1

إغلاق الحدود الروسية – الفنلندية يطلق مرحلة جديدة من التصعيد

رفع قرار السلطات الفنلندية الشروع بإغلاق المعابر الحدودية مع روسيا، درجة التوتر بين البلدين الجارين، بعد مرور أشهر معدودة على انضمام فنلندا إلى حلف شمال الأطلسي. ولوّحت موسكو باتخاذ خطوات للرد على «سياسة هلسنكي العدوانية»، وسط توقعات بتفاقم الوضع، مع إغلاق كل قنوات الحوار بين البلدين الجارين.

وكما كان متوقعاً، منذ الإعلان عن انضمام فنلندا رسمياً إلى حلف شمال الأطلسي في أبريل (نيسان) الماضي، فإن التطور بدأ يلقي بظلال قاتمة على العلاقات بين موسكو وهلسنكي التي حافظت على مدى عقود «الحرب الباردة»، على استقرار وتعاون في مجالات عدة.

ومع ترقب موسكو لتداعيات الانضمام على الصعيدين الأمني والعسكري، خصوصاً على خلفية احتمال تعزيز حضور قوات أطلسية على الحدود مع روسيا، على الرغم من إعلان «ناتو»، أن هلسنكي لم تطلب «حتى الآن»، نشر قوات على أراضيها، فإن التوتر الحالي ارتبط بتوجه فنلندا لإغلاق كل المعابر الحدودية مع موسكو، في خطوة وصفتها روسيا بأنها «عدائية»، ورأى معلقون روس أنها تفتح على مرحلة جديدة من التدهور في العلاقات.

وكانت هلسنكي أعلنت قبل يومين، الشروع بإغلاق 4 معابر حدودية من أصل 8 معابر تربط الأراضي الروسية بفنلندا، مع توضيح أن خطة إغلاق الحدود نهائياً سوف تستكمل بوقف عمل المعابر الأربعة الأخرى تدريجياً حتى فبراير (شباط) من العام المقبل. وبررت فنلندا قرارها بأنه موجه لوقف «موجات الهجرة غير الشرعية، واتهمت موسكو بأنها تعمدت تصعيد الموقف على هذا الصعيد»، بهدف «ابتزاز» هلسنكي.

الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (رويترز)

ونشرت وسائل إعلام فنلندية تقارير عن «تدفق غير منضبط للاجئين من سوريا والعراق والصومال إلى الحدود من الجانب الروسي». لكن موسكو رفضت الاتهامات الفنلندية، ورأت فيها «ذرائع لتبرير السياسات العدوانية القائمة على كراهية الروس». وقال الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، الاثنين، إن «الموقف المعادي للروس من جانب السلطات الفنلندية يثير أسف موسكو». وزاد أنه «من غير المرجح أن نكون قادرين على التأثير على مواقف هلسنكي، لأنه لا يوجد حوار، وهذا ليس خطأنا؛ في الواقع، لم نكن نحن من بادر إلى تجميد قنوات الحوار».

وأشار بيسكوف إلى أن موسكو لا تقبل الاتهامات الموجهة ضد حرس الحدود الروس، وأكد أنه «بطبيعة الحال، يتم استخدام المعبر الحدودي من قبل أولئك الذين لديهم الحق القانوني في القيام بذلك. وفي هذا الصدد، يلتزم حرس الحدود لدينا بشكل كامل بجميع تعليماتهم الرسمية».

وبات معلوماً أن قرار الحكومة الفنلندية إغلاق نقاط تفتيش في الجزء الأكثر ازدحاماً من الحدود، يقلص إلى درجة كبيرة تدفق المسافرين والبضائع، علماً بأن اتفاقات سابقة بين روسيا وفنلندا كانت قد نظمت هذه المسألة من خلال منح تسهيلات كبرى للمقيمين في سان بطرسبرغ ومحيطها بالدخول إلى فنلندا من دون شرط الحصول على تأشيرة خاصة. ويُعقد إغلاق الحدود أمام هؤلاء مجالات التنقل والاستثمار، خصوصاً أن مئات الألوف من الروس لديهم عقارات وأعمال في فنلندا، وفقاً لتأكيد مصادر روسية رسمية.

وحذر مسؤولون روس من أن خطوة إغلاق الحدود الحالية، تعد جزءاً من سياسة واسعة موجهة للاستيلاء على العقارات المملوكة لأفراد أو شركات روسية على نطاق واسع، في إطار خطط الحكومة الفنلندية للسماح تشريعياً حتى عام 2027، بمصادرة الممتلكات من المالكين الذين لا يمكن الاتصال بهم أو الذين لديهم ثغرات في تسديد ضرائب أو رسوم متأخرة. ومعلوم أن دفع الفواتير والضرائب بالنسبة إلى الروس أصبح مستحيلاً تقريباً بعد تشديد القيود على الدخول، كما أصبح سداد المدفوعات المصرفية من روسيا في ظل العقوبات أمراً صعباً للغاية أيضاً.

ومع توعّد الخارجية الروسية برد «متكافئ»، بدا أن السجالات حول خطوة إغلاق الحدود قد تتخذ أبعاداً أوسع خلال المرحلة المقبلة. وقال سيرغي بيلييف، مدير الإدارة الأوروبية في وزارة الخارجية، الاثنين، إن موسكو «لن تترك أي أعمال معادية لروسيا من جانب هلسنكي من دون رد». وأشار الدبلوماسي إلى أنه «بعد بدء العملية الخاصة في أوكرانيا، اتبعت فنلندا سياسة تصادمية متسقة ومعادية لروسيا»، مشيراً إلى أن «دعم كييف وتزويدها بالأسلحة، وزيادة ضغط العقوبات على روسيا يشكلان جزءاً فقط من السياسات الموجهة ضد موسكو». وشدد بيلييف على أنه بعد انضمام فنلندا إلى حلف شمال الأطلسي، «تم تقليص الحوار السياسي الثنائي النشط تقليدياً على جميع المستويات والاتصالات الوثيقة بين الإدارات، وتضرر التعاون التجاري والاقتصادي الذي كان متطوراً في السابق بطريقة يصعب إصلاحه، كما تضررت العلاقات بين المناطق، بما في ذلك العلاقات بين المناطق». وزاد أنه تم قطع الطرق بين المدن المجاورة.

بالإضافة إلى ذلك، أشار بيلييف إلى أن السلطات الفنلندية منعت في سبتمبر (أيلول) 2022، الروس من دخول البلاد، وفي يوليو (تموز) الماضي، وسعت هذه القيود لتشمل كل أصحاب العقارات ورجال الأعمال.

وكانت وزيرة العدل الفنلندية لينا ميري، أعلنت قبل شهرين عن نيتها إطلاق حملة لتعديل التشريعات قبل نهاية فترة ولاية الحكومة – حتى عام 2027 – لتسهيل استعادة الممتلكات من المالكين الذين لا يمكن الاتصال بهم أو المتخلفين عن السداد، بما في ذلك الروس. ودعت المتحدثة باسم حزب الوسط، هانا كوسونين، إلى تسهيل مصادرة الممتلكات المملوكة بالفعل للروس، خصوصاً في الحالات التي لا يدفع فيها المالك، على سبيل المثال، ضرائب الملكية، أو تكون الممتلكات غير مستخدمة أو في حوزة شخص خاضع للعقوبات.

ويشكل السجال حول الاستيلاء على ممتلكات روسية، وإغلاق الحدود بذريعة مواجهة الهجرة غير الشرعية، عنصر تأجيج واسع للتوتر الذي أطلقه انضمام فنلندا إلى حلف الأطلسي، وسط مخاوف روسية من توسيع تمدد حلف الأطلسي على مقربة من الحدود.

وكان الكرملين أعلن في وقت سابق، أن انضمام فنلندا إلى حلف شمال الأطلسي «لا يُسهم في تعزيز الاستقرار، بل يخلق تهديداً إضافياً لروسيا»، وتعهد بأن تتخذ بلاده «إجراءات تشمل كل ما هو ضروري لضمان أمن روسيا». بدوره، أعلن نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر غروشكو، أن موسكو «بدأت بالفعل في تطوير تدابير جوابية لوقف التهديدات المحتملة فيما يتعلق بانضمام فنلندا إلى حلف الأطلسي». وشدد على أن الهيئات العامة المسؤولة «تأخذ بعين الاعتبار إمكانية تنفيذ سيناريوهات مختلفة لتطور الوضع، بما في ذلك السيناريوهات التي تنطوي على نشر قوات قتالية أو ظهور معدات أجنبية على أراضي هذا البلد». وتابع: «على أي حال، أخذ هذا أيضاً في الاعتبار… في عمليات التخطيط العسكري المستقبلية بروسيا». ووفقاً لغروشكو، فإنه «بالمعنى القانوني، بات الناتو منتشراً على الحدود بين روسيا وفنلندا، التي يبلغ طولها 1.3 ألف كيلومتر… هذا واقع عسكري وسياسي جديد يجب أن يؤخذ بالاعتبار في تخطيطنا الدفاعي».

رائد جبر

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




قمة «بريكس»: تشديد على وقف النار وفتح ممرات إنسانية

دخلت مجموعة «بريكس» بقوة، اليوم (الثلاثاء)، على خط التفاعل مع الحدث المتفاقم في غزة. وبرز خلال قمة افتراضية طارئة خُصصت لمناقشة الوضع في الشرق الأوسط، اتفاق في وجهات نظر البلدان الأعضاء في المجموعة على ضرورة وقف النار في أسرع وقت ممكن وفتح الممرات الإنسانية. وأكد قادة بلدان المجموعة استعداد «بريكس» للعب دور محوري في جهود تهدئة الوضع والانتقال إلى عملية سياسية، في حين صدرت دعوات إلى محاسبة إسرائيل على «الإبادة الجماعية» ومنع دخول المساعدات الإنسانية.

وأكد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في كلمة المملكة أمام قمة «بريكس» الافتراضية، أن ما تشهده غزة من جرائم وحشية في حق المدنيين الأبرياء والمنشآت الصحية ودور العبادة يتطلب القيام بجهد جماعي لوقف هذه الكارثة الإنسانية التي تستمر بالتفاقم يوماً بعد يوم ووضع حلول حاسمة لها. وأضاف أن «هذه القمة تنعقد في وقت عصيب يمر به أهالي غزة».

وجدّد الأمير محمد بن سلمان، خلال ترؤسه وفد السعودية في اجتماع قادة مجموعة «بريكس»، نيابةً عن الملك سلمان بن عبد العزيز، المطالبة بوقف العمليات العسكرية فوراً وتوفير ممرات إنسانية لإغاثة المدنيين وتمكين المنظمات الدولية الإنسانية من أداء دورها. وشدد ولي العهد السعودي على أن موقف بلاده ثابت وراسخ بأن «لا سبيل لتحقيق الأمن والاستقرار في فلسطين إلا من خلال تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بحل الدولتين لتمكين الشعب الفلسطيني من نيل حقوقه المشروعة في إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية»، مشيراً في الوقت ذاته إلى تقديمها مساعدات إنسانية وإغاثية، جواً وبحراً، لأهالي غزة، وإطلاقها حملة تبرعات شعبية تجاوزت حتى الآن نصف مليار ريال سعودي.

الأمير محمد بن سلمان خلال قمة «بريكس» الافتراضية (واس)

كما أشار الأمير محمد بن سلمان إلى أن بلاده دعت إلى عقد قمة عربية وإسلامية مشتركة غير عادية في الرياض في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي لبحث العدوان الإسرائيلي، منوّهاً بما صدر عن القمة من قرار جماعي يتضمن إدانة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ورفض تبرير العدوان تحت أي ذريعة، وأن يتم بشكل فوري فرض إدخال قوافل مساعدات إنسانية تشمل الغذاء والدواء والوقود إلى القطاع، ورفض التهجير القسري للشعب الفلسطيني، وإدانة تدمير إسرائيل للمستشفيات في القطاع، ومطالبة جميع الدول بوقف تصدير الأسلحة والذخائر لإسرائيل، والبدء بالتحرك باسم جميع الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية لبلورة موقف دولي تجاه العدوان على غزة، والضغط من أجل إطلاق عملية سياسية جادة لتحقيق سلام دائم وشامل وفق المرجعيات الدولية المعتمدة.

