1

التيارات الإسلامية والجهادية في دول الساحل الإفريقي: التحولات والسياقات والدور

تتناول الورقة عددًا من الحركات السلفية والجهادية إضافة إلى “الشيعية”، التي لها أهداف سياسية في منطقة الساحل الإفريقي، من خلال عرض رؤاها وممارساتها وتحولاتها مع التطورات المحلية والإقليمية والدولية، لاسيما وقد شهدت هذه الحركات عدة تحولات بسبب عوامل داخلية وأخرى خارجية أثَّرت في ديناميكيات أعمالها وعلاقاتها السياسية الوطنية.


مقدمة

يعتبر الساحل الإفريقي منطقة انتقال بيئي ومناخي وجغرافي حيوي بين الصحراء الكبرى في الشمال والحزام العريض من السافانا الاستوائية الممتد شرقًا وغربًا عبر القارة الإفريقية. هذه الخاصية الجغرافية تمنح دولها ميزة التأثر بتطورات العالَمين الإفريقي في الجنوب والعربي في الشمال، وتجعلها فضاء مهمًّا للعالم الإسلامي. والمقصود بدول الساحل الإفريقي في هذه الورقة هي: بوركينا فاسو والكاميرون وتشاد وغامبيا والسنغال وغينيا ومالي والنيجر ونيجيريا، وهي دول شهدت في السنوات الأخيرات تحولات عديدة فيما يتعلق بالتيارات الإسلامية وتصاعد أنشطة الحركات الجهادية التي تعدت الخطوط المحلية إلى التأثير في المسارات الوطنية والإقليمية.

وفي الوقت الذي تنص فيه معظم الدساتير الوطنية التي نتجت عن مساعي “العلمنة” وتطبيق الفيدرالية من قبل الأنظمة العسكرية في معظم دول الساحل وتحد من قدرة الحركات الإسلامية في خوض الممارسات السياسية وفقًا للقوانين الوطنية؛ فإن معظم الحركات الإسلامية الفاعلة في دول الساحل الإفريقي تتفق في أهدافها السياسية المتمثلة في إقامة “الدولة الإسلامية” و”تطبيق الشريعة الإسلامية”، لكنها تختلف في كيفية تحقيق ذلك ما بين الإبقاء على نمط الدولة الحديثة، أو السعي وراء الانفصال من الدولة الحديثة وتفكيكها ولو بقوة لتشكيل دولة جديدة أو كيان قومي قائم على توجهاتها الإسلامية.

أثبتت تطورات السنوات الماضية بدول الساحل الإفريقي أن للفاعلين الإسلاميين الأساسيين في المشهد السياسي المحلي والإقليمي أدوارًا بارزة؛ إذ في حين أسهم بعضهم -وخاصة الجهاديين- في إعادة تشكيل القوى السياسية المحلية والإقليمية، فقد شارك آخرون -وخاصة الصوفيين و”سلفيين” موصوفين بـ “الوسطية” أو “السلمية”- في الحوارات الوطنية للتعايش بين التيارات الإسلامية والديانات الأخرى، ونظموا حملات الدفاع عن الإسلام وعارضوا القوانين الأسرية التي رأوا أنها مخالفة للشريعة الإسلامية أو تمكِّن علمانية الدولة.

تتناول الورقة عددًا من الحركات السلفية والجهادية والشيعية التي لها أهداف سياسية في منطقة الساحل، من خلال عرض رؤاها وممارساتها وتحولاتها مع التطورات المحلية والإقليمية والدولية، لاسيما أن هذه الحركات شهدت عدة تحولات بسبب عوامل داخلية وأخرى خارجية أثَّرت في ديناميكيات أعمالها وعلاقاتها السياسية الوطنية.

1. جماعة إزالة البدعة وإقامة السُّنَّة

تضم الحركة أكبر عدد من التجمعات السلفية في شمال نيجيريا ومناطق إقامة إثنيات الهوسا والفلاني في دول تشاد وغانا والنيجر والكاميرون. وفي حين لا يوجد تعداد رسمي لعدد أعضائها، فقد كشفت الجماعة أن لديها داخل نيجيريا وحدها أكثر من 100 ألف مسجد ومركز تعليمي. تأسست في مدينة جوس، عام 1978، بقيادة الشيخ إسماعيل إدريس مع تبني تعاليم الشيخ أبو بكر غومي -الشخصية السلفية البارزة في شمال نيجيريا والمقربة من الرئيس النيجيري السابق، شيهو شاغاري، وهو ناقد لأئمة الصوفية المحليين. اهتم الشيخ غومي -منظِّر الحركة- بالقضايا المحلية وخاصة التطورات السياسية؛ إذ تشمل أجندات الجماعة القضاء على الممارسات “غير الإسلامية” وتطبيق الشريعة في شمال نيجيريا وحظر أي معتقدات دينية غير مستمدة من القرآن والسنة(1). تربط جماعة إزالة البدعة وإقامة السنَّة خصومها المحليين أتباع الطريقتين، القادرية والتيجانية، بالنخب الشمالية؛ حيث تمتعت الطريقتان بعلاقات وثيقة مع الدوائر السياسية المؤثرة نتيجة قدم وجودهما واحتوائهما من قبل القوة الكولونيالية، التي سهَّلت لهما السيطرة والحكم لضمان الاستقرار وسهولة التحكم في السلطنة وإمارات شمال نيجيريا، وهو ما أثار الاستياء لدى عدد من السكان المحليين الذين اعتبروا الحكام المحليين “خونة” وأداة بيد الاستعمار. بالتالي كانت فكرة الجماعة محاربة الصوفيين ليست فقط لتحقيق هدف ديني، بل لتحقيق مصالح سياسية أخرى على نمط جهاد عثمان بن فوديو الذي تمكن من خلاله إنشاء دولة إسلامية جديدة (أو إمبراطورية الفولاني) فيما يعرف الآن بشمال نيجيريا(2).

الدور: تكمن الأدوار السياسية لهذه الجماعة في علاقة مؤسسَيْها بالتطورات السياسية الوطنية في نيجيريا، حيث هناك من الباحثين من يرى أن اغتيال الحاج أحمدو بلو -سَرْدَوْنَا سوكوتو وكبير داعمي الإسلام في الأوساط السياسية النيجيرية- في عام 1966 أثَّر سلبيًّا في مكانة الشيخ غومي السياسية كأكبر قضاة نيجيريا (بين عامي 1962 و1975)، وأن ذلك أدى إلى تحول الشيخ غومي من مواجهة القادة والمثقفين إلى تركيز جهوده على انتقاد الصوفيين الذين يستقطبون الدعم السياسي المحلي(3).

لعبت جماعة إزالة البدعة وإقامة السنَّة دورًا بارزًا في تهيئة المجتمع الشمالي وتكثيف الحملات التي عززت من نجاح مساعي تطبيق الشريعة الإسلامية في ولايات شمال نيجيريا، خاصة أن نشأة الجماعة تزامنت مع الأجواء السياسية المضطربة بين عامي 1979 و1983، عندما كانت نيجيريا تحاول الانتقال من النظام العسكري إلى الجمهورية الثانية (من عام 1979 إلى 1983) عبر الدستور الجديد لعام 1979. كانت حينها أحد أهم قضايا ذلك الدستور مسألة إنشاء محكمة الاستئناف الشرعية الفيدرالية (Federal Sharīʿa Court of Appeal)، لأن الدستور الجديد لم يشمل إنشاء تلك المحكمة الشرعية التي طالب بها الشماليون، لكنه سمح في النهاية “لأي ولاية” في الاتحاد أن تطلب إنشاء محكمة استئناف شرعية خاصة بها. وكانت أولى الولايات الشمالية التي تطبق الشريعة هي زمفارا، في يناير/كانون الثاني 2000، تحقيقًا لتعهدات حاكم الولاية، أحمد ساني يريما، وكان وعد بها خلال حملته الانتخابية لعام 1999. تبعه في ذلك حكام ولايات شمالية أخرى ما شكَّل نقطة تحول رئيسية لنيجيريا بشكل عام ولسكان شمالها بشكل خاص، فقد لاقى هذا التطور ترحيبًا حارًّا من قبل أتباع جماعة إزالة البدعة وإقامة السنَّة، ومن حركات سلفية محلية أخرى تدعو إلى إدخال القوانين الشرعية في القوانين النيجيرية(4).

ويُعزَى إلى جماعة إزالة البدعة وإقامة السنة في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي الفضل في تعزيز العلاقات السوسيوسياسية العابرة للحدود، وانتشار الشعور بأن مجتمعات دول نيجيريا وتشاد وغانا والنيجر والكاميرون جزء من نفس الفضاء الثقافي الإسلامي، كما نجحت من خلال مشروعها الإصلاحي الذي تبلور في أواخر السبعينات في نشر ثقافة الاحتجاج والنقاش العقائدي والفكري السلفي. وللجماعة أيضًا علاقات متينة على مرِّ العقود مع مؤسسات دول عربية عديدة، مثل المملكة العربية السعودية ومصر والسودان، كما أن لرابطة العالم الإسلامي تأثيرًا ملحوظًا على الجماعة(5).

تحولات الجماعة: واجهت هذه الجماعة ضغوطات من النخبة السياسية، وانشق عنها بعض مشايخها وشبابها وخرجت منها مجموعات فضَّلت استخدام أساليب متطرفة في تحقيق هدفها المتمثل في “تطهير” الإسلام، مثل حركة “مايتاتسين” (Maitatsine) التي أسسها الكاميروني السلفي، محمد مروة. وقد حُظِرت الأنشطة السياسية لجماعة إزالة البدعة وإقامة السنَّة، في ديسمبر/كانون الأول 1983، بعد الانقلاب العسكري الذي جاء بالجنرال محمد بخاري (الرئيس المنتخب بين 2015 و2023) إلى السلطة النيجيرية، واتهِم بعض مانحيها ومموليها بالفساد مع سلسلة اعتقالات لأعضائها بتُهمة إثارة الشغب والانقسام بين مسلمي نيجيريا وأصحاب المعتقدات الأخرى(6).

تغيرت توجهات جماعة إزالة البدعة وإقامة السنَّة في أوائل التسعينات بعد عودة أعضائها الشباب من المملكة العربية السعودية؛ حيث ربطوا أنشطة الجماعة بالحركة السلفية العالمية عبر مشاركتهم في القضايا الإسلامية العالمية، لتتحول من الراديكالية المحلية إلى شكل من أشكال السلفية الإفريقية المتأثرة بالوهابية. ولهذا التحول أيضًا دوره في التسبب بانشقاقات داخل الجماعة وبين الشباب والمشايخ المحليين الذين رفضوا هذا النهج، وتزايد نفوذ الشباب الجدد -مثل الشيخ آدم جعفر- في الجماعة، إلى جانب الانتشار الواسع لفكرة تطبيق الشريعة الإسلامية في عام 1999 في بعض ولايات شمال نيجيريا. راجعت الجماعة أفكارها ومواقفها السياسية وتحالفت مع الطريقتين، التيجانية والقادرية، خاصة بعد ظهور جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد (بوكو حرام) في عام 2002 التي أسسها محمد يوسف، تلميذ الشيخ جعفر. وحذَّر مشايخ الجماعة من طموحات بوكو حرام السياسية في نيجيريا وعبروا مرارًا عن رفضهم للفكر “الجهادي” وسعوا إلى تكوين هوية جديدة لجماعتهم من خلال دعم السلطات المحلية والحكومة الفيدرالية في مواجهة الأفكار الجهادية ومكافحة صعود الحركة الإسلامية الشيعية، إضافة إلى دعوة أتباعهم للتصويت للسياسيين المفضلين لديهم وفق مصالحهم الدينية في جميع الانتخابات منذ عام 2011(7).

المستقبل: تعد جماعة إزالة البدعة وإقامة السنَّة من القوى الإسلامية المستقرة في الساحل، فقد نجت من كل الانقسامات والتقلبات المرتبطة بمواقفها السياسية، ورغم وجهات نظر أعضائها الناقدة للنظام السياسي ودعوتهم المستمرة للإصلاح، إلا أنهم يدعمون اليوم شرعية الدولة النيجيرية ويعتبرون المشاركة السياسية ضمن الضروريات التي يجب على المسلم القيام بها. وإلى جانب توسعها في مناطق جديدة خارج نيجيريا والنيجر وتشاد وغانا التي أسهمت في تغييرها الاجتماعي والفكري الإسلامي، فقد اكتسبت في السنوات الأخيرة اعتراف الدولة النيجيرية حيث يُعين بعض أعضائها في مناصب مهمة في الولايات الشمالية النيجيرية، ويدرس عدد من مشايخها في الجامعات الحكومية، بالإضافة إلى تحذير الجماعة المتكرر من أفكار “بوكو حرام” ودعمها جهود الجيش النيجيري ضد “الإرهاب” في شمال شرق البلاد.

2. جماعة أهل السنَّة للدعوة والجهاد (بوكو حرام)

حركة “جهادية” مسلحة قُدِّر عدد مقاتليها في عام 2015 بين 15 ألفًا و20 ألف مقاتل. تأسست عام 2002 على يد الشيخ محمد يوسف الذي كان عضوًا في جماعة “إزالة البدعة وإقامة السنَّة” السلفية. تسعى الحركة إلى الإطاحة بالحكومة النيجيرية واستبدال نظام قائم على تطبيق الشريعة الإسلامية بها، كما تتحدى عبر أنشطتها القيم الغربية في منطقة بحيرة تشاد (التي تشمل نيجيريا وتشاد والنيجر والكاميرون)، وترفض علمانية الدولة وتؤكد في خطابها على فساد “الديمقراطية” التي تتبناها النخبة الحاكمة والتي لم تأت بنتائج تنموية مرضية للمجتمعات المحلية. لعبت الحركة دورًا بارزًا في السياسة النيجيرية منذ عام 2011، فقد عارضت بشدة حكومة الرئيس السابق، غودلاك جوناثان، وهو مسيحي الديانة، وكشفت الضعف في إدارته بعد أن تزايدت أنشطتها العنيفة وسيطرتها على مناطق شاسعة في الشمال، واختطاف طالبات مدارس ما أضعف ثقة النيجيريين بإدارته. ويقترن مع المظالم المحلية التي عززت انتشار الحركة استهدافها المجتمعات المسيحية الشمالية وموقفها من الاستعمار والتدخل الغربي في المنطقة واتهامها لهما بأنهما يروجان للقيم الغربية التي تتعارض مع الإسلام. ورغم أن الحركة تطلق على نفسها “جماعة أهل السنَّة للدعوة والجهاد” إلا أن إطلاق السكان المحليين عليها اسم “بوكو حرام” (أي إن “التعليم الغربي حرام”) يجسد موقفها المعارض للمدارس الحديثة سيئة التأثير والكتب الغربية “المحرمة”(8).

الدور: يمكن فهم أدوار هذه الجماعة من خلال حقيقة أن مؤسسها منشق عن جماعة إزالة البدعة وإقامة السنَّة، وأن سوء الإدارة في بحيرة تشاد وغياب المرافق والمشاريع التنموية الأساسية التي زادت في الفجوات الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء من العوامل السياسية التي أدت إلى ظهورها. وهناك من يدَّعي أن الجماعة من صنع سياسيين بشمال نيجيريا الذين وفروا لها الدعم في بداياتها واستغلوها لترهيب المعارضين وتعزيز أهدافهم السياسية على المستوى الفيدرالي، بما في ذلك معارضة الحكومة الفيدرالية التي كان يقودها الرئيس، غودلاك جوناثان(9). وفي نيجيريا، عززت هجمات بوكو حرام المتصاعدة وأنشطة فصيلها المنشق عنها (تنظيم الدولة الإسلامية-ولاية غرب إفريقيا) الشعور العام بأن الدولة تتعرض لهجمات تشنها جهات فاعلة غير حكومية، وخاصة بعدما استولت الجماعة، في عام 2014 وأوائل عام 2015، على الأراضي الشاسعة التي تضم 20 منطقة حكومية محلية. ورغم أن الحكومة النيجيرية تمكنت من استعادة 17 حكومة محلية كانت قد استولت عليها الحركة، ورغم اختفاء الخطابات المتعاطفة مع الجماعة في الأوساط السياسية، إلا أنها وسَّعت من الهوة العدائية بين المسلمين والمسيحيين وزادت من الاتهامات بين الأقاليم الشمالية والجنوبية(10).

ومن حيث علاقات بوكو حرام مع غيرها؛ فهي تعتبر التيارات الإسلامية الأخرى خارجة عن الملة، كما تقوم علاقاتها البينية والإقليمية والدولية مع الحركات “الجهادية” الأخرى على المصالح والأهداف التي تحاول تحقيقها. وهناك عامل مرتبط بالخسائر التي تكبدتها الجماعة نتيجة العمليات العسكرية المكثفة من قبل القوات النيجيرية والتشادية والنيجرية، والتي أجبرت زعيمها، أبو بكر شيكاو، على إقامة علاقة مع جماعة أنصار المسلمين في بلاد السودان (أو جماعة أَنْصَارُو باختصار) لتقوية مكانة بوكو حرام في بحيرة تشاد وللاستعانة بخبرات مقاتلي “أنصارو” الذين نشطوا في عام 2005 في الجزائر وصحراء أزواد مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. بل أدت كثرة الانشقاقات وتراجع نفوذ الحركة، ولتأكيد سيطرتها الإقليمية إلى لجوء شيكاو، في عام 2015، إلى إعلان الولاء لخليفة داعش-أبو بكر البغدادي، ولكن غادر شيكاو لاحقًا التحالف مع تنظيم الدولة الإسلامية ليظهر فصيل جديد مستقل عن شيكاو ومناوئ له باسم “تنظيم الدولة الإسلامية ولاية غرب إفريقيا”(11).  

