محللات الهيدروجين الصينية تهدد بانهيار السوق الأوروبية.. ما القصة؟
|
يبدو أن محللات الهيدروجين الصينية أصبحت تمثل خطرًا كبيرًا على قطاع المحللات الكهربائية في أوروبا، الذي بات معرّضًا لخطر الانهيار، بسبب الواردات رخيصة الثمن.
جاء ذلك حسب تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة نيل “Nel” النرويجية المتخصصة في مجال الهيدروجين، هاكون فولدال، التي اطلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة.
ودعا فولدال، الاتحاد الأوروبي إلى فرض متطلبات المحتوى المحلي لحماية الصناعة الأوروبية من محللات الهيدروجين الصينية، التي تجعلها تواجه نوع الانهيار نفسه الذي شهده قطاع الطاقة الشمسية سابقًا.
وحذّر من أن أوروبا يمكن أن تشهد انكماش قطاع تصنيع المحللات الكهربائية بطريقة مماثلة لطريقة انهيار قطاع صناعة الألواح الشمسية الأوروبي الرائد عالميًا في غضون بضع سنوات عندما ظهرت وحدات صينية أرخص ثمنًا غمرت السوق في أواخر العقد الأول من هذا القرن.
تكلفة محللات الهيدروجين الصينية
تكلف محللات الهيدروجين الصينية “أنظمة التحليل الكهربائي القلوي”، عمومًا نحو 25% من سعر النوع نفسه من المشروعات في الدول الغربية، وذلك بفضل العمالة الرخيصة والإمدادات الأولية من السوق المحلية، وفقًا لتقرير حديث صادر عن شركة الأبحاث بلومبرغ نيو إنرجي فايننس BloombergNEF.
يقول الرئيس التنفيذي لشركة نيل “Nel” النرويجية المتخصصة في مجال الهيدروجين، هاكون فولدال: “بدأ المصنعون الصينيون مسيرتهم في الأسواق الدولية.. ومن المرجح أن تصبح محللات الهيدروجين صينية الصنع شائعة في جميع أنحاء العالم خلال المدة الزمنية 2025-2030”.
الرئيس التنفيذي لشركة نيل النرويجية هاكون فولدال – الصورة من الموقع الإلكتروني للشركة
أعرب فولدال عن أمله بأن “يكون السياسيون قد تعلموا، وأن يفهموا أنه يمكن بالفعل تقديم متطلبات المحتوى المحلي في أوروبا”، مضيفًا: “لأنه يمكن أن يحدث الشيء نفسه في الهيدروجين كما حدث في قطاع الطاقة الشمسية”.
وأشار إلى وجود “خوف من الخسارة أمام الصين، لأن الشروط ليست متساوية.. تحصل الشركات الصينية على إعانات وتمويل من السلطات الصينية، ويمكنها بيع منتجاتها بأسعار منافسة”، حسب مقابلة أجراها مع موقع هيدروجين إنسايت (Hydrogen Insight)، المعني بأخبار صناعة الهيدروحين العالمية.
وأضاف أنه “يجري تضخيم هذا لأنه في أوروبا نريد عمالًا يحصلون على رواتب جيدة، وخطط معاشات تقاعدية، وإعداد تقارير عن الشفافية والتصنيف والمساواة وحقوق الإنسان، وكل هذا يكلف مالًا، ويجعل من الصعب التنافس مع الصينيين”.
وأوضح فولدال: “إذا تمكنا من الحصول على أفضل التقنيات، وعملية التحليل الكهربائي الأكثر كفاءة، يمكننا أن نتفوّق على الصينيين”.
متطلبات المحتوى المحلي
حثّ الرئيس التنفيذي لشركة نيل “Nel” النرويجية المتخصصة في مجال الهيدروجين، هاكون فولدال، السياسيين الأوروبيين على تحقيق تكافؤ الفرص من خلال إدخال متطلبات المحتوى المحلي، التي قد تتطلب الحصول على نسبة معينة من المعدات والمواد الخام من داخل الاتحاد الأوروبي، أو الإنتاج أو التجميع في أوروبا.
في عام 2013، قضت المفوضية الأوروبية بأن الألواح الشمسية الصينية المدعومة تُباع في أوروبا بأقل من التكلفة، وطبقت تدابير “مكافحة الإغراق” التي تحدد الحد الأدنى لسعر استيراد الوحدات الصينية.
ثم أنشأ المصنعون الصينيون مصانع في أماكن أخرى بآسيا، في محاولة للالتفاف على القيود، لكن ما زال قطاع تصنيع الطاقة الشمسية الأوروبي منهارًا، حسبما نشره موقع هيدروجين إنسايت، واطلعت عليه منصة الطاقة.
محطة التحليل الكهربائي للهيدروجين التابعة لشركة شل بالقرب من مدينة كولونيا في ألمانيا – الصورة من رويترز
وأُلغِيت إجراءات مكافحة الإغراق في نهاية المطاف عام 2018، بعد أن أعلنت المفوضية الأوروبية أنه من مصلحة الاتحاد الأوروبي ومكافحة تغير المناخ أن يتمكن الأوروبيون من شراء الألواح الشمسية الرخيصة.
وأضاف فولدال: “أنا لا أقول إنه من غير الأخلاقي إنتاج الأجهزة في الصين.. ما أقوله هو أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يضمن أن الأموال تُستعمل فعليًا على النحو المقصود، أي جعل أوروبا رائدة”.
من ناحيتها، أنشأت شركة نيل “Nel” النرويجية مصنعًا في مدينة هيرويا جنوب شرق النرويج لإنتاج 500 ميغاواط من المحللات الكهربائية سنويًا، وتخطط لمضاعفة قدرتها بحلول أوائل عام 2024.
محلل كهربائي من شركة نيل هيدروجين – الصورة من الموقع الإلكتروني للشركة
وتمتلك شركة هيدرو-برو HydrogenPro النرويجية لصناعة المحلل الكهربائي قاعدة في منطقة هيرويا الصناعية الصغيرة نسبيًا، ولكنها أنشأت مرافق تصنيع في مقاطعة تيانجين الصينية، إذ استوردت منها مؤخرًا ما سمته “أكبر محلل كهربائي في العالم”.
وتصنّع شركة جون كوكيريل البلجيكية -الرائدة عالميًا في مجال تصنيع المحللات الكهربائية من حيث المبيعات في العام الماضي- المحللات الكهربائية في الصين من خلال مشروع مشترك يسمى كوكيريل جينجلي هيدروجين.
وأعلنت شركة كومينز -ومقرها الولايات المتحدة، التي تصنع المحللات الكهربائية في بلجيكا- خلال هذا العام مشروعًا مشتركًا مع شركة النفط الصينية العملاقة المملوكة للدولة سينوبك، لبناء مصنع للتحليل الكهربائي بطاقة 1 غيغاواط في مقاطعة قوانغدونغ الصينية.
تقدم أميركي على أوروبا
يعتقد الرئيس التنفيذي لشركة نيل “Nel” النرويجية المتخصصة في مجال الهيدروجين، هاكون فولدال، أن الولايات المتحدة تأخذ زمام المبادرة عالميًا من خلال مشروع قانون خفض التضخم، وهو التشريع الرئيس الذي يقدم سقفًا لائتمان ضريبي للهيدروجين قدره 3 دولارات للكيلوغرام.
ولفت إلى أنه رغم قلة سعر محللات الهيدروجين الصينية، فإن قانون خفض التضخم يجعل الهيدروجين الأخضر الأميركي أرخص أشكال الهيدروجين على مستوى العالم، حسبما رصدته منصة الطاقة المتخصصة.
ويُعدّ ذلك أحد الأسباب التي تجعل شركة نيل “Nel” النرويجية تتطلع حاليًا إلى بناء مصنعها التالي في الولايات المتحدة، وليس في الاتحاد الأوروبي.
نوار صبح
المصدر: منصة الطاقة
تهجير أهالي غزة لا يغادر التفكير الإسرائيلي.. الخريطة الجديدة تؤكد ذلك
|
مع انتهاء الهدنة المؤقتة مطلع ديسمبر/كانون الأول الجاري، نشر جيش الاحتلال الإسرائيلي خريطة جديدة لإخلاء سكان قطاع غزة ظاهرها “حماية المدنيين” وباطنها الإمعان في التدمير والتهجير.
فبعد يوم واحد من دعوة وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى وضع “خطة حماية” مزعومة للحد من وقوع المزيد من الضحايا المدنيين في غزة، نشرت “إسرائيل” خريطة تفاعلية تقسم الجيب الساحلي المحاصر إلى مئات المناطق المرقمة.
وأعلن جيش الاحتلال أنه “يجب على السكان الرجوع إلى الخرائط للحصول على تعليمات حول مكان التحرك لتجنب القتال النشط”.
وقال المتحدث باسمه أفيخاي أدرعي، إنه يجب على الفلسطينيين في عدد من المناطق؛ الإخلاء إلى “الملاجئ المعروفة”، في حين لا يوجد اليوم مكان آمن على طول قطاع غزة.
ومن غير الواضح كيف من المفترض أن يتبع سكان غزة البالغ عددهم 2.3 مليون مدني، والذين ليس لديهم كهرباء أو اتصال بالإنترنت، التعليمات. ويلقي الاحتلال بالتزامن مع إعلاناته المناشير من الطائرات لكن من المؤكد أنها لا تصل للجميع.
#جيوبوست | نشر جيش الاحتلال الإسرائيلي على موقعه الإلكتروني أمس الخميس 30 نوفمبر (خلال سريان الهدنة) خريطة تفاعلية تقسم قطاع غزة إلى ما أسماها مناطق وبلوكات، يحدد من خلالها الأماكن التي سيستهدفها.
✔️بعد ذلك حدّث الموقع الإلكتروني تاريخ نشر الخريطة إلى اليوم الجمعة 1 ديسمبر… pic.twitter.com/I37DxXufzL
IDF has been dropping leaflets in Khan Younis asking people to move south to Gaza. Looks like a QR code has been hidden by the person taking the photo, I assume it’s a link to the IDF map with zones or an additional information page. pic.twitter.com/6l6DQKydIJ
وقد اضطر العديد من الأهالي بالفعل إلى النزوح من منازلهم أو الأماكن التي التجأوا إليها بفعل القصف الجنوني من البحر والجو والبر، الذي يطال كل قطاع غزة.
تفاصيل الخريطة
تقسم الخريطة التي نشرها الجيش الإسرائيلي يوم الخميس وحدّثها الجمعة قطاع غزة المحاصر إلى 2300 كتلة منفصلة، تتراوح مساحتها من ملعبين لكرة القدم إلى 25 كيلومترا مربعا.
وهذه الخريطة المقسمة إلى “بلوكات” (مربعات) يحمل كل منها رقما، وهي مكونة من جزأين، الجزء الشمالي ويضم كلا من بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا ومخيم الشاطئ والرمال وشيخ عجلين والصبرة والزيتون.
أما الجزء الجنوبي فيضم كلا من البريج والمغازي والنصر ودير البلح والقرارة والناصرة والجلاء والكتيبة والآمال وبني سهيلا والمواصي والمحررات وخانيونس.
خرائط إخلاء نشرها جيش الاحتلال لجنوب وشمال غزة
على سبيل المثال، نشر أفيخاي أدرعي أن سكان جباليا المقيمين في البلوكات الآتية: 1772، 1808، 1811، 961، 963، 760، يجب عليهم الإخلاء فورًا عبر محوريْ حيفا وخليل الوزير والتوجه إلى مراكز الإيواء المعروفة والمدارس في حييْ الدرج وتفاح وغرب مدينة غزة، كما فعل نفس الأمر في أماكن عديدة.
وتضمنت الخريطة في جنوبها جزءًا من رفح المصرية حدده الاحتلال وأسماه “المنطقة العازلة بين سيناء وقطاع غزة”، وهو ما أثار شكوكا لدى الأهالي باستمرار مخطط التهجير إلى مصر.
الخريطة كلها طلاسم ومعقدة جدا.. إلا المنطقة العازلة بين سيناء وقطاع #غزة واضحة وملونة بشكل لافت!!!!!!!!!! pic.twitter.com/y06z2UyT9U
وسخر الغزيون من إرفاق رمز الاستجابة السريعة “QR” مع المنشورات التي تحدد البلوكات مع غياب الإنترنت بالكامل عن قطاع غزة.
وتشبه الخريطة الألعاب القديمة الخاصة بالمتاهات، حيث يجب على المدنيين المذعورين أن يخمنوا أي مربع سينقذ حياتهم.
الهدف منها
جاءت هذه الخريطة بعد تضخم عدد سكان جنوب قطاع غزة بفعل القصف العنيف للمناطق الشمالية وإيعاز الاحتلال للأهالي فيها بالتوجه إلى جنوب وادي غزة.
ومنذ البداية، ظهرت مخططات واضحة لتهجير الفلسطينيين عبر تصريحات وتلميحات “إسرائيل”ية بضرورة توطينهم في شبه جزيرة سيناء المصرية.
وتميز هذا العدوان عن سابقاته باستهداف المستشفيات والمدارس بشكل مباشر بعد أن لجأ إليها الآلاف من الفلسطينيين الذين شردتهم قوات الاحتلال بفعل القصف.
ثم لاحقتهم قوات الاحتلال نحو المدارس والمستشفيات لإنجاح مخطط تهجيرهم من مدينة غزة وشمالها نحو الجنوب.
وفصل الاحتلال خلال العدوان المستمر منذ نحو شهرين، شمال القطاع عن جنوبه، وطلب من أكثر من 1.1 مليون فلسطيني، مرارًا، الانتقال في الاتجاه الذي يقربهم نحو الحدود المصرية.
لكن مئات الآلاف لم يستجيبوا لهذا الطلب وبقوا في شمال القطاع، وهو أمر دفع الاحتلال إلى هذه الخطة الجديدة. وطرحت خلال العدوان عدة سيناريوهات لمرحلة ما بعد حركة حماس من بينها تهجير أهالي قطاع غزة وإعادة احتلاله، وهي جدد الفلسطينيون التعبير عنهم بعد نشر الخريطة الجديدة.
وعلق الناشط الفلسطيني رفعت العرعير على الخريطة بالقول: “هذه الخطة الشيطانية ستكون بمثابة مبرر لسقوط أعداد كبيرة من الضحايا والتهجير القسري”.
وتابع: “خلاصة القول، في المرحلة الثانية من الحرب (بعد هدنة لمدة 7 أيام)، تواصل “إسرائيل” القتل والتهجير القسري، لكن بطريقة أكثر احترافية هذه المرة. لقد رفض العالم القتل العشوائي، لذلك هناك تحول نحو القتل المنظم”.
Israel divides the Gaza Strip into blocks… a new phase of the Israeli genocide. Via @Yasser_Gaza:
– The Israeli army has released a map dividing the Gaza Strip into over 2300 small blocks. – The army has requested Gaza residents to identify the block number they reside in… pic.twitter.com/EfD6I6qZl5
على سبيل المثال، في التعليمات التي أصدرها الاحتلال بشأن مناطق شرق خانيونس، كانت الأوامر تطلب بأن يتوجهوا نحو مدينة رفح أقصى جنوب قطاع غزة.
وتدور تساؤلات عن أسباب عدم دفعهم للاتجاه غربًا حتى الانتهاء من عمليات الاحتلال في الشرق. وتسود التقديرات هنا بأن “إسرائيل” تريد تفريغ أكبر عدد ممكن من السكان وإجبارهم على الاتجاه نحو الحدود الفلسطينية المصرية.
