1

إيران و”طوفان الأقصى”: انقلاب الصورة!

إنه انقلاب للصورة بكلّ ما للكلمة من معنى. فقد أماطت معركة “طوفان الأقصى” التاريخية، التي بدأتها حركة حماس فجر السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ضد الكيان الإسرائيلي، اللثام عن العديد من الأفكار أو المقولات المزيّفة التي سعت وسائل الإعلام الغربية، وبعض العربية، إلى ترسيخها في أذهان شعوب المنطقة طيلة العقود الأخيرة، ومن أبرزها أن قضية فلسطين باتت قضية داخلية ولم تعد قضية مركزية، خصوصاً بعد توقيع اتفاقية أوسلو المشؤومة بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان المحتل، بتاريخ 13/9/1993، وأن “إسرائيل” تريد أن تعيش ب “سلام” مع جيرانها العرب، وأن إيران تستخدم القضية الفلسطينية كأداة ترويجيّة لها في المنطقة، وأنها لا تعادي الكيان الإسرائيلي في العمق، وهي “تستغل” حزب الله اللبناني والفصائل الفلسطينية من أجل تحقيق أهدافها “الطائفية والتوسعيّة”، تماماً مثل حال الكيان الغاصب لفلسطين!

“طوفان الأقصى”… والبصمات الإيرانية

لقد كشفت معركة “طوفان الأقصى”، بأبعادها الاستراتيجية والمباشرة، كما بتفاصيلها المدهشة، وبإقرار علني من الأطراف المعنيّة بها، أنه كانت لإيران بصمات واضحة في تلك المعركة، حتى ولو لم تشارك في رسم خطتها، أو في تحديد توقيت انطلاقها، والذي انفردت به حركة حماس، حسبما أعلن قادة حماس وحزب الله وإيران.

ونعني بالبصمات الواضحة لإيران في معركة “طوفان الأقصى”، الإسهامات المؤثّرة، السياسية والمادية والمعنوية، في دعم وإسناد فصائل المقاومة الفلسطينية، في إطار التزام إيران المبدئي والديني والأخلاقي الصارم بالقضية الفلسطينية منذ تاريخ انتصار الثورة الإسلامية (في العام 1979)، والذي لم تتمكّن حروب وسياسات الغرب (والأنظمة العربية التابعة له) العقابية الإجرامية من تقييده أو حذفه من أجندة إيران السياسية والعملية منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، وإعلانها الالتزام الجديّ بقضية فلسطين وقضايا المسلمين والمستضعفين في العالم.

وقد ترجمت إيران دعمها للمقاومة الفلسطينية، وغيرها من حركات المقاومة والتحرّر في المنطقة، في أطر ومجالات عدة، ومنها الدعم المالي والعسكري والأمني واللوجستي والاجتماعي، وتحت مظلّة سياسية وفكرية متينة، قاعدتها أن قضية فلسطين هي قضية كلّ العرب والمسلمين والأحرار في العالم، وأن تحرير القدس والمسجد الأقصى المبارك هو واجب إسلامي وإنساني وأخلاقي لا يمكن لأحد التهرّب منه، وأن وجود “إسرائيل” السرطاني يهدّد كلّ شعوب المنطقة، وليس الشعب الفلسطيني فقط.

الدعم الإيراني للمقاومة وفق رؤية استراتيجية

إن إقرار قادة ومسؤولي حركة “حماس” (السنيّة)، وبقيّة الحركات والفصائل الفلسطينية، مراراً وتكراراً، بالدور الكبير لإيران (الشيعية) ولحزب الله اللبناني (الشيعي) في دعم وتطوير وتفعيل القدرات المتنوّعة لفصائل المقاومة، ومنها الصواريخ والأنفاق، التي تذوق “إسرائيل” منها الأمرّين منذ سنوات (حيث لا يخفى الدور المركزي للقائد الإيراني الشهيد قاسم سليماني في هذا المجال)، وخاصة خلال معركة “طوفان الأقصى” المستمرة، يؤكّد بشكلٍ لا لُبس فيه أن إيران باتت قاعدة آمنة وفعّالة لكل دول وأطراف محور المقاومة  في المنطقة، في مواجهة الداعم الرئيسي  لكيان الاحتلال، أي الولايات المتحدة الأميركية؛ ومن هنا يجدر بالقوى والحركات والنخب الفكرية والسياسية والثقافية التي تكنّ العداء لإيران، أو هي تختلف معها في قضايا عديدة، فضلاً عن أغلب الأنظمة العربية والإسلامية، أن تعيد النظر في قراءاتها المغلوطة أو المشوّهة حول خلفيات ودوافع الدعم الإيراني غير المحدود للشعب الفلسطيني وفصائله المقاومة، والذي لا يمتّ بأي صلة لما تشيعه وسائل الإعلام ومراكز الفكر الغربية الموجّهة من اللوبيات الصهيونية بالخصوص، وتلك المؤسسات  العربية والإسلامية المدعومة منها، أو المتأثّرة بها.

