1

حركات العدالة الاجتماعية حول العالم في قلب التظاهرات من أجل فلسطين

تجوب تظاهراتٌ ضخمةٌ ضدّ الحرب على غزّة شوارع العالم. من الجنوب العالمي الذي تعرف شعوبه طعم الاستعمار والتحرر منه، حتّى شماله في دول مارست الاستعمار وانتهت منه؛ بنمطه التقليدي على الأقلّ. الخروج من أجل غزّة يحمل معاني أكبر من التظاهر للمطالبة بوقف إطلاق النار، فالقضية ليست غزّة وحدها، والأحداث لم تبدأ في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بل تعود إلى عقودٍ من النكبة المستمرّة، والتطهير العرقي، والفصل العنصري. هذا ما تعكسه أجواء وخطابات التظاهرات في الشهر والنصف الأخيرين، التي شكّلت موجةً عالميّةً غير مسبوقةٍ من التضامن مع فلسطين.

على الرغم من أنّ ما حصل في السابع من أكتوبر من أحداثٍ بحقّ مدنيين ليس محل ترحيبٍ للكثير من المتظاهرين، بل ومُدانٍ، وعلى الرغم من الدعاية الإسرائيليّة الدؤوبة لربط النضال الفلسطيني بالإرهاب، وحماس بداعش، والسابع من أكتوبر بالحادي عشر من سبتمبر والهولوكوست، والتي تبنّتها دولٌ عظمى، ووسائل إعلامٍ، إلّا أنّ بوادر هذه الموجة العالمية التاريخيّة من التضامن قد بدأت في التشكل منذ الأيّام الأولى لردة الفعل الإسرائيليّة على السابع من أكتوبر، ولم تهضم البروبوغندا الإسرائيليّة، التي أصبحت فعلًا يوميًا لتبرير هذه الحرب على المدنيين.
إذ تمعنّا في فسيفساء المشاركين في موجة التضامن والتظاهر الحالية، نجد حضور عددٍ كبيرٍ من حركات العدالة الاجتماعيّة المحليّة والعالميّة، مشاركةً وتنظيمًا، التي ترى في التحرر الفلسطيني تقاطعًا مع نضالها لتحقيق العدالة من أجل القضايا التي تنشط وتعمل لأجلها، ولتلتقي جميعها مع فلسطين على مبدأٍ واحدٍ وهو العدالة.

يُحسب لموجة التضامن هذه تأسيس وعيٍ عالميٍ جديدٍ، خصوصًا لدى الأجيال الشابة، نحو قضية فلسطين وعدالتها ومركزيتها بالنسبة لشعوب العالم

تعد حركة “حياة السود مهمّة“؛ التي انطلقت في الولايات المتّحدة قبل عشرة سنواتٍ، واحدةً من هذه الحركات المهمّة، التي ترى تقاطعًا في نضالها مع نضال الشعب الفلسطيني، وأصدرت بيانًا في العاشر من أكتوبر قالت فيه: “بينما يواصل السود النضال من أجل إنهاء النزعة العسكريّة، والسجن الجماعي في مجتمعاتنا، دعونا نفهم المقاومة في فلسطين على أنّها محاولةٌ لهدم أبواب أكبر سجن مفتوح في العالم. باعتبارنا منظّمةً سوداء راديكاليّةً، ترتكز على مُثُل إلغاء عقوبة الإعدام، فإنّنا نرى أوجه تشابهٍ واضحةً بين الشعب الأسود والشعب الفلسطيني. ومن أجل تحقيق السلام الدائم، يجب تفكيك نظام الفصل العنصري بأكمله”.

في الحراك النسوي العربي والعالمي، دعا العديد من الحراكات والمؤسسات النسويّة لوقف إطلاق النار في غزّة والمشاركة في نشاطاتٍ عدّةٍ. وأصدرت منظماتٌ نسويّةٌ عربيّةٌ عدّةٌ في أكثر من دولةٍ عربيّةٍ (تقاطعات، نحو وعي نسوي، المسيرة العالمية للنساء لبنان وامرأة) بيانًا في الرابع عشر من أكتوبر، اعتبروا فيه مناهضة الاستعمار قضيّةً نسويةً مؤكّدة على مساندتها المقاومة الفلسطينيّة في أشكالها كافّةً، قائلين “نرفض كنسويات كما غيرنا من ملايين النساء حول المنطقة، أيّ شيطنةٍ أو تشكيكٍ في فعل هذه المقاومة كفعلٍ تحرريٍ خالص، لن ينتهي إلّا بتحرير، واستعادة ملكية جميع الأراضي، والأجساد الفلسطينيّة الواقعة تحت الاستبداد العسكري، والأيديولوجي للاستعمار الاستيطاني الغربي في فلسطين”. ودعا البيان إلى عدم الانجرار وراء سرديّات النسويّات الليبراليّة البيضاء، التي انحازت بعض أصواتها لإسرائيل ودعت لإدانة حماس و”قمعها للمرأة الفلسطينيّة في غزّة، وقتلها واغتصابها للنساء الإسرائيليات” على حدّ تعبيرهن.

وفي بيان آخرٍ صادرٍ عن حراكاتٍ نسويةٍ من “الجنوب العالمي”، صدر خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني، أكدت فيه أنّ “إسرائيل لا ترتكب تهديداتٍ ضدّ الشعب الفلسطيني فقط، بل إنّها حربٌ ضدّ الإنسانيّة، وممارساتها تهدد تحوّل المجتمعات نحو مجتمعاتٍ خاليةٍ من العنف. لن نسمح أن تكون غزّة صورةً للعالم الفقير المُستعمر والمضطهد. نحن نؤكد أنّ نساء وأطفال فلسطين ليسوا وحدهم، وأنّ النساء في الجنوب العالمي يقفن خلفهن، وسنستمر في الدفاع عنهم في وجه هذه المجزرة. فلسطين قضيةٌ نسويّةٌ”.

أمّا على صعيد الحراكات الناشطة من أجل البيئة والمناخ، فأعلن عدد منها عن وقوفها مع الشعب الفلسطيني، معتبرًا أنّ الاستعمار قضيّةٌ تهدد البيئة والمناخ، وأن لا عدالةَ بيئيّةً دون العدالة للفلسطينيين. في بريطانيا، أصدرت حركة “تمرد الانقراض” (Extinction Rebellion)؛ من أكبر الحركات الشعبيّة الناشطة والبارزة، ولها امتداداتٌ في دولٍ أخرى، بيانًا في الثالث من نوفمبر قالت فيه “إذ كنا نؤمن بالعدالة المناخيّة والبيئيّة، فيتعين علينا أن نسعى إلى تحقيق العدالة بجميع أشكالها. تعود جذور حالة الطوارئ المناخيّة والبيئيّة إلى قرونٍ من العنف الاستعماري، والاستغلال والقمع، الذي تتحمّل المملكة المتّحدة نصيبًا غير متناسبٍ من المسؤولية عنه. لقد لعبت بريطانيا تاريخيًا دورًا فعالًا في القمع الوحشي لحقوق الإنسان الفلسطيني، وتواصل تقديم دعمٍ لا يتزعزع للهجوم العسكري الذي نشهده الآن”.

وللحراكات الكويريّة مساهمةٌ ملموسةٌ في التنظيم والتحشيد للأنشطة التضامنيّة عربيًا وعالميًا، وأصدرت في هذا السياق مجموعةٌ كبيرةٌ من منظماتٍ ونشطاء/ناشطات كويريين من منطقة غرب آسيا، وشمال أفريقيا بيانًا في أواخر أكتوبر أكّدوا فيه “الدعم اللا مشروط للفلسطينيين/ات بتحرير أراضيهم/ن من النهر إلى البحر. لا يمكن لأيّ شخصٍ حرٍ/ة أن يتبنّى منهجيات أو نظريّات الحريّات الفرديّة والجندريّة، أن يتغافل عن حقّ الشعوب بالتخلص من الاحتلال كاملًا”. وتتصدى هذه البيانات، والتضامن لمحاولات الاحتلال في الترويج للغسيل الوردي الإسرائيلي، القائم على فكرة أنّ إسرائيل هي الجنة والملاذ الآمن الوحيد للمثليين في الشرق الأوسط.

أمّا الحركات اليهوديّة المناهضة للعنصريّة، فبرز دورها بروزًا كبيرًا في عددٍ من الدول الغربيّة، حيث يعيش ملايين اليهود خارج إسرائيل، الذين لا يعتبرون أنفسهم منتمين للمشروع الصهيوني وإسرائيل، ومنهم ناجون من المحرقة، ومنهم من يحارب فكرة تمثيل إسرائيل ليهود العالم. من أبرز هذه الحركات “الصوت اليهودي من أجل السلام” في الولايات المتّحدة، التي نظّمت احتجاجاتٍ بارزةٍ خلال الشهر والنصف الأخيرين، مثل احتلال محطّات القطارات، والاعتصام أمام البيت الأبيض، والدخول إلى الكونغرس، والاعتصام أمام مكاتب نوابٍ في مجلس الشيوخ، ومجلس النواب.

فالقضية ليست غزّة وحدها، والأحداث لم تبدأ في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بل تعود إلى عقودٍ من النكبة المستمرّة، والتطهير العرقي، والفصل العنصري

إلى جانب الأمثلة السابقة، وقفت نقاباتٌ عمّاليةٌ عدّةٌ حول العالم إلى جانب الفلسطينيين، وضدّ الإبادة الجماعية، منها الذي رفض تحميل الأسلحة وشحنها من دولهم إلى إسرائيل، مثلما حصل في بلجيكا وإسبانيا. كذلك تستمر الحراكات الطلابية داخل الجامعات حول العالم في مناصرة الحقوق الفلسطينيّة، رغم كلّ التهديدات التي يتعرّضون لها في بعض الجامعات الغربيّة، من قبل الإدارة، أو كبار رجال الأعمال، مهددين بعدم توظيف من يتضامن مع فلسطين. وخرجت أيضًا بياناتٌ عديدةٌ من كتّابَ وصحافيين وفنانين تدين عدوان إسرائيل على غزّة، وتنتصر للفلسطينيين.

يبدو أنّ هذه الموجة العالميّة، التي ذكرنا عددًا ضئيلًا من أمثلتها، سوف تستمر في الاحتجاج، والتظاهر الأسابيع القادمة، مع استمرار العدوان، الذي لا يُعرف كيف سينتهي ومتى، ويُحسب لموجة التضامن هذه تأسيس وعيٍ عالميٍ جديدٍ، خصوصًا لدى الأجيال الشابة، نحو قضية فلسطين وعدالتها ومركزيتها بالنسبة لشعوب العالم، وحركاته الاجتماعيّة.

ربيع عيد

المصدر: صحيفة العربي الجديد




من قطع الرؤوس إلى الجرائم الجنسية… شيء من مسلسل الكذب الإسرائيلي

تحاول دولة الاحتلال الإسرائيلي التركيز في خطابها خلال الفترة الحالية على الجرائم الجنسية وعمليات الاغتصاب التي تزعم فيها أن عناصر من المقاومة الفلسطينية نفّذتها في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي خلال عملية “طوفان الأقصى”، لكنها لم تعرض حتى اليوم أي دليل فعلي على حدوثها.