وشاركت السعودية في الاجتماع الافتراضي الاستثنائي الخاص بغزة لقادة مجموعة «بريكس» وقادة الدول المدعوّة للانضمام إلى هذه المجموعة؛ كونها إحدى الدول المدعوة للانضمام إلى المجموعة، وكونها أيضاً دولة صديقة لدولة الرئاسة (جنوب أفريقيا) وبوصفها الرئيس الحالي للقمتين العربية والإسلامية.

من جهته، شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في كلمته على ضرورة التوصل في أسرع وقت إلى اتفاق حول هدنات إنسانية وإطلاق سراح الرهائن وإيصال المساعدات إلى غزة، لكنه شدد على أن «المسار الأفضل هو التوصل إلى تهدئة طويلة الأمد».

وقال بوتين خلال القمة الاستثنائية التي دعت إليها جنوب أفريقيا بصفتها الرئيس الحالي للمجموعة وإيران التي نالت قبل أشهر عضوية كاملة فيها: إن روسيا ودول «بريكس» يمكن أن تلعب دوراً رئيسياً في حل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

وشدد على أن «موقف روسيا ثابت وغير انتهازي. وندعو إلى بذل جهود مشتركة من جانب المجتمع الدولي تهدف إلى تهدئة الوضع ووقف إطلاق النار وإيجاد حل سياسي للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. ومجموعتنا يمكن أن تلعب دوراً رئيسياً في هذا العمل».

ورأى بوتين أن الوضع الحالي ناجم عن رغبة الولايات المتحدة في احتكار مهام حل الصراع. وزاد: «هكذا، أصبح واضحاً عدم جدوى المحاولات الفردية لتسوية المشكلة الفلسطينية». وقال: إن «مقتل الآلاف من الأشخاص، والطرد الجماعي للمدنيين، واندلاع كارثة إنسانية، أمور تثير قلقاً عميقاً. وقد تحدث أحد الزملاء للتو عن وفاة عدد كبير من الأطفال. وهذا أمر فظيع، ولكن عندما تنظر إلى كيف يجرون العمليات الجراحية للأطفال من دون تخدير، فإن هذا بالطبع يثير مشاعر خاصة».

الرئيس فلاديمير بوتين خلال قمة «بريكس» اليوم (أ.ف.ب)

وزاد بوتين: «لقد نشأ أكثر من جيل من الفلسطينيين في جو من الظلم، ولا يستطيع الإسرائيليون ضمان أمن دولتهم». ورأى أن هذا «كان نتيجة لتخريب قرارات الأمم المتحدة التي تنص على إنشاء دولتين مستقلتين والتعايش السلمي بينهما – إسرائيل وفلسطين». وشدد على أهمية الهدنة الإنسانية الضرورية لإطلاق سراح الرهائن وإجلاء المدنيين والأجانب من غزة. وفي الوقت نفسه، قال: إن المهمة الأكثر إلحاحاً هي التوصل إلى هدنة طويلة الأمد ومستدامة، محذراً من انجرار دول أخرى إلى الحرب في الشرق الأوسط وتوسيع جغرافية الصراع.

وقال بوتين أيضاً: إن روسيا تعتزم، خلال رئاستها مجموعة «بريكس» العام المقبل، بدء اتصالات بشأن التسوية الفلسطينية – الإسرائيلية.

وزاد: «نرى أنه من المفيد للغاية مواصلة المناقشة داخل مجموعة (بريكس) حول مواصلة تطور المواجهة الفلسطينية – الإسرائيلية. إذا لم تكن هناك اعتراضات، زملائي الأعزاء، فخلال الرئاسة الروسية المقبلة للجمعية في العام المقبل، سنبدأ اتصالات محتملة، بما في ذلك عبر الفيديو، حول هذه القضية».

وتضم مجموعة «بريكس» البرازيل، وروسيا، والهند، والصين وجنوب أفريقيا. وفي قمة جوهانسبرغ التي عُقدت في أغسطس (آب) الماضي، تم الإعلان عن قرار بدعوة الأرجنتين، ومصر، وإيران، وإثيوبيا، والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لتصبح أعضاء كاملي العضوية في الرابطة ابتداءً من مطلع العام المقبل.

بدوره، دعا الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، الذي دعت بلاده إلى عقد القمة الطارئة، رؤساء الدول الأعضاء في المنظمة، من خلال الآليات ذات الصلة في الأمم المتحدة، إلى إصدار قرار بـ«وقف جرائم إسرائيل ضد سكان غزة».

وقال رئيسي في كلمته: إنه «نظراً لفشل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في أداء مهمته المتمثلة في ضمان السلام والأمن واعتماد قرار بشأن وقف إطلاق النار في فلسطين؛ يتعين على الدول الأعضاء في مجموعة (بريكس) إصدار قرار ملزم في الجمعية العامة للأمم المتحدة في إطار الأمم المتحدة». وزاد: «يجب استخدام آلية السلام الدولية ضد إسرائيل لوقف جرائمها ضد شعب غزة».

ودعا رئيسي رؤساء الدول الأعضاء في المنظمة إلى «إعلان حكومة إسرائيل منظمة إرهابية وجيشها منظمة إرهابية». ورأى أن «هجمات إسرائيل المستمرة على المستشفيات والمراكز الطبية والأماكن الدينية، وكذلك قتل النساء والأطفال والأطباء والممرضات والصحافيين، هي أعمال إرهابية، ويجب الاعتراف بالنظام الإسرائيلي إرهابياً وجيشه منظمة إرهابية».

من جانبه، دعا رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوسا، بصفته رئيساً للقمة، دول العالم إلى الامتناع عن خطوات من شأنها تصعيد الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، بما في ذلك في إطار «وقف توريد الأسلحة إلى أطراف الصراع».

وقال رامافوسا: إنه «يجب على جميع الدول ممارسة ضبط النفس والامتناع عن تأجيج هذا الصراع، بما في ذلك عن طريق قطع إمدادات الأسلحة عن الأطراف».

رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوسا خلال قمة مجموعة «بريكس» اليوم الثلاثاء (رئاسة جنوب أفريقيا – أ.ب)

وأكد رامافوسا على أهمية التوصل إلى وقف فوري وشامل لإطلاق النار من أجل حل سلمي للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. وزاد: «لذلك؛ فإننا ندعو المجتمع الدولي إلى الاتفاق على إجراءات عاجلة وملموسة لإنهاء المعاناة في قطاع غزة وتمهيد الطريق لحل عادل وسلمي لهذا الصراع. وباسم جنوب أفريقيا، فإننا ندعو إلى وقف نار فوري وشامل، والشروع بخطوات لتحسين الوضع الإنساني».

وقال رئيس جنوب أفريقيا: إن إسرائيل وحركة «حماس» انتهكتا القانون الدولي خلال الصراع. وأوضح أن «تصرفات إسرائيل تعد انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة واتفاقية جنيف».

وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن حركة «حماس» انتهكت أيضاً القوانين الدولية باحتجازها رهائن، و«تجب معاقبتها».

ووصف رامافوسا استخدام إسرائيل «غير القانوني للقوة المفرطة» لمعاقبة جماعية للفلسطينيين بأنه «جريمة حرب». وجدد الدعوة للمحكمة الجنائية الدولية إلى محاكمة المسؤولين عن جرائم الحرب في الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.

وأكد بدوره على أن «مجموعة (بريكس) يمكنها أن تلعب دوراً حاسماً في الجهود الدولية لتحقيق سلام دائم في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي»، معرباً عن تقديره لأهمية التضامن الدولي في حل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

من جانبه، قال الرئيس الصيني شي جينبينغ: إن «بريكس» تعد «منصة مهمة لتعزيز الوحدة والتعاون وحماية المصالح المشتركة للدول النامية».

أعلام دول مجموعة «بريكس» خلال القمة الحضورية الأخيرة في جوهانسبرغ في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

ووفقاً له، فإن تنسيق المواقف بشأن الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي والإجراءات التي تم اتخاذها خلال قمة «بريكس» الاستثنائية كانت «بداية جيدة لتعاون الرابطة بعد توسعها».

وأكد أن الصين «تعدّ وقف إطلاق النار والإفراج عن المدنيين الأسرى أولوية في الجولة الحالية من الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي».

وزاد، أنه «في الوضع الحالي، من الضروري للغاية أن تعمل دول (بريكس) كصوت للعدالة والسلام في القضية الفلسطينية – الإسرائيلية».

وشدد على أن الجولة الحالية من الصراع في قطاع غزة أدت إلى سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين وتحولت كارثة إنسانية، وقال: إن «الصين تشعر بقلق بالغ إزاء هذا الأمر».

وأعلن شي خلال كلمته أن الصين «سوف تدعو إلى عقد مؤتمر دولي رسمي في المستقبل القريب لتعزيز تسوية سريعة وعادلة في غزة»، مشيراً إلى أنه من الضروري «عقد مؤتمر سلام دولي أكثر موثوقية في أقرب وقت ممكن لتحقيق توافق دولي بشأن توطيد السلام وتعزيز حل مبكر وشامل وعادل ودائم للقضية الفلسطينية».

في غضون ذلك، أشار سيرغي ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسي، إلى أن القمة أقرّت وثيقة ختامية تم إعدادها عبر الممثلين الدائمين للدول الأعضاء.

وأكد ريابكوف، أن روسيا تنطلق من أن نتائج القمة والتوصيات التي تضمنتها الوثيقة سوف تعلنها رئاسة جنوب أفريقيا.

رائد جبر

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




اليمن: أنظروا ماذا نحن فاعلون

سنعيدها سيرتها الأولى، هكذا يقول اليمني أنا لست آبهاً بحصاركم وأساطيلكم وجيوشكم، أوقفوا إبادتكم في غزة أو انظروا ماذا نحن فاعلون، في التاسع عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2023، خرج الناطق باسم القوات المسلحة اليمنية العميد يحي سريع، في ساعات هذا اليوم الباكرة وقال “انطلاقاً من المسؤولية الدينية والوطنية والأخلاقية ونظرا لما يتعرض له قطاع غزة من عدوان إسرائيلي أمريكي غاشم حيث المجازر اليومية والإبادة الجماعية، واستجابة لمطالب شعبنا اليمني ومطالب الشعوب الحرة، ونجدة لأهلنا المظلومين في غزة تعلن القوات المسلحة اليمنية أنها ستقوم باستهداف جميع أنواع السفن التالية:

 -السفن التي تحمل علم الكيان الصهيوني.

– السفن التي تقوم بتشغيلها شركات إسرائيلية.

-السفن التي تعود ملكيتها لشركات إسرائيلية.

كما تهيب القوات المسلحة اليمنية بجميع دول العالم بسحب مواطنيها العاملين ضمن طواقم هذه السفن، وتجنب الشحن على متن هذه السفن أو التعامل معها، وإبلاغ سفنكم بالابتعاد عن هذه السفن.

لم ينته نهار التاسع عشر من نوفمبر، الا وقد فعلها اليمنيون، لا خطوط حمراء، نحن أصحاب المعادلة ونحن من سنفرضها، ونصرة لأهلنا في غزة قمنا ب “احتجاز سفينة إسرائيلية في أعماق البحر الأحمر”، وبحسب المعلومات المتداولة إنّه جرى احتجاز 52 شخصاً كانوا على متن السفينة الإسرائيلية، وأنّ طاقم السفينة ومن كانوا عليها هم حالياً قيد التحقيق معهم، والتثبّت من جنسياتهم من قبل الأجهزة اليمنية المعنية.

ماذا في تفاصيل السفينة؟

‏تعود ملكية، سفينة Galaxy Leader رامي أنغر، التي سيطرت عليها القوات المسلحة اليمنية في البحر الأحمر، وهو إسرائيلي مواليد تل أبيب عام 1947، وهو أحد أكبر مستوردي السيارات في الكيان المؤقت، ولديه العديد من شركات العقارية في الكيان وفي اوروبا.

من هو رامي أنغر؟

يُعد رامي أبراهام أنغر من الشخصيات المقربة من الوزيرين لدى الكيان المؤقت يوآف غالانت (وزير الحرب حاليا) وبيني غانتس (وزير الحرب سابقا وعضو في حكومة الطوارئ الحالية) وهو بشكل عام معروف بعلاقاته الواسعة مع السياسيين. كونه من أكبر رجال الأعمال في الكيان، ويمتلك بنية تحتية ضخمة على مستوى الشحن واللوجستيك يجعله لصيقا بالأجهزة الأمنية أيضا.