إنّ دعم إيران للمقاومة الفلسطينية، ولضرورة توحّد كلّ المسلمين حولها، ينطلق من مبادئ وثوابت دينية وسياسية وأخلاقية، وردت أسسها في الدستور الإيراني، وتأكّدت مضامينها في مختلف مراحل الصراع مع “إسرائيل” منذ انخراط إيران في هذا الصراع قبل أكثر من عقود أربعة من الزمن. وفي السياق، يقول مؤسّس الجمهورية الإسلامية، الإمام الخميني (قده)، إن “هدف الدول الكبرى من إيجاد إسرائيل لا يتحدّد باحتلال فلسطين. فهم ـ والعياذ بالله ـ يحاولون عبر هذا المخطّط إيصال البلدان العربية لنفس المصير الذي انتهت إليه فلسطين…”. ويرى الإمام أن خطر إسرائيل لا يهدّد العرب فحسب، وإنما خطرها يشمل المنطقة بأسرها.. فالمخطّط المرسوم يقضي بقيام الصهيونية بالسيطرة والاستيلاء على العالم الإسلامي واستعمار أوسع للأراضي والمنابع الغنيّة للبلدان الإسلامية.

فيما يعتبر قائد الثورة الإسلامية الحالي، السيد علي خامنئي، أن “فلسطين هي قضية العالم الإسلامي من ناحيتين: من حيث إنها قطعة من التراب الإسلامي، ولا يوجد أيّ اختلاف بين المذاهب الإسلامية في ذلك؛ ويتّفق الفقهاء كلّهم على واجب الجميع أن يروا في الجهاد والسعي من أجل استعادة الأرض الإسلامية، إذا ما اقتطع أعداء الإسلام قطعة من التراب الإسلامي وفرِضت سيادة أعداء الإسلام عليها، واجباً على عاتقهم..”.

والناحية الثانية أن إقامة الدولة اليهودية – أو بالأحرى الصهيونية – في هذه المنطقة من العالم الإسلامي، حصلت بهدف استكباري بعيد المدى. بل إن إقامة هذه الدولة في هذه المنطقة الحسّاسة الواقعة في قلب العالم الإسلامي، وهي تربط القسم الغربي منه، وهو أفريقيا، بالقسم الشرقي منه، وهو الشرق الأوسط وآسيا والشرق، فيظهر بذلك مثلّث بين آسيا وأفريقيا وأوروبا؛ كان الهدف منها أن تستمر سيطرة المستعمرين آنذاك، وعلى رأسهم الحكومة البريطانية، في المدى البعيد، على العالم الإسلامي.

