1

نشوب حريق في سفينة تجارية تابعة لإسرائيل تعرضت لهجوم بطائرة مسيرة قبالة سواحل الهند

قالت شركة أمبري البريطانية للأمن البحري اليوم السبت إن سفينة تجارية تابعة لإسرائيل صدمتها طائرة مسيرة قبالة الساحل الغربي للهند مما أدى إلى نشوب حريق.

وأضافت أنه تم إخماد الحريق الذي اندلع على متن السفينة، وهي ناقلة منتجات كيماوية وترفع العلم الليبيري، دون وقوع إصابات بين أفراد الطاقم. وأشارت إلى أن الحادث وقع على بعد 200 كيلومتر جنوب غربي فيرافال بالهند.

وقالت الشركة على موقعها الإلكتروني “تم الإبلاغ أيضا عن بعض الأضرار الهيكلية ووصول بعض الماء إلى متن السفينة. والسفينة تابعة لإسرائيل وتوقفت آخر مرة بالسعودية وكانت متجهة إلى الهند في ذلك الوقت”.

وذكرت أن البحرية الهندية تتعامل مع الموقف. وقال مسؤول بالبحرية الهندية إنها استجابت لطلب مساعدة صباح اليوم السبت.

وأضاف المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بمناقشة الواقعة، “تم التأكد من سلامة الطاقم والسفينة. كما أرسلت البحرية سفينة حربية لتصل إلى المنطقة وتقدم المساعدة كما طُلب”.

ووفق ما أوردته قناة “آر تي عربية” الروسية اليوم، أكدت وكالة عمليات التجارة البحرية البريطانية أن الهجوم أدى إلى اندلاع حريق على متن السفينة.

وأعلن وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن الأسبوع الماضي إطلاق تحالف دولي من قوة متعددة الجنسيات لحماية حركة الملاحة بالبحر الأحمر، في أعقاب هجمات الحوثيين على السفن المتجهة إلى إسرائيل.

وتضم القوة التي ستعمل تحت اسم “حارس الازدهار” بريطانيا والبحرين وكندا وفرنسا وإيطاليا وهولندا والنرويج وسيشيل وإسبانيا والدنمارك.

وقال أوستن إن المهمة الرئيسية للعملية ستكون حل المشاكل الأمنية في الجزء الجنوبي من البحر الأحمر وخليج عدن من أجل ضمان حرية الملاحة.

ويقول الحوثيون إن الهجمات تأتي لدعم الفلسطينيين الذين تحاصرهم إسرائيل في قطاع غزة.

وذكرت وسائل إعلام إيرانية نقلا عن قائد في الحرس الثوري أن البحر المتوسط قد يُغلق إذا واصلت الولايات المتحدة وحلفاؤها ارتكاب “جرائم” في غزة، دون أن يوضح كيف سيحدث ذلك.

المصدر: وكالات




هكذا تعمل مجموعات الضغط الداعمة لإسرائيل في واشنطن

المصدر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات




ما سر التلازم بين إيران وقوى المقاومة؟

مع كل ذكر لفصيل مقاومة اسلامية بالمنطقة تلصق معه جملة “المدعوم من إيران”! لم تعترض إيران على هذه الجملة، بل العكس تفخر بها، وترى ذلك من واجبها الشرعي، والقيمي. من جهتهم فان قادة فصائل المقاومة لا يترددون في التأكيد على ان إيران داعمة لهم في الإعلام والمال والتدريب، والتصنيع، والتسليح، والدبلوماسية. والاعلام العربي، ايضا اعتقد ان إعلان المقاومة الدائم بالاعتراف بالدعم الإيراني هو أشبه ب”المثلبة”، فراح يطيل بالجمل ويقصرّها حين يورد اسم المقاومة، وأحيانا يبدّل المقاومة بالميليشيا!

ويرى البعض أن المقاومة في بعدها السياسي او العسكري هي العمق الاستراتيجي للجمهورية الإسلامية، وتؤكد ان هذا العمق لن تتنازل عنه، مهما كان الثمن، والتضحيات، والصبر، والتحمل. يقول السيد القائد الخامنئي “إن الحضور الإقليمي يمنح إيران العمق الاستراتيجي والمزيد من القوة”. هذا النص أورده السيد الخامنئي في لقائه مع رئيس وأعضاء مجلس خبراء القيادة في إيران، وان إيراد هذا النص جاء بسبب مطالبة الغرب بتنازل إيران عن دعمها للمقاومة مقابل امتيازات في القضية النووية ورفع الحظر. من جهتها، فان فصائل المقاومة لن تقبل أن تغيّر من توجهاتها رغم الضغوط والإغراءات التي تقدم لها، لأنها تدرك تماما ان اي تحول عن الدعم الايراني يعني فقدان بوصلة العمل، والتلاشي مع الأيام أسوة بالكثير من عناوين المقاومة السابقة الذين لم يتبق منهم سوى الاسم او مجرد مكتب!

إن واحدة من أهم أسباب استمرار انتصارات المقاومة الاسلامية منذ ثمانينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، هو ثبات موقف الجهة الداعمة (الجمهورية الاسلامية) حيث لم تغير من موقفها منذ ان انبثقت الثورة الاسلامية عام 1979 واعلان قائدها الامام الخميني (قدس) بالعبارة الصريحة الواضحة ” يجب أن تمُحى إسرائيل من الوجود”، متخذاً مجموعة من الاجراءات في السيطرة على السفارة الأميركية في طهران، وإغلاق السفارة الإسرائيلية، وتحويلها الى سفارة لفلسطين.

إن هذا الثبات في الموقف جعل الدول وفصائل المقاومة، وقوى التحرر بالعالم تثق بانتمائها لهذا الخط والذهاب معه بعيدا، وفي نفس الوقت فان هذا “العمق” ما انفك يمثل مصدر قوة للثورة الإسلامية، وإدامة وجودها وحضورها الدائم على كل الاصعدة، حتى بات من يفكر بالأذى لإيران عليه ان يدرك انها تمتلك عمقا استراتيجيا في عموم منطقة غرب آسيا وصولا الى اميركا اللاتينية.

إن هذا التلازم بين إيران وقوى المقاومة بات يشكل نواة لمشروع “قطبية جديدة” بالعالم، وثقلاً سياسياً وعسكرياً واقتصاديا، فمثلاً لمرات عديدة عندما فكّرت امريكا ان تعتدي على إيران وضعت في حساباتها ان عليها ان تحارب دولاً عديدة، وجبهات وليس دولة بعينها. مثلما فكرت اسرائيل وغيرها ان تعتدي على المقاومة، لكنها تعلم انها ستكون ملزمة ان تواجه إيران بكل ما تملك من مصادر القوة.

