1

ميديا بارت: في مصر.. انتخابات تحت المراقبة على غرار المشهد السياسي للبلاد

قال موقع “ميديابارت” الاستقصائي الفرنسي إنه لا شك في إعادة انتخاب عبد الفتاح السيسي لولاية ثالثة، في ظل غياب معارضة حقيقية في مصر، حيث بقيت العملية الانتخابية، من الأحد إلى الثلاثاء، مقفلة أكثر من أي وقت مضى، أسوة بالحياة السياسية في البلاد منذ عشر سنوات. وخلال الانتخابات الأخيرة عام 2018، أعيد انتخاب الرئيس بنسبة 97% من الأصوات ولكن بنسبة مشاركة لم تتجاوز 41%. وفي غياب منافس حقيقي، من شبه المؤكد أن يفوز السيسي (69 عاما) مرة أخرى.

لا شك في إعادة انتخاب عبد الفتاح السيسي لولاية ثالثة، في ظل غياب معارضة حقيقية

أما المرشحون الثلاثة الآخرون، الذين يفتقرون إلى القاعدة الشعبية وهم قريبون نسبياً من السلطة، فلا يمثلون خطراً حقيقياً على الرئيس، بعد أن تم طرد منافسيه الأكثر تهديدا في وقت سابق: النائب السابق أحمد طنطاوي، لعدم حصوله على العدد الكافي من الرعايات الشعبية. وأفاد أنصاره بأنه تم منعهم أو تثبيطهم من القيام بهذا الإجراء، وتم اعتقال أعضاء فريق حملته. وفي سبتمبر/أيلول، حُكم على الناشط هشام قاسم بالسجن ستة أشهر، مما منعه من الترشح. وينقل “ميديا بارت” عن مصطفى سيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، قوله: “لو كانت هذه انتخابات تعددية حقًا، لكان من الممكن لجميع المرشحين الراغبين في الترشح أن يفعلوا ذلك”.

ويتابع “ميديا بارت” التوضيح أنه في عام 2012، تم انتخاب مرشح جماعة الإخوان المسلمين، محمد مرسي، ديمقراطياً بعد الثورة التي أنهت حكم حسني مبارك الذي دام ثلاثين عاماً. يتذكر محمد لطفي، المؤسس المشارك والمدير التنفيذي للمفوضية المصرية لحقوق الإنسان، أن “هذه الانتخابات لم تكن مثالية، لكن المرشحين كانت لديهم برامج حقيقية، وقاموا بحملات انتخابية وكانوا جميعهم متحضرين إلى حد ما، باستثناء الجندي السابق أحمد شفيق”.

وأطيح بمحمد مرسي بعد عام على يد وزير دفاعه في ذلك الوقت، عبد الفتاح السيسي، في سياق مظاهرات شعبية كبرى. من الصعب اليوم أن نشعر أن البلاد في فترة انتخابية، باستثناء صور الرئيس السيسي المعلقة في جميع أنحاء العاصمة على أعمدة الإنارة وأشجار النخيل، يوضح “ميديا بارت”.

لم تكن المشكلة في الحملة فحسب، بل في سياق حقوق الإنسان برمته.. فقد مرت عشر سنوات منذ مصادرة الحيز المدني، ومنع الأحزاب السياسية من التنظيم، وتعرض السياسيون للمضايقات القانونية، وحظر المظاهرات، واتهام أي شخص ينتقد السلطة ولو بشكل طفيف. وبلغ عدد السجناء السياسيين في السجون المصرية عام 2019 نحو 60 ألف سجين، بحسب هيومن رايتس ووتش. وهو رقم فندته الحكومة المصرية.

كما زادت الرقابة والسيطرة على الصحافيين في عهد عبد الفتاح السيسي، إذ يخضع نحو نصف وسائل الإعلام في البلاد لسيطرة أجهزة الدولة أو التابعة لأجهزة المخابرات، وفقًا لتقرير منظمة مراسلون بلا حدود الذي نشر عام 2019 حول “تسيس” وسائل الإعلام. كما تم حجب أكثر من 500 موقع إلكتروني، بما في ذلك موقع مراسلون بلا حدود وواحدة من آخر وسائل الإعلام المستقلة في البلاد: موقع “مدى مصر”، يضيف “ميديا بارت”.

زادت الرقابة والسيطرة على الصحافيين في عهد عبد الفتاح السيسي، إذ يخضع نحو نصف وسائل الإعلام في البلاد لسيطرة أجهزة الدولة أو التابعة لأجهزة المخابرات

كما يجد “المؤثرون” على وسائل التواصل الاجتماعي أيضا أنفسهم في مواجهة تهديدات دائمة ، يؤكد “ميديا بارت”، موضحا أنه تم وضع ثلاثة من مستخدمي تطبيق تيك توك، الذين نشروا مقطع فيديو ساخرًا حول ارتفاع أسعار النفط واللحوم، رهن الحبس الاحتياطي في أبريل/نيسان 2022 بتهمة الانتماء إلى جماعة إرهابية ونشر معلومات كاذبة. قبل أن يتم إطلاق سراحهم بعد شهر ونصف ولكن لم تتم محاكمتهم بعد. ويبقى ملفهم مفتوحا.

في مثل هذا المناخ، وبينما استحوذت الحرب في غزة، حيث تلعب البلاد دور الوساطة، على اهتمام الشعب المصري منذ أكتوبر/تشرين الأول، تم التهرب تماما من السجل والتحديات المستقبلية التي تواجهها مصر، يقول “ميديا بارت”، مؤكدا أن البلاد تواجه عدة أزمات خطيرة، على رأسها الأزمة الاقتصادية وأزمة الديون، ومشيراً إلى دعوة صندوق النقد الدولي بشكل خاص إلى إصلاحات في عام 2022، مقابل خطة مساعدات مالية بقيمة 3 مليارات دولار، لكنه يبدو اليوم أكثر تصالحية بسبب الصراع المجاور ومستعدا لزيادة تمويله. وقد تضاعف الدين الخارجي للبلاد، على وجه الخصوص، أكثر من ثلاثة أضعاف منذ وصول الرئيس السيسي إلى السلطة، وتكافح البلاد لسداد ديونها.

بينما استحوذت الحرب في غزة، حيث تلعب القاهرة دور الوساطة، على اهتمام الشعب المصري منذ أكتوبر، تم التهرب تماما من سجل حقوق الإنسان والتحديات المستقبلية التي تواجهها مصر

أتاحت هذه القروض تمويل سياسة الأعمال الكبرى، مثل موقع البناء الفرعوني للعاصمة الإدارية الجديدة، والتي تهدف قبل كل شيء إلى تحفيز النشاط الاقتصادي على المدى القصير، دون تعزيز الاقتصاد بشكل كافٍ على المدى الطويل. لكن الحكومة تظاهرت بتحديد الخطوط العريضة للانفتاح السياسي في يوليو/تموز 2022 من خلال إطلاق “حوار وطني” بحضور القوى السياسية المختلفة، باستثناء جماعة الإخوان المسلمين. وقد تم تعليق هذه المنصة قبل بدء الحملة، يوضح “ميديابارت”.

المصدر: موقع ميديا بارت الفرنسي

ترجمة: صحيفة القدس العربي




ماذا بينهم وبين لثام «أبو عبيدة»؟

شهد تاريخ العرب كثيرا من أسماء الأعوام بأحداث شهيرة، كعام الفيل، وعام الحزن، وعام الرمادة، وعام الجماعة، لكن يبدو أن عام 2023 الذي أوشك على الانتهاء، سوف يأخذ اسم: عام فتنة «أبو عبيدة». فعلى إحدى القنوات العربية التي اعتادت النهش في جسد المقاومة الفلسطينية، اجتمع الضيف ومضيفه على تشويه صورة «أبو عبيدة» المتحدث باسم كتائب عز الدين القسام، الذي عرف بالملثم، لأنه يخفي معالم وجهه بلثام، فكان مما قدّم به المذيع لضيفه ليؤسس عليه، توصيفه لهذا العام بأنه عام الافتتان بالمنقّب، يهمز المتحدث باسم القسام، بتشبيه لثامه بنقاب المرأة.
وسبقه إلى هذا المنحى أحد المنتسبين للعلم، وقاله نصا «أبو عبيدة المنقبة» في سياق هجومه اللاذع على حركة حماس، واتهامها بالمسؤولية عن كارثة القطاع، ولا أدري أي نص اتكأ عليه دعيّ العلم هذا، في لمز الآخرين والسخرية منهم والطعن فيهم. ومن ينسى ذلك الذي جعل يصرخ على منبره «جاهد بالسنن يا أبا عبيدة»، ولئن كنت قد تناولت حديثه من قبل تفكيكا وتعقيبا، لكنني لم أتعرض لحركة خبيثة قام بها هذا الدعي، عندما غطى وجهه وهو يتحدث عن أبي عبيدة، لمزا وتعريضا. وغيرهم يتحدى «أبو عبيدة» بأن يكشف عن وجهه، ويتحدث بغير هذا اللثام، متهما إياه بالجبن، والبعض الآخر يستند إلى الجهل بمعرفة شخصية «أبو عبيدة» ويرى أنه سبب كافٍ لعدم تصديقه.