معركة “طوفان الأقصى” تقلب الصورة

خلال معركة “طوفان الأقصى” الأخيرة، صدرت مواقف حاسمة للسيد علي خامنئي، أكّد فيها على دعم إيران المستمر لقوى المقاومة حتى دحْر كيان الاحتلال وإزالته، ومهما تصاعدت المخاطر والتهديدات ضد بلاده بسبب هذا الدعم؛ بموازاة تثبيت القائد الإيراني للدور الجوهري للشعب الفلسطيني في مواجهة ومقاومة الكيان المحتل، وعلى أرض فلسطين تحديداً. وهناك بونٌ شاسعٌ بين دعم إيران، المنطلِق من ثوابت دينية وأخلاقية، للقضية الفلسطينية، والذي بدأ يلقى تجاوباً متزايداً من قِبل الشعب الفلسطيني والشعوب العربية- على عكس الصورة التي كانت راسخة سابقاً حول دوافع ذلك الدعم- في ظل التخلّي العربي الرسمي عن قضية هذا الشعب (بل والتواطؤ ضدّه)، وبين الدعايات الغربية (والإقليمية) الممنهجة حول أهداف وغايات إيرانية معيّنة من وراء هكذا دعم واحتضان؛ مع العلم بأن إيران باتت في طليعة الدول شبه المكتفية ذاتياً، والتي تمتلك إمكانات عظيمة في المجالات الأساسية (الطاقة، الغذاء، الدواء، السلاح، التكنولوجيا،…)؛ وهي لا تحتاج إلى موارد خارجية حيويّة لضمان استمراريتها كدولة، وبما يستلزم سياسات إيرانية انتهازية لتأمين هذه الموارد، حسب المزاعم الغربية. وفي هذا الإطار، فقد رفضت القيادة الإيرانية، طيلة العقود الأخيرة، عروضًا كثيرة مغرية (من قِبل الأميركيين والأوروبيين، وبإقرار منهم) لقاء تخلّيها عن تبنّي قضية فلسطين، والمقاومة عموماً، مثل رفع الحصار عنها بشكل كامل، ودعم ما يسمّى “التمدّد السياسي والمذهبي” لإيران على مستوى المنطقة، ولو على حساب أهم حلفاء أمريكا فيها، كالسعودية ومصر وغيرهما.

فقد أعلن السيد خامنئي أن ما حدث يوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر (عملية طوفان الأقصى) هو “هزيمة عسكرية واستخبارية للكيان الإسرائيلي لا يمكن ترميمها”. ووصف ما جرى بأنه “زلزال مدمّر تمكّن من هدْم بعض البنى الرئيسية لحاكمية الكيان الصهيوني”؛ مشيراً إلى أنّ العالم الإسلامي “سيدعم فلسطين؛ لكن الشباب الفلسطيني هو من صنع هذه الملحمة التي ستكون خطوة كبيرة لإنقاذ فلسطين”.

ولفت الخامنئي إلى أنّ ما حصل عمل قام به الفلسطينيون. وكلّ من يقول غير ذلك “مخطئ ومستهتر بالشعب الفلسطيني”؛ وهذا ما توافقت حول مضامينه المواقف التي صدرت عن القيادات الفلسطينية المقاومة، قبل وبعد معركة “طوفان الأقصى”.

بدوره، قال الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، إن الكيان الصهيوني لم يحقّق أيّ إنجاز حقيقي بعد “طوفان الأقصى”، وهذا إخفاق إستراتيجي.

ولفت إلى أن الولايات المتحدة أرسلت برسائل لمحور المقاومة، وحصلت على جواب عملي وعلني على الأرض؛ وقال: واشنطن تطالبنا بعدم التحرّك بينما تقدّم دعماً واسعاً للكيان الصهيوني؛ وهذا مطلب باطل. وأكّد أن المقاومة في فلسطين والمنطقة مستقلة والقرار بيدها، ولا تتلقّى أوامر من طهران. واستطرد القول: لا قدرة للكيان الصهيوني والدعم الأميركي على اجتثاث المقاومة الفلسطينية**.

بالمقابل، ولأن “الحق ما شهد به الأعداء”، ننقل ما يردّده -بمرارة -رئيس وزراء كيان العدو، بنيامين نتنياهو، بأن “إيران هي الجهة الأخطر على إسرائيل وعلى العالم أجمع”. فيما يصف الدبلوماسي الإسرائيلي المخضرم، البروفيسور إيتمار رابينوفتش، حرب غزة الحالية ب «حرب إيران – إسرائيل الأولى».

ويقول رابينوفتش، الذي عمل مديراً عاماً لوزارة الخارجية وسفيراً لكيانه في واشنطن وترأّس وفد الكيان للمفاوضات مع سوريا، إن «الحدث الذي نعيشه منذ 7 أكتوبر هو حربٌ بين إسرائيل و(حماس) في غزة. لكن هذه الحرب تجري في سياق أوسع، يتشكّل في المقام الأول عن طريق جهود إيرانية لتحدّي إسرائيل في جبهات عدّة».