تحولات الجماعة: بدأت الجماعة جمعية دعوية محلية مسالمة كانت تقدم الخدمات الاجتماعية والمساعدات المالية للأسر الفقيرة. في عام 2003، أطلق أعضاء بوكو حرام الأوائل على أنفسهم اسم “طالبان” رغم عدم وجود علاقة عملياتية لهم بأفغانستان، وهو ما يؤكد تأثرهم بما يجري في العالم الإسلامي وخاصة أنهم تابعوا أيضًا تطورات جبهات قتالية “جهادية” أخرى مثل الصومال. تحولت بوكو حرام إلى “حركة جهادية” بعد سلسلة أحداث عنيفة من قبل القوات الأمنية النيجيرية، بما في ذلك اغتيال مؤسس الجماعة، محمد يوسف، على أيد الشرطة دون محاكمة. ووقع التغيير الرئيسي في الجماعة، في عام 2011، عندما لجأت إلى “العمليات الانتحارية” على نمط “الحركات الجهادية” لتشكل نقطة جديدة في نيجيريا التي لم تعرف سابقًا استخدام أي هجمات “انتحارية”. وتوافق هذا التحول من السلم إلى العنف مع موقف بوكو حرام الأساسي، بأنه قد استولت على السياسة الشمالية في نيجيريا والمناطق المجاورة مجموعة من المسلمين الفاسدين والزائفين وأنه يجب تأخير الجهاد حتى تصبح الجماعة قوية بما يكفي للإطاحة بحكومات المناطق التي تشمل شمال نيجيريا وتشاد والنيجر وشمال الكاميرون(12).

ويضاف إلى ما سبق أن بوكو حرام في مرحلة تحولها للعنف تبنَّت أساليب التمدد المكاني والتحرك الإستراتيجي ضد المجتمعات المسيحية لزعزعة استقرار الحكومة النيجيرية وجذب انتباه جمهور وطني أوسع، ولتثير مخاوف السياسيين الجنوبيين بإكراه المختطفين على اعتناق الإسلام والتهديد بتطبيق الشريعة والترميز إلى جهاد عثمان دان فوديو. هذا أثَّر في العلاقة بين أقاليم الشمال ذات الأغلبية المسلمة وأقاليم الجنوب التي توجد بها أعداد كبيرة للمسلمين والمسيحيين، وتفاقمت هذه العلاقة بعدما اعتمدت ولايات شمالية تطبيق الشريعة الإسلامية. فقدت الجماعة بعد تبني العنف التعاطف الذي كان تحظى به من قِبل بعض السياسيين في شمال شرق نيجيريا. كما أن قرار أبي بكر البغدادي باستبدال أبي مصعب البرناوي -نجل مؤسس بوكو حرام- بشيكاو، والذي رفضه شيكاو، انتهى بظهور غريمه “تنظيم الدولة الإسلامية-ولاية غرب إفريقيا” بقيادة البرناوي. وما زالت بوكو حرام وتنظيم الدولة الإسلامية-ولاية غرب إفريقيا يتنافسان على الموارد والنفوذ والسيطرة في شمال شرق نيجيريا وتشاد والنيجر وشمال الكاميرون ومالي وتخوضان حروبًا أدت إلى مقتل شيكاو، في مايو/أيار من عام 2021، وغيره من قيادات الحركتين ومقاتليهما(13).

المستقبل: تؤكد جميع المؤشرات على عدم وجود مستقبل سياسي لهذه الجماعة رغم تعاون بعض مقاتليها السابقين مع الحكومة النيجيرية وتواصلهم مع القوات الأمنية لوضع أطر شاملة لمواجهة الجماعة. وتقلِّل من الفرص المتاحة للجماعة جميع الجهود الاجتماعية والعسكرية التي تكافح أنشطتها محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا، والتي أثرت في تراجع نفوذها منذ عام 2015 ومكَّنت الحكومة النيجيرية من استعادة الأراضي التي سيطرت عليها الجماعة مما دفع مقاتليها إلى مناطق أكثر هامشية والتعاون مع مجموعات مسلحة أخرى صغيرة. وهناك تهديد آخر تواجهه بوكو حرام كامن في فصيلها المنشق، تنظيم الدولة الإسلامية-ولاية غرب إفريقيا، والذي ينافسها على المناطق والموارد. كما فقدت الجماعة أعدادًا كبيرة من قياداتها بين عامي 2020 و2022 مما أضعفها تقنيًّا وتكتيكيًّا وأجبر مقاتليها على الانضمام لتنظيم الدولة الإسلامية-ولاية غرب إفريقيا.

3. الحركة الإسلامية في نيجيريا

حركة “إسلامية” حاضنتها شيعية ويقدر عدد الشيعة في نيجيريا بالملايين ويعتبرون أقلية. تأسست الحركة على يد الشيخ إبراهيم الزكزاكي في سبعينات القرن الماضي عندما كان طالبًا في جامعة أحمدو بيلو بمدينة زاريا شمال غرب نيجيريا، وكان عضوًا بارزًا في “جمعية الطلاب المسلمين في نيجيريا” (Muslim Students Society of Nigeria). توجه الزكزاكي لاحقًا إلى “إيقاظ” الطلاب المسلمين من “غيبوبة” رأى فيها “هدوءًا” مفرطًا للمسلمين وإهمالًا بالغًا منهم للسياسة خاصة من قبل “جمعية الطلاب المسلمين” التي لا تدعو بالضرورة إلى هدم الدولة النيجيرية أو إسقاط حكامها. واتسمت الحركة الإسلامية في نيجيريا في بداياتها بتصريحات وأنشطة مبنية على فكرة “الإسلام فقط” سواء من ناحية الممارسة الاجتماعية أو السياسية، وواجهت معارضات مختلفة بعد إعلانها عام 1979 الذي قدمه مؤسسها الزكزاكي وانتقد فيه الأصول الاستعمارية للدولة النيجيرية، واتهمها بالظلم تجاه المسلمين واصفًا إياها بـ”الطاغوت” الذي أمر الله المسلمين بعدم إطاعته، إضافة إلى اتهامه مسلمي نيجيريا بالامتثال للقوانين التي وضعها الإنسان، والمشاركة الطوعية في الانتخابات الديمقراطية، مُعْلِنًا التمرد على دستور نيجيريا وقوانينها وقادتها(14).

الدور: تمكنت الحركة في العقدين الماضيين من فرض نفسها قوةً اجتماعية ودينية؛ حيث أسهم في تعزيز نفوذها تبني الشيخ الزكزاكي -مؤسس الحركة- أيديولوجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية(15) وانتقاده الصريح للنخب السياسية الشمالية. هذا النفوذ وقوة أنشطة الجماعة أثارا مخاوف الدولة النيجيرية من أن الزكزاكي يدير حكومة محلية موازية داخل ولاية كادونا؛ مما قد يسهل تحقيق “الانتفاضة” التي يُتهم الزكزاكي بالتخطيط لها منذ سنوات، وبالتالي تحويل نيجيريا إلى “دولة إسلامية” كاملة على النمط الإيراني. سُجن الزكزاكي مرارًا في الثمانينات والتسعينات واكتسب شهرة “بوصفه” المدافع عن مصالح الفقراء والمظلومين بسبب خطاباته الداعية للثورة والمنتشرة في المدن والأحياء الفقيرة عبر أشرطة الكاسيت، مع استخدامه المتكرر لكلمات مثل “العصيان المدني” و”النشوز” عن الأنظمة المدنية والعسكرية(16). وفي حين أن هناك مزاعم بأن الشيعة، بدعم من الزكزاكي، كانوا مسؤولين عن أعمال العنف التي وقعت في تسعينات القرن الماضي في ولاية كاتسينا (ينحدر منها الرئيس النيجيري السابق، محمد بخاري)، فقد تصاعدت التوترات بين أعضاء الحركة والتيارين، الصوفي والسلفي، من جانب، وبينها والقوات الأمنية من جانب آخر؛ الأمر الذي أدى إلى مواجهات عنيفة، مثل ما وقع بين عامي 2015 و2018 وأدى إلى حظر أنشطة الحركة واعتقال مؤسسها الزكزاكي وأعضاء آخرين من حركته(17).

تحولات: استلهم الشيخ الزكزاكي الذي وُلد سُنيًّا أفكار الحركة من الثورة الإيرانية؛ حيث أسسها في فترة لم يكن هناك سوى عدد قليل من الشيعة في نيجيريا، ليصبح العدد اليوم بضعة ملايين من الشيعة نتيجة أنشطته التشييعية. وقد واجه صعوبات في التعامل مع زملائه وأصدقائه السابقين من جمعية الطلاب المسلمين في نيجيريا الذين أصبحوا سياسيين بارزين وحُكام ولايات شمالية واعتبروه شخصية خطيرة منذ إعلانه التمرد على الدولة النيجيرية، في عام 1979، والذي حمل في طياته علاقة حميمية أكثر جرأة وانفتاحًا مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ورغم تبني الحركة الشيعية إستراتيجيات متعددة لتفادي الصدام مع المؤسسة السياسية والدينية الشمالية السنِّيَّة، إلا أنه في أبريل/نيسان 2018، وجهت حكومة ولاية كادونا الشمالية ثماني تهم ضد الزكزاكي وزوجته وآخرين وشملت الاتهامات قتل جندي والتحريض على التجمع غير القانوني لأعضاء الحركة والتحريض على الاضطرابات من خلال تشجيع أعضائها على إغلاق الطرق الرئيسية(18).

مستقبل: إن المستقبل السياسي لهذه الحركة قاتم نتيجة الضغوطات السياسية التي تواجهها على المستوى المحلي والوطني، ولمخاوف الدولة النيجيرية من فكرها “الثوري الإيراني” وإمكانية تحولها إلى “حركة عنيفة”. وهناك تحديات أخرى متمثلة في أنشطة التيارات الإسلامية الأخرى -وخاصة السلفية والصوفية- التي تنافسها على النفوذ السياسي والموارد المادية والبشرية، ولكون الكثيرين ينظرون إلى الصوفية والسلفية الإفريقية كحركات تقليدية “سلمية” تتناسب مع القيم الإفريقية أو الرؤى الوطنية. إن وضع الحركة الإسلامية ضمن الحركة الإسلامية التقليدية، هو بالنظر إلى “إسلاميتها المعلنة” وتصنيفها المحلي والإقليمي، لكنها من حيث الولاء والأيديولوجية تنتمي إلى لون مختلف منها، مركزه إيران.

4. جماعة عباد الرحمن

تأسست عام 1978 بهدف “إقامة مجتمع إسلامي حقيقي” في السنغال، ووجهت أنشطتها وأجنداتها من أجل أسلمة المجتمع دون استهداف التصوف الذي كان التيار التقليدي المهيمن في البلاد. تجمع الحركة التوجهات الصوفية ومنهج جماعة الإخوان المسلمين المتعلق بالممارسات السياسية والنزعة السلفية في تناول بعض الأمور أو معالجة القضايا، إلى جانب استفادتها من تجارب جماعة التبليغ الدعوية. نفت الجماعة مرارًا وصفها بحركة صوفية أو اعتبارها فرعًا دوليًّا لتنظيم الإخوان المسلمين أو تصنيفها كحركة سلفية بمفهومها الراهن(19). تعد الجماعة من الحركات الإسلامية التي أثارت نقاشات كثيرة في السنغال؛ فقد رفضت فكرة علمانية الدولة السنغالية وقدمت بدائل متمثلة في تركيز جهودها على تربية أجيال جديدة وفق رؤاها لإقامة مجتمع مسلم يطبق الشريعة الإسلامية(20). هذا إلى جانب تبني “فقه الممكن ودراسة الواقع” اللذين يعدان ضمن وثيقة الجماعة وتوجهاتها العامة. وأنشأت الجماعة جناحًا سياسيًّا لإيمانها بضرورة مشاركة المسلم في العملية السياسية لتحقيق مصالحها ولمبدئها الذي يؤمن بشمولية الإسلام. كانت النتيجة أن كان اليوم للجماعة ممثلون سياسيون في بعض البلديات السنغالية(21).

الدور: انخرطت الحركة بشدة في العملية السياسية التي تعتبرها شأنًا اجتماعيًّا ضروريًّا، ولكن هذا الانخراط أثَّر على تماسكها ووحدتها وأدى إلى خروج أعضاء منها؛ ما دفع الحركة إلى إنشاء جناحين مختلفين، جناح دعوي للدعاة وجناح سياسي للعمل السياسي. بداية، انحصرت الممارسة السياسية للجماعة في إصدار بيانات عند كل تطور سياسي ووطني أو عقد مؤتمر صحفي أو تأييد مرشح معين ترى الحركة فيه تحقيقًا لمصلحتها وتعزيزًا لأنشطتها(22). لكن في عام 1986، تبنَّت الحركة إستراتيجية عقد تحالفات سياسية ومن ثم انتقلت، منذ عام 2009، إلى المشاركة المباشرة في الانتخابات المحلية. على سبيل المثال: أعلنت الحركة دعمها للرئيس السنغالي، ماكي سال، في الانتخابات الرئاسية لعام 2012، وطالبت الحكومة السنغالية بالمشاركة في المناقشات مع حركة القوى الديمقراطية في كازامانس الانفصالية للتخفيف من تزايد أعمال العنف في منطقة كازامانس. بل وتعدى اهتمام الجماعة إلى قضايا سياسية في دول الجوار مثل طلبها في عام 2017 من يحيى جامع -رئيس غامبيا السابق- احترام خيار الشعب الغامبي الذي أبدى رفضه له لصالح الرئيس، آداما بارو، الذي فاز في الانتخابات داعيةً يحيى -الذي حكم البلاد منذ عام 1994- إلى مغادرة السلطة عبر الانتقال السلمي.

تحولات الجماعة: الجدير بالذكر أن مؤسس جماعة عباد الرحمن وأعضاءها الأوائل كانوا ينتمون إلى جمعية باسم الاتحاد الثقافي الإسلامي التي تضم نخبة مثقفة من دارسي العربية والمهتمين بالشؤون الإسلامية. في عام 1974، بعد مؤتمر الاتحاد الثقافي الإسلامي ظهر تياران مختلفان، أحدهما يميل إلى أن تكون الجمعية وأهدافها شاملة لكل ما له علاقة بحياة المسلم سواء سياسيًّا أو اجتماعيًّا أو دعويًّا، والآخر يصر على بقاء الجمعية مؤسسة دعوية فقط. تمثل التيار الأول في مجموعة كَجُور (وهم شباب عباد الرحمن) الذين قرروا المغادرة بعد صدامات وانتقاد لقرارات قيادة الاتحاد الثقافي الإسلامي (مثل قرار الاحتفال بذكرى مرور سبعين عامًا على ولادة رئيس السنغال، ليوبولد سيدار سينغور، الذي كان مسيحي الديانة، وقرار الترحيب بمكانة أحد شيوخ الطرق الصوفية). في النهاية، فُصلت مجموعة كَجُور من الاتحاد واضطرت إلى تأسيس “عباد الرحمن” بعد فشل محاولاتها للانضمام إلى حركة إسلامية أخرى شبيهة من حيث الأيديولوجية والتوجه(23).

ومنذ تأسيسها في عام 1978، أقامت جماعة عباد الرحمن علاقة بنَّاءة مع الدولة والجماعات الصوفية في محاولة لإنهاء عزلتها دون تجاهل الاهتمام بقضايا العالم الإسلامي. على سبيل المثال، شاركت الجماعة منذ انخراطها في الممارسات السياسية في جهود توجيه طاقة الشباب الذين كانوا يلجؤون إلى العنف ردًّا على نتائج الانتخابات، واستلهمت أفكارها لتحقيق الدولة الإسلامية في الثمانينات من “آية الله الخميني”، بل وأدانت السياسات التوسعية للرئيس العراقي، صدام حسين. كما انتقدت وجود القوات الغربية في شبه الجزيرة العربية خلال حرب الخليج وتعاون دول الخليج مع الولايات المتحدة(24). دخلت جماعة عباد الرحمن ما يمكن وصفها بـ “مرحلة انتقالية” خلال تسعينات القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين بهدف المشاركة في المناقشات السياسية وإقامة شراكة مستقلة مع الدولة، وتعزيز التحول الداخلي التدريجي والجوهري الذي يأخذ في الاعتبار ترسيخ شكل ثقافي وديني معين للمواطنة. رافقت الجماعة السنغاليين في ميولهم الانتخابية على مدى السنوات القليلة الماضية، كما هي الحال عند ترشح الرئيس السابق، عبد الله واد، في انتخابات عام 2000 (حكم السنغال حتى عام 2012)، وما تبع ذلك من فترات تدهور المناخ السياسي التي دفعت قادة الجماعة إلى أخذ الحيطة والحذر نتيجة تنامي السخط الشعبي ضد النخبة السياسية الحاكمة وأدائها، وخاصة بعد مساعي الرئيس واد (في عام 2012) والرئيس الحالي منتهي الولاية، ماكي سال (الذي يحكم السنغال منذ أبريل/نيسان 2012)، لتأمين فترة ولاية رئاسية ثالثة، رغم المعارضة الشرسة لذلك لمخالفته الدستور.

مستقبل: أوجدت الجماعة لنفسها نموذجًا خاصًّا يمكِّنها من التكيف مع الوضع السياسي والتطورات الجديدة، ويؤشر موقفها من المشاركة السياسية بعد مخرجات مؤتمرها، في يناير/كانون الثاني 2012، ودعمها للرئيس ماكي سال، في رئاسيات 2012، ورفضها مساعي الرئيس عبد الله واد؛ على أن مستقبلها السياسي مستقر ويمكن أن يزدهر حتى وإن كان مرتبطًا أيضًا بمدى مناورة الجماعة للأزمات السياسية المتعلقة برئاسيات 2024، إضافة إلى مدى نجاح مرشح الجماعة الرئاسي المفضل في الانتخابات القادمة وتحسن أعضائها في انتخابات البلديات والبرلمان.

