ضحايا زواج “الكونترا”… أطفال مغاربة يدفعون ثمن عقود ديْن

Spread the love
image_pdfimage_print

يدفع أطفال مغاربة ثمن عقود دين بين أجدادهم وآبائهم تسمى زواج “الكونترا” أو العقد، ويفترض أن يضمن حق الزوجة القاصر في الاعتراف والتوثيق أو إجبار الرجل على دفع الدين، غير أن سلسلة من المخالفات القانونية تدمر حياتهم.

– تنتقد المحامية المغربية نبيلة جلال، رئيسة فدرالية رابطة حقوق النساء بجهة الدار البيضاء سطات، منْح القانون الخيارَ للزوج في أن يعترف بنسب ابنه أو أن يرفض ذلك حتى بعد إثبات الأمر عبر تحليل الحمض النووي DNA، الذي يجرى بطلب من القاضي في الدعاوى المرفوعة لإثبات نسب الأطفال نتاج ما يعرف بـ”زواج الكونترا”، أي زواج العقد، الذي يقوم على توقيع زوج القاصر التي يقل عمرها عن 18 عاماً على ورقة دين مالي لصالح الأب أو الولي الشرعي من أجل إلزامه بتوثيق الزواج عند بلوغ العروس السن القانونية، أو تهديده بدفع الدين في حال تراجعه عن الاتفاق، مبينة أن “هذا الزواج يشكل تحدياً للمجتمع لما يترتب عنه من ضياع حقوق الزوجة القاصر والأطفال الناتجين منه الذين يعدون غير شرعيين في نظر القانون”.

وتبدو خطورة الظاهرة في ما ترصده حفيظة شهري، منسقة البرامج النسائية في جمعية المحامين الشباب في مدينة الخميسات شرق الرباط (حقوقية)، التي تقول إنها توثق ما يراوح بين ثلاث إلى أربع حالات أسبوعياً لفتيات تزوجن بطريقة الكونترا، منذ تصاعد الظاهرة في عام 2016، وبعضهن يمتلكن وثيقة اعتراف بالدّيْن، وأخريات لديهن تعهد بالزواج لاحقاً، وهاتان الوثيقتان لا تعتبران سنداً قانونياً يحل مشاكلهن العديدة وينهي معاناة أبنائهن أمام المحاكم كما تقول شهري.

ضحايا “زواج الكونترا”

لاحظ محمد طارق، الكاتب العمومي في إقليم قلعة السراغنة شرق مراكش أول حالة زواج بطريقة الكونترا من خلال عقد سلف بين طرفين، يوجد فيه دائن (الأب) وهو مقدم المبلغ ومدين (الزوج)، وهو من قبض المبلغ على وجه السلف، على أساس أن يرد الدين في أجل محدد بالسند، وهو رابطة قانونية بين شخصين، وضعها المشرع لحماية صاحب الحق واسترجاع ماله في حالة إنكار المدين، وهنا تتوقف الغاية من الأمر بعيداً عن أي مسألة زواج أو مبادلة، لكن عندما تجد أن الطرف الدائن هو والد فتاة قاصر، رفض القاضي منحها الإذن بتزويجها، يتضح أنه تم الاعتماد على عقد السلف عوض عقد الزواج كضمانة لحماية حقوق الفتاة، حسب رواية الطرفين.

وتتعامل عزيزة زهير، المنسقة المكلفة باستقبال الضحايا في مركز النساء في وضعية صعبة (غير حكومي يهتم برعاية النساء اللواتي بحاجة لمساعدة ومقره إقليم قلعة السراغنة)، مع ضحايا هذا الزواج كما تقول، موضحة أن المركز استقبل 130 حالة لفتيات تزوجن بهذه الطريقة ولجأن إليهم طلباً للمساعدة، وكان بينهن حالتا حمل خلال عام 2016، الذي شهد ذروة شيوع الظاهرة.

