه جزيرة العربية ضمن أولوياتها(34)

ثالثًا: تحالفات جديدة لمرحلة جديدة

رغم ارتباط تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي والحملة الإعلامية التي تلتها بعوامل داخلية كما سبق توضيحه، فإنها ولخطورتها قوبلت بردود جادة من دول الجوار لا يمكن فصلها عن تفكك تحالفات شكلت وجه المنطقة في المرحلة الماضية، وبزوغ ملامح لأخرى جديدة قيد التشكل.

ورغم أن كلًّا من الصومال وجيبوتي وإريتريا ردَّت رسميًّا على ما قاله آبي أحمد فإن بيان الأخيرة(35) يعتبر الأشد لفتًا للنظر؛ حيث إنها المرة الأولى منذ التحالف بين الطرفين عام 2018 التي ترد وزارة الإعلام الإريترية على التصريحات الصادرة عن مسؤولين إثيوبيين(36)؛ وهو ما يرتبط بالمخاوف الإريترية من النزعات التوسعية الإثيوبية، ولاسيما عند النظر إلى حديث آبي أحمد عن الحق التاريخي والطبيعي لبلاده في البحر الأحمر والأولوية التي تمتعت بها هذه القضية عند الأباطرة الإثيوبيين ولاسيما هيلاسيلاسي(37)، الذي قام بضم إريتريا إلى إمبراطوريته، وكان الهدف الرئيسي من ذلك الوصول إلى البحر(38).

كما أن الرد العلني الإريتري الأول يؤشر إلى الدرجة التي بلغتها الأزمة بين الطرفين نتيجة الخلاف الذي بدأ بالتوسع بينهما على خلفية توقيع اتفاقيات بريتوريا بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والتي لم تكن أسمرا راضية عنها.

وتقود تحركات البلدين إلى رسم معالم تحالفات جديدة تعمل كل من أسمرة وأديس أبابا على تعزيزها؛ حيث عمدت إثيوبيا إلى توقيع مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون الدفاعي والأمني مع جيبوتي أواخر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي(39).

تتجلى أهمية هذه الخطوة بالنظر إلى النزاع الحدودي الإريتري-الجيبوتي الذي لم يتم التوصل إلى تسوية حوله، ويظل نقطة توتر بينهما قابلة للانفجار(40)؛ ما قد يحوِّل إثيوبيا إلى طرف مباشر في أي حرب محتملة عبر مساندة جيبوتي.

التقارب الإثيوبي/الجيبوتي الواضح في هذه المرحلة قد يمنح أديس أبابا الفرصة للاستفادة من تعاون جيبوتي مستقبلًا في حال قررت السيطرة العسكرية على ميناء عصب غير البعيد عن الحدود الجيبوتية، من خلال تشكيل محور مناورة والهجوم على الجنوب الإريتري من جهتين. 

لطالما كانت الإمارات داعمًا أساسيًّا لرئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، منذ توليه الحكم، وهو دعم يتجاوز الشق الاقتصادي إلى الجوانب العسكرية والأمنية(41). وفي هذا السياق، ربما تلتقي الطموحات الإثيوبية حول الحصول على ميناء على البحر الأحمر بالإستراتيجية الإماراتية في السيطرة على موانئ البحر الأحمر والقرن الإفريقي وإنشاء أسواق اقتصادية في المنطقة خاضعة لسيطرتها(42).

في المقابل، تعمل أسمرة على توطيد روابطها مع الجيش السوداني الذي يخوض حربًا ضارية مع قوات الدعم السريع، وقد صرح عضو مجلس السيادة السوداني، الفريق الركن ياسر العطا، ممتدحًا مواقف أسمرة منذ بدء الأزمة في بلاده(43).

في نفس السياق، تشهد العلاقات المصرية-الإريترية بوادر دفء بعد مرحلة من البرود إثر المصالحة الإريترية/الإثيوبية عام 2018، حيث شارك الرئيس الإريتري، أسياس أفورقي، في قمة دول جوار السودان التي عقدتها القاهرة والتقى نظيره المصري، عبد الفتاح السيسي، وهو ما تكرر على هامش القمة السعودية-الإفريقية في جدة، في حين كان من الملاحظ عدم انعقاد اجتماع بين زعيمي كل من إريتريا وإثيوبيا.

كما بدا من الواضح تعزيز أسمرة لعلاقاتها مع الرياض والتي تحاول من خلالها موازنة القوة الإماراتية، ولربما الاستفادة من التباين بين الرياض وأبوظبي في التعاطي مع ملف الحرب في السودان.

 ووصف الرئيس الإريتري التعاون الثنائي بين بلاده والسعودية بأنه “ليس له سقف محدد”، معتبرًا أمن البحر الأحمر “جزءًا أصيلًا من شراكتنا الإستراتيجية”(44). وبالنظر إلى الأهمية الكبيرة التي توليها الرياض في السنوات الأخيرة لما يتعلق بأمن البحر الأحمر فإن المقاربة الإريترية تركز على أن الطموحات الإثيوبية تمثل تهديدًا لأمن الممر المائي الحساس واستقراره نتيجة تداعياتها التي قد تقود إلى حرب بين الطرفين.

في حين يبدو الصومال الغارق في حربه مع حركة الشباب الحلقة الأضعف في هذا المشهد، فهو رغم تخوفه من التوسعية الإثيوبية لكنه بحاجة إلى دعم كل الأطراف الإقليمية لتجاوز أزماته الداخلية الممتدة، ولذا فالأرجح أن يظل على الحياد في حال نشوب أي نزاع إريتري-إثيوبي مستقبلًا.

وهكذا تقارب الصورة في القرن الإفريقي مرحلة ما قبل اتفاق السلام الإثيوبي-الإريتري عام 2018، حيث تتوارد التقارير عن إجراءات عسكرية يتخذها الطرفان على الحدود(45)، وهو ما ينذر بالمزيد من التوترات في منطقة تعاني من هشاشة أمنية وأزمات عميقة على صعد مختلفة.

لكن الحرب بين الطرفين تظل السيناريو الأبعد حاليًّا لعوامل داخلية بالأساس؛ فإثيوبيا مشغولة بحروبها في أقاليم كأمهرة وأورومو والاقتصاد الإثيوبي الذي تضرر بشدة نتيجة الحرب على تيغراي لم يتعافَ بعد، في حين أن الجيش الإريتري خرج منهكًا من حرب التيغراي وكذلك الاقتصاد الهش لأسمرة لا يمثل عاملًا مساعدًا على خوض هذا النوع من الحروب؛ ما قد يؤدي بالطرفين إلى استخدام حروب الوكالة.