ويضغط الاحتلال على الأهالي بمنع الغذاء والماء والدواء وتكثيف القصف. ويرى الفلسطينيون أنه سيلاحقهم في المرحلة القادمة إلى رفح وحينها لن يجدوا مفرا من اقتحام الحدود.
وفي عام 2008 ومع اشتداد الحصار الإسرائيلي على غزة، اقتحم آلاف الغزيين الحدود ودخلوا إلى سيناء ومكثوا فيها مدة أسبوع، وعادوا منها محملين بالمواد الطبية والغذائية وغيرها.
ويحاول النظام المصري تجنب تكرار مثل هذا السيناريو، وسط مساع ودعوات إسرائيلية كبيرة لتهجير أهل غزة إلى سيناء. وفي الأول من ديسمبر/كانون الأول وبعد انتشار الخريطة، أكدت الخارجية المصرية موقف القاهرة الراسخ الرافض للتهجير القسري للفلسطينيين خارج حدود أرضهم، باعتباره خطا أحمر لن يتم السماح بتجاوزه.
وطرح مخطط التهجير في عهد رئيس النظام المصري الأسبق محمد حسني مبارك، وكان رده حاسما، وفق ما ورد في تسريب صوتي سابق له.
وقال مبارك في التسريب الذي نشر في نوفمبر/تشرين الثاني 2017: “أنا على دراية كاملة بمخطط أميركا و”إسرائيل” لإقامة وطن بديل للفلسطينيين في سيناء التي باتت مطمعًا لهم ولا يكلون ولا يملون من محاولات الحصول عليها بأي شكل”.
وأضاف: “إسرائيل عايزة تزق قطاع غزة في سيناء، قالي مرة (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو إنه ممكن نشوف حتة (مكان) للغزيين وكان بيشاور على سيناء، وقلتله إنه حاجة متل دي هترجع الحرب بيننا تاني”.
والهدف الثاني من هذا التقسيم بحسب التقديرات الفلسطينية يتمثل في تحييد قدرات حركة حماس بعد فشل الاحتلال بتحقيق إنجازات عسكرية تذكر خلال العدوان المستمر.
ويريد الاحتلال تدمير المربعات السكنية بالتتالي من أجل محاولة تحقيق إنجازات عسكرية كمعرفة مكان وجود قائد حماس في غزة يحيى السنوار أو القائد العام لكتائب القسام محمد الضيف أو حتى تدمير أكبر قدر ممكن من الأنفاق الأرضية.
خالد كريزم
المصدر: موقع نون بوست
تحقيق استقصائي: الجيش الإسرائيلي يستعين بالـ AI لتنفيذ مجازر جماعية
|
يبدو أن التفويض الموسع للجيش الإسرائيلي بقصف الأهداف غير العسكرية، وتخفيف القيود المتعلقة بالخسائر المدنية المتوقعة من هذا التفويض، واستخدام نظام الذكاء الاصطناعي لتوليد أهداف محتملة أكثر من أي وقت مضى، قد ساهما في الوصول إلى الدمار الذي شهدناه في المراحل الأولى من الحرب الإسرائيلية الحالية على قطاع غزة، وفقاً لتحقيق أجرته مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت. ومن المرجح أن هذه العوامل، كما وصفها أعضاء حاليون وسابقون في المخابرات الإسرائيلية، لعبت دوراً في إنتاج واحدة من أكثر الحملات العسكرية دموية ضد الفلسطينيين منذ نكبة العام 1948.
يستند التحقيق الذي أجرته مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت إلى محادثات مع سبعة أعضاء حاليين وسابقين في جماعة الاستخبارات الإسرائيلية – بمن في ذلك المخابرات العسكرية وأفراد سلاح الجو الذين شاركوا في العمليات الإسرائيلية في القطاع المحاصر – بالإضافة إلى شهادات وبيانات ووثائق فلسطينية من قطاع غزة، وتصريحات رسمية من قبل المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي ومؤسسات الدولة الإسرائيلية الأخرى.
مقارنة بالهجمات السابقة على غزة، فإن الحرب الحالية – التي أطلقت عليها إسرائيل اسم “عملية السيوف الحديدية”، التي بدأت في أعقاب الهجوم الذي قادته حماس على جنوب إسرائيل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023– شهدت قيام الجيش بتوسيع قصفه بشكل كبير لأهداف ليست ذات طبيعة عسكرية واضحة. تشمل هذه الأهداف المساكن الخاصة إلى جانب المباني العامة والبنية التحتية والأبراج الشاهقة، التي تقول المصادر إن الجيش يعرّفها على أنها “أهداف تنطوي على قوة”. وفقاً لمصادر استخباراتية كانت لديها خبرة مباشرة في تنفيذ هذا النوع من القصف على غزة في الماضي، فإن قصف “أهداف تنطوي على قوة” يهدف بشكل أساس إلى الإضرار بالمجتمع المدني الفلسطيني: “خلق صدمة” من شأنها أن تقود، من بين أمور أخرى، إلى ظهور واقع جديد “يقود المدنيين إلى الضغط على حماس”، على حدّ تعبير أحد المصادر.
وأكدت العديد من المصادر، التي تحدثت إلى مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت بشرط عدم الكشف عن هويتها، أن الجيش الإسرائيلي لديه ملفات عن الغالبية العظمى من الأهداف المحتملة في غزة – بما في ذلك المنازل – تتضمن عدد المدنيين الذين من المحتمل أن يقتلوا في هجوم على هدف معين. هذا الرقم محسوب ومعروف مسبقاً لوحدات المخابرات التابعة للجيش، التي تعرف أيضاً قبل وقت قصير من تنفيذ الهجوم تقريباً عدد المدنيين الذين من المؤكد أنهم سيقتلون.
وفي إحدى الحالات التي ناقشتها المصادر، وافقت القيادة العسكرية الإسرائيلية، وعن علم مسبق، على قتل مئات المدنيين الفلسطينيين في محاولة لاغتيال قائد عسكري كبير واحد من حماس. وقال أحد المصادر: “ارتفعت الأرقام من عشرات القتلى المدنيين [المسموح بهم] كأضرار جانبية كجزء من هجوم على مسؤول كبير في عمليات سابقة، إلى مئات القتلى المدنيين كأضرار جانبية”.
“لا شيء يحدث عن طريق الصدفة”، قال مصدر آخر. “عندما تقتل فتاة تبلغ من العمر 3 سنوات في منزل في غزة، فذلك لأن شخصاً ما في الجيش قرر أن قتل المدنيين أمر يمكن فعله – أنه كان ثمناً يستحق دفعه من أجل ضرب هدف [آخر]. نحن لسنا حماس. هذه ليست صواريخ عشوائية [كما يقول المصدر العسكري الإسرائيلي الذي له تجربة مع هذا النوع من القصف]. كل شيء مقصود. نحن نعرف بالضبط حجم الأضرار الجانبية الموجودة في كل منزل”.
وفقاً للتحقيق، هناك سبب آخر للعدد الكبير من الأهداف، وإلحاق الضرر الواسع النطاق بحياة المدنيين في غزة، هو الاستخدام الواسع لنظام يسمى “هبسورا” [البشرى]، وهو مبني إلى حدّ كبير على الذكاء الاصطناعي ويمكنه “توليد” الأهداف تلقائياً تقريباً بمعدل يتجاوز بكثير ما كان ممكناً في السابق. هذا النظام من الذكاء الاصطناعي، كما وصفه ضابط مخابرات سابق، يعني أننا أمام “مشروع للاغتيال الجماعي”.
ووفقاً للمصادر، فإن الاستخدام المتزايد للأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي مثل “هبسورا” يسمح للجيش بتنفيذ غارات على المنازل السكنية التي يعيش فيها عضو واحد من حماس على نطاق واسع، حتى لو كان من صغار نشطاء حماس.
ومع ذلك، تشير شهادات الفلسطينيين في غزة إلى أنه منذ 7 أكتوبر، هاجم الجيش أيضاً العديد من المساكن الخاصة التي لم يكن فيها عضو معروف أو بارز في حماس أو لم تكن تقيم فيه أي جماعة مسلحة. مثل هذه الضربات، كما أكدت المصادر لمجلة +972 وموقع سيحا مكوميت، يمكن أن تقتل عائلات بأكملها عن عمد في هذه العملية.
وأضافت المصادر أنه في معظم الحالات، لا يتم تنفيذ النشاط العسكري من هذه المنازل المستهدفة. وقد أكد أحد المصادر الذي انتقد هذه الممارسة: “أتذكر أنني كنت أفكر في أن الأمر يشبه أن [المسلحين الفلسطينيين] سيقصفون جميع المساكن الخاصة لعائلاتنا عندما يعود [الجنود الإسرائيليون] للنوم في منازلهم في عطلة نهاية الأسبوع”.
وقال مصدر آخر إن ضابط مخابرات كبيراً قال لضباطه بعد 7 أكتوبر إن الهدف هو “قتل أكبر عدد ممكن من نشطاء حماس”، وهذا كان يعني عملياً تخفيف المعايير المتعلقة بإيذاء المدنيين الفلسطينيين بشكل كبير. على هذا النحو، هناك “حالات نقوم فيها بقصف بناءً على تحديد خليوي واسع لمكان الهدف، مما يؤدي إلى مقتل المدنيين. غالباً ما يتم ذلك لتوفير الوقت، بدلاً من القيام بمزيد من العمل للحصول على تحديد أكثر دقة”.
وكانت نتيجة هذه السياسات خسائر فادحة في الأرواح البشرية في غزة منذ 7 أكتوبر. فقدت أكثر من 300 أسرة 10 أفراد أو أكثر من أفرادها في القصف الإسرائيلي في الشهرين الماضيين – وهو رقم أعلى بـ 15 مرة من الرقم الذي كان خلال الحرب الأكثر دموية التي شنتها إسرائيل على غزة في العام 2014. في وقت كتابة هذا التقرير، تم الإبلاغ عن مقتل حوالى 15,000 فلسطيني في الحرب، وما زال العدد في ازدياد.
“كل هذا يحدث خلافاً للبروتوكول الذي استخدمه الجيش الإسرائيلي في الماضي”، أوضح مصدر. “هناك شعور بأن كبار المسؤولين في الجيش يدركون فشلهم في 7 أكتوبر، وهم مشغولون بمسألة كيفية تزويد الجمهور الإسرائيلي بصورة [النصر] التي ستنقذ سمعتهم”.
“ذريعة لإحداث الدمار“
شنت إسرائيل هجومها على غزة في أعقاب الهجوم الذي قادته حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول على جنوب إسرائيل. وخلال ذلك الهجوم، وتحت وابل من نيران الصواريخ، ذبح مسلحون فلسطينيون أكثر من 840 مدنياً وقتلوا 350 جندياً ومن أفراد أمن، واختطفوا حوالى 240 شخصاً – مدنيين وجنوداً – إلى غزة. كما قال تقرير صادر عن منظمة “أطباء لحقوق الإنسان” أنهم ارتكبوا حوادث عنف جنسية.
منذ اللحظة الأولى بعد هجوم 7 كتوبر، أعلن صناع القرار في إسرائيل صراحة أن الرد سيكون بحجم مختلف تماماً عن العمليات العسكرية السابقة في غزة، بهدف معلن هو القضاء التام على حماس. وقد قال الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي دانييل هغاري في 9 تشرين الأول: “التركيز على الضرر وليس على الدقة”. وسرعان ما ترجم الجيش تلك التصريحات إلى أفعال.
وفقاً للمصادر التي تحدثت إلى مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت، يمكن تقسيم الأهداف التي قصفتها الطائرات الإسرائيلية في غزة إلى أربع فئات. الأولى هي “الأهداف التكتيكية”، التي تشمل الأهداف العسكرية القياسية مثل الخلايا المسلحة، ومستودعات الأسلحة، وقاذفات الصواريخ، وقاذفات الصواريخ المضادة للدبابات، أنفاق الإطلاق، وقنابل الهاون، والمقرات العسكرية، ومراكز المراقبة، وما إلى ذلك.
والثانية هي “أهداف تحت الأرض” – بشكل أساس الأنفاق التي حفرتها حماس تحت أحياء غزة، بما في ذلك تحت منازل المدنيين. يمكن أن تؤدي الغارات الجوية على هذه الأهداف إلى انهيار المنازل فوق الأنفاق أو بالقرب منها.
والثالثة هي “أهداف تنطوي على قوة”، والتي تشمل المباني الشاهقة والأبراج السكنية في قلب المدن، والمباني العامة مثل الجامعات والبنوك والمكاتب الحكومية. الفكرة وراء ضرب مثل هذه الأهداف، كما تقول ثلاثة مصادر استخباراتية شاركت في تخطيط أو تنفيذ ضربات على “أهداف تنطوي على قوة” في الماضي، هي أن الهجوم المتعمد على المجتمع الفلسطيني سيمارس “ضغطاً مدنياً” على حماس.
أما الفئة الأخيرة فتتألف من “منازل العائلات” أو “منازل الناشطين”. والغرض المعلن من هذه الهجمات هو تدمير المساكن الخاصة من أجل اغتيال أحد السكان المشتبه به بأنه ناشط في حماس أو الجهاد الإسلامي. إلا أن الإفادات الفلسطينية في الحرب الراهنة تؤكد أن بعض العائلات التي قتلت لم يكن من بينها أي ناشطين من هذه التنظيمات.
في المراحل الأولى من الحرب الحالية، يبدو أن الجيش الإسرائيلي قد أولى اهتماماً خاصاً للفئتين الثالثة والرابعة من الأهداف. ووفقاً لتصريحات الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي في 11 تشرين الأول، خلال الأيام الخمسة الأولى من القتال، اعتبرت نصف الأهداف التي تم قصفها – 1,329 من أصل 2,687 – من نوع “أهداف تنطوي على قوة”.
“يُطلب منا البحث عن المباني الشاهقة التي يمكن أن نجد فيها جزءًا من طابق واحد تابعاً لحماس”، قال مصدر شارك في الهجمات الإسرائيلية السابقة على غزة. وأضاف: “في بعض الأحيان يكون مكتب المتحدث باسم جماعة مسلحة، أو نقطة يلتقي فيها النشطاء. فهمت أن الكلمة هي ذريعة تسمح للجيش بإحداث الكثير من الدمار في غزة. هذا ما قالوه لنا.
“إذا أخبروا العالم كله أن مكاتب [الجهاد الإسلامي] في الطابق 10 ليست مهمة كهدف لكن وجودها هو مبرر لهدم المبنى بأكمله بهدف الضغط على العائلات المدنية التي تعيش فيه من أجل الضغط على المنظمات الإرهابية، فإن هذا في حدّ ذاته سينظر إليه على أنه إرهاب. لذلك لا يقولون ذلك”.
وقالت مصادر مختلفة ممن خدموا في وحدات المخابرات الإسرائيلية إنه في الحروب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابق، كانت بروتوكولات الجيش تسمح بمهاجمة “أهداف تنطوي على قوة” فقط عندما تكون المباني خالية من السكان وقت الغارة. ومع ذلك، تشير الشهادات ومقاطع الفيديو من غزة إلى أنه منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول، تعرضت بعض هذه الأهداف للهجوم من دون إخطار مسبق لسكانها، مما أسفر عن مقتل عائلات بأكملها نتيجة لذلك.