وتبيّن بعد فحص أجرته “العربي الجديد”، أن الفيلم الذي أنتجته إسرائيل لترويج لروايتها والتأثير على صنّاع القرار والصحافيين والمؤثرين، وبالتالي على الرأي العام العالمي من خلالهم، والذي يرصد العديد من مشاهد القتل في مناطق “غلاف غزة”، لا يحتوي على أي مشهد يوثق ولو حالة اعتداء جنسي واحدة، أو حتى أي مشهد يقترب من ذلك، على الرغم من أن الفيلم بات واحداً من أهم الأدوات للترويج للرواية الإسرائيلية.

كجزء من الدعاية الإسرائيلية، أنتج جيش الاحتلال فيلماً لهجمات السابع من أكتوبر، يعرضه في إسرائيل والعالم بشكل محدود، في إطار إجراءات خاصة. يصل طول النسخة الـ17 من الفيلم إلى نحو 45 دقيقة، ويحتوي على مشاهد حقيقية مما حدث في ذلك اليوم. وخضع الفيلم لعدة تعديلات منذ نسخته الأولى، إذ أضيفت مشاهد وحُذفت أخرى.

تتطلب مشاهدة العرض إجراءات خاصة، منها التسجيل المسبق وعدم إدخال الهواتف أو الساعات الذكية أو أدوات التسجيل، وكل ما يمكنه توثيق شيء من الفيلم. وتشدد استمارة العرض التي يتم ملؤها من قبل المشاركين على الالتزام بعدم تداول محتوى الفيلم، علماً أن بعض مقاطعه تم تداولها من قبل على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وإذا كانت إسرائيل تحاول الإيحاء بأن عدم السماح بعرض الفيلم على نطاق واسع مفتوح يعود إلى بعض مشاهده الصعبة، فإنها على الأرجح لا تريد منح المقاومة الفلسطينية مساحة للرد وتفنيد الادعاءات الزائفة.

فعلى الرغم من ظهور عناصر بزي “كتائب القسام”، الجناح العسكري لحركة “حماس”، خلال عمليات إطلاق نار واقتحامات مختلفة، إلا أن الكثير من مشاهد القتل والجثث، ظهرت أيضاً من دون توثيق هوية مرتكبيها.

وقد يدخل في الحسابات الإسرائيلية في إطار الإجراءات الخاصة، لا سيما منع إدخال الأجهزة التكنولوجية، عزل المشاهدين عن العالم الخارجي طيلة فترة العرض، ما يجعل تركيزهم أكبر على المشاهد ورسائلها.

ومن شأن كل ذلك التمهيد للتأثير على الحضور حتى قبل أن يبدأ العرض، يضاف إلى ذلك حديث المسؤولين عن أن الفيلم يحتوي على مشاهد قاسية وبإمكان أي شخص لا يحتملها مغادرة القاعة من دون الشعور بالحرج.

المشاهد من ساحة المعركة التقطتها كاميرات المراقبة في المكان أو في البيوت ومحيطها، وأخرى كانت حصيلة ما رصدته الكاميرات على أجساد المقاومة أو عناصر أمن الاحتلال، أو ما وثقه السكان الإسرائيليون، وغيرها من المصادر.

ينسب الفيلم كل ما يظهر فيه من مشاهد إلى “حماس”، حتى لو لم تُظهر بعض المقاطع من ارتكب القتل. وفي مشاهد أخرى ظهر مدنيون فلسطينيون وجهات مسلحة أخرى، ومع هذا نُسبوا أيضاً لـ”حماس”، تحت توصيف “إرهابيو حماس” باللغة الإنكليزية، وهي الجملة التي رافقت مختلف المقاطع في مسعى واضح لدمغ الحركة ومواصلة الجهود الإسرائيلية لشيطنتها ونزع أي صفة إنسانية عن عناصرها.

في الفحوصات التي أجراها الأطباء الشرعيون لم يتم العثور على أي نتائج تشير إلى إقامة علاقات جنسية

تم اختيار المقاطع التي تُعرض بعناية، لكن كان لافتاً أنها لم توثق لحظات إطلاق نار من قبل الإسرائيليين باتجاه عناصر المقاومة، ولا الغزيين المدنيين الذين أقحموا أنفسهم في العملية.

ولم توثق أيضاً أي مشاهد لمقتل إسرائيليين بنيران صديقة، على الرغم من أن بعض التقارير الإسرائيلية سبق أن تحدثت عن وقوع حالات كهذه. وتناولت تقارير إسرائيلية سابقة أيضاً احتمال مقتل عدد من الإسرائيليين بنيران طائرة حربية إسرائيلية كانت قد وصلت إلى المنطقة وأطلقت النار بشكل عشوائي.

يعرض الفيلم مشاهد إطلاق نار وجثث ودماء وصراخ وغيرها. لكن غابت مشاهد قطع رؤوس أطفال في الفيلم أو استهدافهم بشكل مقصود أو مباشر، وكذلك مشاهد حالات اغتصاب لنساء وفتيات أو غيرهن، على الرغم من جهود إسرائيل أخيراً، للدفع بهذه القضية إلى الواجهة ولوم العالم على عدم استنكارها.

روايات عن الجرائم الجنسية بلا أدلة

عدم وجود أدلة على حصول اعتداءات جنسية، لا ينعكس فقط في عدم احتواء الفيلم على أي مشاهد منها، فبالعودة إلى 19 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أفردت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية تقريراً مطولاً تحت عنوان “الأدلة على الجرائم الجنسية خلال المذبحة تتراكم، لكن الطريق إلى المحكمة لا يزال طويلاً”.

وزعمت أن “العديد من الشهادات أشارت إلى أنواع مختلفة من العنف الجنسي والجندري التي ارتكبها عناصر حماس ضد النساء في 7 أكتوبر، إلى جانب أنواع أخرى من الجرائم التي ارتُكبت ضد سكان غلاف غزة. وكلما استمرت جهود التحقيقات، كلما تتزايد الأدلة”.

لكن التناقض الواضح في التقرير حينها أنه تحدث عن وجود أدلة على مختلف ما زُعم ارتكابه من قبل المقاومة، إلا الجزئية المتعلقة بالاغتصاب، ومع هذا تعامل معها على أنها حقيقة. وذكر التقرير أنه “في حين تم توثيق العديد من جوانب الهجوم على البلدات والقواعد في الجنوب بشكل واضح – على سبيل المثال، حرق المنازل على ساكنيها، وأعمال القتل – إلا أن الحجم الهائل للمذبحة ووحشيتها يجعل من الصعب بشكل خاص التحقيق في الجرائم الجنسية وتشخيصها وتحديد المتورطين فيها”.

وأشارت “هآرتس” نقلاً عن مصادرها إلى أن الظروف التي سادت منطقة القتال وطريقة نقل الجثث وغيرها، صعّبت عملية التحقيق بقضايا الاعتداءات الجنسية. وتابعت: “بالإضافة إلى الوضع الصعب للجثث، ما أدى إلى تركيز الجهد الأساسي على عمليات التشخيص، فإن سبباً إضافياً لعدم وجود توثيق منهجي للنتائج… يعود إلى النقص في الموظفين المناسبين”.

ونقلت عن مصدر كبير مطّلع على التحقيقات، لم تسمّه، قوله إنه “في الفحوصات التي أجراها الأطباء الشرعيون لم يتم العثور على أي نتائج تشير إلى إقامة علاقات جنسية”. “وإلى جانب هذه التعقيدات”، أضافت الصحيفة، فإن “جزءاً من الجثث كانت في وضع صعب جداً، عندما وصلت للتشخيص… ما لم يترك مجالاً لأي فحص، لتحديد ما إذا كانت قد ارتُكبت بالضحايا جرائم جنسية”.

كما نقلت عن مصادر في الشرطة الإسرائيلية أن الأخيرة جمعت وقتئذٍ أكثر من ألف شهادة بشأن الهجوم، “لكن بحوزتها شهادة واحدة حول عملية اغتصاب، نُشرت في الإعلام وتتضمن وصفاً لاغتصاب جماعي، وتشويه وقتل خلال الفعل”، وبالتالي “في هذه المرحلة، ليس لدى الشرطة أي دليل جنائي على حدوث جريمة جنسية”.

في غضون ذلك، زعمت نساء إسرائيليات في أحاديث إعلامية، في الأيام الأخيرة، أن 7 أكتوبر شهد اعتداءات جنسية. وفي وقت تتواصل فيه التحقيقات الإسرائيلية، انتقد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الثلاثاء الماضي، المنظمات الحقوقية والنسائية في العالم، وقال إنه يتوقع من جميع المنظمات استنكار ما وصفه بالعنف الجنسي وعمليات الاغتصاب، وتساءل عما إذا كان صمتها يعود إلى كون النساء يهوديات.

وقد يندرج هذا التساؤل في إطار اتهام حكومته رافضي العدوان والمتضامنين مع الفلسطينيين حول العالم باللاسامية، ومحاولة استغلال “عقدة الذنب”، خصوصاً في أوروبا.

من جانبها، رفضت حركة “حماس” في بيان، الاثنين الماضي، مزاعم إسرائيل بارتكاب مقاتليها جريمة “الاغتصاب” في 7 أكتوبر الماضي، وقالت: “نرفض أكاذيب الاحتلال عن حالات اغتصاب تهدف لتشويه المقاومة، وللتغطية على صورة تعاملها الإنساني والأخلاقي مع المحتجزين”.

وفي السياق، تحدث موقع “مسبار” المعني بمكافحة الأخبار الكاذبة، أمس الأول الخميس، عن نشر حسابات وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي خبراً مفاده أن رئيسة لجنة التحقيق الإسرائيلية في قضايا الاغتصاب المزعومة كوخاف الكيام ليفي قدّمت صورة قديمة لمجندات كرديات على أنهن فتيات إسرائيليات تعرضن لاعتداء جنسي من قبل مقاتلي “حماس” خلال المهرجان الموسيقي يوم عملية “طوفان الأقصى”.

وكشف “مسبار” أن الصحافي الاستقصائي الأميركي ماكس بلومنثال توصل إلى أن الصورة قديمة ومنشورة منذ مايو/ أيار 2022 على أنها لجثث مقاتلات كرديات، ولا علاقة لها بـ”طوفان الأقصى”.

شائعة قطع رؤوس أطفال

يخلو الفيلم الذي يعرضه الاحتلال من أي مشهد يثبت مزاعم قطع رؤوس أطفال خلال الهجوم أو عمليات قتل جماعي لأطفال، مثلما يخلو من مشاهد اغتصاب.

وعلى الرغم من أن إسرائيل لم تعرض أدلة ملموسة، فقد تبنّت الإدارة الأميركية وعلى رأسها الرئيس جو بايدن الرواية الإسرائيلية بشأن الاعتداءات الجنسية، ليساهم الأخير في الترويج لها على الملأ.

وسبق أن تبنى بايدن التضليل الإسرائيلي، مثلما فعل عندما زعم في أكتوبر الماضي أنه شاهد صوراً مؤكدة لمن وصفهم بـ”إرهابيين” يقطعون رؤوس الأطفال في إسرائيل، قبل أن يتراجع عن ذلك لاحقاً.

“هآرتس”: سياسيون ومتطوعون وناشطون نشروا معلومات كاذبة حول 7 أكتوبر

وفي سياق متصل، أفادت “هآرتس”، في عددها الأحد الماضي، بأن عدداً من السياسيين والضباط في الجيش الإسرائيلي، وكذلك المتطوعين في منظمة “زاكا” (تحديد ضحايا الكوارث)، والعديد من الناشطين عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ساهموا في انتشار قصص غير صحيحة حول أحداث السابع من أكتوبر، ومنها قضية قطع رؤوس الأطفال.