أصبح أبو عبيدة رمزا في وقت تتعطش فيه الجماهير إلى الرموز، وأصبح قدوة في وقت تبحث فيه الشعوب عن قدوة حقيقية

في ما أعلم، هي المرة الوحيدة التي يُهاجم فيها ملثم على هذا النحو، فلم نسمع هذا الهراء عندما يتعلق الأمر بالقوات الخاصة، التي ينفذ عناصرها العمليات وهم يغطون كل أجزاء جسدهم بما فيها الوجه، فلا يظهر شيء منهم البتة، ومع ذلك لم يتهمهم أحد بأنهم جبناء. هل يرى العرب أن قناع زورو في الفيلم الهوليودي يستحق التصفيق، بينما قناع «أبو عبيدة» يستحق التجريح والتشويه والغمز واللمز والتحقير؟ رجال الطوارق الأمازيغ الذين عرفوا في التاريخ الإسلامي بالملثمين، الذين أسسوا دولة المرابطين، من عادتهم أنهم يتلثمون ولا يكشفون وجوههم، ومع ذلك لم يستهجن أحد صنيعهم، بل أطلق عليهم لقب نبلاء الصحراء، يضاف إلى ذلك أنهم أخذوا مكانة لافتة في الأعمال الروائية والسينمائية. وقصص الشجعان الملثمين في التاريخ كثيرة، منهم العالم المعروف عبد الله بن المبارك، الذي قاتل في المعارك ملثّما لئلا يعرفه أحد. ولست أدري ما هو الفارق لديهم في أن يلقي أبو عبيدة خطاباته وهو ملثم أو كان سافر الوجه، طالما أن بياناته تعبر عن كتائب القسام، ويخرج على الجماهير بالحقائق التي لم يستطع الاحتلال تكذيبها؟ هل نطالب الرجل بالكشف عن شخصيته وتعريض نفسه وأهله للاستهداف من العدو الصهيوني؟ هل سنسميها حينئذ شجاعة أم حماقة؟
هل كان الحذر والحيطة يوما جبنا وخنوعا؟ أليس الرجال على مرّ التاريخ في الحروب يرتدون الخوذات والدروع ليتقوا بها الضرب والطعن؟ أليس إخفاء الشخصية عن الأعداء من هذا القبيل؟ وما سبب هجوم علماء السلطة على لثام هذا الرجل والتعريض بأنه منقب؟ هل يرتديه في حفلة تنكريّة؟ أم هو يؤسس لإحدى الموضات الجديدة في ملابس الرجال؟ أرى أن اختصاص لثام الناطق باسم كتائب القسام بالهجوم، أنه لا يوجد سبب للهجوم عليه، بمعنى أن تصريحات الرجل غاية في الدقة والاتزان ومشفوعة بالتوثيق، فلا يستطيعون سبيلا إلى الطعن فيها، وهي تصل إلى الملايين، وتتأثر بها شعوب الأمة، بل لا نبالغ إن قلنا إنها تحظى باهتمام كبير لدى دول العالم بأسره، فلذلك أرادوا الطعن فيه من هذا الجانب، جانب اللثام. قطعا لا أريد بهذه الكلمات الدعوة إلى تقديس «أبو عبيدة»، ولا إلى الغلو في شخصه، لكنها كلمة حق أردت بها إحقاق الحق، الذي يتراءى لي أن الهجوم على «أبو عبيدة» يأتي بدافع تأثر الجماهير العربية والإسلامية بخطاباته، حتى أضحى رجل الأمة المعروف لدى شيبها وشبانها وأطفالها ونسائها، أصبح أبو عبيدة رمزا في وقت تتعطش فيه الجماهير إلى الرموز، وأصبح قدوة في وقت تبحث فيه الشعوب عن قدوة حقيقية.
لقد بلغ حجم التأثر بشخصية المتحدث باسم كتائب القسام، أن اسمه يتداوله المطربون والفنانون، الذين تقوم أعمالهم على الترفيه المحض، وأصبح الناس يلتفون حول خطاباته في المقاهي، كحالهم مع مباريات الكرة، وأصبح حلم الناشئة أن يكون كلهم «أبو عبيدة». هذا التأثير هو الذي ضاقت به صدور قوم من بني جلدتنا، مدفوعين بحسابات أيديولوجية، أو بالتبعية للأنظمة المعادية للتيار الإسلامي، ويصنفون حركة حماس ضمن هذا التيار، وبعضهم غارق في وحل التطبيع مع الصهاينة والتقارب معهم على حساب إخوة الدين والدم والعروبة والجوار، إلى درجة أن أحدهم يوصي الصحافي الصهيوني إيدي كوهين على إحدى مساحات x (تويتر سابقا) بأن تنشط دولة الاحتلال لقتل مئة ألف فلسطيني، وأن دولة الاحتلال تسامحت مع الفلسطينيين أكثر من اللازم. هم يريدون لجماهير الأمة أن تبقى على هامش الحياة، لا تقوم لهم قائمة تجعلهم يسألون حكامهم ويحاسبونهم، لذلك أرادوا للناس أن يتخذوا قدوات لهم رؤوسا جهالا تافهين، يغرسون الخور والضعف والدعة في الناشئة خاصة. من أجل هذا يتم الهجوم على «أبو عبيدة» لأنه صار رمزا، في الوقت الذي دبّ في الأمة داء تحطيم الرموز، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

إحسان الفقيه
كاتبة أردنية

المصدر: صحيفة القدس العربي




فورين أفيرز: تحولات استراتيجية داخل حماس قادت للمواجهة الحالية مع إسرائيل وجعلت غزة مركز الكفاح

نشرت مجلة “فورين أفيرز” مقالا لليلى سورات من المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسة في باريس تساءلت فيه عن هدف حماس في غزة، وحللت فيه الإستراتيجية التي قادت إلى الحرب وما تعنيه للمستقبل.

وقالت سورات وهي مؤلفة كتاب عن “السياسة الخارجية لحماس: الأيديولوجية وصناعة القرار والتفوق السياسي” إن واحدا من أهم ملامح هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر ضد إسرائيل ولم يتعرض وبشكل نسبي للتمحيص وهو “المكان”، فعلى مدى العقد الماضي، لم يعد قطاع غزة ساحة المعركة الرئيسية بسبب التوغلات الإسرائيلية المستمرة، بما فيها عملية “الجرف الصامد” في 2014 والتي استمرت شهرين وكانت الأطول، حتى العملية الأخيرة، كما التفوق الإسرائيلي في اعتراض الصواريخ قلل من فعالية أنظمة حماس الصاروخية وظل القطاع معزولا عن بقية العالم بسبب الحصار المتواصل.

وبالمقارنة، فقد كان من الواضح أن الضفة الغربية هي ميدان النزاع، فتوسع الاستيطان واستمرار التوغل الإسرائيلي من الجنود والمستوطنين في القرى والبلدات الفلسطينية، وكذا مداهمات الأماكن المقدسة في القدس، والتي جذبت اهتماما إعلاميا، وهو أمر اعترفت به حماس وبقية المنظمات الفلسطينية، وهو أن هذا المكان هو المناسب لانطلاق المقاومة الوطنية الفلسطينية. وبالتأكيد كان هذا هو التفكير الإسرائيلي أيضا، حيث كانت القوات الإسرائيلية تراقب الفلسطينيين في الضفة الغربية، راضية عن الهدوء في غزة التي لم يكن تهديدها يظهر إلا عبر رشقات صاروخية متقطعة.

إلا أن هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر ناقضت هذه الفكرة، فمن أجل القيام بهجومها المميت ضربت حماس معبر إيرتز وعدة نقاط من السياج الأمني، وقتلت 1200 إسرائيليا وأخذت 240 رهينة.

وكانت قيادة حماس العسكرية تتوقع ردا قويا من إسرائيل، وهو ما أكدته الحملة العسكرية الجوية والبرية على غزة والتي قتلت أكثر من 18 ألف فلسطيني ودمرت أجزاء واسعة من القطاع وجذبت العملية انتباه العالم وقادته وعلى مدى أسابيع. وتحولت غزة إلى قلب المواجهة الإسرائيلية- الفلسطينية وبعد سنوات من بقائها في خلفية النزاع.

وتطرح عودة مركزية غزة في النزاع أسئلة على قيادة حماس. ففي الماضي كان هناك افتراض ان الحركة تدار من قادتها في الخارج والمقيمين إما في عمان أو دمشق أو الدوحة. لكن هذا الفهم عفا عليه الوقت ومنذ فترة طويلة. فمنذ تولي يحيى السنوار قيادة غزة في 2017، تعرضت حركة حماس لتحول تنظيمي باتجاه غزة نفسها. فإلى جانب تأكيد استقلالية حماس في غزة عن القيادة في الخارج، أشرف السنوار على جهود تجديد حماس كقوة قتالية في غزة.

منذ تولي يحيى السنوار قيادة غزة في 2017، تعرضت حركة حماس لتحول تنظيمي باتجاه غزة نفسها. فإلى جانب تأكيد استقلالية حماس في غزة عن القيادة في الخارج، أشرف السنوار على جهود تجديد حماس كقوة قتالية في القطاع

وكان هدف السنوار بالتحديد، هو القيام بهجوم ضد إسرائيل وربط غزة بالكفاح الفلسطيني الأوسع. وبطريقة أخرى، حاول تكييف حركة حماس في غزة لتتناسب مع التطورات النامية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، بما في ذلك التوترات المتزايدة في المسجد الأقصى. وبدلا من عزل القطاع أسهمت إسرائيل بوضع غزة في مركز انتباه العالم. وكمنظمة سياسية وعسكرية، لدى حماس أربعة مراكز للقوة: غزة، الضفة الغربية، السجون الإسرائيلية التي يسجن فيها عدد من قيادات حماس، وقيادة الخارج.

وظلت قيادة الخارج تمارس تأثيرا على الحركة، وهذا نابع لأن العديد من قيادات الحركة فروا أثناء الإنتفاضة عام 1989، إلى الأردن ولبنان وسوريا. وتحولت دمشق في 2000 مقرا رئيسيا لحركة حماس. وسيطر هؤلاء القادة من مواقعهم في الخارج على الجناح العسكري المعروف بكتائب عز الدين القسام، وتحركوا دبلوماسيا مع القادة الأجانب وجذبوا الدعم المالي من الجمعيات والمانحين الأفراد، ومن إيران، بعد مؤتمر مدريد واتفاقية أوسلو.

كان هدف السنوار بالتحديد، هو القيام بهجوم ضد إسرائيل وربط غزة بالكفاح الفلسطيني الأوسع. وبطريقة أخرى، حاول تكييف حركة حماس في غزة لتتناسب مع التطورات النامية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، بما في ذلك التوترات المتزايدة في المسجد الأقصى

وظلت قيادة الخارج طوال هذه السنوات مهيمنة على الداخل، وكان بعض القيادات مثل خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي قد نشأوا في الخارج، لكنهم اتخذوا قرارات الحرب والسلام وحددوا ما تقوم به الكتائب التي كان تفعل ما يطلبون حتى في حالة عدم اتفاقها معهم. لكن تفوق الخارج أصبح محل تساؤل بعد اغتيال المرشد الروحي للحركة، الشيخ أحمد ياسين عام 2004. ولعبت عدة عوامل في استقلالية حماس الداخل، منها فوزها في انتخابات عام 2006 وتشكيل الحكومة وقبل أن تسيطر على القطاع في 2007، وعندما شددت إسرائيل الحصار على القطاع، استطاعت الحركة تأمين موارد مالية من تجارتها السرية عبر الأنفاق. وساهم الربيع العربي والثورة السورية في تسريع استقلالية قيادة الداخل عن الخارج. وحاولت حماس مع بداية الثورة السورية التوسط بين المقاتلين السوريين والنظام، ولكنها رفضت الطلب الإيراني إظهار الدعم غير المشروط لنظام بشار الأسد. ونتيجة لهذا، قررت الخروج من دمشق في شباط/فبراير 2012، حيث أقام موسى أبو مرزوق، نائب الرئيس في القاهرة، وأقام مشعل في الدوحة، حيث وجه انتقادات حادة ضد إيران وحزب الله لدعمهما الأسد. وردت طهران بتخفيض الدعم لحماس من 150 مليون دولار في العام إلى 75 مليون دولار.