يمكن اشتقاق الاستهداف الواسع النطاق للمنازل السكنية من البيانات العامة والرسمية. ووفقاً للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة – الذي يقدم حصيلة القتلى منذ أن توقفت وزارة الصحة في غزة عن القيام بذلك في 11 تشرين الثاني بسبب انهيار الخدمات الصحية في القطاع – بحلول الوقت الذي بدأ فيه وقف إطلاق النار المؤقت في 23 تشرين الثاني، كانت إسرائيل قد قتلت 14,800 فلسطيني في غزة؛ حوالى 6,000 منهم من الأطفال و4,000 من النساء. وهم يشكلون معاً أكثر من 67 في المائة من المجموع. الأرقام التي قدمتها وزارة الصحة والمكتب الإعلامي الحكومي – وكلاهما يقع تحت رعاية حكومة حماس – لا تحيد كثيراً عن التقديرات الإسرائيلية. علاوة على ذلك، لا تحدد وزارة الصحة في غزة عدد القتلى الذين ينتمون إلى الأجنحة العسكرية لحماس أو الجهاد الإسلامي. يقدر الجيش الإسرائيلي أنه قتل ما بين 1000 و3000 مسلح فلسطيني. ووفقاً لتقارير إعلامية في إسرائيل، فإن بعض المقاتلين القتلى مدفونون تحت الأنقاض أو داخل منظومة الأنفاق تحت الأرض، وبالتالي لم يتم إحصاؤهم في الإحصاءات الرسمية.
وتشير بيانات الأمم المتحدة للفترة حتى 11 تشرين الثاني/ نوفمبر، وهي الفترة التي قتلت فيها إسرائيل 11,078 فلسطينيا في غزة، إلى أن 312 أسرة على الأقل فقدت 10 أشخاص أو أكثر في الهجوم الإسرائيلي الحالي؛ وعلى سبيل المقارنة، خلال “عملية الجرف الصامد” في العام 2014، فقدت 20 أسرة في غزة 10 أشخاص أو أكثر. وفقدت 189 أسرة على الأقل ما بين ستة وتسعة أشخاص وفقاً لبيانات الأمم المتحدة، في حين فقدت 549 أسرة ما بين شخصين وخمسة أشخاص. لم يتم تقديم أي تفاصيل محدثة حتى الآن عن أرقام الضحايا المنشورة منذ 11 تشرين الثاني.
وجاءت الهجمات المكثفة على أهداف للكهرباء والمساكن الخاصة. كان ذلك أثناء قيام الجيش الإسرائيلي، في 13 تشرين الأول، بدعوة سكان شمال قطاع غزة البالغ عددهم 1.1 مليون نسمة، ومعظمهم يقيمون في مدينة غزة، إلى مغادرة منازلهم والانتقال إلى جنوب القطاع. وبحلول ذلك التاريخ، كان عدد قياسي من “الأهداف التي تنطوي على قوة” قد قصف، وكان أكثر من 1000 فلسطيني قد قتلوا بالفعل، بمن فيهم مئات الأطفال.
في المجموع، وفقاً للأمم المتحدة، تم تهجير 1.7 مليون فلسطيني، هم الغالبية العظمى من سكان القطاع، داخل غزة منذ 7 أكتوبر. وادعى الجيش أن المطالبة بإخلاء شمال القطاع تهدف إلى حماية أرواح المدنيين. ومع ذلك، يرى الفلسطينيون أن هذا النزوح الجماعي جزء من “نكبة جديدة” – محاولة للتطهير العرقي لجزء من الأراضي أو كلها.
“هدموا مبنى شاهقاً من أجل الهدم فقط“
ووفقاً للجيش الإسرائيلي، خلال الأيام الخمسة الأولى من القتال ألقيت 6000 قنبلة على القطاع، بوزن إجمالي يبلغ حوالى 4000 طن. وذكرت وسائل الإعلام أن الجيش قد قضى على أحياء بأكملها. وفقاً لمركز الميزان لحقوق الإنسان ومقره غزة، أدت هذه الهجمات إلى “التدمير الكامل للأحياء السكنية، وتدمير البنية التحتية، والقتل الجماعي للسكان”.
كما وثق مركز الميزان، بالإضافة إلى العديد من الصور القادمة من غزة، قيام إسرائيل بقصف الجامعة الإسلامية في غزة، ونقابة المحامين الفلسطينيين، ومبنى الأمم المتحدة لبرنامج تعليمي للطلاب المتفوقين، ومبنى تابعاً لشركة الاتصالات الفلسطينية، ووزارة الاقتصاد الوطني، ووزارة الثقافة، والطرق، وعشرات المباني الشاهقة والمنازل – خاصة في الأحياء الشمالية من غزة.
في اليوم الخامس من القتال، وزع الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي على المراسلين العسكريين في إسرائيل صور الأقمار الصناعية التي تشير إلى حالة الأحياء في شمال القطاع قبل القصف وبعده، مثل الشجاعية والفرقان في مدينة غزة، والتي أظهرت عشرات المنازل والمباني المدمرة. وقال الجيش الإسرائيلي إنه قصف 182 “هدفاً ينطوي على قوة” في الشجاعية و312 “هدفاً ينطوي على قوة” في الفرقان.
وقال رئيس أركان سلاح الجو الإسرائيلي، عومير تشلر، للصحافيين العسكريين إن جميع هذه الهجمات كان لها هدف عسكري مشروع، ولكن أيضاً تعرضت أحياء بأكملها للهجوم “على نطاق واسع وليس بطريقة دقيقة”. وفي إشارة إلى أن نصف الأهداف العسكرية حتى 11 تشرين الأول كانت من نوع “أهداف تنطوي على قوة”. وقال الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي إن “الأحياء التي تستخدم كأوكار إرهابية لحماس” تعرضت للهجوم وأن الأضرار لحقت بـ”مقرات العمليات” و”الأصول العملياتية” و”الأصول التي تستخدمها المنظمات الإرهابية داخل المباني السكنية”. وفي 12 تشرين الأول، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قتل ثلاثة “أعضاء بارزين في حماس”، اثنان منهم كانا جزءاً من الجناح السياسي للحركة.
لكن على الرغم من القصف الإسرائيلي الشامل، يبدو أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية العسكرية لحماس في شمال غزة خلال الأيام الأولى من الحرب كانت ضئيلة للغاية. في الواقع، أخبرت مصادر استخباراتية كلا من مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت بأن الأهداف العسكرية التي كانت جزءاً من “أهداف تنطوي على قوة” قد استخدمت سابقاً عدة مرات كذريعة لإيذاء السكان المدنيين. “حماس موجودة في كل مكان في غزة. لا يوجد مبنى لا يحتوي على شيء من حماس، لذلك إذا كنت تريد إيجاد طريقة لتحويل مبنى شاهق إلى هدف، فستتمكن من القيام بذلك”.
“لن يضربوا أبداً مبنى شاهقاً ليس فيه شيء يمكننا تعريفه كهدف عسكري”، قال مصدر استخباراتي آخر، الذي نفذ ضربات سابقة ضد “أهداف تنطوي على قوة”. و”سيكون هناك دائماً طابق يتعلق بحماس في أي مبنى شاهق. لكن بشكل عام، عندما يتعلق الأمر بـ “أهداف تنطوي على قوة”، من الواضح أن الهدف ليس له قيمة عسكرية تبرر هجوماً من شأنه أن يسقط المبنى الفارغ بأكمله في وسط المدينة، بمساعدة ست طائرات وقنابل تزن عدة أطنان”.
في الواقع، وفقاً لمصادر شاركت في تجميع أهداف القوة في الحروب السابقة، على الرغم من أن ملف الهدف يحتوي عادة على نوع من الارتباط المزعوم بحماس أو غيرها من الجماعات المسلحة، فإن ضرب الهدف يعمل في المقام الأول كـ”وسيلة تسمح بإلحاق الضرر بالمجتمع المدني”. وفهمت المصادر، بعضها صراحة وبعضها ضمنياً، أن الضرر اللاحق بالمدنيين هو الغرض الحقيقي من هذه الهجمات.
ففي أيار 2021، على سبيل المثال، تعرضت إسرائيل لانتقادات شديدة لقصفها برج الجلاء، الذي يضم وسائل إعلام دولية بارزة مثل الجزيرة وأسوشيتد برس ووكالة فرانس برس. وادعى الجيش أن المبنى كان هدفاً عسكرياً لحماس. أخبرت كل من مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت بأنه كان في الواقع “هدفاً ينطوي على قوة”.
“التصور هو أنه يضر حماس حقاً عندما يتم هدم المباني الشاهقة، لأنه يخلق رد فعل شعبي في قطاع غزة ويخيف السكان”، قال أحد المصادر. “لقد أرادوا إعطاء مواطني غزة شعوراً بأن حماس لا تسيطر على الوضع. في بعض الأحيان أطاحوا بالمباني وأحياناً الخدمات البريدية والمباني الحكومية”.
على الرغم من أنه من غير المسبوق أن يهاجم الجيش الإسرائيلي أكثر من 1000 “هدف قوة” في خمسة أيام، فإن فكرة التسبب في دمار شامل للمناطق المدنية لأغراض استراتيجية تمت صياغتها في العمليات العسكرية السابقة في غزة، التي تحاكي ما يسمى بـ”عقيدة الضاحية” التي تبلورت في حرب لبنان الثانية العام 2006.
وفقاً للعقيدة – التي طورها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي أيزنكوت، الذي هو الآن عضو في الكنيست وجزء من حكومة الحرب الحالية – في حرب العصابات مع جماعات مثل حماس أو حزب الله، يجب على إسرائيل استخدام القوة غير المتناسبة والساحقة أثناء استهداف البنية التحتية المدنية والحكومية من أجل إقامة الردع وإجبار السكان المدنيين على الضغط على الجماعات لإنهاء هجماتها. ويبدو أن مفهوم “أهداف القوة” قد انبثق من هذا المنطق نفسه.
كانت المرة الأولى التي حدد فيها الجيش الإسرائيلي علناً أهدافاً للقوة في غزة في نهاية عملية “الجرف الصامد” في العام 2014. قصف الجيش أربعة مبان خلال الأيام الأربعة الأخيرة من الحرب – ثلاثة مبان سكنية متعددة الطوابق في مدينة غزة، ومبنى شاهق في رفح. وأوضحت المؤسسة الأمنية في ذلك الوقت أن الهجمات كانت تهدف إلى إيصال رسالة إلى الفلسطينيين في غزة بأنه “لم يعد هناك شيء محصن”، وحثها للضغط على حماس للموافقة على وقف إطلاق النار. و”تظهر الأدلة التي جمعناها أن الدمار الهائل [للمباني] تم تنفيذه عمداً ودون أي مبرر عسكري” ، كما جاء في تقرير لمنظمة العفو الدولية [أمنستي] في وقت متأخر من العام 2014.
وفي تصعيد عنيف آخر بدأ في تشرين الثاني 2018، هاجم الجيش مرة أخرى أهدافاً تنطوي على قوة. في ذلك الوقت، قصفت إسرائيل المباني الشاهقة ومراكز التسوق ومبنى قناة الأقصى التلفزيونية التابعة لحماس. “مهاجمة أهداف القوة ينتج عنه تأثير كبير جداً على الجانب الآخر”، صرح أحد ضباط القوات الجوية في ذلك الوقت. و”قد فعلنا ذلك دون قتل أي شخص وتأكدنا من إخلاء المبنى والمناطق المحيطة به”.
وقد أظهرت العمليات السابقة أيضاً كيف أن ضرب هذه الأهداف لا يهدف فقط إلى الإضرار بالروح المعنوية للفلسطينيين، ولكن أيضاً إلى رفع الروح المعنوية داخل إسرائيل. وكشفت صحيفة “هآرتس” أنه خلال حملة “حارس الأسوار” في العام 2021، أجرت وحدة الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي عملية نفسية ضد المواطنين الإسرائيليين من أجل زيادة الوعي بعمليات الجيش الإسرائيلي في غزة والأضرار التي ألحقتها بالفلسطينيين. قام الجنود، الذين استخدموا حسابات مزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي لإخفاء أصل الحملة، بتحميل صور ومقاطع من ضربات الجيش في غزة على تويتر وفيسبوك وإنستغرام وتيك توك من أجل إظهار براعة الجيش للجمهور الإسرائيلي.
خلال هجوم العام 2021، ضربت إسرائيل تسعة أهداف تم تحديدها على أنها أهداف قوة – وكلها مبان شاهقة. “كان الهدف هو انهيار المباني الشاهقة من أجل الضغط على حماس، وأيضاً حتى يرى الجمهور [الإسرائيلي] صورة النصر”، كما قال مصدر أمني لمجلة +972 وموقع سيحا مكوميت.
ومع ذلك، تابع المصدر، “الأمر لم ينجح. أنا أعلم أن الجيش الإسرائيلي غير مهتم بالمدنيين والمباني التي تم هدمها. في بعض الأحيان وجد الجيش شيئاً ما في مبنى شاهق مرتبطاً بحماس، لكن كان من الممكن أيضاً ضرب هذا الهدف المحدد بأسلحة أكثر دقة. خلاصة القول هي أنهم هدموا مبنى شاهقاً فقط من أجل هدم مبنى شاهق”.
“كان الجميع يبحثون عن أطفالهم في هذه الأكوام“
لم تشهد الحرب الحالية فقط قيام إسرائيل بمهاجمة عدد غير مسبوق من أهداف القوة، بل شهدت أيضاً تخلي الجيش عن سياساته السابقة التي كانت تهدف إلى تجنب إلحاق الأذى بالمدنيين. في حين كان الإجراء الرسمي للجيش في السابق هو أنه لا يمكن مهاجمة أهداف للقوة إلا بعد إجلاء جميع المدنيين منها، وتشير شهادات السكان الفلسطينيين في غزة إلى أنه منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول، هاجمت إسرائيل المباني الشاهقة التي لا يزال سكانها بداخلها، أو دون اتخاذ خطوات مهمة لإخلائها، مما أدى إلى مقتل العديد من المدنيين.
وغالباً ما تؤدي مثل هذه الهجمات إلى مقتل عائلات بأكملها، كما حدث في الهجمات السابقة؛ وفقاً لتحقيق أجرته وكالة أسوشيتد برس بعد حرب العام 2014. حوالى 89 في المائة من القتلى في القصف الجوي لمنازل العائلات كانوا من السكان العزل، ومعظمهم من الأطفال والنساء.
وأكد تيشلر، رئيس أركان القوات الجوية، بأن هناك تحولاً في السياسة الإسرائيلية، وقال للصحافيين إن سياسة “طرق الأسطح” التي ينتهجها الجيش – حيث يطلق ضربة أولية صغيرة على سطح مبنى لتحذير السكان من أنه على وشك أن يتعرض للقصف – لم تعد قيد الاستخدام. وقال تيشلر إن طرق السقف هو “مصطلح وثيق الصلة بجولات [قتال] وليس بالحرب”.