وفي مجال الأعمال التجارية الإسرائيلية، يبرز أنغر كشخصية بارزة، مع اهتمامات متنوعة تشمل استيراد السيارات والشحن والعقارات. ولد عام 1947 لعائلة راسخة في شمال تل أبيب، وكان والد رامي شالوم أنغر. أخذته رحلته التعليمية إلى الجزر البريطانية حيث درس في مدرسة خاصة في بريطانيا. بعد تعليمه المبكر، خدم في جيش الاحتلال الإسرائيلي كجزء من فيلق المخابرات. وبعد الانتهاء من خدمته العسكرية، شرع أنغر في دراسات القانون في جامعة أكسفورد لكنه لم يكمل شهادته. ومع ذلك، قادته مساعيه الأكاديمية في نهاية المطاف إلى العودة إلى اسرائيل، حيث تخرج بنجاح بشهادة في الحقوق من جامعة تل أبيب في عام 1971. بدأ دخول رامي أنغر إلى عالم الأعمال في أواخر الستينيات عندما أسس مشروعًا صغيرًا متخصصًا في استيراد البضائع وأنظمة تكييف الهواء للمقطورات والكرفانات. كانت هذه بمثابة الخطوات الأولى في رحلة عمله، حيث أصبح فيما بعد المستورد الأول لسيارات أوتوبيانكي في إسرائيل، يليه استيراد سيارات لانسيا.

 حياة أنغر السياسية

 انضم إلى حزب جيل (حركة حرية إسرائيل)، الذي كان جزءًا من الحركة السياسية الليبرالية الأوسع، وطور علاقاته مع شخصيات مثل عيزر وايزمان، الذي انضم لاحقًا إلى حزب الليكود، وهو استمرار لحركة جيل، وايزمان بالتعاون مع ديفيد كوليتز، الذي كان لديه مصالح في الشركات المرتبطة بإيران من خلال شركة إيلول، قدم المساعدة لأنغر في تصدير أنظمة تكييف الهواء إلى إيران حتى الثورة الإسلامية في عام 1979.

في أوائل الثمانينيات، بعد أن ترك وايزمان الحكومة أصبح أنغر ووايزمان شريكين تجاريين، مع التركيز على استيراد السيارات والشحن والمشاريع العقارية. جنبا إلى جنب مع بنيامين (فؤاد) بن اليعازر وشلومو عمار، أسسا معًا حزب يحاد في عام 1984، حيث لعب أنغر دورًا محوريًا باعتباره مانحًا رئيسيًا وعمل أمينًا لصندوقه. 

يمتلك رامي أنجر أصولًا عقارية كبيرة في إسرائيل وأوروبا الشرقية والولايات المتحدة. وهو من مؤسسي صندوق “فاير” العقاري الذي يديره شلومو جروفمان. متزوج من يائيل، التي تنشط أيضًا في أعماله التجارية، ولديهما ولدان تقيم العائلة في كفر شمرياهو، وهي قرية في وسط إسرائيل.

الموقف الإسرائيلي

أعلنت الحكومة الإسرائيلية إدانتها للتوجيه الإيراني “لاختطاف” السفينة الدولية على أيدي حركة أنصار الله اليمنية، واعتبرت أنّ الحدث “خطير للغاية”. وقالت إنّ السفينة التي أبحرت من تركيا الى الهند لا يوجد على متنها أي مواطن إسرائيلي، هكذا يقول قادة العدو.

سابقا أصاب الكيان المؤقت في تقديره بأن اليمن يتحوّل بسرعة إلى تهديد إستراتيجي في المنطقة (أيّ تهديد لكيانهم) وبات من الواضح أنّ الجبهة اليمنية ضد الكيان لن تقتصر على ارسال المسيرات والصواريخ الى “إيلات” وستكون لها امتدادات أكثر من ذلك، وهو ما ظهر اليوم من احتجاز للسفينة الاسرائيلية، وأنّ مفاعيل اليوم ستكون أكبر في الأيام القادمة إذا ما استمر الإسرائيلي في عدوانه على غزة.

زينب رعد

المصدر: موقع الخنادق




البُعد الجيوستراتيجي للصراع على غزة

أضاف اكتشاف النفط والغاز في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط بُعداً جديداً إلى النزاع العربي – الإسرائيلي، كما أتاح هذا الاكتشاف فرصة لدعم التنمية الاقتصادية في الدول المُشاطئة للمنطقة، نظراً إلى الثروات الطبيعية المختزنة في المناطق الاقتصادية البحرية الخالصة في شرق المتوسط.

لا شك أنّ الأزمات والصراعات الجيوسياسية منذ عقود في الشرق الأوسط، خزان النفط للعالم، دفع بالشركات النفطية إلى تعزيز وتكثيف جهودها في تطوير التقنيات وتوزيع المصادر الهيدروكربونية الخاصة بها سواء في البر أو البحر.

في بلاد الشام أو الهلال الخصيب، ودول الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط بالخصوص، لم يكن النفط عاملاً مباشراً في جيوسياسية المنطقة إلا من خلال قربها جغرافياً من مناطق إنتاج النفط والغاز في الخليج، لا كمنطقة إنتاج.

أما فلسطين، فتعاني شحاً في الموارد والثروات الطبيعية، علماً أنّ القليل المتوفر من هذه الموارد يمكنه أن يشكّل على المدى القصير، رافعة مهمة للاقتصاد والصمود الفلسطينييْن، لكن سياسات الكيان المحتل، وحرصه الدائم على السيطرة على جميع الموارد الطبيعية الموجودة في فلسطين من مياه ونفط وغاز وبوتاس، حالا دون استغلال هذه الموارد حتى الآن. وبناءً عليه بات الاقتصاد الفلسطيني معتمداً بشكل كامل على الواردات، وخصوصاً من الكيان المؤقت.

وجاءت الاكتشافات المتلاحقة بين أعوام 1999 و2010 قُبالة السواحل الفلسطينية الشمالية والجنوبية وعلى سواحل قبرص، حيث ثبُت من خلال المسوحات السيزمية الثنائية والثلاثية الأبعاد أنّ حوض “ليفانت” أو “حوض بلاد الشام”، وكذلك حوض “دلتا النيل”، يحتويان على احتياط وافٍ من الغاز الطبيعي والنفط.

في نيسان/أبريل 2010 أعلنت دائرة المسح الجيولوجي الأمريكي أنّ منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط تحوي احتياطاً متوسطاً غير مكتشف من النفط يُقدّر بنحو 1.7 مليار برميل من النفط القابل للاستخراج تقنيا، مع أقصى احتمال قد يصل إلى 3.7 مليار برميل.

وتشمل منطقة حوض شرق البحر المتوسط، الشواطئ البرية لدول سوريا ولبنان وفلسطين والمياه الإقليمية لهذه الدول لغاية مياه قبرص الإقليمية.

أما فيما يخص الغاز في هذه المنطقة، فأشار تقرير الدائرة إلى أنّ الاحتياطي المتوسط القابل للاستخراج تقنياً هو 122 تريليون قدم مكعب من الغاز.

إنّ العوامل الجيوسياسية والجيواقتصادية المترابطة بعضها ببعض تطغى على الدول المتشاطئة في منطقة حوض المتوسط، كما تشكّل “إسرائيل” خطراً على مصالح دول مصر وفلسطين ولبنان، فضلاً عن مصالح المجتمع الدولي ككل، ويهمنا هنا الإضاءة على واقع الموارد النفطية والغازية المكتشَفة والمتوقعة في الأراضي العربية المحتلة، وما تتعرض له من محاولات إسرائيلية لمنع الفلسطينيين من الاستفادة منها.

بعد عدة أعوام من الحفر في الأراضي المجاورة للخط الأخضر والقريبة من قرية رنتيس الفلسطينية، أعلنت الشركة الإسرائيلية “غفعوت عولام” للتنقيب عن النفط، ومسجلة في القدس، اكتشافاً تجارياً يُقدّر بـ980 مليون برميل من النفط القابل للاستخراج من حقل مجد النفطي. وأُعلن في سنة 2010، عن المزيد من الاكتشافات بما يُقارب 1.5 مليار برميل في الحقل نفسه. من المؤكد أنّ هذه الحقول تمتد إلى الأراضي الفلسطينية التي قامت السلطات الإسرائيلية بضمها لاحقا.

وفي سنة 2012، لفتت الانتباه الاتصالات التي جرت بين وزارة الخارجية البريطانية وقنصليتها في القدس إلى إمكان اكتشاف النفط قرب الخليل، وإمكانية العثور على حقول نفط برية بالقرب من بيرزيت، وكذلك منطقة غزة، علماً أنّ سلطات الاحتلال سبق وحفرت في شمالي غزة وجنوبها في سبعينيات القرن الماضي.

كما تمّ اكتشاف الغاز الطبيعي عام 1999، في حقل غزة مارين في المياه الفلسطينية، على عمق 600 متر من سطح البحر، وعلى بعد 30 كم من شاطئ غزة. بعد أن نجح ائتلاف بريتش غاز (بريتش غاز 60%، شركة اتحاد المقاولين 30% وصندوق الاستثمار الفلسطيني 10%) في الحصول على تصريح أمني من السلطات المختصة في “إسرائيل” حيث قام بالحفر على عمق 603 أمتار تحت سطح البحر [4]، وقُدّر احتياط الغاز المعلن بـ1.4 تريليون متر مكعب، رفضت الحكومة الإسرائيلية الاقتراح الأولي لـ”بريتش غاز” مدّ خط أنابيب التصدير لنقل الغاز من غزة مارين إلى منشآت الغاز الطبيعي المُسال في إدكو في مصر.

وفي سنة 2007، أدركت بريتش غاز أنّ جميع المحاولات للتفاوض مع كيان الاحتلال انهارت وانهار معها كل البروتوكولات والاتفاقيات، ولكن احتفظت بريتش غاز بالترخيص، وأغلقت مكاتبها في كانون الثاني/ يناير 2008، واحتفظت بمكاتبها في رام الله، وبامتياز حقول الغاز وانسحبت من المشروع.

يمتاز موقع غزة مارين البعيد 20 ميلاً بحرياً تقريباً عن سواحل فلسطين، بمزايا قيّمة تتعلق بتكلفة التطوير والإنتاج والتصدير، كما أنّ المياه الضحلة نسبياً توفر إنتاجية بتكلفة أقل، فضلاً عن أنّ قرب الإنتاج من اليابسة والميناء يوفر ميزة نسبية في كل من التسليم والسرعة التي يمكن نقله بهما إلى المستهلكين النهائيين في فلسطين، وكذلك على الصعيد الدولي.

يمثّل غزة مارين الاكتشاف الأول للغاز في المياه البحرية للأراضي الفلسطينية، ويجب ألا يكون مفاجئاً إذا استنتجنا أنّ احتمال حدوث مزيد من الاكتشافات الهيدروكربونية، بما في ذلك احتياط النفط، ممكن إلى حد كبير.

في 27 كانون الأول/ديسمبر 2008، مع بداية الحرب على غزة، تمّ تقليص الأميال البحرية المتاحة للفلسطينيين قبالة غزة إلى 3 (5.5 كيلومترات) من أصل 6 أميال (10 كيلومترات).

وفي كانون الثاني/يناير 2011، افتتح بنيامين نتنياهو والسلطة الوطنية الفلسطينية محادثات بشأن عقد محتمل للغاز بعد خفض مصر حجم الغاز المُباع للكيان الصهيوني خلال ثورة فلسطين، وفي 4 شباط/فبراير أعلن نتنياهو أنّ الوقت حان لتطوير الغاز الفلسطيني، وكان ممثل اللجنة الرباعية طوني بلير إلى جانبه. يقول نتنياهو “.. الإيرادات من الحقول الفلسطينية ستذهب إلى السلطة الفلسطينية، والعائدات من الحقل الإسرائيلي ستذهب إلى الحكومة الإسرائيلية”.

ومنذ إحالة حقوق التطوير إلى تحالف بقيادة صندوق الاستثمار الفلسطيني عام 2018 وتكليفه التفاوض مع شريك دولي، لم تنجح الجهود في جذب شريك، نتيجة انعدام الأفق السياسي، وغياب الضمانات من “إسرائيل”، لكن مع بيان “منتدى غاز شرق المتوسط” الذي أكدت فيه الدول الأعضاء بالإجماع بما فيها كيان الاحتلال، “على حقوق الفلسطينيين في مواردهم الطبيعية في البحر المتوسط وفي استغلالها”، وتأمل القائمون على الصندوق أن يسهّل ذلك عملية استقطاب شريك عالمي.