وأضافت “هآرتس” أنه إلى جانب الأوصاف الصحيحة حول الجرائم التي حدثت، فإن بعض الجهات الإسرائيلية روّجت لسيناريوهات لم تحدث في ذلك اليوم.

ومن بين الشهادات الشنيعة التي تم التداول بها بعد الأحداث، وصف وجود العشرات من جثث الأطفال مقطوعة الرأس. وذكرت الصحيفة أن شبكة “آي 24 نيوز” تداولت تقارير من هذا النوع على سبيل المثال، حيث تحدثت مراسلتها نيكول زيديك عن أن أحد الضباط في الميدان أخبرها بأن 40 رضيعاً على الأقل قُتلوا، وأن المسلحين قاموا بقطع رؤوس عدد منهم.

وردت الشبكة على توجه الصحيفة بأن التقارير استندت إلى شهادات ضباط قاموا بإخلاء جثث من بلدات “غلاف غزة”، وكذلك استندت إلى جولات للصحافيين الأجانب نظمها متحدث باسم الجيش الإسرائيلي بعد نحو أربعة أيام من اندلاع الحرب.

ولفتت “هآرتس” إلى أن بعض الروايات غير الصحيحة، والتي وصفت ما حدث، نشرها أعضاء منظمة “زاكا” أنفسهم، فقد روى أحدهم في شهادات مصوّرة ومسجّلة ومكتوبة سلسلة من الفظائع التي شاهدها في مستوطنات “غلاف غزة”. وذكر من بينها في مناسبات عدة أنه رأى حوالي 20 جثة مشوّهة، وجثث أطفال محترقة وجدها في أحد الكيبوتسات (المستوطنات الصغيرة)، من دون تقديم أي دليل.

كما أشارت إلى أنه من بين القصص التي لا دليل عليها، ما نشرته القناة الرسمية لوزارة الخارجية الإسرائيلية من شهادة ضابط، قال فيها إنه وجد في أحد البيوت جثث 8 رضّع محترقة. كما تطرّق حساب مكتب نتنياهو عبر منصة “إكس” (تويتر سابقاً) إلى قتل أطفال رضّع، قال إنهم قُتلوا وأُحرقوا من قبل “حماس”.

وذكرت الصحيفة أن روايات وأوصاف مشابهة رُوّج لها أيضاً من قبل ضابط في جيش الاحتلال، الذي تحدّث لأحد المواقع الإسرائيلية حول أطفال رضّع عُلّقوا على حبل غسيل.

أسلحة مزعومة في المستشفيات

عملت دولة الاحتلال منذ اليوم الأول للحرب على الترويج لمزاعم وجود مقرات عسكرية لحركة “حماس” تحت مستشفيات غزة تمهيداً لاستهدافها، وهو ما فعلته لاحقاً. وكان الاقتحام الأبرز لمستشفى الشفاء في منتصف نوفمبر الماضي، عقب محاصرته، والذي انسحب منه بعد نحو 10 أيام بعد تدمير أجزاء فيه.

وعرض الجيش حينها بعض الأسلحة داخل المستشفى، زاعماً العثور عليها هناك. واستخف حتى جزء من المحللين الإسرائيليين بما قدمه الجيش، وقالوا حينها إن عليه العثور على شيء يُثبت الادعاءات الإسرائيلية ليقدمه للعالم.

وعرض الجيش بعد عدة أيام صوراً زعم أنها لأنفاق تحت المستشفى، في محاولة لتبرير الهجوم عليه. في المقابل فنّد المستشفى نفسه، والمقاومة، تلك المزاعم. مع العلم أن جيش الاحتلال تسبب خلال الحرب بإخراج العديد من مستشفيات قطاع غزة عن الخدمة كما قصف محيط عدد منها. وكان كل ذلك في إطار تبرير عدوانه.

محتجزات سابقات نسفن روايات الاحتلال

في 9 أكتوبر الماضي، أي بعد يومين من عملية “طوفان الأقصى”، روّج المسؤولون الإسرائيليون، وتحديداً وزير الأمن يوآف غالانت، لمصطلح “الحيوانات البشرية” في وصفه عناصر المقاومة، وذلك إلى جانب تشبيه الاحتلال “حماس” بتنظيم “داعش” منذ الأيام الأولى للحرب.

لكن البروباغندا الإسرائيلية تلقت ضربة قوية، بداية بعد تصريحات المحتجزة السابقة لدى “حماس” يوخبيد ليفشيتس في أكتوبر الماضي، والتي خرجت إلى الإعلام وتحدثت عن المعاملة الطيبة خلال احتجازها، ما اعتبرته إسرائيل ضربة لمساعيها الحثيثة في شيطنة المقاومة خصوصاً الحركة، ووصف كل من ينتمي إليها بالحيوانات البشرية.

وقد نسفت يوخبيد ذلك، ليس فقط في ما قالته، ولكن قبل ذلك في الفيديو الذي ظهرت فيه وهي تودّع عناصر “القسام” لدى تسليمها في حينه للصليب الأحمر، عائدة إلى إسرائيل في إطار الهدنة المؤقتة وصفقة تبادل الأسرى، الشهر الماضي.

وتوالت الشهادات حول المعاملة الحسنة من عائلات محتجزين أفرجت عنهم المقاومة لاحقاً، ما اضطر الإعلام الإسرائيلي أيضاً في مرحلة لاحقة للاعتراف بذلك. وفي لقاء جمع محتجزات سابقات وعائلات المحتجزين مع نتنياهو وأعضاء مجلس الحرب الإسرائيلي، قبل بضعة أيام، قالت المحتجزات “خشينا أن يقتلنا القصف الإسرائيلي وليس حماس”.

يُذكر أن فصائل المقاومة سبق أن أعلنت مقتل محتجزين إسرائيليين بسبب القصف الإسرائيلي.

نايف زيداني

المصدر: صحيفة العربي الجديد




“عيون في غزة”.. جرائم عدوان 2008 بشهادة طبيبين نرويجيين

يجسد الطبيبان النرويجيان مادس جيلبرت (مواليد 1947)، وإيريك فوسا (مواليد 1950)، وأمثالهما الضمير الإنساني بنقائه المطلق. فهما لا يقبلان الظلم، ويشاركان برفع المعاناة عن المظلومين، حيث يتركان عملهما وأسرتيهما والحياة المريحة في النرويج لمشاركة المضطهدين حياتهم القاسية والدفاع عنهم. تلك قصة بطلين من هذا الزمان، وإشارة مؤكدة أن الضمير الإنساني حيّ وباقٍ.

وكتب الطبيبان تجربتيهما كمتطوعين في مستشفى الشفاء خلال عدوان إسرائيل على غزة 2008-2009 بمؤلف مشترك (عيون في غزة)، صدرت طبعته العربية عام 2011 بترجمة زكية خيرهم وبإهداء من الطبيبين لأطفال غزة.

غلاف كتاب (عيون في غزة) للطبيبين مادس جيلبرت وايريك فوسا.
غلاف كتاب (عيون في غزة) للطبيبين مادس جيلبرت وإيريك فوسا

لاحقاً، كتب جيلبرت كتاباً آخر، للأسف لم يترجم، بعنوان “ليل غزة” سجل فيه الفترة التي قضاها في مستشفى الشفاء خلال عدوان 2014.

يروي الكتاب الهجوم الإسرائيلي العنيف على قطاع غزة، كما عاشه الطبيبان جيلبرت وفوسا، ويعتمد على اليوميات والملاحظات التي سجلاها، وعلى الصور وتسجيلات الفيديو والمحادثات الهاتفية خلال عملهما في مشفى الشفاء في أثناء العدوان.

وصل المتطوعان إلى غزة ليلة رأس السنة 2009 بعد انتظار في مصر، حيث “منعت إسرائيل بطريقة منهجية العاملين في المجال الطبي أو الصحافيين من الدخول إلى غزة، لذا لم يكن هناك إلا القليل من الأوروبيين، ولم يكن هناك صحافيون غربيون”، ولاحقاً سيرسل الطبيبان تقارير يومية بعدد الشهداء والجرحى والعمليات الجراحية في مستشفى الشفاء، بالإضافة إلى صور ومقاطع فيديو لبعض الصحافيين.

تجاوز دور الطبيبين المساعدة الطبية للجرحى بحكم مهنتهما، لفضح الجرائم الإسرائيلية وإيصالها للصحافة الغربية، وأيضاً كتابة التقارير عن إصابات الحرب وجرائم القصف الإسرائيلي للمجلات الطبية الرصينة، فضلاً عن مناشدة العالم وقف المجازر الإسرائيلية عبر وسائل الإعلام، وبذلك أصبحت تقاريرهما ورسائلهما شواهد يستعان بها للمطالبة بوقف إسرائيل مجازرها، كما حصل في نقاش مجلس الامن لوقف إطلاق النار في 2009. 

أثرت الرسالة التي أرسلها آنذاك جيلبرت في الرأي العام العالمي كثيراً. يقول: “قصفوا سوق الخضار المركزي في غزة قبل ساعتين. قُتل عشرون، وجُرح ثمانون، أُحضروا كلهم إلى مشفى الشفاء، يا للهول! نحن نغرق في الموت والدم والأشلاء. أطفال كثيرون، نساء حوامل، لم أرَ شيئاً في حياتي بهذه البشاعة، نسمع أصوات الدبابات الآن، أعلنوا هذا، أرسلوا هذا، اصرخوا، افعلوا شيئاً، افعلوا المزيد، نحن نعيش في كتب التاريخ الآن”. أزعجت الرسالة مؤيدي إسرائيل، فوضعت محطة فوكس نيوز صورة كبيرة لجيلبرت في موقعها الإلكتروني كُتب تحتها “طبيب الدعاية لحماس”.

إيريك فوسا

تطوع الطبيب الجراح إيريك فوسا في فريق الطوارئ النرويجي إلى جانب الفلسطينيين في عدوان لبنان 1982 كما رافق الرئيس ياسر عرفات في سيارة إسعاف خلال دخوله أريحا للمرة الأولى بعد اتفاق أوسلو، حيث كان الفلسطينيون يخشون من محاولة اغتيال لعرفات أو تفجير لمستقبليه. يختار فوسا، وهو طبيب مختص في جراحة القلب والرئة، وعمل في القوات المسلحة في بلاده، أن يقصّ علينا معاناة، قائلاً: “أحمد، عمره ١٢ سنة، ساقاه كانتا مبتورتين، نظرت إلى جيب خصيتيه، كان ممزقاً، وإحدى الخصيتين كانت مكشوفة. أدرناه على جنبه لنقيّم الإصابة في ظهره. رأيت كل فتحة الشرج اختفت ومعظم العضلات على النصف الأيسر من المؤخرة أيضاً اختفت، كان الجلد متشققاً، وبدا الأمر وكأن العضلات قطعت بسكين. في الجزء الأسفل كانت مئات من الجروح الصغيرة على شكل نقط. لم أرَ في حياتي ذلك النوع من الإصابة. من المؤكد أن هذا سلاح جديد. إنها قنابل الدايم، وهي مواد متفجرة تستعمل ما يُسمى القنابل الماسية الصغيرة، مصنوعة من الألياف الزجاجية، ولها نظام ملاحي متطور، وفيها مادة التتغستين التي تمزق الأنسجة إلى قطع وتحرق الجسد وتسبب سرطان العضلات”. سمحت الولايات المتحدة باستخدام هذا السلاح لإسرائيل للمرة الأولى في لبنان خلال حرب 2006.

