1

مجموعات الضغط الطلابية في الجامعات ترعب أمريكا وإسرائيل

تحوّلت أكبر الجامعات الأمريكية إلى بؤر متعاطفة مع حماس والفلسطينيين. فهل تنفع أي سياسات عقابية في وقف هذا المدّ الخطير؟ كريستوفر بيدفورد يدق ناقوس الخطر في فوكس نيوز.

يبدو أن الطلاب الذين يرتادون هذه الجامعات قد تم تجهيزهم وتدريسهم الأكاذيب من قبل الجامعات نفسها. وحتى الآن لم تنجح أي جامعة في اتخاذ الخطوات اللازمة لاستئصال الكراهية، عدا بعض التحركات المتواضعة من جامعة كاليفورنيا التي حثت على التنديد بدعم حماس والتحريض على العنف.

لكن الواضح أن الطلاب أصبحوا يشكلون قوة ضغط كبيرة؛ حيث رفض معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إيقاف أي من الطلاب الذين يخيفون اليهود، خوفا من ترحيلهم. واحتشد الطلاب في الحرم الجامعي صارخين: العار، لمجرد فكرة أن المعهد قد يعاقبهم.

أما رئيس جامعة هارفارد فقد أعلن عن مجموعة استشارية جديدة معادية للسامية وقّع أعضاؤها على بيان يلوم إسرائيل. وجاء توقيع ستة أعضاء هيئة تدريسية من كلية اللاهوت على البيان ليزيد من خطورته وجديته.

ووصلت مجموعات الضغط الطلابية في جامعة كولومبيا إلى حد تهديد الجامعة بالتحرك. وطالبت المجموعة بمراقبة الجامعة على وسائل التواصل الاجتماعي. وجاء التهديد عقب تعليق الجامعة لمجموعتين من الطلاب لبقية الفصل الدراسي.

في جامعة بنسلفانيا فشلت التحركات في قمع انتفاضة المانحين بعد سلسلة من الحوادث المعادية للسامية داخل الحرم وحوله. بينما تم وضع أستاذ مساعد في جامعة كورنيل في إجازة بعد أن وصف هجوم حماس “بالمبهج”. والأمثلة كثيرة في جامعات الدرجة الأولى في الولايات المتحدة.

يبدو أن هذه الأفكار لم تأت من فراغ. فهناك خوارزميات تيك توك، وأقسام الدراسات العرقية، ومدارس دراسات النوع الاجتماعي، وتعليم المساواة ونظرية العرق الحرجة. كل ذلك يعزز الكراهية التي نراها في الشوارع.

ومالم يفهم المانحون والرؤساء والأمناء خطورة المشكلة فإنهم لن يتمكنوا من اقتلاع هذه العشبة الضارة والتي سوف تخنق مضيفها في النهاية.

المصدر: فوكس نيوز




روسيا تبدأ عملياً تنفيذ وعدها بشحن الحبوب مجاناً إلى أفريقيا

أعلن وزير الزراعة الروسي ديمتري باتروشيف، اليوم الجمعة، أن موسكو بدأت شحنات مجانية من الحبوب إلى عدد من الدول الإفريقية يصل إجماليها إلى 200 ألف طن.

وقال باتروشيف في بيان نُشر على “تيليغرام”، إن السفن المتجهة إلى بوركينا فاسو والصومال غادرت بالفعل الموانئ الروسية، على أن تتبعها قريباً شحنات إضافية إلى إريتريا وزيمبابوي ومالي وجمهورية إفريقيا الوسطى، حسب ما نقلت عنه وكالة “رويترز”.

ويأتي هذا الإجراء العملي بعدما أعلن الوزير نفسه في 6 أكتوبر/تشرين الأول المنصرم، إن موسكو ستبدأ إرسال شحناتها من الحبوب إلى دول أفريقية في غضون شهر أو 6 أسابيع، وفقاً لما نقلت عنه وكالة “إنترفاكس” الروسية للأنباء.

وذكرت “إنترفاكس” قول الوزير: “نحن الآن في مرحلة استكمال جميع الوثائق. أعتقد أن الشحنات ستبدأ في غضون شهر أو شهر ونصف الشهر”.

وسبق أن قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لزعماء أفارقة، في يوليو/ تموز المنصرم، إنه سيمنحهم عشرات الآلاف من أطنان الحبوب، على الرغم من العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، وهي عقوبات قال إنها تعرقل تصدير الحبوب والأسمدة.

كما ذكر بوتين في قمة روسية أفريقية آنذاك: “سنكون مستعدين لتقديم ما بين 25 ألفاً و50 ألف طن من الحبوب مجاناً لكل من بوركينا فاسو وزيمبابوي ومالي والصومال وجمهورية أفريقيا الوسطى وإريتريا خلال الأشهر الثلاثة أو الأربعة المقبلة”.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




القضية الفلسطينية في إفريقيا: كوامن الوجدان ورهانات الإستراتيجيا

لفلسطين وقضيتها حضور عميق في وجدان الإنسان الإفريقي، غيَّبته عقود من العمل غير الصالح للقضية، ولكن تطورات الحرب الحالية وإن كانت شديدة القسوة لكنها تحمل في طياتها فرصًا إستراتيجية عديدة من بينها استعادة إفريقيا لتكون كما كانت ذات يوم حاضنة للحق الفلسطيني.


لم تغب القضية الفلسطينية عن الحضور والتأثير في المشهد الدولي منذ عقود، ولكنها لم تحضر فيه كما هي حاضرة الآن وفق الكثير من التقديرات الإستراتيجية، فقد تحولت مع السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، من قضية مركزية في عيون المسلمين وفي منطقة الشرق والشرق الأوسط إلى قضية مركزية في العالم بأسره.

لقد كانت ساعات الصباح الأولى من سبت السابع من أكتوبر/تشرين الأول ساعات فارقة في تاريخ العالم أعادت رسم خريطة الإدراك الإستراتيجي للكثير مما أريد له أن يكون ثوابت في وعي -بل ولا وعي- أجيال عديدة، فالدولة التي تأسست وفق منظومة بكاملها على أنها الدولة “المؤتمنة” على المصالح الحيوية الغربية هُزمت استخباراتيًّا وإستراتيجيًّا أمام المئات من المقاتلين القادمين من نقطة صغيرة تعيش تحت الحصار المطبق منذ أكثر من عقد ونصف.

هنا في إفريقيا التي ابتعدت من القضية بفعل عوامل عديدة، لم يكن الزلزال بنفس القوة التي تم بها تسجيله ورصده في الساعات والأيام الأولى، لكن هزاته الارتدادية وشظاياه الإنسانية -أو غير الإنسانية بالأحرى- تقع وتُحدث رجَّات فرضت طرح أسئلة عن سر المواقف التي بدت في عمومها غير مبالية ومفضلة النأي بنفسها عن صراع، اتضح أن رؤيتها له وتكييفها لطرق التعاطي معه، مختلفة بشكل جوهري عن الرؤية الحاكمة لتدافُعٍ تحددت مراكزه الأساسية بين القوى الغربية الداعمة بصلف للرواية والرؤية الصهيونية، والحالة الغالبة من الشعوب المسلمة -ومنها عديد الشعوب الإفريقية بكل تأكيد- المصطفة مع رواية ورؤية المقاومة، وإن حالت حواجز أنظمة الحكم بينها وبين ما تشتهي من انخراط فعلي في المواجهة.

ومع أن الفظاعات التي ارتكبها الاحتلال في الأسابيع الماضية عدلت في مواقف عديدة في القارة؛ حيث سحبت جنوب إفريقيا كل دبلوماسييها من تل أبيب(1)، وجمدت تشاد علاقاتها(2)، ورفضت نيجيريا استقبال رئيس وزراء التشيك بفعل موقف بلاده المنحاز للرواية الصهيونية(3)، لكن الفجوة ظلت قائمة بين الوجدان الكامن وحسابات الإستراتيجيا النشطة.

عن خريطة المواقف

توزعت مواقف الدول الإفريقية من طوفان الأقصى إلى مستويات ثلاثة:

أولًا: دول دانت العدوان الصهيوني وطالبت بحماية الشعب الفلسطيني، وحافظت على التعبير عن مواقف يمكن إدراجها في خانة الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني. وتصدرت هذا المعسكر دول الدعم التقليدي للقضية الفلسطينية، مثل الجزائر وجنوب إفريقيا، وهما دولتان أخذتا على عاتقهما مناصرة القضية الفلسطينية في القارة الإفريقية، والعمل الدؤوب لمحاصرة محاولات الاحتلال التسلل لهيئات الاتحاد(4).