وقامت الحكومة الفلسطينية بالانضمام للمعاهدة الدولية للبحار، وإيداع صك في الأمم المتحدة لترسيم مناطقها البحرية بموجب القانون الدولي، بما في ذلك حقّها في استغلال الموارد الطبيعية في هذه المناطق البحرية، إضافة لمتابعة جهود ترسيم الحدود البحرية من قِبل وزارة الخارجية مع الدول المجاورة. كما وصادقت في 30 حزيران/يونيو 2020، على انضمامها رسمياً إلى منتدى غاز شرق المتوسط، فيما تغيبت عن المشاركة في حفل توقيع اتفاقية إطلاقه كمنظمة دولية في أيلول/سبتمبر 2020، بسبب الحضور الإسرائيلي. والجدير بالذكر، أنّ اتفاق باريس الاقتصادي 1994، يقضي بإعطاء كيان الاحتلال أولوية في أي عملية اكتشاف أو تنقيب عن الموارد الطبيعية.

يُعدّ استثمار حقول الغاز المكتشفة قبالة سواحل غزة حلماً كبيراً للمواطنين كافة؛ لأنّه سيسهم في الارتقاء بمستواهم الاقتصادي وتحقيق نهضة في جميع مناحي الحياة في قطاع غزة.

لكن للأسف، حتى الآن لم يتقدّم رسمياً أحد من الفلسطينيين بشكوى إلى محكمة العدل الدولية من أجل المطالبة بحقوق فلسطين المائية ومواردها السليبة؛ لكون فلسطين أصبحت منذ عام 2012 تحظى بصفة دولة مراقب، وهي غير عضو في الأمم المتحدة.

نسيب شمس

المصدر: موقع الخنادق




شركات الأسلحة تتوقع مزيداً من الأرباح: غزة مختبراً لتجارة الموت!

تمتلك شركات الأسلحة تأثيراً مهماً على الإدارات الأميركية المتعاقبة بما يتعلق باتخاذ قرار الحرب أو توسيع رقعة المواجهات في أي منطقة جغرافية في العالم. وبما أن عمليات الشراء ترتكز على ضمان جودة السلاح وضرورة تجربته عملياً قبل عقد أي صفقة، توفر “إسرائيل” هذه المساحة. اذ أن الأسلحة التي يتم اختبارها في كل حرب يشنها كيان الاحتلال تشهد ارتفاعاً في الطلب العالمي. وهذا ما يعطي للحرب على غزة بعداً آخر، باعتبار القطاع (أميركياً وإسرائيلياً) على أنه مختبر لتجربة أحدث الأسلحة.

بعد 15 يوماً على بدء الحرب، وثّق جيش الاحتلال بلقطات فيديو، استخدام فرقة الكوماندوز-ماجلان لقنابل هاون تسمى “اللدغة الحديدية” والتي كانت شركة  Elbit Systems -ومقرها حيفا- بالإعلان عنها منتصف عام 2021. وعلى الرغم من أن الشركة قد زعمت بأن هذا النوع من القنابل يحقق إصابات مباشرة و”مصممة للاشتباك مع الأهداف بدقة، في كل من التضاريس المفتوحة والبيئات الحضرية، مع تقليل إمكانية حدوث أضرار جانبية ومنع إصابة غير المقاتلين”، أثبت استعمالها في غزة على أن لديها القدرة على فصل الأنسجة عن اللحم وقطع الرؤوس مباشرة وإصابة كل الأشخاص الذين يقفون على مسافة قريبة.

تختلف حسابات شركات الأسلحة ومالكيها من أعضاء الكونغرس الأميركي وكبار رجال الأعمال في الولايات المتحدة في “إسرائيل” عن رغبات المسؤولين. ففي الوقت الذي ترغب فيه الإدارة الأميركية بكبح التصعيد لأسباب تتعلق بجانب من جوانبها بحظوظ الرئيس جو بايدن الرئاسية في الانتخابات المقبلة، تتطلع شركات الأسلحة إلى ما يجري على أنه “فرصة لتحقيق مزيد من الأرباح الهائلة” على حد تعبير محللة وول ستريت، كريستين ليواج.

في حين وصف جريج هايز، الرئيس التنفيذي لشركة RTX، حرب إسرائيل على القطاع بأنها “مكافأة غير متوقعة… ذلك يعني زيادة في تمويل وزارة الدفاع الأمريكية”. وبحسب الاحصائيات، فإن هناك زيادة في الطلب على المدفعية بمقدار أربعة أضعاف. كما تم الانتقال من تصنيع 14000 طلقة شهرياً إلى 20000، في حين يتم العمل على رفع سرعة الإنتاجية لتصل إلى 85000 ثم 100000 طلقة شهرياً.

في خطاب ألقاه بايدن، في 19 أكتوبر، طلب من الكونغرس تخصيص “طارئ” بقيمة 14 مليار دولار للأسلحة لإسرائيل، إلى جانب 61 مليار دولار أخرى لأوكرانيا، وعدة مليارات لتايوان.

إذا تمت الموافقة، فإن حصة الأسد من هذه الأموال ستذهب إلى شركات مثل RTX و General Dynamics، وهما ثاني وثالث أكبر مقاولي الأسلحة. كذلك بالنسبة لشركة رايثيون المتخصصة في صناعة الصواريخ التي يستخدمها نظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي “القبة الحديدية”، إلى جانب العديد من أنظمة الأسلحة الأخرى.

أكبر 10 مقاولين دفاعيين حكوميين أمريكيين ، اعتبارا من عام 2022 ، مع قيم عقودهم.

كما وتتطلع الشركة الأكبر “لوكهيد مارتن”، لزيادة أكبر من الأرباح. وهي الشركة المصنعة للطائرات المقاتلة الهجومية من طراز F-35، والتي تباع بأكثر من 120 مليون دولار لكل منها.

ويصف البعض إصرار “إسرائيل” على اقتناء هذا الكم الهائل من الأسلحة برغبتها في استعمالها “كبوليصة تأمين” تستطيع من خلالها تحقيق “استقلالية” أكبر من الضغط الدولي على وقف جرائمها، كتحقيق مخزون استراتيجي يكفي عملياتها العسكرية إضافة لاستعمالها كورقة ضغط على الدول المستوردة منها. ويأتي وقف حكومة الاحتلال لجميع مبيعات المعدات الدفاعية والأمنية والخدمات المرتبطة بها لكولومبيا ضمن هذا الإطار، بعد رفض الرئيس الكولومبي غوستافو بترو إدانة المقاومة الفلسطينية.

ويقول زميل في معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول وخبير في مبيعات الأسلحة، وليام هارتونغ، أن “الافتقار المتعمد للشفافية حول الأسلحة الأميركية التي تصل إلى إسرائيل مرتبط بسياسة الإدارة الأميركية المتمثلة في التقليل من أهمية المدى الذي ستستخدم فيه إسرائيل هذه الأسلحة لارتكاب جرائم حرب وقتل المدنيين في غزة… من غير المنطقي القول بأن الكشف عن هذه التفاصيل قد تضر بالأمن التشغيلي للجيش الإسرائيلي”.

مريم السبلاني

المصدر: موقع الخنادق




إسرائيل تواجه المقاومة بالتزييف والتضليل

منذ الساعات الأولى التي تلت عملية طوفان الأقصى التي نفذتها المقاومة الفلسطينية، والتي شكّلت صفعة مدويّة في وجه الاحتلال. سارع مسؤولو الكيان المؤقت، وفي مقدمتهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الى محاولة التسويق الإعلامي لمظلوميتهم من جهة، والتضليل وتشويه الحقائق عبر الادعاء بارتكاب المقاومين لجرائم وانتهاكات بحق المستوطنين خلال العملية.

ولم يتوقف مسار التضليل وتشويه حقيقة ما حصل عند الإسرائيليين فقط، بل طال الإدارة الأمريكية والمؤسسات الإعلامية الأمريكية أيضاً، الذين شاركوا بحملة ممنهجة وواسعة. ففي الأيام الأولى للمعركة، تولى الرئيس الأمريكي جو بايدن وكبار مسؤولي الإدارة الأمريكية توجيه كبرى وسائل الإعلام عندهم بطريقة غير مباشرة، عبر أكذوبة قيام مقاومي القسام بذبح وقطع رؤوس أطفال المستوطنين. ومن بعد غياب الأدلة على صحة ادعاءات الرئيس بايدن، كان للوسائل الإعلامية دور كبير في نشر الصور المفبركة لـ”طفل محترق” عبر الذكاء الاصطناعي.

مسلسل المستشفيات

وفي السياق نفسه، لم يتوقف كيان الاحتلال ولا مسؤولوه السياسيون والعسكريون ووسائله الإعلامية، من استكمال تضليلهم وتشويههم للحقائق، عند ما حصل في 7 تشرين الأول / أكتوبر، بل أكملوا ذلك بما يمكن وصفه بمسلسل المستشفيات:

_في البداية، الادعاء بأن مستشفى المعمداني يضم مراكز أو منشآت تابعة لفصائل المقاومة الفلسطينية. وبعد تنفيذ مجزرتهم هناك، وانتشار الفيديوهات التي توثق الدليل المحكم عن مسؤوليتهم عنها، قاموا باختراع كذبة صاروخ حركة الجهاد الإسلامي، وأنه هو السبب في حصول المجزرة.

_ ثانياً، الترويج من خلال جميع الوسائل، بأن المستشفيات والمقار الصحية المختلفة، خاصة مجمع الشفاء الطبي ومستشفى الرنتيسي والمستشفى الإندونيسي، تحوي أو يقع تحتها مقار لفصائل المقاومة. وقد حاول المتحدث باسم جيش الاحتلال العميد دانيال هغاري والمتحدثين التابعين لوحدته، القيام بمسرحيات دعائية، علها تساعدهم على إقناع الرأي العام العالمي بذلك، لكنهم فشلوا في ذلك فشلاً ذريعاً، بل وقد تحولوا الى رموز للسخرية من قبل آلاف الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، كما باتت كبرى وسائل الإعلام العالمية تشكك بمصداقية فيديوهاتهم مثل قناتي الـBBC والـCNN على سبيل الذكر لا الحصر.

أسباب التضليل

_يحاول الكيان تحويل صورة الهزيمة النكراء التي لحقت به في عملية طوفان الأقصى، وما لحقها من صمود أسطوري للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، رغم آلاف المجازر وأكثر من 12 ألف شهيد (جلّهم من الأطفال والنساء)، وافتضاح جرائمه ضد الإنسانية عالمياً، إلى صورة مظلومية له ولمستوطنيه.

_كما يحاول كيان الاحتلال استعطاف الرأي العام العالمي، بعد خساراته الميدانية الفادحة، بعدما كان يروّج دائماً بأنه القوى العسكرية الأقوى في منطقة الشرق الأوسط، وأن جنوده وقادته العسكريين هم الأكفأ من نظرائهم حول العالم، وأن أسلحته هي الأفتك والأكثر تطوراً حول العالم. فيما هو عاجز بشكل تام وكبير، أمام بضع آلاف من المقاومين المحاصرين منذ أكثر 17 عام، الذين استطاعوا إيقاع الخسائر الكبيرة في صفوفه، بوسائل غير متكافئة.

فيلم جديد

سيقوم ممثلو الاحتلال حول العالم خلال الأيام والأسابيع المقبلة، بعرض مقاطع فيديو ووثائق، تزعم قيام المقاومة الفلسطينية ومجاهديها، بارتكاب جرائم ضد المستوطنين خلال عملية طوفان الأقصى، الذي سقط منهم ما لا يقل عن 364 قتيل برصاص المروحيات الإسرائيلية وهذا ما اعترفت به الشرطة الإسرائيلية بنفسها (نشرته صحيفة هآرتس).

لذا من غير المستبعد، بعد مرور أكثر من 45 يوماً على العملية، أن تقوم إسرائيل بفبركة الكثير من الأكاذيب، وقد تستخدم لذلك ما وصل اليه التطور التكنولوجي في الوسائل والتطبيقات، خاصةً فيما يعرف بتقنيات التزييف العميق في مجال الذكاء الاصطناعي.

المصدر: موقع الخنادق




الخطط الإسرائيلية لتغيير الوعي الفلسطيني

أساس عقائدي لتهجير المدنيين طرح قبل حرب غزة

يكثر القادة الإسرائيليون من استخدام مصطلح «تغيير الوعي الفلسطيني»، منذ بداية الحرب على غزة، كأحد أهداف هذه الحرب وتبريرات لنوعية العمليات الحربية التي ترافقها، وفيها يدفع المدنيون الفلسطينيون ثمنا مريعا.