وقالت المصادر التي عملت سابقاً على أهداف القوة إن الاستراتيجية الوقحة للحرب الحالية يمكن أن تكون تطوراً خطيراً، موضحة أن مهاجمة أهداف القوة كان يهدف في الأصل إلى “صدمة” غزة، لكن ليس بالضرورة قتل أعداد كبيرة من المدنيين. “تم تصميم الأهداف على افتراض أنه سيتم إخلاء المباني الشاهقة من الناس، لذلك عندما كنا نعمل على [تجميع الأهداف]، لم يكن هناك أي قلق على الإطلاق بشأن عدد المدنيين الذين سيتعرضون للأذى. كان الافتراض أن الرقم سيكون دائماً صفراً”، قال مصدر لديه معرفة عميقة بالتكتيك.
وأضاف المصدر: “هذا يعني أنه سيكون هناك إخلاء كامل [للمباني المستهدفة]، الأمر الذي يستغرق ساعتين إلى ثلاث ساعات، يتم خلالها استدعاء السكان [عبر الهاتف للإخلاء]، وإطلاق صواريخ تحذيرية، كما نتحقق من لقطات الطائرات بدون طيار من أن الناس يغادرون بالفعل المباني الشاهقة”.
ومع ذلك، تشير الأدلة من غزة إلى أن بعض المباني الشاهقة – التي نفترض أنها كانت أهدافاً للقوة – قد أطيح بها دون سابق إنذار. حددت مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت حالتين على الأقل خلال الحرب الحالية حيث تم قصف المباني السكنية الشاهقة بأكملها وانهيارها دون سابق إنذار، وحالة واحدة، وفقاً للأدلة، انهار مبنى شاهق على المدنيين الذين كانوا في داخله.
وفي 10 تشرين الأول، قصفت إسرائيل مبنى بابل في غزة، وفقاً لشهادة بلال أبو حصيرة، الذي أنقذ الجثث من تحت الأنقاض في تلك الليلة. قتل عشرة أشخاص في الهجوم على المبنى، بينهم ثلاثة صحافيين. وفي 25 تشرين الأول، قصف مبنى التاج السكني المكون من 12 طابقاً في مدينة غزة وسُوّي بالأرض، مما أسفر عن مقتل العائلات التي تعيش داخله دون سابق إنذار. تم دفن حوالى 120 شخصاً تحت أنقاض شققهم، وفقا لشهادات السكان. كتب يوسف عمار شرف، أحد سكان التاج، على موقع X أن 37 من أفراد عائلته الذين كانوا يعيشون في المبنى قتلوا في الهجوم: “أبي وأمي العزيزان، وزوجتي الحبيبة، وأبنائي، ومعظم إخوتي وعائلاتهم”. وذكر السكان أنه تم إلقاء الكثير من القنابل، مما ألحق أضراراً ودمر شققاً في المباني المجاورة أيضا.ً
وبعد ستة أيام، في 31 تشرين الأول، تم قصف مبنى المهندسين السكني المكون من ثمانية طوابق دون سابق إنذار. وبحسب ما ورد تم انتشال ما بين 30 و45 جثة من تحت الأنقاض في اليوم الأول. تم العثور على طفل واحد على قيد الحياة، دون والديه. وقدر الصحافيون أن أكثر من 150 شخصاً قتلوا في الهجوم، حيث ظل الكثيرون مدفونين تحت الأنقاض.
وكان المبنى قائماً في مخيم النصيرات للاجئين، جنوب وادي غزة – في “المنطقة الآمنة” المفترضة التي وجهت إليها إسرائيل الفلسطينيين الذين فروا من منازلهم في شمال ووسط غزة – وبالتالي كان بمثابة مأوى مؤقت للنازحين، وفقاً للشهادات.
وفقاً لتحقيق أجرته منظمة العفو الدولية، في 9 تشرين الأول، قصفت إسرائيل ما لا يقل عن ثلاثة مبان متعددة الطوابق، فضلاً عن سوق مفتوحة للسلع المستعملة في شارع مزدحم في مخيم جباليا للاجئين، مما أسفر عن مقتل 69 شخصاً على الأقل. “كانت الجثث محترقة… لم أكن أريد أن أنظر، كنت خائفاً من النظر إلى وجه عماد”، قال والد طفل قتل في الهجوم. و”كانت الجثث متناثرة على الأرض. كان الجميع يبحثون عن أطفالهم في هذه الأكوام. تعرفت على ابني فقط من سرواله. أردت دفنه على الفور، فحملت ابني وأخرجته”.
وفقاً لتحقيق منظمة العفو الدولية، قال الجيش إن الهجوم على منطقة السوق كان يستهدف مسجداً “حيث كان هناك نشطاء من حماس”. ومع ذلك، وفقاً للتحقيق نفسه، لا تظهر صور الأقمار الصناعية مسجداً في المنطقة المجاورة. لم يرد الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي على استفسارات مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت حول هجمات محددة، لكنه ذكر بشكل عام ما يلي: “إن الجيش الإسرائيلي قدم تحذيرات قبل الهجمات بطرق مختلفة، وعندما سمحت الظروف بذلك، قام أيضاً بتسليم تحذيرات فردية من خلال المكالمات الهاتفية إلى الأشخاص الذين كانوا بالقرب من الأهداف (كان هناك أكثر من 25000 محادثة مباشرة خلال الحرب، إلى جانب ملايين المحادثات المسجلة والرسائل النصية والمنشورات التي تم إسقاطها من الهواء لغرض تحذير السكان). بشكل عام، يعمل الجيش الإسرائيلي على تقليل الضرر اللاحق بالمدنيين كجزء من الهجمات قدر الإمكان، على الرغم من التحدي المتمثل في محاربة منظمة إرهابية تستخدم مواطني غزة كدروع بشرية”.
“أنتجت المنظومة 100 هدف في يوم واحد“
وفقاً للمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، خلال الأيام الـ 35 الأولى من القتال، هاجمت إسرائيل ما مجموعه 15,000 هدف في غزة. واستناداً إلى مصادر متعددة، يعد هذا الرقم مرتفعاً جداً مقارنة بالعمليات الرئيسة الأربع السابقة في القطاع. خلال عملية “حارس الأسوار” في العام 2021، هاجمت إسرائيل 1500 هدف في 11 يوماً. في عملية “الجرف الصامد” في العام 2014، التي استمرت 51 يوماً، ضربت إسرائيل ما بين 5,266 و6,231 هدفاً. خلال عملية “عامود السحاب” في العام 2012، تعرض حوالى 1,500 هدف للهجوم على مدى ثمانية أيام. في عملية “الرصاص المصبوب” في العام 2008، ضربت إسرائيل 3,400 هدف في 22 يوماً.
كما أخبرت مصادر استخباراتية خدمت في العمليات السابقة كلاً من مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت أنه لمدة 10 أيام في العام 2021 وثلاثة أسابيع في العام 2014، أدى معدل الهجوم -من 100 إلى 200 هدف في اليوم- إلى وضع لم يتبق فيه لسلاح الجو الإسرائيلي أي أهداف ذات قيمة عسكرية. لماذا إذن، بعد ما يقرب من شهرين، لم ينفد الجيش الإسرائيلي بعد من الأهداف في الحرب الحالية؟
قد يكمن الجواب في بيان صادر عن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي في 2 تشرين الثاني، والذي بموجبه يستخدم نظام الذكاء الاصطناعي “هبسورا”، الذي يقول المتحدث إنه “يتيح استخدام الأدوات الآلية لإنتاج أهداف بوتيرة سريعة، ويعمل من خلال تحسين المواد الاستخباراتية الدقيقة وعالية الجودة وفقاً للاحتياجات [التشغيلية]”.
في البيان، نقل عن مسؤول استخباراتي كبير قوله إنه بفضل “هبسورا”، يتم إنشاء أهداف لضربات دقيقة “مع التسبب في أضرار كبيرة للعدو والحد الأدنى من الضرر لغير المقاتلين. نشطاء حماس ليسوا محصنين – بغض النظر عن المكان الذي يختبئون فيه”.
ووفقاً لمصادر استخباراتية، فإن “هبسورا” يصدر، من بين أمور أخرى، توصيات تلقائية لمهاجمة المساكن الخاصة التي يعيش فيها أشخاص يشتبه في أنهم من حماس أو الجهاد الإسلامي. ثم تنفذ إسرائيل عمليات اغتيال واسعة النطاق من خلال القصف العنيف لهذه المنازل السكنية.
وأوضح أحد المصادر أن “هبسورا” يعالج كميات هائلة من البيانات التي “لم يتمكن عشرات الآلاف من ضباط المخابرات من معالجتها”، ويوصي بقصف المواقع في الوقت الفعلي. ولأن معظم كبار مسؤولي حماس يتوجهون إلى الأنفاق تحت الأرض مع بدء أي عملية عسكرية، كما تقول المصادر، فإن استخدام نظام مثل “هبسورا” يجعل من الممكن تحديد مواقع منازل نشطاء صغار نسبياً ومهاجمتها.
وأوضح ضابط مخابرات سابق أن نظام “هبسورا” يمكن الجيش من إدارة “آلة عسكرية للاغتيالات الجماعية”، حيث “ينصب التركيز على الكمية وليس على النوعية”… وبما أن إسرائيل تقدر أن هناك ما يقرب من 30,000 من أعضاء حماس في غزة، وجميعهم محكوم عليهم بالموت، فإن عدد الأهداف المحتملة هائل.
في العام 2019، أنشأ الجيش الإسرائيلي مركزاً جديداً يهدف إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتسريع توليد الأهداف. “الشعبة الإدارية للأهداف هي وحدة تضم مئات الضباط والجنود، وتستند إلى قدرات الذكاء الاصطناعي”، كما قال رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي السابق أفيف كوخافي في مقابلة معمقة مع “واينت” في وقت سابق من هذا العام.
“هذه منظومة منتجة، وتعمل بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وتعالج الكثير من البيانات بشكل أفضل وأسرع من أي إنسان، وتترجمها إلى أهداف للهجوم” ، تابع كوخافي. “كانت النتيجة أنه في عملية حارس الأسوار [في العام 2021] ، منذ اللحظة التي تم فيها تفعيل هذه المنظومة، ولد 100 هدف جديد كل يوم. كما ترى، في الماضي كانت هناك أوقات في غزة كنا ننشئ 50 هدفاً في السنة. وهنا أنتجت المنظومة 100 هدف في يوم واحد”.
“نحن نعد الأهداف تلقائياً ونعمل وفقاً لقائمة مرجعية”، قال أحد المصادر التي عملت في القسم الإداري الجديد للأهداف لمجلة +972 وموقع سيحا مكوميت. “إنه حقاً مثل المصنع. نحن نعمل بسرعة وليس هناك وقت للتعمق في الهدف. وجهة النظر هي أنه يتم الحكم علينا وفقاً لعدد الأهداف التي ننجح في توليدها”.
وقال مسؤول عسكري كبير مسؤول عن بنك الأهداف لصحيفة “جيروزاليم بوست” في وقت سابق من هذا العام إنه بفضل أنظمة الذكاء الاصطناعي، تمكن الجيش لأول مرة من توليد أهداف جديدة بمعدل أسرع من هجماته. وقال مصدر آخر إن الدافع إلى توليد أعداد كبيرة من الأهداف تلقائياً هو تحقيق “عقيدة الضاحية”.
وهكذا، سهلت الأنظمة الآلية مثل “هبسورا” إلى حد كبير عمل ضباط المخابرات الإسرائيلية في اتخاذ القرارات أثناء العمليات العسكرية، بما في ذلك حساب الخسائر المحتملة. وأكدت خمسة مصادر مختلفة أن عدد المدنيين الذين قد يقتلون في هجمات على مساكن خاصة معروف مسبقاً للمخابرات الإسرائيلية، ويظهر بوضوح في ملف الهدف تحت فئة “الأضرار الجانبية”.
وفقاً لهذه المصادر، هناك درجات من الأضرار الجانبية، التي بموجبها يحدد الجيش ما إذا كان من الممكن مهاجمة هدف في داخل مبنى سكني. وقال أحد المصادر: “عندما يصبح التوجيه العام ‘الأضرار الجانبية هو 5’، فهذا يعني أننا مخولون بضرب جميع الأهداف التي ستقتل خمسة مدنيين أو أقل – يمكننا التصرف في جميع ملفات الأهداف التي هي خمسة أو أقل”.
“في الماضي، لم نكن نحدد بانتظام منازل صغار أعضاء حماس للقصف”، قال مسؤول أمني شارك في مهاجمة أهداف خلال العمليات السابقة. “في وقتي ، إذا تم وضع علامة على المنزل الذي كنت أعمل فيه على أنه أضرار جانبية 5 ، فلن تتم الموافقة عليه دائماً [للهجوم].” وقال إن هذه الموافقة لن يتم الحصول عليها إلا إذا كان من المعروف أن أحد كبار قادة حماس يعيش في المنزل.
“حسب فهمي، اليوم يمكنهم تمييز جميع منازل [أي ناشط عسكري من حماس بغض النظر عن رتبته]”، وهو هدف. وتابع المصدر: “هذا يعني الكثير من المنازل. أعضاء حماس الذين لا يهتمون حقاً لأي شيء يعيشون في منازل في جميع أنحاء غزة. لذلك يحددون المنزل ويقصفون المنزل ويقتلون الجميع هناك”.
سياسة منسقة لقصف منازل العائلات
في 22 تشرين الأول، قصف سلاح الجو الإسرائيلي منزل الصحافي الفلسطيني أحمد الناعوق في مدينة دير البلح. وأحمد صديق مقرب وزميل لي. قبل أربع سنوات، أسسنا صفحة عبرية على الفيسبوك تسمى “عبر الجدار”، بهدف جلب الأصوات الفلسطينية من غزة إلى الجمهور الإسرائيلي.
أدت الغارة في 22 تشرين الأول إلى انهيار كتل خرسانية على عائلة أحمد بأكملها، مما أسفر عن مقتل والده وإخوته وأخواته وجميع أطفالهم، بمن فيهم الرضع. ولم ينج سوى ابنة أخيه ملك البالغة من العمر 12 عاما وظلت في حالة حرجة، وكان جسدها مغطى بالحروق. بعد بضعة أيام، توفيت ملك.
قتل واحد وعشرون فرداً من عائلة أحمد إجمالاً، ودفنوا تحت منزلهم. لم يكن أي منهم من المسلحين. كان أصغرهم يبلغ من العمر عامين. أكبرهم، والده، كان يبلغ من العمر 75 عاما. أحمد، الذي يعيش حالياً في المملكة المتحدة، هو الآن وحيد من عائلته بأكملها.
تحمل مجموعة عائلة أحمد على تطبيق واتساب عنوان “معاً أفضل”. آخر رسالة تظهر هناك أرسلها بعد منتصف الليل بقليل في الليلة التي فقد فيها عائلته. وكتب: “أخبرني أحدهم أن كل شيء على ما يرام”. لم يجب أحد. نام، لكنه استيقظ في حالة من الذعر في الساعة 4 صباحاً. غارقاً في العرق، فحص هاتفه مرة أخرى. صمت. ثم تلقى رسالة من صديق مع الأخبار الرهيبة.
حالة أحمد شائعة في غزة هذه الأيام. وفي المقابلات التي أجريت مع الصحافة، كان رؤساء مستشفيات غزة يرددون الوصف نفسه: تدخل العائلات المستشفيات كسلسلة من الجثث، وطفل يليه والده يليه جده. الجثث كلها مغطاة بالأوساخ والدم.