ثانيًا: دول اختارت الانحياز المطلق للرواية الصهيونية، فدانت المقاومة الفلسطينية وحمَّلتها كامل المسؤولية عما جرى، وجاء في مقدمة الدول دائمة الدعم للاحتلال الاسرائيلي كينيا وغانا المتبنيتان للرواية الصهيونية بحذافيرها، والداعيتان لمعاقبة من سمَّتاهم “مرتكبي الإرهاب وداعميهم ومموليهم”، وهي لغة تكشف حجم تأثير الاحتلال على صنَّاع القرار في هذين البلدين إلى الحد الذي يجعل من يقرأ بياناتهما يحسبها “مقتطفات من بيانات الحرب الصهيونية”. وليست مواقف التماهي مع الاحتلال بجديدة على هذين البلدين على الأقل؛ حيث حافظا على دعم لا يكل للكيان في كل حروبه ومجازره على مدى عقود.

ثالثًا: أما الفصيل الثالث فانضوت تحته أغلبية بلدان القارة، وقد حاولت دول هذا التوجه أن تجد في لغة الدبلوماسية العتيقة ما ينجيها من اتخاذ موقف واضح، فكانت عبارات “إدانة استهداف المدنيين، ونبذ العنف، والدعوة لضبط النفس، وتفضيل الحلول السلمية”، هي المفردات الغالبة على التصريحات المعبِّرة عن مواقف كانت مختصرة وغير مواكبة لما جرى طيلة ثلاثين يومًا من العدوان. ومن أبرز الدول التي سارت في هذا النهج: نيجيريا والسنغال(5) وكذلك روندا والمغرب، وإن كانت نيجيريا عدَّلت في مواقفها خلال الأيام الأخيرة حين رفضت استقبال رئيس الوزراء التشيكي محتجة على انحياز بلاده السافر للكيان الذي يقترف جرائم بشعة بحق المدنيين.

هذا التوزع الثلاثي بين داعمي فلسطين وقضيتها، والمنخرطين في الحلف الصهيوني، والسالكين طريق الغموض الواقفين في المنطقة الرمادية، تُرجم في موقف رسمي للاتحاد الإفريقي عبَّر عنه مفوض الاتحاد الإفريقي بإدانة صريحة للاحتلال وتحميل ممارساته مسؤولية ما يجري مع تأكيد على عدم استهداف “المدنيين”، ودعوة للسلم وتشبث بحل الدولتين.

وهو موقف يعكس تنوع المواقف داخل المنظومة الإفريقية(6)، ويجسد بصفة خاصة حقيقة أن أغلبية دول القارة لا تعتبر نفسها معنية بما يجري فيما يسمي في أغلب الأدبيات الإفريقية بأزمة الشرق الأوسط أو الصراع العربي-الإسرائيلي.

الإرث المتبدد

كانت القضية الفلسطينية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي مِلءَ السمع والبصر، وكان عنوان القضية في تلك المرحلة الرئيس الراحل ياسر عرفات متنقلًا بين عواصم ومدن القارة ضيفًا مبجلًا؛ فالقضية الفلسطينية في أعين أبناء ونخب القارة هي الشقيق التوأم للنضال ضد التمييز العنصري “الأبارتايد” في جنوب إفريقيا، وهي بالطبع ثورة ملهمة من ثورات التحرير مثل الثورة الجزائرية وغيرها من الثورات التي استقطبت أيقونات النضال عبر العالم منهم من اشتهر مثل تشي غيفارا، ومنهم من اقتصرت شهرته على المناطق التي ناضل فيها وخلَّدته الشعوب الإفريقية في أدبياتها.

وقد تجسد هذا التعلق الإفريقي بالقضية في:

  1. اعتراف واسع بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًّا للشعب الفلسطيني.
  2. دعم كبير للحق الفلسطيني في كل المنظومة الدولية وتصويت عارم لكل القرارات المؤيدة له.
  3. احتضان للثورة الفلسطينية ورفدها بكل ما تحتاج (يتذكر الجميع أن مقر منظمة التحرير كان في تونس، واسم تونس القديم هو إفريقية، ويشهد التاريخ السياسي للقارة على مواقف مناصرة للقضية ليس في شمال القارة المحاذي لفلسطين (مصر وتونس والجزائر والمغرب) ولا في غربها الذي يمثل المسلمون أغلبية سكانه (موريتانيا والسنغال ومالي وبوركينا فاسو والنيجر)، بل في وسطها وجنوبها (ومشهورة هي مواقف باتريس لومومبا أول رئيس لجمهورية الكونغو الديمقراطية فضلًا عن نيلسون مانديلا الذي يستحضره الأفارقة حتى اليوم عند أي حديث عن فلسطين).

لقد تبدد كل هذا الإرث أو كاد خلال العقود الثلاثة الأخيرة، مفسحًا المجال أمام تمدد صهيوني ينعكس اليوم تمثيلًا دبلوماسيًّا كبيرًا وحضورًا بين النخب، ويُترجم غيابًا كبيرًا للقضية عن اهتمام الرأي العام الإفريقي ووعي صنَّاع القرار والتأثير فيه.

ولعل ثلاثة عوامل رئيسة تضافرت لتنزل قضية فلسطين من قضية أساسية في الوعي والوجدان الإفريقي إلى مجرد “قضية من قضايا الصراع الدولي الباردة”، وهذه العوامل، هي:

أول تلك العوامل وأكثرها فتكًا مصيبة التطبيع التي قادها الفلسطينيون أنفسهم؛ “فأبو عمار” الذي عرفه الأفارقة بكوفيته الفلسطينية أيقونة تحرر قاد بنفسه مسار تسوية و”سلام” مع الاحتلال، وطاف بلدان القارة مبشرًا بـ”سلام الشجعان”.

وكان الشعار الخدَّاع الذي سُوِّق التطبيع في ظلاله، وهو “رضينا بما رضي به الفلسطينيون”، عاملَ دفع خارق للقضية للتواري بعيدًا وغطاء كامل الشرعية لمسارات الاندفاع في التطبيع.

ومما زاد من حدة وتيرة تراجع القضية خلال هذه الفترة تزامن موجة التطبيع مع تسوية ملف “التمييز العنصري في جنوب إفريقيا”، وتوقيع المصالحة التاريخية بين البيض والسود هناك ما سمح بخروج مانديلا من السجن، وتسلم حزب المؤتمر قيادة البلد بعد عقود من النضال المسلح.

ولعل من المهم هنا التنبيه إلى أن عدم استثمار الثورة الفلسطينية عقود الاحتضان الإفريقي لها لنشر وعي بجذور الصراع في فلسطين مهد الطريق لاحقًا لحالة من “القابلية لتصديق الرواية الصهيونية أو التأثر بها في الحدود الدنيا” هي ما ندفع ثمنه اليوم تفرجًا وعدم مبالاة في قطاعات معتبرة من الرأي العام الإفريقي.

وثانيها: غياب الرواية الفلسطينية:

فإذا استثنينا دول الشمال الإفريقي التي يتابع الرأي العام فيها ما يجري في فلسطين عبر وسائل إعلام ناطقة بالعربية تتابع ما يجري وتعالجه من زاوية ترى فيه احتلالًا ومقاومة (تمثل قناة الجزيرة التي مرَّت قبل أيام الذكرى الثامنة والعشرون لانطلاقة بثها عنوانها الأبرز)، فإن بقية البلدان تصل الأخبار وما وراء الأخبار إلى الرأي العام فيها عبر وسائل الإعلام الغربية الناطقة باللغتين، الفرنسية والإنجليزية، وهي وسائل يتبنى أغلبها الرواية الصهيونية ويقدم الأمور من زاويتها؛ فالصراع أولًا عربي/إسرائيلي ما يجرده من أي أبعاد دينية أو إنسانية أو عالمية قد تجذب له من هو غير عربي أو غير فلسطيني، وهو، ثانيًا، صراع بين “دولة مستقلة (إسرائيل) وجماعات ومنظمات متطرفة”، وهو، ثالثًا، صراع نفوذ ومصالح، وليس صراع حقوق ووجود.

إن من يتابع المحتوى الاعلامي حول القضية الفلسطينية في مؤسستين إعلاميتين هما الأعرق والأكثر تأثيرًا في القارة، وهما إذاعة فرنسا الدولية، وإذاعة “البي بي سي” البريطانية، ولاحقًا قناة “فرانسا 24″، وقنوات “البي بي سي” يستطيع توقع أي تصور عن الصراع لدى الأجيال الافريقية التي تمسك اليوم بزمام الأمور وتصنع القرار.

وثالثها: انكفائية الحالة الفلسطينية:

وعلى خلاف ما كان في أيام الثورة الفلسطينية الأولى، لم تستحضر الموجة الثانية من الثورة الفلسطينية التي تقودها حماس منذ نهاية الثمانينات البعد والعمق الإفريقي للقضية إلا متأخرًا، وعبر مداخل شعبية محدودة القدرة على الوصول والتأثير، ومكبلة في الغالب بصورة مرسومة في لا وعي العديد من مناصري القضية وحملتها عن “استحالة وصولها لحيث يمكنها التأثير بفعل قوة الاختراق الصهيوني للقارة”.