وليس صدفة أن وزير الدفاع، يوآف غالانت، ردد الكلام بعد ساعات من تنفيذ القصف الدموي على مدرستي الفاخورة وتل الزعتر، وفي مخيم جباليا، والتي أوقعت في يوم واحد نحو ألف قتيل من المدنيين.

قد تكون هذه العمليات دليلا على وجع شديد نابع من وقوع عدد كبير من الجنود الإسرائيليين (5 قتلى و9 جرحى حسب الاعتراف الإسرائيلي). وكونه جاء بعد نحو الأسبوع من «تخفيف» حجم التدمير بالغارات البعيدة، الذي خف بموجبه عدد الضحايا الفلسطينيين، يدل على تكتيك حربي لمفاجأة العدو.

لكن هناك أساسا عقائديا لهذا التصعيد وهذا الثمن الباهظ من الدمار، يأتي من مكان آخر. لقد أسماه الوزير غالانت «تغيير الوعي الفلسطيني». وهذا المصطلح ورد للمرة الأولى في الوثيقة التي وضعتها وزارة الاستخبارات الإسرائيلية، نهاية الشهر الماضي، لغرض التوصية بترحيل جميع أهالي قطاع غزة إلى مصر. وتضمن المخطط فقرة تؤكد أن أي حل لمستقبل غزة «يجب أن يترافق مع حملة كي للوعي الفلسطيني يتم فيها تغيير المفاهيم والعقائد المعادية لإسرائيل، بحيث يقتنع الفلسطينيون بأن هجوم حماس على إسرائيل كان فاشلا وتسبب لهم في الدمار وسقوط الضحايا والتشرد، وأن حماس هي (داعش) وممارساتها نازية».

جيش هجوم لا دفاع

غير أن هذا التعبير ظهر قبل ذلك في الأبحاث التي أجريت في رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي عام 2018، عندما كان رئيس الأركان غادي آيزنكوت، يتحدث عن حرب متعددة الجبهات. وآيزنكوت هو أحد أعضاء المجلس الخماسي لإدارة الحرب على غزة.

وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي مع بنيامين نتنياهو في 28 أكتوبر الماضي (رويترز)

كان رئيس الحكومة حينها، بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع، أفيغدور ليبرمان. وقد وضعت خطة لمحاربة حماس وحزب الله في ذات الوقت. وخلال النقاش طرحت مسألة المدنيين، باعتبار أن كلا التنظيمين يقيمان قواعدهما في بلدات مأهولة. وتقرر تحذير المدنيين بأنهم سيتضررون بشكل هائل في حال نشبت الحرب، لأن الجيش الإسرائيلي مضطر لقصف أحيائهم في إطار حرب دفاعية.

يومها كتب أحد كبار الباحثين في الشؤون الأمنية، د. يائير انسبيكر، مقالم في موقع اليمين «ميدا»، أكد فيها على أهمية ضرب المدنيين من باب آخر. فقال إن «العدو يفهم أن إسرائيل تنتهج عقيدة الدفاع وليس الهجوم ويجب تغيير عقيدته». وأنه يجب أن يفهم أن فكرة أن الجيش هو «جيش الدفاع الإسرائيلي» خاطئة، وأنه أصبح من اليوم «جيش الهجوم الإسرائيلي»، وأن عملياته ستكون مدمرة. واقترح أن يبادر هذا الجيش إلى الحرب ولا ينتظر أن يتعرض للهجوم، بل اقترح أن يغير الجيش اسمه رسميا، ويكف عن تسمية نفسه «جيش الدفاع».

لافتة تصور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في احتجاجات على هامش قمة أبيك (التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ) في سان فرنسيسكو كاليفورنيا في 12 نوفمبر (رويترز)

نتنياهو من جهته لم يتقبل هذه الأفكار واختلف في الموضوع مع ليبرمان. وبحسب ليبرمان، فإن نتنياهو اختار مبدأ تقوية حماس عن طريق تعزيز الانقسام الفلسطيني، الضامن الأكبر لمنع مفاوضات على إقامة دولة فلسطينية. لكن نتنياهو هذا كان قد تحدث عن تغيير الوعي الفلسطيني في سنة 2005، أيضا بمعرض الحديث عن غزة. ففي حينه ظهر أمام مؤتمر القدس وقال إن الفكرة التي رسمت عن إسرائيل في اتفاقيات أوسلو وخطة الانفصال عن غزة هي أن ديننا الهرب. ويجب أن نهاجم بقوة شديدة حتى يبدأ لديهم تفكير جديد عن إسرائيل. وقال: «بهذه الطريقة تصبح مسألة تغيير الوعي والثقافة والمفاهيم لدى العرب أصعب حتى من فكرة تغيير المفاهيم لدى الألمان واليابانيين».

سحابة نووية عقب انفجار أول قنبلة ذرية ألقتها أميركا على هيروشيما باليابان (رويترز)

ولهذا، فليس صدفة أن نتنياهو عاد ليتحدث عن الألمان واليابانيين في بداية الحرب على غزة. وغالانت، الذي كان في سنة 2005 قائدا للواء الجنوبي في الجيش ومسؤولا عن قطاع غزة، عاد ليتحدث عن الألمان واليابانيين، في المؤتمر الصحافي الذي ظهر فيه مع نتنياهو وبيني غانتس في الليلة الماضية. المشكلة في هذه التصريحات تكمن في الأسلوب الذي اتبعه الأميركيون والغرب لتغيير الوعي في ألمانيا واليابان.

وبحسب المؤرخين، كان تدمير مدينة دريسدين الألمانية في فبراير (شباط) سنة 1945 وقتل 35 ألف مواطن فيها بمثابة الحدث الذي حفر في ذاكرة الألمان على أن النازية جلبت له الكوارث وأن الغرب مصر على سحق النازية. وأما في اليابان فقد تغير الوعي عندما ألقى سلاح الجو الأميركي أول قنبلة نووية في التاريخ على كل من هيروشيما فدمرها بالكامل وقتل من سكانها 66 ألفا، وناغازاكي التي قتل من سكانها 40 ألفا، ودمرت المدينتان بالكامل.

إذا أخذنا هذه المقاربة، للمثل الشعبي العربي القائل «خذوا أسرارهم من صغارهم»، وربطناها مع تصريحات الوزير آفي ديختر عن نكبة غزة الثانية والوزير أبيحاي إلياهو عن إلقاء قنبلة نووية على قطاع غزة والمناشير التي وزعها المستوطنون اليهود في 26 من الشهر الماضي في قرية دير استيا التي دعوا فيها «عليكم مغادرة قراكم وبلداتكم والتوجّه إلى الأردنّ، وإذا لم تغادروها فسيتمّ الهجوم وتهجيركم بالقوّة» وما ترافق معها من ممارسات على الأرض، فإن الاستنتاج الطبيعي هو أن مشاريع التدمير والسحق للمدنيين هي مدار حديث على مختلف المستويات في إسرائيل. يقصدون بها ترسيخ فكرة النكبة من جديد، كعقاب على من «يتطاول» عليهم وتذكير قادة دول الغرب الذي ينتقدهم بأنهم تعلموا منهم هذه الأساليب.

حركة نزوح من شمال غزة عبر طريق صلاح الدين يوم الأربعاء (أ.ب)

وإذا كان هناك من يخجل من معاقبة المدنيين الفلسطينيين بجريرة حماس أو يخشى من ردود الفعل الدولية ضد إسرائيل، فقد خرج لطمأنتهم، الجنرال المتقاعد غيورا آيلاند، الذي انتقد الحكومة على سماحها بإدخال الوقود إلى غزة. وكتب في مقال في صحيفة «يديعوت أحرونوت» (الأحد)، إن «الأسرة الدولية تحذرنا من مصيبة إنسانية في غزة ومن أوبئة قاسية. محظور علينا أن نخاف ذلك، مع كل المصاعب التي ينطوي عليها الأمر. فالأوبئة القاسية في جنوب القطاع ستقرب النصر وستقلل المصابين في أوساط جنود الجيش الإسرائيلي. ولا، هذه ليست وحشية لذاتها، إذ إننا لا نؤيد معاناة الطرف الآخر كهدف، بل كوسيلة».

فلسطينيون يعاينون جثامين ضحايا القصف الإسرائيلي على مخيم جباليا أمام المستشفى الإندونيسي شمال قطاع غزة أمس (أ.ب)

سكان غزة هم حماس!

وأضاف: «حسب الرواية الأميركية، في غزة توجد جماعتان من الناس. الأولى هي مقاتلو حماس، الذين هم إرهابيون وحشيون ولهذا فهم أبناء موت. أما الثانية فينتمي إليها معظم الناس في غزة، مدنيون أبرياء يعانون دون ذنب اقترفوه. لكن الرواية الأخرى، والأصح، هي التالية: إسرائيل لا تقاتل ضد منظمة إرهاب بل ضد دولة غزة. دولة غزة بالفعل تقودها حماس، وهذه المنظمة نجحت في أن تجند كل مقدرات دولتها، تأييد معظم سكانها والولاء التام للمثقفين المدنيين حول زعامة يحيى السنوار، في ظل التأييد التام لآيديولوجيته. بهذا المفهوم، فإن غزة تشبه جدا ألمانيا النازية، التي فيها أيضا وقع إجراء مشابه. ولما كان هذا هو وصف دقيق للوضع فبالتالي صحيح أيضا إدارة القتال بما يتناسب مع ذلك. نحن نروي بأن السنوار هو شرير لدرجة أنه لا يهمه إذا ما مات كل مواطني غزة. مثل هذا العرض ليس دقيقا. فمن هن النساء الغزيات (المسكينات)؟ هن كلهن الأمهات، الأخوات والنساء لقتلة حماس».

طفل من الخدج داخل حضانة في مستشفى الشفاء في غزة (رويترز)

وليس الجنرال وحده يفكر بهذه الطريقة. فالبروفسور ايال زيسر، مغتاظ من خروج مئات ألوف المواطنين في الولايات المتحدة وأوروبا إلى الشوارع لإطلاق صرخة تضامن مع الأطفال والنساء وبقية المدنيين في غزة. فاعتبرهم «رعاعا ثائرين من مهاجرين من العالم العربي والإسلامي ارتبط بهم نشطاء من اليسار المتطرف وهؤلاء يغمرون شوارع المدن في أوروبا بمسيرات كراهية لليهود لم تشهدها القارة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية». وفي مقال نشر (الأحد) في صحيفة «يسرائيل هيوم»، يصف العرب الذين يتظاهرون في بلدانهم بـ«جهلة محرضين ومتعطشين للدماء».

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




وثيقتان تؤكدان أن المخابرات الإسرائيلية توقعت هجوم «حماس» وحذّرت نتنياهو

شعبة «أمان» أشارت إلى أن قادة إيران و«حزب الله» و«حماس» يرصدون ضعفاً داخلياً في إسرائيل

كُشف النقاب في تل أبيب، الثلاثاء، عن وثيقتين تبيّنان أن قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي (أمان) كان قد تنبأ بهجوم تشنه حركة «حماس» أو «حزب الله» أو كلاهما خلال هذه السنة، ووجّه تحذيراً بشأن ذلك إلى رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، لكن الأخير لم يكترث، كما يبدو، ولم يفعل شيئاً لتغيير سياسته التي تشجع الحركة الفلسطينية أو الحزب اللبناني على التخطيط لهجمات.