مات أحمد وكان ابن أخ لطبيب يعمل في المشفى، وهذا الأمر كان يزيد من معاناة الأطباء والعاملين الفلسطينيين في المستشفى، حيث القلق الدائم من أن تفجر منازلهم وتصاب أسرهم، أو يجدوا فجأة أحد أقربائهم جريحاً في المستشفى. “أحد الأطباء قصف منزله فقتلت زوجته الحامل وابنته وجرحت ابنته الثانية. أحد الجراحين، الدكتور رائد العريني، نُقل طفلاه إلى المستشفى حيث يعمل وإصابتاهما خطرة”.

يصف اليوم الذي قصفت فيه الدبابات الإسرائيلية مدرسة الأمم المتحدة في مخيم جباليا ويكتب: “غرفة الاستقبال كانت مليئة بالأطفال على الحمالات، طفل عمره ست سنوات ملقى على الأرض بجرح خلف أذنه وشظية معدنية داخل دماغه، طفلة في الثامنة عولجت من جرح في الرأس كانت تحدق بعينيها الكبيرتين. ترى بماذا كانت تفكر؟ من المحتمل أنها كانت مذعورة، كانت تعرف أنها نجت من ذلك الهجوم، ولكنها ستصاب مرة أخرى، لا يوجد مكان آمن في قطاع غزة”.

طفلة فلسطينية مصابة خلال عدوان 2008-2009 ويظهر عليها نظرات القلق(Getty)
طفلة فلسطينية مصابة خلال عدوان 2009 وتظهر عليها نظرات القلق(Getty)
​​​​

يعلّق على تبرير الناطق باسم الدفاع الإسرائيلي أن هؤلاء الأطفال معظمهم أطفال حماس: “نزع الصفة الإنسانية شرط مسبق لمهاجمة الأهداف المدنية. عندما استعمر الأوروبيون أميركا ادّعوا أن الهنود الحمر حيوانات بدائية تقف في وجه الحضارة. في الدعاية النازية عرف اليهود كحيوانات مؤذية يجب التخلص منها، في رواندا كان الهوتو يصفون التوتسي بالصراصير، في غزة كان العنوان: إرهابي أو أطفال حماس”. 

الملاك مادس جيلبرت

تطوع جيلبرت كطبيب تخدير للعمل في قطاع غزة، وتحديداً في مستشفى الشفاء خلال عدوان 2008-2009 وعدوان 2012 وعدوان 2014، وأجرى آلاف العمليات الجراحية، منقذاً حياة الكثير من الجرحى الفلسطينيين، وكان يزور القطاع في فترات الهدوء لتفقد الوضع الطبي، فلُقِّب بـ”الملاك”، وكتب اسمه على إحدى غرف المستشفى. 

يبدأ جيلبرت بقصّ حكاية الطفلة جمانة السموني، 9 أشهر، بُترت يدها اليسرى بعد أن أصيبت بقصف إسرائيلي على منزل أمرتهم القوات الإسرائيلية بالتجمع فيه ثم قصفت المنزل فقتل فيه 32 فرداً من عائلتها، بمن فيهم والدها وجدها. أيضاً نجت الطفلة أمل التي بقيت أربعة أيام تحت الركام. 

الطفلة الناجية جمانة السموني من مجزرة قضت على عائلتها وقد روى جيلبرت قصتها(Getty).
الطفلة الناجية جمانة السموني من مجزرة قضت على عائلتها وقد روى جيلبرت قصتها (Getty)

يتذكر سمر (4 سنوات) وطفلين معها أصيبا في رأسيهما، وكانا تحت التنفس الاصطناعي: “الأول مصاب بشظية أو رصاصة اخترقت رأسه، وقد أتلفت الدماغ، لن يعيش. الآخر يعاني من إصابة بالغة في الوجه، تحطم وجهه، ولكن إصابة الدماغ ليست خطيرة، سُحقت عيناه الاثنتان، ويجب أن تقتلعا تحت العملية”.

يشكل الأطفال، حسب ملاحظة جيلبرت، أكثرية الضحايا مع أضرار أخرى: “تسعة من كل عشرة أطفال في قطاع غزة شهدوا أو سمعوا أو كانوا قريبين من هجوم أو موت أو تشويه، ثلاثة من كل أربعة أطفال يعانون من الإجهاد المزمن، أربعة من عشرة يعانون من أعراض خطِرة”.

يعقد مقارنة بين ما يراه خلال هذا العدوان وتجربته في بيروت عام 1982: “كنت أعتقد أن تجربة بيروت الغربية في صيف 1982 كانت أسوأ تجربة عشتها، الآن في غزة وكأنني أعيش ذلك الكابوس المرعب مرة أخرى وأسوأ من ذلك”.  

الطبيب مادس جليبرت متطوعا في مستشفى الشفاء 2009 (Getty).
الطبيب مادس جليبرت متطوعاً في مستشفى الشفاء 2009 (Getty)

مستشفى الشفاء في غزة

وصل الطبيبان إلى مشفى الشفاء و”كان هناك الكثير من النوافذ المحطمة في المشفى وإمدادات الطاقة ضئيلة والأولوية لغرف العمليات الجراحية ووحدات العناية المركزة، أما باقي الأماكن في المستشفى، فكانت باردة جداً”. يضيف جيلبرت أن “الكثير من المعدات التقنية الطبية فيها عيب أو نقص، كان من المستحيل الحصول على الأشياء البسيطة جداً في المستشفى، كنا نفتقر إلى الكواشف الكيميائية لمعايرة أجهزة فحص الدم. كان المهندسون الصحّيون يضطرون إلى استخدام الطرق اليدوية وارتجال الحلول، الانضباط وأخلاقيات العمل كانت مرتفعة جداً، التزاماً وإصراراً”.

كتب الدكتور مادس مقالاً للمجلة الطبية البريطانية ذا لانست بعنوان (داخل مستشفى الشفاء) لخّص فيه حال المشفى والعاملين فيه: “موظفو الصحة بمستشفى الشفاء استنفدوا تماماً حيث ينامون من ساعة إلى ثلاث ساعات كحد أقصى يومياً، شحوب رمادي في وجوهنا، جياع”. يضيف أن “مهاجمة المستشفى بحجة أن قادة حماس يختبئون في ملجأ تحته ليست حقيقية، وهي ذريعة لقصف المستشفى، لا أحد في المستشفى يصدق هذا الادعاء”.

رسائل لمن له قلب

لم يكفّ الطبيب مادس جيلبرت عن إرسال الرسائل للداعمين الأميركيين وللعالم الصامت عن جرائم إسرائيل، ظهر كثيراً في  العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة عبر وسائل الإعلام، وقدم أفلام فيديو عن جرائم القصف الإسرائيلي على غزة، وعلى مستشفى الشفاء تحديداً، ومنها رسالة وجهها إلى الرئيس الأميركي جو بايدن ووزير خارجيته أنتوني بلينكن ورؤساء الحكومات في دول الاتحاد الأوروبي، مترافقة مع صرخات الجرحى من المستشفى: “هل يمكنكم سماعي؟ هل يمكنكم سماع الصراخ من مستشفى الشفاء؟ من مستشفى العودة؟ هل يمكنكم سماع صرخات الناس الأبرياء؟ لاجئون احتموا هنا يحاولون العثور على مكان آمن يتعرضون للقصف الإسرائيلي هذا الصباح داخل المستشفى. المستشفيات التي هي معابد الإنسانية والحماية! متى توقفون هذا؟ أنتم متورطون جميعاً”.

وكان جيلبرت قد وجه رسالة للرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما خلال عدوان 2008 دعاه فيها  للمبيت ليلة في مستشفى الشفاء، قائلاً: “يمكن أن نخفيك كعامل تنظيفات، وأنا متأكد أن ما ستراه سيجعلك تغير التاريخ إذا ما كان عندك قلب”. 

أنس أزرق

المصدر: صحيفة العربي الجديد




منظمات تحذر: الأوضاع في غزة ليست مجرّد كارثة

دقّت جمعيات الإغاثة الخيرية ناقوس الخطر بشأن الأوضاع في غزة، بعد أكثر من شهرين على بدء العدوان الإسرائيلي، محذرة من الفظائع التي يرتكبها الاحتلال. 

ورسمت المنظمات الدولية في مؤتمر عبر الفيديو مع الصحافيين هذا الأسبوع، صورة قاتمة لما أسمته “منظمة رعاية الأطفال” بـ”الفظائع” في غزة التي تتكشف في القطاع. وقالت بشرى الخالدي من منظمة “أوكسفام”، ومقرها المملكة المتحدة، إن الوضع في غزة “ليس مجرد كارثة، إنه مروع مع عواقب محتملة لا رجعة فيها على الشعب الفلسطيني”. وأضافت: “المناطق الآمنة الإسرائيلية داخل غزة هي سراب”.

وكان مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) قد أعلن في وقت متأخر، الخميس، أن 14 مستشفى فقط من أصل 36 في قطاع غزة لا تزال تعمل. وحذرت ألكسندرا ساييه من “أنقذوا الأطفال” من أن “أولئك الذين نجوا من القصف يواجهون الآن خطر الموت الوشيك بسبب الجوع والمرض”. وأضافت: “تخبرنا فرقنا عن ديدان يجري انتشالها من الجروح، وأطفال يخضعون لعمليات بتر أطراف دون تخدير”، أو يصطفون بالمئات لاستخدام “مرحاض واحد”، أو يجوبون الشوارع بحثاً عن الطعام.

مستشفيات غزة تتحول لمشارح

وبعد انتهاء الهدنة المؤقتة التي استمرت سبعة أيام بين 24 نوفمبر/ تشرين الثاني والأول من ديسمبر/ كانون الأول، واستئناف العمليات العسكرية، نشر الجيش الإسرائيلي خريطة قال إنها ستساعد سكان غزة على “الإخلاء من مناطق محددة لسلامتهم”.

وفرّ مئات الآلاف من الفلسطينيين من شمال قطاع غزة بحثاً عن الأمان في الجنوب منه، ولكنهم تعرضوا للقصف هناك. وبحسب شاينا لو من المجلس النرويجي للاجئين: “ببساطة لا توجد مساحات آمنة في غزة، وقد رأينا هذا منذ التوجيه الإسرائيلي الذي يدعو الناس إلى الفرار من شمال غزة إلى الجنوب”.

وأكدت أن “التوجيهات الإسرائيلية التي تُجبر الفلسطينيين على الوجود في المناطق المكتظة جنوب غزة، من دون أي ضمانات للسلامة أو العودة، تنتهك بشكل صارخ القانون الإنساني الدولي”.

وروت ساندرين سيمون، من جمعية “أطباء العالم” الخيرية، كيف أصيب زميل لها في مدينة خانيونس بجنوب القطاع: “عندما هاجمت دبابة مدرسة كان قد لجأ إليها”. وأضافت: “استغرق الأمر ساعات للوصول إلى المستشفى”، حيث كان فريق التمريض “المرهق” يحاول يائساً رعاية مئات المرضى الممددين على الأرض. وحذرت “مستشفيات غزة تصبح مشارح. هذا غير مقبول”.