وأدى تشتت القادة إلى إضعاف قيادة المنظمة الخارجية. وفي مقابلة مع غازي حمد، أحد قيادات حماس البارزة في غزة أجرتها الكاتبة معه بغزة في أيار/مايو 2013 قال فيها إن “الرحيل عن سوريا ساعد كثيرا قيادة غزة”، مضيفا “لا أقول إن غزة تفوقت على القيادة خارجها. ولكن أصبح هناك توازن كبير بينهما”. ومن الملاحظ أن حماس واصلت العلاقة مع طهران، وكان هذا بارزا مع قيادات كتائب القسام، وبخاصة مروان عيسى، نائب قائد الكتائب الذي سافر إلى طهران كلما سنحت الفرصة. وظهرت استقلالية الداخل من خلال اختطاف جلعاد شاليط، الذي أمر باختطافه زعيم الكتائب أحمد الجعبري والذي قاد عملية التفاوض مع حمد للإفراج عنه، وبموجب الصفقة أفرجت إسرائيل عن 1027 أسيرا من السجون الإسرائيلية وهو ما كان بمثابة انتصار للحركة في غزة. واغتالت إسرائيل الجعبري في العام التالي في عملية “عمود السحاب”. ولعبت التوغلات المستمرة دورا في تقوية حماس الداخل وبخاصة الكتائب التي كانت تقوم بدور مهم في ساحة المعركة مقارنة مع القيادة المهمشة في الخارج. وانضم ثلاثة من قادتها في 2013 إلى المكتب السياسي كاعتراف بدورها، ومنحها دورا مباشرا في القرار. وأسهم الحصار في منح غزة مكانة رمزية كمنطقة تضحية، سعى قادة حماس الاعتراف بها وتعزيز شرعيتهم، كما فعل مشعل في 2012 عندما ألقى خطابا فيها “أقول أنني رجعت لغزة، ولو لأول مرة فإنني في غزة لأنها في قلبي”.

وعززت سنوات ما بعد 2017 مكانة قيادة حماس في غزة، ففي ذلك العام عين إسماعيل هنية الذي كان قائدا في غزة، محل مشعل كمسؤول للمكتب السياسي، وبهذه الطريقة أصبحت إيران قادرة على التعامل مباشرة مع قيادة غزة. واضطر هنية للانتقال من غزة إلى الدوحة عام 2019 لتصبح غزة تحت قيادة يحيى السنوار، الزعيم العسكري السابق والمنافس لهنية في التأثير.

وكان السنوار شخصية محورية في إنشاء الجناح العسكري للحركة في الثمانينيات من القرن الماضي، وقضى في السجن 22 عاما، وساهم ببناء قيادة حماس، وخرج منه ضمن صفقة شاليط عام 2011. ولدى السنوار رؤية واضحة عن الكفاح الفلسطيني المسلح وهي أن الهجوم العسكري وتأكيد القوة كفيل بإجبار الإسرائيليين على التفاوض بطريقة متساوية.

لدى السنوار رؤية واضحة عن الكفاح الفلسطيني المسلح وهي أن الهجوم العسكري وتأكيد القوة كفيل بإجبار الإسرائيليين على التفاوض بطريقة متساوية

وعندما أصبح رجل غزة القوي، بدأ بوضع رؤيته محل التطبيق، فسعى أولا للحصول على تنازلات من إسرائيل وركز ثانيا على تقوية الكتائب ووسع قواتها من 10 آلاف مقاتل في العقد الأول من القرن الحالي إلى 30 ألف مقاتل. وأعرب أحمد يوسف، المستشار السابق لهنية عن تحفظه من منح غزة سلطة أوسع من سلطة الخارج والتي يجب أن تكون لها الأولوية. كما عبر عن مخاوفه من علاقات السنوار مع الجناح العسكري لحماس، بشكل يمنح إسرائيل المبرر للتعامل مع غزة كمركز تفريخ إرهابيين. إلا أن السنوار أثبت في 2018 و2019 أنه قادر على تقديم نتائج من خلال التظاهرات عند السياج الحدودي، حيث أجبرت إسرائيل على الدخول في اتفاقيات بشأن تخفيف بعض القيود وفتح معابر وزيادة الدعم القطري. لكن الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية تشككوا من تحركات حماس باعتبارها محاولة لحرف النظر عن المشاكل النابعة من حكم الحركة للقطاع. وفي 2021، انتهز السنوار الفرصة لمواجهة أزمة الثقة عندما قامت الكتائب بإصدار انذار ضد إسرائيل بشأن معاملتها الفلسطينيين في الشيخ جراح بالقدس الشرقية ومداهمة الأقصى. وجاءت محاولة حماس الربط مع المناطق الفلسطينية الأخرى، وسط توقيع دول عربية اتفاقيات سلام، وهو ما منح صورة أن حماس هي التي تدافع عن القدس والفلسطينيين ضد المستوطنين وسط تطبيع دول عربية. ومنذ 2021، كانت حماس حريصة على ربط غزة ببقية المناطق الفلسطينية والتضامن مع الأقصى، ومن هنا أطلقت على العملية في تشرين الأول/أكتوبر “طوفان الأقصى”.

ورأت الكاتبة أن حماس وكتائب القسام حاولت الحفاظ على مستوى تأثير في الحرب الدعائية ومناقضة الرواية الإسرائيلية ونشر أشرطة فيديو وبيانات رغم الحصار الإعلامي وقطع الاتصالات على القطاع. ولا يبدو أن قيادة حماس في الخارج على علاقة مع الحملة الإعلامية، وعلى خلاف عملية الرصاص المسكوب 2008/2009، فمن ينشر المعلومات ليس رئيس المكتب السياسي بل والناطق باسم الكتائب أبو عبيدة الموجود على الأرض.

وبالمقارنة عقد ممثل حماس في بيروت، أسامة حمدان، مسؤول العلاقات الخارجية السابق عدة مؤتمرات صحافية من أجل مناقضة مزاعم إسرائيل عن الحرب، وهو يشترك مع فكرة التداخل في الجناح السياسي والعسكري باعتباره أمرا طبيعيا، ويدعم فكرة السنوار ان القوة تخدم القضية الفلسطينية.

وقال في مقابلة عام 2017 مع الكاتبة إن معظم قادة إسرائيل كانوا أمراء حرب قبل الدخول في السياسة. وصور الحرب بأنها حرب تحرير ضد المشروع الصهيوني الأمريكي الإمبريالي. وبالنسبة له حققت عملية 7 تشرين الأول/أكتوبر منافع للفلسطينيين مثل تحرير السجناء وجر الجيش الإسرائيلي لوضع صعب وغير ذلك. ومن خلال قيامها بالعملية فقد كشفت حماس أن إسرائيل ليست منيعة. ورغم الكلفة الباهظة، فقد جعلت حماس مشروع التحرير قويا للفلسطينيين وكشفت عن الدمار الذي تسببت به إسرائيل ضد المدنيين، وأظهرت للعالم وحشية الاحتلال الإسرائيلي.

من خلال قيامها بالعملية فقد كشفت حماس أن إسرائيل ليست منيعة. ورغم الكلفة الباهظة، فقد جعلت حماس مشروع التحرير قويا للفلسطينيين وأظهرت للعالم وحشية الاحتلال الإسرائيلي

وستترك الحرب نتائج على مستقبل النزاع. ورغم الكلفة الباهظة والدمار، فقد أظهرت الحرب تحولا في داخل حماس نفسها، فمن خلال إجبار إسرائيل على حملة في غزة، فقد قلبت عملية 7 تشرين الأول/أكتوبر مفهوم أن غزة أرض محررة من الاحتلال الإسرائيلي يمكن الحفاظ على الوضع الراهن فيها للأبد. وبالنسبة لحماس، فقد حققت الحرب أهدافها بوضع غزة في مركز الكفاح الفلسطيني ومركز الجذب العالمي. كما وربطت الحرب الفلسطينيين برضوض تاريخية حملوها معهم منذ النكبة، حيث ربط التهجير القسري من الشمال للجنوب في القطاع وخطط إجبارهم على الرحيل إلى سيناء، الفلسطينيين بتاريخهم.

المصدر: مجلة فورين أفيرز الاميركية

ترجمة: إبراهيم درويش




إعلام عبري: إسرائيل مستعدة لاستئناف مفاوضات تبادل الأسرى مع حماس

قالت قناة عبرية، مساء الاثنين، إن إسرائيل مستعدة لاستئناف الاتصالات مع الوسطاء، من أجل إطلاق سراح باقي المحتجزين الإسرائيليين في قطاع غزة.

وصباح الجمعة 1 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، انتهت هدنة امتدت لأسبوع بين إسرائيل و”حماس” بوساطة قطرية مصرية أمريكية أطلق خلالها سراح 84 طفلا وامرأة إسرائيليين، إضافة إلى 24 مواطنا أجنبيا من قطاع غزة، بينما أفرجت إسرائيل عن 240 أسيرا فلسطينيا (71 امرأة و169 طفلا)، قبل أن تستأنف حربها المدمرة.

وقالت القناة “12” العبرية الخاصة: “إسرائيل مستعدة لاستئناف الاتصالات، من أجل إطلاق سراح المختطفين في غزة”.

وأصافت: “الفئة (التي سيجري التفاوض على إطلاق سراحها) تظل إنسانية، وتشمل النساء اللواتي ما زلن في الأسر، والمرضى والجرحى والمسنين”.