3. حركة أنصار الإسلام

حركة “جهادية” مسلحة قُدِّر عدد مقاتليها النشطين في عام 2019 بما لا يزيد عن بضع مئات من المقاتلين مع امتلاكها لشبكة من المخبرين والداعمين اللوجستيين بين قريتي بولكيسي وإنداكي في مقاطعة سوم. وهناك لهذه الحركة صلات مع تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية في منطقة الساحل، وتنشط في المقاطعات الشمالية من بوركينا فاسو. تأسست حركة أنصار الإسلام بيد إبراهيم ديكو، الجهادي المنتمي إلى إثنية الفلاني واستمر قائدًا لها حتى وفاته في عام 2017. عُرِف بوجود الحركة في ديسمبر/كانون الأول من عام 2016، بعد تبني مسؤوليتها عن هجوم في ناسومبو (بوركينا فاسو). ويؤشر على أهدافها السياسية، التكوين الإثني لمقاتليها الذين كانوا في معظمهم فلانيين، فقد سعى إبراهيم ديكو إلى تسخير الحركة للقتال دفاعًا عن مصالح إثنيته التي تعد من الإثنيات التي تشكو التهميش في منطقة نشاط الحركة. والجدير بالذكر أن ديكو كان من الفلانيين المرتبطين بـ”حركة أنصار الدين” الجهادية وقيادات “كتيبة تحرير ماسينا” و”كتيبة المنصور آغ القاسم”. وتشن حركته حركة أنصار الإسلام هجماتها عبر شمال وشرق بوركينا فاسو وعبر الحدود مع مالي والنيجر، وتولى شقيق المؤسس -جعفر ديكو- زعامتها بعد وفاته(25).

الدور: ينتمي معظم مقاتلي الحركة إلى إثنية الفلاني بمناطق ريفية شمال بوركينا فاسو، وتحظى بدعم من كتيبة ماسينا (إحدى الجماعات التي شكلت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) والتي تسعى إلى إعادة خلافة ماسينا، الدولة الإسلامية التي أقامها الفلانيون في أوائل القرن التاسع عشر وتركزت في المنطقة المعروفة اليوم بـ “موبتي” و”سيغو” في مالي. وتشكو مجتمعات الأقلية الإثنية التي تشمل الفلانيين من مضايقات واستهداف وعقاب جماعي، فقد كان معظمهم مسلمين ويعملون تقليديًّا في مجال رعي الماشية، وغالبًا ما يُتهمون بالتواطؤ مع المسلحين. وقد “أفادت” تقارير حقوقية وصحفية عن عمليات “قتل” خارج نطاق القضاء و”تعذيب” على أيدي قوات أمن الدولة والميليشيات المعروفة باسم ” koglweogos” (أو حراس الأدغال) والمقاتلين “المتطوعين” الذين تجندهم الدولة؛ الأمر الذي يدفع بعض هذه المجتمعات إلى اللجوء إلى الجماعات الجهادية طلبًا للحماية والانتقام(26).

تتقاطع أهداف حركة أنصار الإسلام مع مساعي الجهاديين في مالي الذين هددوا منذ فترة طويلة بمهاجمة دول مجاورة مثل بوركينا فاسو، لمساهمة الأخيرة بقوات في مهمة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في مالي. تفاقم الوضع البوركينابي بعد الإطاحة بالرئيس بليز كومباوري، في عام 2014، وعقب قرار حل حرسه الرئاسي النخبوي، بعد محاولة الانقلاب في عام 2015، حيث أدت هذه التطورات إلى تعطيل الجهاز الأمني الذي رغم قلة خبراته القتالية تمكن من الحفاظ على نسبة من الاستقرار. إن أنشطة حركة أنصار الإسلام وحلفائها “الجهاديين” وما نتج عنها من تداعيات أمنية وفقدان دولة بوركينا فاسو التحكم في مناطق كبيرة، كلها أدت إلى الانقلاب ضد روش مارك كريستيان كابوري، الذي شغل منصب رئيس بوركينا فاسو من عام 2015 حتى الإطاحة به في عام 2022. بل وأسهمت الحركة في انقلاب مضاد، في 30 سبتمبر/أيلول 2022، ضد الجنرال والرئيس المؤقت، بول هنري سانداوغو داميبا، بالإضافة إلى عدة محاولات انقلابية منذ ذلك الحين للإطاحة بحكومة النقيب إبراهيم تراوري، رئيس الفترة الانتقالية(27). وبهذا لم تكن أدوار حركة أنصار الإسلام فقط في إسقاط الإدارات السياسية السابقة وزعزعة الاستقرار هي التي أتت بالأنظمة العسكرية بل أيضًا في توفير البديل لبعض البوركينابيين المستائين من النظام السياسي القائم؛ حيث تمكنت من الفوز بالدعم المحلي الكبير والتعبئة من إثنيات مختلفة نتيجة إدانتها للمظالم الاجتماعية والطبقية وانتقادها لزعماء الإسلام المحليين الذين يتقاضون مبالغ مالية كبيرة لإجراء الزيجات وطقوس أخرى، إلى جانب رفضها عدم المساواة بين إثنيتي الفلاني والريميبي (أو أحفاد الذين استعبدتهم إثنية الفلاني).

تحولات: ترتبط التحولات السياسية التي طرأت على حركة أنصار الإسلام بتوجهات ومسارات وتحولات مؤسسها، مالام إبراهيم ديكو-الداعية البوركينابي من مقاطعة سوم الشمالية، الذي شارك مع غيره في القتال مع الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة في مالي، وعاد إلى بوركينا فاسو مُحولًا منظمته الخيرية إلى جماعة مسلحة. أطلق ديكو “تمرده الأول”، في ديسمبر/كانون الأول 2016، ردًّا على عمليات قوات الأمن في مسقط رأسه، واتضح من خلال هجمات حركته ومهارات مقاتليه التنظيمية أنه استفاد كثيرًا من مشاركته في أزمة مالي. وقد خَلَفه أخوه بعد وفاته؛ ما أعطى الحركة استمرارية من حيث التنظيم والأنشطة، في ظل تدهور الظروف الاجتماعية والاقتصادية والإدارية في شمال بوركينا فاسو، واستطاعت الحركة أن تجذب إليها السكان من إثنية الفلاني التي تعد أقلية في بوركينا فاسو، وأغلبية في مقاطعة سوم والمناطق الشمالية الأخرى(28).

المستقبل: لا يمكن الجزم بمستقبل هذه الجماعة سياسيًّا لأن ذلك مرتبط بمدى تكيفها مع التطورات السياسية الجديدة ومستوى فرض نفسها حركةً فاعلة على الحكومات الانتقالية والمجالس العسكرية في بوركينا فاسو ومالي والنيجر التي وقعت فيها الانقلابات العسكرية منذ عام 2020. وقد يندثر نفوذ الحركة وأهميتها السياسية نتيجة الحملات العسكرية ضدها وغيرها من جيوش الدول الثلاث، كما أنها قد تضطر إلى التحالف مع حركات جهادية أخرى على الجانب الآخر من الحدود، لوجود تداخل إثني بين بوركينا فاسو وجيرانها الذين تفصلهم عنها الحدود.

6. جماعة نصرة الإسلام والمسلمين

حركة “جهادية” متركزة في مالي وتنشط أيضًا في الجزائر والنيجر وليبيا وموريتانيا وتونس وتشاد وبوركينا فاسو. تأسست عام 2017 عبر تحالف الجماعات “الجهادية” الموالية لتنظيم القاعدة، وهي: جماعة أنصار الدين (التي تكونت قاعدتها الرئيسية من قبائل الإيفوغاس الطوارقية وسيطرت على مدينة تمبكتو، عام 2012، ما أدى إلى مهمة سيرفال الفرنسية)، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي (الذي بدأ عملياته في عام 2007 بهدف الإطاحة بالحكومة الجزائرية وإقامة دولة إسلامية ويشارك منذ هذا الوقت في الحملات المسلحة في المغرب العربي والساحل)، وتنظيم “المرابطون” (الذي نشط بين عامي 2013 و2017، ويسعى إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في مالي والجزائر وجنوب غرب ليبيا والنيجر)، وكتيبة تحرير ماسينا (التي تنشط منذ عام 2015 في موبتي بمالي بهدف “تحرير” المنطقة التي كانت مركز سلطنة ماسينا التاريخية الإسلامية التي أقامها الفلانيون في القرن التاسع عشر). يقود جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” “الجهادية” إياد أغ غالي من الطوارق، ويتمثل هدفها المعلن في استبدال نظام محافظ للشريعة الإسلامية بسلطة الدولة القائمة في مالي. ويوصف حكم الجماعة بـ”دولة الخلافة” في بعض المناطق التي تسيطر عليها، إضافة إلى سعيها لطرد القوات الأجنبية من مالي وشن هجمات معقدة واغتيالات بالعبوات الناسفة على القوات الحكومية المالية وغيرها(29).

الدور: كان ظهور جماعة نصرة الإسلام والمسلمين “الجهادية” بمنزلة ردة فعل مرتبطة بعوامل سياسية كثيرة، مثل تمرد الطوارق في مالي وأزمة عام 2012 نتيجة مزاعم استمرار المظالم السياسية وفشل الحكومة في الالتزام باتفاقات السلام السابقة، إضافة إلى وصول مقاتلي الطوارق المدججين بالسلاح من ليبيا بعد انهيار الدولة الليبية، عام 2011؛ الأمر الذي أدى إلى تصاعد نفوذ حركات “جهادية” مثل أنصار الدين (التي نشطت في مالي والسنغال وموريتانيا)، وحركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا (التي تنشط في جنوب الجزائر وشمال مالي). هاتان الحركتان الساحليتان اللتان كان بعض زعمائهما مرتبطين بتمرد الطوارق في أعوام 1990 و1996 و2006 في النيجر ومالي لتحقيق الحكم الذاتي(30). وقد أسهمت أنشطة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في الانفلات الأمني وتفاقم الأوضاع في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وحدوث انقلابات عسكرية أفقدت فرنسا مناطق نفوذها التقليدية وعززت الوجودين، الروسي والصيني، مع احتمالية ظهور قوى دولية منافسة أخرى. وباعتبارها الحركة الرئيسية المرتبطة بتنظيم القاعدة في إفريقيا، أثبتت أنها تملك العلاقات والدوافع والموارد اللازمة لفرض سيطرتها على الأراضي النائية والتغلب على قوات الأمن والتحكم في الشبكات الاجتماعية العابرة للحدود الوطنية.

تحولات: تتعلق تحولات الجماعتين بعوامل كثيرة مرتبطة بمواقف قياداتها تجاه العملية السياسية والدولة في مالي وجيرانها وأدوارهم في صراعها الحالي، والذي تعود بعض جذوره إلى السياسات الاستعمارية المعززة للانقسام، بما في ذلك اختيار النخب السياسية من قبيلة أو إثنية واحدة والتركيز على المدن دون القرى والمناطق الأخرى، مما أثر في حقوق وتمثيل المجموعات التي تقطن المناطق النائية مثل الطوارق وغيرها. هذا إلى جانب أن تشكيل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين من قبل تحالف أربع حركات، واستمرار الصراع بين المجتمعات الرعوية مثل قبائل الفلاني والمجتمعات الزراعية المستقرة مثل الدوغون وفرا أداة تجنيد لهذه الجماعة وغيرها. وقد مثَّل إصرار الرئيس المالي “إبراهيم بوبكر كيتا” على بقاء الدولة “علمانية”(31) وتوقيع اتفاقية السلام بالجزائر(32) لعام 2015 نقلة جديدة للجماعات الجهادية في مالي؛ حيث تجاهلت مفاوضات الاتفاقية أهمية إشراك تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، الذي كان بارزًا في مالي في عام 2015 وتحالَف مع فصائل متمردة بشمال البلاد.

وكانت النتيجة أن شكَّل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ومعظم فروعه بمالي جبهة جديدة في عام 2017 باسم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، بينما أصبح فصيل منشق عنها الفرع المحلي لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) تحت اسم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى. واضطرت حكومة مالي وغيرها من الجهات إلى الانخراط في اتفاقية سرية لوقف الهجمات مع هذه الجماعة، في أكتوبر/تشرين الأول 2015 وعام 2017، بينما في يناير/كانون الثاني من عام 2020، شكَّلت فرنسا وأعضاء مجموعة الساحل الخمس -مالي وتشاد والنيجر وبوركينا فاسو وموريتانيا- “التحالف من أجل الساحل” بهدف معالجة قضايا مكافحة الإرهاب والتنمية الاقتصادية. وفي فبراير/شباط من العام نفسه، أعلنت الحكومة المالية أنها تتفاوض مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لإيجاد حل سياسي لأنشطة “الجهاديين” في شمال ووسط مالي(33). هناك تقارير حول تعاون جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أحيانًا مع دولة مالي في القضاء على الجماعات “الجهادية” الأخرى رغم استمرارها في الترويج “لنيَّتها زعزعة استقرار الحكومات المحلية لصالح تفسيرها للشريعة الإسلامية” وتكرار موقفها الرافض للحكومات المحلية التي تتعاون مع الدول الغربية.

مستقبل: تؤكد جميع المؤشرات على أنه سيكون لهذه الجماعة وجود طويل في الساحة السياسية بمالي لارتباطها بتمرد الطوارق وأزمة مالي السياسية، لذلك يرى البعض ضرورة إشراكها في المفاوضات، خاصة أنها تحالف أربع تنظيمات، أنصار الدين وكتيبة تحرير ماسينا والمرابطون والفرع الصحراوي لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. ورغم أن الجماعة ستتأثر بالتطورات السياسية والانقلابات العسكرية الأخيرة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشكيل تحالف أمني بين هذه الدول الثلاث، إلا أن استمرار مزاعم التهميش الإثني واستهداف بعض السكان المسلمين والعنف خارج نطاق القضاء ضد مجتمعات الفلاني، قد تقوي موقف الجماعة بداعي أنها تدافع عن نفسها وتقاتل من أجل المصالح السياسية والاقتصادية لهذه المجتمعات؛ الأمر الذي سيسهِّل عليها تجنيد مقاتلين جدد.

خاتمة

إن إنشاء الحركات والجمعيات الإسلامية في الساحل الإفريقي غالبًا ما يتعلق بتشكيل قوة اجتماعية جديدة يتمحور دورها أساسًا حول نشر الإسلام وتعليمه ورفع المستوى الاجتماعي والتأثير في الاتجاهات السياسية والمصالح الاقتصادية. وهذا لا يعني أن الإسلاميين يتفقون دائمًا فيما بينهم أو فيما يتعلق بالقضايا السياسية الوطنية والإقليمية. من ذلك أن قضية مثل التدخل الفرنسي، في أوائل عام 2013، في مالي أحدثت خلافًا كبيرًا في الساحل؛ إذ استحسن بعض الإسلاميين هذا التدخل لأسباب شملت “إنهاء التمرد” والأزمة الأمنية ومخافة أن يُتهَموا بالتواطؤ مع “الجهاديين”، بينما عارضه آخرون لما يحمله من تهديد للوحدة والسيادة الوطنيتين، ومخاوف من وجود مصالح خفية للدول الأجنبية.

يضاف إلى ما سبق أن التنافس بين الدول العربية والصراعات السياسية في العالم الإسلامي تجعل الإسلاميين أحيانًا في دول مثل مالي والسنغال ونيجيريا وتشاد يعكسون تلك الصراعات أو التطورات السياسية بالدول العربية ويتبادلون الاتهامات مع الانحياز لدولة عربية أو إسلامية معينة ومشايخها ومؤسساتها في قضايا عالمية. كما أن نماذج الحركات الإسلامية سابقة الذكر وأدوارها وتحولاتها ومستقبلها في السياقات السياسية؛ كشفت أن تبني معظم دول الساحل للفيدرالية أو”الحياد” ومساعي علمنة الدساتير الوطنية، كلها حالت دون وجود حزب سياسي إسلامي يستطيع خوض الانتخابات وممارسة السياسة باسمه وأهدافه، ما عزز ميل بعض السكان المسلمين إلى المنظمات الإسلامية والحركات الجهادية، وهي التي تقدم معونات معيشية وتوفر خدمات أساسية في مناطق نائية، فتكرس وجودها وكأنها بدائل للدول التي فشلت في تلبية احتياجاتهم وتمثيلهم السياسي.

ويمكن القول: إن الاستياء من الهيمنة التقليدية للحركات الصوفية وطقوسها يُكسب الحركات السلفية المزيد من النفوذ، كما أن الأزمات الأمنية والاضطرابات السياسية التي أتت بالأنظمة العسكرية الانقلابية إلى الحكم عززت مكانة شخصيات إسلامية أخرى، مثل الشيخ السلفي “محمود ديكو” الذي توسط بين حكومة مالي والجماعات “الجهادية” في شمال البلاد ودعم الرئيس المالي “إبراهيم بوبكر كيتا” في انتخابات 2013، لكنه بين عامي 2019 و2020 دعا تحت راية “حركة 5 يونيو” إلى مظاهرات ضد إدارة الرئيس كيتا بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية وتزايد الأزمة الأمنية ومزاعم وقوع مخالفات في الانتخابات الرئاسية لعام 2018. يُعد الشيخ ديكو واحدًا من أكبر مشايخ السلفية نفوذًا في الساحل حيث استقال، في أبريل/نيسان من عام 2019، من منصبه كرئيس المجلس الإسلامي الأعلى في مالي وأسس في سبتمبر/أيلول من العام نفسه “تنسيقية الحركات والجمعيات والمتعاطفين”، وأصبح في عام 2020 زعيم “حركة 5 يونيو”.

 وبالنظر إلى الواقع الحالي والتحولات الفكرية والأدوار الاجتماعية والسياسية، يمكن القول: إن جماعة إزالة البدعة وإقامة السنَّة من أكبر الحركات الإسلامية في الساحل وغرب إفريقيا من حيث عدد الأعضاء والانتشار والنفوذ السياسي والقبول الشعبي؛ الأمر الذي يضمن لها وجودًا مستقرًّا في المنطقة، وتليها جماعة عباد الرحمن التي أوجدت لنفسها نموذجًا خاصًّا من حيث الانخراط السياسي ومواصلة الأنشطة الدينية والتعامل مع الحركات الأخرى وخاصة الصوفية المهيمنة في السنغال دون الإخلال بعلاقاتها مع الدولة. أما الحركات الشيعية و”الجهادية” -الحركة الإسلامية في نيجيريا وبوكو حرام وحركة أنصار الإسلام وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين- فهي تواجه جهودًا لاحتوائها والحد من نفوذها مما يجعل بقاءها مرتبطًا بمدى استعدادها للمساومة مع المؤسسات السياسية والتراجع عن بعض أجنداتها لإقامة الدولة الإسلامية.