خلاصة

إذاً، إن رؤية الجمهورية الإسلامية الإيرانية عميقة وشاملة للقضية الفلسطينية، باعتبارها قضية مصيرية ترتبط بالعالم العربي والإسلامي عموماً، حيث أنشأ المستعمرون الغربيون الكيان الإسرائيلي في قلب هذا العالم من أجل تقسيمه وإضعافه والسيطرة على ثرواته ومقدّراته؛ كما بهدف إبعاد “خطر الإسلام” عن العالم الغربي “الحر” بطريقة استباقية، وحتى لا تتكرّر “الحملات الإسلامية” ضدّ الغرب مرّة أخرى. وبالتالي، ليس للجوانب المذهبية والطائفية أو القومية أي صلة بتلك الرؤية الإيرانية الاستراتيجية، بأبعادها الدينية والإنسانية والأخلاقية، والتي يسعى الحلف الغربي -الإسرائيلي الإجرامي جهده من أجل تشويهها، بدفعٍ من بعض الدول والأنظمة العربية والإسلامية، وذلك لاعتبارات وضغوط معروفة.

إن حضور ايران المتنامي  في مواجهة قضايا المنطقة، وفي طليعتها قضية فلسطين، وخصوصاً في مرحلة معركة “طوفان الأقصى” الكبرى وما سيليها، كما يقرّ قادة الكيان الإسرائيلي، يجدر أن يكون حافزاً قوياً لأغلب الأنظمة العربية والإسلامية، والنخب المسيّسة فيها، كي تراجع حساباتها وتُغيّر مواقفها العدائية حيال إيران، والتي تواجه حصاراً اقتصادياً ودبلوماسياً خانقاً منذ عقود، على خلفية تبنّيها، سياسياً وعملياً، للقضية الفلسطينية؛ كما من أجل تحمّل  الدول والشعوب لمسؤولياتها التاريخية حيال هذه القضية؛ وبما يؤدّي لا محالة إلى نهايات مُشرّفة لها، تليق بمكانة وتضحيات الشعب الفلسطيني المظلوم، وشعوب المنطقة التي ابتُليت بالسرطان الصهيوني المميت منذ ما يزيد على قرنٍ من الزمان.

حسن صعب

المصدر: موقع الخنادق




بانوراما 2023| لبنان في عام: جمود سياسي وفراغ رئاسي

عام جديد ينتهي ولكنه مليء بالأحداث. على مستوى لبنان يمكننا أن نصفه بالعام المفصلي الذي قد ينتُج عنه تحولات دراماتيكية في السياسة اللبنانية. أحداث عديدة عصفت بالداخل اللبناني على عدة مستويات، سياسيًا، اقتصاديًا وماليًا، رياضيًا.

أهم الأحداث السياسية:

١- الفراغ في رئاسة الجمهورية:

لم تُفلح الطبقة السياسية بانتخاب رئيس للجمهورية بالرغم من المحاولات الدولية والمحلية الحثيثة. والأنا اللبنانية سيطرت على المشهد الرئاسي. جهود اللجنة الخماسية اصطدمت بحائط مسدود، كما أن جهود الكنيسة المارونية اصطدمت بحائط ماروني صلب ينم عن عدم قدرة الكنيسة على ضبط إيقاع الموارنة المنقسمين على أنفسهم انقسامًا عاموديًا أضر بالكرسي الرئاسي قبل كل شيء. كذلك في إطار رئاسة الجمهورية كان واضحًا أن حرص الثنائي الوطني وحلفائه على الكرسي الماروني تجسد في مبادرة دولة الرئيس نبيه بري الذي أبدى الحرص على الموارنة أكثر من حرصهم على وجودهم، لكن بالرغم من كل ذلك أُفشلت المبادرة التي عاد رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع نهاية العام من خلال تغريدته الشهيرة للمناداة بفحواها، وهي مبنية على الحوار. ويمكننا القول إنَّ بورصة الرئاسة للعام ٢٠٢٣ أقفلت على اسمين أساسيين هما الوزير السابق سليمان فرنجية وقائد الجيش جوزيف عون واسم متداول هو مدير الأمن العام بالوكالة اللواء إلياس البيسري.