وكانت إسرائيل قد طالبت “حماس” بإطلاق سراح نساء زعمت أنهن مدنيات وهو ما رفضته الحركة، وأكدت أنهن مجندات وتم أسرهن بالزي العسكري، واعتبرته مخالفا لبنود اتفاق الهدنة، وأكدت أن التفاوض على إطلاق سراح الجنود سيكون في مرحلة لاحقة، ما تسبب في انهيار الهدنة، وفق تصريحات لمسؤولين في “حماس”.

ولا يزال لدى حركة “حماس” في غزة، 137 محتجزا، بينهم 126 إسرائيليين و11 أجنبيا، وفق إعلام عبري.

وتابعت القناة: “تشير التقديرات إلى أنه لن يكون من الممكن التوصل إلى اتفاق جديد في الأسبوع المقبل، لكنهم (في إسرائيل) يريدون فتح مسار متجدد، للاستفادة من الضغط على حماس في القتال”.

ونقلت عن مصدر أمني إسرائيلي لم تسمه، قوله إن “شدة القتال بدأت تفتح طريقا لا ينبغي تفويته”.

وأضافت: “تحاول إسرائيل أيضًا زيادة الضغوط على الصليب الأحمر، ومن المتوقع أن يلتقي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو برئيسة المنظمة (ميريانا سبولياريتش إيغر)، التي من المتوقع أن تصل إلى إسرائيل في الأيام المقبلة”.

وفي أكثر من مناسبة منذ بداية الحرب، طالبت إسرائيل الصليب الأحمر بزيارة المحتجزين بغزة وتقديم الأدوية اللازمة للمرضى منهم.

وقال مسؤول إسرائيلي كبير للقناة (لم تسمه) إن “الظروف التي يمكن في ظلها البدء في صياغة اتفاقيات جديدة، سواء من وجهة نظر حماس أو إسرائيل، قد نضجت الآن”.

وتابع: “تلقى رئيس الموساد ديدي برنيع، توجيهات جديدة بالبدء بالاستماع إلى ما يقوله الوسطاء”، وقال المصدر نفسه: “إذا أراد القطريون التحدث، فسوف نستمع”.

لكن المصدر قال، إن “إسرائيل حددت بعض المشاكل، التي يمكن أن تجعل الصفقة صعبة”.

وأوضحت: “جزء من قيادة حماس غادر قطر، وإسرائيل موجودة فعليا في المنطقتين (شمال وجنوب القطاع)، وليس فقط في شمال القطاع، وهو ما يعقد قنوات الاتصال”.

ومنذ 27 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي يشن الجيش الإسرائيلي عملية توغل بري بدأت بشمال قطاع غزة، وتوسعت إلى مناطق الوسط والجنوب، وسط مقاومة شرسة من المقاتلين الفلسطينيين، تكبدت إسرائيل خلالها عشرات القتلى والجرحى.

ومنذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول، يشن الجيش الإسرائيلي حربا مدمرة على غزة خلّفت حتى مساء الاثنين، 18 ألفا و205 شهيدا، و49 ألفا و645 جريحا، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا هائلا في البنية التحتية و”كارثة إنسانية غير مسبوقة”، بحسب مصادر رسمية فلسطينية وأممية.

المصدر: وكالة الأناضول




تقارير دولية تؤكد الحاجة لـ71 مليون دولار لمساعدة 250 ألف ليبي تضرروا من الإعصار دانيال

ما زالت تحديات إعادة الإعمار وإغاثة المتضررين من كارثة الإعصار دانيال المدمرة التي ضربت المناطق الشرقية من ليبيا تفرض نفسها في المناقشات المحلية والدولية حول ليبيا، فبعد الكارثة بأشهر صار إحصاء الأضرار أسهل وأدق وأصبحت ليبيا تواجه تحدياً أمام تعويض هذه الأضرار.
ففي تقرير جديد نشرته الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أظهر أن هناك حاجة إلى 71 مليون دولار تقريباً لمساعدة 250 ألف شخص في ليبيا خلال شهر ديسمبر الجاري، من المتضررين من الإعصار دانيال التي أنزلت دماراً شديداً في مدن الشرق خلال مرورها في أيلول/ سبتمبر الماضي.
وأشارت الوكالة، في تقرير نشرته، السبت، أن ما يقرب من 45 ألف نازح جراء الفيضانات التي صاحبت الإعصار دانيال في شرق ليبيا، مع فقدان 8540 ومقتل 4352 آخرين.
وأجرت الوكالة الأمريكية بالتعاون مع الشركاء الدوليين تقييماً للاحتياجات المطلوبة للمتضررين من الفيضانات في شرق ليبيا، نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وحددت أن هناك حاجة إلى 71.4 مليون دولار لتغطية احتياجات مئات آلاف من المتضررين، وهي احتياجات تشمل الرعاية الصحية والتعليم ومساعدات مالية ومأوى ومساعدات إنسانية وغيرها.
وبعد مرور ما يقرب من ثلاثة أشهر على الكارثة، أظهرت البيانات أن أكثر من 90% من النازحين في الشرق ما زالوا في مناطق النزوح التي تتركز في الجبل الأخضر وبنغازي والجبل.
وفي السياق، قال الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، إن ما حدث في درنة ينبغي أن يكون دعوة لاستيقاظ العالم بشأن خطر الفيضانات في عالم يتأثر بتغير المناخ.
وأضاف أنه بعد مرور 3 أشهر على الفيضانات، ما زال هناك الكثير من الاحتياجات، حيث يعيش الكثيرون دون منازل ولا تزال الصدمة النفسية والاقتصادية مستمرة.
وأشار الاتحاد إلى أنه كان يتوقع جمع 20 مليون فرنك سويسري لدعم الهلال الأحمر الليبي، لكنه جمع حتى الآن أكثر من 8 ملايين فرنك سويسري فقط.
وأشار إلى أن البحر والمطر باتا مصدر رهاب (فوبيا) لمن يقطنون الشرق الليبي، ولا سيما لأولئك الذين اختبروا بأم العين كيف جرفت السيول منازلهم، وسياراتهم وأحباءهم برمشة عين، وفق قوله.
وتابع الاتحاد أن اضطرابات الصحة النفسية، من صراخ الأطفال خلال نومهم، ومشي البعض وهم نيام، باتت مشاهد يومية في درنة على وجه التحديد، وحتى في الأماكن التي نزح إليها المتضررون في بنغازي.
ونقل الاتحاد عن مسؤول الدعم النفسي-الاجتماعي في جمعية الهلال الأحمر الليبي، علي غرور، أنّ جميع الفئات الموجودة في مدينة درنة تحتاج إلى الدعم، بما فيهم متطوعو الهلال الأحمر الليبي، مؤكداً أن الناس بالفعل تربط بين المطر والموت، مشيراً إلى أنّ الواقع المجتمعي اختلف بعد الفيضانات الأخيرة.
ولم تتوافر حتى الآن إحصاءات رسمية دقيقة عن عدد الضحايا، لكن بيانات صدرت عن الفيضانات الناجمة عن انهيار سدي درنة تفيد بمصرع 4352 شخصاً على الأقل ونزوح أكثر من 43 ألفاً، في حين لا يزال ثمانية آلاف آخرون مفقودين. وأعلن النائب العام إجراء تحقيق، بينما تعهدت السلطات الليبية بتعويض المجتمعات المتضررة وإعادة البناء.
وفي أحدث تطور بالخصوص، كان إعلان الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين، مساء الأحد، انتهاء العمل داخل مقبرة الظهر الأحمر واستخراج جميع ضحايا «دانيال»، إذ جرى انتشال 1739 جثة مجهولة الهوية من ضحايا العاصفة، و34 كيساً من الأشلاء.
وأعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب، الأسبوع الماضي، إتمام حصر قرابة 85% من المنازل والممتلكات المتضررة للسكان في مدينة درنة، بالتزامن مع توزيع الدفعة الثامنة من صكوك جبر الضرر للمواطنين بمعدل 400 إلى 500 صك في كل دفعة.
وعاد 5670 شخصاً فقط إلى منازلهم، من 45 ألف نازح، حتى بداية تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، بينهم 93% عادوا إلى البلدات في شمال شرق البلاد، خصوصاً في طبرق والأبرق، و7% عادوا إلى بلديات في غرب ليبيا، خصوصاً في مصراتة.
وتعتمد 74% من البلديات التي تأوي النازحين المتضررين من العاصفة على شاحنات المياه كمصدر أولي للحصول على المياه النظيفة. وأبلغت المناطق الأكثر تتضرراً من الإعصار عن صعوبة لا تزال قائمة في الوصول إلى مصادر للمياه النظيفة، والاعتماد على مصادر غير آمنة للحصول على المياه.
نتيجة لذلك، سجلت الهيئات الصحية أكثر من عشرة آلاف إصابة بأمراض معدية في المناطق المتضررة من الفيضانات حتى نهاية نوفمبر الماضي، منها 25% لأطفال دون سن الخامسة.

نسرين سليمان

المصدر: صحيفة القدس العربي




بوريل: الدمار في غزة أسوأ مما شهدته ألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية

وصف مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، الإثنين، الوضع في غزة بأنه “كارثي ومروع” مع دمار “أكبر” نسبيا مما شهدته ألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية.

وقال بوريل عقب ترؤسه اجتماعا لوزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي إن رد الجيش الإسرائيلي على الهجمات التي أطلقتها حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر أدى إلى “عدد لا يصدّق من الضحايا المدنيين”.

وأعرب أيضا عن “قلق” الاتحاد الأوروبي “إزاء عنف المستوطنين المتطرفين في الصفة الغربية”، ودان مصادقة الحكومة الإسرائيلية على بناء 1700 وحدة سكنية جديدة في القدس، وهو ما تعتبره بروكسل انتهاكا للقانون الدولي.

وفي حين أشار إلى أن هجمات حماس رسّخت قرار الاتحاد الأوروبي إدارجها في قائمة المنظمات الإرهابية، شدّد بوريل على أنه يعتبر العملية العسكرية الإسرائيلية غير متناسبة من حيث القتلى المدنيين والضرر اللاحق بالممتلكات والبنى التحتية المدنية.

وقال بوريل إن “المعاناة الإنسانية تشكّل تحديا غير مسبوق للمجتمع الدولي”.

وبحسب أرقام وزارة الصحة في غزة يشكل “المدنيون ما بين 60 و70 بالمئة من مجمل الشهداء”، كما أن “85 بالمئة من السكان نزحوا داخليا”.