حكيم ألادي نجم الدين – باحث نيجيري

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات




بايدن يوقع بكامل إرادته على الإبادة الجماعية في غزة

يواجه البيت الأبيض معضلة؛ إذ يمتلك القدرة على وقف الموت والدمار في غزة في أي وقت يختاره، لكنه اختار ألا يفعل ذلك.

والولايات المتحدة عازمة على دعم الدولة التابعة لها إلى أقصى حد، مما يمنح إسرائيل الترخيص لتدمير القطاع الساحلي الصغير، مهما كانت التكلفة على ما يبدو في أرواح الفلسطينيين.

لكن المشهد ـ وهذا هو كل ما يهم واشنطن ـ كارثي.

وأظهرت صور تلفزيونية مئات الآلاف من الفلسطينيين وهم يفرون من منازلهم المدمرة، على نطاق لم يسبق له مثيل منذ عمليات التطهير العرقي الجماعية السابقة التي قامت بها إسرائيل في سنتي 1948 و1967.

وحتى وسائل الإعلام الغربية تكافح من أجل إخفاء الجبل الحقيقي من الجثث المحطمة والنازفة في غزة. وقد تجاوز عدد القتلى المعروف الآن 11 ألف شخص، مع فقدان آلاف آخرين تحت الأنقاض. ويواجه الناجون سياسة الإبادة الجماعية، مما يؤدي إلى حرمانهم من الغذاء والماء والكهرباء.

وبحلول نهاية الأسبوع، تحولت الحرب الإسرائيلية المعلنة على حماس إلى حرب مفتوحة على مستشفيات غزة، فقد ذكرت منظمة أطباء بلا حدود أن مستشفى الشفاء في مدينة غزة تعرض للقصف بشكل متكرر وانقطعت الكهرباء عنه، مع مشاهد مروعة لأطفال مبتسرين يموتون بعد أن توقفت حاضناتهم عن العمل. وتم إطلاق النار على الموظفين الذين حاولوا الإخلاء، كما أمرتهم إسرائيل، وتكررت مشاهد مماثلة في مستشفى الرنتيسي.

ويتزايد غضب الرأي العام الغربي؛ حيث اجتذبت المسيرات الاحتجاجية أعدادًا لم تشهدها البلاد منذ المظاهرات الحاشدة ضد حرب العراق قبل 20 سنة.

ويجد الحلفاء الغربيون صعوبة أكبر في إخفاء وتبرير تواطؤهم في الجرائم الإسرائيلية ضد الإنسانية التي لا جدال فيها، فقد تغير موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في نهاية الأسبوع، ولخصت هيئة الإذاعة البريطانية رسالته بصراحة على النحو التالي: “ماكرون يدعو إسرائيل إلى التوقف عن قتل النساء والأطفال في غزة”.

وفي السر، يناشد حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط الولايات المتحدة أن تستخدم نفوذها لكبح جماح إسرائيل.

وفي الوقت نفسه؛ تدرك واشنطن تمام الإدراك مدى السرعة التي يمكن بها جر خصوم إسرائيل الإقليميين إلى الصراع، مما يؤدي إلى توسيع الصراع وتصعيده بشكل خطير.

وكان ردها الفوري محبطًا وغير معقول، من خلال التوقف المؤقت لتخفيف الانتقادات، بما في ذلك من 500 موظف في الإدارة قدموا رسالة إلى بايدن يوم الثلاثاء احتجاجًا على دعم البيت الأبيض الشامل لإسرائيل.

وتضمنت هذه الإجراءات دعوة الرئيس إلى “إجراءات أقل تدخلاً” من جانب إسرائيل تجاه المستشفيات، قبل وقت قصير من ورود أنباء عن اقتحام القوات الإسرائيلية لمشفى الشفاء، وشائعات مفادها أن توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق الذي انضم إلى الهجوم الأمريكي على العراق سنة 2003 في انتهاك للقانون الدولي، قد يقوم بدور “منسق الشؤون الإنسانية” للغرب في غزة.

احتلال لا ينتهي

لكن ما تحتاجه إدارة بايدن حقًا هو رواية للتغطية على تبرير حقيقة استمرارها في توفير الأسلحة والتمويل الذي تحتاجه إسرائيل لتنفيذ جرائمها في وضح النهار.

لقد بدأ وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن رحلته الأسبوع الماضي في قمة مجموعة السبع، وكان الهدف هو تحويل التركيز بعيدًا عن سياسات الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة ودعم واشنطن لها، إلى مناقشة نظرية بحتة حول ما يمكن أن يحدث بعد انتهاء القتال.

وقال بلينكن، وهو يوضح “رؤيته” لغزة ما بعد الحرب: “من الواضح أيضًا أن إسرائيل لا تستطيع احتلال غزة. الآن، الحقيقة هي أنه قد تكون هناك حاجة لفترة انتقالية ما في نهاية الصراع… لا نرى إعادة احتلال وما سمعته من القادة الإسرائيليين هو أنه ليس لديهم أي نية لإعادة احتلال غزة”.

وكرر جيمس كليفرلي، وزير الخارجية البريطاني السابق، ما قاله نظيره الأمريكي؛ حيث أصر على أن السلطة في غزة سيتم تسليمها إلى “قيادة فلسطينية محبة للسلام”.

ويبدو أن كلاهما يفضل سيطرة محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، على غزة أو ما تبقى منها.

إن هذه المناورة بسوء النية خارجة عن المخططات، حتى وفقًا للمعايير الكاذبة المعتادة للزوج. وتريد الولايات المتحدة وبريطانيا أن نصدق، على الأقل بينما يُذبح الفلسطينيون يوماً بعد يوم، أنهما جادان في إحياء جثة حل الدولتين التي ظلت باردة لفترة طويلة.

إن طبقات الخداع كثيرة جدًا بحيث يجب إزالتها واحدة تلو الأخرى.

الخداع الصارخ الأول هو إصرار واشنطن على أن تتجنب إسرائيل “إعادة احتلال” غزة، ويريد بلينكن أن نصدق أن احتلال القطاع قد انتهى منذ فترة طويلة، عندما فككت إسرائيل مستعمراتها اليهودية في سنة 2005 وسحبت الجنود الذين كانوا يحمون المستوطنين.

ولكن إذا لم تكن غزة محتلة فعليًا قبل الغزو البري الإسرائيلي الحالي، فكيف تفسر واشنطن الحصار الإسرائيلي للقطاع الصغير على مدى السنوات الستة عشر الماضية؟ وكيف تمكنت إسرائيل من إغلاق الحدود البرية لغزة، ومنع الوصول إلى المياه الإقليمية لغزة، ومراقبة سماء غزة على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع؟

والحقيقة هي أن غزة لم تشهد يومًا خاليًا من الاحتلال الإسرائيلي منذ سنة 1967. وكل ما فعلته إسرائيل قبل ثمانية عشر سنة عندما سحبت مستوطنيها اليهود، كان إدارة الاحتلال عن بعد، مستغلة التطورات الجديدة في الأسلحة وتكنولوجيات المراقبة.

لقد قامت إسرائيل بتطوير وصقل احتلال متطور للغاية، باستخدام مراهقين إسرائيليين يحملون عصي التحكم في مواقع بعيدة ليلعبوا دور الرب بحياة 2.3 مليون فلسطيني مسجون.

إسرائيل ليست في خطر “إعادة احتلال” غزة، فهي لم تتوقف عن احتلالها.

المواجهة التخيلية

والخداع الآخر هو الانطباع الذي يتعمد بلينكن خلقه بأن الولايات المتحدة تستعد لمواجهة مع إسرائيل حول مستقبل غزة.

أوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه ليس في مزاج يسمح له بالجلوس مع القادة الفلسطينيين، حتى من النوع “المحب للسلام”. وفي نهاية الأسبوع، أعلن مرة أخرى أن إسرائيل ستتولى “السيطرة الأمنية” على القطاع بمجرد رحيل حماس.

وقال للإسرائيليين مساء السبت: “لن تكون هناك حماس. ولن تكون هناك سلطة مدنية تعلم أطفالها كراهية إسرائيل وقتل الإسرائيليين وتدمير دولة إسرائيل”.

وأضاف أن القوات الإسرائيلية ستكون قادرة على “الدخول [إلى غزة] وقتما نشاء لقتل الإرهابيين”.

ومن المؤكد أن القادة العسكريين الإسرائيليين يأخذون هذه الرسالة على محمل الجد، ويتعهدون بالعودة إلى غزة إلى الأبد.

لكن القول بأن إسرائيل وواشنطن ليسا على نفس الصفحة هو محض خداع، ويعد “الخلاف” معقّد بالكامل ومصممًا لجعل الأمر يبدو كما لو أن إدارة بايدن، في سبيل الدفع نحو المفاوضات، تقف إلى جانب الفلسطينيين ضد إسرائيل، وهو الأمر الأبعد عن الحقيقة.

إن الإدعاء نعمة لكلا الجانبين؛ حيث تريد الولايات المتحدة أن تبدو ذات يوم – بعد تدمير كل منازل غزة وتطهير سكانها عرقيًا – وكأنها ستجر نتنياهو إلى طاولة المفاوضات وهي ترفس وتصرخ.

وفي الوقت نفسه، فإن نتنياهو المحاصَر قادر على تسجيل نقاط شعبية لدى اليمين الإسرائيلي من خلال اتخاذ مواقف متحدية ضد إدارة بايدن.

إنها مسرحية صرفة؛ حيث إن المواجهة لن تتحقق أبدًا و”الرؤية” الأميركية ليست أكثر من مجرد وهم.

حل اللادولة

والحقيقة هي أن واشنطن تخلت رسميًا عن ما يسمى بحل الدولتين منذ سنوات، مدركة أن إسرائيل لن تسمح أبدًا حتى بالدولة الفلسطينية الأكثر تقييدًا.

على مدى العقود الثلاثة الماضية، انتقلت إسرائيل من التظاهر – الذي استمر خلال عملية أوسلو – بأنها قد تتنازل ذات يوم عن دولة فلسطينية صورية منزوعة السلاح، معزولة عن بقية الشرق الأوسط، إلى الرفض الصريح للدولة الفلسطينية بأي شروط على الإطلاق.

وبالعودة إلى تموز/يوليو الماضي، قبل هجوم حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، فقد تردد على نطاق واسع أن نتنياهو قال في اجتماع برلماني إسرائيلي مغلق إن آمال الفلسطينيين في إقامة دولة ذات سيادة “يجب القضاء عليها”.

فهل ستكون إسرائيل نفسها التي رفضت تأييد قيام دولة تحت قيادة عباس، الزعيم الفلسطيني الذي وصف التنسيق الأمني مع إسرائيل بأنه “مقدس”، مستعدة حقًّا لتسليم مفاتيح المملكة بعد هيجانها الأخير؟

وتذكروا أن نتنياهو هو الذي أوضح لحزبه الليكود الحاكم في عام 2019 أن “دعم حماس وتحويل الأموال إلى حماس” هما أفضل وسيلة لإسرائيل “لإحباط إقامة دولة فلسطينية”.

لم يكن هذا موقفًا شاذًا، بل كان مشترَكًا بين المؤسسات العسكرية والأمنية، وقد تم تحقيق هذه الإستراتيجية من خلال السياسات الإسرائيلية المصممة للتقسيم الدائم، ماديًّا وسياسيًّا، بين المكونين الإقليميين الرئيسيين لأي دولة فلسطينية مستقبلية: الضفة الغربية وقطاع غزة.

وأصبح التنقل بين الاثنين مستحيلًا تقريبا، فقامت إسرائيل بزراعة قيادات محلية مختلفة ومعادية في كل إقليم بحيث لا يستطيع أي منهما الادعاء بتمثيل الشعب الفلسطيني.

وفي الجلسة البرلمانية التي انعقدت في شهر تموز/يوليو، أصر نتنياهو أيضًا على أن من المصلحة الإسرائيلية الحيوية أن يتم دعم السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.

وفي الوقت نفسه، تم عزل القدس، العاصمة الضرورية للدولة الفلسطينية، فعليًّا عن كلا المنطقتين، وتم تجريدها من أي تمثيل سياسي فلسطيني.

وكما تعلم إدارة بايدن جيدًا، فإن إسرائيل لن تسمح أبدًا بتأسيس قيادة فلسطينية “معتدلة” في غزة، وتوحدها مع الضفة الغربية وتعزز قضية إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة.

لكن الحديث عن إحياء حل الدولتين أصبح وسيلة مفيدة لصرف الانتباه عن الحل الفعلي الذي تنفذه إسرائيل على مرأى ومسمع من الجميع.

التصرفات الإسرائيلية تحكي هذه القصة؛ إن قصف أنقاض منازل غزة والبنية التحتية المدنية من المستشفيات، والمدارس، ومجمعات الأمم المتحدة، والمخابز، والمساجد، والكنائس، وكل ما كان ضروريًّا لدعم واحدة من أكثر الأماكن اكتظاظاً بالسكان على وجه الأرض.

لقد تم تهجير السكان في شمال غزة قسرًا لإنشاء حظيرة احتجاز أصغر حجمًا وأكثر اكتظاظًا في جنوب غزة، مما يضمن أن يكون الجيب “مكانًا لا يستطيع أي إنسان التواجد فيه”، على حد تعبير جيورا إيلاند، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق.

والهدف واضح: طرد سكان غزة إلى الأراضي المصرية المجاورة في سيناء، ونظرًا لتكوين إسرائيل السابق، فإن الاستنتاج المعقول الوحيد الذي يمكن استخلاصه هو أن عائلات اللاجئين في غزة – وبعضهم على وشك أن يُنفى من قبل إسرائيل للمرة الثانية أو الثالثة – لن يُسمح لهم أبداً بالعودة إلى الأنقاض.

يمكن لإدارة بايدن أن تدَّعي أنها تعمل على إحياء حل الدولتين غير الموجود، لكن الحقيقة هي أن إسرائيل كانت تضع خطة طرد كهذه ـ والتي تسمى “خطة غزة الكبرى” ـ على طاولة التخطيط منذ عقود من الزمن.

ووفقا للتقارير، فقد وقعت واشنطن على إنشاء جيب فلسطيني في سيناء منذ عام 2007 على الأقل.

عباس العاجز

وعلى افتراض أن أي شيء في غزة سينجو من الهجوم الحالي، فإن خدعة بلينكن التالية هي الإيحاء بأن عباس والسلطة الفلسطينية قادران أو راغبان في أخذ مكان حماس.

هناك بطبيعة الحال مسألة بسيطة تتعلق بالكيفية التي قد يتمكن بها عباس من حكم شعب قد فقد مصداقيته معه في الماضي من خلال التسامح مع جرائم إسرائيل إلى ما لا نهاية، ففي نهاية المطاف، تم طرد فتح التي يتزعمها من غزة في عام 2006 بعد هزيمته في الانتخابات التشريعية الفلسطينية.

وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن يلتقي بالرئيس الفلسطيني محمود عباس في مدينة رام الله بالضفة الغربية في 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2023

لكن عباس بدأ يفقد المزيد من مصداقيته لدى الفلسطينيين بينما يجلس بشكل سلبي وسط الفظائع التي تتكشف في غزة، وكما أشار السفير البريطاني السابق كريج موراي، مع كون فلسطين عضوًا في الأمم المتحدة، يستطيع عباس تفعيل اتفاقية الإبادة الجماعية ضد إسرائيل.

وهذا بدوره يتطلب من محكمة العدل الدولية إصدار حكم، ومن شأنه أن يضع إسرائيل والولايات المتحدة والمملكة المتحدة في موقف دفاعي قوي، ولكن عباس ضحى مرة أخرى بشعبه لتجنب إثارة غضب الولايات المتحدة.

والأمر الأكثر سخافة هو فكرة أن تسمح إسرائيل للسلطة الفلسطينية بحكم غزة في حين لا يُسمح لنفس السلطة الفلسطينية بأن تكون مسؤولة عن الضفة الغربية.

ولا يتمتع عباس بأي سيطرة من أي نوع على 62 بالمائة من الضفة الغربية التي وضعتها اتفاقيات أوسلو – مؤقتًا – تحت الحكم الإسرائيلي الكامل، الذي يفرضه الجيش الإسرائيلي وميليشيات المستوطنين اليهود، إن ما قصدت أوسلو أن يكون مؤقتًا، جعلته إسرائيل دائمًا منذ زمن طويل.

وفي ربع آخر من الضفة الغربية، لم تعد السلطة الفلسطينية أكثر من سلطة محلية مبجلة، تدير المدارس وتفرغ صناديق القمامة.

وفي الخُمس المتبقي من الأراضي، وخاصة المناطق المبنية، يتمتع عباس بسلطات محدودة للغاية، ولا تملك السلطة الفلسطينية سيطرة على الحدود أو الحركة الداخلية أو المجال الجوي أو الترددات الإلكترونية أو العملة أو سجل السكان.

ليس لعباس سوى قوة شُرطية في هذه المدن، تعمل كمقاول أمني محلي للجيش الإسرائيلي، وعندما يقرر الجيش الإسرائيلي القيام بهذه المهمة بنفسه، ويقتحم إحدى مدن الضفة الغربية دون سابق إنذار، تختفي قوات عباس في الظل.

إن فكرة أن يتمكن عباس من تولي مسؤولية غزة عندما يكون عاجزًا في “معقله” في الضفة الغربية هي فكرة خيالية.

لن يُقضى على حماس

ولكن ربما تكون أكثر خدع البيت الأبيض خداعًا واحتيالًا هو الافتراض بأن حماس ـ وبالتالي كل المقاومة الفلسطينية ـ يمكن استئصالها من غزة.