ورغم ذلك فلن تتوقف إثيوبيا عن المطالبة بالمنفذ البحري وحشد الداخل والرأي العام الدولي حول هذا الهدف مستفيدة من تجربتها في سد النهضة(46). ولذلك يظل الوصول إلى صيغة تفاهم مرضية لجميع الأطراف هو السبيل الأنفع والأسلم، وقد طرح رئيس الوزراء الإثيوبي تصورات مهمة حول هذا الجانب(47)، لكن يجب أن تكون مشفوعة بما يطمئن القوى الأخرى المعنية بتخلي أديس أبابا عن أحلامها التوسعية للمساعدة على تجاوز حالة الارتياب وعدم الثقة العميقة التي تسم العلاقات في القرن الإفريقي(48).

عبد القادر محمد علي – صحفي وباحث أريتري مهتم بقضايا القرن الأفريقي

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

مراجع

1- هذه المقولة استشهد بها رئيس الوزراء الإثيوبي ناسبًا إياها إلى رأس ألولا بانغا، أحد أعظم القادة الإثيوبيين في القرن التاسع عشر.

Office of the prime Minister- Ethiopia, From A Drop of Water to Sea, YouTube, (23.58-24.02)
https://cutt.us/pmqqm

2- عبد القادر محمد علي، التحالف الثلاثي بين إثيوبيا وإريتريا والصومال.. الطموحات والنتائج، المعهد المصري للدراسات، 10 أغسطس/آب 2021، (تاريخ الدخول: 9 ديسمبر/كانون الأول 2023)، https://n9.cl/9t2br

3- العين الإخبارية، شراكة بين “دبي العالمية” و”أرض الصومال” وإثيوبيا في ميناء بربرة، 1 مارس/آذار 2018، (تاريخ الدخول: 9 ديسمبر/كانون الأول 2023)، https://n9.cl/c78lg

4- الصومال الجديد، إثيوبيا تخسر حصتها بميناء بربرة، 12 يونيو/حزيران 2022، (تاريخ الدخول: 9 ديسمبر/كانون الأول 2023)، https://n9.cl/5e1ac

5- Garow Online, Ethiopia, France sign military, naval deal, turn a new page in ties, 13 March 2019, (Seen: 10 December 2023), https://n9.cl/tkfcs8

6- Yewondwossen, Muluken, Djibouti to host Ethiopia’s Navy, Capital, 2 December 2019, (Seen: 10 December 2023), https://n9.cl/0455c

7- Sguazzin, Antony, Whyis Abiy threatening Ethiopia’s Neighbors: Next Africa, Bloomberg, 21 October 2023, (Seen: 9 December 2023), https://n9.cl/0wsb8

كما نُقل عن أحمد أنه أعلن أمام جمع مع المستثمرين أن استخدام القوة أحد الخيارات المطروحة أمام بلاده لتأمين الحصول على منفذ بحري، انظر:

Horn Observer, Ethiopian PM Abiy Ahmed unveils plans to secure port access by negotiation or by force, 23 July 2023, (Seen: 16 December 2023), https://cutt.us/9RMnt

8- African News, Red Sea: Ethiopia “will not assert its interests through war”, assures Abiy Ahmed, 26 October 2023, (Seen: 9 December 2023), https://n9.cl/2kpim

9- دفعت هذه الاشتباكات السلطات الإثيوبية إلى إعلان حالة الطوارئ في إقليم أمهرة لمدة 6 أشهر في أغسطس/آب الماضي.

Endeshaw, Dawit, Ethiopia declares six-month state of emergency in Amhara after clashes, 4 August 2023, (Seen: 9 December 2023), https://n9.cl/sm396

10- من اللافت للانتباه ربط رئيس الوزراء الإثيوبي بين سد النهضة والبحر الأحمر حيث أكد أحمد أن “البحر الأحمر ونهر النيل هما الأساس لتطور إثيوبيا أو فنائها”، وأنه مستعد “للتفاوض حول الاستفادة من البحر الأحمر كما تفاوضنا على سد النهضة”.

Office of the prime Minister- Ethiopia, Ibid, (18.11-18.30)
https://cutt.us/pmqqm

11- Hardy, Elle, The Religious Zealot Presiding Over Ethiopia’s Five Conflicts, New Lines Magazine, 1 February 2023, (Seen: 9 December 2023), https://n9.cl/11qp3

12- Office of the prime Minister- Ethiopia, Ibid, (23.58-24.22) (26.10-26.17).
https://cutt.us/pmqqm

13- دربت إريتريا آلافًا من مقاتلي ميليشيات الأمهرة بعد اندلاع الحرب في تيغراي، في حين وافقت على تدريب الآلاف من القوات الأمهرية الخاصة عام 2018، انظر:   

Erena, ኤርትራ፣ ኣብ ከባቢ ቃጨሮ፣ ሳልሳይ ዙር ወትሃደራዊ ታዕሊም ኣባላት ሓይልታት ኣምሓራ ተኻይዱ, 15 April 2022, (Seen: 9 December 2023), https://cutt.us/lOUhA,  Walsh, Declan, The Nobel Peace Prize That Paved the Way for War, WSJ, 15 December 2021, (Seen: 9 December 2023),  https://cutt.us/Q6KmH

14- ليست هذه الرسالة الإثيوبية الأولى حيث سبق ذلك في مايو/أيار الماضي دعوة رئيس الوزراء الإثيوبي قوى خارجية لم يسمها إلى الكف عن التدخل في الشأن الداخلي الإثيوبي والانصراف إلى حل مشاكلهم، وذلك على خلفية الاضطراب الأمني في إقليم أمهرة، حيث فُهم أن إريتريا هي المقصودة بهذا الخطاب. https://cutt.us/7PQlm

15- من الملاحظ هنا ما صرح به سفير إثيوبيا في بلجيكا ولوكسمبورغ والاتحاد الأوروبي، جروم أباي، بأن “الدول القوية تعتقد أن لإثيوبيا الحق في امتلاك ميناء بحري”. 