وقد جاء هذا الكشف من خلال تسريب وثيقتين كان قد أعدهما العميد عميت ساعر، رئيس «أمان»، وسلّمهما إلى مكتب رئيس الوزراء، نتنياهو، في 19 مارس (آذار) و 16 يوليو (تموز) الماضيين، أي قبل بضعة شهور فقط من الهجوم المباغت الذي شنته «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وحذّر ساعر في الوثيقتين من أن الأزمة السياسية والاجتماعية في إسرائيل والتي تفاقمت من جراء مساعي ائتلاف نتنياهو الحكومي لتغيير منظومة الحكم، وإضعاف القضاء، «تشجّع إيران، و(حزب الله)، و(حماس)، على المخاطرة باتخاذ إجراءات أو تحرّكات ضدّها (إسرائيل)، وحتى القيام بذلك في الوقت نفسه».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تلقى وثيقتين من شعبة «أمان» تحذران من هجوم محتمل تشنه «حماس» (رويترز)

وقد جاءت المذكرة الأولى قبل أسبوع من المحاولة الأولى للحكومة المصادقة على القوانين الرامية إلى ضرب الكثير من الأسس الديمقراطية، وإضعاف القضاء، وقرار نتنياهو يومها عزل وزير دفاعه، يوآف غالانت، والذي أثار موجة سخط عارمة ومظاهرات عفوية شارك فيها عشرات الآلاف، ما اضطر نتنياهو إلى التراجع عن قراره. أما المذكرة الثانية فقد جاءت بعد 4 شهور، عندما باشرت الحكومة تنفيذ خطتها، وعزمت على سن قانون إلغاء حجّة «عدم المعقوليّة» في الكنيست، والذي جرت المصادقة عليه فعلاً بعد أسبوع، ما يدل على أن نتنياهو لم يكترث للتحذيرات، وفق ما يقول منتقدوه.

وكتب ساعر المذكرتين اللتين نشرتهما صحيفة «هآرتس» العبرية، الثلاثاء، بطريقة مهنية وفق متطلبات الوثائق الرسمية التي تصلح أدلة في محكمة، وأرفقها بملحق يتضمن معلومات استخباراتية خام أولية، ليفسر سبب اعتقاده أن هناك خطراً قصير المدى ووشيكاً لتصعيد عسكريّ.

وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت (د.ب.أ)

وجاء في الوثيقة الأولى التي كانت تحت عنوان: «الأشياء التي يرونها من هناك – كيف يُنظر إلى إسرائيل في المنظومة؟»، أن «جميع اللاعبين في النظام (إيران وحزب الله وحماس) يشيرون إلى أن إسرائيل تعيش أزمة حادّة وغير مسبوقة، تهدّد تماسكها وتُضعفها»، وأضاف: «أعداؤنا هؤلاء يعدون هذا الضعف مساراً لتطورات عملية ستنتهي بانهيار إسرائيل، والوضع الحاليّ هو فرصة لتسريع وتعميق أزمتها». وقال إن «هذا التقويم يشير إلى وجود خلل في ميزان الردع، وإمكانية توحيد الساحات، وفُرصة للمساس بالتماسك، والإضرار بالإسرائيليين في الساحة القانونية والدولية».

وكتب ساعَر لنتنياهو أن «هذا التحليل ليس رؤية تحليليّة للواقع، بل هو الأساس لتقييم الوضع من قِبل القيادة، وأفراد المخابرات، وأنظمة الاتصالات. إنه يؤدي بالفعل إلى تغييرات في عملية اتخاذ القرار، والمجازفة من قبل مختلف اللاعبين، الذين يقومون بتحليل الوضع الداخلي في إسرائيل، واستخلاص العواقب (المحتملة) منه».

جنود إسرائيليون خلال عملية عسكرية في مرفأ غزة يوم 16 نوفمبر الحالي (الجيش الإسرائيلي – رويترز)

وتابع ساعر أن «الأزمة الداخلية تخلق قيوداً كبيرة على إسرائيل، تجعلها تحاول تجنّب التصعيد الأمني، وتجعل من الممكن زيادة المخاطر التي تواجهها إسرائيل، وتؤدي أيضاً إلى تآكل الدعم الأميركي والأوروبي، لدرجة التقليل من قدرتها على التعامل مع أزمة أمنيّة واسعة النطاق». وزاد قائلاً إن «أعداء إسرائيل يتكاتفون ضدها لأنهم يعتقدون أن هناك فرصة لإثارة عاصفة شاملة، وأزمة داخلية، وتصعيد واسع في الساحة الفلسطينية، وتحدٍّ من جبهات أخرى، ما يخلق ضغطاً متعدد الأبعاد ومستمرّاً».

وهنا يكتب ساعر بوضوح عن الهجوم فيقول: «وفق فهمنا، فإن هذه الرؤية تكمن وراء الدافع الكبير لدى (حماس)، لتنفيذ هجمات من الشمال، في الوقت الحاضر، كما أنها تشجع إيران على زيادة وكلائها لتنفيذ عمليات ضد إسرائيل، إذ إن جميع اللاعبين يدركون أن هناك فرصة لتحركات للتأثير على الوعي، والتي من شأنها تعميق الانقسام الداخلي». وأشار إلى أن قادة إيران و«حزب الله» و«حماس» و«الجهاد الإسلامي» يعتقدون أنه يمكن البدء في التصعيد في ظل ضعف إسرائيل.

جنديان إسرائيليان خلال الهجوم الجاري حالياً على قطاع غزة (الجيش الإسرائيلي – أ.ف.ب)

وتقول «هآرتس» إن الوزير غالانت، توجّه، بعد أيام قليلة من إرسال الرسالة لنتنياهو، مطالباً «بوقف العملية التشريعية في هذا الوقت؛ لأنها ستؤدّي إلى خطر واضح وفوريّ على أمن الدولة»، لكن نتنياهو رد باتخاذ قرار بعزله من منصبه، ولم يتراجع عن ذلك إلا بعد اندلاع مظاهرات احتجاجية ضد خطوته هذه.

وفي الرسالة الثانية التي بعث بها ساعر إلى نتنياهو، حذّر مجدداً من أن «تفاقُم الأزمة يعمّق تآكل صورة إسرائيل، ويؤدي إلى تفاقم ضعف الردع الإسرائيلي، ويزيد من احتمالات التصعيد». وجاءت هذه الرسالة تحت عنوان: «تفاقم الأزمة الداخلية – العواقب على الجانب الأحمر (يقصد العدوّ بلغة المخابرات)»، وجاء فيها: «بينما كان اللاعبون الإقليميون متردّدين في البداية، بشأن ما إذا كانت هذه جولة أخرى من الأزمة السياسية المستمرّة، قدّروا مع مرور الوقت وتفاقُم الأحداث، أن هذه أزمة عميقة وضعت إسرائيل في إحدى نقاط ضعفها منذ قيامها. وهذا التقييم يُسمع في العلن، لكنه يُسمع أيضاً… في قلب تقييمات الوضع لدى أعدائنا، في غرف مغلقة ونقاشات مهنية للقوات الأمنية في إيران ولبنان وقطاع غزة». وقال إنه «بالنسبة لأعدائنا، مع التركيز على النظام الإيراني و(حزب الله)، فإن الأمر لا يتعلق فقط بتقييم الوضع، بل بالتنفيذ الفعليّ لرؤيتهم الأساسيّة للعالم: إسرائيل دخيلة، ومجتمعها ضعيف ومنقسم، ونهايتها هي الزوال. ووضعها الداخلي، على أقل تقدير، سيمنعها من القيام بمبادرات عسكرية كبيرة، مع التركيز على هجوم في إيران، وتحرُّك في لبنان، وحتى خطوة كبيرة ضد (حماس) في القطاع»، غير أنه أشار إلى أنه لا يوجد تغيير في ما يتعلق بالعمليات العسكرية في الضفة الغربية وسوريا.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




تكتيكات مختلفة والحرب واحدة.. العدوان على الضفة ليس منفصلًا عن غزة

في 10 تشرين الثاني/نوفمبر؛ دخل مستوطنان إسرائيليان برفقة جندي، قرية طوبا الفلسطينية في ريف جنوب الضفة الغربية المحتلة، وفتحا خزانات المياه الخاصة بالسكان – مصدر المياه الوحيد لهم – وشاهدوا المياه تتسرب إلى أرض القرية قبل أن يغادروا دون قيود. وقبل بضعة أسابيع؛ في التجمع البدوي للرعاة في وادي السيق شرق رام الله، قامت مجموعة مسلحة من المستوطنين بالاعتداء على المجتمع وتهديده، كما تفعل منذ أشهر. في اليوم التالي؛ حزم سكان التجمع في الضفة الغربية، حوالي 100 فلسطيني، أمتعتهم وغادروا. وفي 28 تشرين الأول/أكتوبر، أطلق مستوطن إسرائيلي مسلح النار على بلال محمد صالح فأرداه قتيلاً أثناء قيامه بجني الزيتون بالقرب من نابلس.

هذه هي نوعية الحوادث التي تجسد الحياة في الضفة الغربية المحتلة، والتي اشتدت وتزايدت منذ هجوم حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، والذي هاجم فيه آلاف الفلسطينيين إسرائيل وقتلوا 1200 إسرائيلي، معظمهم من المدنيين، واحتجزوا أكثر من 200 رهينة. وكما أخبرني أحد رعاة الأغنام الفلسطينيين من وادي الأردن في أيلول/سبتمبر، حتى قبل اندلاع الحرب الحالية، فإن “ما نشهده هو تطهير عرقي. ويمكن لبؤرة استيطانية واحدة تسكنها عائلة أو عائلتان إسرائيليتان أن تسيطر على آلاف الدونمات من الأراضي، ويحرسها الجيش بالسلاح يحميهم والشرطة لا تفعل شيئًا”.

تصاعدت أعمال العنف التي ترتكبها القوات الإسرائيلية والمستوطنون بشكل حاد خلال الأسابيع الستة الماضية، في عام يُعد بالفعل الأكثر دموية بالنسبة للفلسطينيين والإسرائيليين في الضفة الغربية منذ 20 عامًا،

وبينما تتجه كل الأنظار نحو غزة، حيث قتلت إسرائيل ما يزيد على 11 ألف فلسطيني، نصفهم تقريبًا من الأطفال، فإن الصحفيين وصناع القرار السياسي والمحللين، وإسرائيل ذاتها، يتعاملون مع الضفة الغربية باعتبارها جبهة منفصلة ومتميزة، وكأنها مجزأة. وحذر رئيس الشاباك، جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي، من أن عنف المستوطنين يمكن أن يساهم في “انفجار” الضفة الغربية، مما يضر بالحرب الإسرائيلية في غزة. وقد حثت الولايات المتحدة إسرائيل مرارًا وتكرارًا على كبح جماح عنف المستوطنين في الضفة الغربية، محذرة من أنها قد تصبح جبهة أخرى في هذه الحرب، وقال الرئيس جو بايدن: “إنهم يهاجمون الفلسطينيين في الأماكن التي يحق لهم التواجد فيها”.

لكن الضفة الغربية أصبحت بالفعل واجهة؛ إنها جزء من نفس الحرب.

هناك، بطبيعة الحال، اختلافات بارزة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بدءًا بالمناطق الجغرافية المنفصلة في كل منهما، فالضفة الغربية تحكمها جزئيًّا السلطة الفلسطينية (أو ما تبقى منها)، وليس حماس، وتحتلها إسرائيل من الداخل، في حين تخضع غزة منذ عام 2005 للعقاب من الخارج بحصار إسرائيلي. والضفة الغربية هي أيضًا موطن لنصف مليون مستوطن إسرائيلي. ولكن على الرغم من الفوارق والمسافة بينهما؛ فإن غزة والضفة الغربية هما موطن لشعب واحد، يشترك في حرب واحدة، تحت نظام واحد من الاحتلال الدائم والسيطرة الإسرائيلية.

طفل يبكي بعد وصول جثامين المتوفين إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح بغزة، في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2023

بدأت إسرائيل احتلالها العسكري لغزة والضفة الغربية، فضلاً عن القدس الشرقية ومرتفعات الجولان وسيناء، بعد انتصارها على مصر وسوريا والأردن في حرب الأيام الستة عام 1967 (أعادت إسرائيل سيناء إلى مصر في عام 1982). ومنذ ذلك الحين؛ اتبعت إسرائيل استراتيجية “فرق تسد” التي أبقت السكان في الأراضي المحتلة منفصلين جسديًا، ومنعت الحركة والوصول فيما بينهم. إن إدارة وتقسيم جميع الأراضي الخاضعة لسيطرتها هو – وكما يدرك المزيد والمزيد من الناس – حقيقة دولة الكيان الواحد.