معركة طوفان الاقصى التي انطلقت في السابع من اكتوبر للعام الجاري أشّرت إلى تصاعد قوة الردع للمقاومة الاسلامية بالشكل الذي لم تعد فيه عمليات المقاومة مجرد عملية فدائية سريعة، بل هي معركة ترقى الى مستوى دولتين، فقد مضى على المعركة (76) يوما وما زال أوارها متقدا، فيما يعجز الجيش الصهيوني ان يحقق نصراً على المقاومة في غزة رغم سعة امكانياته، وتفوقه في العدد والعدة والتكنولوجيا.

لم يستطع العدو الصهيوني ان يتفرد بغزة وأهلها، فقد وجد لها عمقاً يتمدد من لبنان الى سوريا فالعراق فاليمن حيث تحاصره صواريخهم وطائراتهم، وتدك الأبعد من اراضيه.

إن ادارة معركة طوفان الاقصى معقدة وتحتاج الى غرفة عمليات مشتركة، وصرامة بالقرار سواء في قطاع غزة او بقية مناطق تحرك المقاومة، فليس من السهل ان تكون النيران المشاركة بهذا الانضباط العالي، وان تكون ادارة الاعلام والتصريحات والمؤتمرات الصحفية بهذه المهنية!

ليس هنالك من يشك بأن جميع الاعلام العالمي وحتى العربي، ما انفك يتهم إيران بأنها وراء هذه المنازلة، وادارة المعركة وتوزيع الأدوار، كلاً حسب مهمته الموكلة إليه، وحين تشعر القيادة في إيران ان أمريكا تريد ان تتمدد أكثر للتدخل في المعركة ترسل رسائلها الى امريكا وخاصة فيما يخص بوارجها الحربية.

لاحظْ ان جميع القمم العربية التي انعقدت بعد معركة طوفان الاقصى، لم تخرج بما ينفع لصالح القضية الفلسطينية ولا لصالح المعركة، بل بدت في حال من الشده دون اي قرار فاعل، فمثلا دولة مصر تقول “ان اسرائيل تمنع دخول المساعدات الى غزة عبر معبر رفح” رغم ان إحصائيات موقع “غلوبال فاير بور” يؤكد على ان مصر تتقدم دول المنطقة بالجيش والتسليح والانفاق العسكري. والسعودية تحمّل امريكا مسؤولية الفيتو ضد قرار وقف إطلاق النار، وعدم الضغط على إسرائيل، فيما تمتلك أكبر ميزانية تسليح في الشرق الأوسط وهي 56 مليار، أما الاردن فإنه يكرر تعاطفه مع اهالي غزة نتيجة ضغط الشارع الاردني، وقطر طبّابة خير لا غير، وباقي الدول العربية بين مطبع ومتخاذل، وآخر يرى في التظاهر تفريغا لشحنات الدعم.

قد يبدو الموقف صعبا في غزة، حيث الموت والقتل والهدم والترويع والتجويع ليصل عدد الشهداء من الضحايا (20) ألف حتى اليوم ال 72، معظمهم من الاطفال والنساء والشيوخ والمرضى، وحيث نقص المؤونة وغيرها، لكن سياق المعركة يؤكد ان المقاومة تصّعد من ضرباتها، وتزيد من عدد قتلى العدو، ومازالت تدّخر الكثير.

أمام المقاومة في غزة امران، اما الرضوخ والاستسلام وبذا (تنتكس القضية الفلسطينية كما شهدت من قبل سلسلة الانتكاسات ونبدأ نحن العرب بجلد ذاتنا -وكم نحسن ذلك – او الاستمرار بالمعركة ورفع منسوب القتال، وايقاع الخسائر بالعدو، متحملين ألمَ الخسائر بالمدنيين من أبناء غزة والضفة الغربية.

المعادلة صعبة وتحتاج الى ادارة ببصيرة عالية ايضا، بين ان تواصل الحرب وانت محاصر من جميع الجهات سوى التخندق وادارة المعركة داخل الخنادق، وبين جموع الضحايا من حولك وهم بين مقتول وجريح، ومريض، ونازح، وجائع.

هناك غرفة عمليات مشتركة تدير ملف المعركة في بعدها العسكري، والسياسي، والاعلامي، والاقتصادي. قد تكون حماس اجتهدت في معركة طوفان الاقصى دون تنسيق مع بقية الفصائل، ولامع الدولة الراعية للمقاومة، وقد يكون هذا الاجتهاد قد عجّل  في معركة من المخطط لها ان تُخاض في وقت آخر، كما كان قد اكد ذلك السيد حسن نصر الله في الشهر الثالث من العام الجاري بالقول “لقد اكملنا الاستعدادات للحرب الكبرى”، لكن ادارة المعركة دخلت الى الميدان، وما زالت تدير المعركة وحيثياتها بكل مهارة ودون التنازل عن اي حق من حقوق الشعب الفلسطيني، وكما أوضح وزير خارجية ايران أمير حسين عبد اللهيان “اهدافنا تحرير ارض فلسطين من البحر النهر”، وليس كما يروج العرب بالرضا بحدود عام 1967.

محمود الهاشمي

المصدر: موقع الخنادق




غيضٌ من فيض الفشل المتراكم لجيش الاحتلال

قد تكون هذه الحرب الدائرة على أراضي قطاع غزة من أكثر حروب جيش الاحتلال فشلاً مقارنة بحروبه السابقة، فيقف الجيش عاجزاً أمام عمليات المقاومة النوعية في كل مناطق توغله رغم الكثافة النارية. وتنفذ المقاومة الفلسطينية يومياً، عمليات تفجير وإطلاق نار ضد قوات الاحتلال المتوغلة بمناطق شمال وجنوب القطاع. لم يتمكن جيش الاحتلال طوال أيام حربه البرية من السيطرة كلياً على مناطق زعم أنها أصبحت تحت سيطرته خاصة فيما يتعلق بحي الشجاعية وبلدتي بيت حانون وبيت لاهيا ومخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين.

إذا ما حاولنا تكثيف الوقائع العسكرية منذ بداية المناورة البرية، يمكننا الجزم أن الاحتلال يراكم عناصر فشل منها ما هو بنيوي منظوماتي يرتبط بالجيش والأفراد وكفاءاتهم، ومنها ما هو تشغيلي يرتبط بالخطط المعدة والمنفذة والتي باتت تتغير يومياً لترميمها وإعادة تكييفها مع الواقع والميدان.

 الفشل البنيوي المنظوماتي

– افتقاد الجنود لعنصر الكفاءة: منذ بدء الغطاء الجوي بالانحسار لإفساح المجال للقوات البرية النخبوية للعمل الهجومي، برز بشكل واضح أن الجندي الإسرائيلي غير مُعدّ للقتال الفردي، بل يعتمد على القتال الجماعي الذي يستخدم طاقة نيران كبيرة والعمل ضمن قطيع الذي يقضي على مبادرة الفرد، ويكشف لياقاته الفردية كمقاتل. بالإضافة إلى ذلك، تميزت هذه الحرب منذ الأيام الأولى بارتفاع لافت لعدد الجنود الصهاينة القتلى بنيران صديقة.