إذاعة إرينا، سفير أثيوبيا في الاتحاد الأوروبي يقول: إن وجود ميناء لإثيوبيا على البحر الأحمر مسألة تتعلق بوجود بلاده، 4 أكتوبر/تشرين الأول 2023، (تاريخ الدخول: 16 ديسمبر/كانون الأول 2023)، https://cutt.us/dPpnP

16- رويترز، إثيوبيا: إعادة فتح طريقين إلى اثنين من موانئ إريتريا أولوية لنا، رويترز، 11 يوليو/تموز 2018، (تاريخ الدخول: 9 ديسمبر/كانون الأول 2023)، https://n9.cl/m7h25

17- D Sharamo, Roba and Demissie, Selam Tadesse, Reconfiguring alliances in the Horn of Africa Implications for regional stability and Integration, Institute for Security Studies, June 2021, p8.

18- عبد القادر محمد علي، تأثير العقوبات الأمريكية على إريتريا في مسارات الصراع في إثيوبيا، مركز دراسات الشرق الأوسط (أورسام)، 30 ديسمبر/كانون الأول 2021، (تاريخ الدخول: 9 ديسمبر/كانون الأول 2023)، https://n9.cl/bksv6

19- عبد القادر محمد علي، خلفيات رفض إريتريا إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 30 مارس/آذار 2022، (تاريخ الدخول: 9 ديسمبر/كانون الأول 2023)، https://cutt.us/2JZJZ

20- Office of the prime Minister- Ethiopia, Ibid, (19.6).
https://cutt.us/pmqqm

21- Ismail, Muktar, The Horn of Africa needs more trade—but not at the cost of more war, Ethiopia Insight, 26 November 2023, (Seen: 10 December 2023), https://n9.cl/f30pg

22- المصدر السابق.

23- Haq Check, does international law guarantee that landlocked Ethiopia gets a coastline? 1 November 2023, (Seen: 9 December 2023), https://n9.cl/5uo2k

24- See: Tesfagiorgis, Gebre Hiwet, Access to the Sea in the Context of Eritrea and Ethiopia, ERI-PLATFORM, 4 April 2022, (Seen: 9 December 2023), https://n9.cl/kzg3c

25- Mooted Horn of Africa Alliance Poses opportunities on a Banana-Skin Path, Garow Online, Jan 31, 2020, (Seen: 10 December 2023), https://n9.cl/bua6

26- عبد القادر محمد علي، عسكرة القوى الكبرى لمصالحها في القرن الإفريقي في فجر الحرب الباردة الثانية، مركز الجزيرة للدراسات، 24 أغسطس/آب 2022، (تاريخ الدخول: 10 ديسمبر/كانون الأول 2023)، https://n9.cl/jfyfpg

27- عبد القادر محمد علي، هل ستغير السيطرة الحكومية على إقليم عفر موازين الحرب في إثيوبيا؟، TRT عربي، 6 ديسمبر/كانون الأول 2021، (تاريخ الدخول: 10 ديسمبر/كانون الأول 2023)، https://n9.cl/ferom

28- تحيط العديد من المخاوف بمستقبل جيبوتي في مرحلة ما بعد الرئيس الحالي، إسماعيل عمر غيله، حيث أثبت انتقال الاشتباكات العفرية الصومالية داخل إثيوبيا إلى جيبوتي في السنوات الأخيرة مخاطر التوترات الإثنية الكامنة في البلاد.

29- Office of the prime Minister- Ethiopia, Ibid, (19.59-20.07).

https://cutt.us/pmqqm

30- Dejen Yemane Messele, Op-ed: Revisiting Ethiopian quest for reclamation of maritime sovereignty on the Red Sea coast: A blueprint for Ethiopian-Eritrean international legal encounter, Addis Standard, 23 November 2023, (Seen: 16 December 2023),  https://cutt.us/luWGz

31- بغض النظر عن دقة هذه الادعاءات وسياقاتها، فإن هذه النخب تتجاهل حقيقة أن إريتريا دولة معترف باستقلالها وعضو في الأمم المتحدة منذ أكثر من 3 عقود، وأن هذا واقع جيوسياسي لا يمكن تغييره، وأن حدود الإمبراطوريات التاريخية لا يمكن تطبيقها على الدول الحديثة فلا تستطيع جمهورية تركيا وريثة الإمبراطورية العثمانية المطالبة بمنافذ على البحر الأحمر أو الخليج العربي أو غيرها. في ما يتعلق بإريتريا، انظر كمثال: 

Abebe T. Kahsay, Ethiopia’s Sovereign Right of Access to the Sea under o the Sea under International Law, https://n9.cl/bo9bz

32- The World Bank, Data Bank Population estimates and projections, (Seen: 9 December 2023), https://n9.cl/5pc38

33- Office of the prime Minister- Ethiopia, Ibid, YouTube, (19.59-20.07).
https://cutt.us/pmqqm 

34- Endale, Ashenafi & Mengesha, Selamawit, Red Sea takes center stage as Ethiopia looks to assert regional presence, The Reporter, 14 October 2023, (Seen: 3 December 2023), https://n9.cl/rd4r4 

35- رغم اقتضاب البيان الإريتري فإن سخرية لغته لا تخطئها عين مراقب حين وصف الأحاديث المتعلقة بالمياه بـ”القيل والقال” وتجنب الإشارة إلى رئيس الوزراء الإثيوبي، ورغم ذلك فبعض المؤشرات تؤكد الجدية الشديدة التي أخذت بها أسمرة هذه التصريحات كاستبدال وزير الإعلام الإريتري بالمنشور المثبت في حسابه على منصة تويتر والذي ظل محتفظًا به لسنوات وتضمن الاحتفال بتوقيع اتفاق السلام الإريتري-الإثيوبي، منشورًا يعرض معلومات عن الشواطئ الإريترية.

Shabiat, Press Release, 16 October 2023, (Seen: 16 December 2023), https://cutt.us/zo9pd

36- على سبيل المثال، أواخر مارس/آذار 2021، صرح المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية في حينه، السفير دينا مفتي، بأن الإريتريين لا يحتفلون باليوم الذي “انفصلوا فيه عن إثيوبيا، ولا نملك مشاعر مختلفة عنهم”. وبينما لم يصدر عن الحكومة الإريترية أي رد فعل فقد استدعى التصريح ردَّ فعل إريتريًّا شعبيًّا على وسائل التواصل الاجتماعي وانتهى باعتذار وزير الخارجية الإثيوبية، ديمقي مكونن، بعد أيام. https://cutt.us/mOdCr

37- Alex de Waal, Ethiopia PM Abiy Ahmed eyes Red Sea port, inflaming tensions, BBC, 7 November 2023, (Seen: 16 December 2023), https://cutt.us/GZeJW

38- مما يزيد من مخاوف أسمرة من الاستهداف الإثيوبي تقارب الأخيرة مع جيبوتي الذي سيأتي الحديث عنه؛ ما يحصر الحديث عن حق إثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر عمليًّا في إريتريا.