ومن عجيب المفارقات أن سحب رئيس الوزراء أرييل شارون من جانب واحد للقوات الإسرائيلية والمستوطنات من غزة في عام 2005، وبعد ذلك تم انتخاب حماس وسيطرت على القطاع في عام 2007، كجزء من إطار دولة الكيان الواحد. لم يكن الانسحاب تنازلًا أكثر منه تقليصًا للنفقات، نتيجة لحسابات ديموغرافية تركت لإسرائيل أغلبية سكانية يهودية في المنطقة الخاضعة لسيطرتها المباشرة في حين عزلت سكان غزة البالغ عددهم 1.5 مليون نسمة، كما كان لها أثر في زيادة تمزيق الجسم السياسي الفلسطيني وتقليص احتمالات قيام دولة فلسطينية موحدة، مما أدى إلى مزيد من إفراغ عملية السلام، وزعمت إسرائيل أن غزة لن تكون مسؤوليتها بعد الآن، حتى عندما فرضت حصارًا على المنطقة ومنعت في الغالب الحركة بين الضفة الغربية وغزة، وبين كل منطقة وإسرائيل.

إن هندسة الديموغرافيا والأرض التي تميز فن الحكم الإسرائيلي تنطبق بطبيعة الحال على عاصمة إسرائيل أيضًا، والتي تشمل القدس الشرقية المحتلة والمضمومة. هناك؛ شجعت الحكومة بشكل منهجي تهجير السكان على مدى عقود من خلال إلغاء الإقامة الدائمة للسكان الفلسطينيين ومن خلال جهود مجموعات المستوطنين للمطالبة بالممتلكات في أحياء مثل الشيخ جراح.

وفي مايو 2021؛ أثبتت حماس أن ما يحدث في القدس لا يبقى في القدس؛  حيث أطلقت الجماعة المسلحة صواريخ على المدينة من غزة في أعقاب سلسلة من الإجراءات القمعية والتصعيدية التي اتخذتها إسرائيل ضد الفلسطينيين في القدس، والتي كان أخطرها مداهمات الشرطة لمجمع المسجد الأقصى. وأدى هذا إلى اندلاع أعمال عنف بين الإسرائيليين والفلسطينيين في جميع أنحاء فلسطين – في الضفة الغربية والقدس و”أراضي الداخل” – مما كشف عن أن هذه الانقسامات مصطنعة. وعندما هاجمت حماس إسرائيل في السابع من تشرين الأول/أكتوبر؛ أطلقت على عمليتها اسم “طوفان الأقصى”، حيث تمركزت مرة أخرى في القدس.

لقد هز الهجوم – بنطاقه غير المسبوق وتأثيره العميق على المدنيين – إحساس إسرائيل بالسيطرة على كامل أراضيها وشعور الإسرائيليين بالأمن. وهذا؛ بالإضافة إلى حقيقة أن الحركة الإسلامية هي الخصم الوحيد الذي خاضت إسرائيل حربًا معه منذ جيل كامل، يفسر السبب الذي يدفع إسرائيل إلى الضغط بقوة لإعادة فرض سيطرتها.

عائلات فلسطينية تسير على طول الطريق أثناء إخلائها في 10 نوفمبر 2023

وتزعم إسرائيل أنها تسيطر الآن على الجزء الشمالي من قطاع غزة، وقد قامت بطرد الكثير من سكانه، وأمرت أكثر من مليون شخص بالتحرك جنوباً في بداية الحرب. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 800 ألف فلسطيني قد فعلوا ذلك بالفعل، ووفقاً للأمم المتحدة، فإن 1.5 مليون فلسطيني في غزة مشردون داخليًّا في جميع أنحاء القطاع (من إجمالي 2.3 مليون). كما اعترف مسؤول أمني إسرائيلي كبير سابق على القناة 12 الإسرائيلية في التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر، فإن نزوحًا بهذا الحجم لم يحدث منذ عام 1948، عندما أصبح 700 ألف فلسطيني لاجئين، وانتهى الأمر بالعديد منهم في غزة. وعلى نفس القناة بعد بضعة أيام، تفاخر آفي ديختر، الرئيس السابق لجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي وعضو مجلس الوزراء الأمني الحالي ووزير في حكومة نتنياهو، بأن إسرائيل “تنشر نكبة غزة”.

ومن الواضح أن العديد أو معظم النازحين بسبب هذه الحرب لن يتمكنوا من العودة والعيش في شمال قطاع غزة لفترة طويلة بسبب الدمار، مما يتيح لإسرائيل حرية العمل هناك لفترة غير محددة، كما أنها تحاول تأمين حدودها مع غزة، فيما دعا اثنان من أعضاء البرلمان الإسرائيلي الولايات المتحدة وأوروبا إلى استقبال اللاجئين الفلسطينيين من غزة الذين يسعون للهجرة، فيما يبدو أنه اقتراح للهندسة السكانية تمت صياغته على أنه اهتمام إنساني، وهو صدى للمناورة الإسرائيلية في بداية الحرب لنقل الفلسطينيين من سكان غزة – لبعض الوقت على الأقل – إلى شبه جزيرة سيناء المصرية.

وفي الوقت نفسه؛ قتلت القوات الإسرائيلية والمستوطنون في الضفة الغربية ما يقرب من 200 فلسطيني في الأسابيع الأخيرة، أكثر من 50 منهم أطفال، في حين يُجبر عدد متزايد من الأشخاص في جميع أنحاء الضفة الغربية على ترك منازلهم. فوفقا للأمم المتحدة؛ منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر وحده؛ تم تهجير أكثر من 1000 شخص من 143 أسرة بسبب عنف المستوطنين والقيود المفروضة على حرية التنقل والوصول.

ورغم أن الحرب لم تؤد حتى الآن إلى جولة أخرى من العنف بين المواطنين اليهود والعرب في “أراضي الداخل”، إلا أن المواطنين الفلسطينيين في الدولة يشعرون بآثارها، وذلك من خلال حملة قمع شاملة لحرية التعبير في جميع أنحاء إسرائيل؛ حيث يتم اعتقال الفلسطينيين وإيقافهم عن العمل لمحاولتهم الاحتجاج على الحرب أو بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي يعبر الكثير منها عن التعاطف مع الشعب الفلسطيني والقومية، لكن إسرائيل تدعي أنها تدعم حماس.

إنه قانون أساسي في الفيزياء: عندما تضع محتويات نظام مغلق تحت الضغط، فإنك تتعرض لخطر الانفجار. لعقود من الزمن، ظلت المعادلة هي نفسها: الحصار والقصف في غزة؛ والتوسع الاستيطاني والقمع والتهجير في الضفة الغربية؛ والحرمان من الحقوق في القدس الشرقية؛ وانتهاك الوضع الراهن الحساس في المسجد الأقصى؛ وإغلاق المجال العام أمام أي معارضة ذات معنى في إسرائيل. ووصف الباحث الإسرائيلي باروخ كيمرلينغ هذا بأنه “قتل سياسي”، أي التدمير المنهجي للهوية السياسية الفلسطينية ووجودها. فمرة تلو الأخرى، في منطقة أو أخرى، بشكل منفصل أو في انسجام، سلميًا أو مميتًا، لا بد أن يتفاعل الفلسطينيون، ثم تضاعف إسرائيل من استخدامها للقوة، وتستمر الحلقة المفرغة.

وبغض النظر عما سيحدث في هذه الحرب؛ فإن كل الناس وكل الأراضي الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط ستبقى مرتبطة. ففي هذا الأسبوع فقط؛ في 16 تشرين الثاني/نوفمبر، أطلق العديد من الفلسطينيين من مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة النار على عريف إسرائيلي فقتلوه وأصابوا خمسة جنود إسرائيليين آخرين عند نقطة تفتيش جنوب القدس، وتقول الشرطة إن المهاجمين خططوا على الأرجح لتنفيذ هجوم كبير داخل القدس نفسها، وأعلنت حماس مسؤوليتها.

من يعتقد أن هذه الحرب تبدأ وتنتهي بغزة فهو لا ينتبه، وأي جهود للتخفيف من حدة العنف يجب أن تنظر إلى الصورة بأكملها والسياق الكامل، وليس فقط إلى القطع والأجزاء.

ميراف زونسزسن

المصدر: ابنة فؤاد شهاب




الإعلام العربي وحرب غزة.. مقاربات توثق الخذلان

“هناك معركة إعلامية بسبب تصدير رواية مضللة من الإعلام الإسرائيلي، ويجب التصدي لتلك الرواية في إعلامنا ونقاتل بالقلم والصورة حتى نوصل روايتنا إلى العالم”، لخص القيادي بحركة حماس، فوزي برهوم، بتلك التصريحات التي قالها على هامش ندوة “القضية الفلسطينية من وعد بلفور.. إلى طوفان الأقصى”، التي عقدت بمدينة إسطنبول، السبت 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، واقع الإعلام العربي ومأزق التعاطي مع الحرب البربرية التي تشنها قوات الاحتلال في غزة منذ أكثر من 40 يومًا.

يلعب الإعلام أوقات الأزمات والحروب دورًا لا يقل أهمية – إن لن يكن أكبر في بعض الأوقات – عن دور الجيوش والقوات المقاتلة في الميدان، فهو أحد المحركات الرئيسية للمسارات السياسية والاقتصادية والشعبية في أثناء المعارك الفاصلة، لذا يعول عليه في أداء الدور المنوط به بالموازاة مع الحراك العسكري.

وفي الوقت الذي كان يتوقع فيه – أخلاقيًا وسياسيًا – أن يكون الإعلام العربي في ظهر القضية الفلسطينية، وعلى قلب رجل واحد ضد حرب الإبادة التي يشنها الكيان المحتل بحق أبناء الشعب الفلسطيني، وأن يُنحي جانبًا أي أبعاد سياسية أو أيديولوجية، إذ به يتأرجح يمينًا ويسارًا، متكئًا على مقاربات متباينة عكست فجوة كبيرة في التعاطي الإعلامي العربي مع تلك الأزمة، وهي الفجوة ذاتها التي تعاني منها المواقف السياسية للدول العربية تجاه عملية “طوفان الأقصى”، وما يحدث في غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

هذا في الوقت في الذي أبدى فيه الإعلام الغربي – في معظمه – دعمه الكامل للكيان الإسرائيلي وتبني سرديته المضللة، ومهاجمة المقاومة الفلسطينية وشيطنتها، في تناقض فج وضع الإعلام العربي والقائمين عليه في مأزق شعبي وجماهيري كبير، وأوقعه في حرج سياسي، سيكون له ما بعده.. فما مقاربات الإعلام العربي في تغطيته لحرب غزة التي يعتبرها البعض الاختبار الأكثر دقة في العقود الأخيرة للإنسانية والضمير العالمي، ناهيك بالبعد العروبي والإسلامي؟

3 مسارات رئيسية

ينطلق الإعلام العربي في تعاطيه مع الحرب وتفاصيلها من خلال 3 مسارات رئيسية:

الأول: إعلام المقاومة.. وهو الذي يتبنى سردية المقاومة من حيث تبرير وتمجيد عملية الطوفان وتأثيرها في الإجهاز على الأسطورة الإسرائيلية المزيفة، وإلقاء الضوء على البطولات التي تقوم بها الفصائل في استنزاف جيش الاحتلال وتكبيده الخسائر الفادحة، ومن جهة أخرى مناهضة السردية الإسرائيلية التي تعتمد على رواية المظلومية من زاوية وشيطنة المقاومة من زاوية ثانية.

الثاني: الإعلام المضاد.. وهو الإعلام التابع للدول المطبعة التي تتمتع بعلاقات جيدة مع الاحتلال، وهذا الإعلام في أغلبه يتبنى السردية الإسرائيلية بصورة كبيرة، وإن لم يكن ذلك بصورة مباشرة، عبر تجاهل ما تقوم به المقاومة من انتصارات ميدانية، والتعامل مع الحرب كمعركة سجال بين طرفين، مدعيًا التزام الحياد، وفق ما تكشفه السياسة التحريرية الواضحة.

الثالث: الإعلام الرمادي.. وهو الذي يقع بين الإعلامين المقاوم والتطبيعي، وتحت هذا النوع تندرج معظم التغطيات الإعلامية، وهو الإعلام الذي يتأرجح ما بين الدعم والمناهضة، تبعًا لسير الأحداث وتغير مواقف الدول المالكة لتلك النوافذ الإعلامية من المشهد، فهو إعلام في مجمله متغير ويفتقد للتأثير.

مقاربات الإعلام العربي

يستند الإعلام العربي في تغطيته للأحداث في غزة إلى محاور رئيسية ثلاثة تحكم طبيعة التناول ومضمونه ومساراته.

علاقة الدول المالكة لتلك الوسائل الإعلامية بالاحتلال.. فالإعلام التابع للدول التي لديها اتفاقيات تطبيع مع الكيان المحتل، يختلف في تغطيته عن الإعلام التابع لدول غير مطبعة، الأمر كذلك مع الدول التي في المسافات الرمادية ما بين التطبيع الرسمي وغير الرسمي التي تتجنب التصعيد مع دولة الاحتلال وتحاول خطب ودها دون توتير للأجواء.