ووفقاً لأقوال ضباط سابقين في المخابرات الإسرائيلية، في كثير من الحالات التي يتم فيها تفجير مسكن خاص، يكون الهدف هو “اغتيال نشطاء حماس أو الجهاد”، ويتم مهاجمة هذه الأهداف عندما يدخل الناشط إلى المنزل. يعرف باحثو الاستخبارات ما إذا كان أفراد عائلة الهدف أو جيرانه قد يموتون أيضاً في هجوم، ويعرفون كيفية حساب عدد الأشخاص الذين قد يموتون. قال كل من المصادر إن هذه منازل خاصة، حيث لا يتم تنفيذ أي نشاط عسكري في معظم الحالات.
لا تملك مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت بيانات تتعلق بعدد العناصر العسكرية الذين قتلوا أو جرحوا بالفعل في غارات جوية على مساكن خاصة في الحرب الحالية، لكن هناك أدلة كثيرة على أنه في كثير من الحالات، لم يكن أي منهم عسكرياً أو سياسياً ينتمي إلى حماس أو الجهاد الإسلامي.
وفي 10 تشرين الأول، قصف سلاح الجو الإسرائيلي مبنى سكنياً في حي الشيخ رضوان في غزة، مما أسفر عن مقتل 40 شخصاً، معظمهم من النساء والأطفال. في أحد مقاطع الفيديو المروعة التي تم التقاطها بعد الهجوم، شوهد الناس يصرخون، ويحملون ما يبدو أنه دمية تم سحبها من تحت أنقاض المنزل، ويمررونها من يد إلى أخرى. عندما تقوم الكاميرا بالتكبير، يمكن للمرء أن يرى أنها ليست دمية، بل جسد طفل.
قال أحد السكان إن 19 من أفراد عائلته قتلوا في الغارة. وكتب ناج آخر على فيسبوك أنه لم يجد سوى كتف ابنه تحت الأنقاض. حققت منظمة العفو الدولية في الهجوم واكتشفت أن أحد أعضاء حماس كان يعيش في أحد الطوابق العليا من المبنى، لكنه لم يكن موجوداً وقت الهجوم.
ومن المرجح أن قصف منازل العائلات التي يفترض أن نشطاء حماس أو الجهاد الإسلامي يعيشون فيها أصبح سياسة أكثر تنسيقاً للجيش الإسرائيلي خلال عملية “الجرف الصامد” في العام 2014. في ذلك الوقت، كان 606 فلسطينيين – حوالى ربع القتلى المدنيين خلال 51 يوماً من القتال – من أفراد عائلات قصفت منازلها. وعرفها تقرير للأمم المتحدة في العام 2015 بأنها جريمة حرب محتملة و “نمط جديد” من العمل “أدى إلى وفاة عائلات بأكملها”.
وفي العام 2014، قتل 93 طفلاً نتيجة القصف الإسرائيلي لمنازل العائلات، من بينهم 13 طفلاً دون سن سنة واحدة. قبل شهر، تم بالفعل تحديد 286 طفلاً تتراوح أعمارهم بين عام واحد أو أقل على أنهم قتلوا في غزة، وفقاً لقائمة مفصلة بأعمار الضحايا نشرتها وزارة الصحة في غزة في 26 تشرين الأول. ومن المرجح أن العدد قد تضاعف مرتين أو ثلاث مرات منذ ذلك الحين.
ومع ذلك، في كثير من الحالات، وخاصة خلال الهجمات الحالية على غزة، نفذ الجيش الإسرائيلي هجمات أصابت مساكن خاصة حتى عندما لا يكون هناك هدف عسكري معروف أو واضح. على سبيل المثال، وفقاً للجنة حماية الصحافيين، بحلول 29 تشرين الثاني، قتلت إسرائيل 50 صحافياً فلسطينياً في غزة، بعضهم في منازلهم مع عائلاتهم.
رشدي السراج (31 عاما)، صحافي من غزة ولد في بريطانيا، أسس وسيلة إعلامية في غزة تسمى “عين ميديا”. وفي 22 تشرين الأول، أصابت قنبلة إسرائيلية منزل والديه حيث كان نائماً، مما أسفر عن مقتله. كما توفيت الصحافية سلام ميمة تحت أنقاض منزلها بعد قصفه. من بين أطفالها الثلاثة الصغار، توفي هادي (7 سنوات)، بينما لم يتم العثور على شام (3 سنوات)، تحت الأنقاض. وقتل صحافيان آخران، هما دعاء شرف وسلمى مخيمر، مع أطفالهما في منازلهم.
وقد اعترف محللون إسرائيليون بأن الفعالية العسكرية لهذه الأنواع من الهجمات الجوية غير المتناسبة محدودة. بعد أسبوعين من بدء القصف في غزة (وقبل الغزو البري) – بعد إحصاء جثث 1,903 أطفال وحوالى 1,000 امرأة و187 رجلاً مسناً في قطاع غزة – غرد المعلق الإسرائيلي آفي يسسخاروف قائلاً: “بقدر صعوبة سماع ذلك، في اليوم الـ 14 من القتال، لا يبدو أن الذراع العسكرية لحماس قد تضررت بشكل كبير. الضرر الأكبر الذي لحق بالقيادة العسكرية هو اغتيال [قائد حماس] أيمن نوفل”.
“معمل اغتيالات جماعية“
يعمل نشطاء حماس بانتظام انطلاقاً من شبكة معقدة من الأنفاق التي بنيت تحت مساحات شاسعة من قطاع غزة. هذه الأنفاق، كما أكد ضباط المخابرات الإسرائيلية السابقون الذين تحدثنا إليهم، تمر أيضاً تحت المنازل والطرق. ولذلك، فإن المحاولات الإسرائيلية لتدميرها بالضربات الجوية من المرجح أن تؤدي في كثير من الحالات إلى قتل المدنيين. وقد يكون هذا سبباً آخر للعدد الكبير من الأسر الفلسطينية التي تم القضاء عليها في الهجوم الحالي.
قال ضباط المخابرات الذين تمت مقابلتهم أثناء إعداد هذا المقال إن الطريقة التي صممت بها حماس شبكة الأنفاق في غزة تستغل عن عمد السكان المدنيين والبنية التحتية فوق الأرض. كما كانت هذه الادعاءات أساس الحملة الإعلامية التي شنتها إسرائيل إزاء الهجمات والاقتحامات لمستشفى الشفاء والأنفاق التي تم اكتشافها تحته.
كما هاجمت إسرائيل عدداً كبيراً من الأهداف العسكرية: نشطاء مسلحون من حماس، ومواقع لإطلاق الصواريخ، والقناصة، وفرق مضادة للدبابات، ومقرات عسكرية، وقواعد، ومراكز مراقبة، وغيرها. ومنذ بداية الغزو البري، استخدم القصف الجوي ونيران المدفعية الثقيلة لتوفير الدعم للقوات الإسرائيلية على الأرض. ويقول خبراء في القانون الدولي إن هذه الأهداف مشروعة، طالما أن الضربات تمتثل لمبدأ التناسب.
رداً على استفسار من مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت، قال الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي: “الجيش الإسرائيلي ملتزم بالقانون الدولي ويتصرف وفقاً له، وبذلك يهاجم أهدافاً عسكرية ولا يهاجم المدنيين. تضع منظمة حماس الإرهابية عناصرها وأصولها العسكرية في قلب السكان المدنيين. تستخدم حماس السكان المدنيين بشكل منهجي كدروع بشرية، وتشن القتال من المباني المدنية، بما في ذلك المواقع الحساسة مثل المستشفيات والمساجد والمدارس ومرافق الأمم المتحدة”.
كما زعمت مصادر استخباراتية تحدثت إلى مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت أنه في كثير من الحالات “تتعمد حماس تعريض السكان المدنيين في غزة للخطر وتحاول منع المدنيين بالقوة من الإخلاء”. وقال مصدران إن قادة حماس “يفهمون أن الضرر الإسرائيلي بالمدنيين يمنحهم الشرعية في القتال”.
في الوقت نفسه، في حين أنه من الصعب تخيل ذلك الآن، فإن فكرة إسقاط قنبلة تزن طناً واحداً تهدف إلى قتل ناشط في حماس، ولكن ينتهي بها الأمر بقتل عائلة بأكملها كـ “أضرار جانبية” لم تكن دائماً مقبولة بسهولة من قبل قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي. ففي العام 2002، على سبيل المثال، قصف سلاح الجو الإسرائيلي منزل صلاح مصطفى محمد شحادة، الذي كان آنذاك قائد كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس. قتلته القنبلة وزوجته إيمان وابنته ليلى البالغة من العمر 14 عاماً و14 مدنياً آخرين، بينهم 11 طفلاً. وأثار القتل ضجة عامة في كل من إسرائيل والعالم، واتهمت إسرائيل بارتكاب جرائم حرب.
وأدى هذا الانتقاد إلى قرار اتخذه الجيش الإسرائيلي في العام 2003 بإسقاط قنبلة أصغر وزنها ربع طن على اجتماع لكبار مسؤولي حماس – بمن فيهم قائد كتائب القسام المراوغ محمد ضيف – في مبنى سكني في غزة، على الرغم من الخوف من أنها لن تكون قوية بما يكفي لقتلهم. في كتابه “من أجل معرفة حماس”، كتب الصحافي الإسرائيلي المخضرم شلومي إلدار أن قرار استخدام قنبلة صغيرة نسبياً كان بسبب سابقة شحادة، والخوف من أن قنبلة تزن طناً واحداً ستقتل المدنيين في المبنى أيضاً. وقد فشل الهجوم، وفر كبار ضباط الجناح العسكري من مكان الحادث.
في كانون الأول 2008، في أول حرب كبرى شنتها إسرائيل ضد حماس بعد استيلائها على السلطة في غزة، قال يوآف غالانت، الذي كان يترأس في ذلك الوقت القيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي، إن إسرائيل “تقصف لأول مرة منازل عائلات” كبار مسؤولي حماس بهدف تدميرها. ولكن لا يؤذون أسرهم. وشدد غالانت على أن المنازل هوجمت بعد أن تم تحذير العائلات بـ”طرق على السطح”، وكذلك عن طريق مكالمة هاتفية، بعد أن اتضح أن النشاط العسكري لحماس كان يحدث داخل المنزل.
بعد حملة “الجرف الصامد” في العام 2014، التي بدأت خلالها إسرائيل بضرب منازل العائلات بشكل منهجي من الجو، جمعت جماعات حقوق الإنسان مثل بتسيلم شهادات من فلسطينيين نجوا من هذه الهجمات. قال الناجون إن المنازل انهارت على أصحابها، وقطعت شظايا الزجاج جثث من بداخلها، والحطام “تفوح منه رائحة الدم”، ودفن الناس أحياء.
وتستمر هذه السياسة الفتاكة حتى اليوم – ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى استخدام الأسلحة المدمرة والتكنولوجيا المتطورة مثل “هبسورا”، ولكن أيضاً إلى المؤسسة السياسية والأمنية التي خففت من قبضة الآلية العسكرية الإسرائيلية. بعد خمسة عشر عاماً من إصراره على أن الجيش يبذل قصارى جهده لتقليل الضرر اللاحق بالمدنيين، من الواضح أن غالانت، الذي يشغل الآن منصب وزير الدفاع، قد غير لهجته. “نحن نحارب حيوانات بشرية ونتصرف وفقاً لذلك”، قال بعد 7 أكتوبر.
يوفال ابراهام
المصدر: موقع نون بوست
ما مدى جدّية تهديدات الحوثيين باستهداف السفن الإسرائيلية؟
|
في أعقاب تجدد العدوان الإسرائيلي على غزة بعد انتهاء الهدنة الجمعة الماضية، أكد العميد يحيى سريع المتحدث العسكري باسم الحوثيين في اليمن، استعداد الجماعة لاستئناف عملياتها ضد “إسرائيل”.
أضاف سريع في كلمة مسجلة، أنهم لن يترددوا في توسيع عملياتهم “لتشمل أهدافًا لا يتوقعها العدو الإسرائيلي في البر أو البحر”، مشددًا على استمرار ملاحقة السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر وأنهم سيتخذون المزيد من الإجراءات لضمان التنفيذ الكامل لقرار منع السفن الإسرائيلية “من الملاحة في البحر الأحمر”.
احتجاز سفينة مرتبطة برجل أعمال إسرائيلي
في خضم العدوان الذي يشنه جيش الاحتلال على قطاع غزة منذ قرابة شهرين، قامت جماعة الحوثي بخطف سفينة تجارية مرتبطة برجل أعمال إسرائيلي في البحر الأحمر قبل أيام، بينما علقت “إسرائيل” بأن السفينة مملوكة لبريطانيين ويديرها يابانيون، واصفةً الحادث بأنه “عمل إرهابي إيراني” ستكون له تداعيات على الأمن البحري الدولي.
لكنّ إيران نفت تلك الاتهامات معتبرةً أنها “فارغة وتنجم عن الظروف المعقدة التي يواجهها الكيان الصهيوني”، ويأتي ذلك بعد أيام من توعّد الحوثيين باستهداف السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر الذي تمر عبره أكثر من 10% من التجارة العالمية سنويًا.
وجاء احتجاز السفينة “غالاكسي ليدر” وطاقمها المكوّن من 25 فردًا، بعد فترة قصيرة من تهديد الحوثيين باستهداف السفن الإسرائيلية، على خلفية العدوان الإسرائيلي على غزة في تصعيد جديد لهجماتهم ضد الكيان المحتل.
فبعد ثلاثة أيام من بدء العدوان الإسرائيلي، حذر زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي من أن جماعته مستعدة للتدخل في الحرب باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ حال أي تدخل أمريكي في غزة.
وبالفعل، أطلق الحوثيون سلسلة هجمات بالصواريخ والمسيّرات من اليمن نحو جنوب “إسرائيل” تضامنًا مع حركة المقاومة الإسلامية حماس.
مسيرات وصواريخ
في 19 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قامت “يو إس إس كارني“، مدمرة الصواريخ الموجهة التابعة للبحرية الأمريكية في شمال البحر الأحمر، بإسقاط 4 صواريخ والعديد من الطائرات المسيرة التي أُطلقت من منطقة يمنية خاضعة لسيطرة الحوثيين يعتقد أنها كانت موجهة نحو “إسرائيل”.
وفي 27 أكتوبر/تشرين الثاني الماضي أيضًا، أحدثت طائرات مسيرة انفجارات في مدينتي طابا ونويبع المصريتين اللتين تطلاّن على البحر الأحمر والقريبتان من الحدود الإسرائيلية، وعلقّت وزارة الخارجية الإسرائيلية حينها أنّ الحوثيين المدعومين من إيران أطلقوا الطائرات المسيرة والصواريخ بهدف إلحاق الأذى بـ”إسرائيل”.
ووقع حادث ثالث مماثل في 31 أكتوبر/تشرين الأول، حينما أطلق الحوثيون صاروخًا باتجاه إيلات المحتلة، وأدى ذلك إلى إطلاق صفارات الإنذار في المدينة بينما هرع سكانها للبحث عن ملجأ يحميهم.
وقال جيش الاحتلال يومها إنه استخدم منظومة الدفاع الجوي “السهم” لاعتراض صاروخ أرض أرض في البحر الأحمر بعد إطلاقه صوب “إسرائيل”، وأعلن الحوثيون على لسان رئيس حكومتهم عبد العزيز بن حبتور مسؤوليتهم عن العملية حيث قالوا إنهم أطلقوا مسيّرات نحو الأراضي المحتلة ردًا على العدوان الإسرائيلي.