إن المقاتلين الفلسطينيين ليسوا قوة غريبة غزت القطاع؛ فهم ليسوا محتلين، على الرغم من أن هذه هي الطريقة التي تصورهم بها كل الحكومات ووسائل الإعلام الغربية.

لقد خرجوا بشكل طبيعي من رحم شعب عانى عقودًا من الانتهاكات العسكرية والقمع من قبل إسرائيل. وتعتبر حماس هي إرث تلك المعاناة.

إن سياسات الإبادة الجماعية التي تنتهجها إسرائيل ـ ما لم تكن تنوي إبادة كل فلسطيني في غزة ـ لن تؤدي إلى تهدئة دافع المقاومة، وسوف تؤدي إسرائيل بكل بساطة إلى تأجيج المزيد من الغضب والاستياء، وخلق دافع أقوى للانتقام.

وحتى لو تم القضاء على حماس؛ فإن جماعة مقاومة أخرى، ربما أكثر يأسًا وشراسة، ستظهر لتحل محلها.

إن معظم الأطفال الفلسطينيين الذين يتعرضون الآن للقصف والترهيب، ويصبحون بلا مأوى مع عائلاتهم، ويشهدون مقتل أحبائهم، لن يكبروا خلال السنوات القليلة المقبلة ليصبحوا سفراء سلام شباب، وسيكون حقهم الطبيعي هو البندقية والصاروخ، وسيكون طموحهم هو الانتقام لعائلاتهم واستعادة شرفهم.

وإسرائيل والولايات المتحدة تعرفان كل هذا أيضًا، والتاريخ مكتظ بمثل هذه الدروس التي تعلمها المستعمرون والمحتلون الجشعون والمتغطرسون.

لكن هدفهم – مهما زعموا – ليس الحل أو القرار. إنها الحرب الدائمة، التي تؤدي إلى إدامة “دوامة العنف”، فهي تعمل على تشحيم خطى الدبابات لآلة الحرب الغربية المربحة من خلال إنتاج نفس الأعداء الذين يقال للشعوب الغربية إنهم بحاجة إلى الحماية منهم.

وسواء أُعيد الفلسطينيون إلى العصر الحجري في غزة، كما رغب القادة العسكريون الإسرائيليون منذ فترة طويلة، أو طُردوا للعيش في مخيمات اللاجئين في سيناء، فإنهم لن يقبلوا مصيراً يُعاملون فيه باعتبارهم “حيوانات بشرية”، وسوف تستمر معركتهم، وسيتعين على إسرائيل وواشنطن أن تستمرا في اختراع قصص جديدة وأكثر خيالية لمحاولة إقناعنا بأن أيدي الغرب نظيفة.

جوناثان كوك

المصدر: ميدل إيست آي




تبرير قتل المدنيين: كيف تستعير “إسرائيل” قواعد اللعبة الأمريكية في فيتنام؟

منذ بداية الحرب على غزة قبل أربعة أسابيع، لجأ المسؤولون الإسرائيليون والمؤيّدون الغربيون لحكومة نتنياهو إلى مجموعة متنوّعة من الحجج لتبرير العدد الهائل من القتلى المدنيين.

فوق صورة تعود لحيّ تعرّض للقصف في المنطقة، علّقت القوات الإسرائيلية بقول “حماس، منظمة الإبادة الجماعية الإرهابية، هي المسؤولة عن كل ما يحدث في غزة”، بتعلّة أن حماس تغسل أدمغة الأطفال الفلسطينيين وتطلق الصواريخ من الأحياء المدنية وتتموقع داخل مناطق المدنيين مما يجعلهم “أهدافًا عسكرية مشروعة”.

قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي اللفتنانت كولونيل ريتشارد هيشت، لمراسل شبكة “سي إن إن” وولف بليتزر، عندما سُئل عن القصف الإسرائيلي لمخيم جباليا للاجئين في 31 تشرين الأول/ أكتوبر، “هذه هي مأساة الحرب يا وولف”. وأضاف “كنا نقول منذ أيام، تحركوا جنوبا، أيها المدنيون غير المرتبطين بحماس، من فضلكم تحرّكوا جنوبا…. فيما يتعلق بالمدنيين هناك، كنا نبذل كل ما في وسعنا لتقليل عددهم. سأقولها مرة أخرى، من المؤسف أنهم يختبئون بين السكان المدنيين”.

أوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت مؤخرا “إننا نبذل كل ما في وسعنا لتقليل ومنع وقوع خسائر في صفوف المدنيين في غزة. في نهاية المطاف، حماس تقول للمواطنين بسخرية إنهم لا يستطيعون التحرك هنا، لا يمكنهم الانتقال إلى هناك، يُستخدم المواطنون، أو بالأحرى مواطني حماس، أعني مواطني غزة، كدروع بشرية. وبهذا المعنى، فإن حماس هي المسؤولة في نهاية المطاف عن قتل المدنيين في غزة”.

قال جون كيربي، المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي، للصحفيين عندما سُئل عن الضحايا المدنيين: “هذه حرب، هذا قتال. الحرب معروفة بطبيعتها الدموية، والقبيحة، والفوضوية. وسوف يتعرض المدنيون الأبرياء للأذى في المستقبل. أتمنى لو تمكنت من إخبارك بشيء مختلف”.

نفى السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة ارتفاع عدد القتلى في غزة، وأصرّ على أنه “لا أنت ولا أنا نعرف كم منهم من الإرهابيين المسلحين وكم منهم من المدنيين”، في حين زعمت الحكومة الإسرائيلية خلال مناسبات عدة أن حماس تختبئ في شبكة من الأنفاق وتملك حتى قاعدة عسكرية تحت المستشفيات التي هاجمتها.

شوهدت ومضات تضيء السماء خلال هجوم عسكري إسرائيلي على رفح في جنوب قطاع غزة في 2  تشرين الثاني/نوفمبر.

إذا كانت هذه الحجج تبدو مألوفة، فذلك لأنها الحجج ذاتها التي استخدمها المسؤولون الإسرائيليون لسنوات لتبرير الخسائر غير المتناسبة في صفوف المدنيين نتيجة القصف الدوري الذي تشنه إسرائيل على قطاع غزة. لكن تاريخها يعود لفترة قديمة: فقد استُخدمت كل هذه الذرائع تقريبًا منذ عقود من قبل المسؤولين الأمريكيين والفيتناميين الجنوبيين لتبرير عدد القتلى المدنيين المروع الذي سببته حرب الولايات المتحدة في فيتنام – وهي الحرب التي ينظر إليها الأمريكيون اليوم بشكل سلبي للغاية، والتي لا يبررها سوى القليل من حملات القصف الوحشية.

هذا هو بالضبط ما فعله المسؤولون والمعلّقون الأمريكيون بعد مرور سنة على عملية هزيم الرعد في فيتنام، وهي حملة القصف التي شنّها الرئيس ليندون جونسون لمدة ثلاث سنوات وشهدت إسقاط 864 ألف طن من القنابل والصواريخ على البلاد وأسفرت عن مقتل 21 ألف مدني. شهد عيد الميلاد سنة 1966 نشر أول رسالة من فيتنام الشمالية من قبل مراسل صحيفة نيويورك تايمز هاريسون سالزبوري، الذي أصبح أول صحفي أمريكي يكتب تقريرا من هانوي، ومن خلال تغطية مباشرة، دحض تأكيدات الإدارة بأن الجيش الأمريكي كان يستهدف فقط “الخرسانة والفولاذ، وليس حياة البشر”. ولعل ردود المسؤولين الأمريكيين تذكرنا بما يحدث اليوم في غزة.

جاء في بيان للبنتاغون ردا على تقرير سالزبوري: “يتم اتخاذ كل العناية الممكنة لتجنب وقوع إصابات بين صفوف المدنيين”. لكن “من المستحيل تجنب كل الأضرار التي تلحق بالمناطق المدنية، لاسيما عندما يتعمّد الفيتناميون الشماليون وضع مواقع دفاعهم الجوي، ومواقعهم [البترولية] المتفرقة، وراداراتهم وغيرها من المرافق العسكرية في مناطق مأهولة بالسكان، في بعض الأحيان، على أسطح المباني الحكومية”. وأصر المسؤولون الأمريكيون على أن المناطق المدنية حول مدينتي نام أونه وفو لي، التي أبلغ سالزبوري عن تدميرها، كانت “مليئة” ببطاريات المدافع المضادة للطائرات ومواقع إطلاق الصواريخ.

انضمت إليهم مجموعة متنوعة من المسؤولين الأميركيين، حيث تساءل الرئيس السابق دوايت د. أيزنهاور: “هل هناك مكان في العالم لا يوجد فيه مدنيون؟ أعلم أن العمليات الأمريكية تستهدف حصرا الأهداف العسكرية، ولكن لسوء الحظ هناك بعض المدنيين حول هذه الأهداف”. في السياق ذاته، صرح السيناتور بورك بي هيكنلوبر (جمهوري عن ولاية أيوا): “لا يمكن أن تخوض حربًا دون قتل الناس”.

تحدثت الإدارة عن ذلك بشكل علني، فقد أصر متحدث باسم وزارة الخارجية على أن الأضرار التي لحقت بالمناطق المدنية كانت عرضية بحتة، في حين قال مسؤولون مجهولون لصحيفة لوس أنجلوس تايمز إن الأضرار التي لحقت بالمناطق المدنية لم تكن في الواقع مصادفة، لأن الأهداف كانت في الواقع عسكرية. ومع تزايد الغضب المحلي من حملة القصف التي شنها جونسون، أصر مسؤول صحفي آخر في وزارة الخارجية في وقت لاحق على أن “السياسة المتعلقة بالأهداف لا تزال كما كانت – فهي أهداف عسكرية أو مرتبطة بالجيش”، لكنه أشار إلى أن المدنيين قد يموتون “حتى مع اتخاذ كل الاحتياطات الممكنة”.

مسعفون يعالجون جريحًا فلسطينيًا على أرضية مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح وسط قطاع غزة، يوم الأحد.

حتى قبل تقرير سالزبوري، كان أنصار الحرب يبرّرون قتل القوات الأمريكية للمدنيين الفيتناميين، غالبا من خلال الإشارة إلى ممارسة الفيت كونغ الحقيقية المتمثلة في الاختلاط مع المدنيين. في إشارة إلى حادثتين مثيرتين للجدل في الوقت الذي قتلت فيه مشاة البحرية الأمريكية خمسة مدنيين، من بينهم ثلاثة أطفال، وأضرمت النار في 51 منزلاً، أكد مراسل شيكاغو ديلي نيوز ومراسل الحرب المخضرم في آسيا كيز بيتش للأمريكيين في عمود أعيد طبعه على نطاق واسع في آب/ أغسطس 1965 أن “مشاة البحرية لا يستمتعون بشكل خاص بإطلاق النار على النساء والأطفال. كما أنهم لا يشعرون بالارتياح عند حرق المنازل. ولكن هذه حرب. الحرب ليست رائعة أبدا، لكن بعض الحروب أبشع من غيرها. تتمثل المشكلة باختصار في كيفية فصل العدو عن الأبرياء في حرب عصابات ليس لها جبهة”.

وأكد بيتش أن “العديد من النساء الفيتناميات شيوعيات مخلصات ويمكنهن التعامل مع السلاح مثل أزواجهن، إن لم يكن أفضل”، وأن “الشيء نفسه ينطبق غالبًا على أطفالهن”. وأعلن أن المنزل الفيتنامي لم يكن دائمًا مقر إقامة وإنما “موقعا محصنا” قد يؤدي إلى شبكة من أنفاق الفيت كونغ ويمكن أن يكون مميتًا لأي جندي يجرؤ على إلقاء نظرة خاطفة عليه”. ونقل بيتش عن أحد النقباء قوله “تسع من أصل 10 لا تعرف أبدًا من هو الفايت كونغ حتى يطلق النار عليك، وبعد ذلك غالبًا ما يكون الأوان قد فات”.

من عجيب المفارقات أن أحد الضباط، أثناء دفاعه عن سلوك مشاة البحرية تجاه بيتش، طمس مبررات المؤسسة العسكرية الأميركية لضرباتها الجوية، التي كثيراً ما تضمنت الإشارة إلى كل عناصر الفيت كونغ الذين يفترض أنهم قتلتهم. قال الضابط: “أتساءل كيف يمكن لطياري الطائرات التي تحلق على ارتفاعات عالية أن يميّزوا أحد أعضاء الفيت كونغ عن الفيتناميين الآخرين”. وأضاف “أليس من المحتمل أن تقتل قنبلة تزن 500 رطل أبرياء أكثر من بندقية مشاة البحرية؟”.

اعتبر الجنرال ويليام ويستمورلاند، قائد القوات الأمريكية في فيتنام، أن الوفيات العرضية بين المدنيين “مشكلة كبيرة” في سنة 1966، لكنه اتهم بالمثل بأن الحرب “صممها المتمردون والمعتدون لخوضها بين الناس”، مما يشير إلى أن الفيت كونغ مسؤولون في النهاية عن قتلهم.

وضع ويستمورلاند قواعد اشتباك كان من المفترض أن تهدف إلى الحد من الخسائر في صفوف المدنيين: كان لا بد من تحذير سكان القرية المشتبه في اختباء الفيت كونغ فيها أولاً عبر المنشورات أو مكبرات الصوت قبل تنفيذ غارة جوية، ما لم تكن تحت السيطرة الشيوعية الكاملة، وإلا تعتبر “منطقة هجوم محددة” – فيما عُرف فيما بعد باسم “منطقة إطلاق النار الحر” التي يمكن للقوات الأمريكية قصفها كما يريدون. وفي إحدى هذه الحالات، قتلت القوات الأمريكية 20 مدنيا وأصابت 32 آخرين.

علّق أحد الشخصيات العسكرية رفيعة المستوى قائلاً: “بعض هذا ناتج عن مجرد فشل بشري، وحوكمة سيئة”. وكما هو الحال مع المنشورات الإسرائيلية التي تطلب من سكان غزة الإخلاء اليوم، كانت هذه التحذيرات مجرّد مبرّر واهٍ لما تلا ذلك. كما هو الحال عندما قضت القوات ساعات وهي تطلب من المدنيين عبر مكبرات الصوت مغادرة المنطقة التي يسيطر عليها الشيوعيون في هجوم سنة 1968، ولكن “لسبب ما لم يغادروا قبل أن تهاجم القوات الأمريكية بالنابالم، مما أسفر عن مقتل 17 شخصًا”، وفقًا لوكالة أسوشيتد برس.

استغلّ المسؤولون الأمريكيون في حقبة حرب الفيتنام ادعاءات أضحت واسعة الانتشار في الحرب الحالية: وهي أن قوات العدو تستخدم الأبرياء كدروع بشرية. في إحدى الحوادث التي وقعت في كانون الثاني/يناير 1967، قصفت القوات الفيتنامية الجنوبية إحدى القرى، مما أسفر عن مقتل 10 أطفال وجرح 16 آخرين، لكن المتحدث باسم الولايات المتحدة ادعى – كذباً، وسرعان ما تبيّن ذلك – أن الفيت كونغ “حشدوا” المدنيين أمامهم أثناء تقدمهم. وأوضح المتحدث ذاته “أن “هذه الخسائر في صفوف المدنيين مؤسفة للغاية وتعزى بشكل مباشر إلى الاستخدام الوحشي للمدنيين من قبل الفيت كونغ في العمليات العسكرية”. وشاع انتشار مثل هذه الادعاءات طوال فترة الحرب.

فلسطينيون يحملون جريحًا في موقع مبنى سكني استهدفته الغارات الإسرائيلية في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023.

كما كشف الصحفي نيك تورس بعد عقود عندما فحص الأرشيفات مع إجراء مقابلات مع جنود سابقين، أن كل هذه التصريحات الأمريكية غطت على حقيقة أكثر وحشية بكثير: وهي بعيدًا عن كونها مجرد حوادث أو قبح الحرب المأساوي، عدد الوفيات بين المدنيين الفيتناميين نتج عن سياسة متعمّدة وُضعت على أعلى المستويات وسنتها القوات الأمريكية على الأرض، ومتجذرة في تركيز المسؤولين على “إحصاء الجثث” والنظر إلى الفيتناميين باعتبارهم “حيوانات”، واعتبارهم جميعا بما في ذلك النساء والأطفال تهديدات محتملة. في البداية، اعتبرت مذبحة ماي لاي سيئة السمعة من قبل حكومة الولايات المتحدة انتصارًا عسكريًا كبيرًا على مقاتلي العدو.

يُنظر إلى الحرب التي شنتها حكومة الولايات المتحدة في فيتنام اليوم على نطاق واسع باعتبارها حلقة مخزية ومؤسفة في تاريخ الأمة الأمريكية، ولن يدافع عنها أو عن حملات القصف المصاحبة لها إلا القليل.

من الصعب تخيّل أي شخص اليوم يأخذ على محمل الجد ادعاءات إدارات جونسون وريتشارد نيكسون والمدافعين عنها بأنهم كانوا يهاجمون أهدافًا عسكرية بحتة، أو يُنظر إلى اختلاط الفيت كونغ مع السكان المدنيين كمبرر معقول لقتل ضحايا المدنيين – ناهيك عن الادعاءات بأن الطبيعة الوحشية للحرب جعلت من حدوث مثل هذه المذبحة البشرية أمرًا لا مفر منه.

في الوقت الراهن، تُستخدم كل هذه الحجج من قبل المسؤولين والمعلقين الإسرائيليون والأمريكيين لتبرير المستوى غير المقبول من الوفيات بين المدنيين في غزة – ويبدو أنها مقبولة إلى حد كبير من قبل أولئك الذين يشغلون مناصب نافذة، والذين لن يبرروا أبدًا تصرفات الولايات المتحدة في فيتنام بالطريقة ذاتها.

وبينما يقوم المسؤولون الإسرائيليون والمدافعون عنهم باستعارة الذرائع التي تعود إلى حقبة حرب فيتنام في حملة قصف أدت في شهر واحد إلى مقتل نصف المدنيين الذين قتلتهم عملية ” هزيم الرعد” على مدى ثلاث سنوات، فمن العدل أن نتساءل عما إذا كنا قد استخلصنا دروسا من التاريخ.