وقال بوريل إن “الدمار اللاحق بالأبنية في غزة… أكبر نوعا ما من الدمار الذي لحق بالمدن الألمانية إبان الحرب العالمية الثانية” إذا ما تم تقديره نسبيا.

وقال إنه عرض على وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي ورقة مناقشة للنظر في “فرض عقوبات ضد مستوطنين متطرفين في الضفة الغربية” ازدادت حدّة هجماتهم ضد سكان فلسطينيين.

وأشار إلى أنه سيحول الورقة قريبا إلى مقترح رسمي، بناء على مبادرة اتّخذتها الولايات المتحدة التي أعلنت في الأسبوع الماضي أنها سترفض منح تأشيرات لمستوطنين إسرائيليين متطرفين.

لكنّه أقر بعدم وجود إجماع إلى حد الآن حول المسألة بين حكومات دول الاتحاد الأوروبي.

المصدر: وكالة أ.ف.ب




وول ستريت جورنال: يحيى السنوار لم يتخل قط عن إستراتيجية تحرير السجناء الفلسطينيين

نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تقريرا عن زعيم حركة حماس في غزة، يحيى السنوار الذي قالت إنه درس النفسية الإسرائيلية وهو في السجن ورهن حياته لما تعلمه. وفي تقرير أعده عدد من مراسليها، جاء أن السنوار قضى في السجن عقدين من الزمان وشرح لمسؤول إسرائيلي نظرية أصبحت مركزية في الحرب بغزة الآن. وقال إن ما تراه إسرائيل قوة، وهو أن معظم الإسرائيليين يخدمون في الجيش ويتمتع الجنود بمكانة في المجتمع، هو ضعف يمكن استغلاله، وذلك حسب يوفال بريتون، الذي عرف السنوار عندما كان مسؤولا عن وحدة المخابرات في السجون.

وبحسب الصحيفة، ثبتت صحة النظرية عام 2011 عندما أفرج عن السنوار مع 1027 سجينا فلسطينيا مقابل سجين إسرائيلي واحد. ولدى السنوار الآن 138 “رهينة إسرائيليا”، بمن فيهم الجنود، ويراهن زعيم حماس على إجبار إسرائيل على الإفراج عن آلاف السجناء الفلسطينيين وتحقيق اتفاق وقف إطلاق النار.

 وبنى حكمه على المجتمع الإسرائيلي من خلال تجربة عقدين في السجن وتعلم العبرية من خلال متابعة الأخبار المحلية وفهم النفسية الإسرائيلية. وقبل هذا يجب أن تنجو حماس من الهجوم المضاد القاتل والقوي الذي نفذته إسرائيل. ولو أساءت التقدير فسيراقب السنوار دمار غزة ويفقد حياته. وجاء رهان السنوار بثمن باهظ، بما في ذلك تدمير مناطق واسعة من غزة ومقتل 17.700 فلسطيني أو أزيد.

وتقول إسرائيل إنها تخطط لتدمير قيادة حماس في القطاع، بمن فيهم السنوار ومنع الجماعة من بناء قوة تهدد إسرائيل وبعد الهجوم الذي نفذته في 7 تشرين الأول/أكتوبر. إلا أن الحكومة الإسرائيلية تتعرض للضغوط بعد فترة وجيزة للتوقف عن إطلاق النار للإفراج عن النساء والأطفال، للعمل مع السنوار كي يتم الإفراج عن بقية “الرهائن”. ويقول بريتون “يعرف أن إسرائيل ستدفع ثمنا باهظا” و”يفهم أن هذه نقطة ضعفنا”.

 ويقوم أسلوب السنوار الذي أصبح زعيما للحركة في 2017، على تذكير الإسرائيليين بأنهم في نزاع مع الفلسطينيين، فمرة يتعامل بشكل بناء مع الإسرائيليين وبعد ذلك يقوم باستخدام أساليب العنف من أجل تحقيق أهداف سياسية، ولديه تاريخ بملاحقة العملاء الفلسطينيين لإسرائيل، كما أن محاولاته للتفاوض بشأن الإفراج عن “الرهائن” يعتبرها الإسرائيليون جزءا من الحرب النفسية.

وفي الفترة الأخيرة من التفاوض على “الرهائن”، قطع كل الاتصالات لعدة أيام ووضع ضغوطا على الإسرائيليين للموافقة على فترة توقف تعطي حماس فرصة لتجميع نفسها، حسب مفاوضين مصريين. وعندما أفرج عن “الرهائن”، أفرج عنهم من خلال مجموعات كل يوم، بدلا من مجموعة واحدة وفي يوم واحد، بشكل خلق قلقا يوميا في داخل المجتمع الإسرائيلي.

 وأخبر السنوار، وهو في بداية الستينات من عمره، المفاوضين المصريين أن الحرب لن تنتهي بسرعة، وأنها قد تستمر لعدة أسابيع، مما يشير إلى أنه يريد أن يعتصر قدر ما يستطيع من الإسرائيليين مقابل الإفراج عن بقية “الرهائن”. وفي الوقت الحالي، يعتبر السنوار الشخص الرئيسي الذي يصدر القرارات السياسية في غزة، ويعمل مع الجناح العسكري للحركة.

أما رئيس المكتب السياسي لحماس، إسماعيل هنية، فهو مقيم حاليا في الدوحة، ونائبه صالح العاروري في بيروت. وفي الوقت الذي يتخذ فيه قادة حماس القرارات بالإجماع، في الأوقات العادية، إلا أن إسرائيل تعتقد أن السنوار والجناح العسكري في غزة يديرون الحرب الحالية. ورفض المتحدثون باسم حماس التعليق على السنوار أو إستراتيجية الحركة.

وبعد نهاية وقف إطلاق النار، قالت حماس إن “الرهائن” لديها هم جنود أو مدنيون يعملون في الجيش ولن تفرج عنهم إلا في حالة أوقفت إسرائيل الحرب. وقالت الحركة إنها مستعدة للإفراج عن “الرهائن” حالة أفرجت إسرائيل عن السجناء الفلسطينيين في سجونها وعددهم 7.000 سجين. وتقوم إستراتيجية إسرائيل لتأمين الإفراج عن بقية “الرهائن” على تحقيق إنجازات في ساحة المعركة وإجبار حماس على الإفراج عنهم.

 ويقول المسؤولون الإسرائيليون إن حماس كانت مستعدة للإفراج عن الأطفال والنساء لأن الجيش غزا غزة وبدأ بالضغط عليها عسكريا. وتخوض القوات الإسرائيلية معارك في خان يونس، التي ولد ونشأ فيها السنوار، وحاصرت في الأسبوع الماضي منزله “كتحرك رمزي” حسب زعم الصحيفة لأنه قد يكون مختبئا في مكان آخر.

وأقسمت إسرائيل على قتل السنوار وكل قادة حماس، لكن قادة إسرائيل البارزين أرسلوا رسائل مزيجة فيما إن كانت حكومتهم ستسمح لمقاتلي حماس من الصفوف الدنيا بمغادرة القطاع. وكان واحدا من الأسباب التي قادت حماس لتنظيم هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر هو اختطاف جنود ومبادلتهم بأسرى فلسطينيين حسب محللين سياسيين فلسطينيين. وعندما أفرج عنه في صفقة التبادل قال السنوار إن المفاوضين الفلسطينيين كان عليهم أن يضغطوا من أجل أعداد كبيرة، وعندما كان يحضر نفسه للخروج قال للذين لم تشملهم الصفقة إنه سيعمل من أجل تحريرهم.

وقال مخيمر أبو سعدة الذي درس قبل الحرب في جامعة الأزهر “هذا أمر شخصي” و”لم يشعر بالراحة لمغادرة السجن عام 2011 وأن يترك خلفه بعضا من رفاقه”. ويستبعد المفاوض الإسرائيلي السابق غيرشون باسكين رضوخ إسرائيل لمطالب السنوار لو استؤنفت المفاوضات من جديد، وبخاصة فيما يتعلق بالسجناء الذين تعتبرهم إسرائيل خطيرين. ويقول باسكين إن إطلاق سراح السنوار هو الخطأ الذي ارتكبته إسرائيل وهو “السبب في رفض مطالبه” و”ارتكبوا ذلك الخطأ مرة”.

وقبل دخوله السجن كان السنوار مقربا من زعيم الحركة الشيخ أحمد ياسين الذي أفرج عنه بصفقة 1.000 سجين فلسطيني مقابل 3 جنود إسرائيليين. ويقول المسؤولون الإسرائيليون إن السنوار عمل في البداية على ملاحقة العملاء، وكانت الوحدة التي أنشأها الأساس الذي ولدت منه كتائب عز الدين القسام. واعتقل السنوار في 1988 وأخبر المحققين بكيفية ملاحقته العملاء وأنه كان يخطط في بداية 1989 لإنشاء وحدة خاصة تقوم بقتل واختطاف الإسرائيليين.

وكان له دور في اختطاف وقتل إسرائيليين وحكم عليه بالمؤبد حيث قضى 22 عاما في السجن. وعندما سجن كانت حماس في المهد، ولكنه ظل في السجن مؤثرا، فسجناء الحركة هم أحد قواعد حماس إلى جانب الضفة الغربية والخارج وغزة. وسجنت السلطات الإسرائيلية أفراد الفصائل في مناطق منفصلة، وأنشأت حماس هيكيلية داخل السجن، حسب مسؤولين سابقين، واختاروا قائدا في كل سجن، وزعيما لكل السجون وتم اختيار السنوار مرتين كزعيم لكل معتقلي حماس في السجون الإسرائيلية. وفي الفترات التي لم يكن فيها مسؤولا، كان له أثر على القادة. ولا يعرف دور السنوار في الانتفاضة الثانية.

وفي عام 2004 بدا وكأن لديه مشاكل في الدماغ، وعندما فحصه الأطباء وجدوا ورما في الدماغ، وأجروا له عملية في مستشفى بئر السبع. وبعد تعافيه عاد إلى السجن وشكر الأطباء على إنقاذ حياته. وأعطى السنوار الإسرائيليين انطباعا أنه ضد العنف، وفي مقابلة أجراها صحافي إسرائيلي معه من داخل السجن في 2005، قال إن الحركة منفتحة على هدنة طويلة، ولكنه لم يقبل بإسرائيل وأن الحركة لديها فهم بأنها لا تستطيع هزيمة إسرائيل عسكريا. وقال إن الحركة عنيدة و”كما جعلنا حياة اليهود مرة أثناء المواجهات” فـ “سنجعل حياتهم صعبة في الحوار على وقف إطلاق النار”.