إن أخطر ما حققه “الإسرائيليون” في إفريقيا وفي غيرها من دول العالم ليس وجودهم الفعلي في مناطق النفوذ، وإنما الصورة التي كرسوها عن ذلك النفوذ، والتي أعطته في الأذهان تأثيرًا خارقًا يفوق أضعافًا مضاعفة حقيقة وجوده على الأرض(7).

هل إلى تدارك من سبيل؟!

ليست إفريقيا استثناء من حال التفرج على المجازر والإبادة الجماعية التي تعرض لها الشعب الفلسطيني طيلة الحرب الحالية، ولكن موقفها التاريخي من القضية وحساسيتها التقليدية من حروب الإبادة والجرائم ذات الطابع العنصري تجعل موقفها محل تساؤل واستغراب -ليس من المنظور الأخلاقي فحسب- بل وأيضًا بالمعنى الإستراتيجي، وتدل تطورات الأيام الأخيرة التي سبق التنويه لها وبها في مقدمة الورقة (مواقف جنوب إفريقيا وتشاد والصومال ونيجيريا) على أن التعديل في الموقف الإفريقي والدفع به ليكون ركيزة مناصرة للحق الفلسطيني في هذه اللحظة المفصلية من مسار القضية ممكن، ولعل من مداخله الأساسية.

أولًا: وجود إستراتيجيات إعلامية مركزية لتوصيل الرواية الفلسطينية باللغات الإفريقية الأساسية، وكذا باللغات الأجنبية الأكثر استخدامًا في إفريقيا، وهي الإنجليزية والفرنسية والبرتغالية. إن اللحظة مناسبة من زاوية نظر إستراتيجية لتطلق مؤسسة رائدة مثل شبكة الجزيرة قناة بالفرنسية، وصفحات تفاعلية باللغات الإفريقية الأساسية، لتعزز بذلك حضورها ونفوذها في قارة تثبت كل الدراسات أنها ركن أساسي من أركان النظام العالمي الجديد -حقًّا- الذي يتشكل الآن، والذي أعطت عملية طوفان الأقصى وما تلاها لتشكُّله دفعًا قويًّا، وأعادت تحريك بوصلته وجهةً غير تلك التي يرضى ويتمنى العاملون على إعادة إنتاج المنظومات القديمة.

ثانيًا: تفعيل الدبلوماسية الشعبية وإمدادها بتقنيات جسر الهوة في الخطاب وأدواته حتى تُقدَّم القضية للإنسان الإفريقي بالمداخل التي تجذبه لها؛ قضية مواجهة نظام فصل عنصري يمارس الإبادة الجماعية ضد شعب أعزل يطالب بحقه في تقرير مصيره وفي استعادة أرضه والذب عن عرضه وممارسة حقه في العبادة في بيت المقدس.

ثالثًا: الاستفادة من مواقف الدول المؤثرة في القارة التي لها مواقف إيجابية من القضية لدفع الاتحاد الإفريقي ليكون مظلة أساسية للقضية في المرحلة القادمة.

إن اتفاق الدول الأساسية الثلاث في الاتحاد الآن (الجزائر، جنوب إفريقيا، نيجيريا) على موقف رافض للعدوان ومناصر للقضية الفلسطينية، يمثل فرصة مهمة لتحقيق مكتسبات للقضية في وقت هي أحوج ما تكون له.

ختامًا

لفلسطين وقضيتها حضور عميق كامن في وجدان الإنسان الإفريقي، غيَّبته عقود من العمل غير الصالح للقضية، ولكن تطورات الحرب الحالية وإن كانت شديدة القسوة لكنها تحمل في طياتها فرصًا إستراتيجية عديدة يظهر أن من بينها استعادة إفريقيا لتكون كما كانت ذات يوم حاضنة للحق الفلسطيني.

أحمدو الوديعة – باحث متخصص في الشؤون الأفريقية

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات




الحركات المسلحة والأمن في إفريقيا

تعتمد الحركات المسلحة في إفريقيا على المواجهات العسكرية من خلال تبني حرب العصابات مما انعكس بشكل سلبي على الأمن والاستقرار في القارة وجعل الكثير من المناطق تعاني البؤس والفقر وغياب التنمية.


تختلف الحركات المسلحة في قارة إفريقيا في خلفياتها؛ حيث تعمل الجماعات تحت شعارات ومطالب مختلفة منها السياسية والأيديولوجية والعرقية؛ لذا نجد أن هناك العشراتِ من الحركات المسلحة التي تنشط في القارة عقب استقلال الدول الإفريقية من الاستعمار، وغالبًا ما تعتمد الحركات المسلحة على المواجهات العسكرية من خلال تبني حرب العصابات، وهو ما انعكس بشكل سلبي على الأمن والاستقرار في إفريقيا، وجعل الكثير من المناطق تعاني من البؤس والفقر وغياب التنمية.

أولًا: قراءة تاريخية لفهم الحركات المسلحة في إفريقيا

يعتبر القرن التاسع عشر قرن التوسع الاستعماري في القارة الإفريقية التي تسابقت إليها البلدان الأوروبية لكسب الأراضي واستغلال مواردها لخدمة مشروع الثروة الصناعية. ومن أجل تخفيف حدة الصراع بينها، عقدت الأمم الأوروبية مؤتمر برلين الشهير الذي انتظمت بعده الحركة الاستعمارية في القارة الإفريقية(1).

وبعد أن سيطرت القوى الاستعمارية على إفريقيا انطلق عدد من حركات التحرر الوطنية التي أسستها نخبة من المثقفين الأفارقة المشبعين بأفكار التحرر الوطني والديمقراطية، وقد شهدت المستعمرات الإفريقية تحولات جذرية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي أسفرت عن استقلال العديد من البلدان الإفريقية مطلع الستينات(2).

وبعد أن نالت الدول الإفريقية استقلالها من الاستعمار، نشأت وتشكلت حركات مسلحة مطلبية، وتطورت في بعض الأحيان إلى حركات مسلحة تنادي بحق تقرير المصير. ومعلوم أن هناك عددًا من العوامل والأسباب التي أسهمت في انتشار الحركات المسلحة في إفريقيا، ويبقى من أهمها غياب الحكم الرشيد، وضعف هياكل الدول وأجهزتها، وانهيار بنياتها السياسية والاقتصادية، فضلًا عن ضعف قدراتها على استدامة الاستقرار المعزز بالصراع على السلطة والثروة، والانقسامات العرقية والإثنية. كل هذه الأسباب وغيرها قد جعلت الاعتماد على المقاربة الأمنية أمرًا غير فاعل للقضاء على ظاهرة انتشار الحركات المسلحة في إفريقيا، وينبغي الالتفات إلى الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية(3).

تنقسم القارة الإفريقية من الناحية الجيوسياسية إلى عدة مناطق أمنية، وباستثناء منطقة شمال إفريقيا التي غالبًا ما يتم ربطها بالشرق الأوسط سيما أنها تنفصل عن باقي القارة بالصحراء الكبرى التي تشكِّل مع ما يجاورها منطقة الساحل، فإذا استثنينا هذه المنطقة المذكورة فسنكون أمام وسط إفريقيا؛ حيث توجد أربعة أنظمة أمنية إقليمية: منطقة خليج غينيا إلى الغرب، ومنطقة حوض بحيرة تشاد إلى الغرب الأوسط، ثم منطقة البحيرات العظمى في الوسط، ثم شرق إفريقيا الذي تحتوي على المنطقة الفرعية المعروفة باسم القرن الإفريقي، وأخيرًا هناك نظام الأمن الجنوب إفريقي(4).

وتشكِّل كل منطقة من المناطق الأربع نظامًا أو مجمعَ أمن إقليمي يمكن تعريفه بأنه “مجموعة من الدول المرتبطة ارتباطًا وثيقًا، بحيث لا يمكن حسبان الاعتبارات الأمنية للأنظمة المختلفة بمعزل عن بعضها البعض، ومعنى ذلك أن الأمن في إفريقيا مترابط بين تلك المناطق إلى جانب تجانسه بين دولها”(5).

ثانيًا: عوامل ودوافع نشأة الحركات المسلحة في إفريقيا

تعود حالة الصراع في إفريقيا إلى أسباب تاريخية متجذرة ويمكن توضيحها فيما يلي:

  1. البعد القبلي والإثني

إن التعددية العرقية هي السمة التي تميز الدولة المعاصرة، إلى درجة يصعب معها الحديث عن دولة تتمتع بتجانس سكاني كامل. وقد برزت هذه الظاهرة إلى الوجود بداية بسبب تفكك الإمبراطوريات الضخمة التي كان تضم شعوبًا مختلفة في الأعراق وأممًا متباينة في الأديان ومتعددة في اللغات ومتنوعة في الثقافات، فتحللت تلك الإمبراطوريات إلى وحدات أصغر لم تتطابق فيها الحدود السياسية مع الواقع الإثني، فانقسمت جماعة عرقية واحدة إلى عدة وحدات سياسية. وعلى عكس ذلك تمامًا ضمت الدولة الواحدة في داخلها جماعات مختلفة أشد الاختلاف وأعراقًا متباينة أشد التباين؛ إلى درجة تلاشت فيه كل القواسم المشتركة من لغة أو دين أو عرق؛ مما قاد إلى صراعات حادة بين هذه الجماعات؛ بحيث تريد كل منها أن تكون ثقافتها أو دينها أو لغتها هي المسيطرة، وترفض هيمنة الجماعات الأخرى عليها(6).