برانكو مارسيتيك

المصدر: مجلة ذا نايشن الأميركية

ترجمة: موقع نون بوست




النازحون في غزة يواجهون معاناة ومِحَنًا لا تحتمل

يتواصل العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة لليوم الـ 42، وهو ما يزيد من معاناة أهلنا الفلسطينيين ويرفع من عدد الشهداء الذين ناهزوا 12 ألف شهيد أغلبهم أطفال ونساء، فآلة العدوان الإسرائيلية تقصف الوحدات السكانية والمستشفيات وتحاصرها بالدبابات، وحتى المدارس التي تأوي النازحين لم تسلم من بربرية الإسرائيليين.

وضع مأساوي يزداد سوءًا مع صباح كل يوم جديد، إذ لم يبقَ مكان آمن في القطاع ولا أي شخص آمن، حتى النازحين الذي اختاروا اللجوء إلى المدارس والمستشفيات باعتبارها أماكن آمنة، لم يسلموا من همجية كيان الاحتلال الإسرائيلي.

نزح مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى ما قيل إنها أماكن آمنة في غزة، لكن معاناتهم تضاعفت أكثر مما كانت عليه، فالجوع والعطش والمرض والبرد والعيش في العراء يلاحقهم.

أعداد متزايدة

اقترب عدد النازحين في قطاع غزة من 1.6 مليون شخص، وفق وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، يعيش حوالي 748 ألفًا منهم في 151 منشأة تابعة للوكالة في أنحاء غزة، بما في ذلك 588 ألفًا في ملاجئ الوكالة في جنوب القطاع.

وفق الوكالة، يتوفر حمّام واحد لكل 125 شخصًا، فيما يتوفر مكان استحمام واحد لكل 700، وتأوي المدرسة التابعة للأونروا بالمتوسط نحو 6 آلاف شخص، ليصبح مجموع سكان المدارس التي أصبحت عبارة عن 94 ملجأ جنوبي القطاع نحو 670 ألف شخص.

ويخرج النازحون -وغالبيتهم من النساء والأطفال- قسرًا من شمال القطاع نتيجة القصف الإسرائيلي الهمجي الذي طال كل المباني هناك عبر طريق صلاح الدين، الذي يربط الشمال بالجنوب، يحمل بعضهم القليل من الممتلكات، لكن غالبيتهم لا يحمل سوى أطفاله وما يلزم من ملابس.

يفرّ النازحون خلال “رحلة العذاب” من شمال القطاع إلى جنوبه، سيرًا على الأقدام وعلى دراجات نارية وسيارات وشاحنات صغيرة وعربات بدائية تجرّها الحمير، وصار مألوفًا في الأيام الأخيرة مشهد فلسطينيين يحملون كل ما يستطيعون من ممتلكات في أكياس وحقائب سفر.

ويجبر جيش كيان الاحتلال الإسرائيلي النازحين على قطع مسافة تناهز 10 كيلومترات سيرًا على الأقدام مع أطفالهم وما تمكنوا من حمله من أغراض، لتجاوز “مفترق الشهداء” الذي تتمركز فيه دبابات وآليات عسكرية إسرائيلية، للوصول إلى ما بعد وادي غزة في طريقهم إلى مدن ومخيمات جنوب القطاع.

الأمراض والأوبئة

ما يزيد من معاناة النازحين إمكانية انتشار الأمراض والأوبئة بينهم، وسبق أن حذّرت الأونروا من تفشّي الأوبئة، خصوصًا التهابات الجهاز التنفسي الحادة والإسهال بين النازحين في مدارس الوكالة بسبب الاكتظاظ وشحّ المياه، فيما تحدث مسؤولو الأمم المتحدة عن تفشّي الكوليرا.

وتخشى المنظمات الإنسانية من انتشار الأوبئة بين النازحين، ذلك أنهم يعيشون الآن داخل المستشفيات التي هي في الأصل عرضة لنقل الأمراض لمريديها، ويتكدّسون في المدارس داخل الفصول الضيّقة بالعشرات، ويستخدمون مستلزماتهم الشخصية بشكل جماعي، فضلًا عن تكدُّس النفايات بالأطنان داخل هذه المراكز.

من أسباب انتشار الأمراض والأوبئة بين النازحين أيضًا، لجوء النازحين إلى شرب المياه الجوفية غير المعقّمة، نتيجة توقف كامل محطات التحلية عن العمل لعدم توفر الوقود اللازم لتشغيلها، حيث إن اعتماد جميع السكان على شرب هذه المياه يزيد من احتمالية انتشار الأمراض الخطيرة.

تحدث بعض الناجين من الاستهداف الصهيوني عن جثث تنهشها الكلاب وأشلاء ممزقة.

كما أن تكدُّس مئات الجثث داخل المستشفيات له أن يتسبّب في تفشي الأوبئة والأمراض الخطيرة بين النازحين داخل المراكز الصحية، فالعديد من سكان غزة اختاروا اللجوء إلى المستشفيات، ظنًّا منهم أنها آمنة وهي عكس ذلك.

وظهرت أمراض جدري الماء والجرب والقمل بين النازحين، فضلًا عن حالات إسهال عديدة بين الأطفال وفق وزارة الصحة في غزة، إلى جانب تعرض البعض لأمراض معدية أخرى تستدعي تدخلًا علاجيًّا سريعًا، لكن أغلب مستشفيات القطاع خارج الخدمة.

فيما قال ممثل منظمة الصحة العالمية في الأراضي الفلسطينية، ريتشارد بيبركورن، إنه جرى رصد أكثر من 70 ألف حالة عدوى تنفسية حادة، ونحو 44 ألف حالة إسهال في القطاع المكتظ بالسكان، مشيرًا إلى أن الأعداد أعلى بكثير من المتوقع.

الأمطار وفصل الشتاء

مئات آلاف الأسر التي نزحت إلى جنوب غزة سعت للنجاة من القصف الإسرائيلي العشوائي، إلا أنها اليوم تواجه مشكلة تساقط الأمطار التي تتحول إلى مياه راكدة تزيد من متاعب الأهالي البدائية، حيث تبلّلت الأغراض والملابس والفرش والأغطية وأغرقت الخيام.

وينذر حلول فصل الشتاء بازدياد معاناة النازحين، إذ تنخفض درجة الحرارة ويتزايد هطول المطر، في وقت يفتقدون فيه أبسط ما يواجهون به هذا الطقس، إذ لا بيوت تأويهم ولا أفرشة ولا غطاء في خيامهم البلاستيكية التي لا تقي من برد ولا تحمي من مطر.

من يجد قليلًا من الحطب فهو محظوظ، فهذه هي وسيلة النازحين المتاحة للتدفئة والطهي في هذه الأجواء الشتوية الصعبة، لكن حتى الاحتطاب بات محفوفًا بالمخاطر، بسبب العدوان الإسرائيلي المتواصل على القطاع.

استهداف النازحين

لم يسلم النازحون أيضًا من القصف الإسرائيلي الهمجي الذي أسفر عن سقوط عشرات الشهداء على الطرق التي زعم الاحتلال أنها آمنة، وفي آخر حصيلة استشهد فلسطينيون وجُرح آخرون جراء قصف مقاتلات حربية إسرائيلية مجموعة من النازحين شرق مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، فجر اليوم الجمعة.

كما سبق أن تعرضت مناطق جنوب وادي غزة التي زعم الاحتلال الصهيوني أنها آمنة لغارات خلّفت مجازر عديدة، كما تعرض دار الضيافة التابعة للأونروا في رفح جنوبي غزة لغارات إسرائيلية دون وقوع ضحايا، وكانت الأونروا قد أعلنت أن أكثر من 100 من العاملين لديها قُتلوا في قطاع غزة منذ بدء الحرب.

حتى الخيام التي تأوي النازحين وتتشارك فيها العائلات أغلبها بالية.

يروي بعض النازحين مشاهد مروعة لجثث وأشلاء منتشرة على جانبَي شارع صلاح الدين الرئيسي والوحيد، الذي حدده جيش الاحتلال مسارًا للنازحين من شمال القطاع إلى جنوبها، بعدما أغلق شارع الرشيد الساحلي في سياق عمليته البرية.

وتحدث بعض الناجين من الاستهداف الصهيوني عن جثث تنهشها الكلاب وأشلاء ممزقة، وحيوانات نافقة ومتعفّنة طوال الطريق الممتد من حي الزيتون في جنوب شرقي مدينة غزة وحتى مفترق الشهداء، وهو الطريق الذي يمرّ منه النازحون.

جوع وعطش

تتفاقم معاناة هؤلاء النازحين، خصوصًا الأطفال والنساء وكبار السن، في ظل انتشار الجوع بينهم، ويأكلون القليل من الخبز إن استطاعوا العثور عليه، وفي بعض الأيام لا يأكلون على الإطلاق، ويلجأ عدد كبير منهم إلى الجمعيات الخيرية للحصول على ما تيسّر من الطعام، في ظل أزمة إنسانية حادة.

ويحاول النازحون الحفاظ على حياتهم ولو بالحد الأدنى المتاح، في ظلّ الظروف القاسية والعدوان الإسرائيلي المتواصل الذي لم يسلم منه القطاع شمالًا وجنوبًا، ويقف النازحون في طوابير مكتظة يحملون الأواني في انتظار وجبة توزّعها إحدى الجمعيات الخيرية المحلية.

لا يمثّل الجوع مصدر القلق الوحيد بالنسبة إلى النازحين، فهم يعانون نقصًا كبيرًا في المياه الصالحة للشرب أيضًا، حيث يضطر غالبية النازحين للوقوف ساعات في طوابير كبيرة أمام صنابير المياه، للحصول على بعض القطرات من الماء.

كما يضطر النازحون أيضًا كل يوم البحث عن المياه وتعبئتها بشكل مباشر من الآبار الجوفية لغرض الشرب، بعد أن كانوا يستخدمونها في الأيام العادية لغرض النظافة، لكن الحصار المفروض على الأهالي أجبرهم على استخدام المياه الملوثة وغير الصالحة للشرب.

في ظلّ غياب المياه، يضطر النازحون للاستحمام وغسل أواني المطبخ وغسل ملابسهم في البحر، مع محاولة تجنُّب القمامة العائمة في الماء والمتناثرة على الرمال، وأصبحت هذه المشاهد متكررة، خاصة أن معبر رفح مغلق في أغلب الأوقات.

لا تنتهي معاناة النازحين وباقي سكان غزة هنا، إذ يعانون أيضًا نقصًا كبيرًا في الوقود والأدوية الضرورية، فضلًا عن نفاد كل شيء في المستشفيات بما في ذلك أدوات التخدير، ما يعرّض حياة آلاف المصابين للموت.

حتى الخيام التي تأوي النازحين وتتشارك فيها العائلات، أغلبها بالية مصنوعة ممّا تيسّر من خرق وأكياس نايلون وألواح خشبية هشّة، ما يجعل الحياة في غزة شبه مستحيلة، كل ذلك تحت مرأى ومسمع العالم الذي لم ينجح حتى تأمين هدنة قصيرة يتنفس فيها هذا الشعب المحاصر.

عائد عميرة

المصدر: موقع نون بوست




“إسرائيل” تواصل محو إرث غزة الإنساني

بحكم موقعها على مفترق طرق الحضارات، وكونها محطة بارزة للحجّاج وطريقًا تجاريًّا هامًّا، شهدت غزة عبر تاريخها عددًا من الثقافات والحضارات الإنسانية، من الكنعانيين إلى العهدَين البيزنطي والمسيحي، وصولًا إلى العهد الإسلامي.

فترات تاريخية أثّرت في تطور غزة التي تركت لنا إرثًا ثقافيًّا غنيًّا، ورغم أن كل حجر في غزة يحكي قصة فريدة من نوعها، لم تسلم ذاكرتها وتراثها اللذين يعودان إلى حقب تاريخية مختلفة من المحرقة الصهيونية.

تستهدف دولة الاحتلال الإسرائيلي ضمن حربها الانتقامية المستمرة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، على قطاع غزة المحاصر، بشكل متعمّد، المعالم التاريخية والأحياء التراثية القديمة التي تواصل محوها من على وجه الأرض، بجانب حرق المؤسسات التعليمية والثقافية ودور العبادة والمكتبات، وخصوصًا رموز الذاكرة الحية وتطهير ما تبقّى من المؤسسات الخيرية، وهذا بالتأكيد خراب مروّع آخر لغزة من بين التدمير المنهجي الذي يرتكبه الاحتلال.

من المعروف أن الأنظمة الإسرائيلية الماضية والحالية سعت إلى استئصال التراث الفلسطيني، من خلال محو السجلّات والوثائق وسرقة الأرشيفات، وتدمير أدلة الارتباط التاريخي للفلسطينيين بأرضهم لدعم سرديتها ومشروعها الاستيطاني، وحتى لا يبقى غير الوجود اليهودي.

لكن المختلف في هذه الحرب أن “إسرائيل” تستهدف كل ما يشير إلى التراث والثقافة الفلسطينيَّين بغزة بشكل سريع، وعلى نطاق منهجي وأوسع فاق الحروب السابقة، ودون اعتبار لظهور هذا التدمير الذي لا سبيل إلى إنكاره على مرأى ومسمع من العالم، ولذا إن ما يثير الدهشة أن هذا الهمجي الذي يبيد معالم التراث والثقافة في غزة، يتم تقديمه على أنه المتحضّر.

غزة من دون فلسطينيين: كابوس المقاومة

إن استهداف الصهاينة لمؤسسات التعليم والثقافة بغزة كهدف عسكري بحدّ ذاته، ليس في الحقيقة حملة عشوائية، إنما هو سياسة مرسومة بعناية لإرسال رسالة إلى ما هو أبعد من أولئك الذين يقاومون.

يدرك قادة الاحتلال أن “طوفان الأقصى” عززت من هيبة مقاتلي كتائب القسام في أعين الشعوب العربية بشكل عام والشعب الفلسطيني بشكل خاص، فقد أثبتوا أنهم يقاومون ويضحّون بأنفسهم من أجل القضية، لذا الاحتلال يعلم جيدًا ما يترتب عن ذلك، ويريد انتزاع هذا النصر من النفوس مهما كان الثمن، ومن أجل إعطاء درس قاسٍ للأجيال الجديدة ولمن يفكر بالمقاومة.

من هذا المنطلق، أصبحت غزة بحدّ ذاتها هدفًا رمزيًّا لممارسة كل أشكال الترويع والإبادة، ليس فقط من خلال دكّ الأحياء الآهلة والحرمان من الاحتياجات المعيشية الأساسية، وصنع عالم لا قيمة فيه لحياة الفلسطينيين.

بل يريد الاحتلال أن يخلق ظروف حياة تهدف إلى ترك أسوأ الذكريات، وأن يشعر أهل غزة بالذل والاستباحة في أي مكان حتى ولو في مستشفى، والتي لم يتردد في حصارها وقصفها وإزهاق أرواح آلاف الأطفال الذين ماتوا قبل أن ينطقوا أسماءهم، مع ملاحظة التأكيد على أن عظمة القوة الصهيونية تستمدّ بشكل أساسي من هذه الممارسات.

والواقع أن المشروع الصهيوني الحالي لا يقتصر فقط على تحويل حياة أهل غزة إلى ترويع فقط حتى يستسلموا ويهجروا ديارهم، الأمر أيضًا يتعلق باقتلاعهم ديموغرافيًّا وثقافيًّا، ومحو تراثهم لحرمانهم من أي مطالبة بحقوقهم، وبالتالي ينظر الصهاينة إلى المواقع التي تحافظ على هوية الشعب الفلسطيني وتاريخه كتهديد لهم، ولذا يحرقونها الآن.

لقد لجأ الاحتلال إلى تدمير التراث بغزة من أجل القضاء على صرخة استمرار المقاومة، وباعتبار أن هذه الأماكن التي يحرقها لا تعتبر فقط ربطًا ماديًّا مع الماضي، بقدر ما هي شكل من أشكال الحياة، أرادوا منعه من الاستمرار والتكون من جديد كي يضمنوا سحق ذاكرة الأجيال الجديدة.

إن استهداف الذاكرة هو أكثر ما يوجع ويترك الألم في نفس الإنسان، فعندما يهجَّر الناس بشكل مستمر من منازلهم، يرافقهم شعور بالقهر والأسى لأن تاريخهم يمحى أمامهم، وكذلك عندما يحرق الاحتلال مساجد غزة التي تحمل ذكريات التاريخ، يشعر الناس بألم شديد لفقدان هذا التراث، لأن الأمر على حقيقته هجوم على أسلوب حياتهم، وحرمانهم وأحفادهم من حق الانتماء إلى هويتهم.

تراث في مرمى النيران

وفقًا لوزارة الثقافة الفلسطينية، يوجد في غزة 76 مركزًا ثقافيًّا و3 مسارح و5 متاحف و15 دار نشر لبيع الكتب و80 مكتبة عامة، إضافة إلى وجود متاحف شخصية، معظم هذه المؤسسات تعمل بجهود ذاتية، ليس لضعف الاهتمام الرسمي بقدر ما أن الإمكانات المادية قليلة، والبلد في حصار وأزمات متلاحقة، ولذا بذل أهل غزة قصارى جهدهم في الحفاظ على تراثهم، وسط ظروف الحصار والتحديات الكبيرة التي يواجهونها.

وفيما يلي، أبرز المواقع التراثية الرائعة في غزة التي استهدفتها نيران الحقد الصهيونية بشكل متعمّد عقب معركة “طوفان الأقصى”:

حسب آخر تصريحات لوزير الثقافة الفلسطيني عاطف أبو سيف، استهدف الصهاينة معظم مؤسسات القطاع الثقافي، ووثّقت وزارة الثقافة تدمير 6 مراكز ثقافية و5 دور نشر لبيع الكتب، هي الشروق وسمير منصور ولُبَّد والنعيم والنهضة، وحتى المكتبات التي لم تُحرق تعرضت بنيتها التحتية لأضرار جسيمة.