وفوجئ الجنود في نقطة عسكرية قرب قطاع غزة عندما اختطف جيلعاد شاليط في 2006، وكان أحد المشاركين في العملية، محمد، الشقيق الأصغر للسنوار. وفي السجون اعتقلت إسرائيل أفراد حماس في زنازين تتسع لثماني سجناء، حيث كان يسمح لهم بالخروج مرتين في اليوم للتمشي لساعة ونصف، ودرس بعضهم الإنكليزية والعبرية ودرسوا القرآن. وكان السنوار محوريا في المفاوضات التي أدت للإفراج عن شاليط، حيث كان يريد الإفراج عن السجناء المتهمين بتفجيرات في الانتفاضة الثانية. ووافقت إسرائيل على إطلاق سراح سجناء خطيرين بمن فيهم السنوار. وقال أحد المحققين معه في السجن “كان الإفراج عنه أسوأ خطأ في تاريخ إسرائيل”.

وأخبر السنوار وكالة أنباء محلية في غزة عام 2011 أن أفضل طريقة للإفراج عن بقية السجناء هي اختطاف المزيد من الجنود. ووصل إلى غزة مختلفة، حيث أصبحت حماس الحاكم له. ولكن مساره بعد الخروج من السجن وتوليه قيادة حماس في 2017 و2021 لم يتغير بشأن ملاحقة العملاء وتحرير السجناء الفلسطينيين عبر اختطاف الجنود الإسرائيليين.

المصدر: صحيفة وول ستريت جورنال الاميركية

ترجمة: إبراهيم درويش




مذكرة المصارف لربط نزاع أم محاولة لوأد نزاع آخر؟

*المصارف بعد استلامها الودائع من أصحابها تصبح مالكة للودائع ويقع عليها غنم وغرم استعمالها وتوظيفها مقابل فوائد محددة معدلاتها تدفعها وأصل الوديعة بالتواريخ المتفق عليها مع أصحابها

*تبقى المصارف ملتزمة بردّ الودائع التي تلقّتها ومتمماتها إلى أصحابها بغض النظر عن نتائج استعمالاتها وتوظيفاتها لهذه الودائع، ومنها عدم قيام الدولة ومصرف لبنان بردّ المتوجب عليهما

*لا يمكن للقاضي سماع من أفسد وقام بباطل ويطالب بحقه من هذا الباطل فالأموال التي تطالب المصارف بإعادتها إليها متأتّية من مخالفات ارتكبتها المصارف فرادى او بالإشتراك مع الدولة ومصرف لبنان

*خالفت المصارف الأحكام التي تحظّر عليها منح الإعتمادات لشخص واحد بما يتعدّى 30% من الأموال الخاصة لكل مصرف ومن دون تكوين مؤونات كافية مقابل الإنكشاف على مخاطر الدين السيادي

تقدم 11 مصرفاً بمذكرة ربط نزاع امام وزارة المالية بصفتها دائنة لمصرف لبنان ومتضرّرة من (1) عدم تسديد الدولة ديناً مستحقاً بذمتها لمصرف لبنان يتجاوز 16 مليار دولار اميركي يدفع بالعملة الاميركية، حسب ما ورد في ميزانية المصرف المنشورة على موقعه الالكتروني باللغة الانكليزية وعدم مطالبة الاخير اياها بسداد هذا الدين، و (2) من عدم تغطية الدولة الخسائر التي ظهرت كعجوزات في ميزانيات مصرف لبنان ما بين اعوام 2015 و2020 بعد ان تم تصحيحها بموجب تقرير Alvarez & Marsal. بحيث تخطت 51 مليار دولار اميركي في العام 2020 وذلك عملا بالمادة 113 من قانون النقد والتسليف التي تنص على انه في حال « كانت نتيجة سنة من السنين عجزاً، تغطى الخسارة من الاحتياط العام ( لدى مصرف لبنان )، وعند عدم وجود هذا الاحتياط او عدم كفايته تغطى الخسارة بدفعة موازية من الخزينة». وطالبت مذكرة المصارف الدولة اللبنانية بسداد الدين وتغطية العجز الآنفي الذكر. وايضاً، وبعد تصحيح ميزانية مصرف لبنان لسنتي 2021 و2022 وتحديد قيمة العجز الاجمالي، بتغطية قيمة هذا العجزعملاً بالمادة 113 الآنفة الذكر. وقد استندت المصارف في مطالبها الى نص المادة 276 من قانون الموجبات والعقود التي تجيز للدائنين «ان يستعملوا باسم مديونيهم جميع الحقوق وان يقيموا جميع الدعاوى المختصة بهم… وان يداعوا مياشرة عن مديونهم… شرط ان يكون دينهم مستحق الاداء… وتكون نتائج الدعوى مشتركة بين جميع الدائنين بدون ان يترتب للدائن الذي شرع في الدعوى امتياز ما على الاخرين«.

ربط إعادة الودائع إلى المودعين بإعادة الدولة ومصرف لبنان أموال المصارف إليها

ورد في مذكرة ربط النزاع «ان الدولة استدانت على مدى 11 عاماً ما بين 2010 و2021 من ودائع المودعين التي اودعتها المصارف اللبنانية لدى مصرف لبنان وانفقتها. وبالتالي فان سبب امتناع مصرف لبنان عن اعادة ودائع المصارف لديه بالعملات الاجنبية للمصارف هو فعل الدولة اللبنانية المتمثل بامتناعها عن تنفيذ موجباتها القانونية تجاه مصرف لبنان المدين بدوره للمصارف المستدعية… ما يحول دون تنفيذ المصارف موجباتها تجاه مودعيها برد ودائعهم اليهم».

كلام غير دقيق في ما انتهى اليه ويرمي بوضوح الى تحوير الأساس القانوني لتعامل المصارف مع المودعين. فالاخيرة تصبح بعد استلامها الودائع من اصحابها مالكة للودائع ويقع عليها غنم وغرم استعمالها وتوظيفها مقابل فوائد محددة معدلاتها تدفعها وأصل الوديعة بالتواريخ المتفق عليها مع صاحبها. وتتحدث المذكرة عن الودائع وكأنها محكومة بأنموذج خاص من «عقود إدارة الحسابات» gestion des comptes أو «العقود الائتمانية» contrats fiduciaires يكون بمقتضاها على المودعين، لا المصارف، تحمّل تداعيات العقود التي تبرمها إدارات الأخيرة. والمقصود هنا طبعاً الآثار الخاسرة لهذه العقود بنظر المصارف، لا المربحة منها. وهذا غير صحيح، اذ تبقى المصارف ملتزمة برد الودائع التي تلقتها ومتمماتها الى اصحابها بغض النظر عن نتائج استعمالاتها وتوظيفاتها لهذه الودائع، ومنها عدم قيام الدولة ومصرف لبنان برد المتوجب عليهما لها اي للمصارف.

عدم إمكانية المصارف التأسيس على مخالفات فردية ومشتركة ارتكبتها

تقول قاعدة قانونية لاتينية انه لا يمكن للقاضي سماع من أفسد وقام بباطل ويطالب بحقه من هذا الباطل.

nemo auditur propriam turpitudinem allegans.

ترجمتها الى الفرنسية :

Personne ne peut être entendu (en justice) s’il invoque sa propre turpitude

فالاموال التي تطالب المصارف الدولة ومصرف لبنان بإعادتها اليها متأتية من مخالفات ارتكبتها المصارف فرادى او بالاشتراك مع الدولة ومصرف لبنان، واودت الى تسليمها (اي المصارف) الجهتين الاخيريتن اموال المودعين وهي تطالب الآن باستعادتها.

فمذكرة المصارف تشير عرضاً الى عدم قانونية اقراض مصرف لبنان الودائع المصرفية الى الدولة، واللافت، من دون اي توقف ومناقشة لقانونية اقراضها هي لهذه الودائع الى مصرف لبنان والدولة. لقد قامت المصارف بمخالفة احكام المادة 121 من قانون النقد والتسليف وشروحاته التي تطالبها بان تستعمل لحسابها الخاص في عمليات تسليف الاموال التي تتلقاها من الجمهور، وذلك من خلال اتيان عمليات تدخل ضمن نشاط وموضوع «مصارف الاعمال والتسليف المتوسط والطويل الاجل» حسب القانون 22/ 67. فوظفت الجزء الأكبر من الودائع التي تلقتها، على الاخص بالدولار، في سندات وعمليات آجلة مع القطاع العام (سندات خزينة ويوروبوندز كما شهادات ايداع مصدرة من مصرف لبنان وهندسات مالية متنوعة اطلقها الاخير ) طمعاً بمعدلات فوائد مجزية.

ايضاً خالفت المصارف في عملياتها السابقة الاحكام النظامية التي تحظر عليها منح الاعتمادات لشخص واحد بما يتعدّى نسبة 30 بالمئة من الاموال الخاصة لكل مصرف، ودون تكوين مؤونات كافية مقابل الإنكشاف على مخاطر الدين السيادي خصوصا عندما يكون بالعملات الاجنبية لعدم وجود «مقرض أخير» بهذه العملات. وهو امرحذّر منه صندوق النقد الدولي في عدد من تقاريره من دون أن تلقى تحذيراته الآذان الصاغية.

كذلك ارتضت المصارف تكوين توظيفات الزامية بمعدلات فوائد مجزية مخالفة للقانون طالبها بها مصرف لبنان بمقتضى القرار الاساسي 7926 تاريخ 20 ايلول 2001، من دون ان تطعن بعدم قانونية هذا القرار الواضحة. اذ يستند في حيثياته الى المادة 67 (و) من قانون النقد والتسليف. وهذه الفقرة لا تعطيه خيار فرض اية توظيفات الزامية، علماً ان الفقرة (د) تتحدث حصرياً عن احتياطات الزامية غير منتجة للفوائد.