وروت رئيسة منظمة “أطباء بلا حدود” إيزابيل ديفورني قصة مماثلة. وقالت: “نعمل في مستشفى الأقصى، ونستقبل ما معدله 150 إلى 200 جريح حرب يومياً منذ الأول من ديسمبر”. أضافت أنه في أحد أيام هذا الأسبوع “استقبلنا عدداً من القتلى يفوق عدد الجرحى. المستشفى مكتظ والمشرحة مكتظة، والوقود والإمدادات الطبية بلغت مستوى منخفضاً للغاية”.

الأوضاع في غزة أشبه بمذبحة عشوائية

وأشارت ديفورني إلى أن الوضع مأساوي أيضاً في مستشفى ناصر في خانيونس، حيث إن “20 في المائة من المرضى الذين يصلون إليه توفوا بالفعل”. وتشكل النساء والأطفال ما دون الثامنة عشر غالبية القتلى في غزة. وتحدثت ديفورني عن “مذبحة عشوائية”. أضافت: “أظهرت إسرائيل تجاهلاً تاماً لحماية المنشآت الطبية في غزة”.

وكررت وكالات تابعة للأمم المتحدة تحذيراتها بشأن تدهور الأوضاع في غزة صحياً وغذائياً، وانهيار النظام العام ما لم يجر وقف إطلاق النار. وقال برنامج الأغذية العالمي إن خطر “المجاعة” في غزة مرتفع.

بدوره، قال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس إنه “بالنظر إلى الظروف المعيشية ونقص الرعاية الصحية، يمكن أن يموت عدد أكبر من الناس بسبب الأمراض مقارنة بالقصف” في غزة. وحذر من أمراض عدة بما في ذلك التهابات الجهاز التنفسي الحادة والإسهال والطفح الجلدي وجدري الماء، التي ظهرت بسبب الاكتظاظ ونقص الغذاء والماء والنظافة الأساسية والأدوية. وبحسب كيارا ساكاردي من منظمة العمل ضد الجوع، فإن “الوضع يقوض كرامة الناس، لأنهم لا يستطيعون تنظيف أنفسهم أو تنظيف أطفالهم”، داعية إلى وقف إطلاق النار وإرسال مساعدات عاجلة.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




“أيّام أصوات السينمائية”.. من نساء تونس إلى نساء فلسطين

تحت شعار “من نساء تونس إلى نساء فلسطين: ألمُ الأرض واحد”، انطلقت مساء أول أمس الخميس، في فضاء “بِيبليوتِيه” بتونس العاصمة، فعاليات الدورة الأولى من تظاهرة “أيّام أصوات السينمائية“، التي تنظّمها “جمعيّة أصوات نساء” وتتواصل حتى مساء اليوم السبت.

ويتضمّن البرنامج عرض ثلاثة أفلام وثائقية تُضيء جوانب من المقاومة الفلسطينية النسائية، وحقوق النساء العاملات في القطاع الفلّاحي في تونس، بالإضافة إلى حلقات نقاش حول “الدَّور الحيَوي للنساء في القطاع الفلّاحي، حيث يتم استكشاف تشابُك نضالهنّ مع نضال النساء الفلسطينيات المُقاومات، بما أنّ القضية النسائية تتقاطع مع كلّ القضايا الإنسانية”، كما جاء في البيان التقديمي.

وحسب المُنظّمين فإنّ هذه التظاهُرة تأتي في إطار “حملة ستة عشر يوماً لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي”، واحتجاجاً على قرار إلغاء تنظيم الدورة الرابعة والثلاثين لـ”أيام قرطاج السينمائية”، على اعتبار أنّ الفنّ شكلٌ من أشكال المقاومة.

افتُتحت التظاهرة بفيلم “لو حكت أسماء” للمخرجة يافا عاطف، والذي يطرح معاناة الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وتلا العرض نقاشٌ مع الأسيرة الفلسطينية المُحرّرة ميسر عطياني، والناشطة الحقوقية التونسية ومؤسّسة “مدرسة لينا بن مهني” هندة الشنّاوي.

كما عُرِض، مساء أمس، شريط “احكي يا عصفورة” لعرب لطفي، والذي يتحدّث عن البُعد النسوي في المقاومة الفلسطينية، من خلال تجارب مُناضلات من جيل السبعينيات، مثل: ليلى خالد وتيريز هلسة ووداد قمري، وتجربتهنّ في المقاومة من أجل فلسطين، وبعد العرض قدّمت ليلى خالد مُداخلة عبر مكالمة فيديو، بالإضافة مشاركة من الحقوقية التونسية غادة شرّاد.

شار إلى أن “جمعيّة أصوات النساء” تدعو، على هامش التظاهُرة، للمشاركة في “مسيرة الحقوق والحرّيات نصرة للشعب الفلسطيني”، التي تنظّمها “الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان”، عند الثانية من بعد ظُهر اليوم السبت، انطلاقاً من ساحة حقوق الإنسان في تونس العاصمة. 

وتُختتم التظاهرة عند الخامسة مساءً بعرضٍ شريط وثائقي بعنوان “حيواتهنّ”، حول وضعية العاملات التونسيّات في القطاع الفلّاحي، ويليه حوار يجمع عدداً من العاملات في هذا القطاع.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




موازنة إسرائيل 2024: صراعات داخلية تحاصر اقتصاد الاحتلال

بينما يصادق الكنيست على موازنة إسرائيل للعام 2023 الجديدة، تخطط شعبة الموازنة لتخفيضات في تمويل موازنة 2024، علماً أن المعارضة لها ستكون أقوى بكثير، وفقاً لما يقوله المحللون.

إذ من المنتظر أن توافق اللجنة المالية على القراءتين الثانية والثالثة لقانون موازنة إسرائيل المحدثة لعام 2023، تمهيدا لإقراره في الكنيست مع قانون رفع هدف العجز وحد الإنفاق لاحقا. وإلى جانب ذلك، من المتوقع أن يناقش الكنيست ويقرر موعد المصادقة على موازنة إسرائيل للعام 2024 المحدثة. 

وفي نهاية الأسبوع، كان تهديد اثنين من كبار مسؤولي الليكود بعدم دعم موازنة إسرائيل للعام المقبل لا يزال قائما، وهما وزير الاقتصاد نير بركات، الذي يطالب بمبلغ إضافي قدره 250 مليون شيكل لمكتبه، ورئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع يولي إدلشتين، الذي يطالب بتحويل الميزانيات غير المخصصة للحرب إلى احتياجات الحرب.  

وما الصراع العاصف الذي يحيط بموازنة 2023 سوى ترويج للمستقبل في المناقشات حول موازنة إسرائيل للعام 2024، بحسب موقع “كالكاليست” الإسرائيلي، وبشكل رئيسي حول حشد الموارد اللازمة لتلبية احتياجات الحرب. تقوم دائرة الموازنة بمسح جميع أبواب الموازنة من أجل جمع مصادر لعشرات مليارات الشيكلات اللازمة لمنع زيادة كبيرة أخرى في العجز، وقد حددت بالفعل بعض الأهداف المتمثلة في إلغاء الإعفاءات الضريبية.

ومن المتوقع أن توصي الدائرة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بإلغاء الإعفاءات الضريبية، مثل نقاط الائتمان بمبلغ 234 شيكل شهريا لآباء الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 13-18 عاما، والتي يجب أن تدخل حيز التنفيذ في 1 يناير/ كانون الثاني، والإعفاءات الضريبية للمعاشات التقاعدية والادخار، وفي الوقت نفسه زيادة الضريبة على السيارات الكهربائية، وأيضاً إعادة الضريبة على المشروبات السكرية والأواني التي تستخدم مرة واحدة ، وإلغاء أموال الائتلاف المخطط لها البالغة 8 مليارات شيكل، وإغلاق المكاتب غير الضرورية وإجراء تخفيض حاد في الميزانية.

وقال مكتب سموتريتش لـ”كالكاليست”، خلال نهاية الأسبوع، إن الأمر لم يُناقش بعد ولم يُسلّم الوزير قائمة مصادر تمويل الحرب والجبهة الداخلية العام المقبل. وأعلنت تمار ليفي بونا، المنسقة الكلية في قسم الموازنة، أنه بسبب ضغط الوقت، سيتمكن القسم من تقديم ميزانية 2024 إلى الكنيست في 15 يناير، بحيث تتم الموافقة عليها في 15 شباط/ فبراير. ومع ذلك، قالت إن الموافقة على الميزانية في الحكومة وتقديمها بشكل نهائي لا يعتمدان على الوزارة وقد تكون هناك تغييرات في الجدول الزمني.  

وأعلن وزير المالية سموتريتش أنه يرغب في تأجيل الجدول الزمني حتى يُوافَق على الموازنة في الأول من مارس/ آذار، وتخشى لجنة المالية من أن الحكومة لن تحقق الهدف الجديد أيضًا.

المصدر: موقع كالكاليست الإسرائيلي

ترجمة: صحيفة العربي الجديد




3 سنوات على تطبيع المغرب وإسرائيل: هل توقف حرب غزّة الاتفاق؟

يدخل تطبيع المغرب وإسرائيل، يوم غد الأحد، عامه الرابع في ظل تحديات تحيط بمساره ومستقبله، وترتبط أساسا بقدرة الرباط على إيجاد توازن بين تحالفها مع تل أبيب والتزامها بدعم القضية الفلسطينية، لا سيما في ظل تصاعد مطالب الشارع والهيئات المناهضة للتطبيع وعدد من الأحزاب السياسية بإلغاء اتفاق التطبيع وإغلاق مكتب الاتصال الإسرائيلي.

وبقدر ما كان تطبيع المغرب مع إسرائيل، عبر التوقيع على جملة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في كثير من المجالات والزيارات المتوالية لمسؤولي البلدين خلال السنوات الثلاث الماضية، دليلا على تقارب ملحوظ في العلاقات بين الرباط وتل أبيب، إلا أن الثابت وسط مرحلة التوتر الذي أحدثه العدوان الإسرائيلي المستمر منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي على قطاع غزة، هو أن المرحلة الحالية تعتبر بحق منعطفا مفصليا وامتحانا لمستقبل وآفاق العلاقات بين البلدين.

ومع تواصل جرائم الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، عاد السؤال ليطرح حول ما إذا كان سيناريو إغلاق السلطات المغربية لمكتب الاتصال الإسرائيلي في سنة 2000 إثر الانتفاضة الفلسطينية الثانية سيتكرر مرة ثانية.

يسير تطبيع المغرب وإسرائيل منذ إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، في العاشر من ديسمبر/ كانون الأول 2020، عن استئناف العلاقات بينهما، في منحى تصاعدي، توج خلال السنة الماضية بالعمل على تسريع تعاونهما على الصعد العسكرية والأمنية والتجارية والسياحية.

وفي السياق، شكل التعاون في المجال العسكري أكثر الجوانب نشاطا في 2023، حيث تلقى المغرب أول أنظمة الدفاع الجوي (باراك إم إكس المصنعة من قبل شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية IAI). كما اختارت الرباط مجموعة إسرائيلية من أجل صناعة قمر يستخدم في أغراض المراقبة.
في حين، كان لافتا خلال مناورات “الأسد الأفريقي 2023” بالمغرب في نسختها الـ19 التي جرت في يونيو/ حزيران الماضي، مشاركة ولأول مرة مجموعة تتكون من 12 عنصرا من لواء جولاني الإسرائيلي، إلى جانب جنود ينتمون لـ18 دولة من ضمنها الولايات المتحدة الأميركية.