وهذا التعدد جعل الصراعات المسلحة القائمة على الأصل العرقي أو الثقافة أو الدين أو اللغة مصدرًا للحروب كحالة دولة السودان مثلًا؛ حيث شهد السودان حربًا هي الأطول في إفريقيا بين الحكومة المركزية والحركة الشعبية لتحرير السودان (1956-2002). وبعد توقيع اتفاقية السلام الشامل في نيروبي، استطاع جنوب السودان أن يحقق الانفصال بعد أن اختار المواطنون ذلك في استفتاء حق تقرير المصير، باعتبار أن الشماليين يتحدثون اللغة العربية ويدينون بالإسلام بينما الجنوبيون يتحدثون اللغات المحلية الإفريقية ويدينون بالمسيحية، فضلًا عن انفصال أريتريا عن إثيوبيا سنة 1993(7).

ويعتبر التنوع الإثني أحد أهم سمات الدول الإفريقية، وتتعدد مظاهر ذلك التنوع سواء على المستوى القبلي أو الديني وأيضًا اللغوي، فالقارة الإفريقية تحتوي على 33% من إجمالي لغات العالم، وهو ما شكَّل أزمة هوية داخل الكثير من الدول الإفريقية نتيجة ممارسات الدولة الإقصاء ضد إثنية معينة أو قومية، أو رغبة الأخيرة في الانفصال كما حدث في إقليم الكاميرون الناطق بالإنجليزية، ومن شواهده أيضًا أزمة شمال مالي المعروفة بأزمة الأزواد، وأيضًا أزمة إقليم كازامانس بجنوب السنغال المطالب بحق تقرير المصير لعرقية السيرير(8).

  1. غياب الحكم الرشيد

سعت الأنظمة الحاكمة في إفريقيا بعيد الاستقلال إلى ترسيخ جذورها في السلطة عبر فرض سياسة الحزب الحاكم الواحد؛ مما أطاح بأحقية القوى السياسية الأخرى في المشاركة السياسية، فتم تغيبب الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات، وهو ما أسهم في تآكل شرعية تلك الأنظمة بفعل ممارسات العنف والقمع والاستبداد. وفضلًا عن ذلك انتشر الفساد وصار السمةَ الرئيسيةَ لمؤسسات الدولة المختلفة؛ مما ألقى بتداعياته على التنمية المستدامة والقطاع الاقتصادي، وهو ما آل إلى عجز الدول الإفريقية عن توفير الاحتياجات الأساسية لمواطنيها، فتصاعدت المطالب الشعبية المنادية بإزاحة الأنظمة الحاكمة(9).

وما يميز الأنظمة الإفريقية في الغالب هو تغول السلطة التنفيذية وعلى رأسها الحاكم؛ حيث احتكرت هذه السلطة جميع أوراق اللعبة السياسية فضلًا عن وضع اليد على المنافع والمغانم، وهو ما يعني بمعنى من المعاني ترسيخ مبدأ “صواب رأي الحاكم”، أي عدم أحقية الاعتراض على القرارات السياسية التي تتخذها السلطة التنفيذية؛ الأمر الذي يؤدي إلى حالة من الخلط المؤسسي بغية إضعاف المؤسسات التشريعية والقضائية وعدم قيامها بوظائفها الدستورية، لتصبح السلطة التنفيذية وعلى رأسها الحاكم هي المنوط بها التشريع والتنفيذ ومحاسبة المعارضين له(10).

كما نلاحظ اختفاء مظاهر الديمقراطية؛ حيث إن التغييرات السياسية التي تشهدها الدول الإفريقية تقتصر على ما يمكن تسميته “ديمقراطية الصندوق الانتخابي”، أي ما يحدث عن انتخابات تعددية في ظاهرها غير أن نتائجها محسومة في البداية للحزب الحاكم وتوريث المناصب. وقد ساعدت هذه الحالة على حدوث أعمال عنف سواء بانقلاب عسكري أو اغتيال أو حرب أهلية؛ مما يعزز بدوره من موجة الصدامات القبلية داخل الدولة بغية التغيير المؤسسي؛ لذا نجد أن الأنظمة الحاكمة تتسم بالسلطوية والاستبدادية وفي الوقت ذاته يقوم الرئيس والنافذون بخدمة مصالح القبيلة التي ينتمون إليها، دون النظر إلى المكونات الاجتماعية الأخرى، عطفًا على ذلك تتمركز الخدمات والتنمية في العاصمة وهو ما يعني تكريس إهمال الأطراف(11).

  1. البعد العقائدي

تشهد الدول الإفريقية، وتحديدًا منطقتي الساحل والصحراء والبحيرات العظمي، مشهدًا أمنيًّا بالغ التعقيد. فوفقًا لتقرير مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2021، يعتبر إقليم الساحل ضمن أكثر المناطق عنفًا في العالم؛ حيث شكَّلت الوفيات بالإقليم نسبة (35%) من إجمالي حالات الوفاة الناجمة عن العمليات الإرهابية في العالم، الأمر الذي يعكس ترديًا بالغًا للأوضاع الأمنية.

ويمكن الجزم بأن المحفز الرئيسي وراء توغل التنظيمات الإرهابية وانتشارها بضراوة داخل الدول الإفريقية، منبثق بالأساس من حالة التشظي القبلي الذي هيأ المناخ لتحول تلك الدول إلى بيئات حاضنة للإرهاب.

إن الصراع على الموارد الطبيعية وتصاعد المواجهات بين القبائل المختلفة، يرجع بالأساس لحرمان ممنهج لبعض القبائل من الحصول على حصتها من الموارد، وأيضًا حرمانهم من المشاركة السياسية، أو أن يصبح لهم دور على الصعيد المالي والاقتصادي. كما يلعب البعد الديني دورًا أيضًا في الصدامات القبلية؛ فعلى سبيل المثال أدت المواجهات الدامية بين الرعاة ذوي الغالبية المسلمة والمزارعين ذوي الغالبية المسيحية في منطقة الحزام الأوسط بنيجيريا إلى مواجهات عنيفة؛ مما أسهم في توغل جماعة بوكو حرام في المنطقة التي أصبحت من أهم مراكز نفوذ هذه الجماعة(12).

ومما يعزز من دموية تلك الصراعات؛ حالة الانفلات الأمني التي تواجهها البلاد، وهي ناتجة عن سيولة انتشار الأسلحة الخفيفة، فوفقًا لتقارير صادرة عن جهات أمنية كينية يوجد ما يزيد عن ستمئة ألف قطعة سلاح غير مرخص بالبلاد؛ الأمر الذي عزز من انتشار العنف المسلح، وأدى إلى عجز المؤسسات الأمنية عن احتواء الأوضاع. ولهذه الأسباب نجد تكرارًا لسيناريوهات الانقلابات العسكرية، كما حدث في دول مثل مالي والنيجر وإفريقيا الوسطى وبوركينا فاسو وغينيا.

إن النزاعات المحلية والصدامات القبلية ذات الطابع الديني تزداد بشكل واضح في ظل وجود حكومات مركزية هشة غير قادرة على صهر مكونات المجتمع وإدارة التنوع الديني، ناهيك عن ضعف المؤسسات وانعدام عدالة التوزيع ونفاذ المواطن إلى الخدمات الضرورية؛ الأمر الذي أدى ويؤدي إلى تطور المنافسة على الموارد، وتحولها لصراعات وصولًا لحروب أهلية دامية ذات أبعاد عقيدية كما حدث بين جماعتي “السيليكا” و”أنتي بلاكا” المسلحتين في جمهورية إفريقيا الوسطى(13).

  1. البعد الخارجي

على الرغم مما سبقت الإشارة إليه من عوامل ومتغيرات وثيقة الصلة بالبيئة الداخلية للدول الإفريقية فإن الصراعات الأهلية في القارة تشكلت أيضًا بفعل العديد من المتغيرات والعوامل المرتبطة بالبيئة الخارجية للقارة. ويتمثل أقدم العوامل الخارجية في ظاهرة الاستعمار الأوروبي الذي وضع بذور الحروب الأهلية في إفريقيا سواء من خلال النشأة المصطنعة للدول الإفريقية أو من خلال السياسات الاستعمارية المتبعة في المستعمرات الإفريقية السابقة(14).