٢- عدم التمديد والتمديد في الإدارات العامة والقوى الأمنية:

أتى استحقاق عدم التمديد لحاكم مصرف لبنان في الإطار الطبيعي بعد الهجمة الدولية عليه وردود الفعل الداخلية بين شركاء سابقين ومستفيدين دائمين، لكن واقع الحال فرض نفسه بعدم التمديد للحاكم الذي ترك السوق تستريح بدولارٍ يطوف حول التسعين ألف ولم يعد هو اللاعب المتلاعب في العملة الوطنية التي دُمرت في نهاية عهده.
أما في الأمن العام فقد كانت المؤسسة المتماسكة بنيويًا مهيئة لاستقبال مدير عام لها بالوكالة من دون أن تتأثر في عملية الاستلام والتسليم، خاصة وأنَّ اللواء عباس إبراهيم ترك خلفه هيكلية متماسكة سواءً على مستوى المعابر الحدودية التي تعمل بديناميكية عالية أم في المناطق حيث تنشط عمليات الأمن القومي في الأمن العام الذي بات رقمًا أساسيًا في مواجهة الإرهاب في مختلف أشكاله، بالإضافة إلى المديريات المعنية في معاملات الأجانب واللبنانيين والتي تعمل على مستوى عالٍ من الكفاءة التي تركها خلفه اللواء عباس إبراهيم.

التمديد لقائد الجيش جوزيف عون كان هو المفارقة التي خرقت جدار الاستلام والتسليم في مصرف لبنان والأمن العام بالرغم من أنَّ العارفين بخبايا الأمور يعلمون بأنَّ موقع قيادة الجيش مختلف جدًا عن باقي المواقع في لبنان. أتى التوافق السياسي في التمديد لقائد الجيش نظرًا إلى آداءه المتوازن ليلتقي مع الرغبة الخارجية التي لو اصطدمت برفض داخلي لما نجحت أبدًا، لكن دور الجيش ووحداته كان شاهدًا على كفاءة للقائد الممدد له والذي وازن خلال أحداث مفصلية عديدة، سيما بمواجهة المخدرات والجرائم المحلية بالإضافة إلى وقفات الجيش اللبناني البطولية في مواجهة العدو الصهيوني برًا، كما يختتم الجيش عامه الحالي بوقفة وطنية مساندًا للمقاومة قدر المستطاع في معركتها في إطار “طوفان الأقصى”.

٣- العلاقة بين حزب الله والتيار الوطني الحر:

شهد العام ٢٠٢٣ حيوية كبيرة في العلاقة بين حزب الله والتيار الوطني الحر، فالتيار الرافض لترشيح سليمان فرنجية أنهى عامه الحالي رافضًا التمديد لقائد الجيش الأمر الذي رآه مراقبون بأنه يُعبر عن مؤشر سلبي للعلاقة بين الفريقين في المقابل تشير مصادر سياسية مقربة منهما بأنَّ العلاقة ما تزال قائمة وأنَّ الطلاق لمّا يحصل بعد. كما شهد هذا العام عودة الى قنوات الحوار بين الطرفين، وهو حوار يحتاج بحسب التأكيدات إلى وقت كافٍ لتثبيت بعض الاتفاقات.

أهم الأحداث الاقتصادية والمالية:

١- على المستوى الاقتصادي:

لم تستطع حكومة تصريف الأعمال أن تحقق أي خرق اقتصادي يُذكر في العام الحالي نظرًا إلى واقعية سياسية تفرض نفسها. لكن من الضروري التشديد على أنَّ الدولرة التي ضربت الاقتصاد لم تكن مجدية لأنها لم تترافق إلا مع فشل كُلي لوزير الاقتصاد الذي سيشهد التاريخ أنَّ في عهدهَ تضاعف الغلاء كثيرًا من دون وجود رقابة داخلية تُذكر، واختتامه للعام ٢٠٢٣ بفضيحة التأمين التي ضربت وزارة الاقتصاد ويُنتظر أن يكون للقضاء كلمته حولها.

٢- على المستوى المالي:

خرج رياض سلامة من حاكمية المصرف وخرجت معه معادلاته وشبكاته التي كانت تلعب في الأسواق بين العرض والطلب، ووصل حاكم مصرف لبنان بالوكالة والذي من الواضح أنه لا يريد أن يتورط في ما كان فيه رياض سلامة، فلم يتلاعب بالعرض والطلب الأمر الذي جعل الليرة تستقر حول التسعين ألف ليرة مقابل الدولار الأميركي الواحد.