وشهد المغرب في النصف الأول من العام 2023 زيارات لمسؤولين إسرائيليين شملت 4 وزراء ( الداخلية، النقل، الصحة، التعليم العالي) و3 مسؤولين عسكريين كبار ورئيس الكنيست، تخللها توقيع اتفاقيات تعاون في القطاعات “العسكرية والاقتصادية والصحية والزراعية والنقل والتعليم العالي والشأن البرلماني والسياسي”. 

ويبقى الحدث الأبرز في السنة الثالثة من التطبيع بين المغرب وإسرائيل، إعلان تل أبيب، في 17 يوليو الماضي، الاعتراف بسيادة الرباط على إقليم الصحراء، في خطوة عكست تحولا في التعاطي مع هذا الملف، وذلك بعد التردد والغموض الذي طبع المواقف الإسرائيلية من القضية، وما اعتبر “ابتزازا” من قبلها للجانب المغربي.

وفي وقت كانت تتجه فيه الأنظار إلى الخطوة المغربية المقبلة، وإن كانت الرباط ستقدم على الموافقة على ترقية التمثيل الدبلوماسي بين البلدين إلى مرتبة سفارة، عوض مكتب الاتصال، ألقت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بظلالها على مسار قطار التطبيع، وأدت إلى تعليق زيارة (رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو) إلى الرباط، واجتماع الدورة الثانية من قمة النقب، إضافة إلى تعليق زيارات مسؤولين إسرائيليين آخرين إلى المغرب.

ومنذ انطلاق معركة “طوفان الأقصى”، تصاعدت تحركات ومطالب مناهضي التطبيع، وزاد ضغطهم على السلطات بفضل موجة تضامن وتأييد لفلسطين وإدانة ورفض لجرائم إسرائيل في غزة لدى الأوساط الشعبية المغربية، امتدت إلى مختلف الهيئات المدنية.

وفي السياق، أطلقت شخصيات مغربية رفيعة في 22 نوفمبر الماضي عريضة، تطالب الدولة بإلغاء كل اتفاقيات تطبيع العلاقات مع إسرائيل، معتبرة أن “استمرار التطبيع لا يزيد الكيان الصهيوني إلا تعنتا وغطرسة وإمعانا في القتل والتهجير والإجرام”، ومطالبة بالإغلاق النهائي لمكتب الاتصال الإسرائيلي، والسحب النهائي لمكتب الاتصال المغربي في تل أبيب.

وفي وقت توالت فيه مطالب أحزاب سياسية (التقدم والاشتراكية، الحزب الاشتراكي الموحد، العدالة والتنمية) بوقف التطبيع مع إسرائيل، وملاحقتها أمام الجنائية الدولية، كان ملفتا للانتباه وصف العاهل المغربي الملك محمد السادس، في رسالة وجهها إلى رئيس اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، شيخ نيانغ، بمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، الأعمال العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة بـ “الانتقامية”، قائلا إنها “تتعارض مع أحكام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني”. كما عبّر عن رفضه وإدانته “لكل التجاوزات وسياسة العقاب الجماعي والتهجير القسري ومحاولة فرض واقع جديد” في القطاع الفلسطيني المحاصر، معتبرا أن ما أدى إلى التصعيد الأخير في قطاع غزة هو “الممارسات الإسرائيلية الممنهجة والمتطرفة”.

عدم وقف تطبيع المغرب مع إسرائيل يقوّض سيادة المملكة

وبحسب الباحث في العلوم السياسية محمد شقير، فإن الحرب الدائرة بقطاع غزة والضفة قد أرخت بظلالها على الحركية التي عرفتها السنوات الأولى من استئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل، حيث سجل تراجع على مستوى السياحة وزيارات المسؤولين في البلدين، وتأجيل عقد منتدى النقب الذي كان مقررا عقده في المغرب، وكذا مغادرة مدير مكتب الاتصال الإسرائيلي بالرباط، معتبرا في حديث مع “العربي الجديد” أن وتيرة العلاقات بين البلدين ستتأثر على الأقل في المستقبل المنظور جراء الحرب الإسرائيلية على غزة.

وفي وقت يستبعد فيه شقير قطع العلاقات بين الرباط وتل أبيب التي يؤطرها الاتفاق الثلاثي الموقع بين المغرب وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، يرى مسؤول اللجنة الوطنية لدعم فلسطين داخل “الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب”، عبد الإله دحمان، أن السلطات المغربية مطالبة اليوم بالنظر إلى التطورات والتحولات الجارية بخصوص القضية الفلسطينية في أبعادها الدولية، وموقف الشعب المغربي بمراجعة مسار التطبيع وإيقافه نهائيا وإلغاء كل الاتفاقيات المرتبطة به والعودة إلى الموقف التاريخي المنحاز للقضية الفلسطينية. وأوضح  في حديث لـ”العربي الجديد” أن “السياق لم يعد هو السياق الذي رافق إعلان التطبيع، كما أن أجندة الصهيونية الشاملة بالمغرب أصبحت تتجاوز حدود تطبيع المغرب مع إسرائيل إلى ترسخ الأجندة الصهيونية المعاكسة لمصالحنا الوطنية”.

وقال: “اليوم الشعب المغربي قال كلمته في الساحات والميادين من خلال تنظيم المسيرات والوقفات في كل ربوع المملكة، كما أن الأحزاب المغربية اليوم مطالبة باستئناف موقفها الطبيعي والتاريخي والمبدئي المنحاز للقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، وبالتالي العمل على إنهاء التطبيع وإلغاء كل الاتفاقيات مع العدو الصهيوني والعمل على إغلاق مكتب الاتصال رسميا ونهائيا”.

واعتبر أن التطورات الحالية في غزة تقتضي الانخراط الفعلي في ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب وجرائم الإبادة في فلسطين، وتقديم الدعم للمقاومة والشعب الفلسطيني، موضحا أن رفض تطبيع المغرب وإلغاء اتفاقياته هو أبسط اعتراف لمواكب الشهداء والانتصار للدم الفلسطيني.

وأضاف: “ننتظر من الأحزاب المغربية الديمقراطية كافة أن تنخرط في دينامية الرفض وتكثف من حضورها في الفعاليات المطالبة بإسقاط التطبيع، لأن تاريخ بلدنا هو تاريخ انحياز للقضية الفلسطينية”.

من جهته، رأى الكاتب العام لـ”المرصد المغربي لمناهضة التطبيع” عزيز هناوي، أن “ما جرى على الأقل في الستين يوما من الحرب على غزة موجب لوقف العلاقات”، مؤكدا أن ما تعيشه غزة منذ السابع من أكتوبر الماضي جراء العدوان الإسرائيلي ومنسوب الإجرام الصهيوني الحالي في حق القدس والأقصى والضفة أفظع مما جرى في عام 2000 خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ودعا حينها العاهل المغربي إلى اتخاذ قرار إقفال مكتب الاتصال الإسرائيلي بالرباط”.

وقال لـ”العربي الجديد” إنه “إذا كان الموقف الرسمي المغربي الذي عبر عنه وزير الخارجية ناصر بوريطة حين إعلان ما سماه باستئناف العلاقات مع الكيان، قد أكد على أن العلاقات مع إسرائيل لم ولن تمس بعلاقة المغرب مع الشعب الفلسطيني ودفاعه عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، إلا أن السؤال الذي يطرح اليوم هو: هل هذا الذي يجري الآن في غزة، والذي كان قبل ذلك في القدس والأقصى من طرف الحكومة الصهيونية التلمودية بقيادة (رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو)، و(وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير)، و(وزير المالية بتسلئيل سموتريتش)، لا يستدعي مراجعة الموقف التطبيعي فما هي مرجعية الموقف الرسمي نفسه؟”.

وأكد أن الموقف الشعبي من التطبيع سواء بمناسبة الإجرام الحالي أو بدونه واضح، إذ نعتبره مقتلة للمغرب وخيانة لقضية الصحراء وطعنة لقضية فلسطين، مضيفا أن “الإجرام الذي يقع في غزة موجب لاتخاذ قرار سريع وحاسم بالوقف النهائي والرسمي لكل تطبيع، لأن عدم اتخاذه هو مضيعة لوجاهة وكرامة وسيادية الموقف الرسمي المغربي وطعنة للموقف الشعبي”.

عادل نجدي

المصدر: صحيفة العربي الجديد




عشية الانتخابات الرئاسية.. ما مدى فداحة المشاكل الاقتصادية في مصر؟

تجري مصر انتخابات الرئاسة في الفترة من 10 إلى 12 ديسمبر/ كانون الأول ومن المتوقع أن يحصل الرئيس عبد الفتاح السيسي على فترة ولاية ثالثة، وسط أزمة اقتصادية أدت إلى تراجع الجنيه المصري ونضوب العملة الأجنبية وارتفاع التضخم.

ما سبب المتاعب الاقتصادية في مصر؟

بعض الأسباب يعود إلى عقود مضت، مثل ضعف التنمية الصناعية نتيجة سوء التخطيط والبيروقراطية الشديدة، وسياسات التصدير التي خلقت عجزا تجاريا مزمنا.

وأدى تقييم الجنيه بأكثر من قيمته الحقيقية وضعف حقوق الملكية والمؤسسات وهيمنة الدولة والجيش، إلى إعاقة الاستثمار والمنافسة.

وتسببت فورة الاقتراض في عهد السيسي في تراكم ديون خارجية ثقيلة على مصر. ويتجنب الدائنون الأجانب أدوات الدين المصرية، مما دفع الحكومة لتمويل العجز المتزايد عن طريق الاقتراض محليا رغم ارتفاع أسعار الفائدة، مما يؤدي إلى عجز أكبر.

وأسفر هذا، بالإضافة إلى التوسع في المعروض النقدي، إلى انخفاض قيمة العملة وارتفاع التضخم.

وتسعى الحكومة للسيطرة على العجز من خلال رفع أسعار السلع والخدمات المدعمة، لكن التضخم قضى على جزء كبير من المكاسب.

والاستثمار الأجنبي خارج قطاع النفط والغاز ضئيل. وانخفضت تحويلات المصريين بالخارج في 2022-2023 بنسبة 30 بالمئة إلى 22 مليار دولار مع نأي العاملين في الخارج عن التحويل بسعر الصرف الرسمي المبالغ في تقديره.

وتلعب زيادة رسوم عبور قناة السويس وعائدات السياحة دورا مهما، لكن الحرب بين إسرائيل وحركة حماس في قطاع غزة المجاور، تهدد بإبطاء نمو السياحة.

وكثيرا ما يلقي السيسي بالمسؤولية في الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها مصر على الاضطرابات التي أعقبت الانتفاضة الشعبية عام 2011، وكذلك على النمو السكاني السريع. وقدر البنك الدولي النمو السكاني السنوي عند 1.7 بالمئة في عام 2021. وأشارت السلطات أيضا إلى صدمات خارجية مثل جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا.

إلى أي مدى ساءت الأمور؟

ينمو الاقتصاد بشكل مطرد ولكن بوتيرة بطيئة. ووفقا للبنك المركزي، نما الاقتصاد 3.9 بالمئة على أساس سنوي في الربع الأخير من عام 2022، وكذلك الربع الأول من عام 2023، انخفاضا من 6.7 بالمئة في السنة المالية 2021-2022. وأدى ارتفاع عدد السكان إلى إضعاف النمو، ويقول الكثير من المصريين إن مستوى معيشتهم تدهور.