ويبقى الصراع الإثني مرتبطًا في كثير من الحالات بالتدخل الخارجي؛ حيث يتم من خلال هذا التدخل تأجيج الخلافات وتعزيز الصدامات بين القبائل المختلفة بواسطة نخب محلية وإقليمية، مقابل حصولها على مكتسبات مادية للتغطية على ما تقوم به دول أجنبية من جني أرباح خيالية من أعمال النهب والسرقة للموارد الأولية في الدول الإفريقية مثل الماس والعاج وغيرهما.

وما نشهده من انفلات الأمني في بعض البلدان الإفريقية وانشغال الأجهزة الأمنية في مواجهة المحتجين كما يحدث في إقليم شرق الكونغو الديمقراطية، يمكن فهمه من خلال ما كشفت عنه بعض التقارير من اتفاق بين نخب سياسية محلية وبين النسخة الإفريقية من تنظيم داعش المتمركز ببعض دول شرق إفريقيا. وقد نتج عن ذلك أن تنظيم داعش قام باستقطاب مواطني الإقليم وتأجيج مشاعر الغضب ضد النظام السياسي، ودفعهم لمواجهات مع الأجهزة الأمنية، مقابل تسهيل النخب مهمة استنزاف التنظيم للموارد الطبيعية وبيعها، وحصول هؤلاء على حصتهم من الأرباح، ويعد هذا النمط من الأنماط الأكثر شيوعًا(15).

لقد لعبت العوامل الإقليمية والدولية دورًا مهمًّا ليس فقط في نشوب الصراع بليبيريا مثلًا وإنما في تطوره وإطالة أمده؛ إذ لولا دعم ليبيا وبوركينا فاسو وكوت ديفوار المشترك للرئيس الليبيري السابق، تشارلز تايلور، وفي الجانب الآخر تراجع الدعم الأميركي لغريمه، سامويل دو، لما تمكن الأول من الانتصار على الثاني؛ حيث كان يمكن أن يقوم سامويل دو بسحق التمرد الذي قاده تايلور، كما فعل من قبل مع كوينكبا لولا؛ حيث تراجع التأييد الإقليمي والدولي له، وفي مقابل دعم غينيا لبعض الفصائل المعارضة لتايلور، وهو ما أسهم في تمكين هذه الفصائل من تحقيق انتصارات كبيرة ضده(16).

ولابد هنا أن نشير إلى ما ينتشر في إفريقيا الوسطى من شبكات مركَّبة من الكيانات المسلحة التي تعمل في ظل الحرب بالوكالة لصالح نظام الرئيس تواديرا، مثل قوات فاغنر الروسية، وجماعات قبلية محلية موالية لفرنسا، بالإضافة إلى قوات من جمهورية الكونغو الديمقراطية والقوات الرواندية التي تقاتل جنبًا إلى جنب الجيش الحكومي.

وقد دفعت الحربُ بالوكالة أيضًا مجموعات أجنبية أخرى مثل جيش الرب الأوغندي والعديد من الحركات التي تنتشر في شرق الكونغو الديمقراطية للانخراط في التفاعلات العنيفة في إفريقيا الوسطى كمصدر من مصادر الريع المادي بالنسبة لهم، فضلًا عن الفاعلين الآخرين من المنظمات الفاعلة والمتورطة في تهريب الموارد الطبيعية، بما في ذلك الذهب والماس وتهريب الأسلحة.

وتعمل مجموعة من اللاعبين الدوليين على التمكين لهذه الشبكات الإجرامية التي تخلق حالة من عدم الاستقرار والصراع، من أجل الاستفادة من تهريب مزيد من الماس والذهب لهذه الشبكات الإجرامية الدولية(17).

ثالثًا: آثار الحركات المسلحة على الأمن في إفريقيا

تعاني القارة الإفريقية حاليًّا خليطًا من الصراعات والنزاعات المسلحة، معظمها داخلي، وذلك بسبب الصراع على السلطة أو الثروة أو كلتيهما معًا، إضافة إلى انتشار الصراعات العرقية والقبلية، وكذلك التمدد اللافت لتنظيمات إرهابية في مناطق واسعة من شمال ووسط القارة ومنطقة الساحل.

وتنمو الحركات المسلحة في عدد من الدول الإفريقية في بيئات جاذبة؛ حيث لم تستطع السلطات المتعاقبة، منذ حقبة الاستقلال والتحرر من الاستعمار أن تثبِّت وتوطد دعائم الدولة القوية، وهو ما سمح بانتشار أسرع للجماعات المسلحة التي تستغل ضعف الأنظمة السياسية وعوامل التهميش الاقتصادي والسياسي والصراعات القبلية والإثنية، وتعقيد التركيبة الاجتماعية وتداخلاتها، وتوسع أطر التداخل بين الدين والقبيلة والأيديولوجيا والإثنية، تستغل كل هذا للانتشار والتوسع.

كل ذلك وغيره يتطلب دراسة ظاهرة الإرهاب في إفريقيا في سياقات مغايرة لأساليب الفهم التقليدي، فأنشطة الحركات المسلحة لا تقتصر على تنفيذ الأجندة الدينية والسياسية؛ إذ تتقاطع مع تعقيدات التركيبة القبلية وفشل سياسات الاندماج الاجتماعي، أي غياب أو عدم قدرة الحكومات على تحديث البناء المجتمعية(18).

وسنحاول هنا الوقوف على ثلاثة آثار سلبية مرتبطة بهذه الصراعات:

أولًا: الأثر السياسي

تترتب على النزاعات المسلحة عدة آثار سلبية على الأوضاع السياسية داخليًّا وكذلك للدول المجاورة لها، ومن بين هذه الآثار نجد امتداد مخاطر التدخل الدولي إلى دول الجوار، فالدول التي تعاني من النزاعات المسلحة غالبًا ما تتعرض إلى التدخل الدولي، خاصة في حالة وجود انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، الأمر الذي يؤثر حتمًا على أمنها وأمن الدول المجاورة لها، ويشكِّل ضغطًا غير مباشر على أنظمتها وتوجهاتها وربما يسهم في انهيار أنظمة الحكم أو الدولة(19).

كما نلاحظ التداعيات الأمنية كانتشار السلاح والجماعات الإرهابية، فضلًا عن تنامي الصراعات القبلية والطائفية والفكر الانفصالي، وأيضًا هناك تداعيات اقتصادية سببها تراجع دور الدولة الاقتصادي بالنسبة لتلك للدول المعتمدة على الاقتصاد الريعي، والذي يعتبر المورد الأساسي والوحيد لتمويل الميزانية العامة، أضف إلى ذلك تأثير الانقسام السياسي وزيادة معدلات البطالة وانتشار ظاهرة الفساد العام(20).

وفضلًا عن زيادة انتشار العنف والفقر، إلى جانب ذلك عجز الدولة عن السيطرة على المنافذ الحدودية فإن هذا الأمر ينعكس على الدول المجاورة لها، ولهذه الأسباب ومن أجلها تتخوف دول الجوار من تداعيات التدخلات الدولية.

ومن بين الآثار الأخرى التأثير السلبي على نسيج العلاقات الدولية بين حكومات الجوار؛ حيث تعتبر النزاعات المسلحة القائمة في الدول الإفريقية مصدرَ تأثيرٍ وتوترٍ أمني في القارة الإفريقية، ناهيك عن تأثير ذلك على النظام السياسي القائم في الدول المجاورة؛ حيث تؤدي النزاعات المسلحة إلى التأثير ولو بصفة غير مباشرة على النظم السياسية القائمة في الدول المجاورة لها، بحيث تستغل الأطراف المتنازعة الاختلالات الكامنة في بنية الهيكل السياسي والاجتماعي في الدول، خاصة في حالة وجود اضطهاد للأقليات العرقية والحزبية متبوعة بموجات متتابعة من العنف السياسي ضدها، مما يؤدي إلى الانهيار(21).

ثانيًا: الأثر الأمني

إن الآثار الأمنية لا تقل أهمية وخطورة عن الآثار السياسية، ومن بين الآثار الأمنية تدفق الأشخاص والسلاح عبر الحدود؛ حيث يعتبر تدفق السلاح من أخطر الآثار السلبية الأمنية على الدول المجاورة للدولة التي تعاني من النزاعات المسلحة، خاصة تدفق الأسلحة الخفيفة منها؛ نظرًا لخصوصياتها المتمثلة أساسًا في سهولة الحصول عليها ونقلها إلى أطراف الصراع(22).