39- الصومال الجديد، جيبوتي وإثيوبيا توقعان مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الدفاع والأمن، 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، (تاريخ الدخول: 16 ديسمبر/كانون الأول 2023)، https://cutt.us/Qxq8r

40- عبد القادر محمد علي، النزاع الحدودي الجيبوتي الإريتري: الجذور والأبعاد والتطورات المتوقعة، مركز الجزيرة للدراسات، 19 يوليو/تموز 2023، (تاريخ الدخول: 16 ديسمبر/كانون الأول 2023)، https://cutt.us/UdGuN

41- لعبت الطائرات الإماراتية بدون طيار دورًا كبيرًا في حرب التيغراي كما أنشات أبوظبي جسرًا جويًّا لدعم الجيش الإثيوبي خلال تلك الحرب، وهو دعم مستمر حتى الآن. انظر: فانا، قائد القوات الجوية: التعاون العسكري الإثيوبي الإماراتي يعكس علاقات الصداقة بين البلدين، 16 ديسمبر/كانون الأول 2023، (تاريخ الدخول: 16 ديسمبر/كانون الأول 2023)، https://cutt.us/SYAxE /

42- يبدو أن هناك توجسًا إريتريًّا من هذا الاحتمال حيث نشر أحد المواقع المقربة من النظام الحاكم في أسمرة تحليلًا على موقع تويتر يتهم الإمارات بأنها من تقف خلف أجندة رئيس الوزراء الإثيوبي في البحر الأحمر.  https://cutt.us/3GyX1

43- https://cutt.us/Gw2dt 

من المثير للانتباه توجيه الفريق العطا في نفس الخطاب هجومًا حادًّا إلى دور الإمارات في السودان ومساندتها قوات الدعم السريع.

https://cutt.us/RAA4R

44- فتح الرحمن يوسف، الرئيس الإريتري لـ”الشرق الأوسط”: الشراكة مع السعودية ستنتشل شعوب المنطقة من مستنقع التخلف، الشرق الأوسط، 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، (تاريخ الدخول: 16 ديسمبر/كانون الأول 2023)، https://cutt.us/JQC7u

45- Mohamed Kheir Omer, Are Ethiopia and Eritrea on the Path to War, FP, 7 November 2023, (Seen: 16 December 2023), https://cutt.us/dNhK0 

46- من اللافت للانتباه ربط رئيس الوزراء الإثيوبي بين سد النهضة والبحر الأحمر حيث أكد أحمد أن “البحر الأحمر ونهر النيل هما ثنائي يتوقف عليهما مصير إثيوبيا وجهودها التنموية”، وأنه “مستعد لإثارة الموضوع في المحافل الدولية”. نيلوتيك، إثيوبيا: البحر الأحمر “قضية وجودية” ومستعدون لعرض الأمر على المحافل الدولية، 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، (تاريخ الدخول: 16 ديسمبر/كانون الأول 2023)، https://cutt.us/sa3Sv

47- في سبيل الحصول على المنفذ البحري عرض أحمد عقد قمة إقليمية للتباحث حول هذا الملف، كما عرض الحصول على نسبة تصل إلى 30% من مؤسسات إثيوبية حيوية كسد النهضة أو الخطوط الجوية الإثيوبية أو شركات الاتصالات الإثيوبية. 

Office of the prime Minister- Ethiopia, From A Drop of Water to Sea, YouTube, (31.51-32.20).
https://cutt.us/pmqqm

48- يلقي التاريخ الذي لعبت فيه إثيوبيا دور القوة الإمبراطورية الغازية لجيرانها بظلاله السلبية على الرؤى حول العلاقات البينية لدى شعوب ونخب المنطقة السياسية، فاستشهاد آبي أحمد بكل من رأس ألولا بانغا والإمبراطور هيلاسيلاسي لتأكيد حق بلاده لن يُستقبل بالترحيب في إريتريا؛ حيث ارتبطا في الذاكرة الإريترية بالحروب التوسعية والمذابح لضم مناطقها إلى إثيوبيا.

EHREA, Crimes committed against the Eritrean people by Ras Alula and Emperor Menelik II of Ethiopia, (Seen: 16 December 2023), https://cutt.us/lxl6W




مستقبل مجلس التعاون الخليجي في خضمّ التنافس السعودي الإماراتي

سعى مجلس التعاون الخليجي، وهو منظمة إقليمية سياسية واقتصادية تضمّ كلًّا من البحرين، والكويت، وعُمان، وقطر، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، إلى تعزيز التعاون والتنسيق بين هذه الأنظمة المَلَكيّة الستّة منذ تأسيسه في العام 1981، وقد نجح في ذلك نسبيًا. ويمكن القول إن المجلس برَزَ، في ظل القيادة الفعلية للسعودية، بوصفه منظمة التعاون الإقليمي الأكثر فعاليةً في العالم العربي. فقد أطلق المجلس مشاريع اقتصادية مشتركة لتعزيز التكامل وتسهيله، وأسّس اتحادًا جمركيًا وسوقًا مشتركة، وأقام شبكة الربط الكهربائي لدول مجلس التعاون الخليجي، التي تربط الشبكات الكهربائية للدول الأعضاء في ما بينها، حتى إنه أنشأ كذلك وحدة عسكرية خاصة به، هي قوات درع الجزيرة المشتركة.

لكن التنافس الاقتصادي المتعاظم بين السعودية والإمارات لطالما أثّر على فعالية المجلس ووحدته. ففي العام 2009 مثلًا، انسحبت الإمارات من مشروع مجلس التعاون الخليجي الرامي إلى تشكيل اتحاد نقديّ واعتماد عملة موحّدة، بسبب اعتراضها على اختيار الرياض مقرًّا للمصرف المركزي المُقترَح بدلًا من أبو ظبي. مع ذلك، شهدت بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين فترةً من التعاون الوثيق بين السعودية والإمارات، إلا أنها لم تَدُم طويلًا، إذ تجلّت الخصومة المتزايدة بينهما في اختلاف مقارباتهما للصراعات الإقليمية، واشتداد المنافسة الاقتصادية بينهما، ومساعي كلٍّ منهما إلى بسط نفوذه السياسي في الخارج بشكلٍ أُحادي.