وأدى النقص الحاد في الدولار إلى كبح الواردات وتسبب في تراكم البضائع بالموانئ وسط قيود على خطابات الاعتماد مع تداعيات على الصناعة المحلية. وارتفعت أسعار العديد من المواد الغذائية الأساسية بوتيرة أسرع بكثير من معدل التضخم في المدن المصرية، الذي تسارع إلى معدل قياسي بلغ 38 بالمئة في سبتمبر/ أيلول.

وانخفض الجنيه بمقدار النصف مقابل الدولار منذ مارس/ آذار 2022. وعلى الرغم من التخفيضات المتكررة في قيمة العملة، يبلغ سعر الدولار حوالي 49 جنيها مصريا في السوق السوداء مقارنة بسعر رسمي يبلغ 31 جنيها.

وجدول سداد مدفوعات الديون الخارجية ثقيل. وهناك 42.26 مليار دولار تستحق في عام 2024 وحده، منها 4.89 مليار لصندوق النقد الدولي.

وأدى ارتفاع أسعار الفائدة وضعف العملة إلى زيادة تكلفة خدمة الديون. وتفيد بيانات وزارة المالية بأن مدفوعات الفائدة ابتلعت أكثر من 45 بالمئة من إجمالي الإيرادات في العام المنتهي في آخر يونيو/ حزيران.

وصنفت البيانات الرسمية نحو 30 بالمئة من السكان على أنهم فقراء قبل جائحة كوفيد-19، ويقول محللون إن الأعداد ارتفعت منذ ذلك الحين. وتشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 60 بالمئة من مواطني مصر البالغ عددهم 104 ملايين نسمة يعيشون تحت خط الفقر أو بالقرب منه.

وتراجعت البطالة إلى ما يزيد قليلا عن سبعة بالمئة، لكن المشاركة في سوق العمل انخفضت أيضا بشكل مطرد في العقد المنتهي عام 2020. وبعض جوانب نظام التعليم الحكومي في حالة انهيار. ويسعى الكثيرون من الخريجين للعمل في الخارج إذا أتيحت لهم الفرصة.

كيف تُنفق الأموال؟

إلى جانب الإنفاق على المصروفات العادية، أنفقت مصر الكثير على البنية التحتية في عهد السيسي. ويشمل ذلك الإسكان وعددا من المدن الجديدة وشق طرق سريعة. وأبرز المشروعات الضخمة هو إقامة العاصمة الإدارية الجديدة في الصحراء شرقي القاهرة بتكلفة 58 مليار دولار.

كما ارتفعت واردات مصر من الأسلحة خلال العقد المنصرم، مما جعلها ثالث أكبر مستورد على مستوى العالم، وفقا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

ويقول المسؤولون إنهم زادوا الإنفاق على البرامج الاجتماعية للفقراء، بما في ذلك برنامج منح نقدية يغطي نحو خمسة ملايين أسرة، لكن البعض يقولون إن المزايا الاجتماعية غير كافية لحماية مستويات المعيشة.

ما الدعم الذي يمكن لمصر التعويل عليه؟

تنظر الدول الغربية والخليجية على نطاق واسع إلى مصر في عهد السيسي باعتبارها العمود الفقري للأمن في المنطقة المضطربة.

وتلقت القاهرة ودائع واستثمارات بمليارات الدولارات من حلفائها في الخليج، مثل السعودية والإمارات، بعد الصدمة التي أحدثها الغزو الروسي لأوكرانيا.

لكن دول الخليج العربية شددت شروطها لضخ أموال جديدة، وتبحث بشكل متزايد عن استثمارات تدر عائدا. وعلى الرغم من أنهم أبدوا تضامنهم مع مصر منذ اندلاع أزمة غزة، لم يتم الإعلان عن أي مساعدات جديدة.

ويجري صندوق النقد محادثات مع مصر لتوسيع حزمة دعم مالي مدتها أربع سنوات بقيمة ثلاثة مليارات دولار تم التوقيع عليها في ديسمبر/ كانون الأول 2022. وكان الصندوق قد أوقف تقديم الدفعات بعد تخلف مصر في تنفيذ تعهداتها باعتماد سعر صرف مرن وتقليص دور الدولة والجيش في الاقتصاد.

المصدر: وكالة رويترز




“أخطر تحذير” أمريكي لتل أبيب: إسرائيل تخاطر باستبدال نصر تكتيكي بهزيمة إستراتيجية

“إسرائيل تخاطر باستبدال نصر تكتيكي بهزيمة إستراتيجية”، هذا أخطر تحذير وجّهه أعلى مسؤول عسكري في الإدارة الأمريكية ممثلاً في وزير الدفاع لويد أوستن، لحكومة بنيامين نتنياهو.
الولايات المتحدة، التي تعتبر أقوى قوة عسكرية في العالم، لها تجارب قاسية في خوض حروب خاسرة، بالرغم من حجم الدمار الهائل الذي أحدثته في فيتنام وأفغانستان والعراق، ولا يكاد حجم قتلاها يقارن مع الأعداد الضخمة من الضحايا في صفوف أعدائها، ومع ذلك خسرت حروبها الثلاثة رغم “انتصارات عسكرية” حققتها على الأرض.

النصر الإستراتيجي لا يقاس بعدد القتلى والجرحى والأسرى في صفوف الأعداء، بل بكسر إرادة عدوك، إلى الدرجة التي ييأس فيها من تحقيق النصر عليك

فالنصر الإستراتيجي لا يقاس بعدد القتلى والجرحى والأسرى في صفوف الأعداء، ولكن معروف، منذ القدم، أنه كسر إرادة عدوك، إلى الدرجة التي ييأس فيها من تحقيق النصر عليك.

صراع الإرادة

عندما تجبر عدوك على الاستسلام دون أن تطلق رصاصة واحدة، أو تسقط ضحية واحدة، تكون حققت نصراً إستراتيجياً، أما إنْ ظلَّ عدوك يقاوم رغم فارق القوة، والفجوة في عدد الضحايا، فإن الحرب تصبح “معركة إرادات”، ومن يملك النفس الأطول، والقدرة على التحمّل، ووحدة الجبهة الداخلية وعدم انقسامها هو من سيحقق النصر الإستراتيجي.
وعادة ما يكون لأصحاب الأرض الكلمة الأخيرة في أي صراع مع الاحتلال الأجنبي، لأن التمسك بالأرض هو الخيار الأخير لأي شعب، والتخلي عنه يعني الإبادة والتهجير والفناء كأمة واحدة، والذوبان في شعوب أخرى، أما الغزاة فسيعودون من حيث أتوا.
وهنا يكمن تعقيد الصراع العربي الفلسطيني، لأن كلا الطرفين في مواجهة الشتات إن خسرَ أحدهما “معركة الإرادة”.
وهذا ما يفسر إصرار إسرائيل على تهجير سكان غزة وإبادتهم، وهو المصير الذي ينتظر سكان الضفة الغربية والقدس الشرقية في مرحلة تالية، مع الإبقاء على أقلية عربية مسلوبة الإرادة، يمكن تذويبها، أو على الأقل احتواؤها، بالشكل الذي لا يشكّل تهديداً وجودياً على “دولتها”.
لكن القتل الواسع والهمجي للمدنيين، وخاصة الأطفال منهم، وبسقف مفتوح، يؤثر بشكل عميق في تحوّل قطاع من الرأي العام العالمي من التعاطف مع إسرائيل، إلى التنديد بجرائمها.
ويظهر ذلك في تصاعد المظاهرات في مدن العالم ضد “المجازر الإسرائيلية”، وتزايد انتقادات المنظمات الأممية لقتل الأطفال والنساء والصحافيين بشكل غير مسبوق من حيث المعدل اليومي والشهري، حتى بالمقارنة مع الحرب العالمية الأولى والثانية، بل وحتى خلال الاحتلال الأمريكي للعراق.
وتحرّكَ آلاف المحامين والهيئات الحقوقية في العالم بدعم من عدة دول وزعماء دول، لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين في محكمة الجنايات الدولية، رغم أنها مازالت تفتقد للجرأة والحياد، خاصة أن أغلب تمويلها يأتي من دول أوروبية وغربية داعمة لتل أبيب.
إسرائيل لا تخسر فقط معركة الرأي العام العالمي، ولكنها تخسر أيضاً المعركة الأخلاقية، ورغم محاولتها بكل الطرق تشويه حركة “حماس”، إلا أن طريقة وداع الأسرى الإسرائيليين لعناصر الحركة بالكثير من الود والمحبة والاحترام، أكدت زيف تلك الاتهامات.

لأصحاب الأرض الكلمة الأخيرة في أي صراع مع الاحتلال الأجنبي، لأن التمسك بالأرض هو الخيار الأخير لأي شعب، والتخلي عنه يعني الإبادة والتهجير والفناء كأمة واحدة، والذوبان في شعوب أخرى

واحتفاظ حركة “حماس” بورقة الأسرى العسكريين، في إطار رؤيتها لنهاية الحرب “الكل مقابل الكل”، قَسَمَ المجتمع الإسرائيلي بين مطالب بتحرير الأسرى ودفع الثمن بإطلاق سراح المعتقلين الفلسطينيين، وبين متشدد بضرورة استمرار الحرب والقصف، حتى ولو أدى ذلك لمقتل الأسرى الإسرائيليين.
وبغض النظر عن الكفّة التي ستميل إليها إسرائيل، إلا أن ذلك من شأنه أن يعمق الشرخ والانقسام بين أفراد مجتمعها حتى بعد انتهاء الحرب، ما سيضعفها أكثر، ويفقدها الهيبة والرهبة في محيطها الإقليمي، وبالتالي افتقادها لـ”قوة الردع”، وهو ما يمثل أخطر أنواع “الهزيمة الإستراتيجية”، لأنه سيجعلها تحت تهديد دائم وإمكانية تكرار سيناريو “7 أكتوبر 2023”.

فيتنام.. أول هزيمة إستراتيجية لواشنطن

أحد أكثر الدروس التي تعلّمتها الولايات المتحدة في تاريخها عن الحروب التي “تنتصر فيها تكتيكياً وتخسرها إستراتيجياً”، حرب فيتنام، والتي دخلتها في 1964 لقتال ثوار “الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام الشيوعية”، المعروفة بـ”فيت كونغ” والمدعومين من جيش فيتنام الشمالية بقيادة هوشي منه، بهدف منع تمدد الشيوعية إلى الجزء الجنوبي من البلاد، والتي كانت مقسمة إلى شطرين.
وألقت الولايات المتحدة بثقلها في هذه الحرب، منتشية بانتصارها في الحرب العالمية الثانية ضد قوات المحور بقيادة النازيين الألمان، وأيضاً منعها الشيوعيين في كوريا الشمالية، المدعومين من الصين والاتحاد السوفييتي، من السيطرة على كوريا الجنوبية.
ورغم أن أعداد الجنود الأمريكيين في فيتنام كانت تتضاعف، حتى بلغ إجمالي عدد الذين تم إرسالهم إلى الحرب، منذ بدايتها في 1964 حتى نهايتها في 1973، نحو 2.7 مليون جندي، وفق موقع “ستريبز” الأمريكي، إلا أن ذلك لم يجبر مقاتلي “الفيت كونغ” على الاستسلام.