أهم الأحداث الرياضية

١- على مستوى مقاطعة التطبيع

كان واضحًا بأنَّ لاعبي ولاعبات منتخبات لبنان في مختلف الرياضات الفردية يقاطعون الكيان الصهيوني ويرفضون التطبيع الرياضي معه. هذه المقاطعة تجسدت بانسحاب عدد من اللاعبين اللبنانيين من مواجهات مباشرة مع لاعبين إسرائيليين.

٢- على مستوى كرة السلة

شارك منتخب لبنان لكرة السلة في منافسات كأس العالم وحقق مشاركة جيدة ونتائج إيجابية بالرغم من أنَّ الطموح اللبناني كان أكبر بكثير لكن الجميع كان راضيًا عن ما وصلت اليه كرة السلة اللبنانية والآداء المُشرف في بطولة العالم.

٣- على مستوى كرة القدم

عاش منتخب لبنان لكرة القدم أسوأ حالاته حيث خسر مباريات كثيرة من منتخبات كانت بعيدة جدًا في المستوى عنه الأمر الذي أعاد موضوع كرة القدم إلى الواجهة والإفادة من اللاعبين اللبنانيين في الخارج، وقد انتهى العام بعودة المدرب السابق للمنتخب ميودراج رادولوفيتش.

د. زكريا حمودان

مدير “الوطنية للدراسات والإحصاء”

المصدر: موقع العهد




المجتمع الدولي الأبتر وسقوط الإنسانية

سقطت الأمم المتحدة ومنظماتها غير الإنسانية عندما ضربت بعرض الحائط جرائم الهيمنة الأميركية حول العالم، وآخرها ما يحصل حتى الآن في غزة.
لقد أعطت الولايات المتحدة الأميركية لحكومة بايدن بطاقة مرور نحو الإجرام غير المحدود لتحقيق هدف عسكري واحد يحفظ ماء وجهه الأسود ويديه الملطختين بالدماء.
لقد أثبت المجتمع الدولي أنه تحت إمرة الولايات المتحدة الأميركية صاحبة اليد الطولى في إدارة الحرب على غزة.

احتلال غزة وهم نتنياهو الجديد

ربما أخطأ رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو عندما وعد باجتثاث حركة “حماس” وإعادة احتلال قطاع غزة؛ حيث رفع سقف طموحاته لمستويات لا ترتقي إلى الواقعية الحديثة في مواجهة المقاومة. في هذا الإطار يقول مصدر قيادي فلسطيني إن الجهوزية الموجودة في قطاع غزة تحتم انتصار المقاومة من جهة، وعدم وجود أي إمكانية لحكومة نتنياهو لخوض أي تجربة جديدة تتمثل في احتلال قطاع غزة الذي خرج منه سابقًا تحت ضربات مقاومة كانت أضعف بكثير مما هي عليه الآن، إضافة إلى الواقع العسكري الذي بات يفرض نفسه أكثر من السابق بكثير.

العرب والسكوت المُذِل

هل وصل أغلب قادة العرب إلى الدرك الأسفل؟ سؤال يطرحه كثير من الناس في مشارق الأرض ومغاربها حول سكوت الجزء الأكبر من العالم العربي والإسلامي عن جرائم الاحتلال الصهيوني، فما السر في ذلك؟

يقول مصدر قيادي فلسطيني إن الموقف السعودي في التوجه نحو التطبيع كان ممرًا لطمس القضية الفلسطينية، وإن مسار التطبيع الذي شهدناه قبل طوفان الأقصى تجسد بعد طوفان الأقصى في السكوت والخضوع العربي للكيان الذي أوضح للعرب وللمسلمين أنه لا يرتقي إلى مستوى حماية نفسه، فكيف سيحميهم إذا طبّعوا معه؟ هل يحميهم؟ أو يحمي مصالحهم؟

من المؤكد أن السكوت المذل للعرب لن يُرضِخَ غزة، لا بل إن السكوت حوّل غزة إلى صانع قرار للأنظمة العربية الخاضعة، لأن قراراتهم السابقة لم تكن على قدرٍ من العروبة أو الوطنية، وبعد طوفان الأقصى لم تكن على قدرٍ من الإنسانية.

سقط المجتمع الدولي وسقطت الإنسانية والعروبة وشعارات الأخوّة وحتى بعض شعارات التعاون الإسلامي، فما عاشته غزة في هذه المعركة على المستوى الإنساني لم يعشه أحد، فسقطت الإنسانية عندما تحوّلت جرائم العدو الإسرائيلي الموثقة بالصوت والصورة إلى “مسألة فيها نظر” عند البعض، فيما المقاومة والدفاع عن الأرض بنظرهم جريمة لا تُغتفر.