في أعقاب ذلك، قال المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع إن الحركة أطلقت دفعة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيرة نحو “إسرائيل”، وأضاف أن العملية هي الثالثة التي تستهدف “إسرائيل”، مهددًا بتنفيذ المزيد من الضربات النوعية باستخدام ذات الأسلحة حتى يتوقف العدوان الإسرائيلي على غزة.
حرب بحرية
مع إعلان الحوثيين احتجازهم سفينة مملوكة لشركة لرجل أعمال إسرائيلي في البحر الأحمر، وحادثة استهداف سفينة أخرى مملوكة لملياردير إسرائيلي بطائرة من دون طيار يشتبه أنها إيرانية زادت الخشية من توسع الحرب في المنطقة لتشمل “حرب بحرية”.
???? Hebrew Channel 12: The israeli cargo ship (CMA CGM Symni) was attacked with Shahed-136 suicide drones.
خصوصًا أن قائد القوات البحرية التابعة للحوثيين اللواء محمد فضل عبدالنبي، صرّح الأسبوع الماضي من على متن السفينة المحتجزة أن ما أسماهم “المتحالفين مع العدو الصهيوني والذي يؤمّنون له المرور في باب المندب يعتبرون أيضًا هدفًا مشروعًا”.
وحذر اللواء عبدالنبي، الشركات والتجار من شحن بضائعهم ومصالحهم مع السفن الإسرائيلية أو التعامل معها، وقال “أي قطعة عسكرية تحمي السفن الإسرائيلية ستكون هدفا مشروعا لعمليات القوات البحرية اليمنية”.
ولفت إلى أنه “على تل أبيب أن تدرك أن باب المندب خط أحمر”، مشددًا على أن اليمن لن يقف مكتوف الأيدي إزاء التواجد الإسرائيلي في البحر الأحمر فأي سفينة بحرية مدنية أو عسكرية إسرائيلية تعتبر هدفًا مشروعًا.
بيد أنّ قائد القوات البحرية للحوثيين حاول طمأنة التجار وشركات الملاحة بقوله إنّ “تنفيذ المهام القتالية في البحر الأحمر لا يشكل خطرًا على الملاحة الدولية، لأن الخطر كل الخطر هو للتواجد الإسرائيلي في البحر الأحمر ومروره الدائم من باب المندب”.
“نون بوست” استطلع الباحثة الإيرلندية “كارولين فرامبتون” التي تتابع الصراع في اليمن وليبيا عن رأيها في تهديدات الحوثيين وعما إذا كانت تشكل تهديدًا للسفن الإسرائيلية، فأعربت عن اعتقادها أن هناك تهديدًا حقيقيًا تواجهه “السفن الإسرائيلية أو التي تحمل الراية الإسرائيلية أو التي يملكها إسرائيليون” عند مرورها بباب المندب خاصة أن الحوثيين يسيطرون على مساحة واسعة من الممر الحيوي.
لكنّ فرامبتون ترى في الوقت نفسه ألا تلجأ جماعة الحوثي إلى قصف السفن الإسرائيلية بشكل مباشر، مضيفة أن الحوثيين قد يلجؤون إلى تكرار حجز المزيد من السفن الإسرائيلية أو استهدافها بطائرات مسيرة خفيفة في حال لم يكن بإمكانهم احتجازها.
الحوثيون يتجنبون المواجهة مع البحرية الأمريكية
أرجعت الباحثة الإيرلندية ذلك إلى إن جماعة الحوثي تخشى من أن تنجر إلى مواجهة مع الولايات المتحدة، لذا تضع في بالها إمكانية رد البحرية الأمريكية على أي انزلاق خطير بالمنطقة خصوصًا في عرض البحر الأحمر، إذ أن الأسطول الأمريكي موجود بالفعل وعززت واشنطن من وجودها في المنطقة منذ بدء الحرب تحسبًا لتوسع الصراع.
كما استبعدت فرامبتون في حديثها لـ”نون بوست” إمكانية وقوع مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، مشيرة إلى أن الأخيرة اكتفت حتى الآن بتوظيف جماعة الحوثي التي تدعمها وهو ما ستستمر عليه بطبيعة الحال إذا ما استمر الصراع في الشرق الأوسط، موضحة أن “إسرائيل” لم ترد كذلك على استفزازات الحوثيين في البحر الأحمر وهجومهم على إيلات حتى لا تشتت نفسها في صراع جديد.
قلق إسرائيلي
غير أن القلق يتصاعد في “إسرائيل” من هجمات الحوثيين، إذ أشار معلق الشؤون الاستخبارية في صحيفة “هآرتس” يوسي ميلمان، إلى أن الهجمات التي تستهدف السفن التي يملكها رجال الأعمال الإسرائيليون، والتي تنفذها إيران بشكل مباشر والحوثيون، تهدد التجارة الخارجية لـ”إسرائيل”، لافتًا إلى أن تل أبيب تؤمّن 99% من البضائع التي تحتاجها عبر النقل البحري.
وفي تحليل نشرته الصحيفة في عددها الصادر الأربعاء الماضي، لفت ميلمان إلى أن الحرب التي تخوضها إيران والحوثيون ضد السفن الإسرائيلية، تتمثل في اختطاف بعض السفن التي يملكها رجال أعمال إسرائيليون، أو مهاجمتها بطائرات مسيّرة انتحارية، كما عكس ذلك استهداف سفينة يملكها رجل الأعمال عيدان عوفر والتي هوجمت قبل ثلاثة أيام بمسيّرة انتحارية من طراز “شاهد 136″، وهو نفس الطراز من المسيّرات الذي تستخدمه روسيا في شنّ هجمات في أوكرانيا.
وأوضح أن “إسرائيل” مترددة إزاء كيفية الرد على الهجمات التي تتعرض لها سفنها، لا سيما في ظل إدراكها أن هذه الهجمات تندرج في إطار تحرك إيراني لمحاولة فتح جبهة قتال ثالثة، بالإضافة إلى جبهتي غزة ولبنان.
الهجمات قد تشكل تهديدًا للتجارة الدولية
هناك مراقبون آخرون يرون أن تحركات الحوثيين الأخيرة يمكن أن تهدد الاقتصاد الدولي في البحر الأحمر والتجارة الدولية التي تمر عبر باب المندب، رغم تعهدات الحوثيين بقصر هجماتهم على السفن الإسرائيلية.
يرى المحلل العسكري عبد العليم أبو طالب أن هجمات الحوثيين “تمثل تهديدًا للاقتصاد العالمي، وستؤثر سلبًا بأمن اليمن بشكل خاص والبحر الأحمر والقرن الأفريقي بشكل عام.
ويضيف بقوله، قد تسبب التهديدات الحوثية برفع منسوب التوتر في المنطقة وتهدد الملاحة البحرية وحركة التجارة الدولية مما قد يدفع شركات الشحن إلى اتخاذ مسارات بعيدة لتجنب مضيق باب المندب، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الشحن والتأمين على السفن والتي ستنتقل في النهاية إلى المستهلك.
من جهته، يقول الكاتب الصحافي خليل العمري، في حديث لـ”العربي الجديد”، إن الهجمات الحوثية ستكون لها “انعكاسات خطيرة على أمن البحر الأحمر، فالقرصنة الصومالية أوقفت التنمية في جنوب البحر الأحمر لثلاثين عامًا”.
وفي وقت قال الحوثيون إنهم يستهدفون السفن الإسرائيلية فقط، يلفت العمري إلى أنهم أعطوا بذلك “ضمانات للمجتمع الدولي، أن عملياتهم لن تستهدف دولًا أخرى، وبهذا حدّ من المخاوف الدولية في واحد من أهم الممرات العالمية الذي ينقل نفط الخليج والرابط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا”.
بينما يلفت نائب السفير الأمريكي السابق في اليمن نبيل خوري، إلى أنه في حين يمكن للحوثيين عرقلة ممرات الشحن في البحر الأحمر، فإن إيران لديها القدرة على إغلاق مضيق هرمز وهي خطوة سيكون لها تداعيات عالمية فورية وبالتالي ستشكل مخاطر جسيمة على المصالح الأمريكية، بحسب الدبلوماسي الأمريكي السابق.
لكنّه يضيف في تحليل نشره موقع “المركز العربي واشنطن دي سي” إلى أن القرار الإيراني باتخاذ مثل هذه الخطوة سيكون إجراءً من المحتمل أن تتخذه طهران فقط إذا تعرضت لهجوم مباشر بنفسها، بخلاف ذلك ستعتمد على الجهات المتحالفة معها من غير الدول في المنطقة، بما في ذلك الحوثيون.
مصطفى جامع
المصدر: موقع نون بوست
بعد فشله في تحقيق أهدافه العسكرية.. ماذا يريد الاحتلال من تدمير غزة؟
|
دخلت حرب الإبادة التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد قطاع غزة يومها الـ 58 وسط تكثيف همجي لعمليات القصف التي تستهدف المدنيين، مما أسفر عن استشهاد قرابة 16 ألف شخص، أكثر من 70% منهم أطفال ونساء، فضلًا عن إخراج عشرات المناطق عن الخدمة بعدما باتت غير قابلة للحياة.
منذ اليوم الأول لتلك الحرب التي جاءت انتقامًا من عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وضع الاحتلال عدة أهداف رئيسية من وراء عملياته العسكرية والتغول البري في القطاع، على رأسها: القضاء على حركة المقاومة حماس وتدمير بنيتها التحتية بجانب تحرير الأسرى والمحتجزين والبالغ عددهم أكثر من 240 شخصًا (قبل الإفراج عن قرابة 110 إثر اتفاق الهدنة الأخير).
#عاجل مجزرة جديدة مشاهد مُروّعة في حي الشجاعية شرق مدينة غزة حيث قامت طائرات الاحتلال بتدمير مربعات سكانية كاملة تم استهدافها بعشرات الصواريخ والقنابل العملاقة، الأمر الذي ينذر بارتقاء أكثر من 1000 شهيد حسب شهود العيان pic.twitter.com/2tIRHis6so
وبعد شهرين من الحرب التي خاضتها قوات الاحتلال مدعومة بمساعدات عسكرية ولوجستية من جيوش الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وتوفير غطاء سياسي لها من تلك القوى، لم تنجح في تحقيق أي من الأهداف التي أعلنت عنها بداية المعركة، ما وضع الكابينت وجنرالات الكيان في مأزق أمام الشارع الإسرائيلي وحلفاءهم في الخارج.
وأمام هذا الفشل لم يجد جيش الاحتلال سوى الاستئساد على الأطفال والنساء وكبار السن من المدنيين، وهو الخيار السهل في الغالب أمام المهزوم، وذلك عبر اتباع سياسة الأرض المحروقة، مدمرًا بطائراته وبوارجه ودباباته الأخضر والياس، الحجر والشجر، محولًا قطاع غزة إلى مدينة أشباح.. فما هي مقارباته من ذلك؟
سياسة الأرض المحروقة
على مدار الخمسين يومًا الماضية مارس جيش الاحتلال كل أنواع التدمير والتنكيل، مستخدمًا ما لديه من إمكانيات عسكرية متطورة، وما قدمه الحلفاء الغربيون من أسلحة ذات قوة تدميرية هائلة، حيث بلغ حجم المتفجرات التي قصف بها قطاع غزة ما يعادل قنبلتين نوويتين وفق التقديرات غير الرسمية لوكالة “رويترز” استنادًا إلى صور أقمار صناعية التقطتها للقطاع بعد التدمير.
وأسقط هذا القصف قرابة 3 % من سكان قطاع غزة بين شهداء وجرحى ومفقودين، فيما اضطر نحو 80% من السكان للنزوح من مناطقهم هربًا من الهجمات التي لا تتوقف ليل نهار، فيما لم يعد هناك مكان آمن في غزة بأكملها بحسب التقارير الرسمية وغير الرسمية وشهود العيان.
كما أسفرت الهجمات البربرية عن تدمير 60% من المباني، حيث تعرضت نحو 46 ألف وحدة سكنية لتدمير شامل، مقارنة بـ 234 ألف وحدة تعرضت لهدم جزئي، فيما جرى تدمير 103 مقار حكومي بشكل شبه كامل، وخرجت عن الخدمة بالكلية.
المستشفيات والمدارس ودور العبادة لم تسلم هي الأخرى من قصف الاحتلال، حيث استهدفت قرابة 226 مدرسة تعرضت لأضرار بالغة، وأخرجت نحو 26 مستشفى و55 مركزًا صحيًا عن الخدمة، وفي الوقت ذاته دمرت 3 كنائس تدميرًا كليًا وعشرات المساجد.
وتحولت معظم مناطق ومدن شمال القطاع إلى مناطق طاردة للسكان وغير قابلة للحياة، بعدما دُمرت بنيتها التحتية، وفقدت مقومات العيش بالكلية، في ظل خطة ممنهجة لدفع السكان لمغادرة منازلهم والتوجه إلى مربعات أخرى بدعوى أنها آمنة، وما أن يحتموا بها حتى يتم استهدافها هي الأخرى مما يُضطرون للمغادرة والذهاب لمربع أخر، وهكذا يواصل الاحتلال استراتيجية تفريغ القطاع من سكانه عبر سياسة “المربعات”.
سياسة المربعات تظهر جلية في خرائط الإخلاء التي نشرها جيش الاحتلال لمختلف مناطق قطاع غزة
حتى ورقة الضغط التي تمتلكها المقاومة، وهي الأسرى، وبعد فشل الكيان المحتل في تحريرهم بالقوة والقتال، تراجع هذا الملف لدى قائمة أولوياته، وبات لا يمانع في قتلهم جميعًا حتى لا يكونوا أداة ضغط بيد المقاومة، ولولا الضغوط التي تمارسها عائلات الأسرى بجانب الإدارة الأمريكية بشأن هذا الملف، لما كان له أهمية بالنسبة لنتنياهو وجنرالاته استنادًا إلى بروتوكول “هانيبال” الذي أقره الاحتلال عام 1985 وكُشف عنه لأول مرة عام 2001، ويقر بأن “عملية الخطف يجب أن تتوقف بكل الوسائل، حتى لو كان ذلك على حساب ضرب قواتنا وإلحاق الأذى بها”، وعليه فإن الجندي الميت أفضل من الجندي الأسير، وفق هذا البروتوكول، حتى لا يتحول إلى ورقة ضغط بأيدي المقاومة.
أهداف الاحتلال البديلة
يهدف الاحتلال من وراء سياسة الأرض المحروقة التي يمارسها ضد قطاع غزة طيلة الخمسين يومًا الماضية إلى تحقيق حزمة أهداف بديلة بعدما فشل في تحقيق أهدافه الرئيسية الأولية:
أولا: البحث عن انتصار وهمي.. يحاول الاحتلال من خلال صور التدمير الوحشية وأرقام الضحايا المرتفعة أن يصدر للداخل الإسرائيلي نصرًا وهميًا يداري به فشله في تحقيق أهدافه العسكرية التي لأجلها شنً عمليته البرية، حتى لو كان جل تلك الأرقام من النساء والأطفال والعجزة.