وبالفعل، أفضى التنافس على قيادة الشرق الأوسط إلى سياسات خارجية متباينة أكثر فأكثر بين الجانبَين. فالنهج الحازم والمستقلّ الذي تتّبعه الإمارات يهدّد طموحات السعودية الإقليمية، ومكانتها المهيمنة ضمن مجلس التعاون الخليجي. في المقابل، يعيق تخوّف دول المجلس من الهيمنة السعودية تحقيقَ المزيد من التكامل بينها، ناهيك عن أن إحجام الرياض عن التخلّي عن هيمنتها يضرّ بتماسك المنظمة. أَضِف إلى ذلك أن الخلاف الشخصي بين وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الإمارات العربية المتحدة محمد بن زايد، فاقم التحدّيات والتعقيدات التي تُهدّد الحفاظ على الوحدة والتعاون ضمن المجلس.

كيف تدهورت العلاقات السعودية الإماراتية الوثيقة؟

عقب اندلاع انتفاضات الربيع العربي في كانون الأول/ديسمبر 2010، أصبحت لدى السعودية والإمارات مصلحةٌ مشتركةٌ في معارضة تنامي موجة الحركات الديمقراطية والإسلامية، سواء في داخل أراضيها أو في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعملتا في الوقت نفسه على مجابهة نفوذ إيران المتعاظم في المنطقة. وكان لافتًا في هذا الصدد نشر قوات درع الجزيرة المشتركة التابعة لمجلس التعاون الخليجي في البحرين، في آذار/مارس 2011، استجابةً لطلب الحكومة البحرينية، بغية قمع الاحتجاجات المناهضة لها. وقد تألّفت هذه القوات من حوالى 1000 جندي سعودي، و500 عنصر من الشرطة الإماراتية.

وشهدت العلاقات بين الرياض وأبو ظبي المزيد من التقارب عندما اعتلى العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز العرش في كانون الثاني/يناير 2015، عقب وفاة أخيه غير الشقيق عبد الله. وبعد أقلّ من شهرَين على تعيين محمد بن سلمان وزيرًا للدفاع، شنّ هذا الأخير في آذار/مارس 2015 عملية عاصفة الحزم، وهي عبارة عن تدخّل عسكري طموح شنّه تحالفٌ مؤلّفٌ من تسع دول بقيادة السعودية في اليمن، من أجل إعادة حكومة الرئيس اليمني المخلوع عبد ربه منصور هادي إلى السلطة. وفيما قرّرت دول مجلس التعاون الخليجي كافّة، باستثناء سلطنة عُمان، إرسال قواتٍ للمشاركة في هذا التحالف، كان عدد الجنود الإماراتيين الأكبر بعد عدد الجنود السعوديين، إذ نشرت الإمارات في اليمن ما يقرب من 3500 جندي، إضافةً إلى 3000 عنصر من القوات الجوية والبحرية لتقديم الدعم في مسرح العمليات.

وبينما أسفر الخلاف الدبلوماسي مع قطر عن انقسام بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي، بقيت السياستان الخارجيتان السعودية والإماراتية متجانستَين. ففي حزيران/يونيو 2017، قطعت السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر، علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، بعدما وجّهت هذه الدول الأربعة اتّهامات للدوحة بدعم المجموعات الإسلامية في جميع أرجاء المنطقة، ومن ضمنها جماعة الإخوان المسلمين. قوّضت هذه القطيعة وحدةَ مجلس التعاون الخليجي وفعاليته كتكتّل إقليمي، وشكّلت انحرافًا عن بروتوكولاته في ما يتعلّق بآلية صنع القرار، إلا أنها أدّت في الوقت نفسه إلى التقريب بين السعودية والإمارات أكثر. وبالفعل، أعلنت الإمارات في قمّة مجلس التعاون الخليجي التي عُقِدَت في الكويت في كانون الأول/ديسمبر 2017، أنها شكّلت تحالفًا سياسيًا وعسكريًا جديدًا مع السعودية، ما أثار شكوكًا جدّية حيال مستقبل المجلس.

لكن هذا التناغم السعودي الإماراتي لم يَدُم طويلًا، إذ بدأت مصالح البلدَين بشأن اليمن تتباعد في العام 2018. فبينما قدّمت السعودية دعمها الكامل لحكومة هادي المُعترَف بها دوليًا، أخذت الإمارات تموّل شبكةً من الميليشيات المحلية الوكيلة أنشأتها بنفسها، وتعارضت أهدافُها مع أهداف حكومة هادي. وكان أحد مصادر الخلاف الرئيسة بين الرياض وأبو ظبي تشكيلة حكومة هادي، التي ضمّت أعضاء من حزب التجمّع اليمني للإصلاح، وهو مجموعة إسلامية جامعة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالإخوان المسلمين. ففيما بدت السعودية مستعدةً للتعاون مع الإخوان المسلمين في اليمن، كانت الإمارات معارضةً بشدّة للجماعة.

عندما أعلنت الإمارات، في تموز/يوليو 2019، أنها باشرت عملية “إعادة نشرٍ استراتيجية” لقواتها في اليمن، بدا واضحًا أن قطبَي التحالف لم يعودا مُتّفقَين. وفيما خفّضت الإمارات عديد قواتها في اليمن، زادت دعمها المالي لوكلائها اليمنيين الذين ينشط معظمهم في جنوب البلاد. وقد ساند الإماراتيون بوجه خاص المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو منظمة انفصالية تتمتّع بنفوذ كبير في جنوب اليمن. هذا الدعم قوّض كلًّا من الجهود الحربية للتحالف الذي تقوده السعودية، وشرعية حكومة هادي المدعومة من المملكة، واضعًا أبو ظبي والرياض على طرفَي نقيض. وهكذا، تمكّن المجلس الانتقالي الجنوبي والفصائل الانفصالية المتحالفة معه، بدعمٍ إماراتي، من انتزاع السيطرة على عدن من يد حكومة هادي في مناسبات عدّة، قبل إعادة تسليم حكم المدينة إلى الحكومة بطلبٍ من السعودية. وأصبح جليًّا أن الأجندة الرئيسة للإمارات في اليمن لم تكن إعادة حكومة هادي إلى السلطة، بل السيطرة على المواقع البحرية الاستراتيجية في البلاد. فكان ذلك إيذانًا ببدء الجولة الحالية والمستمرة من التنافس الجيوستراتيجي بين السعودية والإمارات.