د. زكريا حمودان

مدير “الوطنية للدراسات والإحصاء”

المصدر: موقع العهد




طوفان الأقصى وجبهات المحور.. ساحة واحدة

انطلقت معركة طوفان الأقصى في غزة لكن يبدو أنها لن تنته حيث بدأت. فساحات القتال التي اشتعلت مع محور المقاومة تتطور نحو جبهات ربما ستكون هي المركز الجديد المغيّر لوجهة المعركة.

جبهة جنوب لبنان

لم تهدأ الجبهة الجنوبية في لبنان يومًا في مواجهة العدو الإسرائيلي، فهناك حرب مفتوحة لم يتجرأ العدو إلى تطويرها منضبطًا ضمن إيقاع فرضته المقاومة جنوبًا.
عديدة هي إنجازات حزب الله في هذه الحرب وتتمثل في ما يلي:

١- تأمين جبهة مساندة ذات أبعاد متعددة أهمّها البعد العسكري دعمًا للمقاومة في فلسطين، وبعضها قد يكون عبارة عن ضغط دولي واسع النطاق.
٢- استعادة التوازن العسكري في مواجهة تقنيات العدو المستحدثة من بعد حرب تموز 2006.
٣- توجيه رسالة للإسرائيلي ومن خلفه الأميركي مفادها أنَّ قوّة ردع المقاومة في جنوب لبنان باتت أكثر صلابة مما يتوقع.  

حجم الألم الإسرائيلي من جبهة الشمال تظهّر من خلال الهجمة الدبلوماسية الدولية لبعض الشخصيات التي توافدت الى لبنان لتبحث في الـ ١٧٠١، وقد جوبهت برد واحد موحّد مفاده “لا حديث قبل وقف الحرب في قطاع غزة”.

جبهة اليمن الاستراتيجية

إضافة إلى جنوب لبنان، تحركت جبهة اليمن على نحو مفاجئ ومغاير لجميع الحسابات الدولية، الأمر الذي وضع العالم أمام خيارٍ من اثنين على الشكل التالي:
١- إما الضغط على حكومة نتانياهو لوقف الحرب على غزة مقابل وقف الهجمات اليمنية على السفن التجارية في البحر الأحمر، وهذا السيناريو هو المتوقع قريبًا.
٢- إما توسع جبهة البحر الأحمر لتكون مدخلًا نحو صراعٍ تاريخي لن تسلم منه الملاحة الدولية أبدًا وسيكون مقبرةً للغطرسة الأميركية في بحار غرب آسيا.

ما يقدمه اليمن العزيز ليس تفصيلًا بل هو نموذج حقيقي عن قدرات محور المقاومة التي باتت تشكل الإنجاز الكبير برًا وبحرًا وجوًا، مما سيجعل العالم يعيد حساباته في العديد من المشاريع الاستراتيجية في منطقة غرب آسيا.

أما في العراق فقد كانت القواعد الأمريكية هدفًا مباشرًا لقوى المقاومة التي سبق وأخرجت العدد الأكبر من القوى الأميركية من العراق وهي مستمرة بمقاومتها كما يجب.
وإذا أردنا مقارنة الهجمات العراقية على القواعد الأميركية خلال معركة طوفان الأقصى لوجدناها أكثر بكثير من أي فترة سابقة، وهذا الأمر مرده إلى دور العراق كجبهة مساندة أساسية إلى جانب باقي الجبهات.

محور المقاومة اليوم يخوض معاركه على مختلف الجبهات بحيث لا ينفصل أبدا تأثير قذيفة الياسين ١٠٥ عن الصاروخ البالستي أو المسيّرة التي يطلقها اليمن مساندةً لقطاع غزة، كما لا يمكن فصل أيٍ منهما عن ما تقدمه المقاومة من إنجازات جنوب لبنان أو العراق مساندةً لفلسطين، فجميع هذه الجبهات باتت تشكل بيضة القبان في معركة طوفان الأقصى.

د. زكريا حمودان

مدير “الوطنية للدراسات والإحصاء”

المصدر: موقع العهد