لا يجد المحتل أي حرج على الإطلاق في التفاخر بتلك الخسائر البشرية في صفوف المدنيين الفلسطينيين، في ظل دعم دولي مطلق، وصمت فاضح لحلفاءه من قوى الغرب، ممن لا تحركهم صور أشلاء الأطفال والنساء التي تتناثر هنا وهناك، ولا تؤلمهم صرخات الثكالي والأمهات، ولا تلفت أنظاره جحافل النازحين من الشمال للجنوب بعدما خسروا كل شيئ.
ثانيًا: الضغط على حماس.. تحاول حكومة الكابينت ممارسة الضغط على حماس من خلال رفع فاتورة الحرب البشرية وارتفاع أرقام الضحايا في صفوف الفلسطينيين، بما قد يدفع المقاومة إلى تقديم بعض التنازلات لوقف شلالات الدماء التي تثار.
ثالثًا: زرع الفتنة بين المقاومة وسكان القطاع.. يرتكز الخطاب الإعلامي الإسرائيلي والمنشورات التي يلقيها المحتل على أهالي غزة على تحميل المقاومة مسؤولية الحرب وأنها السبب فيما وصلت إليه أوضاع الغزيين، وأنها المسؤول الأول والأخير عن تشريد الملايين وقتل الأطفال والنساء، ولولاها ما كانت الأمور كالتي عليه، في محاولة لزرع الفتنة بين حماس وأهل القطاع وإفقادها ظهيرها الشعبي.
رابعًا: تعزيز الرؤية الإسرائيلية فيما يتعلق بالوضع السياسي في غزة بعد الحرب.. يهدف الكيان المحتل من خلال التدمير الكلي للقطاع لفرض معادلة جديدة على طاولة النقاش لبحث مستقبل القطاع ما بعد انتهاء الحرب، تلك المعادلة التي قد تلقى تناغمًا لدى بعض الأنظمة العربية بما فيها السلطة الفلسطينية ذاتها.
وتقوم تلك المعادلة على قبول حماس بدخول شركاء جدد لإدارة وحكم القطاع، شركاء يتم إعدادهم داخل المطبخ الأمريكي الإسرائيلي، بما يمهد نحو التفكيك الطوعي للمقاومة وخروجها عن المشهد شيئًا فشيئًا.
#عاجل تمهيدًا للمراحل المقبلة من الحرب ينشر جيش الدفاع خريطة مناطق الاخلاء (“البلوكات”) في قطاع غزة: تقسيم أرض القطاع على مناطق حسب التقسيم على الأحياء المعروفة من أجل السماح لسكان غزة بالتوجه وفهم التعليمات والانتقال من أماكن معيّنة في حال طلب منهم القيام بذلك حفاظًا على… pic.twitter.com/HsziUyrU2v
ومن جانب آخر، فإن تدمير القطاع بهذا الشكل، سيجبر أي سلطة مهما كانت، على التركيز أولًا وأخيرًا على مسالة إعادة التعمير التي ستصبح ضرورة ملحة، فيما يتراجع التفكير مرحليًا عن الإعداد العسكري والتسليح وفرض فصائل المقاومة لسلطتها وإصابتها بحالة من التشتت بين الإعمار والتسليح، هذا بخلاف هيمنة وسيطرة الاحتلال على ميزانية إعادة الإعمار، حيث يمنحها لجهات يثق في ولائها لهذا المشروع، وعدائها الأيديولوجي لحماس وبقية الفصائل، وهو ما يضع الأخير في مأزق حقيقي أمام مسؤولياته في القطاع.
غير أن كل تلك الأهداف تظل رهينة صمود المقاومة على الأرض، إذ أن استمرارها في التصدي والمواجهة بما لذلك من تداعيات على مستوى الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وإرباك حسابات النخبة بشقيها، العسكرية والسياسية، في تل أبيب، تزامنا مع زخم الرأي العالم العالمي، كل ذلك من شأنه إفشال هذا المخطط لاسيما وأن الانتخابات الأمريكية على الأبواب ويخشى بايدن من الارتدادات السلبية لتلك الحرب -حال استمرارها- على حظوظه في الفوز بولاية جديدة في ضوء تصاعد الاحتقان والغضب الأمريكي والدولي بسبب دعمه المطلق لحكومة الاحتلال.
عماد عنان
المصدر: موقع نون بوست
الوكالة البحرية البريطانية: تقارير عن نشاط مسيرات وانفجار محتمل بمضيق باب المندب بالبحر الأحمر
|
أعلنت الوكالة البحرية البريطانية أنها تلقت تقارير عن نشاط مسيرات وانفجار محتمل بمضيق باب المندب بالبحر الأحمر.
وأصدرت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، التابعة للجيش البريطاني، وفق وكالة “أسوشييتيد بريس”، تحذيرا مقتضبا لشركات الشحن من أن الحادث وقع في مضيق باب المندب الذي يفصل شرق إفريقيا عن شبه الجزيرة العربية.
وقالت صحيفة يديعوت أحرنوت نقلا عن مصدر أمني: “هناك محاولة هجوم تم إحباطها في البحر الأحمر”.
وأضاف أنه يجري فحص التفاصيل، بعد أن قالت وكالة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO) إنها تلقت تقارير عن نشاط بطائرة بدون طيار وانفجار في مضيق باب المندب في البحر الأحمر بالقرب من اليمن.
ويربط باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن. وشهدت تلك المنطقة سلسلة من الهجمات في الأسابيع الأخيرة نسبت إلى المسلحيين الحوثيين ردا على إسرائيل بسبب حربها على حماس في قطاع غزة.
وأعلنت الجماعة يوم الأحد 19 نوفمبر الجاري، الاستيلاء على سفينة الشحن “غالاكسي ليدر” المملوكة لرجل أعمال إسرائيلي، في البحر الأحمر، واقتيادها إلى الساحل اليمني، تضامنا مع “المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة”.
المصدر: RT
كيسنجر في مقابلته الأخيرة عرض “حلا” للقضية الفلسطينية
|
قال وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر في مقابلته الأخيرة مع بوليتيكو، إن حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إقامة الدولتين لا يضمن هدوء الوضع في المنطقة في المستقبل.
وأضاف: “حل الدولتين لا يضمن أن ما رأيناه في الأسابيع الأخيرة لن يتكرر مرة أخرى… أعتقد أنه ينبغي تسليم الضفة الغربية إلى السيطرة الأردنية بدلا من السعي إلى حل الدولتين الذي في نتيجته ستسعى إحدى الدولتين وستصمم على سحق إسرائيل”.
وأشار كيسنجر إلى أن هناك حاجة إلى المزيد من الإجراءات النشطة من واشنطن لمنع تصعيد الصراع في المنطقة.
تم الإعلان عن وفاة كيسنجر في 29 نوفمبر الماضي.
واكتسب وزير الخارجية الأسبق، شهرة باعتباره أحد أكثر الشخصيات السياسية تأثيرا في الولايات المتحدة، تاركا بصمة كبيرة في تاريخ الدبلوماسية.
وكيسنجر الذي كان لاعبا رئيسيا في الدبلوماسية العالمية خلال الحرب الباردة والحائز على نوبل للسلام، أطلق التقارب مع موسكو وبكين في سبعينات القرن الماضي، معتمدا على رؤية براغماتية للعالم تعد نوعا من “السياسة الواقعية” على الطريقة الأمريكية.
المصدر: نوفوستي
ألمانيا تحولت عمليًا إلى مستعمرة
|
تحت العنوان أعلاه، كتب إيليا أبراموف، في “فزغلياد” حول موافقة الألمان على توصيف الرئيس فلاديمير بوتين لحال ألمانيا.
وجاء في المقال: أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن ألمانيا فقدت سيادتها. وأشار إلى أن “بولندا استولت على خط أنابيب الغاز يامال-أوروبا وأغلقته”، كما “استولت أوكرانيا على أحد الخطوط وأغلقته”. وفي الوقت نفسه، تدفع ألمانيا ثمن الأسلحة والمعاشات التقاعدية والرواتب للأوكرانيين.
وأشار بوتين إلى أن الغرب يحاول حل مشكلة القدرة التنافسية باللجوء إلى التلاعب الإداري والضرائب العابرة للحدود، لكنه يحرم نفسه من موارد الطاقة الروسية الرخيصة. وأيضًا، “لأسباب سياسية”، يُحرم الأوروبيون من الوصول إلى الموارد من قبل “حلفائهم الأمريكيين”.
وفي الصدد، قال، لـ “فزغلياد”، العضو السابق في البوندستاغ، فالديمار غيردت، من حزب البديل من أجل ألمانيا:
“يدرك الجميع في ألمانيا تقريبًا أن فلاديمير بوتين يتحدث عن الحقيقة المطلقة بشأن السيادة الألمانية. ففي نهاية المطاف، حتى المستشار، قبل اجتياز إجراءات التنصيب، يسافر إلى واشنطن “للانحناء”. والحقيقة أن البلاد تحولت إلى مستعمرة، وأصبح حكامها مجرد رؤساء بلديات.
لكن لا ينبغي توقّع ردة فعل رسمية من السلطات الألمانية على هذا القول. على الأغلب سيحاولون السخرية من كلام الرئيس الروسي، لكنهم لن يضخموا الموضوع. واسمحوا لي أن أذكركم بأن حزب “البديل من أجل ألمانيا” تحدث منذ فترة طويلة وبصوت عالٍ عن افتقار ألمانيا إلى السيادة. في البداية أثار هذا غضبًا، ولكن بعد ذلك بدأت كلمات الموافقة تُسمع أكثر فأكثر”.
المصدر: صحيفة فزغلياد الالمانية
وول ستريت جورنال: واشنطن تريد إسرائيل مقيّدة
|
أبدت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية بعضاً من اللوم على تصريحات وزير الخارجية انتوني بلينكن التي وصفت بأنها شديدة اللهجة. وسألت في تقرير ترجمه موقع “الخنادق”: “عادت الحرب ضد حماس، لكن هل ستسمح إدارة بايدن لإسرائيل بالفوز؟ نقل وزير الخارجية أنتوني بلينكن الأخبار السيئة إلى القدس قبل انتهاء الهدنة: إنه يريد إسرائيل مقيدة بحبل قصير”.
النص المترجم:
يدرك وزير الخارجية أنتوني بلينكن أن على إسرائيل القيام بالمزيد لهزيمة حماس. “لا يمكن لحماس أن تبقى مسيطرة على غزة”، أكد في مؤتمر صحفي في إسرائيل يوم الخميس. وأمنت الحملة الإسرائيلية حتى الآن جزءاً كبيراً من النصف الشمالي من غزة وحطمت عددا من كتائب حماس ودمرت أنفاقها ومقرات مستشفياتها. وقد أسفر الضغط الذي فرضه هذا على حماس عن صفقة حررت 105 رهائن. ومن شأن المزيد من الضغط على حماس الآن أن يؤدي إلى زيادة عدد الرهائن ال 137 الذين ما زالوا في الأسر.
إن السماح للتوقف بالتحول إلى وقف إطلاق نار أكثر ديمومة من شأنه أن يكرر خطأ النوبات السابقة مع حماس: تركها تسيطر على الأراضي. ولا تزال حماس تحكم جنوب غزة، وهي القاعدة التي ستخطط منها للمجزرة التالية، كما تعهد قادتها مراراً وتكراراً. لهذا السبب ستنقل إسرائيل المعركة جنوباً.
ولكن كيف ينبغي شن هذه المرحلة التالية من الحرب؟ وهنا، يصر بلينكن على ألا يكون مثل العملية في شمال غزة. وقال وزير الخارجية إنه “أكد” لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو “على ضرورة عدم تكرار الخسائر الفادحة في أرواح المدنيين والنزوح بالحجم الذي رأيناه في شمال غزة في الجنوب”. وقال إن على إسرائيل اتخاذ “خطوات أكثر فعالية لحماية أرواح المدنيين”.
أفضل طريقة لإنقاذ المدنيين هي إبعادهم عن مناطق القتال الحضرية، بعيدا عن معاقل حماس مثل مدينة خان يونس. لكن بلينكن يطالب “بتجنب المزيد من النزوح الكبير للمدنيين داخل غزة”. وبدلاً من ذلك، دعا إسرائيل إلى إنشاء “مناطق آمنة” للمدنيين بالقرب من القتال.
ولكن ماذا يجب أن تفعل إسرائيل عندما تضع حماس نفسها في تلك المناطق؟ هكذا استخدمت المستشفيات والمدارس في الشمال. هل يمكن لإسرائيل أن تهاجم حماس في تلك المقدسات؟
حاول بلينكن إغلاق هذا الباب أيضاً. وقال إن حماية المدنيين “تعني تجنب إلحاق الضرر بالبنية التحتية الحيوية للحياة مثل المستشفيات”. “النية مهمة، ولكن النتيجة كذلك”.
إذا كان على إسرائيل أن تفعل المزيد لحماية المدنيين ولكنها لا تستطيع إجلاءهم ولا يمكنها ضرب حماس عندما تختبئ في البنية التحتية المدنية الرئيسية والمناطق الآمنة، فكيف تقاتل؟ ويمكنها أن تجرب حملة منهجية وطاحنة لإجبار حماس على الخروج إلى العلن. لكن بلينكن يطالب إسرائيل بالحفاظ على تدفق الوقود وهو بالضبط ما تحتاج حماس إلى الاختباء في أنفاقها. وهذا يترك الاعتماد على المشاة، بتكلفة كبيرة في الأرواح الإسرائيلية.
وخلال اجتماع لمجلس وزراء الحرب الإسرائيلي، ربما حاول بلينكن أيضاً إلغاء حرب طويلة. وعندما قال له وزير الدفاع الإسرائيلي: “المجتمع الإسرائيلي بأسره متحد وراء هدف تفكيك حماس، حتى لو استغرق الأمر شهوراً”، ذكرت الصحافة الإسرائيلية أن بلينكن رد قائلا: “لا أعتقد أن لديك الفضل في ذلك، كما أنه ليس لديك أشهر بل أسابيع”. إنه يعني الفضل للرئيس بايدن، حيث ينحني البيت الأبيض للضغط المتزايد ضد إسرائيل من اليسار الديمقراطي.
كما أن الحجة القائلة بأن حماس هي “فكرة”، وبالتالي لا يمكن للحرب أن تهزمها أبدا، قد اكتسبت أيضا بين التقدميين الأمريكيين. وكما غرد بايدن يوم الثلاثاء، “إن الاستمرار في طريق الإرهاب والعنف والقتل والحرب هو إعطاء حماس ما تسعى إليه”. وبهذا المنطق، لن تكره حماس شيئا أكثر من… أن تترك في السلطة؟ كيف بسرعة ينسون 7 أكتوبر.
لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، وهو ما تعتقد أنه يتطلب تدمير حماس.
تستحق إسرائيل دعم الولايات المتحدة وهي تطيح بحماس. إن الانقلاب على إسرائيل في زمن الحرب من شأنه أن ينفر مجموعة أكبر بكثير من الناخبين الأمريكيين المؤيدين لإسرائيل.