ويشكل انتشار السلاح تجارة رابحة في المناطق غير المستقرة أمنيًّا في القارة الإفريقية، ولهذا الانتشار دور كبير في تقوية الجماعات المسلحة؛ حيث إن نشاط العديد منها في تزايد مستمر نتيجة انتشار الأسلحة وتهريبها عبر الحدود؛ الأمر الذي يشكِّل تهديدًا أمنيًّا على دول الجوار. وقد شكَّل ذلك تهديدًا حقيقيًّا على أمن حدود الدول المجاورة؛ مما يجعل هذه الأخيرة تلجأ إلى تشديد الرقابة على حدودها خوفًا من تجارة وتهريب الأسلحة والبشر والمخدرات(23).

إضافة إلى ذلك، نلاحظ تدفق اللاجئين والنازحين بأعداد يصعب التحكم فيها، وتؤدي هذه النزاعات أيضًا إلى استغلال الوضع الأمني غير المستقر ومحاولة السيطرة عليه من طرف صعوبة التحكم في الحدود وكثرة تدفق الأسلحة بالإضافة إلى تجارة وتهريب البشر والمخدرات؛ حيث يصعب تحديد العلاقة بين المخدرات؛ إذ أصبحت تجارة وتهريب البشر والمخدرات التي تقودها شبكات التهريب مصدرًا للخطر على الدول الإفريقية التي تعاني من صراعات، خاصة التي لها ارتباط بأطراف خارجية. وتعتبر هذه الجرائم من أهم التحديات الخطيرة التي تهدد كيان وأمن الدول والإفريقية(24).

ثالثًا: الأثر الاقتصادي

لا يخفى مدى التأثير السلبي لهذه النزاعات على اقتصادات الدول الإفريقية، ومن أبرز التأثيرات ظاهرة اللاجئين الذين يفرون من ويلات هذه النزاعات وبأعداد كثيرة مخترقين حدود دول الجوار. فهذه الحشود من اللاجئين بإمكانها أن تسبِّب زعزعة واستقرار أمن الدولة المستقبِلة، لكنها أيضًا ستكون عبئًا على اقتصادها المنهك أصلًا. فكثرة اللاجئين والنازحين تدفع الدول المستقبِلة لهم إلى توفير المأوى والأكل والشرب، وفي حالة استحالة توفير ذلك لهم يؤدي إلى نشوب عنف وصراعات على الغذاء والمياه والسكن بين اللاجئين، وأيضًا بينهم وبين المواطنين الأصليين من جهة. ومن جهة أخرى يتحتم على الدولة المستقبلة للاجئين أن توفر لهم مخيمات للإقامة، وكل المستلزمات والخدمات الضرورية التي يحتاجونها من أكل وشرب وصحة وتعليم، بالإضافة إلى توفير الأمن لهم باعتبارهم خاضعين لسيادتها؛ الأمر الذي يشكِّل عبئًا يختلط فيه فيه الاقتصادي بالأمني(25).

وتتضاعف معاناة الدولة المستقبلة للاجئين في حالة نقص إمكانياتها وعدم تحكمها في الوضع؛ مما يسبِّب معاناة للاجئين ويؤدي إلى تردي أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والصحية كانتشار الأمراض المعدية والفتاكة كالسيدا والكوليرا ونقص المياه الصالحة للشرب..إلخ. وقد تأثر اقتصاد معظم الدول الإفريقية المجاورة للدول التي شهدت النزاعات المسلحة بشكل سلبي مسببة لها خسائر معتبرة(26). فضلًا عن تدمير كل المكونات الاقتصادية في الدولة التي تعاني منها سواء كانت زراعية أو صناعية أو تجارية، مما يسبب ندرة في المواد الغذائية في هذه الدولة ويؤدي إلى غلاء أسعارها، الأمر الذي يدفع المهربين إلى محاولة تهريب المواد الغذائية من الدول المجاورة لتغطية العجز الذي تعاني منه، وهو ما ينعكس سلبيًّا على الدول التي تم تهريب هذه المواد منها، ويتسبب في ارتفاع أسعار هذه السلع وندرتها(27).

وحيث إن معظم الدول التي تعاني من عدم الاستقرار الأمني -نتيجة الصراعات المسلحة- تنتشر فيها كل الأمراض المعدية بسبب انهيار منظومتها الصحية وعدم توفرها على بيئة صحية ونقص في الأدوية وغيرها من المشاكل الصحية فإنها تظل معرضة لانتشار الأمراض فتنتقل هذه العدوى ومختلف الأمراض إلى الدول المجاورة بسبب دخول الأفراد المصابين(28).

ويمكن للنزاعات المسلحة التأثير على مناخ الأعمال للدول الجوار؛ إذ لا تتوقف آثار هذه النزاعات على التدفقات الاستثمارية والمبادلات التجارية في الدول التي جرت على أراضيها تلك الصراعات، بل تتعدى إلى الدول المجاورة لها؛ حيث تؤدي النزاعات المسلحة إلى تقليص حجم المبادلات التجارية بين الدولة التي تعاني من هذه النزاعات والدول المجاورة لها.

ومن مظاهر ذلك توقف الأنشطة التجارية وتوقف المؤسسات المصدِّرة لنشاطها التجاري بسبب تخوف الدولة المجاورة من تهريب الأسلحة، وهو ما يجعلها تتخذ تدابير أمنية صارمة قد تصل إلى حد غلق الحدود، إضافة إلى تقليص الاستثمارات بين هذه الدول نتيجة لعدم توافر ضمانات للمستثمرين لحماية مصالحهم الاقتصادية، فلا شك أن المناخ السياسي الذي يغلب عليه طابع عدم الاستقرار والاضطراب يكون مناخًا غير ملائم لنمو وجذب الاستثمارات الأجنبية(29).

خاتمة

ستظل مسألة الحركات المسلحة والأمن من القضايا المعقدة التي تنعكس على وحدة وتماسك الدول الإفريقية، وتغرق الكثير من الدول في أتون حروب أهلية مستمرة رغم بعض المساعي من التكتلات الإقليمية مثل الإكواس والسادك والإيغاد ومبادرة الاتحاد الإفريقي المرتبطة بإسكات البندقية.

إلا أن تقاطع المصالح داخليًّا وبعض القوى الإقليمية قد عزز من دوافع وعوامل استمرار حضور الحركات المسلحة في المشهد السياسي للعديد من الدول الإفريقية؛ لذا لا نتوقع بأي حال من الأحوال أن تتلاشى ظاهرة الحركات المسلحة في إفريقيا ما لم تتم معالجة الأسباب الجوهرية المرتبطة بظهورها مثل غياب المواطنة وانعدام العدالة الاجتماعية فضلًا عن التداول السلمي للسلطة.

محمد تورشين – باحث متخصص في الشؤون الأفريقية

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات




“صهينة” المجتمع الغربي: الخطر الداهم على القوة المعيارية والأخلاقية للغرب

كشفت الحرب المدمرة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة أن القوة المعيارية والأخلاقية للغرب تواجه تهديد التدمير لمرتكزاتها الفكرية والسياسية والحقوقية بسبب الاتجاه نحو صَهْيَنَة المجتمع الغربي، والتضييق على حرية الأفراد والجماعات في التعبير عن الرأي وإدانة جرائم الاحتلال الإسرائيلي وسياساته في التطهير العرقي والإبادة الجماعية. فكيف نفهم هذا التدمير للقوة المعيارية والأخلاقية للغرب؟ وما تأثيرات ذلك في النموذج الديمقراطي الغربي؟ وهل تمثِّل صهينة المجتمع الغربي الخطر الداهم على القوة المعيارية والأخلاقية للغرب، والقانون الدولي الإنساني والشرعة الدولية لحقوق الإنسان؟


ظل العالم الغربي طوال العقود الماضية يُقدِّم نفسه “القوة المعيارية” التي تُنتِج القيم والمثل العليا والمبادئ الإنسانية، وتُعزز الديمقراطية عبر الحكم المؤسساتي وسيادة القانون وحماية حقوق الإنسان والعدالة والحرية. ويُقدِّم نفسه أيضًا “القوة الأخلاقية” التي يلزمها نشر نموذجها المعياري للديمقراطية خارج حدود العالم الغربي بوسائل مختلفة قد تكون أحيانًا صلبة، كما حصل فيما سُمِّي بـ”عملية الحرية الدائمة” في أفغانستان، عام 2001، ثم “عملية تحرير العراق”، عام 2003. وكشفت آثار ونتائج هذه العمليات تآكل، إِنْ لم يكن انهيار، هذه القوة المعيارية التي أدت إلى تدمير البنى السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتلك الدول بدل أن تجعل منها واحة للديمقراطية وحقوق الإنسان. وهذا ما جعل بعض الفاعلين الدوليين يقوم بحملات دبلوماسية، مثل الولايات المتحدة الأميركية، لتحسين صورة “قوته الأخلاقية” بين الجمهور والرأي العام في الدول التي استهدفتها “الفوضى الخلاقة”.