كما راكمت المصارف الاكتتابات باصدارات آجلة لمصرف لبنان من شهادات الايداع بالعملات الاجنبية. علماً ان حيثيات القرار الاساسي رقم 7534 المنظم لهذه الاصدارات تستند الى المادة 81 (6) من قانون النقد والتسليف. وهذه الفقرة لا تتحدث عن موضوع اصدار مصرف لبنان لشهادات ايداع. والفقرة التي تليها تتحدث حصراً عن حالتي استقراضه بالعملات الاجنبية من المصارف المركزية والمصارف والمؤسسات المالية الاجنبية والمؤسسات المالية الدولية، وشرط ان يكون الاستقراض لمدة قصيرة الاجل وضمن نطاق مهامه كمصرف مركزي. وقد اقترن تسويق شهادات الايداع المصدرة من مصرف لبنان بتقاضي عمولات موضوع ملاحقات قانونية في عدد من الدول الاوروبية بجرم تبييض الاموال.

وشارك العديد من المصارف بهندسات مالية ذات عوائد جد مجزية اطلقها مصرف لبنان بصورة مخالفة للقانون، وتعاقب عليها المادتان 671 و 690 من قانون العقوبات. وذلك ابتداء من عام 2015 وهو العام الذي ذكر تقرير Alvarez & Marsal تجاوز العجز في ميزانية مصرف لبنان 15 مليار دولار، فكان التمويه على هذا العجز واحداً من الاهداف المبتغاة من هذه الهندسات.

والشيء اللافت ان الرئيس السابق لجمعية المصارف الدكتور فرنسوا باسيل كان قد حذر عام 2014 من تمويل المصارف لطبقة سياسية فاسدة، فجوبه بحملات تجريح وتقريع ودعوى ضدّه من النائب هاني قبيسي من حركة «أمل» التي يرأسها السيد نبيه بري، الذي أقر في 20 آذار 2019 بان «الفاسد الاكبر هو الدولة»… وقد اختارت ادارات غالبية فروع المصارف الاجنبية الانسحاب من السوق اللبناني على الانغماس بالمخاطرة الخطيرة التي قامت بها المصارف الاخرى بتركيز تمويلها بالعملات الاجنبية لعمليات وحاجات قطاع عام فاسد.

قروض المصارف للخزينة ولمصرف لبنان هي قروض «مقيتة «

تكمن اهمية الاشارة الى المخالفات القانونية السابقة في امكانية التأسيس عليها للرد على مذكرة المصارف وأية مطالبات قضائية لاحقة قد تتقدم بها الاخيرة، على قاعدة ان القروض التي ابرمتها مع الخزينة ومصرف لبنان يمكن تصنيفها بـ»المقيتة» او «الكريهة» ويمكن التملّص منها، وتحميل مسؤوليتها لمن أبرموا عقودها أو أصدروا وروجوا لسنداتها واكتتبوا بها، في ما لو تم اثبات «مقت هذه الديون وكراهتها» بعدم اطلاع وموافقة ممثلي الشعب عليها وانفاقها في مجالات من غير المؤكد انها للصالح العام ويقين المقرضين بالامر، حسب استاذ القانون الروسي Alexander Nahum Sack المتخصص بالاشكالات المالية للدول التي تتعسر وتتوقف عن دفع ديونها.

وقد اكدت هذا المنحى وطورته دراسات وقرارات عديدة منها دراسة صدرت عن صندوق النقد الدولي تحت عنوان «التمويل والتنمية» لـ Michael Kremer و Seema Jayachandran، وتقرير للبنك الدولي بعنوان « الديون المقيتة: اعتبارات عدة» ودراسة للاستاذ في القانون Robert Howse من جامعة Michigan لصالح منظمة الـ CNUCED وغيرها…

وقد اثارت عدة دول في تاريخها موضوع «مقت ديونها العامة وكراهتها» وتنوعت النتائج المتحصلة من ذلك. من هذه الدول المكسيك، كوبا، كوستاريكا والعراق وغيرها… ومما لا شك فيه ان قروض المصارف اللبنانية للدولة ومصرف لبنان بغالبية صورها هي من نوع «القروض المقيتة» سنداً لاعلان وتنبيه رئيس جمعية المصارف السابق الدكتور فرانسوا باسيل. ويصدق الامر على قروض مصرف لبنان للدولة اذ تخالف القانون ايضاً بشكل فاقع.

النتيجة

التهديد باحتجاج الدولة ومصرف لبنان بـ» مقت وكراهة» القروض التي حصلا عليها من المصارف يفضي بلا ريب الى تدعيم وتركيز مسؤولية والتزام المصارف برد الودائع الى اصحابها، من دون ربط ذلك باي امر خارجي مثل اشتراط سداد الدولة ومصرف لبنان لديونهما للمصارف، ما يضمن عدم تحول مذكرة ربط النزاع الموجهة من المصارف الى وزارة المالية الى محاولة لوأد نزاع آخر هو: نزاع المصارف مع مودعيها حول استرداد الاخيرين لودائعهم منها.

وتهديد الدولة ومصرف لبنان باثارة هذا الاحتجاج رداً على مذكرة ربط النزاع قبل اعتماد ترتيبات تضمن التزام المصارف برد نسبة عليا من الودائع الى اصحابها، سيدفع الى تركيز الجهود على الخطط والبرامج الهادفة الى تعزيز هذه القدرة وهذا الالتزام. واهمها تدخل المشرع لوضع الاحكام التشريعية التي تنظم استرداد جميع الاموال التي تم تحويلها بصورة استنسابية الى الخارج بعد 17 ايلول 2019 بما فيها الاموال الائتمانية على نحو معاقب عليه بالمادة 690 من قانون العقوبات. وفتح ملف القروض التي تم استيفاؤها استنسابياً على اسعار صرف متدنية عن اسعار الصرف الواقعية خلافاً لشروحات الفقه القانوني والترتيبات التي تعتمد عادة عند حدوث ازمات مالية مصحوبة بموجات تضخم عاتية توصلاً لاعتماد تسويات تضمن حقوق المودعين كاملة. ايضاً يجب ان تكون هناك اعادة نظر في ملف الهندسات المالية التي عقدت على نحو معاقب عليه ايضا بمقتضى المادة 690 السابقة، حيث تشير دراسة احد الاقتصاديين المرموقين الى ان المبالغ الممكن تحصيلها من هذا الملف لا تقل قيمتها عن الملف السابق ما يقدر معه ان تبلغ او تفوق قيمة المبالغ المتأتية من تسوية الملفين السابقين، مضافاً اليهما قيمة التوظيفات الالزامية لدى مصرف لبنان بالعملات الاجنبية وقيمة القروض التي لا تزال عالقة بهذه العملات لدى المصارف وغيرها… الفجوة التي يحكى عن وجودها في حسابات مصرف لبنان. بنهاية المرحلة الاولى يجب ان يصار الى عقد تسوية بين الدولة ومصرف لبنان من جهة، والمصارف من جهة اخرى. يتفق فيها على رد نسبة مجزية من التزامات الفريق الاول الى المصارف يتم تحديد مقدارها وكيفية ومواعيد ادائها على ان تخصص منها نسبة معينة لرد ودائع المودعين المتبقية مباشرة.

ايضا يفيد التهديد بالاحتجاج بـ»مقت وكراهة» القروض العامة في اطلاق مناقشات تهدف الى تسوية مقبولة مع حاملي سندات اليوروبوندز، وما يسهل ذلك ورود اسم لبنان من ضمن لائحة الدول المتقدمة بالفساد. وهو امر كان يفترض توقع افرازاته على قروضه واصداراته من قبل المكتتبين بسنداتها او الذين اكتسبوها لاحقاً من خلال الاسواق. اخيراً من الطبيعي الاشارة الى ان اطلاق هذا المنحى في تسوية الامور يتطلب اول ما يتطلب قادة لا شائبة فساد في ماضيهم ولا في حاضرهم يمكن تعييرهم بها وتناقض توجهات المنحى.

توفيق شمبور

أستاذ محاضر في قوانين النقد والمصارف المركزية

المصدر: صحيفة نداء الوطن اللبنانية




«أصول الدولة»… عنوان معركة مفتوحة لسنوات طويلة قادمة

بعدما انتظر شركاء البنك المركزي وحاكمه 4 سنوات لإلقاء اللوم عليه وعلى ممارساته المخالفة، وتحوّل تحريض المودعين على الدولة الى تحريض من نوع آخر. استفاق المصرفيون مؤخراً وسلكوا مساراً ادارياً جديداً للمطالبة بمستحقات مصرف لبنان لدى الدولة، مؤكدين انه إذا تأمّنت، تأمّنت ودائع زبائنهم كاملة!

وتقدم 11 مصرفاً من وزارة المالية بـ»مذكرة ربط نزاع» باعتبار هذه المصارف دائنة لمصرف لبنان ومتضرّرة من عدم مطالبته الدولة بأن تسدّد له المبالغ التي استدانتها منه، وعدم مطالبته بأن تغطي الدولة كل الخسائر التي تظهر في ميزانيته. وأكدت المصارف أنّ المذكّرة هي لإلزام الدولة بتنفيذ موجباتها القانونية والتعاقدية تجاه مصرف لبنان عن طريق التسديد الفوري للمبالغ المستحقة في ذمتها تجاهه، والتي حددتها المصارف بـ 16.6 مليار دولار.