– الحرص على الحماية المفرطة للذات: برزت في الأسبوع الخامس للحرب عدد من الأمراض التي يعاني منها العديد من الجنود الإسرائيليين بسبب بقائهم لفترات طويلة داخل الدبابة أو المدرعة، التي باتت تُعتبر مكان مبيتهم، وذلك لأسباب تتعلق بسلامتهم الشخصية وليس بالجهوزية، حيث إن معظم التقارير تفيد بأن الجندي لا يعمل أكثر من 4 إلى 6 ساعات يومياً. وفي إطار الحديث عن الدبابات دمرت المقاومة الفلسطينية عدداً لا يقل عن 20 دبابة يومياً، في بعض الأيام 37 وقد قارب مجموع الدبابات والآليات المدمرة الـ 740 حتى يوم السبت 22-12-2023.

الفشل التشغيلي

– تخطيط العمليات: يبدو من عدة عناصر ترتبط بأصل هذه المعركة، أن الإسرائيلي لا زال يكرّر نفس الخطأ منذ تموز 2006، وهو أنه لا زال مصراً على القتال كجيش نظامي بواسطة التكنولوجيا الفائقة لمجموعة متجانسة من أكفأ منظّمات حرب العصابات في العالم إذا أردنا أن نحدد نتائج الفشل والاختلال ميدانياً، يمكننا الإشارة إلى التالي: 

‌أ- كمائن المقاومة المتتالية في الشجاعية والعدد الكبير من الضباط والجنود الذين قتلوا فيها.

‌ب- كمين شارع النصر- مستشفى الشفاء ومجزرة المدرعات والدبابات الذي نفذته المقاومة بالجيش الإسرائيلي.

‌ج- استدراج قوة من الوحدة 551 في بداية الحرب البرية إلى نفق معد للتفجير في بيت حانون، وإيقاع خسائر نوعية بهذه الوحدة السرية.

‌د- تفجير جحر الديك عندما قام المقاومون بزرع عبوات شديدة الانفجار بمخيم منامة للعدو وتفجيره بعد انسحاب المقاومين بسلام.

‌ه- فشل ثلاث محاولات إبرار بحري بظروف عسكرية ومناخية ملاءمة جداً للصهاينة.

‌و- التعديل المستمر بالخطط الحربية وخاصة في منطقتي العمليات الوسطى (الشجاعية حي الزيتون) والجنوبية (شرق خان يونس ودير البلح).

‌ز- فشل عملية تحرير جثث الجنديين المعتقلين في خان يونس، والتي دفع ثمنها جيش الاحتلال 4 قتلى من أجل تحريرهما.

‌ح- قتل جيش الاحتلال ثلاثة أسرى من الجنود الصهاينة الذين فروا من المقاومة واستنجدوا برفاقهم في الشجاعية، إلا أن ر فاقهم قتلوهم لقلة الخبرة، وعدم وجود بروتوكول للتعرف على الرفاق.

 – الإدارة اللوجستية للمعركة: برز في هذه المعركة عدد من الاختلالات في إدارة العمليات اللوجستية العسكرية، حيث إن صِغر مساحة القطاع الجغرافية وقربه من مستعمرات الغلاف، جعل التموين العسكري والعمل اللوجستي والغذاء يعتمد على نظام يلبي الطلب بشكل يومي أي كل 24 ساعة، وهذا ما تنبّهت له المقاومة في الأيام الأولى للحرب ووضعته ضمن برنامجها اليومي الثابت، حيث ركّزت على طرق قوافل التموين وعلى مخازن الذخائر الميدانية التي كانت توضع في العراء داخل شاحنات.

يمكننا إعطاء سِمة “الفشل المتراكم” لهذا القتال الطويل الأمد، الذي أطلقته الآلة العسكرية الإسرائيلية منذ بداية العملية البرية، عندما بدأت أرتال الدبابات والمدرعات التقدم ببطء شديد، إلى حمى قطاع غزة تحت ستار الآلاف من الطلعات الجوية وعشرات الآلاف من الضربات المدفعية البرية.

المصدر: موقع الخنادق




باب الدموع…مضيق دولي استراتيجي

يعدُّ مضيق باب المندب واحداً من أهم المضائق الدولية في العالم، وترتبط أهميته الاقتصادية والاستراتيجية بأنه يمثل البوابة الجنوبية الوحيدة للبحر الأحمر، ويتوسط المسافة بين قناة السويس ومدينة بومباي في الهند، بذلك فهو شريان التجارة الدولية بين الشرق والغرب حيث تعبره يوميا عشرات من ناقلات النفط العملاقة فضلاً عن السفن التجارية والبحرية، وهذا ما يعطي أهمية استراتيجية واقتصادية تؤثر في العلاقات الإقليمية والدولية. 

الموقع الجغرافي لباب المندب

مضيق باب المندب، أو بوابة الدموع، وقد جاءت هذه التسمية من الندب والدموع حزناً على القتلى الذين سقطوا في هذا المضيق، وهو ممر مائي يصل خليج عدن وبحر العرب بالبحر الأحمر، ومنه عبر قناة السويس إلى البحر الأبيض المتوسط. وهو يقع بين اليمن في آسيا وكل من جيبوتي وأريتريا في أفريقيا.

منذ افتتاح قناة السويس عام 1869 وربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، تحول باب المندب إلى واحد من أهم ممرات النقل والمعابر البحرية بين أوروبا وحوض البحر المتوسط، وعالم المحيط الهندي وشرق أفريقيا.

ومما زاد أهمية الممر، أن عرض قناة عبور السفن بين جزيرة بريم والبر الإفريقي، هو 16 كيلومترا وعمقها 100 إلى 200 متر، مما يسمح للسفن وناقلات النفط بعبور الممر بسهولة في الاتجاهين. علماً أن المسافة بين ضفتي المضيق هي 30 كيلومترا من رأس منهالي في الجانب الآسيوي إلى رأس سيان في الجانب الإفريقي.

يقدر عدد السفن وناقلات النفط العملاقة التي تمر فيه بالاتجاهين، بأكثر من 21000 قطعة بحرية سنوياً تمثل 7 في المائة من حركة الملاحة البحرية العالمية.

مضيق باب المندب هو رابع أكبر الممرات من حيث عدد براميل النفط التي تمر فيه يومياً. أي نحو 6.7 في المائة من تجارة النفط العالمية.

المسافة بين ضفتي مضيق باب المندب هي 30 كم (20 ميل) تقريباً من رأس منهالي في الساحل الآسيوي، إلى رأس سيان على الساحل الإفريقي. المسافة بين ضفتي المضيق هي 30 كم تقريبا من رأس منهالي في الساحل الآسيوي إلى رأس سيان على الساحل الإفريقي.