أيضًا قطاع المتاحف والمخطوطات تعرّض لحملة إبادة متعمدة، إذ قصف الصهاينة متحف خان يونس، ودمّروا مجموعة من الروائع الأثرية فيه، وأكدت المنظمة العربية للمتاحف أن متحفَين هامَّين في غزة، هما القرارة الثقافي ورفح، قد تعرضا للتدمير الكامل، إضافة إلى تدمير معظم أجزاء البلدة القديمة بغزة، والتي احتوت على 146 بيتًا قديمًا وعددًا من المساجد والأسواق والمدارس التاريخية، وميناء قديم مدرج على اللائحة التمهيدية للتراث العالمي.

ليس هذا فحسب، فالمساجد أيضًا لم تسلم من الهمجية، فحتى الآن تمّ توثيق 47 مسجدًا حوّلها الاحتلال إلى رماد، بما في ذلك مساجد لها تأثير كبير في الحياة اليومية والذاكرة، منها مسجدا السوسي والغربي في مخيم الشاطئ، ومسجد اليرموك والأمين، وتشير عدة تقارير إلى تدمير مسجد جباليا، ومسجد أحمد ياسين بمخيم المغازي، ومسجد أبو جنب بشرق خان يونس، ومسجد خالد بن الوليد ومسجد الرضا بخان يونس.

ووفقًا لتوثيق أوّلي قامت به وزارة الأوقاف الفلسطينية، أكثر من 50 مسجدًا تمّت تسويتها بالأرض، وهناك مساجد ذات قيمة أثرية وتاريخية نال منها الدمار بدرجات متفاوتة، هذا إضافة إلى تدمير مقرّ وزارة الأوقاف ومقرّ “إذاعة القرآن الكريم” المكون من 14 طابقًا، والذي أصبح الآن مدفونًا تحت الأنقاض والدمار الذي خلفته قنابل الاحتلال.

فلسطيني يرفع الأذان على أنقاض مسجد الأمين محمد الذي قصفته قوات الاحتلال في خان يونس بغزة في 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2023

ولا بدَّ من الإشارة إلى أن كل هذه المساجد التي تمّت إبادتها، تؤدي دورًا أساسيًّا في خدمة احتياجات المجتمع بالنسبة إلى سكان غزة، فالعديد من المساجد المستهدَفة كانت توفر لهم مرافق اجتماعية وتعليمية وصحية.

كذلك تعرضت 3 كنائس للقصف من ضمنها كنيسة القديس برفيريوس، والتي تعرَف شعبيًّا في غزة باسم كنيسة الروم الأرثوذكس، وهي أقدم كنيسة مسيحية في غزة، إضافة إلى تدمير 80 مقرًّا حكوميًّا، وقصف مبنى جهاز الإحصاء الفلسطيني الذي دُمّر بالكامل، ما يعني فقدان قاعدة وثائقية للحكومة والمجتمع، وبالتالي حرمان الآلاف من وثائقهم الشخصية والتصرف بممتلكاتهم.

طائرات الاحتلال تقصف مسجد اليرموك في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2023

والواقع أنه لا توجد مؤسسة واحدة لم تتعرض لضرر ولو جزئي، فقد قصف الاحتلال العديد من الوزارات والمقرات والمؤسسات الحكومية، ولم يتردد في استهداف المنظومة الصحية، وقصف مستشفى المعمداني الذي يسبق تاريخ دولة الاحتلال بعقود طويلة.

إبادة مسجد ياسين بمخيم الشاطئ في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2023

هذا بجانب عشرات المراكز الثقافية التي تحولت إلى غبار وأنقاض، كالمركز الثقافي الأرثوذوكسي الذي كان يحتوي على قاعات لتنظيم النشاطات الثقافية والفنية، بجانب تدمير جمعية أبناؤنا للتنمية، ومركز غزة للثقافة والفنون، وتدمير جمعية ميلاد في مخيم جباليا للاجئين، وتدمير المركز الثقافي الاجتماعي العربي الواقع في حي تل الهوا، وتدمير جمعية حكاوي للمسرح.

ولم تنجُ البيوت الأثرية من الهمجية الصهيونية، فقد قصف الاحتلال بيت السقا الواقع في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، والذي دُمّر بالكامل بعد أن أُعيد ترميمه عام 2014، ويعتبر من أجمل وأقدم البيوت، إذ يعود تاريخ بنائه إلى 400 عام، وكان واحدًا من المساحات الثقافية القليلة المتبقية للفلسطينيين في غزة، إذ كان يستخدَم كمركز ثقافي.

الهمجية امتدت أيضًا نحو الجامعات، إذ تم استهداف جامعة الأزهر، والجامعة الإسلامية التي لحقت بها أضرار فادحة، فكل من مبنى كلية تكنولوجيا المعلومات ومبنى عمادة خدمة المجتمع والتعليم المستمر ومبنى كلية العلوم، بكل ما فيها من تجهيزات ومختبرات وأثاث، تعرضت لقذائف حارقة.

وقد بلغ عدد شهداء طلبة التعليم العالي 438 طالبًا وطالبة، في حين ارتقى 14 عاملًا وعاملة ممّن يعملون في مؤسسات التعليم العالي، كما بلغ عدد مؤسسات التعليم العالي التي تضررت جزئيًّا أو بالكامل الـ 12 مؤسسة.

وأيضًا مؤسسات التعليم المدرسي لم تكن في منأى عن الإبادة، بحسب ما أعلن “الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني” فإن 608 آلاف طالب وطالبة في غزة حُرموا من حقهم بالتعليم المدرسي، وحتى الآن تم قصف 239 مدرسة في غزة، وقتل 3 آلاف و141 من الطلبة الملتحقين بالمدارس، و130 معلمًا ومعلمة، و103 موظفين من الأونروا.

ووفقًا لبيانات اليونيسف، فقد تضررت أكثر من 200 مدرسة (زهاء %40 من مجموع المدارس في غزة)، إضافة إلى ذلك تقوم “إسرائيل” حاليًّا باستخدام مدارس غزة لأغراض عسكرية.

ومع كل هذا التدمير الممنهَج، حتى المكتبات الخاصة والشخصية لم تنجُ من جحيم الاحتلال، ففي دقائق دمّر الاحتلال مكتبة حمزة مصطفى، والتهمت النيران كل ما فيها من نفائس بعد أن ظل حمزة يبني فيها طيلة حياته.

كما طالت آلة الإبادة المثقفين والفنانين والكتّاب والعاملين في الحقل الثقافي، إذ أعلنت وزارة الثقافة الفلسطينية في بيان لها استشهاد 15 شخصًا من المثقفين والفنانين، وهناك قصص عن موسيقيين فقدوا قدرتهم على السمع، ورسّامين فقدوا أطرافًا من أجسادهم.

تبرر “إسرائيل” استهداف المواقع التراثية والدينية والتعليمية، بأن مقاتلي المقاومة يخزّنون فيها الأسلحة ويختبئون داخلها، في حين أنه لا يوجد حتى اللحظة أدلة على هذا الزعم، ونفت حماس هذا الاتهام أكثر مرة.

النفاق الغربي في التعامل مع التراث الفلسطيني

رغم أن المعالم الثقافية تتمتع بحماية خاصة في القانون الدولي، لكن في حالة غزة يبدو الأمر مختلفًا، حيث من المثير للاهتمام مستوى التبريرات الممنوحة لـ”إسرائيل” لإبادة التراث الفلسطيني بشكل تخطّى كل الحدود، خاصة أن القوات الإسرائيلية بعد استهدفها لمعالم التراث والثقافة والدين، أعلنت أن هذه الغارات كانت ناجحة وأصابت أهدافها بشكل مباشر.

إذا قارنا ردود الفعل على التدمير الثقافي في غزة بما حدث في أوكرانيا، فعلى الفور استوجب ما قامت به روسيا ردود فعل كبيرة من المجتمع الدولي، وتحركت مباشرة المؤسسات الثقافية على الأرض لحماية التراث الأوكراني.

لكن هذه المؤسسات نفسها تصمت بينما تقوم “إسرائيل” بحرق تراث غزة، وبعضها أطلق اتهامات وأكاذيب وشجّع على الإبادة، مثل معهد فرانكفورت للكتاب الذي أعلن انحيازه إلى الكيان الصهيوني، وبمنتهى العجرفة قرر إلغاء حفل تكريم الكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي، ولم يكن موقف معرض فرانكفورت هو الوحيد.

ويعدّ هذا فضيحة للغرب الذي ينادي بالحفاظ على التراث، لكنه لم يتحرك لإنقاذ تراث وثقافة غزة مثلما فعل في أماكن عديدة، ما يدلّ على سياسة الكيل بمكيالَين، التي تستخدم الاتفاقيات بشكل انتقائي وعندما تخدم أغراضها الخاصة.

وما زالت بعض الدول والمنظمات مستمرة في تبرير التطهير الثقافي، وتسليح آلة إبادة الشعب الفلسطيني، وتدمير تراث ومعالم غزة، وبكل أسى لم يتبقَّ سوى القليل من المواقع الثقافية المنكوبة في غزة، فمعظمها دُمّر جزئيًّا أو على وشك الانهيار، هذا وحجم الدمار لم يتضح بعد.

إن إبادة التراث والذاكرة بغزة ستظل تذكيرًا صارخًا بالنفاق الغربي، وفي الحقيقة فقدان معالم التراث الثقافي في غزة لا يشكّل مأساة للفلسطينين فحسب، بل خسارة لنا جميعًا.

أحمد سيف النصر

المصدر: موقع نون بوست




“آلو” الجزيرة حركت بلينكن و”أقلقت” جون كيري: بعد “ليلة غضب أردنية” قرار بمراوغة “إبر التخدير” الأمريكية

لا يمكن اعتبار مضمون الاتصال الهاتفي الذي تلقاه وزير الخارجية أيمن الصفدي في وقت متأخر من مساء الخميس بعد “ليلة غضب أردنية” إلا بمثابة محاولة “لاحتواء الاحتقان” ومنح عمان “المزيد من الوعود” من الصنف الذي لا يتطابق مع الميدان والواقع.

على نحو مفاجئ تلقى الوزير الصفدي اتصالا طارئا من أنتوني بلينكن مساء الخميس.

وعملية الاتصال جرت بعد الظهور المباغت للصفدي على قناة الجزيرة حصريا لإظهار غضب و”إجراءات بلاده” تصعيدا في مواجهة الغطاء الأمريكي للعدوان الإسرائيلي الذي وصفه الصفدي في محادثته الهاتفية مع بلينكن بأنه “وصفة تلاعب بالجميع في الإقليم يمنحها الرئيس جو بايدن الشرعية”.

عمليا يريد الأردن معرفة “موقعه العميق” في ظل المعركة الوحشية التي يديرها الإسرائيليون ضد قطاع غزة أولا، ثم ضد أهالي الضفة الغربية ثانيا.

لذلك اتجه القرار إلى الأمام وأعلن الصفدي على الجزيرة في وقت متأخر بقرارين نادرين وفي قمة التصعيد هما:

أولا- استعمال صيغة “لن نوقعها” بخصوص اتفاقية تبادل خدمات الكهرباء والمياه الموقعة بالأحرف الأولى برعاية الإمارات ومبعوث الإدارة الأمريكية لملف المناخ وزير الخارجية الأسبق جون كيري.

وثانيا- وصف اتفاقية وادي عربة بأنها الآن “مجرد وثيقة على رف في مستودع يعلوها الغبار”.

 بعد “آلو” الصفدي المصورة مع الجزيرة والقرار ثم الوصف، جلس الصفدي بانتظار “أول ردة فعل” فكانت على لسان الوزير بلينكن الذي ينظر له في عمان بارتياب شديد.

بعيدا عن مضمون ما نوقش هاتفيا منتصف ليلة الخميس بين الصفدي وبلينكن يمكن القول إن المشروع الأكثر حيوية ضمن حزمة جون كيري حصريا خرج الآن وبقرار سيادي عن السكة الأردنية، الأمر الذي قد يعقبه زيارة كيري نفسه إلى عمان أملا في الاستدراك.

الأكثر أهمية هو ما قيل في الأروقة الأردنية بعد إطلالة الصفدي على الجزيرة ثم تلقيه “اتصالا هاتفيا” تخديريا من بلينكن، و”إبرة تخدير” جديدة هو الوصف الذي استعمله وزير خارجية سابق فضل عدم ذكر اسمه في انتقاد “أسلوب بلينكن” الذي يعكس بأنه رجل “استحق التوبيخ” وأن طاقم بايدن “لم يدرك بعد” حجم الغضب الأردني خصوصا بعد قصف بوابة المستشفى العسكري في غزة وإصابة 7 عسكريين من الكادر الطبي.

عدوان إسرائيل مستمر و”التصعيد الأردني سيستمر”.. هذا ما يلمح إليه الوزير الصفدي في الاجتماعات والكواليس. وذلك وسط تمركز الانطباع تماما بأن “تركيبة وطبيعة” العدوان الإسرائيلي الآن في القطاع والضفة “تعبث” في استقرار وأمن الأردن ومصر وكل الإقليم.

يبدو أن الصفدي أشار لقناعة بلاده بالخصوص وهو يتفاعل مع محاولة بلينكن “تطييب خواطر الأردنيين” على الطريقة الشرقية عبر التعبير عن قلقه من إصابة 7 عسكريين أردنيين ودون أن “يشجب أو يستنكر”.

 وجهة نظر مطبخ القرار الأردني أن اتصال بلينكن محاولة لتوجيه إنذارات ضمنية بعد قرارات أردنية تصعيدية سيعقبها “مداخلة ما” من كيري الأب الروحاني لمشروع “الكهرباء والمياه” الذي وضعه الأردن على الرف الآن إلى جانب اتفاقية وادي عربة كلها.

رغم ذلك التوجيهات واضحة للطاقم الأردني وما قيل لبلينكن ضمنا بأن المرحلة تتطلب مغادرة “الأقوال” الآن باتجاه “أفعال على الأرض”.

المصدر: صحيفة القدس العربي




واشنطن بوست: عندما يمنع علم فلسطين يستعيض الناشطون والفنانون عنه بالبطيخ

كيف تحول البطيخ إلى رمز القضية الفلسطينية؟ تقول صحيفة “واشنطن بوست” في تقرير أعدته جينفر حسن ومريام بيرغر إنه وفي أعقاب الحرب الإسرائيلية على غزة لم يعد البطيخ مجرد فاكهة حمراء حلوة الطعم، بل ورسمها المحتجون وحملوا قطعها في الشوارع في التظاهرات أو رسموا القطع على وجوههم.

وفي منصات التواصل الاجتماعي، فإن إيموجي على شكل البطيخ تظهر مع اسم المستخدم تحت المنشورات المتعلقة بحرب غزة. لكن ماذا يعني شعار البطيخ في هذا السياق ولماذا يلعب دورا مهما ويكون رمزا في التظاهرات المؤيدة لفلسطين؟ فالبطيخة كانت رمزا/أيقونة في الفن الفلسطيني ولعقود، حيث تستخدم للتعبير عن العلم الفلسطيني، لأنك عندما تقطعها فالفاكهة تظهر ألوان الأحمر والأبيض والأخضر والأسود، وهي فاكهة شعبية يزرعها الفلسطينيون.

أما السبب الثاني لاستخدام البطيخ كرمز فهو منع العلم الفلسطيني والرموز المعبرة عن الهوية الفلسطينية. وتقول دينا مطر أستاذة الاتصالات والإعلام العربي في مقابلة “بهذا المعنى، أكد الفلسطينيون على هوية البطيخ الفلسطينية”، فالبطيخ هو “رمز المقاومة والتصميم”، حسب مطر التي تدرس في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، مضيفة أنه في أثناء الاحتجاجات ضد الاحتلال الإسرائيلي، حمل الفلسطينيون في الضفة الغربية الفاكهة “كرمز لما تبقى فلسطينيا”.

وقال خالد الحوراني، الفنان المقيم في رام الله بالضفة الغربية لواشنطن بوست في 2021 إن “الفن يصبح أحيانا سياسيا أكثر من السياسة نفسها” وبعض أعمال الحوراني الفنية مستلهمة من البطيخ وتم مشاركتها بشكل واسع خلال السنوات الماضية، وتظهر في احتجاجات وعلى منصات التواصل الاجتماعي وسط النزاعات والحروب الإسرائيلية المتكررة على غزة.

ولأن العلم الفلسطيني المكون من الأحمر والأخضر والأبيض والأسود واجه في العقود الماضية جدلا، فقد بدا البطيخ جذابا للناشطين. ومنعت إسرائيل العلم في مناسبات معينة وهناك جهود من بعض الساسة في إسرائيل لمنعه رسميا. ومن ناحية عملية فالعلم ممنوع لأنه قد يصادر ويدفع مالكه غرامة بناء على قانون السلامة العامة. وفي كانون الثاني/يناير أزال وزير الأمن الإسرائيلي الأعلام من الأماكن العامة، وبعد عدة أشهر بدأت حملة قام بها الناشطون بلصق صور البطيخ على السيارات احتجاجا على اعتقال الأشخاص الذين يحملون العلم الفلسطيني، وقال الناشطون الذي لصقوا صور البطيخ: “هذا ليس هو العالم الفلسطيني”.

ويخدم إيموجي البطيخ نفس الهدف على منصات التواصل الاجتماعي، فأنصار فلسطين يستخدمون رموزا مشفرة وطرقا معينة في التهجئة يرونها ضرورية لتجنب القمع من شركات التكنولوجيا. ففي 2021 تم حذف ملايين من المنشورات المؤيدة لفلسطين من فيسبوك وتويتر/إكس، ولامت الشركة خطأ ببرامج الذكاء الاصطناعي. وبعد هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر سجلت منظمات حقوق الإنسان زيادة في قمع حرية التعبير في إسرائيل واستهدفت نسبة 20% من سكان إسرائيل.