الأسباب الاقتصادية الكامنة وراء الشرخ السعودي الإماراتي

على مدى العقود القليلة الماضية، ارتقت الإمارات إلى مكانةٍ بارزةٍ بوصفها مركزًا إقليميًا للتجارة والسياحة. في المقابل، شرعت السعودية في مسارها الخاص من التحوّل والتنويع الاقتصاديَّين، الذي أطلقه محمد بن سلمان من خلال رؤية السعودية 2030، التي أعلن عنها في العام 2016. وقد أدّى هذا المسار، بخطى بطيئة ولكن ثابتة، إلى زيادة المنافسة بين البلدَين المتجاورَين، وهي ظاهرة يُرجَّح أن تستمرّ، لا بل أن تتسارع حتى. وقد ساهمت هذه المنافسة الاقتصادية بشكل دوريّ في توتّر العلاقة السياسية بين البلدَين.

وواقع الحال أن الكثير من الشركات الساعية إلى التوسّع في الشرق الأوسط اختارت الإمارات لاستضافة مقارّها الإقليمية، نظرًا إلى ما توفّره من بيئة جاذبة للأعمال وسياسات مُغرية للمستثمرين. وعلى وجه التحديد، صُنِّفَت إمارة دبي بانتظامٍ ضمن مراكز الشحن العالمية الخمسة الأولى في السنوات الأخيرة. وإذ سَعَت الإمارات إلى تقليل اعتماد اقتصادها على الموادّ الهيدروكربونية، ركّزت على ترسيخ مكانتها كنقطة تقاطع لوجستية وقوة تجارية عالمية، إذ يشكّل ميناء جبل علي في دبي صلة وصل بحرية محورية تربط بين أفريقيا وآسيا. وتماشيًا مع هذا الهدف، اتّبعت الإمارات استراتيجية “سلسلة الموانئ” في جنوب شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي، والتي تقضي بالسيطرة على الموانئ الأساسية وتشغيلها على طول طرق التجارة البحرية الرئيسة.

تحاول السعودية بدورها تحقيق إنجاز مماثل، فالأهداف الثلاثة الرئيسة لرؤية 2030 تتمثّل في وضع السعودية في “قلب العالمَين العربي والإسلامي”، وتحويلها إلى “قوة استثمارية عالمية” و”مركزًا عالميًا يربط بين قاراتٍ ثلاث، هي آسيا وأوروبا وأفريقيا”. لكن على الرغم من إعلان السعودية عن الكثير من المشاريع الجديدة الطموحة دعمًا لخططها، مثل مشروعَي نيوم والبحر الأحمر، لا تزال الإمارات في صدارة الوجهات الجاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر في المنطقة. فوفقًا لتقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، حقّقت دولة الإمارات أعلى رقم في تاريخها لتدفّقات الاستثمار الأجنبي المباشر (بقيمة 23 مليار دولار تقريبًا) في العام 2022، فيما انخفض معدّل تدفّق الاستثمار الأجنبي المباشر إلى السعودية بنسبة 59 في المئة (إلى حوالى 7.9 مليارات دولار) خلال الفترة عينها.

وسعيًا إلى جذب الاستثمار الأجنبي، طبّقت السعودية مجموعة من السياسات الاقتصادية الجديدة في السنوات الأخيرة، يطرح بعضها تحدّيات مباشرة على الإمارات. ففي تموز/يوليو 2021، فرضت الرياض قيودًا على وارداتها من بلدان مجلس التعاون الخليجي، لمنع وصول السلع المُنتَجة في المناطق الحرّة إلى السوق من دون استيفاء الرسوم الجمركية. يُذكَر أن الإمارات تضمّ ما يزيد عن أربعين منطقة حرة، تهدف إلى جذب الاستثمار الأجنبي المباشر من خلال تقديم مزايا واضحة للشركات والأنشطة التجارية العاملة ضمن هذه المناطق، ومنها الإعفاءات من الرسوم الجمركية، وعدم فرض أي قيود على العملة، وإعادة تحويل رأس المال والأرباح إلى الخارج، والسماح بملكية الأجانب بنسبة 100 في المئة. وهكذا، لم تَعُد السلع التي تدخل السعودية، والتي تصنعها شركات تزيد نسبة القوة الأجنبية العاملة فيها عن 75 في المئة، والمنتجات التي تقلّ نسبة المدخلات المحلية في تصنيعها (أي القيمة المُضافة الناشئة عن السلعة) عن 40 في المئة، معفاةً من الرسوم الجمركية. رأى المراقبون في هذا الإجراء استهدافًا مباشرًا للإمارات، حيث لا يشكّل المواطنون الإماراتيون سوى 10 في المئة من السكان. كذلك، شملت القيود السعودية الجديدة السلع المُصنَّعة بمدخلات إسرائيلية. وهذا أمرٌ لافتٌ نظرًا إلى أن الإمارات طبّعت علاقاتها مع إسرائيل بموجب الاتفاقات الإبراهيمية في العام 2020.

وفي كانون الأول/ديسمبر 2022، وضعت الرياض مجموعة جديدة من القيود للحدّ من تعامل الهيئات الحكومية السعودية مع الشركات الأجنبية التي ليست لها مقارّ في البلاد، أملًا منها في تشجيع الشركات المتعدّدة الجنسيات على إقامة مقارّها الإقليمية في السعودية. وستدخل هذه الضوابط حيّز التنفيذ في كانون الثاني/يناير 2024، علمًا أن الرياض تهدف إلى جذب نحو 480 شركة لإقامة مقارّها الإقليمية في السعودية بحلول العام 2030. ويُنظَر إلى هذه القيود الجديدة على نطاق واسع بأنها تَحَدٍّ مباشر لمكانة الإمارات بوصفها الوجهة الخليجية المُفضَّلة للمقارّ الإقليمية الخاصة بالشركات العالمية.

ومن الأسباب الأخرى التي يُعزى إليها التنافس السعودي الإماراتي تصوّراتُ البلدَين المختلفة بشأن دور منظمة الدول المصدّرة للنفط إضافةً إلى إحدى عشرة دولة أخرى مصدّرة للنفط ومتحالفة معها (أوبك+)، وكلاهما عضو بارز في هذه المنظمة. فقد استخدمت السعودية نفوذها ضمن منظمة أوبك+ للضغط على الدول الأعضاء كافّة من أجل خفض إنتاجها النفطي. وما كان من الإمارات إلا أن أبدت مخاوفها إزاء هذا النهج في تموز/يوليو 2021، داعيةً إلى زيادة حصص الإنتاج النفطي، وأُفيد بأنها فكّرت في الانسحاب من المنظمة. ومع أن مسألة الحصص حُلَّت في نهاية المطاف، وأن كبار المسؤولين الإماراتيين قالوا إن الإمارات لا تنوي مغادرة أوبك+، كان هذا الخلاف خير دليلٍ على اتّساع الشرخ القائم بين السعودية والإمارات.