جزيرة بريم (مَيّون) التابعة لليمن، تفصل المضيق إلى قناتين الشرقية منها تعرف باسم باب اسكندر عرضها 3 كم وعمقها 30م. أما القناة الغربية واسمها “دقة المايون” فعرضها 25 كم وعمقه يصل إلى 310 م. بالقرب من الساحل الإفريقي توجد مجموعة من الجزر الصغيرة يطلق عليها الأشقاء السبعة. هناك تيار سطحي يجري للداخل في القناة الشرقية، وفي القناة الغربية فهناك تيار عميق قوي يجري للخارج، مياه الممر دافئة (24-32.5درجة مئوية)، والتبخر فيه شديد (2200-3000مم سنوياً).

وجزيرة بريم (ميون) هي من أبرز جزر المضيق وهي تقع في مدخله، وتبلغ مساحتها نحو خمسة أميال مربعة، وتعتمد في كل احتياجاتها على عدن والساحل العربي والافريقي، وقد سمى العرب هذه الجزيرة بـ “ميون” نسبة للقرية التي يقيم فيها سكان الجزيرة، أما الغربيون فأطلقوا عليها اسم بريم، وهي مكونة من الصخور البركانية القاتمة وتبعد عن عدن بحوالي 96 ميلاً غرباً وحوالي 3 أميال عن اليمن الشمالي، ويسكن جزيرة بريم حوالي 300 نسمة غالبيتهم من العرب، ويعيش غالبية السكان على التجارة مع السفن التي ترسو في الجزيرة أثناء عبورها باب المندب، إضافة إلى عملهم بالصيد.

ومن الجزر الأخرى التي تعد ثانوية بالنسبة لجزيرة بريم، جزيرتا قمران وسومطرة، التي تقع في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر تجاه مضيق باب المندب وهي مأهولة بالسكان وسطحها جبلي، كما توجد جزيرة زقر على مسافة 33 كلم غرب رأس المتبنة في اليمن الشمالي، وهي أكبر الجزر مساحة وارتفاعاً مما يعطيها أهمية وخبرة خاصة في متابعة التحركات البحرية في البحر الأحمر. وتوجد جزيرة هليب بالقرب من مضيق باب المندب على مسافة 20 كم جنوب شرق ميناء عصب التي تبلغ مساحتها 40 كلم2 وهي خالية من السكان.

باب المندب تاريخياً

ظهر التنافس الإنكليزي الفرنسي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب في القرن الثامن عشرـ عندما أخذ كل من بريطانيا وفرنسا بتهديد مصالح الأخرى عبر الطرق المؤدية الى الهند، وأهمها طريق البحر الأحمر وخاصة بعد تجديد معاهدة 1536م التي نصت على حق فرنسا في حماية المسيحيين الكاثوليك في أرجاء الدولة العثمانية مما أزعج الإنكليز. كما كانت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت على مصر بمثابة الصراع العلني بين بريطانيا وفرنسا حول البحر الأحمر، فقد اتجه الفرنسيون الى تجميع اسطولهم في السويس بهدف قطع الطريق على بريطانيا الى السنغال عبر الشرق الأوسط والى الهند، فقام مهندسون فرنسيون بدراسة وصل البحر الأحمر بالبحر المتوسط. ومُنيت الخطة الفرنسية بالفشل بعد تمكن الاسطول الإنكليزي من توجيه ضربة الى الاسطول الفرنسي وتحطيمه في أبو قير في آب/أغسطس 1798.

وحصلت اتفاقات بريطانية روسية عثمانية لإجلاء الفرنسيين عن فرنسا في كانون الثاني/يناير 1799، لكن بريطانيا أرادت الحفظ على مصالحها الحيوية في مصر، فأرسلت قوات بحرية تطوف البحر الأحمر في عملية استعراض قوة. وفي نفس العام قامت قوة بحرية قوامها 300 جندي أوروبي وهندي بقيادة جون موراي بالتوجه نحو المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، واحتلت جزيرة ميون التي تبعد عن عدن حوالي 500 ميلاً بحرياً فقط مما يجع أي قوة تسيطر عليها تهدد بالتالي قاعدة عدن.

بلغ الصراع ذروته حين دخل الجيش المصري بقيادة محمد علي الى اليمن اثناء مطاردته الوهابيين، وتم الاستيلاء على ميناء المخا في 13 كانون الأول/ ديسمبر 1833م، مما شكل تهديداً خطيراً للمصالح البريطانية في الجزء الجنوبي من البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وشكل حافزاً للبريطانيين في محاولة السيطرة على عدن. وسقطت عدن بيد البريطانيين في 19 كانون الثاني/يناير 1839م، وشكّل ذلك تنفيذاً لسياستها الاستعمارية في منطقة البحر الأحمر، وتثبيت نفوذها عند مضيق باب المندب، والى تقوية نفوذها في مصر إضافة الى محاولتها إبعاد أي نفوذ محلي أو أجنبي عن هذا الممر الملاحي البحري الهام.

ولا يغيب عن بالنا محاولات إيطاليا إيجاد منفذ لها خارج البحر المتوسط بعد افتتاح قناة السويس فحاولت احتلال بعض النقاط الاستراتيجية في أثيوبيا وارتيريا.

الجغرافيا لا تتغير، ولكن التاريخ تراكم أحداث وتطورات، ولا بد لاستشراف المستقبل من قراءة التاريخ على وقع الحاضر…باب المندب مفتاح القادم من الأيام.

نسيب الشمس

المصدر: موقع الخنادق




الاتحاد الأوروبي في 2023… حرب أوكرانيا كشفت عجزه والموجة اليمينية إلى ارتفاع

على قلق شديد من الآتي، وانحسار ملحوظ في الآمال والطموحات، يطوي الاتحاد الأوروبي صفحة العام الذي كان مفترضاً أن يشهد بداية تكريس دوره بوصفه قطباً جيوسياسياً ثالثاً في المشهد الدولي؛ لكنه انتهى بضمور غير متوقع لهذا الدور، ويستعدّ لسنة جديدة يعقد عليها الآمال في استعادة الدور الضائع، وإيجاد الموقع المنشود في لعبة المحاور الدولية، ورأب الصدع الداخلي الذي يتسّع تحت وطأة الانجراف إلى الضفاف اليمينية والشعبوية المتطرفة.

منذ سنوات والرياح الخارجية لا تجري في الاتجاه الذي تشتهيه السفينة الأوروبية التي تواجه أيضاً أعاصير مناخ داخلي تعكّر صفاء التعايش بين الشركاء، وتهدد بنسف معادلات التوازن التي قام عليها المشروع الأوروبي منذ تأسيسه.

انكشاف العجز

فالحرب في أوكرانيا، على أبواب الاتحاد، لم تفرض -فحسب- واقعاً جديداً استدعى إعادة خلط الأوراق في التوازنات الأمنية والجيوستراتيجية داخل الدائرة الأوروبية وخارجها؛ بل كانت ضربة نفسية في عمق الفكرة التي تأسس عليها المشروع، لتفادي تكرار مآسي الحربين الأولى والثانية على التراب الأوروبي.