وينتقل اليوم اضمحلال القوة المعيارية وتآكل مبادئها إلى البيت الداخلي للمجتمعات الغربية نفسها في سياق الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة؛ إذ لا معنى للحقوق والحريات التي تُنظِّم وتُؤطِّر الاجتماع السياسي والمدني في العالم الغربي. فقد كشفت الحرب أن حرية الرأي والتعبير، والحق في الاختلاف، والحق في التظاهر والتجمع، والتعاطف أو مساندة القضايا الإنسانية، والحق في مقاومة الاضطهاد، وإدانة الإبادة الجماعية، ليست من مشمولات النسق القيمي الغربي؛ إذ تُجرِّف الدول الداعمة لإسرائيل “قوتها الأخلاقية” عبر تدمير المبادئ الحاكمة للنظام الديمقراطي المؤسسي، وتفتيت النظم الموجهة لعلاقات الأفراد بالمؤسسات والوسائط السياسية والاجتماعية. فقد أنتجت مبادئ وأطرًا جديدة، وعزَّزت مقولات كانت سائدة قبل طوفان الأقصى لدعم الجهد الحربي الإسرائيلي ضد حقوق الشعب الفلسطيني في الحرية وإقامة دولته المستقلة. وأصبحت أُسُس القوة المعيارية للعالم الغربي: “مَنْ ليس مع إسرائيل فهو ضدنا” (ضد العالم الغربي)، و”من لا يُدين حماس فهو إرهابي”، و”من يتعاطف مع أهل غزة فهو يكره إسرائيل” ويدعم الإخوان المسلمين، و”من يتظاهر لوقف الحرب على غزة فهو ضد مصالح الأمن الإسرائيلي”، و”من لا يدعم الحرب ضد الحيوانات البشرية والإبادة الجماعية فهو ضد وجود دولة إسرائيل”، و”من يُدِنْ إسرائيل فهو معاد للسامية”، و”من يُدن الصهيونية فهو ليس منَّا”.

في سياق هذه الحالة الاستثنائية، التي تعيشها القوة المعيارية والأخلاقية للدول الداعمة لإسرائيل وإنتاجها لسلسلة من اليقينيات الجديدة (الكوجيتو)، لم يعد مسموحًا للرأي الآخر (المخالف أو المعارض) بالتعبير عن أفكاره ووجهة نظره، بل يُراد له ألا يرى إلا ما تراه الإدارة السياسية الحاكمة في تلك الدول، لذلك تحاصره سياسيًّا وإعلاميًّا وقانونيًّا في المجال العمومي والأكاديمي. فكيف إذن نفهم هذا التهشيم والتدمير للقوة المعيارية والأخلاقية داخل المجتمعات الغربية؟ وما تأثيراته على النموذج الديمقراطي الغربي؟ وهل تمثِّل إسرائيل الخطر الداهم على القوة المعيارية والأخلاقية للدول الغربية والقانون الدولي الإنساني والشرعة الدولية لحقوق الإنسان؟

صَهْيَنَة المجتمع الغربي

نشأت الحرية حقًّا مقدسًا في التراث الفكري والسياسي والحقوقي الغربي؛ إذ ظلت تُعد من الحقوق الطبيعية الثابتة للإنسان، التي لا يمكن سلبها أو انتزاعها منه؛ لأنها تُعد أساس الوجود الإنساني وسابقة أيضًا على الوجود القانوني والسياسي. لذلك تمثِّل الحرية في نظر كثير من الفلاسفة الغربيين “الشيء الوحيد الذي ليس للإنسان الحرية في التخلي عنه” باعتبارها أصل الوجود الإنساني، فهو يكتسبها بالولادة كما أن حمايتها وتعزيزها يُعد أولوية في سياسة الحكومات. وأخذت الحرية بعدًا تعاقديًّا اجتماعيًّا في سياق نظرية العقد الاجتماعي التي تؤسس لسلطة سياسية يحظى فيها الأفراد بحقوقهم الإنسانية كاملة تشمل الحرية والمساواة ومَأْسَسَتها في القوانين والدساتير. وقد اهتمت المواثيق الدولية، وإعلانات الدول الغربية لحقوق الإنسان، بالحرية أكثر من أي شيء آخر، للاعتبارات المذكورة؛ ما يجعلها في نظر البعض “تُؤَلِّه الإنسان الحر”.

لكن هذا التراث الفكري والسياسي والحقوقي للحريات السياسية والمدنية بدأ يتفكَّك ويتهشم في سياق الحرب الإسرائيلية-الأميركية على قطاع غزة، ويميل بشدة نحو ما يمكن تسميته بـ”صَهْيَنَة الرأي والتعبير” بدل الحرية المقدسة للرأي والتعبير، التي لا يمكن التخلي عنها والتفريط فيها من أجل دعم الاضطهاد والإبادة الجماعية. وتتجسد هذه الصَّهْيَنَة للرأي والتعبير في اللازمة الجديدة/القديمة: “مَن ليس مع إسرائيل فهو ضدنا”، و”من يُدِن إسرائيل فهو معاد للسامية”. وتُعد حالة النائبة الديمقراطية، رشيدة طليب، كاشفة لهذه اللازمة؛ إذ جرى توجيه اللوم لخطابها في الكونغرس الأميركي بعد أن انتقدت الحرب على غزة، واتهمت الرئيس الأميركي، جو بايدن، بدعم “الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني”. وهو اللوم الذي يجعل إسرائيل دولة فوق النقد، بل تتحول إلى “مقدس” يجب عدم المساس بها، ولا التعريض بها، ولا إدانة انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي التي يجرِّمها القانون الدولي الإنساني.

وهنا، يصبح انتقاد الاحتلال الإسرائيلي وجرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية، التي يرتكبها ضد الشعب الفلسطيني، معاداة للسامية؛ إذ يُراد للرأي الآخر المخالف أو المعارض للإدارة السياسية الأميركية والغربية عمومًا أن يكون معتقدًا ومؤمنًا بحق هذا الاحتلال في القضاء على المقاومة الفلسطينية ومحوها من على خريطة القطاع والضفة الغربية، واجتثاث أصحاب الأرض وتهجيرهم والقضاء على تاريخهم وثقافتهم. ولذلك لا يُشترط -كما قال جو بايدن- أن يكون المرء يهوديًّا ليصبح صهيونيًّا، بل إن الأساس في الصهيونية هو الاعتقاد بحق إسرائيل في الاستعمار الاستيطاني/الإحلالي، الذي يسمى اليوم “الدفاع عن النفس”، ونزع الصفة الإنسانية عن السكان الأصليين وارتكاب جرائم الإبادة في حقهم باعتبارهم حيوانات بشرية. وهو المنظور الذي يُؤسِّس لصَهْيَنَة المجتمع الغربي سياسيًّا وقانونيًّا وإعلاميًّا دون النظر إلى جذور وجوهر المشكلة التي تتمثَّل في الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وحق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية لنيل حقوقه كما تقر بها الشرعة الدولية.

لقد بدأت قيود التضييق على حرية الرأي والتعبير تتمدد وتشتد بشكل غير مسبوق، وهو ما جعل عددًا من وسائل الإعلام والشبكات الدولية تُقرر التحقيق في منشورات الصحفيين الذين نشروا تغريدات حول العدوان الإسرائيلي على غزة، وتُصدر قرارًا بوقفهم عن العمل. وكذلك أوقفت إحدى القنوات الأميركية ثلاثة من مذيعيها المسلمين من برامج الشبكة منذ الهجوم الواسع الذي شنَّته كتائب القسام في عمق التجمع الاستيطاني “غلاف غزة”. ولم تستطع صحيفة الغارديان البريطانية أن تتحمل كاريكاتيرًا واحدًا للرسام ستيف بيل، ينتقد ممارسات رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الذي ظهر في الكاريكاتير يرتدي قفازات ملاكمة يحدد جزءًا من خريطة تمثِّل قطاع غزة (تمهيدًا لاقتطاعه) وهو يقول: “يا سكان غزة اخرجوا الآن”، في إشارة إلى أن إسرائيل تطلب من أهالي غزة النزوح جنوبًا قبل غزو بري متوقع. فقررت الصحيفة إقالة بيل من عمله بتهمة معاداة السامية. ولم تستطع السلطات البريطانية أيضًا أن تتحمَّل رأي الإعلامي المصري، معتز مطر، الذي أعلن دعمه للمقاومة الفلسطينية وتنديده بالحرب الإسرائيلية على غزة؛ فألغت تأشيرة دخوله إلى الأراضي البريطانية. هذا ناهيك عن التمييز الرقمي والتضييق الواسع الذي تمارسه شبكات التواصل الاجتماعي ضد الرواية الفلسطينية بالتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي. فذلك يحتاج إلى دارسة مفصلة.