ولا يوجد أي حصر دقيق لدى الجهات الرسمية أو الحقوقية لتحديد عدد الأطفال الناتجين من تلك الزيجات طالما لم يجر توثيقها بحسب الناشطة جلال، التي تقول إن المشرع المغربي سبق له أن فتح الفرصة أمام الأشخاص الذين تزوجوا عبر الكونترا مراراً لتوثيقه، عملاً بالمادة 16 من مدونة الأسرة، التي جرى تطبيقها بدءاً من فبراير/شباط عام 2004 واستمر حتى فبراير 2014، ثم جرى تمديد الفترة لخمسة أعوام إضافية انتهت في فبراير 2019، “وعلى الرغم من ذلك قرر أولئك التجاوز على الإجراءات القانونية”، مؤكدة أن عقد الكونترا صوري في نظر القانون، ولا يمكن لعقد ديْن أن يحل محل عقد للزواج، وبالتالي، هذه علاقة غير شرعية لا يمكن إثباتها عبر مسطرة ثبوت الزوجية. أما الأطفال الناتجون من هذه العلاقة، فالقانون يمنحهم الحق في النسب، إما من طريق الإقرار، وهو إشهاد رضائي يعترف فيه الأب بالبنوة أمام محكمة الأسرة، وإما عبر اللجوء إلى القضاء، وهو إجراء تسلكه الأم العازبة ضد الزوج في حالة نكرانه للطفل، ويستوجب تقرير فحص الحمض النووي، والذي لا يأذن به قاضي محكمة الأسرة إلا في حالات ثلاث هي: الفراش كأن يكون الزوج يشك بنسب طفلهما، وحالة الإقرار التلقائي بالعلاقة من قبل الزوج، ما يستوجب تأكد القاضي، وعند الحمل في مرحلة الخطوبة، وخارج هذه الشروط الثلاث توضح جلال أنه لا يمكن للزوجة المطالبة باختبار النسب الجيني، ولا يمكن للمختبرات المغربية منحها هذه الخدمة إلا بإذن قضائي، وسيبقى للزوج دائماً حتى بعد إجراء الفحص خيار الاعتراف من عدمه، بناءً على المادة الـ 148 من مدونة الأسرة المغربية المعدلة في 29 يوليو/تموز 2021، والتي تنص على أنه “لا يترتب على البنوة غير الشرعية بالنسبة للأب أي أثر من آثار البنوة الشرعية”، أي إن الطفل غير الشرعي لا يرتبط بأي شكل من الأشكال بالأب البيولوجي، سواء بالنسب أو بالبنوة، كما تفسر جلال.

ماذا يجري عند اللجوء إلى القضاء؟

في حال اضطرار القاصر وأسرتها إلى تحريك دعوى قضائية بالاعتماد على الورقة الموقعة بين الطرفين، خصوصاً في الحالات التي ينتج منها حمل، فإن النتيجة لن تتجاوز حصولها على مبلغ الدين المتفق عليه، وإذا أخذت القضية منحى قضية جنحة سيحكم على الزوج بتهمة هتك عرض قاصر بصرف النظر عن موافقة القاصر من عدمها، والأب بتهمة المتاجرة في البشر، بحسب توضيح جلال للتكييف القانوني لمثل هذه التجاوزات. 

يُحظر إجراء فحص الحمض النووي إلا بقرار قضائي

غير أن بشرى زروال، اختصاصية اجتماعية في مركز النساء في وضعية صعبة، تنفي نية المتاجرة لدى الآباء، مستدلة على ذلك بضعف قيمة المبالغ التي يحددونها في الورقة الموقعة بينهم، وتُرجع إقدامهم على مثل هذه الممارسات إلى جهلهم بالمساطر القانونية، ظناً منهم أنهم قادرون على إثبات الزواج بـ”الكونترا” فيما بعد، حتى وإن اختار الزوج إنكاره، بالتالي، “نجد القاصر في كثير من الحالات تختار التنازل عن القضية، خوفاً على أبيها من العقاب القانوني وطول الإجراءات وتعقيدها”. 

وهو ما حدث مع العشرينية نادية الزامل (اسم مستعار حفاظاً على خصوصيتها)، التي اقترنت بشخص عبر طريقة الكونترا عام 2018، وسرعان ما هجرها وطردها بعد مضي أقل من عام، لتكتشف حملها، ما دفعها إلى العودة إلى بيت الزوجية، لكنها فوجئت بعائلة الزوج تطردها أيضاً، الأمر الذي جعلها تواجه صعوبة في توثيق زواجها يوماً بعد يوم، ولم يبقَ لها سوى خيار وحيد، هو تحريك دعوى للمطالبة بإثبات النسب، وعندما استشارت محامياً، أبلغها أنها مسطرة معقدة جداً ومكلفة، حسب قولها، وقد يأذن لها قاضي الأسرة بإجراء اختبار جيني لإثبات النسب، لكن في المقابل ستضطر إلى تحمّل تكاليف هذا الاختبار الذي تتجاوز قيمته 4000 درهم مغربي (397 دولاراً)، بالإضافة إلى تكاليف القضية، وإن كانت تحاليل اختبار النسب إيجابية، فلن يكون القانون قادراً على إجبار الأب على الاعتراف بالطفل، و”هذه الثغرة” القانونية سبّبت تراجع الزامل عن متابعة الإجراءات، وزادت من شعورها باليأس والاستسلام، وبالنتيجة أسهمت التعقيدات القانونية في عدم حصول طفلها على وثائق تثبت نسبه وتمنحه حقوقه القانونية، وقد أصبح الآن في الخامسة من عمره، دون أن تكون له شهادة ميلاد، ما يعقد من وضعه في نواحٍ عديدة، مثل التعليم والالتحاق بالمدرسة، كما تقول والدته.