في المراحل الأولى للحرب، تداعى الشركاء الأوروبيون إلى توافق غير مسبوق في السياسات الدفاعية والخارجية لدعم أوكرانيا بالعتاد العسكري والمساعدات المالية، وتوفير التسهيلات لاستقبال ملايين اللاجئين والنازحين في دول الجوار. لكن، مع مرور الوقت، واتضاح إمساك الولايات المتحدة بجميع مفاتيح قرارات الدعم الغربي لأوكرانيا، انكشف العجز الأوروبي عن تحقيق هدف الاستقلالية الاستراتيجية التي كانت عنوان حملة رئيسة المفوضية، أورسولا فون دير لاين، قبل انتخابها، بينما كان يتصدّع إجماع الشركاء الأوروبيين على تقديم الدعم المتواصل لأوكرانيا، تحت وطأة التداعيات الاقتصادية للحرب وذيولها الاجتماعية في البلدان المجاورة.

وأظهرت الحرب في أوكرانيا أن السياسة الخارجية والدفاعية الموحدة ستبقى سراباً يسعى الاتحاد الأوروبي وراءه، وأن الإصرار على هذا السعي بأي ثمن من شأنه أن يكون صاعقاً يخلخل التماسك الاقتصادي والاجتماعي الذي بدأت تظهر عليه أعراض الوهن في السنوات الأخيرة.

وجاءت الحرب في قطاع غزة، ومواقف العواصم الأوروبية المتباينة بشأنها، لتؤكد استحالة توحيد السياسات الأوروبية الخارجية، حتى تجاه القضايا التي تمسّ مباشرة أمن الدول الأعضاء في الاتحاد، وتهدد استقرارها الداخلي ومصالحها الاقتصادية.

العلاقات مع الصين

إلى جانب ذلك، ما زال الاتحاد الأوروبي يجهد بصعوبة لتحديد إطار واضح لعلاقاته مع الصين، محاولاً الموازنة بين المبادئ الأساسية التي يقوم عليها من جهة، والمصالح التجارية الضخمة التي تربط بعض أعضائه بالمارد الآسيوي من جهة أخرى، فضلاً عن الضغوط التي يتعرض لها من الولايات المتحدة التي تريده بجانبها في صراعها المفتوح على الزعامة الدولية مع بكين.

لكن التحديات والمخاوف الداخلية لا تقلّ خطورة عن أزمات الخارج التي يخشى أن تتحول شظاياها إلى فتيل يشعل اضطرابات دينية وعرقية داخل البيت الأوروبي، الذي قام مشروع الاتحاد أساساً لتحصينه ضد الحركات العنصرية واليمينية المتطرفة التي تسببت في دماره ودفعته إلى الارتماء بين أذرع القوتين العظميين اللتين خرجتا من رحم الحرب العالمية الثانية.

موجة يمينية متطرفة

فإلى جانب الأزمات الخارجية التي يقف الاتحاد الأوروبي عاجزاً عن التأثير الحاسم في مسارها ونتائجها، تهبّ على البلدان الأوروبية موجة يمينية واسعة لم تعرفها منذ تأسيس الاتحاد، وباتت تشكّل خطراً يهدد الركائز الأساسية التي قام عليها المشروع الأوروبي، وتدفع حتى بالأحزاب والقوى اليسارية والتقدمية إلى تبنّي طروحات ومواقف يمينية تتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان التي لعبت أوروبا دوراً أساسياً في وضعها بعد الحرب العالمية.

أكثر من نصف الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تزيد شعبية اليمين المتطرف فيها على 20 في المائة، بينما 4 من أصل الدول الخمس الكبرى تشارك فيها أحزاب يمينية متطرفة في الحكم، ومع كل استحقاق انتخابي تتسع دائرة التأييد لهذه الأحزاب، مع ارتفاع تدفقات الهجرة غير الشرعية، ومعدلات التضخم، وكلفة السياسات المناخية.

وأكثر ما يثير القلق اليوم في المؤسسات الأوروبية، هو أن اليمين المتطرف لم يعد بحاجة للوصول إلى السلطة للتأثير في السياسات المحلية والاتحادية؛ إذ يكفيه الحصول على نسبة وازنة من التأييد الشعبي في الانتخابات، للضغط على الحكومات ومنعها من تأييد الإصلاحات التي يحتاج إليها الاتحاد من أجل تنفيذ المشاريع الكبرى التي تنتظر توافق الدول الأعضاء منذ سنوات.

هذا لا يعني أن أوروبا تقف على أبواب العودة إلى حكم الفاشيين، كما حصل في ثلاثينات القرن الماضي تحت وطأة أزمة اقتصادية واجتماعية طاحنة؛ لكن خطر الموجة اليمينية بات محدقاً، والقيادات المتطرفة لم تعد تخفي هدفها الرئيسي بتغيير القواعد والمبادئ الرئيسية التي تأسس عليها الاتحاد.

تحديات الهجرة وسياساتها

وبينما تواصل القوى اليمينية المتطرفة قضم مزيد من التأييد الشعبي عند كل استحقاق انتخابي، كما حصل مؤخراً في هولندا، يرتفع منسوب القلق والترقب أمام الانتخابات الأوروبية المقررة مطالع يونيو (حزيران) المقبل؛ حيث -للمرة الأولى منذ تأسيس البرلمان الأوروبي- لم تعد الكتلتان: الاشتراكية والمحافظة، اللتان وجّهتا الدفّة السياسية في العقود المنصرمة، تشكلان الأغلبية البسيطة التي غالباً ما يقتضي تحصيلها اللجوء إلى تحالفات مع القوى اليمينية المتطرفة.

ولعل السمة الأبرز التي ميّزت المشهد الأوروبي خلال هذا العام الذي ينقضي، هو الوجه البشع الذي كشفته سياسات الهجرة، كما تبدّى لنا في التجوال على أكثر من عشرين دولة أوروبية؛ حيث شاهدنا «السجون العائمة» التي يتكدّس فيها المهاجرون قبالة المواني البريطانية، أو المخيمات المكتظة في الجزر اليونانية؛ حيث يتعرض المهاجرون لشتى أنواع سوء المعاملة، أو في الدنمارك؛ حيث ينصّ قانون الهجرة على جواز مصادرة أموال المهاجرين ومجوهراتهم، باستثناء قطعة واحدة، هي… محبس الزواج.

شوقي الريس

المصدر: صحيفة الشرق الاوسط




الكونغو الديمقراطية… تاريخ من الصراع

> منذ استقلالها قبل أكثر من نصف قرن، واجهت جمهورية الكونغو الديمقراطية هزّات سياسية عدة، بدأت مع اغتيال رئيس الوزراء اليساري باتريس لومومبا عام 1961، ثم انقلاب عسكري عام 1965 رسّخ حقبة ديكتاتورية، أطاح بها انقلاب عسكري آخر عام 1997. وفيما بعد اغتيال الرئيس لوران كابيلا في 2001، كذلك عاشت هذه المستعمرة البلجيكية السابقة حربين أهليتين بين عامي 1996 و2003، ما أنهكها وتسبب في قتل وتشريد الملايين من أبنائها.

الأشهر الأخيرة من العام الحالي 2023 شهدت أيضاً تصاعدا في أعمال العنف، تزامنا مع الاستعداد للانتخابات الرئاسية، حيث تسبب الصراع في شرق البلاد في مقتل ما يقرب من ستة ملايين شخص منذ عام 1996. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى تجاوز عدد النازحين داخل البلاد بسبب الصراع 6.9 مليون شخص.

باتريس لومومبا (أ ف ب / غيتي)

هنا لا بد من الإشارة إلى أن تاريخ الصراع في الكونغو الديمقراطية يرتبط بـ«جارتها» رواندا، على الحدود الشرقية؛ حيث جاءت حرب الكونغو الأولى خلال عامي 1996 و1997 عقب مجازر الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، حين قتل متطرفون من إثنية «الهوتو» ما يقدر بنحو مليون من أقلية «التوتسي» والمعتدلين من «الهوتو». ويومذاك فرّ ما يقرب من مليوني لاجئ من «الهوتو» إلى الحدود الكونغولية، ليستقروا في مقاطعتي شمال كيفو وجنوب كيفو، بل وكان بين الذين فرّوا إلى الكونغو مجموعة من متطرفي «الهوتو»، شكلوا ميليشيات مسلحة في الكونغو. وعلى الإثر تكونت ميليشيات مضادة من «التوتسي»، وهكذا اشتعل الصراع بين الجانبين على وقع دعم خارجي.

هذا، وعقب انتصار «الجبهة الوطنية الرواندية» على حكومة «الإبادة الجماعية»، بدأت «الجبهة» بقيادة التوتسي تدخلها في الكونغو، حين كانت تُعرف في تلك الفترة باسم «زائير». وبالفعل، غزت القوات الرواندية بقيادة الرئيس بول كاغامي (من التوتسي)، الكونغو التي كان يحكمها الديكتاتور اليميني الجنرال (جوزيف) موبوتو سيسي سيكو. الغزو الراوندي حظي بدعم من أوغندا وأنغولا وبوروندي، وبتنسيق مع الزعيم اليساري للمعارضة الزائيرية (آنذاك) لوران كابيلا. لقد قضى الآلاف في سبيل انتصار تحالف كابيلا – كاغامي إبان حرب الكونغو الأولى عام 1997، التي انتهت بفرار موبوتو من كينشاسا، وتنصيب كابيلا رئيساً لزائير، وإعادة الاسم التاريخي للبلاد ليغدو جمهورية الكونغو الديمقراطية… بعدما كان موبوتو قد سماها «زائير».

غير أن كابيلا سرعان ما تراجع عن تحالفاته السابقة، واتخذ إجراءات من شأنها إزالة «التوتسي» من حكومته وإضعاف الوجود العسكري الرواندي في شرق البلاد، والسماح لجماعات «الهوتو» المسلحة بتنظيم نفسها على الحدود مرة أخرى.

موبوتو سيسي سيكو (آ ف ب)

وعلى هذه السياسة ردت رواندا بغزو آخر عام 1998 أدى إلى اندلاع حرب الكونغو الثانية. وهذه المرة، قاتلت القوات الكونغولية المدعومة من أنغولا وناميبيا وزيمبابوي الجيوش الرواندية والأوغندية والبوروندية. وفي خضم فوضى الحرب، اغتيل لوران كابيلا عام 2001، وتولى السلطة نجله جوزيف كابيلا قبل أن تضع الحرب أوزارها في 2002، مخلفة ضحايا اختلف في عددهم، وسط تقديرات بأنها تسببت وما تبعها من كوارث إنسانية في قتل ثلاثة ملايين شخص حتى عام 2004.

في محاولة للحد من الصراع انخرطت الكونغو وأوغندا ورواندا بين عامي 2002 و2003 في مجموعة من اتفاقات السلام التي سمحت بتشكيل حكومة انتقالية في كينشاسا بقيادة جوزيف كابيلا. ولكن رغم الاتفاقات، ولجان الحقيقة والمصالحة، ووجود قوة متجددة لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة، استمرت الاضطرابات والاشتباكات في شرق الكونغو.

جرى تنصيب جوزيف كابيلا رسمياً بعد الانتخابات الشعبية التي طال انتظارها عام 2006، لكن الصراع لم ينته، ولا سيما مع ظهور حركة «23 مارس» (M23) التي تتكون أساساً من التوتسي. وبين عامي 2012 و2013، صارت الحركة قوة لا يمكن إنكارها في شرق الكونغو، وسط اتهامات كونغولية لرواندا بدعمها. وأخيراً جلب القرن الـ21 تعقيداً آخر لجهود السلام في الكونغو، التي تختزن أرضها بعض أكبر احتياطات العالم من المعادن، إذ أدت وفرة الموارد الطبيعية إلى عولمة الصراع في شرق الكونغو الديمقراطية… وسط صراع على مناجم الكوبالت بين الولايات المتحدة والصين.

المصدر: صحيفة الشرق الاوسط




فيليكس تشيسيكيدي… «وريث المعارضة» الطامح إلى ولاية ثانية رغم التحديات

تفشّي «العنف» يلاحق رئيس الكونغو الديمقراطية

وسط مجموعة من مؤيديه احتشدت في ساحة ملعب رياضي بمدينة غوما، حاملين الأعلام ومرتدين قبعات وملابس بيضاء، وقف رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي حاثاً الشعب على انتخابه لولاية ثانية من أجل «تعزيز إنجازاته»، ومحذّراً من «العودة إلى نقطة الصفر». يطمح تشيسيكيدي «وريث المعارضة التاريخية» في أن يمدّ حكمه 5 سنوات أخرى، ويبقى على رأس الكونغو الديمقراطية، في قلب أفريقيا، التي يعاني سكانها البالغ عددهم نحو 112 مليون نسمة من الفقر، إلى جانب اضطرابات أمنية، خصوصاً في شرق البلاد. ويتنافس في الانتخابات، المقرّر إجراؤها يوم 20 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، أكثر من 20 مرشحاً، بينهم مويس كاتومبي رجل الأعمال والحاكم السابق لولاية كاتانغا، الذي سبق أن مُنع من الترشّح في انتخابات 2018، والسياسي المعارض مارتن فايولو، وحامل جائزة «نوبل» للسلام دينيس موكويغي. ومع أن بين المرشحين شخصيات سياسية بارزة، فإن افتقار المعارضة لـ«وحدة الصف» ربما يعزز استمرار تشيسيكيدي.

أثار وصول فيليكس تشيسيكيدي إلى الحكم في جمهورية الكونغو الديمقراطية قبل 5 سنوات آمالاً عريضة، بناءً على جذوره المعارضة، وكونه جاء في أول انتقال سلمي للسلطة في الكونغو منذ استقلالها عن بلجيكا عام 1960، غير أن قوى المعارضة تطالب اليوم بإعادة النظر في ما حقّقه كرئيس، ومراجعة وعوده بالحد من البطالة واستعادة الأمن قبل منحه ولاية ثانية.

نشأة سياسية معارضة

ينتمي فيليكس أنطوان تشيسيكيدي لإثنية اللوبا (البالوبا)، في إقليم كاساي بوسط جنوب الكونغو. بيد أنه ولد عام 1963 في العاصمة كينشاسا لعائلة منخرطة في المعارضة. وهو الابن الثالث بين 5 أبناء للسياسي المعارض إتيان تشيسيكيدي وا مولومبا، الذي أسّس حزب «الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدّم الاجتماعي» (يسار الوسط)، وخدم كرئيس وزراء لـ3 فترات قصيرة خلال تسعينات القرن الماضي.

في سنّ التاسعة عشر، تبع فيليكس، الذي يلقبه أصدقاؤه بـ«فاتشي»، والده المُلاحَق من قبل الرئيس اليميني الأسبق موبوتو سيسي سيكو إلى قريته في كاساي، حيث عاش مع عائلته تحت الإقامة الجبرية. وفي الثانية والعشرين من عمره، وتحديداً عام 1985، لجأ تشيسيكيدي وعائلته إلى بلجيكا، وهناك يُقال إن «فاتشي» مارس عدة مهن واعتاد التردد على النوادي الليلية، بيد أنه سرعان مع عاد إلى عالم السياسة مرة أخرى وأصبح من أهم المؤيدين لحزب والده. وهذا التأييد دفعه للدخول في صراع مع مقربين من موبوتو، ومع الشرطة البلجيكية نفسها إثر منع والده من العودة لكينشاسا.

حصل فيليكس في العاصمة البلجيكية بروكسل على شهادة في الأعمال والاتصالات، أثيرت شائعات بشأن صحتها، وهو متزوج وله 5 أبناء. وفي ظل والده، دخل معترك السياسة في سن صغيرة واختبر العمل كمعارض في ظل نظام قمعي، مشاركاً والده النضال ضد موبوتو. وأيضاً في ظلّ والده، تدرّج في مناصب عدة بـ«الاتحاد من أجل الديمقراطية». إذ انتخب عام 2011 نائباً عن منطقة مبوجي مبايي (بكوانغا، سابقاً) لكنه لم يدخل مجلس النواب احتراماً لوالده الذي عارض إعادة انتخاب جوزيف كابيلا في العام نفسه، مدعياً تزوير فوزه.

أيضاً رفض فيليكس تشيسيكيدي عام 2013 منصب مقرر اللجنة الانتخابية في الكونغو، وقال آنذاك: «لا أريد أن أجمد مسيرتي السياسية وأضعها رهن الانتظار». لكنه في نهاية عام 2016، وقبل وقت قصير من وفاة والده عام 2017، شارك في مفاوضات بين السلطة والمعارضة تحت رعاية الكنيسة، أثمرت اتفاق «سان سيلفستر»، الذي بموجبه تأجلت الانتخابات.

استفاد تشيسيكيدي وما زال من شعبية والده، وانتخب رئيساً لحزب «الاتحاد من أجل الديمقراطية» خلفاً له. ولكن بينما كان الأب «عنيداً ومعتزاً بنفسه» يرى مراقبون أن الابن «أكثر دبلوماسية، فهو مستمع جيد للآخرين ومهذب». وقبيل انتخابه في الولاية الأولى أثناء زيارة للولايات المتحدة، أجرى حواراً سئل خلاله عما إذا كان يمتلك قدرة ليحل محل والده، فأجاب بلغة فرنسية واضحة إنه «ليس لديه طموح لمنافسة والده. فهو سيدي… ولا أحد يرغب في منافسة سيده». في المقابل، يرى منتقدو فيليكس تشيشيكيدي أنه «اعتمد على شعبية والده وتاريخه، لكنه يفتقر إلى الخبرة ومؤهلات القيادة». وعلى هذا الكلام يدافع عن نفسه بأنه لا يمتلك خبرة في الحكم السيئ أو نهب ثروات البلاد، لكنه خبير في احترام حقوق الإنسان.

مواقف حادة

عُرف فيليكس تشيسيكيدي بصلابته ومواقفه الحادة. إذ وقف على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، في سبتمبر (أيلول) الماضي، مطالباً بالانسحاب التدريجي لبعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام، واصفاً ذلك بأنه «مرحلة ضرورية لتعزيز التقدم الذي حققته بلاده بالفعل».

وقال تشيسيكيدي إن «الشعوب الأفريقية في كثير من الأحيان لا تفهم الموقف الملتبس والمعايير المزدوجة في العمل، والغموض والمماطلة التي تتسم بها الأمم المتحدة، وخاصة مجلس الأمن بشأن بعض الأزمات السياسية والأمنية، التي تعصف بأفريقيا… ولقد آن الأوان لتتولى بلادي مصيرها بالكامل».

في الواقع، أسست بعثة الأمم المتحدة في الكونغو الديمقراطية «مونوسكو» عام 1966. وفي المقابل، أصدر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، بالتزامن مع تصريحات تشيسيكيدي، بياناً أعرب خلاله عن «القلق البالغ بشأن مقتل 43 شخصاً على الأقل، بمن فيهم شرطي، وإصابة 56 بجراح أثناء مظاهرات في غوما». وهي مظاهرات خرجت ضد بعثة الأمم المتحدة للسلام. ويرجح مجلس العلاقات الخارجية الأميركي في تقرير حديث أن يطالب أي حاكم للكونغو الديمقراطية بانسحاب بعثة حفظ السلام الأممية «استجابة لمشاعر الإحباط والغضب الشعبي إزاءها».

دولياً، تثير تصريحات فيليكس تشيسيكيدي الجدل والتوتر. ففي مارس (آذار) الماضي، إبان زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للعاصمة الكونغولية كينشاسا، تكلم تشيسيكيدي في مؤتمر صحافي مشترك عن «ازدواجية المعايير في التعامل مع أفريقيا، والكلام عن تسويات سياسية عندما يتعلق الأمر بأفريقيا، بينما لا يحدث ذلك إذا ما شابت الانتخابات في أميركا أو أوروبا مخالفات». وأضاف مخاطباً ماكرون: «هذا يجب أن يتغير… انظروا لنا بطريقة مختلفة … انظروا لنا كشركاء، وليس بنظرة أبوية وإملاءات». جاء هذا الموقف تعقيباً على كلام لوزير الخارجية الفرنسي الأسبق جان إيف لودريان، عام 2019، ورد فيه أن نتائج انتخابات الرئاسة في الكونغو الديمقراطية كانت «بترتيب مسبق».