الإستناد إلى تقارير دولية

وفيما استندت المصارف الـ11 في مذكرتها، على تقارير دولية تدين ممارسات مصرف لبنان، لا يمكن إلا التساؤل حول دورها في تمويله وفي تمويل عجز الدولة من خلال اكتتابها في سندات الخزينة. هل كانت غافلة عن وضع الدولة المالي المتعثر طوال السنوات الماضية وعن حاجتها المتواصلة للاستدانة لتمويل عجزها؟ هل كانت بحاجة للتقارير الدولية الصادرة مؤخراً لتكشف لها ان مصرف لبنان قام بممارسات مخالفة وباعداد ميزانيات مصطنعة؟ لماذا واظبت على توظيف ودائعها في مصرف لبنان وفي تمويل الدولة رغم علمها المسبق وتواطئها الباطني مع البنك المركزي، متجاهلة التقارير السابقة الدولية التي حذرت مراراً وتكراراً من مخاطر الاستمرار في تمويل الدولة والتي خفضت تصنيفها السيادي الى أدنى الحدود والتي كشفت عن ممارسات مصرف لبنان ووضعه المالي المتعثر قبل اندلاع الازمة بسنوات؟

بعض الأسئلة

بالإضافة الى الـ16,6 مليار دولار التي لم تسجل ديناً على الدولة سوى مؤخراً ولم يعترف بها بعد أيّ من وزراء المالية المتعاقبين منذ 2007، تطالب المصارف الـ11 بان تسدد الدولة حوالى 51 ملياراً و302 مليون دولار، لتغطية خسائر مصرف لبنان الظاهرة في ميزانيته لسنة 2020 تطبيقاً لقانون النقد والتسليف. ورغم ان الاطراف الثلاثة، الدولة، مصرف لبنان والمصارف تتحمّل مسؤولية هدر أموال المودعين، هل يمكن للدولة اللبنانية بأصولها وثرواتها وايراداتها ان تسدد مبلغاً تقدّر قيمته الاجمالية بحوالى 70 مليار دولار للمودعين؟

وهل في حال تم الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على برنامج إنقاذ، سيقبل الاخير ان تُستخدم أصول الدول لإطفاء الخسائر أي ردّ الودائع، وهو الذي يضع شرطاً أساسياً استدامة الدين العام؟ هل سيقبل حاملو سندات اليوروبوندز أن يتم الاقتطاع من قيمتها في حين ان الدولة أخذت على عاتقها تسديد كامل الودائع؟

سيناريو سوريالي

رغم ان الجميع يعي ان هذا السيناريو «سوريالي»، فان طرحه لا يزال متداولاً منذ اندلاع الازمة تارة لاسقاط أية مقترحات مقابلة، وطوراً لحرف النظر عن أية معالجات مطلوبة.

إلا انه سبق وذكر نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي ان بيع كافة أصول الدولة لا يدرّ ربع قيمة خسائر القطاع المصرفي او قيمة الودائع، كون معظمها بحالة مهترئة وبحاجة للاستثمار فيها بمليارات الدولارات من اجل إنعاشها من جديد في حال الاتكال على ايرادات ادارة تلك الاصول.

ان كل السيناريوات تؤكد استحالة اعادة تكوين الودائع باستخدام اصول الدولة وايرادات هذه الأصول. وتخاض تحت عنوان «منع شطب الودائع» معارك تستفيد منها المصارف لتعطيل الحلول العادلة. علماً ان رد الودائع المشروعة لأصحابها أمر مفروغ منه يبدأ بتحميل البنوك المسؤولية الأولى… ثم الدولة، مثلما انه بعد اجراء محاسبة وتحديد المسؤولين عن الازمة ومعاقبتهم… يمكن الحديث عن تحمل الدولة مسؤولياتها.

شمس الدين: أحاديث بيع موجودات الدولة لسداد الودائع لا يتعدّى التنظير

أما الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين فقد اوضح ان التعريف القانوني لموجودات الدولة هو موجوداتها العقارية، اما المؤسسات العامة مثل طيران الشرق الاوسط والكازينو وغيرها فهي مؤسسات عامة مستقلّة ولا تعتبر من ضمن موجودات الدولة. وشرح شمس الدين لـ»نداء الوطن» ان الحديث او اقتراح بيع موجودات الدولة لسداد الودائع لا يتعدّى «التنظير»، «لأننا لغاية اليوم لا نستطيع تقدير قيمة اصولها العقارية كون جزءاً كبيراً منها لا يُسمح بتخمينه، موضحاً ان الكلام عن امتلاك الدولة 30 أو 40 ألف عقار يحتاج الى تخصيص لجنة لاستكشاف تلك العقارات ثم مسحها من اجل تخمينها وبالتالي تقدير قيمتها الاجمالية، «لان مجمل الدراسات التي قدّرت قيمة اصول الدولة العقارية غير دقيقة، وهناك تفاوت كبير في قيمة التقديرات تتراوح بين 20 ملياراً وصولاً الى 40 مليار دولار!»

راشد: دعاوى في الخارج لمنع شطب الودائع

في هذا الاطار، أوضح المسؤول السابق في صندوق النقد الدولي منير راشد ان الهدف الاساس وأهمية المذكرة التي ارسلتها المصارف الى وزارة المالية هي التوصل الى تعطيل مخطط «شطب الودائع» الذي يتضمنه اقتراح قانون الانتظام المالي واقتراح قانون اصلاح المصارف. لافتاً الى ان اقتراح شطب الودائع الجديد اثار سلسلة من الدعاوى القضائية في الخارج في الاسبوع الماضي، من قبل اصحاب ودائع غير المقيمين (25 مليار دولار).

وشدد راشد لـ»نداء الوطن» على ان السعي يجب ان يكون للحفاظ على الودائع وعدم شطبها وليس استردادها كاملة، بدليل انه لا يوجد قطاع مصرفي في العالم قادر على سداد مجمل ودائعه دفعة واحدة، وبالتالي فإن الحرص على عدم شطبها يجب ان يكون اولوية.

إدراج في البورصة

وشرح ان خصخصة ادارة مؤسسات القطاع العام (طيران الشرق الاوسط، الكهرباء، الهاتف الثابت والمنقول، الكازينو، المياه، الموانئ الرئيسية من خلال عقود تأجيرية)، سيجعلها تدرّ ارباحاً خلال فترة وجيزة بعد تحسّن ادائها الاداري ( من سنة الى 3 سنوات). ومن الممكن بعدها تحويل هذه المؤسسات الى شركات مساهمة تعرض اسهمها في بورصة بيروت مع وضع سقوف للملكية الفردية والمؤسساتية كي لا تتحوّل الى شركات احتكارية. مشيراً الى ان انشاء شركات مساهمة لمؤسسات القطاع العام سيتيح الفرص لاصحاب الودائع ان يقوموا بتنويع محافظهم الاستثمارية، من خلال ولوجهم الى السوق المالي وحيازة ما يرغبون من الاسهم. مما سيكون خطوة نحو استعادة المودع للقيمة الحقيقية لودائعه، على ان يجوز اعطاء الاولوية لفترة زمنية محددة لحاملي الودائع المصرفية لشراء هذه الاسهم.

إسترداد 30 ملياراً

وأكد راشد ان خصخصة المؤسسات العامة وتحويلها الى شركات مساهمة في البورصة ممكن ان يعيد حوالى 30 مليار دولار من الودائع على شكل اسهم، ويدرّ ارباحاً بالمليارات قد تصل الى 1,5 مليار دولار من ادارة الهاتف المنقول سنوياً، 4 مليارات دولار من شركة طيران الشرق الاوسط، 10 مليارات دولار من تأجير الموانئ لمدّة زمنية محددة…

ليس شرطاً إلزامياً

ولفت الى ان الحدّ من استخدام اصول الدولة لردّ الودائع ليس شرطاً الزامياً في قانون صندوق النقد الدولي، بل ان شرطه الاساسي هو استدامة الدين العام. وبما ان الصندوق يعتبر ودائع المصارف لدى مصرف لبنان ديناً على الدولة، فان نسبة الدين العام الى الناتج المحلي تبلغ وفق حساباته 500%، ويقترح خفضها الى 110% عبر إلغاء تلك الودائع (اي اموال المودعين) من اجل الحفاظ على استدامة الدين العام. معتبراً ان الاتّكال على الاقتراض من صندوق النقد من اجل الاصلاح لن يجدي نفعاً، بل يجب السير بالاصلاح لاستعادة ثقة المجتمع الدولي واستقطاب الاستثمارات الخاصة.

خبير دولي: مطالب مصارف لبنان تخالف المعايير المحاسبية الدولية

من جهته، سأل خبير اقتصادي دولي ردّاً على اقتراح صندوق ادارة اصول الدولة من أجل ردّ الودائع، «كيف يمكن للبنوك التي لا تعرف متى يمكنها الحصول على اصولها من الحكومة او من مصرف لبنان، ان تعاود القيام بدورها الفعلي وان تقوم باقراض القطاع الخاص وتمويل الاقتصاد؟». ولفت الى ان التعويل على استرداد ودائع المصارف لدى مصرف لبنان عاجلاً أم آجلاً ومع مرور الوقت، هو امر مخالف للمعايير المحاسبية الدولية لعمل المصارف وللمعايير الاساسية الاقتصادية.

وأوضح انه حتّى لو تم انشاء صندوق لادارة اصول الدولة تعود ايراداته لاعادة تكوين الودائع، فان اقتطاع نسبة ملحوظة من ودائع الافراد الذين استفادوا من الفوائد العالية وحققوا ارباحاً خيالية منذ العام 1992 لغاية 2019، أمر لا بدّ منه ويجب تطبيقه لكي لا يتم تسخير أصول الدولة (التي هي حق لكافة الشعب اللبناني) لصالح كبار المودعين.

هناك إستحالة

لكنّه أكد في المقابل استحالة ان تؤمن اصول الدولة وايرادات ادارة اصولها، قيمة الودائع او تسدّ الفجوة المالية في القطاع المصرفي البالغة حوالى 76 مليار دولار، سائلاً: هل يمكن لاقتصاد حجمه 20 مليار دولار ان تدرّ اصوله الحكومية 70 مليار دولار؟ وأوضح ان اللجوء اليوم الى خصخصة أصول الدولة يعني بيعها بأبخس الاسعار ما يعني توريث اصول الدولة لرؤوس المافيات في لبنان وافرادها الفاسدين.

محاولة نصب على الدولة

أما الحديث عن خصخصة ادارة اصول الدولة، فرأى الخبير الدولي انه أمر ممكن لكنّه من غير المنطقي التعويل عليه لاعادة تكوين ما قيمته 70 مليار دولار من الودائع، مشدداً على ضرورة الاقتطاع (haircut ) من الودائع بعد تصنيفها حيث انه خلال مجمل الازمات المصرفية في العالم، لم تتم عميلة الاصلاح سوى عبر فرض اقتطاعات من كبار المودعين الذين حققوا أرباحاً من الممارسات المخالفة التي ارتكبت مصرفياً.

وأشار ان قيمة اصول الدولة لا يمكن ان تتحسّن بشكل ملحوظ إلا بعد تطبيق برنامج اصلاح جدّي، إن مع صندوق النقد الدولي او من دونه. مشدداً على ان اي مستثمر في العالم لن يكون مستعدّاً للاستثمار ولو بدولار واحد في لبنان إن لم يكن على يقين بان الاقتصاد قائم على أسس متينة ومستدامة. وختم الخبير الدولي مؤكداً ان ما يقترحه المعنيّون اليوم هو محاولة نصب لأصول الدولة!

رنى سعرتي

المصدر: صحيفة نداء الوطن اللبنانية