المصدر: وول ستريت جورنال
نظرية الردع من ترومان الى معركة طوفان الأقصى
|
بدأ العمل من التخطيط في عهد الرئيس فرانكلين روزفلت، وقام ترومان وكبار مستشاريه ببناء ما لا يقل عن نظام دولي جديد في أعقاب الحرب العالمية الثانية. تبنت الولايات المتحدة مبدأ الاحتواء، والتي من شأنها أن توجه السياسة الخارجية للولايات المتحدة لمدة أربعة عقود في صراعها في الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي. حولت ألمانيا واليابان إلى “ديمقراطيات” وأنشأت شبكة من التحالفات في آسيا وأوروبا. وقدمت المساعدة التي احتاجتها أوروبا للوقوف على قدميها مرة أخرى في ظل خطة مارشال، كما وجهت المساعدة الاقتصادية والعسكرية إلى البلدان المعرضة للشيوعية بموجب مبدأ ترومان. وأنشأت مجموعة من المنظمات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (التي سبقت منظمة التجارة العالمية). كما أنشأت جهازًا حديثًا للسياسة الخارجية والدفاعية، بما في ذلك مجلس الأمن القومي ووكالة المخابرات المركزية ووزارة الدفاع.
مبدأ ترومان
مبدأ ترومان بالإنجليزية (Truman Doctrine) هو سياسة خارجية أمريكية نشأت بهدف رئيسي يسعى إلى احتواء التوسع الجيوسياسي السوفييتي خلال الحرب الباردة. أُعلن المبدأ أمام الكونغرس من قبل الرئيس هاري إس. ترومان في 12 مارس 1947، وتطور بشكل أكبر في 4 يوليو من عام 1948 حين تعهد باحتواء الانتفاضات الشيوعية في اليونان وتركيا. لم تتدخل القوة العسكرية الأمريكية المباشرة أغلب الأحيان، إلا أن الكونغرس خصص مساعدات مالية لدعم اقتصادات وجيوش اليونان وتركيا. وبشكل عام، تضمن مبدأ ترومان الدعم الأمريكي للدول الأخرى التي يعتقد أنها تحت تهديد الشيوعية السوفييتية. بات مبدأ ترومان أساس السياسة الخارجية الأمريكية وأدى في عام 1949 إلى تشكيل حلف شمال الأطلسي، وهو تحالف عسكري ما يزال قائمًا. غالبًا ما يستخدم المؤرخون خطاب ترومان كتاريخ بداية الحرب الباردة.
قال ترومان للكونغرس إنه “يجب أن تتمثل سياسة الولايات المتحدة في دعم الشعوب الحرة التي تقاوم محاولات الإخضاع التي تقوم بها أقليات مسلحة أو ضغوط خارجية”.
أكد ترومان أنه نظرًا إلى أن الأنظمة الشمولية كانت تقمع الشعوب الحرة، فإنها تمثل تلقائيًا تهديدًا للسلام الدولي والأمن القومي للولايات المتحدة. قدم ترومان هذه الذريعة في خضم الحرب الأهلية اليونانية (1946-1949). وحاجج أنه إذا لم تتلق اليونان وتركيا المساعدة، فسوف تسقطان حتمًا في قبضة الشيوعية مع عواقب وخيمة في جميع أنحاء المنطقة. ونظرًا إلى كون تركيا واليونان خصمين تاريخيين، فقد كان من الضروري تقديم المساعدة لكلتي الدولتين على حد سواء على الرغم من أن الأزمة في اليونان كانت أكثر حدة بكثير.
لاحظ منتقدو تلك السياسة أن حكومتي اليونان وتركيا كانتا بعيدتين كل البعد عن الديمقراطية في تلك الآونة، ولم تكن أي منهما تواجه تخريبًا سوفييتيًا في ربيع عام 1949. كتب المؤرخ إيريك فونر أن المبدأ «شكل سابقة للمساعدة الأمريكية للأنظمة المعادية للشيوعية في جميع أنحاء العالم، مهما كانت غير ديمقراطية، ولإقامة مجموعة من التحالفات العسكرية العالمية الموجهة ضد الاتحاد السوفييتي”.
قدّمت المملكة المتحدة لسنوات الدعم لليونان، إلا أنها باتت في تلك الفترة على وشك الإفلاس واضطرت إلى تخفيض مشاركتها بشكل جذري. في فبراير من عام 1947، طلبت بريطانيا رسميًا أن تتولى الولايات المتحدة دورها في دعم الحكومة اليونانية الملكية. حازت السياسة على تأييد الكونغرس وتضمنت إرسال 400 مليون دولار من الأموال الأمريكية، ولكن دون إرسال قوات عسكرية إلى الإقليم. كان الهدف إنهاء التمرد اليوناني، وفي عام 1952، انضمت كل من اليونان وتركيا إلى حلف شمال الأطلسي، وهو تحالف عسكري، بهدف ضمان استقرارها.
وُسع مبدأ ترومان بشكل غير رسمي ليصبح أساس سياسة الحرب الباردة الأمريكية في جميع أنحاء أوروبا والعالم. وقد حول المبدأ السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الاتحاد السوفييتي من تحالف مناهض للفاشية إلى سياسة احتواء التوسع السوفييتي كما دعا إليها الدبلوماسي جورج كينان. وقد جرى التمييز بين المبدأ وبين سياسة تغيير الأنظمة من خلال التسامح ضمنيًا مع عمليات الاستيلاء السوفييتية السابقة في أوروبا الشرقية.
لكيلا نطيل الشرح فان عقيدة حماية المصالح الخارجية للولايات المتحدة اعتمدت على القواعد التالية:
إبقاء المضائق المائية تحت السيطرة.
الحفاظ على منابع النفط تحت قبضة الشركات الامريكية والتواجد الأمريكي.
تعود نظرية الاحتواء إلى المؤرخ والدبلوماسي الأمريكي جورج كينان، ونظريته في الحرب الباردة في أواخر عقد الأربعينيات في عهد الرئيس هاري ترومان وتحديداً في العام 1947، في مقالته الشهيرة بمجلة الشؤون الدولية حول مصادر السلوك السوفياتي، وهي سياسة تقوم على استقطاب دول العالم حرصاً على عدم وقوعها في النفوذ الروسي آنذاك، وتصنف بالتالي وفق ذلك الفهم بوصفها سياسة دفاعية بخلاف سياسة ايزنهاور في ملء فراغ الشرق الأوسط ذات النزعة الهجومية الهادفة لبسط السيطرة على مناطق النفوذ الاستعماري الأوروبي في أفريقيا وآسيا حماية للمصالح الإمبريالية.
مفهوم نظرية الردع
طرح مفهوم الردع برناردبرودي Bernard Brodie في بداية العصر النووي في “ورقة تحليلية نُشرت في خريف عام 1945. توضح الجملة الأكثر شهرة في هذه الورقة ما كان سيصبح المفهوم السائد في العصر النووي: حتى الآن كان الهدف الرئيسي لمؤسستنا العسكرية هو كسب الحروب. ومن الآن فصاعدًا يجب أن يكون هدفها الرئيسي تجنبها. فيُعرّفجي. سي. ويلي JC Wylie الردع وفقاً لرؤية منع استخدام القوة العسكرية على أنه “إجراءات لمنع الحروب بدلاً من تنفيذها، باستخدام الوسائل النفسية بدلاً من الوسائل المادية، إذ قدرة الردع تعزّز الدفاع والعكس بالعكس”، فويلي يركز بتعريفه هذا على العامل النفسي الذي يُستخدم خلال الردع بدلاً من العناصر المادية، فالعامل النفسي يقوم على إخافة الخصم. كما يعتبر توماس شللنغ Thomas Shelling أن “الفرق بين الهجوم والردع هو الفرق بين الاعتداء والتخويف بالاعتداء، وهو أيضاً الفرق بين الغزو والاحتلال من جهة مثلاً، والمساومة (Chantage) من جهة أخرى”. لذا إن شللنغ يعتبره كنوع من التسوية للوصول إلى اتفاق يكون فيه وضع الخصم أفضل من وضعه إن لم يتجاوب مع الردع. وكذلك يقول خليل حسين“ترتكز نظرية الردع في أبسط أوجهها على التهديد التالي، الذي يهدف إلى ردع دولة ما عن العدوان؛ بتعبير آخر، هو نوع من الردع في الاستراتيجية العسكرية”، فيعتبرها أنّها أداة للاستراتيجية العسكرية تقوم على التهديد لمنع العدوان.
أهداف نظرية الردع
إنّ منظري نظرية الردع والباحثين حولها يرون أنّها تحقق جملة من الأهداف، وأبرزها يتجلى في التنازل عن الخيار العسكري، وذلك لمنع الحروب. إذ كلما كان الردع فعالاً، تناقص احتمال استخدام القوة العسكرية. فيعتبر شللنغ في هذا الصدد أنّ الردع “حركة نفسية ذات أبعاد سياسية ترمي إلى التأثير في خيارات الطرف المضاد وعلى نحو يدفع به إلى التنازل عن الخيار العسكري”. أما الهدف الآخر يتجلى بالتأثير في إرادة الخصم وذلك لردعه عن القيام بفعل كان ينوي القيام به لو أنه لم يتم استخدام هذا الاسلوب معه. وهذا ما قد أشار إليه مصطفى عبد الله خشيم حيث يشير إلى أنّ الدولة أو مجموعة الدول تلجأ إلى الردع بغية عدم تشجيع دولة أخرى على اتباع سياسات غير مرغوب فيها، عن طريق التخويف بالقيام بعمل مضاد قد يردع الطرف أو الأطراف المعينة”. كما أنّها تهدف إلى الحفاظ على الوضع القائم لمنع قيام الخصم بتغيير ما. وهذا ما تطرق إليه ناصيف حِتّىالذي يعتبر أن هدف الهجوم أو الإجبار هو تغيير الوضع القائم بينما الهدف من اتباع الردع هو “منع حصول تغيير وبالتالي الحفاظ على الوضع القائم كذلك.”
شروط الردع
ليحقق الردع فعاليته لا بدّ أن تتوفر فيه مجموعة من الشروط وهي تتجلى فيما يلي:
– القدرات: ويقصد بها أن يكون متوفراً للطرف القائم بالردع الأدوات والوسائل التي تُمكنه من ايصال رسالة الردع، إذ “إن الشكل الوحيد لردع العدوان هو أن يكون الرادع قوياً بشكل كافٍ أو مناسب كي يوحى إلى الخصم ذاته بخوف دائم إن كنت تريد السلام فاستعد للحرب.”
– المصداقية: القائم بالردع عليه أن يتمتع بالمصداقية في إمكانية ردع الطرف الآخر، فعليه أن يقنع الخصم برسالته وكذلك عدم اظهار التردد في ذلك. كما أن عليه أن يكون مستعداً لتحمل المخاطر الناتجة عن تنفيذ تهديداته. لذا على المردع أنّ ينطلق من المصداقية في تقييم قدراته وامكانياته المادية للقيام بالردع.
– العقلانية: إنّ ما يميز نظرية الردع هي أنها قائمة على العقلانية وتجنب الحرب “فإنّ تصعيد الأزمات الإقليمية والدولية يجب أن يقف عند سقف محدد لا يجوز تجاوزه لأن تجاوزه يعني الحرب، وانهيار استراتيجية الردع وفشلها.”
– المعلوماتية: ويُقصد بالمعلوماتية أن تتوفر المعلومات الكافية عن الطرف الآخر. وكذلك أن يتم الابقاء على قانون الاحتمالات لكي يكون القائم بالردع على دراية وحذر بكل ما يُمكن أن يحصل.
– كفاءة الأداء: وذلك من خلال امتلاك الخبرة الكافية للردع وذلك من أجل إيصال الرسالة بوضوح والتمكن من تحقيق الغاية منه.
– استخدمت الولايات المتحدة هذه القواعد منذ العام 1947 ولغاية السنوات الأخيرة ولاقت نجاحاً في بعض الساحات العالمية واخفقت في بعضها، ولكن بشكل عام حافظت الولايات المتحدة على أكثر المناطق والمصالح الحيوية خارج الحدود.
– استمرت الولايات المتحدة باعتماد هذه السياسات والقواعد في غرب آسيا، وحافظت على الكيان الاسرائيلي ككيان متفوق على كافة المستويات وكانت تطمح الى ان يكون الكيان درة الشرق الأوسط على كافة الصعد واهمها الاقتصادي.
– بعد احداث 7 أكتوبر حصلت صدمة في الوعي الأمريكي لا يمكن ترميمها وتعريفها الأفضل “صدمة الكيان”، لقد قام بضع مئات من المقاومين بغارة نظامية عسكرية على هدف عسكري وتم تحقيق الأهداف المرسومة (بسرية تامة).
ان ما جرى في 7 أكتوبر من الناحية العسكرية هو أعظم اغارة عسكرية في العصر الحديث وأنجحها (ضابط امريكي).
منذ بداية العملية بدأت الإدارة الامريكية وعلى رأسها الرئيس الأمريكي بإطلاق التهديدات الى محور المقاومة الى حد تهديد الإمام الخامنئي من قبل الرئيس الأمريكي مباشرة.
وتم ارسال الاساطيل الى البحر المتوسط والبحر الأحمر وتفعيل بروباغندا عالمية عن خطر وإرهاب حماس، وارسال المبعوثين مباشرة او بالواسطة الى اليمن ولبنان والعراق وإيران من اجل إيصال الرسائل المطلوبة.
قام محور المقاومة مباشرة بتفعيل عقيدة وحدة الساحات الاستراتيجية (هذه المرة الأولى العلنية) الصاخبة وبدأت العمليات على القواعد الامريكية في العراق وسوريا، واستخدام الصواريخ البالستية والمجنحة والمسيرات من انصار الله في دك الكيان، وقام حزب الله بعمليات عسكرية على مدى الحد الأمامي للجبهة في جنوب لبنان.
المحور عملياً ضرب كافة القواعد والأصول التي قامت عليها السياسة الخارجة الامريكية ولم يعبأ بأي قاعدة، وفق اعمال قتالية منظمة الى حدود دقيقة جداً، وأتت ثمارها في الوصول الى تهدئة في غزة والمنطقة، باستثناء باب المندب حالياً والذي قرر أنصار الله ان لا يسمحوا بمرور أي سفينة إسرائيلية منه حتى انتهاء الحرب على غزة (حالياً).
لقد تم وضع الأمريكي في مسار حرج وبالتالي لا يوجد حالياً أمام الإدارة الأمريكية سوى:
القبول بالشراكة غير المباشرة في غرب آسيا (أي ان تقبل بوجود لاعب رئيسي في المنطقة لديه مصالح حيوية وحلفاء لديهم القدرة ويستطيعون…).
الذهاب الى التصعيد في الساحات المشتعلة.
نقاط الضعف لدى الإدارة الامريكية حاليا تمنعها من الذهاب الى التصعيد أي ان الخيار الثاني مستبعد جداً ضمن الحسابات المنطقية والعسكرية (ميزان القدرات) خاصة ان الإدارة مقبلة على انتخابات داخلية، ويوجد أزمة في الموازنة، ولديهم حرب مفتوحة في أوكرانيا، كما لا ننسى الجهد الضخم في منطقة شرق آسيا.
الوضعية الحالية هي انتصار استراتيجي لمحور المقاومة وحزام النار الذي أسسه الفريق قاسم سليماني وعماد مغنية، وضوابط الاشتباك والمساحة الجغرافية (مسرح العمليات) تمتد من باب المندب الى طهران.
تبقّى لدينا تفصيل صغير هو نتنياهو والإدارة الحاكمة في الكيان هل ستقبل بالواقع الحالي، الذي هدّ كل ما تم بنائه منذ 25 أيار 1948 ام ستذهب الى تصعيد يعيد مشهد 25 أيار 2000، ولكن في فلسطين كل فلسطين….