تساؤلات الشرعية

وحقاً، أثار إعلان فوز تشيسيكيدي بالانتخابات الرئاسية عام 2018 تساؤلات عدة، بشأن شرعية الفوز، ولا سيما أن مؤيدي منافسه مارتن فايولو اتهموه بـ«التواطؤ مع الرئيس السابق جوزيف كابيلا في انقلاب انتخابي». ودعم هذه الاتهامات تحليل أجرته «مجموعة أبحاث الكونغو» و«الفاينانشال تايمز» ادعى «فوز فايولو»، مع أن المحكمة أيّدت فوز تشيسيكيدي. كذلك عزز تلك الادعاءات ما تكشف لاحقاً عن «صفقة» عقدت بين تشيسيكيدي وجوزيف كابيلا، الرئيس المنتهية ولايته بعد 18 سنة من الحكم، فيها أعلن الأخير دعمه لتشيسيكيدي، داعياً شعب الكونغو إلى «التوحد خلفه». وهكذا استقر تشيسيكيدي في «قصر الأمة»، المقر الرئاسة الحالي على ضفة نهر الكونغو.

ملامح الصفقة ترجع إلى «اتفاق سياسي» وقّعه الطرفان يحصل بموجبه كابيلا وأنصاره على مناصب وزارية تجعله شريكاً في الحكم. الأمر الذي أثار شكوكاً إزاء النتيجة، دفعت فرنسا للإعراب عن قلقها مما وصفته بـ«نتيجة غير مطابقة للحقيقة». إلا أن باريس سرعان مع عادت فاعترفت بالرئيس الجديد أسوة بالاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وفي حين تطرق تشيسيكيدي عام 2017 إلى تشكيل «لجنة حقيقة ومصالحة» لمحاسبة كابيلا، حال استلامه السلطة، فإنه بعد إعلان فوزه بالرئاسة أشاد بكابيلا، عادّاً إياه «شريكاً».

مواجهة العنف المسلح

في مجال آخر، ورث فيليكس تشيسيكيدي بلداً غارقاً في الأزمات والصراعات، سبق له أن عانى ويلات حربين أهليتين. واتسمت فترته الرئاسية الأولى بصعوبات اقتصادية، فاقمتها جائحة «كوفيد 19»، ووباء «إيبولا». ويضاف إلى كل ذلك انعدام الأمان، خصوصاً في شرق البلاد، الذي شهد تصاعداً لأحداث العنف منذ عام 2022. وبالفعل، تشهد مناطق شرق الكونغو نشاطاً لما لا يقل عن 120 جماعة مسلحة، أهمها حركة «23 مارس». ووفقاً لوكالة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، فإن «نحو 500 ألف شخص أجبروا على النزوح خلال الشهرين الماضيين». وعليه، يعتقد مراقبون أن «مخاطر الصراع بعد الانتخابات ستكون أكبر».

في المواجهة ضد حركة «23 مارس» يضع تشيسيكيدي جمهورية رواندا، «جارة الكونغو الصغيرة» (إلى الشمال الشرقي)، في منزلة العدو الأول، مستعيداً نزاعاً قديماً بين الدولتين غزت خلاله رواندا الأراضي الكونغولية. وكانت حكومتا الدولتين قد اتفقتا في محاولة لرأب الصراع بنهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وبوساطة أميركية، على تقليص الوجود العسكري على حدودهما المشتركة. غير أن العداء السياسي تجدّد منذ 9 ديسمبر الحالي، بعدما شبّه تشيسيكيدي نظيره الرواندي بول كاغامي بـ«هتلر»، مع العلم أن تشيسيكيدي الذي كان في طليعة وعوده في الولاية الأولى استعادة الأمن… وقف بعد 5 سنوات ليشير إلى «انعدام الأمن بشرق البلاد». وأمام البرلمان، حاول خلال الشهر الماضي الدفاع عن سياسة الحصار التي فرضها على المنطقة الشرقية عام 2021، قائلاً إنها «سمحت للسلطات بخنق مصادر تمويل المتمردين». ولكن على الأرض كانت حركة «23 مارس» توسّع سيطرتها، بينما سبّب الحصار «تفاقم حالة حقوق الإنسان». وإضافة إلى حركة «23 مارس»، تواجه الكونغو الديمقراطية هجمات من جماعات مسلحة متحالفة مع «داعش»، ولا تزال علاقاتها مشحونة مع «جارتيها» الشرقيتين الأخريين؛ بوروندي وأوغندا.

إنجازات وتحديات

في الحملة الرئاسية الحالية، يركز فيليكس تشيسيكيدي على «الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية التي حققتها إدارته»، بدلاً من التركيز على الوضع الأمني في شرق البلاد. وحقاً، على الصعيد الاقتصادي، رغم انخفاض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي للكونغو إبان جائحة «كوفيد 19»، فإنه حقق انتعاشاً متواضعاً، ليرتفع إلى 8.92 في المائة عام 2022، مقارنة بـ6.20 في المائة عام 2021.

ولتعزيز النمو الاقتصادي سعى الرئيس الكونغولي لتعزيز العلاقات التجارية مع دول الجوار. ولكن رغم ذلك لا يبدو سجله الاقتصادي «إيجابياً بشكل كامل». إذ يتوقع البنك الدولي أن تؤدي الانتخابات إلى اتساع العجز المالي للبلاد ليصل إلى 1.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، خصوصاً مع انخفاض قيمة الفرنك الكونغولي بنسبة 20 في المائة.

أما على الصعيد الاجتماعي، فيتباهى تشيسيكيدي بإنجازاته في قطاع التعليم، حيث أقرّ مجانية التعليم الابتدائي في سبتمبر (أيلول) 2019، وما تلا ذلك من زيادة في عدد المدارس والطلاب. غير أن تحقيقاً أجري عام 2020 «كشف مخالفات في قطاع التعليم، وتحدث عن مدارس وهمية وموظفين وهميين».

وعود جديدة

في مطلق الأحوال، فإن تشيسيكيدي، الذي وصل إلى السلطة بمساعدة كابيلا، كرّس الكثير في بداية حكمه سعياً إلى تقليص نفوذ سلفه. ومع أنه نجح في ذلك إلى حد كبير، ظل انعدام الأمن في مناطق شرق الكونغو، يستنزف موارد البلاد. ولكن، في الحصيلة النهائية يعدّ مراقبون التزام تشيسيكيدي بإجراء الانتخابات في موعدها «أمراً إيجابياً» في حد ذاته، ولا سيما أن البعض كان يخشى أن يعتمد سياسة المماطلة التي انتهجها سلفه كابيلا. كذلك، وفق مراقبين متابعين، قد تحول الظروف الأمنية دون إقبال كثيرين على صناديق الاقتراع… لكن في ما يخص تشيسيكيدي فهو يخوض السباق الرئاسي طامحاً بالحصول على فرصة أخرى لتنفيذ تعهداته السابقة، وتحقيق وعوده بـ«مستقبل تُتاح فيه الفرصة أمام كل الكونغوليين للتمتع بالازدهار».

فتحية الدخاخني

المصدر: صحيفة الشرق الاوسط