موقف الدول من القضية الفلسطينية.. فالبلدان التي تحتل لديها القضية الفلسطينية أولوية في قائمة توجهاتها واهتماماتها تكون التغطية لدى إعلامها مختلفة إلى حد كبير عن تلك التي تتراجع فيها مكانة القضية، وهو ما يمكن أن تعكسه الخريطة البرامجية للإعلام هنا وهناك، ناهيك بالسياسة التحريرية المتبناة.

موقف الدول من المقاومة تحديدًا، فبعض البلدان تتخذ موقفًا إيجابيًا وداعمًا للمقاومة وبالتالي ينعكس ذلك في إعلامها، مقارنة بالدول الأخرى التي تشيطن المقاومة وتقذفها براجمات التشكيك والتسطيح والتهميش، بدعوى علاقاتها مع بعض القوى كإيران مثلًا، وتركيا وقطر إلى حد ما، حيث تعتبر تلك القوى الفصائل الفلسطينية المقاومة مؤدلجة ولا تعبر عن الهوية الفلسطينية، بل تنفذ أجندات إقليمية، وهي السردية الإسرائيلية ذاتها.

كما أن بعض الدول ترى في المقاومة شبحًا يهدد استقرار أنظمتها وحكوماتها، إيهامًا أن تلك الفصائل وخاصة حماس هي امتداد لجماعة الإخوان المسلمين والضلع الأبرز المتبقى من ثورات الربيع العربي، وبالتالي فإن انتصارها يعني احتمالية نقل العدوى إلى بقية الدول، وعليه كانت محاربتها مبكرًا والحيلولة دون نصرها مسألة أمن قومي بالنسبة لكثير من الحكومات الإقليمية.

مرتكزات التغطية

تباينت تغطية وسائل الإعلام العربية للحرب في غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي وحتى اليوم، استنادًا إلى المقاربات سالفة الذكر، ويمكن الوقوف على حجم هذا التباين ونوعيته من خلال تقييم المرتكزات التي استند إليها المضمون الإعلامي العربي طيلة الأيام الأربعين الماضية.

أولًا: السياسة الإعلامية.. يمكن كشف حجم الفارق في التغطيات واستشراف التوجه العام لوسائل الإعلام المختلفة من خلال السياسة الإعلامية المتبعة، التي يسهل اكتشافها عبر المصطلحات والمرادفات المستخدمة، كتوصيف الجيش الإسرائيلي على سبيل المثال، ما بين جيش الاحتلال أو جيش الدفاع، كذلك تسمية الفصائل الفلسطينية، ما بين مقاومة وطرف صراع، إلخ.

ثانيًا: السردية الإسرائيلية في مقابل سردية المقاومة.. بعض الوسائل تلتزم بتبني سردية المقاومة من حيث التركيز على بطولاتها وتأثيرها على الداخل الإسرائيلي، وما حققته من طفرة في التكتيك العسكري والسياسي، فضلًا عن نجاحها في إلحاق الهزائم والخسائر في صفوف الكيان المحتل.

وعلى الجانب الآخر هناك إعلام يغض الطرف عن كل ذلك، ويبروز بشكل لافت التقدم العسكري الميداني لجيش الاحتلال في عمليته البرية، ويحمل حماس والمقاومة مسؤولية ما وصلت إليه الأوضاع في غزة، بل ويتجاهل ما حققته المقاومة من انتصارات ميدانية شهد بها الجميع، وعلى النقيض من ذلك يهمشها ويسطحها ويقلل من شأنها.

الأمر يمكن ملاحظته بدقة من خلال ضيوف القنوات والوسائل الإعلامية، والخبراء السياسيين والعسكريين المستعان بهم، فشتان شتان بين محلل قناة “العربية” اللبناني رياض قهوجي الذي وصف مقاومي القسام بـ”الدواعش” وزعم بأن حماس تتخذ من مستشفى الشفاء مقرًا لها، ونظيره الأردني على قناة “الجزيرة” فايز الدويري الذي يرى فيما قدمته المقاومة انتصارًا سيغير خريطة المنطقة ويعيد ترتيب معادلة التوازنات في المنطقة.

ثالثًا: دعم الجهود الشعبية في مقابل تفتيتها وتسطيحها.. عدد من وسائل الإعلام تلقي الضوء على الجهود المبذولة لدعم المقاومة عبر المسارات المختلفة، مثل حملات المقاطعة للمنتجات الإسرائيلية والدول الداعمة لها، والتعاطف مع أهل غزة من خلال وقف الحفلات والأنشطة الترفيهية المختلفة.

في مقابل أخرى تقود هجومًا على أنصار هذا التوجه، كما فعل الإعلامي بقناة “إم بي سي” السعودية، عمرو أديب، ردًا على دعوات المقاطعة بأنها ذات تأثير سلبي على الاقتصادات العربية، كذلك الإعلامي في قناة “الحرة” الأمريكية، إبراهيم عيسى، الذي وصف المقاطعة بـ”إننا نضرب نار على نفسنا”، الأمر تكرر مع التغطية الإعلامية لدعم رئيس هيئة الترفيه السعودي تركي آل الشيخ لسلسلة مطاعم “ماكدونالدز” في مواجهة حملة المقاطعة العربية والإسلامية لها بسبب دعمها لجنود الاحتلال في حربهم ضد غزة.

كذلك حملة الشيطنة والهجوم التي تبنتها قنوات إعلامية ولجان إلكترونية ضد الفنان المصري محمد سلام بسبب اعتذاره عن المشاركة في موسم الرياض تعاطفًا مع أهل غزة، في مقابل حملات دعم ممنهجة  للفنان المصري فؤاد بيومي الذي هاجم زميله بسبب موقفه الإنساني، وقوبل بسببها بهجوم قوي من الشارع المصري.

رابعًا: امتصاص غضب الشارع بتسليط الضوء على المساعدات المقدمة.. لم تكن حالة الخذلان العربي الرسمي تجاه ما يحدث في غزة، ببعيدة عن طاولة القائمين على أمور الإعلام العربي، في ظل الاحتقان الذي يخيم على المشهد جراء هذا الموقف المتهاون، ومن ثم حاولت بعض الوسائل الإعلامية الالتفاف على هذا الخذلان بتسليط الضوء على المساعدات التي تقدمها بعض الدول – لا سيما الخليجية – لفلسطين، مستعرضة أمجادها في تقديم المنح والمعونات للشعب الفلسطيني وسلطته الحاكمة، وأن هذا – من وجهة نظرها – يكفي لتبرئة ذمتها تجاه قضية العرب الأولى، عازفة في الوقت ذاته على وتر تحميل المقاومة مسؤولية ما وصلت إليه الأمور.

العربية وسكاي نيوز.. النموذج الأكثر جدلًا

رغم حالة التنوع في التباين التي عليها الإعلام العربي إزاء تعاطيه مع الحرب في غزة، فإن قناتي “العربية” السعودية، و”سكاي نيوز” الإماراتية، كانتا الأكثر جدلًا على الساحة، للفجوة الكبيرة بينهما وبين معظم منظومة الإعلام العربي التي إن لم تلتزم المقاربة الكاملة لدعم القضية والسردية الفلسطينية، لكنها التزمت خط المنتصف بنسب متقاربة دون التدحرج نحو أقصى الطرف المقابل.

لم تكن تغطية “سكاي نيوز” مفاجئة للغالبية، خاصة أنها تتماشى مع الموقف الرسمي الإماراتي المعروف للجميع، حيث تقود أبو ظبي قطار التطبيع في السنوات الأخيرة، وتحيا علاقاتها مع الكيان المحتل أوج قمتها وحميميتها.

لكن تعاطي “العربية” السعودية كان الأكثر صدمة، حتى إن كان على القناة العديد من الاستفهام السابقة، استنادًا إلى المواقف الرسمية للمملكة تجاه القضية الفلسطينية سابقًا، وما لها من ثقل وما لعبته من دور محوري لنصرة القضية، وهي المواقف التي لا تعبر عنها التغطية الحاليّة بأي شكل من الأشكال.

ومنذ انطلاق طوفان الأقصى وتتعرض “العربية” لانتقادات لاذعة بسبب سياستها التحريرية، حيث تصف جيش الاحتلال بأنه الجيش الإسرائيلي، والشهداء الفلسطينيين بالقتلى، وتنعت القسام وحماس بطرف صراع، وغيرها من السرديات التي تُمرر في الإعلام العبري، الأمر الذي أثار غضب السفير الفلسطيني في بريطانيا، حسام زملط، ما دفعه لتوبيخ مذيعة القناة ميسون عزام خلال استضافته للحديث عن المظاهرات الداعمة لفلسطين في لندن.

حيث قال السفير: “أسمحيلي أخت ميسون التعليق على تقريركم (طرفي صراع)، وأن (المظاهرات كانت من الجانبين)، ما شهدناه غير مسبوق، خصوصًا من الشعب البريطاني من نصرة للفلسطينيين ورفض للظلم والعدوان”، وأضاف “مهم جدًا عدم تبني مصطلحات مثل (طرفي الصراع)، لا يوجد طرفان، يوجد طرف واحد هو المحتل المعتدي الغازي المستعمر المحاصر، والشعب الذي يقبع تحت الاحتلال، فالمصطلح الأساسي هو عدوان حقيقي يرتقي إلى جرائم إبادة”.

انتقاد “العربية” انتقل من الساسة والإعلاميين العرب إلى السعوديين أنفسهم، كما جاء على لسان الإعلامي السعودي داود الشريان، وهو نائب مدير القناة سابقًا، حيث كتب في تغريدة له على منصة “X”: “أعتقد أن قناة العربية أصغر من التعبير عن السعودية، ولا تعرف حجم الرياض ومكانتها العربية والإسلامية، ودورها المحوري في إدارة أزمات المنطقة”، وأضاف “قناة العربية مشاهداتها متدنية، وهي تمارس دعاية سياسية بليدة، تعد سابقة في الغباء المهني والخور”.

وبينما حاول البعض اتهام الشريان بشخصنة الانتقاد، وأنه ردًا على استبعاده من المشهد الإعلامي، إلا أن تغريدته لاقت تفاعلًا مع العديد من السعوديين الذين أيدوا موقفه واتهموا القناة بالابتعاد عن مرتكزات المملكة ومواقفها المعروفة سابقًا بشأن القضية الفلسطينية.

لم تكن تلك هي المرة الأولى التي تتعرض لها القناة السعودية لتلك الانتقادات، حتى من أبناء المملكة، ففي تغريدات سابقة لرجال دين وعلماء سعوديين هاجموا سياسة القناة وطالبوها بإعادة النظر فيها، كما جاء على لسان الشيخ محمد العريفي الذي وصفها بأنها “قناة صهيونية” على حد قوله، كذلك الداعية سعيد الغامدي الذي وصف في تعليق سابق له صمت القناة عما يتعرض له الفلسطينيون من مجازر على أيدي الإسرائيليين بالخيانة.

ونتاجًا لتلك السياسة التي تنتهجها العربية وأقرانها، منعت حكومة حماس في غزة القناة السعودية من العمل في القطاع، أكثر من مرة، كان آخرها في 2013 بقرار من النائب العام، حيث اتهمتها ببث أخبار غير صحيحة، ومنعتها قبل ذلك في عام 2006، وبررت الحركة في بيان لها نشرته على موقعها الإلكتروني هذا المنع بقولها: “ما تقوم به قناة العربية وغيرها ينسجم تمامًا مع سياسات الاحتلال الصهيوني ومخططاته المستمرة للعدوان على شعبنا، وشطب حقوقه التاريخية، ما يجعلها تقف مع الاحتلال صفًا واحدًا ضد شعبنا مع ما يترتب على ذلك من تداعيات في كل الاتجاهات”.

وفي الأخير يبدو أن الخذلان العربي لأهل غزة والمقاومة الفلسطينية والقضية برمتها لم يقف عند حد الخذلان السياسي والإنساني والعسكري فحسب، ليضاف إلى تلك القائمة خذلان إعلامي جديد، من أجل أن يكتمل مخطط التآمر على القضية في مشهد سوداوي مخزي سيكون له ما بعده من ارتدادات على الجميع.

عماد عنان

المصدر: موقع نون بوست