تداعيات التنافس السعودي الإماراتي المتواصل

يشكّل التنافس المُحتدم بين السعودية والإمارات، أضخم بلدَين من حيث عدد السكان وأكبر اقتصادَين في مجلس التعاون الخليجي، مدعاة قلق بشأن مستقبل المنظمة، ذلك أنه يعيق آفاق التعاون والتكامل بين الدول الستّ الأعضاء فيها. فالمجلس بدأ للتو بالتعافي من أثر الأزمة الدبلوماسية مع قطر، التي حُلَّت في كانون الثاني/يناير 2021. والأسوأ من ذلك أن الحصار الذي فُرِض على قطر شكّل سابقةً في التعامل مع الخلافات الداخلية لمجلس التعاون الخليجي من خارج آليته، عوضًا عن حلّها عبر هيئة تسوية المنازعات التابعة له. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن محمد بن سلمان، أثناء محادثة خاصة مع صحافيين محليين في كانون الأول/ديسمبر 2022، هدّد بفرض حصار مماثل على الإمارات. وبحسب ما ورد، أخبر بن سلمان الصحافيين بأنه أرسل إلى الإمارات لائحة مطالب من شأن الإحجام عن تنفيذها أن يؤدّي إلى إجراءات عقابية.

صحيحٌ أن مقاطعة السعودية للإمارات مستبعدة، إلا أن الحرب التجارية الناشئة بينهما بدأت تؤثّر في عمل مجلس التعاون الخليجي بطرق عدّة. على سبيل المثال، قوّضت قيود الاستيراد التي فرضتها السعودية بشكل أحادي في العام 2021، الأهدافَ المُعلَنةَ للاتحاد الجمركي للمجلس، التي تتمثّل في “إزالة الحواجز الجمركية وغير الجمركية لتسهيل تدفّق السلع بين دول المجلس، وخلق قوة تفاوضية جماعية لدول المجلس سواء في سعيها إلى تحرير التجارة مع التكتّلات الاقتصادية الدولية الأخرى، أو في تنسيق سياسات الاستيراد والتصدير”.

كذلك، يهدّد الشقاق السعودي الإماراتي بعرقلة مسار مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة الجارية بين مجلس التعاون الخليجي وشركاء دوليين رئيسين، بمَن فيهم الصين، والهند، واليابان، والمملكة المتحدة. وبالفعل، بدأ كلٌّ من السعودية والإمارات يميل نحو عقد صفقات ثنائية. وفي حين أن الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي سبق أن وقّعت اتفاقيات تجارية ثنائية مع دول غير أعضاء في المجلس، مثل اتفاقية التجارة الحرة التي أبرمتها كلٌّ من البحرين في العام 2006 وعُمان في العام 2009 مع الولايات المتحدة، تُلقي الوتيرة المتزايدة للصفقات التجارية الثنائية التي تتجاوز مجلس التعاون الخليجي، ظلالًا من الشكّ على الهدف المتوخّى من هذه المنظمة.

فقد أبرمت دولة الإمارات مثلًا، منذ العام 2022، أربع اتفاقيات شراكة اقتصادية شاملة مع كلٍّ من الهند وإندونيسيا وإسرائيل وتركيا، في مجالات التجارة والاستثمار والتعاون. وعلى نحو مماثل، وقّعت السعودية اتفاقيات تجارية عدّة مع تركيا في آذار/مارس 2023. هذا وتنخرط الإمارات في عددٍ متزايدٍ من الشراكات “المصغّرة والمتعدّدة الأطراف”، وهي عبارة عن مبادرات غير رسمية وموجّهة أكثر، وتضمّ عددًا أقلّ من الدول، وترمي إلى معالجة تهديدات أو حالات طوارئ أو مسائل أمنية محدّدة. تشمل هذه المبادرات مجموعة I2U2 (التي تضمّ كلًّا من الهند، وإسرائيل، ودولة الإمارات، والولايات المتحدة)، ومنتدى النقب، ومبادرة التعاون الثلاثي (بين الهند، والإمارات، وفرنسا). يبدو أن الإماراتيين، باتّباعهم هذا النهج، يحتاطون لما قد يحمله المستقبل لمجلس التعاون الخليجي، عبر استحداثهم سُبُلًا بديلةً للتعاون الإقليمي. ناهيك عن ذلك، يمكن لهذه الشراكات المصغّرة والمتعدّدة الأطراف أن تشكّل شبكة أمان في حال نَبَذَ المجلس الإمارات، كما فعل مع قطر في العام 2017.

وما لا يقلّ أهميةً عن ذلك هو أن مجلس التعاون الخليجي يواجه صعوبةً متزايدة في تبنّي موقف موحّد حول القضايا الإقليمية. فالقرارات الكبرى، على غرار التقارب بين السعودية وإيران أو اتفاق تطبيع العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، التي عادةً ما تُناقَش ضمن المجلس أولًا، اتُّخِذَت من جانب واحد، ما قلّص أكثر أهميةَ المنظمة بصفتها تكتّلًا إقليميًا. فضلًا عن ذلك، أصبحت السعودية والإمارات، بسبب سياساتهما الخارجية الطموحة، تتصادمان حتى في مناطق أبعد. فإضافةً إلى تضارب مصالحهما في اليمن، عمدتا إلى دعم فصائل متناحرة في الصراع في السودان، كجزءٍ من التنافس الناشئ على النفوذ في القرن الأفريقي.

وما أضاف بُعدًا جديدًا إلى التنافس بين السعودية والإمارات كان ظهور بوادر خلافٍ شخصي بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد. فمشاعر الخيانة والطعن في الظهر التي عبّر عنها ولي العهد السعودي خلال لقائه مع صحافيين محليين، ونقلتها صحيفة وول ستريت جورنال، وتهديداته باتّخاذ إجراءات ضدّ الإمارات، تشي بأن التوتّرات بين الرياض وأبو ظبي هي أكثر من مجرّد تنافس استراتيجي. لقد ربطت بين الزعيمَين سابقًا علاقةٌ وثيقة، إذ صُوّر محمد بن زايد، الذي دعم ارتقاء محمد بن سلمان سلّم السلطة، على أنه مرشد وليّ العهد السعودي. ولكن منذ نشوب الخلاف العلني النادر بين السعودية والإمارات بشأن منظمة أوبك+، أصبحت التوتّرات في العلاقة الشخصية بين بن سلمان وبن زايد باديةً للعيان أكثر فأكثر. وقد تجلّى ذلك في عدم حضور محمد بن زايد قمة الصين والدول العربية التي عُقِدَت في الرياض في كانون الأول/ديسمبر 2022، والقمة العربية في جدّة في أيار/مايو 2023، وكذلك في غياب محمد بن سلمان اللافت عن قمة القادة العرب في أبو ظبي في كانون الثاني/يناير 2023. والواقع أن هذا البُعد الشخصي مقلقٌ بشكل خاص لمجلس التعاون الخليجي، لأن الصدع الدبلوماسي يمكن رأبه بين ليلة وضحاها، أما النزاعات الشخصية فلا يمكن حلّها بسهولة.

خاتمة

لا مفرّ من حقيقة أن مجلس التعاون الخليجي يواجه تحدّيًا داخليًا معقّدًا في ظلّ الخلاف القائم بين الدولتَين الأكثر نفوذًا فيه وبين قائدَيهما. فهذا التنافس الجيوستراتيجي بين السعودية والإمارات قادرٌ على زعزعة الاستقرار والتعاون ضمن المجلس، وكذلك في منطقة الشرق الأوسط ككُل، ما من شأنه أن يسفر عن تشظّي المجلس، كما لاحظنا من خلال انخراط الإمارات المتزايد في الشراكات المصغّرة والمتعدّدة الأطراف. ومن المرجّح أن تسعى الدول الأعضاء الأخرى في مجلس التعاون الخليجي إلى رأب هذا الصدع، أو على الأقلّ الحؤول دون توسّعه، إلا أن نجاح جهود الوساطة سيعتمد إلى حدٍّ كبير على مدى استعداد محمد بن سلمان ومحمد بن زايد لوضع خلافاتهما الشخصية جانبًا. لكنّ هذا الاحتمال يبدو مستبعدًا اليوم.

عبد الله باعبود – باحث

المصدر: مركز مالكوم كير-كارنيغي




روسيا تفتح خطوط ائتمان لإيران واستيراد السلع الأساسية يرتفع بقوة

أعلنت السلطات الإيرانية، اليوم الأربعاء، فتح روسيا خط ائتمان بقيمة 6.5 مليارات روبل (نحو 70 مليون دولار) لطهران لاستيراد السلع الأساسية الروسية.

وفتح بنك “إزبر” الروسي هذا الخط الائتماني لمصرف إيران الوطني خلال اجتماع في موسكو، شارك فيه محافظ البنك المركزي الإيراني، محمد رضا فرزين، الذي غادر أمس الثلاثاء طهران، متوجهاً إلى روسيا لإجراء مباحثات مع نظيره الروسي ألويرا نبيولينا، ومسؤولين اقتصاديين روس آخرين.

وكتبت وكالة “تسنيم” الإيرانية أن فتح الخط الائتماني يُعَدّ “الخطوة المهمة الأولى” في سبيل توسيع التعاون الاقتصادي بين إيران وروسيا بعد توقيع طهران على التجارة الحرة مع الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي.

وحسب وكالات أنباء إيرانية، فإن فرزين قد بحث خلال مباحثاته في روسيا تطوير العلاقات المالية والنقدية والبنكية بين إيران وروسيا.

وأكد محافظ البنك المركزي الإيراني خلال اجتماع اليوم بين البنكين الإيراني والروسي ضرورة الاستثمارات المشتركة بين طهران وموسكو في مشاريع البلدين.

إلى ذلك، توسّع كل من إيران وروسيا، البلدين الخاضعين للعقوبات الأميركية، بوتيرة متسارعة، مجالات تعاونهما المشترك للالتفاف عليها، عبر مشاريع عملاقة، مثل ممر “الشمال الجنوب” وإلغاء الدولار من التبادل التجاري واستثمارات وتعزيز التواصل المصرفي المباشر بعيداً عن نظام “السويفت” الدولي.

وخلال العامين الماضين، زادت التجارة بين البلدين نحو 80 في المائة، لترتقي إلى 4 مليارات دولار عام 2020، ثم إلى 4.6 مليارات دولار عام 2022. وتسعى طهران وموسكو لرفع الرقم إلى 10 مليارات دولار خلال السنوات المقبلة. 

إلى ذلك أيضاً، انتهت الاتصالات المكثفة الفنية بين البنكين، المركزي الإيراني والمركزي الروسي، إلى إنشاء الاعتماد المالي أو الاعتماد المستندي المعروف اختصاراً بـ (LC) لبنك “سبه” الإيراني بقيمة أولية 17 مليون يورو لاستيراد السلع من روسيا على أساس أن يسدد البنك المبلغ وفق جدول زمني متفق عليه.

وكان وزير الصناعات والمعادن والتجارة الإيراني، عباس علي أبادي، قد وقّع قبل أمس الاثنين اتفاقية التجارة الحرة بين بلاده مع أعضاء الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي (بيلاروسيا، وكازاخستان وقرغيزيا وروسيا وأرمينيا) في سان بطرسبورغ الروسية، وذلك بعد نحو عامين من المباحثات المكثفة.

والاتحاد تشكل في 29 مايو/أيار 2014 عبر اتفاق بين قادة روسيا وبلاروسيا وكازاخستان، قبل أن يدخل الاتفاق حيّز التنفيذ مطلع عام 2015. ويشمل الاتفاق دولاً وسط آسيا وشمالها وفي أوروبا الشرقية.

وتضمن اتفاقيات الاتحاد لجميع أعضائه حرية تنقل السلع والخدمات ورؤوس الأموال واليد العاملة وانتهاج سياسة متفق عليها في قطاعات التجارة والطاقة والصناعة والزراعة والنقل.

وحسب اتفاقية التجارة الحرة المبرمة بين إيران والاتحاد، ستُحذَف التعرفة الجمركية لـ87% من السلع في التجارة مع دول الاتحاد.

وحسب آخر البيانات الإيرانية، فإن حجم التجارة الإيرانية مع دول الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي الخمس قد بلغ خلال الأشهر الثمانية الماضية مليارين و344 مليوناً و100 ألف دولار، الأمر الذي يظهر نمواً بنسبة 33.5% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.

صابر غل عنبري

المصدر: صحيفة العربي الجديد