يكمن تعقيد الصراع العربي الفلسطيني في أن كلاً من الطرفين في مواجهة الشتات إن خسرَ أحدهما “معركة الإرادة”

استخدم الجيش الأمريكي أسلحة محرمة دولياً وقاذفات ثقيلة وقنابل ذات دمار واسع، وتسببت الحرب في مقتل أكثر من مليون فيتنامي، مقارنة بنحو 58 ألف أمريكي، بالإضافة إلى 304 آلاف جريح، وفق “ستريبز”.
ورغم أن خسائر الفيتناميين كانت أكبر بكثير من خسائر الأمريكيين بشرياً ومادياً، إلا أن الولايات المتحدة اضطرت للانسحاب من فيتنام، بدل الاستمرار في حرب استنزاف بلا أفق للنصر، خاصة أن الرأي العام الأمريكي بدأ ينقلب على حكومته، مع تزايد أعداد القتلى والنعوش القادمة من فيتنام.
ورغم ان واشنطن حاولت تشكيل أكبر جيش فيتنامي عميل، ضم الكثير من السجناء والمجرمين المفرج عنهم في إطار “فَتْنَمَة الحرب”، إلا أن هذا الجيش الذي فاق تعداده مليون مسلح، انهار مع انسحاب آخر جندي أمريكي من البلاد.

أفغانستان.. واشنطن لم تتعلم الدرس

من المفارقات أن أقوى قوة عسكرية في العالم، مدعومة بتحالف دولي وآخر محلي (تحالف الشمال)، واجهت قوة متواضعة التسليح (حركة طالبان) واستطاعت إسقاط دولتها الناشئة في كابول وقندهار في فترة وجيزة عام 2001، لكن بعد 20 عاماً اضطر الجيش الأمريكي إلى الانسحاب.

رغم محاولة إسرائيل بكل الطرق تشويه “حماس”، إلا أن طريقة وداع الأسرى الإسرائيليين لعناصر الحركة أكدت زيف تلك الاتهامات

وتكرر نفس المشهد في سايغون الفيتنامية بكابول الأفغانية، رحل الجيش الأمريكي تاركاً المتعاونين معه معلّقين على أطراف طائرة مروحية (فيتنام)، أو طائرة نقل حربية (أفغانستان)، خوفاً من انتقام الحكام الجدد.
فكما احتمى المقاتلون الشيوعيون في فيتنام الجنوبية بشبكات الأنفاق تحت الأرض من قنابل القاذفات الأمريكية الثقيلة، لجأ مقاتلو “طالبان” إلى الكهوف والمغارات في الجبال، التي طالما كانت قلاعاً انهارت حولها عدة إمبراطوريات سواء الهندية أو البريطانية أو السوفييتية وأخيراً الأمريكية.
فالقتل العشوائي للمدنيين يجعل من الثوار في نظر شعوبهم “أبطالاً للحرية”، ويوفر لهم ذلك الدعم اللوجيستي والبشري، وهذا الدرس الذي تعلمته واشنطن، ويرغب وزير الدفاع الأمريكي لتبليغه للإسرائيليين.
فقتل الجيش الإسرائيلي لنحو 17 ألف فلسطيني، لن يقضي على “حماس” (وهذا الهدف الرئيسي الذي وضعه للحرب)، مثلما لم يقض الجيش الأمريكي على “الفيت كونغ” في فيتنام أو طالبان في أفغانستان.
بل ستجعل مجازر الجيش الإسرائيلي الشعب الفلسطيني يلتف أكثر حول “حماس”، وبدل القضاء عليها سيمنحها شرعية وشعبية أكبر، وهذه هي “الهزيمة الإستراتيجية”.

المصدر: وكالة الأناضول




واشنطن تتحدث عن سلطة فلسطينية “متجددة” وحكومة المتطرفين تعمل على انهيارها بخنقها اقتصاديا

نشرت مجلة “ايكونوميست” تقريرا قالت فيه إن الحرب في غزة أدت لواقع اقتصادي جديد وقاتم في رام الله، العاصمة الفعلية للضفة الغربية. وأشارت إلى أن محلات السوبر ماركت في رام الله قامت بتعيين حراس أمن لمحاربة اللصوص وتم إغلاق آلاف الشركات. ويعتقد أحد المسؤولين أن الأزمة الاقتصادية الحالية أسوأ من تلك الناجمة عن عمليات الإغلاق بسبب فيروس كورونا.

وتقول المجلة إن إسرائيل ألغت، منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، تصاريح عمل حوالي 160 ألف فلسطيني يعملون في إسرائيل والمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية. ويعمل عشرات الآلاف غيرهم في إسرائيل بشكل غير قانوني. وقبل الحرب كانت رواتبهم تضخ نحو 1.4 مليار شيكل (370 مليون دولار) شهريا في اقتصاد الضفة الغربية.

ولأنها لا تسيطر على حدودها، يتعين على السلطة الفلسطينية أن تعتمد على إسرائيل لتحصيل ضرائب الاستيراد نيابة عنها، والتي تمثل 64% من إجمالي إيراداتها. وعندما اندلعت حرب غزة، رفض بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف، تحويل أي من هذه الأموال إلى السلطة الفلسطينية، على الرغم من أن مجلس الوزراء الإسرائيلي أقر في وقت لاحق تسوية، قائلا إنه سيحجب الجزء الذي تدفعه السلطة الفلسطينية إلى غزة.

فعلى الرغم من سيطرة حماس على القطاع منذ عام 2007، إلا أن السلطة الفلسطينية لا تزال تغطي فاتورة الكهرباء في غزة لإسرائيل وتدفع رواتب الآلاف من العاملين في القطاع العام، بما في ذلك في وزارة الصحة وقوات الأمن الفلسطينية الرسمية، الذين يتقاضون رواتبهم مقابل البقاء في منازلهم. وردا على ذلك، رفض شكري بشارة، وزير مالية السلطة الفلسطينية، بشدة المبلغ بأكمله. ويقول إن قبول ذلك سيكون بمثابة “انتهاك لعقدنا الاجتماعي” مع الفلسطينيين في غزة. وقد أدى هذان العاملان إلى انخفاض إيرادات السلطة الفلسطينية بنسبة 80% منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر، مما ترك بشارة يعاني من عجز مالي قدره 1.5 مليار دولار (حوالي 10% من الناتج المحلي الإجمالي في الأراضي الفلسطينية). وفي تشرين الثاني/نوفمبر، لم يتمكن من دفع رواتب الموظفين الحكوميين على الإطلاق، على الرغم من أنه تمكن من إقناع بنك فلسطين بتقديم قروض لبعض الموظفين بقيمة نصف رواتبهم.

ومع أن المساعدات الخارجية كانت تشكل مرة 30% من الميزانية التشغيلية للسلطة الفلسطينية، فإنها لم تدفع سوى 0.7% منها هذا العام. لكن الاقتصاد الفلسطيني لا يزال يعتمد بشكل كبير على المساعدات. وقد حول المانحون قدرا كبيرا من دعمهم المباشر للميزانية إلى تمويل التنمية، ويرجع ذلك جزئيا إلى الإحباط إزاء الفساد المستشري في السلطة الفلسطينية.

حول المانحون الدوليون قدرا كبيرا من دعمهم المباشر للميزانية إلى تمويل التنمية، ويرجع ذلك جزئيا إلى الإحباط إزاء الفساد المستشري في السلطة الفلسطينية

وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل السلطة الفلسطينية في وضع ضعيف بحيث تكون قادرة على التعامل مع الأزمات الاقتصادية. والسبب الآخر هو أنها لا تستطيع الحصول على أموال من صندوق النقد الدولي، لأنها ليست دولة عضوا فيه.

ومع عدم وجود بنك مركزي، ليس لديها مقرض، الملاذ الأخير لإنقاذ بنوكها، التي بدأ بعضها يرتعد بعد شطب ما لا يقل عن مليار دولار من القروض في غزة. في الأوقات العادية، يعد إقراض الموظفين مصدرا جيدا للدخل. ومع ذلك، ما لم يتم دفع رواتبهم قريبا، سيبدأ الآلاف في التخلف عن سداد ديونهم الاستهلاكية.

ومما يزيد من مشاكل البنوك وجود علامات على هروب رؤوس الأموال، خاصة من قبل الفلسطينيين الذين لديهم أقدام في الأردن أو الخليج. لقد قام بشارة بتخفيض اقتراض السلطة الفلسطينية من البنوك الفلسطينية، وهو غير مستعد لزيادته مرة أخرى بسبب المخاطر التي قد يشكلها ذلك على الاستقرار المالي.

ولتجنب الانهيار المالي للسلطة الفلسطينية، يمكن أن يحاول بشارة إقناع سموتريتش بتسليم عائدات الجمارك. ولكن هناك دلائل قليلة على أن وزير المالية الإسرائيلي سيغير رأيه، على الرغم من أن أمريكا حاولت تنبيهه إلى المخاطر الأمنية إذا أفلست السلطة الفلسطينية.

وتشعر الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بالقلق بشكل خاص إزاء الرواتب الهزيلة أصلا لأكثر من 30 ألف عنصر من قوات الأمن الفلسطينية في الضفة الغربية. وبدون أجر، لن يكون لدى هؤلاء الرجال المسلحين حافز كبير للاستمرار في الذهاب إلى العمل. وقد توقف البعض بالفعل. يقول دبلوماسي في إسرائيل: “يمكننا أن نقول له [سموتريتش] إن سياساته تخاطر بالانهيار المالي للسلطة الفلسطينية. ولكن بالنسبة له هذا طالما انتظره”.

تشعر الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بالقلق بشكل خاص إزاء الرواتب الهزيلة أصلا لأكثر من 30 ألف عنصر من قوات الأمن الفلسطينية في الضفة الغربية

وطلبت السلطة الفلسطينية من قطر مبلغ 900 مليون دولار لتغطية الأشهر الستة المقبلة. لكن حتى الآن لا يبدو أن قطر ولا أي من دول الخليج الأخرى مستعدة لسداد التزامات إسرائيل، كما يقول رجا الخالدي، الخبير الاقتصادي الفلسطيني. وإذا فعلوا ذلك، فقد يغري ذلك إسرائيل أكثر بخصم الأموال التي كان من المفترض تسليمها بموجب بروتوكول اتفاقيات أوسلو، اتفاق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.

وقد تسمح المعونات أيضا للسلطة الفلسطينية بتجاهل الإصلاحات التي هي في أمس الحاجة إليها. يقول الخالدي: “غالبا ما يكون للآليات المؤقتة طريقة رهيبة لتصبح دائمة وغير فعالة”. كما يمكن أن يوفر شريان الحياة لمؤسسة متصلبة وفاسدة يعتقد عدد قليل من الفلسطينيين أنها قادرة على إقامة دولة فلسطينية.

لقد ظلت أمريكا تروج لفكرة “السلطة الفلسطينية المتجددة” باعتبارها البديل الجاد الوحيد لحكم حماس في غزة. ومع ذلك، إذا لم يتم تخفيف ضغط الحرب الاقتصادية التي تشنها حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل ضد السلطة الفلسطينية قريبا، فقد لا يتبقى سوى القليل من السلطة الفلسطينية لإدارة الضفة الغربية، ناهيك عن حكم غزة.

المصدر: مجلة إيكونوميست البريطانية

ترجمة: إبراهيم درويش