الصلح خير: إن تمّ 

تزوجت العشرينية غيثة عيد (اسم مستعار للحفاظ على خصوصية العائلة)، بطريقة الكونترا بعد عقد دين نص على مبلغ 80 ألف درهم (7927 دولاراً) عام 2018، وعاشت مع شريكها حياة مليئة بالعنف، كما روت لـ”العربي الجديد”، إلى أن قررت تقديم شكوى ضده، وسجن على إثرها بعد إدانته بالاغتصاب وهتك عرض قاصر، لكن عيد عرفت بحملها بعد دخوله السجن، فاختارت التنازل عن القضية مقابل اعترافه بالطفل، واتفقت معه على ذلك، غير أنه خدعها واستغل التنازل لصالحه، وعندما خرج من السجن رفض الزواج بها والاعتراف بالطفل كانتقام منها لسجنه.

زواج الكونترا قائم على عقد صوري غير معترف به
تحول التعقيدات القانونية دون حصول أطفال زواج “الكونترا” على وثائق تثبت نسبهم وتمنحهم حقوقهم (Getty)

وفي تلك المرحلة، كانت عيد في مركز النساء في وضعية صعبة، نظراً لصعوبة وضعها الاجتماعي والمادي، وفي محاولة لمساعدتها تدخل المسؤولون بالمركز في مفاوضات مع شريكها للاتفاق على الصلح ما دام القانون غير قادر على إجباره على الاعتراف بالزواج والطفل بحسب الناشطة زهير، المنسقة في المركز.

وبالفعل، نجحت محاولاتهم وتزوجها بعقد جديد ونسب طفله إليه وسجله في دفتر الأسرة (سجل الأحوال المدنية) وحصل ابنه على حقوقه قبل دخوله المدرسة.

وتعلق زهير على تجربة عيد، قائلة إنها من التجارب الناجحة في توثيق عقد الزواج والاعتراف بالطفل، لكن في حالات أخرى يستعصي عليهم ذلك، حينها تضطر الأم إلى إسناد الطفل إلى نسبها.

وفي هذه الحالة، بحسب المحامية نبيلة جلال، تكون الأم هي الوصي الشرعي عليه أمام المؤسسات الإدارية ويسمى قانونياً طفلاً لأم عازبة، وأصدر القضاء الاستعجالي عام 2017 قراراً يقضي بحق الأم العازبة في الحصول على دفتر عائلي، وأن تستخرج شهادة ميلاد لطفلها، ليستفيد من حقوقه، وعلى رأسها التعليم، غير أن تطبيقه واجه عوائق عديدة، لأن المجتمع ومؤسسات الدولة ما زالت تعتبر منح التسهيلات للأمهات العازبات بمثابة مخالفة للمرجعية الدينية وتشجيع للعلاقات خارج مؤسسة الزواج، وهذا له تبعات خاصة على الأطفال، أبرزها عدم التحاقهم بمقاعد الدراسة، بحسب مصادر التحقيق.

ويرى الحسن زعطم، مدير المكتب الإقليمي لمركز حقوق الناس في إقليم قلعة السراغنة (منظمة غير حكومية)، أن العقوبات الزجرية التي وضعتها المحاكم الابتدائية في الأقاليم المختلفة، بخاصة قلعة السراغنة الذي انتشرت فيه الظاهرة أكثر من غيره، ساهمت في تخفيض الإقبال على هذا النوع من الزواج، ومنها “التفاعل السريع لوكلاء الملك مع هذه القضية، والاعتقال الفوري للأطراف في العقد كلما تم التبليغ عن حالة من حالات الكونترا، وهذه إجراءات خلقت نوعا من الخوف والتراجع”، على حدّ قوله.

لا يلزم القانون الأب الاعتراف بالمولود خارج مؤسسة الزواج

وفي بعض الحالات، تلجأ القاصر إلى استعطاف الزوج حتى يوثق زواجهما رسمياً، ثم يطلقها لتتمكن من الحصول على وثيقة الطلاق، وحتى تصبح في نظر المحيط سيدة تزوجت وتطلقت، وهذا في نظر الناس يختلف عن النظرة إلى سيدة مرتبطة بطريقة غير شرعية وأنجبت طفلاً، غير أن الزوج قد يتهرب أيضاً من توثيق الزواج لمنحها الطلاق، كما تفسر زروال، لأنه يفضل دائماً الخروج من صفقة الزواج دون أضرار أو أعباء مادية، والطلاق قد يجعله ملزماً بدفع النفقة وحقوق الزوجة.

كوثر العيدي

المصدر: صحيفة العربي الجديد