بالموازاة مع تشديد قيود التضييق على حرية الرأي والتعبير، يواجه حق التظاهر والتضامن مع الشعب الفلسطيني إجراءات تقييدية بشكل غير مسبوق، وهو ما دفع فرنسا وبريطانيا وألمانيا ودولًا أخرى إلى إصدار تعليمات تحظر المظاهرات التي تُعبِّر عن إدانتها لجرائم الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني، وتؤيد حقه في نيل حريته وإقامة دولته المستقلة. في هذا السياق، أصدر وزير العدل الفرنسي تعميمًا لتوسيع نطاق القيود المفروضة على حرية التعبير فيما يتعلق بالمسألة الإسرائيلية-الفلسطينية؛ إذ يرى أن تصوير هجوم حركة حماس على إسرائيل باعتباره شكلًا من أشكال المقاومة المشروعة يمثِّل دعمًا “للإرهاب”. واعتبرت وزيرة الداخلية البريطانية السابقة، سويلا برافرمان، أن “التلويح بالعلم الفلسطيني أو ترديد هتاف يدعو إلى حرية العرب في المنطقة قد يكون جريمة جنائية”. وحثت الشرطة على “قمع أي محاولات لاستخدام الأعلام أو الأغاني لمضايقة أو ترهيب الجالية اليهودية”.

يشير هذا الواقع الجديد إلى اتجاه المنظومة السياسية الغربية إلى فرض خطاب أحادي وصهينة الرأي والتعبير، ومنع الاختلاف في الرأي، والحيلولة دون وصول وجهات النظر المخالفة والمعارضة إلى الرأي العام وتداول أفكارها وتصوراتها عن القضية الفلسطينية في المجال العام التقليدي والرقمي. لذلك تتقلص مساحة النقاش العقلاني والحر؛ إذ يبدو الإعلام الغربي مشغولًا بإدانة حماس والمقاومة الفلسطينية، سواء في البرامج الإخبارية أو الحوارية، ولا يسأل عن قانونية الجرائم التي يرتكبها الاحتلال أو إدانة أعماله التطهيرية وسياسته الممنهجة في الإبادة الجماعية عبر تدمير البيوت على رؤوس سكانها وقصف المستشفيات دون أي اعتبار لأخلاقيات الحروب. وقد يتطور هذا التضييق على الحريات إلى قوانين تُجرِّم الرأي المخالف والمعارض للإدارة السياسية في المسألة الفلسطينية، وهو ما يحتاج إلى تعديلات دستورية لصهينة الحريات السياسية والمدنية في الدول الغربية إشباعًا للاحتياجات الإسرائيلية في قضم الأراضي الفلسطينية والتطهير العرقي للسكان الأصليين وإحلال المهاجرين مكانهم في المستوطنات والكيبوتسات.

وهناك أمثلة كثيرة أيضًا على تآكل حرية الاجتماع والتظاهر السلمي للمطالبة بوقف الحرب على غزة كما حصل في الجامعات الأميركية، والفضاء العام بعدد من الدول الغربية. فقد قامت إدارة جامعة كولومبيا الأميركية بتعليق أنشطة جمعية “الصوت اليهودي من أجل السلام”، وجمعية “طلاب من أجل العدالة في فلسطين”، فصل الخريف بكامله؛ إذ رأت أن تنظيم حدث غير مصرح به داخل الحرم الجامعي للمطالبة بوقف إطلاق النار في غزة أفضى إلى خطاب تهديد وترهيب. بينما أكدت الجمعيتان أن تصرفهما كان وفقًا لأخلاقيات واضحة تدين الحرب وتحاول إنقاذ أرواح من خلال الدعوة إلى وقف إطلاق النار.

في ظل هذا الدعم السياسي والعسكري والمالي والقانوني والإعلامي للاحتلال الإسرائيلي وشرعنة سياساته الإجرامية، لاسيما التطهير العرقي والإبادة الجماعية، ضد الشعب الفلسطيني، يبرز السؤال عن الخطر الداهم الذي يمثله هذا الدعم الغربي غير المشروط لإسرائيل، وتأثيره في قوته المعيارية والأخلاقية. 

تدمير النموذج الديمقراطي الغربي

يمثِّل مسار صهينة المجتمع الغربي الخطر الداهم على القوة المعيارية والأخلاقية للدول الغربية، والتي تُجسِّد أُسُس نموذجه الديمقراطي. فلم تعد اليوم حرية الرأي والتعبير مكفولة بقوة القانون، كما أن حق الاجتماع والتظاهر السلمي في المؤسسات الجامعية، أو في الفضاءات العامة، أصبح مخالفًا للقوانين واللوائح التنظيمية. أما التضامن والمطالبة بوقف الحرب على غزة، وإدانة الاضطهاد والجرائم التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني والتنديد بسياسة التطهير العرقي والإبادة الجماعية، فكل ذلك يُعد دعمًا للإرهاب ومعاداة للسامية. لهذا تمثِّل صهينة المجتمع الغربي تهديدًا للديمقراطية الغربية التي تشكَّل نموذجها خلال القرنين الماضيين عبر مسار طويل من التغيير والثورات والتحرر الفكري والإصلاح الديني والسياسي. لذلك، فإن تهشيم وتدمير التراث الفكري والسياسي والحقوقي للقوة المعيارية والأخلاقية للغرب، كما لاحظنا، سينعكس سلبيًّا على منظومة الحكم المؤسسي وفاعليتها. فحركة التاريخ تشير إلى أن السقوط الفكري والأخلاقي والرمزي يستتبعه سقوط الموقع واضمحلال المكانة بين الأمم والشعوب.

إذن، يؤشر هذا الواقع الجديد الناشئ عن صهينة المجتمع الغربي إلى تحول النموذج الديمقراطي الغربي نحو مظاهر السلطوية التنافسية، أو الأنظمة الهجينة، كما حدَّدها الأكاديميان، ستيفن ليفيتسكي (Steven Levitsky)، ولوكان واي (Lucan Way)، في نظريتهما عن السلطوية التنافسية التي تعتبر النظام الهجين واقعًا بين الديمقراطية والاستبداد الشامل، أي نظامًا يجمع بين أدوات الدَّمَقْرَطة ومبادئ الاستبداد.

ويُظهِر هذا النوع من السلطوية الاستبدادية التي تعيشها بعض الدول الغربية اليوم أن القيم الديمقراطية يمكن الدوس عليها بأحذية الشرطة والأمن في الشوارع والساحات، والاستعانة أيضًا بالقانون كلما كان الأمر يتعلق بالدفاع عن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، والسكوت على جرائمه في التطهير العرقي للشعب الفلسطيني وإبادته جماعيًّا. وتبدو الدول الغربية مستعدة للعودة إلى منطق القوة والإكراه والإذعان لسلب الحقوق الطبيعية من الناس، والاستناد إلى الولاء للصهيونية في التضييق على هذه الحقوق من أجل تحقيق المصلحة الإسرائيلية في استمرار احتلال الأراضي الفلسطينية. وهنا، تظهر هذه الدول الغربية أشبه ببعض الأنظمة السلطوية والديكتاتورية في العالم الثالث، التي تُحْكِم قبضتها على المجال العام وتفرِّغ الديمقراطية من قيمها السياسية وتُبقي على إجراءاتها الشكلية. فالديمقراطية تتنافى مع التَّحكُّم السلطوي في القوى المجتمعية، وعزل الإنسان عن محيطه السياسي والاجتماعي والثقافي والتفاعل الإنساني مع القضايا التي تمس إنسانيته. فلا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية مع مظاهر السلطوية التنافسية والاستبداد والتحكم.  

وكانت المستشارة الألمانية السابقة، أنجيلا ميركل، عبَّرت عن مخاوفها من التعامل المتهور مع المنجزات الديمقراطية في سياق المشهد السياسي المحلي. ولاحظت اعتداءات على ثوابت راسخة، مثل حرية الصحافة وإثارة الكراهية بين قطاع من الرأي العام عبر الأكاذيب والمعلومات المُضَلِّلَة، وهو ما يُعرِّض الديمقراطية للهجوم. ويكاد هذا الوضع الذي رصدته ميركل يكون عامًّا اليوم في معظم الدول الغربية التي تشن هجومًا كاسحًا على المكتسبات الديمقراطية من خلال صهينة المجتمع السياسي والمدني الغربي. وهو ما يُشكِّل الخطر الداهم الذي قد يعصف بالنموذج الديمقراطي الغربي بعد تفكيك مرتكزاته الفكرية والسياسية والحقوقية. ليس ذلك فحسب، بل إن سلوك الاحتلال الإسرائيلي، وسياساته الإجرامية في التطهير العرقي والإبادة الجماعية بدعم من الولايات المتحدة الأميركية والعالم الغربي، تمثِّل الخطر الداهم على القانون الدولي الإنساني والشرعة الدولية لحقوق الإنسان؛ إذ ستصبح الآلة العسكرية والقنابل المحرمة دوليًّا والتطهير العرقي والإبادة الجماعية هي الأدوات البديلة لحل النزاعات والصراعات في العالم.

محمد الراجي

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات