1

تحقيق لـ”نيويورك تايمز”: أين كان الجيش الإسرائيلي يوم 7 أكتوبر؟

كشف تحقيق أجرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية عن بعض أسباب إخفاق الجيش الإسرائيلي في التصدي لعملية “طوفان الأقصى”، التي نفذتها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

وخلصت الصحيفة إلى أن الجيش الإسرائيلي افتقر إلى خطة للتعامل مع هجوم حماس، كما انتابه التخبط وسقط في سوء التقدير في اللحظات الأولى من العملية.

ونقلت “نيويورك تايمز” عن مسؤول عسكري أن قادة الجيش الإسرائيلي كانوا يحاولون فهم التقارير الواردة عن هجوم لحركة “حماس”، بعد أن أجرى ضابط فرقة غزة، التي تشرف على العمليات العسكرية على طول الحدود، اتصالا عاجلا أثناء تعرض قاعدته للهجوم، من دون أن يتمكن من وصف نطاق الهجوم أو تقديم المزيد من التفاصيل.

وأضاف المسؤول نفسه: “في الساعة 7:43 صباحًا، أي بعد أكثر من ساعة من بدء الهجوم واقتحام الآلاف من مقاتلي حماس الحدود، صدرت أولى تعليمات الانتشار، وأمرت جميع قوات الطوارئ بالتوجه جنوبًا”، من دون أن تتوفر للقادة معلومات كافية عن حجم الهجوم.

وأكدت الصحيفة أن الجيش الإسرائيلي وصل متأخرًا وفشل في مهمته الأساسية في حماية الإسرائيليين، الذين حاولوا التصدي للهجوم بجهود ذاتية.

“تليغرام” و”واتساب” مصدر الجنود الإسرائيليين يوم 7 أكتوبر

وبحسب “نيويورك تايمز”، فإن الجيش الإسرائيلي كان يعاني من نقص في عدد أفراده، وكان سيئ التنظيم لدرجة أن الجنود تواصلوا فيما بينهم في مجموعات على تطبيق “واتساب” ومنشورات أخرى على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما أُمر طيارو طائرات الهليكوبتر بالاطلاع على التقارير الإخبارية وقنوات “تليغرام” لاختيار الأهداف.

واعترف جنود وضباط (سابقون وحاليون) للصحيفة ذاتها بأن “الجيش الإسرائيلي لم تكن لديه حتى خطة للرد على الهجوم الواسع والمفاجئ”، قبل أن يستدركوا: “وإن كانت هناك مثل هذه الخطة، فبقيت على الرف في مكان ما، ولم يتدرب أو يتبعها أحد. لقد اختلقها الجنود في ذلك اليوم أثناء تحركهم”.

بدوره، قال اللواء في قوات الاحتياط الإسرائيلية والرئيس السابق للقيادة الجنوبية للجيش يوم توف سامية: “من الناحية العملية، لم يكن هناك إعداد دفاعي صحيح، ولا تدريب، ولا تجهيز وبناء لمثل هذه العملية”، فيما صرح العميد احتياط والنائب السابق لقائد فرقة غزة أمير أفيفي بأنه “لم تكن هناك خطة دفاعية لهجوم مفاجئ مثل النوع الذي رأيناه في 7 أكتوبر”.

كما أن جنود الاحتياط الإسرائيليين لم يكونوا مستعدين للتعبئة والانتشار بسرعة، بحسب “نيويروك تايمز” التي كشفت أن بعضهم توجه بالفعل إلى الجنوب بمبادرة شخصية.

وفي هذا السياق، نقلت الصحيفة الأميركية عن رائد في قوات الاحتياط يدعى ديفيد بن تسيون قوله إن “جنود الاحتياط لم يتدربوا أبدا على الرد في أي لحظة على الغزو المفاجئ، بعد أن كان هناك افتراض أن المخابرات الإسرائيلية ستعلم عن أي هجوم وشيك مقدما، ما يمنحنا وقتًا للاستعداد للانتشار”.

وقد استفادت “كتائب القسام”، بحسب “نيويورك تايمز”، من تأخر وصول جيش الاحتلال إلى منطقة “غلاف غزة” لقتل عدد من الجنود المنتشرين والوصول إلى التجمعات الاستيطانية، كما ساهم ذلك في نجاح عناصر “القسام” في حصار قاعدة عسكرية بالمنطقة، وبالتالي شل الرد العسكري.

من جهته، روى الجنرال باراك حيرام، الذي كان من المقرر أن يتولى قيادة فرقة في الجيش على طول حدود غزة، كيف توجه في الساعات الأولى من يوم 7 أكتوبر إلى منطقة “غلاف غزة” لمتابعة الهجوم الذي اعتقد في البداية أنه “عادي”، متحدثًا عن رسائل نصية تلقاها من الجنود في المنطقة يستغيثون فيها طالبين التدخل بسرعة وإنقاذهم.

سوء تقدير ورد بطيء

اعتبرت “نيويورك تايمز” أن اندفاع القوات الإسرائيلية في اللحظات الأولى للهجوم بشكل محدود وبطيء، وبأسلحة مثل المسدسات والبنادق، يشير إلى سوء فهم القادة التهديد الذي يواجهونه، إذ كان الجيش ما زال يعتقد أن “حماس” ستتمكن في أحسن الأحوال في اختراق السياج الإسرائيلي في أماكن قليلة، لكنها في الواقع نجحت في اختراق أكثر من 30 موقعاً قبل التوغل في المستوطنات القريبة.

وهكذا، تدفق عناصر “القسام” ببنادق آلية ثقيلة وقاذفات قنابل صاروخية وألغام أرضية، وكانوا على استعداد للقتال عدة أيام”، فيما لم يحمل الجنود إلا مسدسات وبنادق، وفقا لـ”نيويورك تايمز”.

وبعد اتضاح الصورة أكثر، أصدر رئيس جهاز الأمن الداخلي “الشاباك” رونين بار، في تمام الساعة التاسعة صباحاً، أمراً نادراً يدعو جميع عناصر جهازه المدربين وحاملي السلاح إلى التوجه جنوبًا، رغم أن “الشاباك” لا ينشط في مهام قتالية على غرار الجيش.

ويذكر، في هذا الصدد، أن الجيش الإسرائيلي اعترف، سابقاً، بنقل كتيبتين من قوات الكوماندوز من مناطق الجنوب إلى الضفة الغربية قبل يومين من الهجوم، لتبقى ثلاث كتائب مشاة وكتيبة دبابات واحدة على طول الحدود مع قطاع غزة.

عدا عن ضعف الجبهة بسبب نقل الجنود، قال أحد كبار الضباط العسكريين إن حوالى نصف الجنود البالغ عددهم نحو 1500 في المنطقة كانوا في إجازة يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول، الذي تصادف مع الأعياد بإسرائيل.

أما من تبقى من الجنود في المنطقة، فقد كانوا، وفق الصحيفة الأميركية، يقاتلون من أجل أن يحافظوا على حياتهم وليس لحماية السكان في المستوطنات أو القواعد العسكرية.

وفي هذا الإطار، نقلت “نيويورك تايمز” مشاهد من معركة “طوفان الأقصى” يوم 7 أكتوبر. ومن بين هذه المشاهد إجبار الجنود في وحدة المدرعات على القتال بجانب وحدات المشاة بعد الهجوم على دباباتهم وتدميرها ونفاد ذخيرتها. وفي مشهد آخر، أطلق عناصر “القسام” النار على طائرة مروحية إسرائيلية فاشتعلت فيها النيران.

وبناء على وثائق حصلت عليها، جددت “نيويورك تايمز” التأكيد أن إسرائيل كانت قد علمت قبل سنوات بوجود مخطط للهجوم على مستوطنة “ريعيم”، إلا أن ذلك قوبل باستخفاف باعتباره غير قابل للتصديق.

وأضافت الصحيفة أنه حتى عندما أثار محللون في الاستخبارات الإسرائيلية إنذارات في شهر مايو/ أيار بشأن وجود تدريبات غير اعتيادية لحركة “حماس”، لم يؤخذ ذلك بالاعتبار ولم يتخذ أي إجراء احترازي من قبيل زيادة عدد القوات على الحدود.

المصدر: صحيفة نيويورك تايمز

ترجمة: صحيفة العربي الجديد




كيف تغير المسيّرات طبيعة الحروب وساحاتها؟

على مر السنين، تميزت الحروب الكبرى بإرساء قناعات جديدة، وتكتيكات جديدة، وتكنولوجيا جديدة. في عام 1453 اختُرقت جدران القسطنطينية بواسطة مدفع عملاق استخدمه السلطان محمد الثاني. وجلب نابليون تكتيكات جديدة ومبتكرة للمشاة. وفي الحرب العالمية الأولى، غيّر غاز الخردل والمدافع الرشاشة من وجه ساحة المعركة. وفي الحرب العالمية الثانية، كانت حاملات الطائرات، وتكتيكات الحرب الخاطفة، والأسلحة النووية.

واليوم، إنها المركبة الجوية من دون طيار، والمعروفة عموماً باسم الطائرة المسيّرة (الدرون). صارت الطائرات المسيرة في أفغانستان، والعراق، وأوكرانيا، وأذربيجان، وغزة، أداة أساسية للحرب الحديثة، وسواء استخدمت في المراقبة أم الاستطلاع أم الهجوم، فإن سماء كييف وغزة والبحر الأحمر والخليج العربي ومضيق تايوان تعج بهذه المسيرات الصغيرات القاتلات.

صارت الطائرات المسيرة حُلم كل من يُقاتل، من جيوش نظامية كبرى أو مجموعات مؤثرة غير حكومية، ولها (للمسيرات) ثلاث سمات بارزة. أولا، رخيصة ومتوفرة، يمكن شراء مسيرة المراقبة الصغيرة من أمازون بأقل من 100 دولار وتسلمها بين عشية وضحاها. وفي حين أنها قد لا تدمر الدبابات، فإنها يمكن أن توفر شريط فيديو في الوقت الحقيقي لخط خندق العدو عبر الميدان، أو موضع قناص على سطح مبنى، أو موقع كمين في الجوار.

ويمكن للطائرات المسيرة الأكثر تطوراً أن تحلق لارتفاعات أعلى، ولمسافات أبعد، وتبقى في الجو لفترات أطول، وهذه هي لعنة قوات الدعم. ففي حين تُشن الحروب على الخطوط الأمامية بالاستعانة بالمشاة والدبابات والطائرات، لا يمكن الفوز بالحروب من دون مواصلة تغذية خطوط المواجهة الأمامية، وتزويدها بالوقود، وإعادة الإمداد. ويستلزم ذلك تأمين سلاسل إمداد ضخمة من مخازن الذخيرة، ومستودعات الوقود، ومرافق الإصلاح، جنباً إلى جنب مع أساطيل الشاحنات، والآلاف من قوات الدعم لتجديد ملايين الأطنان اللازمة يومياً للحفاظ على جيش صغير يقاتل.

تقع غالبية سلاسل الإمداد هذه بعيداً تماماً عن الخطوط الأمامية، وقبل انتشار الطائرات المسيرة، كان لا يمكن رصد المسيرات إلا بصورة متقطعة ومن دون دقة كافية حتى يستهدفها العدو بالمدفعية أو الصواريخ. أما الآن، فقد صارت منطقة العمليات بأكملها ساحة للمعركة ولا يوجد مكان للاختباء. إذ يمكن للطائرات المسيرة تنفيذ الدوريات فوق الطرق، واستطلاع المواقع ذات المخزونات اللوجيستية المحتملة، والتقرب من إشارة الحرارة بالأشعة تحت الحمراء في الليل لاكتشاف وحدة مدفعية مخفية أو طابور دبابات متحرك. إن قدرة الطائرات المسيرة على الرؤية في جميع أنحاء منطقة القتال، يخلق فعليا ساحة معركة شفافة، بصورة لم يسبق لها مثيل.

لا تستطيع الطائرات المسيرة رصد الأهداف في جميع أنحاء منطقة القتال فحسب، وإنما يمكنها أيضا مهاجمة تلك الأهداف. و«الهدف» في الاصطلاح العسكري يتلخص في إنشاء «رابطة بين المُستشعر إلى الرامي» قادرة على العثور على الهدف في الوقت المناسب، وبقدر كبير من الدقة، وتدمير الهدف تماماً. وتستطيع الطائرات المسيرة أن تحل محل «المُستشعر» من تلك المعادلة عبر توفير معلومات فورية ودقيقة بنظام تحديد المواقع العالمي. لكن حتى وقت قريب، وحتى إذا كان جهاز استشعار الطائرات المسيرة دقيقا وفي الوقت المناسب، فإن الأدوات اللازمة لمهاجمة هذا الهدف كانت «بليدة» نسبيا. إذ تعد المدفعية والصواريخ التقليدية غير دقيقة إلى حد كبير، وغالبا ما تتطلب مئات الطلقات لتدمير الهدف. على سبيل المثال، تُطلق في أوكرانيا أكثر من 65 ألف طلقة يوميا، أي ضعف عدد القذائف التي يمكن للولايات المتحدة إنتاجها شهريا.

مسيّرة أميركية شاركت في المعارك ضد تنظيم «داعش» في العراق (أ.ف.ب)

كما تساعد الطائرات المسيرة في حل مشكلة «الرامي»، مع ظهور الأسلحة الدقيقة المخصصة بالليزر والموجهة بنظام تحديد المواقع العالمي، إذ يمكن للفرد أو الطائرة مع المعدات المناسبة توجيه القذيفة إلى الهدف بدقة كافية لتحقيق التدمير بقذيفة واحدة. ومع ذلك، فإن الأفراد والطائرات مقيدين بظروف الطيران، وتوافر الطائرات، والظروف الأرضية، ومجال الرؤية المحدود، ومجموعة من التحديات الأخرى التي تعيق القدرة على رؤية الهدف أو الاشتباك معه. فالطائرات المسيرة ليست أفضل بكثير في رؤية الأهداف فحسب، وإنما يمكنها أيضا الاشتباك مع الهدف بعدة طرق. ويمكنها توفير رابط فيديو مع بيانات استهداف دقيقة، وتوفير تحديد الليزر لتوجيه طلقة دقيقة إلى هدف، وحمل وإطلاق الصواريخ ضمن حمولتها الخاصة، أو القيام بدور «طائرة مسيرة انتحارية» لمهاجمة الهدف مباشرة.

ويرى كثيرون أن الطائرات المسيرة تعمل على تغيير طبيعة الحروب، وسوف تكون السلاح السائد في ساحة المعركة في المستقبل. وإلى أقصى حد، يتصور المنظرون ساحة معركة مليئة بالتكنولوجيا ولكنها خالية من البشر. وسوف يتم توجيه الدبابات ذاتية القيادة من قبل مُشغلين بعيدين عن ميدان المعركة، وسوف يتم توجيه الطائرات المسيرة والطائرات ذاتية القيادة من خلال الذكاء الاصطناعي و«شات جي بي تي»، وسوف يتم تعريف النصر من خلال من لديه عدد ماكينات متبقية في نهاية المعركة.

قد يحدث هذا يوماً ما، ولكنه ليس اليوم. ولن يكون ذلك قريباً. في الآونة الراهنة، تعد الطائرات المسيرة مُحصنة وثورية، ولكن كما هو الحال في كثير من الأحيان، تتغلب التكنولوجيا الأفضل على التكنولوجيا الراديكالية الجديدة بوتيرة سريعة، التي إما أن تقفز إلى الأمام أو تُحيّد تلك التكنولوجيا الجديدة كلياً. في حالة تكنولوجيا الطائرات المسيرة الحالية، باتت الجيوش تستغل ميزاتها، ولكن تكنولوجيا مكافحة الطائرات المسيرة تتسابق لسلبها تلك المزايا. فالطائرات المسيرة ليست مُحصنة على الدوام، إذ يمكن إسقاطها، ولا بد من توجيهها، كما تحتاج إلى وصلات بيانات لنقل المعلومات إلى المشغلين، وهم بحاجة إلى صور واضحة للهدف. ويمكن تعطيل هذه العناصر أو إلغاؤها، ولا سيما الوصلات اللاسلكية المهمة التي يمكن تعرضها للتشويش أو الخداع أو الإعاقة.

وعلى الرغم من نقاط ضعفها، فإن الطائرات المسيرة لها تأثير كبير على كل ساحة القتال، سواء أكانت حرباً شديدة الكثافة كما في أوكرانيا، أم هجمات على عناصر الشحن الدولي قبالة ساحل اليمن، أو إطلاق عمليات مكافحة الإرهاب في جميع أنحاء العالم. وقد أثبتت الطائرات المسيرة أنها متعددة الاستخدامات، وغير مُكلفة، وفعالة إلى حد استثنائي، ولا سيما مع الأهداف العميقة مثل مراكز القيادة، ومواقع المدفعية، والأهداف العالية القيمة مثل الإرهابيين. ومن المحتم أن تواصل تكتيكات وتقنيات مكافحة الطائرات المسيرة الحد – إلى قدر ما – من فاعليتها الإجمالية، ولكن حتى إذا تضاءلت قدراتها، فإن الطائرات المسيرة سوف تحتفظ بدور مهم ودائم في ساحة المعركة الحديثة.

مارك كيميت – محلل عسكري

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




ماذا لو ساد الذكاء الاصطناعي؟

من أهم أسباب ارتفاع أسهم شركات التقنية خلال عام 2023 التفاؤل بخصوص الذكاء الاصطناعي وآثاره التي ستتضح أكثر في عام 2024. فهل يشكل الذكاء الاصطناعي خطراً على سوق العمل؟ وهل من شأنه أن يعطل غالبية العاملين والموظفين بدءاً من العام المقبل؟ في الواقع كثيرون طرحوا هذا السؤال، بل أبرز رجالات التقنية إيلون ماسك طالب بتشريعات تحد من تنامي الذكاء الاصطناعي، بحجة أن الآلة أسرع من الإنسان في الحلول ومعالجة البيانات وستنقلب عليه. لكن يبقى السؤال؛ هل هذا الطرح يُعدّ من المبالغة أم من المحتمل حدوثه فعلاً؟

في مجال تخصصي عادةً ما أستمع لآراء تتحدث عن أن الذكاء الاصطناعي سوف يقضي على مجال إدارة الأصول وأسواق المال ويحل مكانها. هذا التصور بالطبع قاصر عن فهم هذا الذكاء الآلي والإنساني، حيث إن أساس الذكاء الاصطناعي خاضع لكمية المدخلات من المعلومات التاريخية وكيفية إحصائها وفرزها وتكوين منطق من خلالها، بينما الإنسان علاقته مع الماضي نسبية، وتعمقه يكون في الجزئيات فقط، واختياره لتفاصيل القضايا غالباً لا يخضع لأسباب منطقية محددة، فقد يكون بسبب قناعات قديمة أو ظنون غير حقيقية.

استخدام المنطق

فالإنسان في تصرفاته غير منطقي، إلا أنه يملك العقل الذي يمكنه عبره أن يستخدم المنطق، لذلك نرى أن كثيراً من آرائه وأفكاره لا نستطيع التنبؤ بها، حتى السلوك المنطقي الإنساني أيضاً علاقته بالجزئيات والتفاصيل، وليس النظر إلى الماضي كقاعدة يعتمد عليها، بل غالباً ما يشكك، بمعنى أن الإنسان الذكي الناجح علاقته مع الماضي نوعية، وغالباً ما يميل للتشكيك والنقد، بخلاف الآلة التي قد لا تعرف الوصول للجزئيات المهمة. والأهم من ذلك أنها تعتمد على الماضي بشكل كمي، وليس بشكل نوعي، حتى لو امتلكت المنطق للوصول إلى نتيجة.

فمثلاً التنبؤ حول سياسة الفيدرالي من رفع أو تأجيل أو تقليص أسعار الفائدة اختلف عليها الذكاء البشري، ما انعكس على الأسواق. وقبل ذلك في عام 2007 اختلف الذكاء البشري أيضاً حول جودة أصول الرهن العقاري فكانت أكبر الأزمات الاقتصادية المالية التي عصفت بالأسواق. وفي كلا الأزمتين كانت هناك أقلية استشعرت الخطر مبكراً، وتعاملت معه باستباقه. وهذه الطبيعة البشرية؛ أقلية تتجاوز الأغلبية لأسباب كثيرة، أهمها امتلاك العقل الحر بلا قيود أو تقليد للآخرين. أما الآلة فلن تستطيع الخروج عن متوسط التقديرات البشرية التي غالباً ما تقع في الأخطاء. ومثلاً في أزمة وباء «كوفيد» لم تكن هناك أصلًا معلومات تاريخية تساعد الذكاء الاصطناعي، فما خرج خلال الأزمة كان أغلبه تهويلاً ومخاوف تجعل الذكاء الاصطناعي لا يمتلك نموذجاً مناسباً لطرح الحلول الأكثر مثالية.

الاجتهاد والابتكار

لكن الذكاء الاصطناعي يبقى تطوراً كبيراً في مسيرة الإنسان، لأنه يختصر الأعمال التقليدية والروتينية ويقلص من بعض الأخطاء البشرية، ويعطي حيزاً أكبر للاجتهاد والابتكار. وجمال الابتكار يكمن في أنه ينضج مع العمر. كما أنه متوقع مستقبلاً أن يزداد متوسط عمر الإنسان إلا أن خطورة هذا الذكاء برأيي تكمن في أنه يقضي على الوظائف التي يقل فيها الاجتهاد والاتصال البشري، لذلك ممكن أن يزيد من الهوة بين الطبقات الاجتماعية وفجوة الثروات بين الشعوب. فقد قال أفلاطون قبل آلاف السنين إن السادة والطبقة العليا هي من تعمل بعقلها، والطبقة الدنيا هي من تعمل بجوارحها، ومقولته تزداد رسوخاً عبر العصور.

أخيراً، فإن الذكاء الاصطناعي إضافة إلى تطور الإنسان، وليس تهديداً له، لذلك على الإنسان أن يزيد حرصه على مستوى تعليمه، كون العلم لا عمر ولا حدود لآفاق تحصيله، وعليه أن يفكر ويخرج عن المعتاد ولا يأخد الماضي بتسليم، وقبل كل ذلك لا ينسى أن يضحك وأن يحب وأن يحلم ويتفاءل بالمستقبل، فذكاء الإنسان البطيء سوف يبقى أسرع وأكثر جودة من الآلة الخارقة.

مازن السديري

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




هل تزدهر الرعاية الصحية وقطاع الأدوية بفضل الذكاء الاصطناعي؟

جمع البيانات أمام اختبار الأمان والخصوصية

«لا تمت لأي سبب غبي»… هي العبارة الأكثر ترداداً على لسان بيتر ديامانديس، أحد رواد الأعمال ومؤسس «إكس برايز» وجامعة «سينغولاريتي». ويستشرف بيتر وكثيرون مثله ثورة فعلية في مجال الرعاية الصحية يتيحها ما تم إحرازه من تقدم غير مسبوق وسريع في مجال الذكاء الاصطناعي، ما سيؤدي إلى زيادة أعمار البشر بشكل كبير.

مع تطلعنا إلى العقد المقبل يحمل إدماج الذكاء الاصطناعي بمجال الرعاية الصحية وعداً بإحداث تحول جذري في تقنيات التشخيص الطبي، وتطوير العقاقير، والطب الذي يراعي فردية الحالات، ورعاية المرضى عموماً. يستعرض هذا المقال التطورات المحتملة والواقعية التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم بها في مجال الرعاية الصحية، ويتبحر في كيفية قيام تلك الابتكارات بإعادة تشكيل مستقبل الطب.

الذكاء الاصطناعي وتطوير العقاقير

لعل أهم التأثيرات المحتملة للذكاء الاصطناعي هي تلك التي تنعكس على مجال اكتشاف العقاقير وتطويرها. وتزداد مهارة خوارزميات الذكاء الاصطناعي باستمرار في تدقيق مجموعات البيانات، ومن المرجح أن تصبح قادرة على توقع العلاقة بين الأمراض والأهداف الحيوية البيولوجية، والمركبات الأصلية وتلك المقلّدة. وربما يعني ذلك أيضاً إمكانيات التعرف على الأهداف المحتملة لعقار جديد، وطرق تصنيع العقاقير المقترحة الملائمة على نحو أسرع وبشكل مختلف عن الطرق التقليدية. إذا كتب النجاح لهذه الجهود، أو عندما تنجح فعلياً، من المتوقع أن يوفر الذكاء الاصطناعي الوقت والتكلفة المرتبطة باكتشاف العقاقير.

كذلك سوف يشهد المستقبل الأثر الهائل للذكاء الاصطناعي على التجارب السريرية، حيث سيجعلها أكثر فعالية ونجاحاً. يمكن للباحثين استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات المرضى وتحديد المرشحين المناسبين للتجارب بوتيرة أسرع ودقة أكبر. ولا يسرّع ذلك عملية الاختيار فحسب، بل يضمن أيضاً تمثيلاً أفضل للسكان في التجارب. فعلى المستوى العملي، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يراقب بيانات التجارب وقت حدوثها ما يسمح بتحديد المشكلات المحتملة أو الأعراض الجانبية بشكل أسرع، ما من شأنه أن يزيد أمان العقاقير الجديدة وفعاليتها. ونحن نشهد بالفعل محاولات أولية في هذا المجال من خلال «توقع نتائج التجارب السريرية استناداً إلى اختيار الهدف وتصميم التجارب باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي المتعددة النماذج «أليبر – 2023»، لتوقع نتيجة التجارب. سوف ترتفع إمكانيات التوقع بشكل كبير وتصبح هذه المسألة مفصلية في المرحلة المقبلة.

وإلى ذلك، يتوقع أن يكون الذكاء الاصطناعي على أعتاب حقبة جديدة في مجال العلاج الرقمي. فيما يلي بعض التدخلات العلاجية القائمة على أدلة والتي تمت بمساعدة برامج عالية الجودة لمنع أو معالجة خلل اعتلال أو مرض أو التعامل معه. يمكن أن تصبح التطبيقات والأجهزة المعززة بالذكاء الاصطناعي، التي تقدم نصائح وعلاجات تناسب كل حالة بشكل شخصي، أكثر فعالية وانتشاراً. لا يدعم هذا النهج العلاجات التقليدية فحسب، بل يقدم أيضاً مسارات وأساليب جديدة للتعامل مع الحالات المرضية المزمنة، والصحة النفسية، والأمراض المتعلقة بنمط الحياة.

طب يتوافق مع فردية الحالات

سوف تحدث قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل مجموعات كبيرة من البيانات، ثورة في مجال الطب القادر على التوافق مع كل حالة بشكل فردي. فمن خلال استخدام بيانات المرضى، بما في ذلك المعلومات الوراثية، والمؤشرات الحيوية غير الجراحية، ونمط الحياة، والعوامل البيئية، وفحوص التصوير بالأشعة، يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في تحديد علاجات تناسب الأفراد بشكل شخصي. لا يحسّن هذا النهج فعالية العلاجات فحسب، بل يساهم أيضاً في الحد من الآثار الجانبية، فيمكن للأدوات المعززة بالذكاء الاصطناعي في المستقبل أن تتيح للأطباء السريريين اختيار العقاقير وبروتوكولات العلاج الأكثر فعالية استناداً إلى الوضع الصحي والحيوي الفريد لكل مريض.

من المرجح أن يحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً أيضاً في تقنيات التشخيص، حيث يتم استخدام خوارزميات تعلم الآلة بالفعل في تفسير الصور الطبية بمستوى من الدقة يرقى إلى مستوى الخبراء من البشر إن لم يكن يفوقه. سوف تصبح تلك الوسائل التكنولوجية في المستقبل أكثر تطوراً، ما يتيح تشخيصاً مبكراً ودقيقاً بدرجة أكبر لحالات مثل السرطان، وأمراض القلب، والاضطرابات العصبية. كذلك قد يصبح الحصول على أدوات التشخيص المعززة بالذكاء الاصطناعي عن بعد أسهل، وهو ما سوف يجسر الهوة المتصلة بإتاحة وتوفير الرعاية الصحية.

الفعالية العملية في الرعاية الصحية

لا شك أن الذكاء الاصطناعي سيعزز الفعالية العملية من داخل أنظمة الرعاية الصحية. فيمكن أن تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي مقدمي الرعاية الصحية على توفير مستوى أفضل من الرعاية، بدءاً بالاستغلال الأمثل لأداء العمل في المستشفيات وصولاً إلى إدارة بيانات المرضى وتوقع معدلات دخولهم إلى المستشفيات، من خلال إدارة أفضل للموارد والتخطيط. ويمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي تحديداً تنفيذ المهام الإدارية مثل وضع الجداول، وإصدار الفواتير، وإدارة ملفات المرضى آلياً، مما يخفف من العبء الإداري الواقع على كاهل الموظفين، ويتيح لهم التركيز بدرجة أكبر على العناية بالمرضى. لا يحسّن هذا القدر الأكبر من الفعالية نتائج المرضى فقط، بل يمكنه أيضاً الحد من التكلفة الإجمالية لعملية تقديم الرعاية الصحية.

إلى جانب ذلك، سوف يعزز دمج الذكاء الاصطناعي في الخدمات الطبية المقدّمة عن بعد، ومتابعة المرضى عن بعد، عملية تقديم الرعاية الصحية. كذلك يمكن لمنصات الخدمات الطبية المقدّمة عن بعد والمعززة بالذكاء الاصطناعي تقديم تشخيصات أولية، والتوصية بخيارات علاجية، بل وحتى توقع درجة خطورة الحالات الطبية. وتتيح الأجهزة، التي يمكن ارتداؤها والمعززة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي، متابعة الحالة الصحية للمرضى بشكل متواصل وتزويد مقدمي الرعاية الصحية ببيانات فورية مع احتمالات التدخل المبكر في حالة وجود أي خلل أو انحراف.

تحديات في التنفيذ والدمج

والواقع أنه وعلى رغم التفاؤل المحيط باستخدام الذكاء الاصطناعي في مجال الرعاية الصحية، هناك تحديات كبرى في عملية التنفيذ والدمج، تشمل الحاجة إلى بيانات معيارية ذات جودة عالية تضمن توافق التشغيل بين أنظمة الذكاء الاصطناعي المختلفة وقواعد بيانات الرعاية الصحية، فضلاً عن التدريب المستمر لموظفي الرعاية الصحية من أجل العمل على نحو متوافق مع وسائل الذكاء الاصطناعي التكنولوجية. إضافة إلى ذلك تعدّ معالجة التحديات التنظيمية وضمان التوافق مع معايير الرعاية الصحية من الأمور الضرورية لإتاحة الاستخدام الآمن والفعّال للذكاء الاصطناعي في تلك المجالات.

كذلك تتسم الاعتبارات الأخلاقية المتعلقة بخصوصية البيانات والأمن أهمية كبيرة، لا سيما فيما يتعلق بضمان شفافية وحيادية كل أنظمة الذكاء الاصطناعي وقابليتها للتفسير من الأمور الضرورية لقبولها وفعاليتها في ظروف مجال الرعاية الصحية.

ربما يتمثل التحدي الأكبر في عدم جعل أوجه التقدم، التي يتم تحقيقها باستخدام الذكاء الاصطناعي في مجال الرعاية الصحية، مقيدة ومقتصرة على تحسين حياة الأثرياء فحسب. سوف يتم الشعور بالأثر الحقيقي لأدوات الرعاية الصحية التحويلية عندما يتمكن العامّة من الاستفادة منها. ومن اللازم محو الأمية التكنولوجية، وإتاحة الوسائل بتكلفة مقبولة، وسدّ الثغرات المتعلقة بالوصول إليها، ويتطلب هذا تعاوناً بين القطاع الحكومي والجهات المدافعة عن المرضى والمؤسسات التي تستطيع تيسير وصول الوسائل التكنولوجية المعززة بالذكاء الاصطناعي إلى الدول والمجتمعات المحرومة على المستويين الكلي والجزئي.

ختاماً، ومع تطلعنا نحو المستقبل نجد أن قدرة الذكاء الاصطناعي على إحداث تحول في حياة البشر هائلة، فهو لا يعد بتعزيز فعالية وكفاءة العلاج فحسب، بل أيضاً بالمساهمة في تقديم رعاية صحية أكثر توافقاً مع الحالات بشكل شخصي، وأكثر تمركزاً حول المريض، حيث يمكن للوقاية أن تضطلع بدور أكبر. مع ذلك سوف يتطلب تحقيق هذه الإمكانية تعاملاً حريصاً وحذراً مع التحديات الفنية والأخلاقية والتنظيمية. هذا التفاؤل الذي يغمرني يجعلني متيقناً من أن الذكاء الاصطناعي سيكون له أثر كبير على طول أعمار البشر. لذا سوف أتبّع نصيحة بيتر ديامانديس وأحاول ألا أموت لسبب غبي.

هشام حمادة

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




مفكر أمريكي: ثلاثة دروس من غزة إلى أوكرانيا.. والإيمان بقضية يتفوّق على القوة العسكرية

ساعات قليلة ويودع العالم عاماً شهد من التطورات والأحداث ما يجعله يتوقف طويلاً لكي يستوعب دروسها، قبل أن يدخل إلى العام الجديد.

فمن الحرب الإسرائيلية في غزة إلى طفرة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وضع عام 2023 العالم أمام تحديات كبيرة في 2024.

وفي تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء، يقدم المفكر الأمريكي تيلر كوين، أستاذ كرسي هولبرت إل.هاريس في قسم الاقتصاد بجامعة جورج ماسون الأمريكية، ثلاثة دروس يرى أنها الأجدر بالتوقف عندها خلال العام الحالي، الذي كان مليئاً بالأحداث التي تحتّم إعادة النظر في الكثير من وجهات نظرنا الاجتماعية العلمية.

 يتوقف كوين، المدير المشارك لمدونة “الثورة الهامشية” على الإنترنت، عند الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، والحرب الروسية في أوكرانيا، ويقول إن الدرس الأوضح من هذه الحروب هو أن القدرة على الردع لم تعد بنفس القوة التي كنا نتصورها، وإن الإصرار مع  إيمان المرء بقضيته وتشبثه بالدفاع عنها يمكن أن يتفوق على القوة العسكرية الكاسحة للخصم.

كوين: إحدى المفاجآت هي أن الردع الفاشل يعتبر أمراً سلبياً للغاية، في حين أن طفرة الذكاء الاصطناعي يمكن اعتبارها إيجابية للغاية

ويضيف أن الجيش الإسرائيلي أقوى كثيراً من حركة “حماس”، وهو ما يظهر حالياً على الأرض. ومع ذلك لم تمنع قوة الجيش الإسرائيلي “حماس” من مواصلة ضرباتها داخل إسرائيل.

في الوقت نفسه، فإن أوكرانيا، ومع كل الدعم الاقتصادي والعسكري من الولايات المتحدة ودول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لم  تتمكّن من منع  روسيا من مواصلة الحرب، رغم ما تتكبّده من خسائر باهظة، سواء على الصعيد العسكري، أو السمعة الدولية، وذلك ببساطة لأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يريد السيطرة على أوكرانيا، ويؤمن بحق بلاده في السيطرة على مناطق عديدة فيها.

 ولا يوجد في هذه التطورات ما يمثل نبأ ساراً للولايات المتحدة التي تعتمد على الردع لدعم العديد من حلفائها. كما أنها نبأ سيئ للعالم ككل، لأن الردع يدعم النتائج السلمية والحفاظ على الوضع القائم.

أما الدرس الثاني، الذي تناوله كوين في تحليله، فيتعلق بالمكاسب الهائلة التي يمكن تحقيقها في التكنولوجيا بسرعة. فقبل عام، أو حتى أشهر قليلة، لم يكن أغلب الناس يدركون أن الذكاء الاصطناعي، وبخاصة منصة المحادثة الآلية شات جي.بي.تي4، سيؤدي إلى تحولات كبيرة متعددة الأبعاد بهذا الشكل. والآن؛ يتوقع الخبراء أن يتفوق الذكاء الاصطناعي على الإنسان في أغلب مجالات التفكير، خلال أقل من 10 سنوات. وهناك الكثير من الخبراء من يتوقع حدوث ذلك خلال أقل من 3 سنوات.

وينتقل كوين، كاتب عمود “المشهد الاقتصادي” في صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، والذي يحتل المركز 72 في قائمة مجلة “فورين أفيرز” (شؤون خارجية) لأهم 100 مفكر عالمي، إلى الدرس الثالث المستفاد من 2023، وهو أن الحوكمة غير مهمة حتى يثبت العكس.

كوين: الجيش الإسرائيلي أقوى كثيراً من حركة “حماس”، ومع ذلك لم تمنع قوته “حماس” من مواصلة ضرباتها داخل إسرائيل

ويقول إن دليله على ذلك هو الجامعات الأمريكية، وبخاصة النزاعات الأخيرة حول معاداة السامية في الحرم الجامعي، والحرية الأكاديمية، وسلامة الطلاب، وغير ذلك.

ويضيف أنه لن يناقش كل هذه النقاط، لكنها كافية للقول إنها أصبحت تمثّل كارثة لصورة التعليم الجامعي الأمريكي. فما يحدث في الجامعات الأمريكية حالياً يعني، على الأقل، أن أداءها سيئ.

وأخيراً، يقول تيلر كوين إنه  إذا أراد تلخيص أهم ما ميّز العام الحالي، فسيقول إنه شهد مفاجآت أكثر مما يستطيع علماء الاجتماع توقعه. وإحدى هذه المفاجآت هي أن الردع الفاشل يعتبر أمراً سلبياً للغاية، في حين أن طفرة الذكاء الاصطناعي يمكن اعتبارها إيجابية للغاية.

المصدر: صحيفة القدس العربي




فورين بوليسي: هل ستنقل إيران حركة الإرباك البحري من البحر الأحمر إلى المتوسط؟

نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا للزميلة في شبكة القيادة الأوروبية، إليزابيث براو، قالت فيه إن البحر الأحمر أصبح منطقة محفوفة بالمخاطر منذ أن بدأ الحوثيون هجماتهم على السفن، فمنذ أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر، حولت أكثر من 350 سفينة شحن – بالإضافة إلى جميع أنواع ناقلات النفط وناقلات السلع السائبة وناقلات السيارات والسفن التجارية الأخرى – مسارها إلى طرق أخرى.

ولا شك، حسب الباحثة، أن التحركات في البحر الأحمر تفرض تحديات لوجستية هائلة لا تتضمن فقط خرائط جديدة ومزيدا من الوقود، بل أيضا نقل الطواقم والبضائع إلى مواقع انطلاق بديلة.

التحركات في البحر الأحمر تفرض تحديات لوجستية هائلة لا تتضمن فقط خرائط جديدة ومزيدا من الوقود، بل أيضا نقل الطواقم والبضائع إلى مواقع انطلاق بديلة

فقد شهد الممر البحري في البحر الأحمر وعشية أعياد الميلاد هجمات متعددة للحوثيين، بما في ذلك ضد سفينة حاويات مملوكة لسويسرا وناقلة نرويجية. ومع أن المشاكل في البحر الأحمر ليست جديدة بل وضاربة في جذور التاريخ، إلا أن مستخدمي البحر اليوم لن يعولوا على التدخل الإلهي كما في الماضي، ورغم ما تقوم به قوة “حراس البحر” بقيادة أمريكا وإسقاط 12 طائرة هجومية مسيرة وخمسة صواريخ أطلقها الحوثيون، لكن النيران المضادة من القوات البحرية الغربية ردا على هجمات الحوثيين لا تؤدي إلى خلق بيئة الإبحار القابلة للتأجير التي تحتاجها خطوط الشحن.

علاوة على ذلك، ليس من الواضح ما هي السفن التي يمكن أن تتوقع مرافقة. يبدو أن البحرية الفرنسية تعطي الأولوية للسفن التي ترفع العلم الفرنسي، مع أن معظم السفن تبحر تحت علم الملاءمة، وتكون مملوكة في بلد ما وتدار في بلد آخر، ولديها طاقم من الأجانب، وتحمل البضائع بين أماكن أخرى تماما.

إن ما يمكن اعتباره سفينة أمريكية أو فرنسية أو نرويجية في البحر الأحمر يمكن أن يكون غير مؤكد إلى حد كبير. والشحن – والأهم من ذلك، شركات التأمين – يعتمد على تقليل المخاطر. وهذا يعني أن أكبر خطوط الشحن بدأت بدلا من ذلك في تحويل سفنها إلى طرق أخرى. وبحلول 24 كانون الأول/ ديسمبر، كان قد تم بالفعل تغيير مسار نحو 280 سفينة شحن، وكذلك الكثير من ناقلات النفط وناقلات السلع السائبة وناقلات السيارات والسفن التجارية الأخرى.

وهذا يعني أن موكبا مفاجئا من السفن يسلك طريقا أطول بكثير عبر رأس الرجاء الصالح على الساحل الجنوبي الغربي لجنوب إفريقيا. وقال كورماك ماكغاري، المحلل البحري في شركة “كونترول ريسكس الاستشارية”، لمجلة فورين بوليسي: “شركات الشحن مشغولة للغاية في الوقت الحالي. لقد كانوا يعملون خلال أعياد الميلاد، ويغيرون الطرق. أول ما يحدث عندما تقوم بالتحويل هو الجانب القانوني، حيث يسمح بند في عقود الشحن لخطوط الشحن بالتحويل إذا كان هناك خطر حرب. وبعد ذلك عليك أن تقرر المكان الذي تريد تحويل سفنك إليه. إن طريق رأس الرجاء الصالح، الذي تم الاستغناء عنه لرحلات الشحن الطويلة بعد بناء قناة السويس، أصبح فجأة رائجا مرة أخرى”.

السفر عبر رأس الرجاء الصالح بدلا من قناة السويس يضيف 10 إلى 12 يوما من الإبحار

وكما هو معروف فالسفر عبر رأس الرجاء الصالح بدلا من قناة السويس يضيف 10 إلى 12 يوما من الإبحار – وطريقا مختلفا تماما على القباطنة وكبار مساعديهم رسمه. ولكن ربما هذا هو الجزء الأسهل. وقال ضابط كبير يعمل على أكبر أنواع سفن الحاويات لمجلة فورين بوليسي: “إن التخطيط لمسار جديد لا يستغرق الكثير من الوقت عند العمل باستخدام الخرائط الإلكترونية، ولكن الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح يجلب اعتبارات جديدة”.

وتشمل هذه الاعتبارات الجديدة والشائكة إيصال الأطقم والبضائع إلى المكان الذي يحتاجون إليه – لأنه في كثير من الحالات، من المقرر أن تنتهي أطقم السفن الحالية من دوراتها وينتظر البحارة الآخرون تولي المسؤولية. وأشار ماكغاري إلى أنه “إذا كنت تتجول في جنوب أفريقيا، فقد تحتاج إلى التوقف في مكان ما أثناء الرحلة للتزود بالوقود وتغيير الطاقم. وإذا كنت تريد تغيير طاقم من مكان ما في جنوب إفريقيا بدلا من مكان ما حول السويس، فأنت بحاجة إلى تغيير المكان الذي يسافرون منه وإليه”. وقال ماكغاري إن السفن قد تغير عادة أطقمها والبضائع بالقرب من القناة. والآن، لا بد أن تحدث التغييرات في أماكن مثل مومباسا في كينيا أو ديربان في جنوب إفريقيا أو دار السلام في تنزانيا أو غران كناريا، إحدى جزر الكناري الإسبانية.

كما تتسبب اضطرابات البحر الأحمر بمشاكل للدول المجاورة. ومع قضاء السفن لأقل وقت ممكن في البحر الأحمر، فإن دولا مثل السودان وإريتريا – التي تقع موانئها الوحيدة على البحر الأحمر – ستكافح من أجل إقناع السفن بالتوقف في موانئها. إن مصر، راعية قناة السويس، تعاني بالفعل. ومع انخفاض حركة المرور عبر القناة، سيصبح الشحن إلى دول البحر الأبيض المتوسط مثل اليونان وإيطاليا وتركيا مرهقا بشكل خاص.

يبدو أن إيران خلصت إلى أن تجربة الحوثيين في البحر الأحمر كانت ناجحة للغاية لدرجة أنها تستحق التكرار في البحر الأبيض المتوسط

ويبدو أن إيران خلصت إلى أن تجربة الحوثيين في البحر الأحمر كانت ناجحة للغاية لدرجة أنها تستحق التكرار في البحر الأبيض المتوسط. وهو ما قاله الجنرال محمد رضا نقدي، القائد المنسق للحرس الثوري الإسلامي الإيراني، لوسائل الإعلام الإيرانية يوم 23 كانون الأول/ ديسمبر: “سينتظرون قريبا إغلاق البحر الأبيض المتوسط ومضيق جبل طارق والممرات المائية الأخرى”.

المصدر: مجلة فورين بوليسي

ترجمة: إبراهيم درويش




إكسبرس تربيون: عملية “طوفان الأقصى” تعيد تشكيل الشرق الأوسط

قال السيناتور شاهد حسين، القيادي البارز في البرلمان الباكستاني، إن عملية “طوفان الأقصى” التي انطلقت من غزة لها آثار استراتيجية أوسع نطاقاً على إسرائيل والولايات المتحدة.

 حسين: محاولات إسرائيل والولايات المتحدة لبناء “شرق أوسط جديد” بدون فلسطين سياسة فاشلة تشبه “مسرحية هاملت بدون أمير الدنمارك”

وكتب حسين في مقال نشرته صحيفة ” تربيون إكسبرس”  أن الولايات المتحدة أنشأت “محور القمع” لمواجهة “محور المقاومة” الذي تقوده إيران، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن في المنطقة، وتجميد النزاعات مثل فلسطين وكشمير لمحاربة “العدو الحقيقي”، الصين.

وأضاف “كانت واشنطن تسعى إلى ربط الشرق الأوسط الذي يتمحور حول إسرائيل مع منطقة “المحيط الهندي والهادئ” التي تركز على الهند، لتكملة ودعم الحرب الباردة الجديدة التي تقودها الولايات المتحدة ضد الصين. في الأساس، تقوم الهند بتكرار سياسات القمع الإسرائيلية في كشمير المحتلة، بالتواطؤ الأمريكي، وبالتالي فإن استراتيجية الولايات المتحدة الإقليمية سترتكز على “ركيزتين مزدوجتين”، إسرائيل في الشرق الأوسط والهند في جنوب آسيا”.

ولاحظ حسين أنه “قبل أسبوعين فقط من انطلاق “طوفان الأقصى”، ظهرت 3 تطورات منفصلة، ​​ولكنها مترابطة. أولاً:  في 22 سبتمبر/أيلول، كشف نتنياهو بفخر عن خريطة “الشرق الأوسط الجديد” في الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث كان الفلسطينيون غائبين بشكل واضح. ثانيًا: في 20 سبتمبر، في أعقاب قمة مجموعة العشرين في نيودلهي، تم إطلاق ممر الاتحاد الأوروبي بين الهند وإسرائيل والشرق الأوسط (IMEC) وسط ضجة كبيرة، والذي تم وصفه بأنه رد الغرب المقلد على مبادرة الحزام والطريق الصينية الناجحة للغاية (BRI). ). ثالثًا:  في مايو 2023، اصطحب مستشار الأمن القومي للرئيس بايدن، جيك سوليفان، شخصيًا نظيره الهندي، أجيت دوفال، للقاء رئيس الوزراء السعودي وولي العهد الأمير محمد بن سلمان “لتعزيز رؤيتهما المشتركة لمنطقة شرق أوسط أكثر أمانًا وازدهارًا ومترابطة” مع الهند والعالم.

حسين: عملية “طوفان الأقصى” كسرت الهدوء المزعوم الذي كانت تتغنى الولايات المتحدة بشأنه في الشرق الأوسط

وأضاف “وفي الثاني من تشرين الأول/أكتوبر، كتب جيك سوليفان في مجلة فورين أفيرز ذات النفوذ أن “الشرق الأوسط لم يكن هادئًا من قبل كما هو اليوم”. وبعد خمسة أيام كسرت “طوفان الأقصى” ذلك الهدوء! وفي الواقع، فإن إدارة بايدن هي الإدارة الأمريكية الأولى منذ 50 عامًا التي استغنت عن ورقة التوت المتمثلة في بدء “عملية السلام” في الشرق الأوسط، حيث كانت راضية عن الوضع الراهن الذي تدعمه إسرائيل والذي يتمثل في احتلال قسري”.

وقال:”لقد انبثقت 6 عواقب استراتيجية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط من “طوفان الأقصى”، أولاً، كانت إسرائيل والولايات المتحدة تحاولان  “مسرحية هاملت بدون أمير الدنمارك”، وبعبارة أخرى، بناء “شرق أوسط جديد” بدون فلسطين: تعزيز العلاقات الإسرائيلية مع الدول العربية والإسلامية متجاوزة الفلسطينيين، كما لو كانت فلسطين القضية لم تعد ذات صلة. وقد أصبحت هذه السياسة الآن في حالة يرثى لها: فلا يمكن تحقيق السلام الدائم أو الاستقرار في الشرق الأوسط دون إقامة دولة فلسطينية مستقلة”.

حسين” عملية ” طوفان الأقصى” نسفت أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر ونسفت، أيضاً، أكذوبة “الحصن المنيع” الذي لا يمكن اقتحامه

وثانياً: تم خلق أسطورة حول أنه لا يمكن قهر الجيش الإسرائيلي أو المخابرات الإسرائيلية ، وأن الجيش الإسرائيلي والموساد هما “الأفضل والأذكى والأقوى” في الشرق الأوسط، وأن إسرائيل حصن منيع لا يمكن اختراق أمنها أبداً. من المفترض أنه مضمون. وقام نحو 1400 مقاتل فلسطيني عازم على نسف هذه الأسطورة من خلال “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/تشرين الأول.

وثالثاً: قدمت إسرائيل نفسها على أنها ملاذ آمن، “جزيرة السلام والهدوء في بحر من العالم الإسلامي المضطرب والمتقلب والضعيف”، المكان الأكثر أماناً وأماناً في الشرق الأوسط. الآن يقولون إنهم عانوا من أكبر الخسائر منذ الهولوكوست وتم تدمير ما يقرب من ثلث أحدث دبابات ميركافا من الجيل الخامس !

رابعاً: أظهر “محور المقاومة” الذي تقوده إيران نفسه أكثر مرونة من “محور القمع”، والحديث لا يزال للسيناتور حسين، حيث قامت الترويكا، التي تقودها إيران والتي تتكون من حماس وحزب الله والحوثيين في اليمن، بتشديد الخناق التكتيكي حول ممرات الشحن والدبلوماسية والسياسة الخارجية والاستراتيجية العسكرية في الشرق الأوسط، وأصبحت طهران الآن مركزية لاستقرار الشرق الأوسط، مع دخولها في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وبدلاً من تطويق واحتواء إيران، فإن إسرائيل هي التي تشعر الآن بأنها محاصرة، وبالتالي إرسال الولايات المتحدة اليائس لحاملتي طائرات بالإضافة إلى تحالف مناهض للحوثيين.

حسين: “طوفان الأقصى” تؤدي إلى نشوء انقسام عالمي جديد واضح بين الشمال والجنوب

خامسًا:  يبدو أن موسكو احتفلت بـ “طوفان الأقصى” باعتبارها “أفضل هدية عيد ميلاد” للرئيس بوتين، حيث تم الآن وضع الحرب الأوكرانية في مرتبة متأخرة، والآن تواجه الولايات المتحدة فجأة موقفًا من ثلاث جبهات: أوكرانيا، والجبهة الجديدة. الحرب الباردة في آسيا والمحيط الهادئ ضد الصين والعاصفة في الشرق الأوسط، سيناريو استراتيجي لا يمكن الدفاع عنه بالنسبة لصناع القرار في واشنطن. ومن ضحايا “طوفان الأقصى” الأخرى الهزيمة المحتملة لبايدن في الانتخابات الرئاسية عام 2024، مما يفتح احتمالات عودة ترامب.

سادسا:  تؤدي ” طوفان الأقصى” إلى نشوء انقسام عالمي جديد واضح بين الجنوب والشمال. ويقدم الجنوب العالمي، بقيادة الصين، إلى جانب روسيا الداعمة، خياراً استراتيجياً، ونظرة عالمية بديلة، للشمال العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، سواء كان ذلك في غزة أو أوكرانيا أو مبادرة الحزام والطريق أو هيمنة الدولار. إن مركز الثقل العالمي يتحول بلا هوادة نحو الجنوب، وقد أدت “طوفان الأقصى” إلى تفاقم هذا الانقسام، كما تبين من التصويت في الأمم المتحدة، وفقاً لحسين.

وقال السيناتور حسين إن غزة هي أيضا أول إبادة جماعية متلفزة في التاريخ. وعلى الرغم من قدرة إسرائيل الوحشية على القتل، إلا أن الفلسطينيين لا يتزعزعون في تصميمهم واستعدادهم للمقاومة والموت من أجل قضية الحرية.

حسين: حماس، التي تمثل التطلعات الفلسطينية، ورمز التحدي في غزة، والتي يصفها الغرب أيضاً بأنها “إرهابية”، هي على الأقل منظمة منتخبة ديمقراطياً فازت في انتخابات حرة في غزة عام 2006

وأضاف “الفلسطينيون يربحون دون أن يخسروا. كما خسرت إسرائيل “معركة الروايات”.

وقال :” الوقت قد حان لكي تقرأ الولايات المتحدة وإسرائيل ما هو مكتوب على الحائط: أوقفوا الإبادة الجماعية، وأنهوا الاحتلال، واتخذوا الخطوات اللازمة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة. إن التاريخ اليهودي بحد ذاته هو شهادة حية على كسر الأسطورة النازية حول “الحل النهائي”. يجب على واشنطن أن تتعلم من أخطائها وإخفاقاتها في التاريخ الحديث: بعد الإطاحة بحركة طالبان الأفغانية في عام 2001، استغرق الأمر 20 عامًا وأهدرت 2.2 تريليون دولار في أفغانستان قبل أن تتفاوض مع نفس حركة طالبان الأفغانية التي وصفتها ذات يوم بـ “الإرهابيين”، لتسهيل انفصالها. العودة إلى السلطة. إن حماس، التي تمثل التطلعات الفلسطينية، ورمز التحدي في غزة، والتي يصفها الغرب أيضاً بأنها “إرهابية”، هي على الأقل منظمة منتخبة ديمقراطياً فازت في انتخابات حرة في غزة عام 2006، وتقبل الحق المشروع للفلسطينيين في تقرير مستقبلهم. إن الحرية هي ثمن بسيط يتعين على الولايات المتحدة أن تدفعه مقابل السلام الدائم والأمن والاستقرار في قلب العالم الإسلامي.

المصدر: موقع تريبيون إكسبريس الأميركي

ترجمة: رائد صالحة




2023: استعادة القضية الفلسطينية وافتضاح الفاشية الإسرائيلية

قد لا تكون هناك مبالغة في إطلاق تسمية «عام الكوارث» على سنة 2023 التي تنقضي وقد حملت معها هزّات من صنع الطبيعة كانت مأساوية العواقب وبعيدة الآثار، وأخرى سياسية واقتصادية، اجتماعية وبيئية من صنع البشر والأنظمة الحاكمة، مثلما انطوت على جرائم حرب ونزاعات أهلية، ثمّ مجازر وانتهاكات بلغت حدّ الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في حرب دولة الاحتلال الإسرائيلي الراهنة ضد المدنيين العزّل من أطفال ونساء وشيوخ قطاع غزّة في فلسطين.
وكانت الأسابيع الأولى من عام 2023 قد شهدت سلسلة زلازل وارتجاجات عنيفة ضربت مناطق في تركيا وسوريا، وأسفرت عن سقوط أكثر من 50 ألف ضحية وإصابة عشرات الآلاف وتشريد مئات الآلاف، وأحدثت دماراً هائلاً في المباني السكنية والمنشآت العامة. وفي مطلع أيلول/ سبتمبر ضرب زلزال آخر عنيف إقليم الحوز في المغرب، فقضى فيه أكثر من 3 آلاف شخص وتشرّد آلاف آخرون، وهُدمت مناطق سكنية وعمرانية واسعة النطاق. من جانبها أصابت عاصفة دانيال مناطق في شمال ليبيا وشرقها، فأغرقت مدينة درنة وقتلت المئات وألحقت الخراب بالمنطقة.
وتكريم ضحايا هذه الكوارث الطبيعية يستوجب استذكار حقائق أخرى وثيقة الصلة بمنطق عام يحكم وقوع الكوارث، ويتجاوز الظواهر المناخية أو الجيولوجية، وما يمكن تصنيفه إجمالاً في باب غضبة الطبيعة أو ثورتها بين حين وآخر. فمن الثابت اليوم أن الارتباط مباشر وعضوي بين التغيرات المناخية العارمة، وبين الاستغلال العشوائي للموارد الطبيعية وظواهر الاحتباس الحراري والارتفاع غير المسبوق لدرجة الحرارة والزيادة المطّردة في استخدام الوقود الأحفوري وتبدل التيارات في المحيطات، وسواها من عوامل باعثة على انقلابات جذرية في توازنات الطبيعة.
كل هذا عدا عن تقصير الأنظمة ومسؤولية مؤسسات الفساد عن سوء الإنشاء وإهمال أعمال الصيانة الضرورية وعدم التحسب لعوامل طبيعية مثل الأمطار الغزيرة والفيضانات والسيول. ولا تُنسى هنا أيضاً الحقائق التي تكشفت سريعاً حول استغلال المساعدات الدولية وتحويلها إلى تجارة وارتزاق واستغلال، كما حدث مع المعونات التي استلمها النظام السوري.
كوارث أخرى من صنع بشري سياسي شهدها السودان مع اندلاع المواجهات الدامية بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، وانقلاب الجنرالات شركاء الأمس في الثورة المضادة، والتنكر لمكاسب الشعب السوداني، إلى اقتتال على النفوذ والسلطة ارتهن سريعاً لقوى خارجية، وأسفر حتى الساعة عن مقتل نحو 12 ألف مواطن سوداني.
كذلك أكمل مشهدَ الكوارث تقريرُ البنك الدولي السنوي الخاص بما تُسمى «الديون الخارجية» المستحقة للبنك، والتي تخنق 121 من البلدان المصنّفة في خانة الاقتصادات ذات الدخل المنخفض أو المتوسط، وتبرهن دائماً على حدة انعدام المساواة في النظام الاقتصادي العالمي. وقد بلغت الديون رقماً قياسياً مقداره 443,5 مليار دولار على سبيل خدمة الديون العامة الخارجية عن سنة 2022، والعاقبة الموازية هي اضطرار تلك البلدان إلى اقتراض من البنك يساوي رقماً قياسياً بدوره وصل إلى 88,9 مليار دولار، بزيادة قدرها 4,8% عن سنة 2021.
غير أنّ حرب الإبادة التي تواصل دولة الاحتلال الإسرائيلي شنها ضد قطاع غزة وسكانه المدنيين تبقى أمّ الكوارث في عام 2023، من حيث الشراسة والنيران والتدمير الشامل وتجريد الضحايا من كل هوية إنسانية، والاستهتار بأي وكل قانون وميثاق. ولعل المصادفة وحدها لم تكن وراء التزامن بين خواتيم هذا العام، وبين الذكرى الـ15 للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة في تاريخ 27 كانون الأول/ ديسمبر 2008.
السبب الأول هو أن الفشل الذريع الذي انتهى إليه ذلك العدوان تكرر أيضاً بمعدلات مماثلة في أربع حروب لاحقة شنتها دولة الاحتلال ضد القطاع في أعوام 2012، 2014، 2021، و2023، والسبب الثاني هو أن مظاهر الفشل كانت في الآن ذاته تفضح المزيد من أنماط جرائم الحرب الفاشية وتنويعات المجازر والعقاب الجماعي والإبادة والتطهير العرقي.
صحيح أن تضحيات الدم الفلسطيني، الذي يواصل الاحتلال إراقته في الضفة الغربية والقدس المحتلة وسائر أرجاء فلسطين التاريخية وليس في قطاع غزة وحده، فادحة وجسيمة وغالية، إلا أن إرادة الصمود الشعبي وأشكال المقاومة المختلفة تكفلت بتكريم الضحايا، من وجهة أولى في استعادة فلسطين وردّ القضية الفلسطينية إلى صدارة العالم، كما انعكست من وجهة ثانية في انكشاف مظاهر قصوى من المضامين الفاشية والهمجية لكيان صهيوني نهض أصلاً على سياسات استعمارية واستيطانية وممارسات عنصرية سافرة.
وليس سدى، أيضاً، أن التضحيات الفلسطينية فضحت نفاق قوى غربية، أمريكية وأوروبية أساساً، تتشدق حول حقوق الإنسان والقانون الدولي، ولكنها كشفت عن باطن كريه مستقبح لا يسكت عن جرائم الحرب فقط، بل يتواطأ معها ويمدها بأسباب القتل والتدمير وارتكاب المجازر والإبادة الجماعية والتطهير العرقي.

المصدر: صحيفة القدس العربي




مؤرخ إسرائيلي: عملية “طوفان الأقصى” كشفت فشل الإيديولوجية الصهيونية

قال المؤرخ الإسرائيلي موشيه زيمارمان، السبت، إن عملية “طوفان الأقصى” التي أطلقتها حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، “كشفت فشل الإيديولوجية الصهيونية”.

وذكر زيمارمان، في مقابلة مع صحيفة “هآرتس” العبرية، أن “حماس، دمرت إحساس الإسرائيليين بالأمن” في 7 أكتوبر.

وأوضح أن الهدف “من وراء تأسيس الدولة الصهيونية كان تخليص اليهود في الشتات من الوضع الذي كانوا فيه (اضطهاد النازيين لليهود)”.

وأشار إلى أن هجوم حماس في 7 أكتوبر كان بمثابة نقطة تحول في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، قائلا إن الهجوم “كشف فشل الإيديولوجية الصهيونية”.

واعتبر المؤرخ الإسرائيلي أن الصهيونية ليست الحل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، “وإننا ذاهبون إلى وضع يعيش فيه الشعب اليهودي في حالة من انعدام الأمن التام، وهذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك”.

وأضاف أن “إسرائيل تسببت في انخفاض مستوى أمن يهود الشتات (بعد هجماتها على غزة) ولذلك فإن هذا الحل الصهيوني منقوص”.

زيمارمان: إسرائيل تسببت في انخفاض مستوى أمن يهود الشتات

ودافع زيمارمان عن ضرورة تنفيذ حل الدولتين المدعوم من قبل المجتمع الدولي، ولا تقبل به حكومة تل أبيب.

وقال إنه “رغم أن الأمر قد يبدو ميؤوسا منه وسخيفا تماما في الوقت الحالي، فمن الواضح أن حل الدولتين يجب أن يكون النتيجة المنطقية”.

وتابع “البديل إما أن نتخذ إجراءات شبيهة بالنازية ضد الفلسطينيين (الإبادة) أو أن يفعل الفلسطينيون ذلك (بنا)”.

وأشار زيمارمان إلى أن إسرائيل تحاول “بسفاهة” تصوير نفسها كممثلة للشعب اليهودي، وأن الحكومة تصف كل انتقاد لإسرائيل بأنه “معاد للسامية”.

وشدد على أن “هذا جوهر الأمر. فإسرائيل تستغل ذلك من خلال تفسير كل انتقاد على أنه معاداة للسامية”.

زيمارمان: إسرائيل تحاول “بسفاهة” تصوير نفسها ممثلة للشعب اليهودي، والحكومة تصف كل انتقاد لإسرائيل بأنه “معاد للسامية”

وأوضح أنه لكي نفهم إلى أين تتجه إسرائيل “يتعين علينا أن ننظر إلى فترة الثلاثينيات، عندما ظهر النازيون في ألمانيا”.

ولفت زيمارمان إلى فتح السلطات الإسرائيلية تحقيقات بحقه، لأنه قام بلفت الانتباه إلى أوجه التشابه بين الأحداث التي جرت في ألمانيا النازية، وتلك التي تحدث في إسرائيل، في مجمل انتقاده للمتطرفين اليمينيين الإسرائيليين.

المصدر: وكالة الأناضول




هآرتس: مشاركة حماس في مستقبل غزة لعنة على إسرائيل وأمريكا

تشكل المعضلة الفلسطينية تحدّياً بالنسبة إلى إدارة جو بايدن، وتتزامن مع قرب موعد الانتخابات الأميركية، كما تطرح إشكالية شكل النظام السياسي الذي سيحكم غزة ما بعد الحرب. في هذا الصدد، تعتبر صحيفة هآرتس في مقالٍ ترجمه موقع الخنادق يناقش فيه أزمة الوضع الراهن بين “إسرائيل” وفلسطين بالنسبة إلى بايدن، ويلفت الكاتب إلى أن أي مشاركة أميركية علنية ستقوّض السلطة الجديدة، في ظل انخفاض شعبية محمود عباس “وفقاً لاستطلاعات الرأي، فإن الغالبية العظمى من الفلسطينيين – ما يقرب من 88 في المائة يرفضون عباس ويريدونه أن يستقيل ويفضلون قيادة جديدة”. في المقابل تضاعفت شعبية حماس في الضفة الغربية ثلاث مرات. وبالتالي لغز “من سيحكم غزة؟” سيكون من أصعب اختبارات بايدن لما بعد الحرب.

النص المترجم للمقال:

أدى هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول وحرب إسرائيل ضد حماس في غزة إلى جعل الحركة الوطنية الفلسطينية أضعف وأكثر لامركزية وانقساماً من أي وقت مضى. لا منظمة التحرير الفلسطينية ولا السلطة الفلسطينية قادرة على صياغة استراتيجية متماسكة للحكم الفعّال، ناهيك عن التفاوض مع إسرائيل. حتى قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، كانت السلطة الفلسطينية – التي قوّضتها سياساتها الاستبدادية والفساد وأنشطة الاستيطان الإسرائيلية، وعمليات مكافحة الإرهاب في الضفة الغربية – شبه معدومة المصداقية لدى الغالبية العظمى من الفلسطينيين. تعكس استطلاعات الرأي الأخيرة الغالبية العظمى من الفلسطينيين – ما يقرب من 88 في المئة يرفضون عباس، ويريدونه أن يستقيل، ويفضلون قيادة جديدة.

من السهل معرفة السبب، يُنظر إلى عباس على نطاق واسع على أنه مقاول أمني في الباطن لإسرائيل. وقد ارتفعت شعبية حماس، وانخفضت شعبية عباس. وزادت قدرة حماس على تأمين الإفراج عن السجناء الفلسطينيين، في حين فشلت السلطة الفلسطينية في القيام بذلك. كما أظهرت غارات جيش الدفاع الإسرائيلي لمكافحة الإرهاب في الضفة الغربية، والأعمال التي يقوم بها المستوطنون المتطرفون ضعف السلطة الفلسطينية وعنف السكان ضد إسرائيل. وقتل ما يقدر بنحو 280 فلسطينياً في الضفة الغربية على أيدي جنود ومستوطنين إسرائيليين منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول. إذا نجت حماس من هجوم إسرائيل – كما يكاد يكون من المؤكد أنها ستنجو بشكل ما – فإنها ستجعل السياسة الفلسطينية أكثر خطورة وأقل تنظيماً. في الواقع، قد يرى عباس أنه ليس لديه خيار سوى السعي للحصول على دعم حماس من أجل البقاء في السلطة، ناهيك عن العودة إلى حكم غزة.

لدى إدارة بايدن خطط جادة للمساعدة في صياغة ما تصفها “السلطة الفلسطينية التي أعيد تنشيطها”. الحديث عن إعادة تنشيط القيادة الفلسطينية جيد. لكن العديد من العقبات تقف في الطريق. مثلاً، هناك عباس نفسه والكادر من حوله. لن يتنحى عن طيب خاطر. من الواضح أنه يجب أن يكون هناك حافز لإضفاء الشرعية على قيادة جديدة وإصلاح مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، الانتخابات التي ألغاها عباس في عام 2021 أساسية. لكن من الصعب تصديق أنه يمكن تنظيمها في المستقبل المنظور – ليس في الضفة الغربية وبالتأكيد ليس في غزة.

بناءً على تجربتنا، نعلم أن أفضل طريقة لتقويض أي قيادة جديدة هي أن يُنظر إليها على أن الولايات المتحدة تلعب دوراً أساسياً فيها أو في السياسة الفلسطينية. في الواقع، تحتاج إدارة بايدن إلى الابتعاد عن ذلك والعمل على نهجها الخاص تجاه الفلسطينيين. سيتطلب ذلك ربط أي جهد بشأن غزة بمبادرة أوسع بشأن إقامة الدولة الفلسطينية والخطوات التي يجب أن يتخذها كل جانب للوصول إلى ذلك. وهذا يعني معالجة قضايا الحقوق السياسية الفلسطينية والمطالبات الإقليمية، والمستوطنات الإسرائيلية، والمتطلبات الأمنية الإسرائيلية. في الواقع، من الصعب رؤية أي قيادة فلسطينية ذات مصداقية على استعداد للمخاطرة مع شريك إسرائيلي ملتزم بضم الضفة الغربية.

ثم هناك مشكلة حماس التي تضاعفت شعبيتها في الضفة الغربية ثلاث مرات. يتحدث بعض مسؤولي السلطة الفلسطينية علانية عن الحاجة إلى دعم حماس – حتى حكومة وحدة – كمفتاح لعودة السلطة الفلسطينية إلى غزة. من الواضح أن أي مشاركة لحماس في مستقبل غزة ستكون لعنة على إسرائيل وعلى الأرجح على الولايات المتحدة. تبدو الفكرة القائلة بأن قيادتها الخارجية المتمركزة في الدوحة أو بيروت أو تركيا قد تنضم إلى حكومة جديدة سريالية في أعقاب 7 أكتوبر، وأثارت انشقاقًا مع القيادة العسكرية في غزة. باختصار، لا حماس ولا عباس سيتزعمان مستقبل الفلسطينيين. تكثر الإشاعات حول عودة قادة مثل محمد دحلان، قائد الأمن السابق في السلطة الفلسطينية في غزة، والإفراج عن الناشط في فتح مروان البرغوثي، الذي يقضي الآن خمسة أحكام بالسجن مدى الحياة في السجن الإسرائيلي، أو عودة التكنوقراط مثل رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض. الحقيقة المزعجة سياسياً هي أن القيادة الفلسطينية ستظل فوضوية وغير ثابتة في المستقبل المنظور.

هذه الفوضى هي في جزء كبير منها نتيجة الخلل الوظيفي للفلسطينيين والسياسات الكارثية التي انتهجها بنيامين نتنياهو على مدى العقد الماضي. ولكن مهما كان السبب، فإن لغز قيادتها يشكل تحديًا كبيرًا لأي مبادرة أمريكية ناجحة.

المصدر: موقع الخنادق