وقضى يرموك الزعبي، صاحب محل حمص في الناصرة ليلة في السجن بتشرين الأول/أكتوبر بعدما نشر صورة قبضة بعلم فلسطيني على حسابه بواتساب، لكن تم الإفراج عنه بدون توجيه تهم. وتم استهداف العلم الفلسطيني بأوروبا أثناء النقاش الحالي، ففي برلين أصدرت المدارس إذنا بمنع الخرائط الإسرائيلية على شكل العلم الفلسطيني، وفي بريطانيا، قالت وزيرة الداخلية السابقة إن حمل العلم الفلسطيني قد يشكل خرقا للقانون، مع أن شرطة لندن وضحت “حمل العلم الفلسطيني لا يمثل بحد ذاته جريمة”.

وتقول مطر، من جامعة سواس إن العلم هو رمز الهوية الفلسطينية، “حمل العلم لأي أمة هو رمزي، ويعني أن أعضاء هذه الأمة يشعرون بأنهم ينتمون إلى تلك الأمة، ولهذا نعتبر نحن الفلسطينيين العلم مهما، لأن الفلسطينيين ليست لديهم دولة ولكن لديهم أمة. والعلم مهم للتأكيد على وجود الفلسطينيين”.

المصدر: صحيفة واشنطن بوست

ترجمة: إبراهيم درويش




هكذا طبعت حماس توقيعها على الثورة الفلسطينية الجديدة.. ما دور “فتح” ومروان البرغوثي؟

“بخصوص مسألة الأمن القومي العربي، فإن بقاء حماس يعني أن إيران، دولة آية الله، ستكون على الحدود المصرية وستهدد الأمن في شبه جزيرة سيناء وتهدد الجمهورية المصرية كلها. سيزداد التهديد عندما تعلن حماس بأنها الذراع المسلحة لإيران بشكل يشبه مكانة “حزب الله”، وستعمل ضد مصر مثلما يعمل الحوثيون ضد السعودية منذ سنوات. مع بقاء حماس، سيزداد ضغط “حزب الله” على ما بقي من دولة لبنان، وضغط الحوثيين لتحويل كل اليمن تحت أجنحة خامنئي. بقاء حماس سيضع عائقاً أمام المحور المعتدل، وسيزيد تحول القضية الفلسطينية إلى قضية دينية، وبواسطة نشاطاتها البربرية ستقضي على أي أمل لإقامة دولة فلسطينية مستقلة”.

هذه الأقوال كتبها بلغته اللاذعة الكاتب والصحافي الجزائري حميد زينار، الذي حذر من إمكانية بقاء حماس في السلطة بعد الحرب. زينار الذي نشر المقال هذا الأسبوع في موقع “العرب” لم يكن مفاجئاً. فمنذ سنوات وهو يشن حرباً لفظية ضروساً ضد الحركات الإسلامية المتطرفة، ويحاول الدفع قدماً بالخطاب العربي الليبرالي دون التنازل عن مواقفه القومية.

لكن مقابل زينار الذي يعيش في فرنسا، فإن النقاش حول مكانة حماس كحركة دينية تطمح إلى إقامة دولة شريعة إسلامية، يغيب هذا النقاش تقريباً في الخطاب الفلسطيني المحلي أو في وسائل الإعلام العربية. ورغم اسمها “حركة المقاومة الإسلامية” – والبنود الواضحة في ميثاق حماس من العام 1988، الداعية إلى إقامة الدولة الفلسطينية على الشريعة، نجحت حماس في ترسيخ جوهرها كحركة دينية، حفيدة كبيرة لحركة الإخوان المسلمين، مع صورة الحركة الوطنية التي تطمح لتحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي، الذي يشمل -حسب تعريفها- كل أراضي دولة إسرائيل، وليس فقط المناطق التي احتلتها في 1967.

هذا التعرج الأيديولوجي حول ازدواجية التعريفات تحله حماس بالتملص. المادة 27 في الميثاق تنص على أنه “لا يمكننا تحويل إسلامية فلسطين في الحاضر أو المستقبل وتبني الأيديولوجيا العلمانية. إسلامية فلسطين جزء من ديننا”. ولكن في التوق إلى المشاركة في النضال الوطني الفلسطيني، تنص هذه المادة على أن “في اليوم الذي ستتبنى فيه م.ت.ف الإسلام نهجاً للحياة، سنكون جنودها ووقود نارها التي ستحرق الأعداء. وإلى حين حدوث ذلك، ندعو الله بأن يحدث ذلك في القريب، فإن موقف المقاومة الإسلامية من م.ت.ف مثل موقف الابن من والده والأخ من أخيه والقريب من قريبه” (هذا ما جاء في كتاب “زمن العنف والتسوية لحماس”، بقلم شاؤول مشعل وإبراهام سيلع، منشورات “يديعوت أحرونوت”، 1999).

ما الذي سيكون بعد “الانتصار على العدو”؟ هل ستوافق حماس على تسوية أيديولوجية دينية؟ ليس لهذا إجابة واضحة في الميثاق، وهذا ليس بالصدفة؛ فحماس عقدت عدداً لا يحصى من اللقاءات والنقاشات والمفاوضات مع قيادة حركة فتح ومع كبار رجال السلطة الفلسطينية وعلى رأسهم محمود عباس. الكثير من الاتفاقات وقعت في السابق، لكنها تحطمت على خلفية الاختلاف حول التعيينات وتوزيع المناصب. وفي تموز الماضي، عقد في العلمين بمصر لقاء لرؤساء الحركات الفلسطينية تمت فيه مناقشة شروط المصالحة الداخلية وإقامة سلطة حكومية موحدة. ومثلما في المرات السابقة، كان لقاء غير مثمر. السبب الرئيسي، على الأقل حسب رواية عباس، أن حماس لم توافق على الصيغة القائلة بأن النضال الفلسطيني ضد إسرائيل لن يكون نضالاً عنيفاً.

العلاقات بين حماس وم.ت.ف، وبشكل خاص مع حركة فتح، تطرح الآن للنقاش العلني مرة أخرى، الذي يشغل السياسيين والصحافيين والمحللين الفلسطينيين، حول نتائج الحرب التي تلوح في الأفق، وهي أن حماس لن تعود عاملاً حاكماً في القطاع. المعادلة السياسية التي وضعها عباس والتي تقول إن السلطة الفلسطينية ستوافق على تحمل المسؤولية عن إدارة القطاع فقط في إطار سياسي شامل، أي حل الدولتين، لا ترضي المشاركين في الحوار العام.

لا أحد منهم يطرح إمكانية أن حماس كحركة فكرية وسياسية ستتوقف عن الوجود، حتى لو تحطمت مؤسسات حكمها في غزة. بالتالي، لا يمكن الاكتفاء بعودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة حتى لو تم إجراء نقاش حقيقي بتشجيع ودفع من أمريكا للدفع قدماً بحل الدولتين. على السلطة الفلسطينية أن تجري إصلاحات عميقة، بل م.ت.ف كلها، إذا كانت تنوي الاستمرار في تمثيل الشعب الفلسطيني، ويجب أن تمر بثورة.

جمال زقوت، وهو من النشطاء الوطنيين المخضرمين والذي شارك في الانتفاضة الأولى وكان أحد مساعدي ياسر عرفات والعضو الرفيع في الجبهة الديمقراطية، نشر في هذا الأسبوع في موقع “الرد” الأردني بأنه يجب على القيادات السياسية لحماس و”الجهاد الإسلامي” وحركة فتح، تأسيس تحالف تنظيمي مشترك يضع حداً للانقسام. يجب على هذا التحالف أن يتخذ القرارات المشتركة إزاء العمليات المصيرية التي تواجه الشعب الفلسطيني.

كاتب فلسطيني وطني بارز، عريب الرنتاوي، مدير معهد القدس للأبحاث في الأردن، نشر رسالة للأخوة في حركة فتح تحت عنوان “هنا والآن”، قال فيها: “إذا لم تستغل فتح هذه الفرصة التاريخية النادرة للنهوض والانبعاث والعودة إلى طريقها الأصلية كحركة تحرر وطنية ولم تنفض عن نفسها غبار السلطة الفلسطينية والتنسيق الأمني (مع إسرائيل)، ولم تُعِد صورة الحركة الرائدة المقاتلة لقواتها وكوادرها، فلا شك أنها ستسجل في قائمة الخاسرين في “طوفان الأقصى”، ولن ترحمها سيوف نتنياهو. نافذة الفرص ضيقة جداً وساعة الرمل اقتربت من النفاد… لكن رغم المواقف المتشائمة التي أسمعها، ثمة أمل ما زال موجوداً، ويكمن في احتمالية نجاح حماس في استكمال صفقة شاملة لتبادل المخطوفين والسجناء، يتم في إطارها إطلاق سراح المناضل القائد مروان البرغوثي، الذي تعلق عليه الآمال من أجل إحياء حركة فتح وإعادتها إلى مكانتها السابقة وإنهاء الانقسام الداخلي الفلسطيني وتوحيد الصفوف. إذا حدث ذلك، فسيكشف التاريخ أحد التقلبات، بحيث ستقدم حماس لفتح الهدية الأكبر التي ستمكنها من التعافي بعد سنوات من التجميد”.

       الاسم الساخن

مروان البرغوثي، القابع في السجن الإسرائيلي منذ عشرين سنة، هو الاسم الساخن الآن. هو الزعيم الذي حصل في السابق على لقب “مانديلا الفلسطيني”، ولديه الحل السحري لكل أمراض م.ت.ف والسلطة الفلسطينية والقضية الفلسطينية، وبالأساس هو الرد المثالي على قضية وريث محمود عباس ابن الـ 88 سنة. ولكن استطلاعات الرأي التي أجريت في السنتين الأخيرتين تطرح معطيات مشجعة أقل. في الاستطلاع الذي أجراه المركز الفلسطيني لأبحاث السياسة والاستطلاعات في أيلول، يظهر أنه إذا أجريت انتخابات في حينه، قبل الحرب، فلن يحصل البرغوثي إلا على 34 في المئة من الأصوات. في كل الحالات، هذه المعطيات لم تعد مهمة بعد الحرب في غزة.

لكن حتى لو تم إطلاق سراح البرغوثي في إطار الصفقة، فثمة شك بإجراء انتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني أو الرئاسة في المدى القريب؛ لأنه يجب عقدها في الضفة الغربية وشرقي القدس وقطاع غزة هذه الانتخابات من أجل أن تكون قاعدة لإعادة تنظيم م.ت.ف. إضافة إلى ذلك، إذا أزيلت العوائق الإجرائية فلا أحد حتى الآن سأل البرغوثي عن شروطه للوقوف على رأس م.ت.ف، وإذا كان أصلاً سيوافق على رئاسة السلطة الفلسطينية، وما هي شروطه لنقل غزة إلى حكم السلطة الفلسطينية، وماذا سيكون مستقبل علاقات السلطة برئاسته مع إسرائيل.

 في العام 2016، في مقابلة أجراها البرغوثي مع موقع المركز الفلسطيني للإعلام، عرض برنامجه لإعادة بناء م.ت.ف، وأكد أنه يجب إجراء حوار وطني مفتوح بين فتح وحماس: “ليس خطاب ممثلين، بل خطاب لجميع الأعضاء في مؤسسات الحركة”. الحوار الذي سيستمر ثلاثة أشهر قد يؤدي إلى صياغة أسس ومبادئ تبنى عليها الشراكة الفلسطينية في جميع مؤسسات الحكم، بحيث تحصل كل حركة وفصيل على نصيبه حسب نتائج الانتخابات.

البرغوثي، الذي كان من الذين صاغوا وثيقة السجناء المشهورة من العام 2006، مع ممثلي السجناء البارزين في كل الفصائل، والتي وافق فيها الموقعون على انضمام حماس لـ م.ت.ف وتشكيل حكومة وحدة وطنية، قال في المقابلة الأخيرة إن “وثيقة السجناء ستشكل أحد الأسس لأي اتفاق مستقبلي”. لا يوجد مكان للاعتقاد بأن الحرب في غزة ونتائجها ستغير مواقف البرغوثي من حماس ومن دورها في تعزيز صفوف م.ت.ف كحركة وطنية.

الحرب في غزة لن تبعد حضور حماس السياسي في أوساط الجمهور الفلسطيني في الضفة أو في شرقي القدس، حتى لو لم يعد باستطاعة مؤسسات حماس العمل، ولا يمكن لممثليها العيش في الضفة الغربية. إطلاق سراح البرغوثي من السجن حتى لو تحقق، وحتى لو نجح في إحياء م.ت.ف من الأنقاض، فلن يضمن أن تكون م.ت.ف الممثل الحقيقي للشعب الفلسطيني إذا لم تشمل حماس في تشكيلتها. الحرب في غزة أعطت الآن لحماس مكانة وطنية قوية، فأي زعيم فلسطيني في المستقبل لا يمكنه تجاهلها أو التملص منها؛ لأن الحرب تولد الآن الروح الفلسطينية الجديدة، التي سجلت حماس توقيعها عليها. ومن يريد اعتبار البرغوثي هو الدواء أو الفرصة لعملية سياسية مستقبلية، أو على الأقل قناة محتملة لنقل السلطة في غزة، فعليه الأخذ في الحسبان أن الأمر يتعلق برزمة كاملة من المبادئ.

 تسفي برئيل

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية




هآرتس: “ترانسفير بغطاء الحرب”.. هذا ما يفعله المستوطنون بحق تجمعات الرعاة في 16 موقعاً بالضفة الغربية

عندما هبطنا بصعوبة في منحدر الشارع الصخري، المليء بالحواجز الحجرية التي وضعها المستوطنون والتي كان يجب إزالتها من الطريق، شاهدنا من بعيد شخصين وهما يهددان ويقتربان منا. وصلا من الشارع الرئيسي، الأول يرتدي زي الجيش الإسرائيلي ويحمل بندقية، ذو سوالف طويلة. والآخر يرتدي الزي المدني. ركاب السيارة الفلسطينيون الذين رافقونا تأهبوا. لم يكن هنا خوف من المستوطنين مثل هذا.
المستوطن الذي يرتدي الملابس المدنية قفز على غطاء محرك السيارة بجسده ومنع تقدمنا. وضع هاتفه على بعد مسافة كي يصور ويهدد وكأنه ضبطنا بالجرم المشهود. بعد ذلك، وضع الصخور على الشارع لمنعنا من التقدم. صديقه الذي يحمل السلاح ويرتدي الزي العسكري، سألنا بشكل مهذب: ما الذي نفعله؟ وطلب رؤية بطاقات الهوية وكأنه سيد المنطقة. كنا في طريق العودة من تجمع الرعاة الأخير الذي لم يهرب للنجاة بنفسه حتى الآن، وهو خربة التيران جنوب الظاهرية في جنوب جبل الخليل. قبل يوم من مجيئنا، حصل السكان هناك على تهديد بالإخلاء وإلا سيتم قتلهم.
اجتزنا حاجز الصخور بطريقة ما مع تجاهل طلب وقح من الجندي – المستوطن بأن نقول له ماذا نفعل هناك. وواصلنا السير نحو الشارع الرئيسي. المسافرون معنا في السيارة لاحظوا أن الجندي هو أحد المستوطنين الأكثر عنفاً في المنطقة، وهو الآن عضو في فرقة الطوارئ، وهي المشكلة الأخيرة التي نزلت على رأس تجمعات الرعاة هنا. “كنا نعرف ما نفعله وما يجب أن نحذر منه مع المسؤولين السابقين عن الأمن”، قال نصر نواجعة، وهو باحث في “بتسيلم” ويعيش في سوسيا القريبة. “فرق الطوارئ تعتقل من تريد وتفعل ما تشاء”. في شوارع جبل الخليل الفارغة تشاهد دائما سيارات عليها مصابيح صفراء، وهي سيارات فرق الطوارئ التي ازدادت هنا في فترة الحرب، التي يتطاول تحت غطائها المستوطنون هنا مثلما لم يتطاولوا من قبل. أكواخ جديدة فوق كل جرف صخري، علم إسرائيل يرفرف عليها، قريباً ستأتي البؤرة الاستيطانية، المستوطنون مسلحون ويرتدون الآن الزي العسكري بدلاً من الملابس المدنية. “مجرمون بالزي العسكري”، هكذا سماهم النواجعة.
كل الشوارع التي تؤدي إلى تجمع الرعاة والقرى الأخرى هنا مغلقة في الأسابيع الأخيرة بواسطة الصخور التي وضعها المستوطنون. سوسيا مثلاً، قرية تعيش فيها 32 عائلة، 300 نسمة، أغلقت في أماكن كثيرة بما في ذلك حقولها، ولم يعد هناك أي طريق للوصول إليها في السيارة. “حتى الذبابة لا يمكنها الوصول”، يقول النواجعة بالعبرية. حسب بيانات بتسيلم، فإن 16 تجمع رعاة هربت في أرجاء الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب، 6 منها في جنوب جبل الخليل، الآن في الضفة 149 عائلة هربت للنجاة، الذين لم يعد بإمكانهم العودة إلى قراهم مرة أخرى. ترانسفير بغطاء الحرب.
يقول السكان إنه أسلوب يتكرر في كل قرية؛ يأتي المستوطنون ليلاً، أحياناً بالزي العسكري أو ملثمين، وينشرون الرعب، وأحياناً يصوبون مسدساً لرأس طفل ويحطمون سيارات أو يفتحون صنابير المياه ويسكبون المياه منها ويثقبون أكياس الأعلاف ويفرغونها ويخيفون الأغنام ويمزقون ويخربون كل شيء أمامهم، ويبلغون السكان الخائفين بأنه إذا لم يخلوا القرية خلال يوم فسيعودون ثانية ليلاً ويمسّون بهم.
سكان هذه القرى الصغيرة هم الأكثر ضعفاً وعجزاً في سلسلة الغذاء الفلسطينية، وليس أمامهم خيار عدا عن الاستسلام والهرب من المكان الذي ولدوا فيه ويعيشون فيه في ظروف تشبه عصر التوراة تقريباً. لا أحد يحميهم من المستوطنين الآن، ولا من يدافع عن حياة أولادهم وممتلكاتهم. هنا في هذه الأرض المشاع، لا يوجد جيش أو شرطة إسرائيلية أو فلسطينية أو أي جهة أخرى تدافع عنهم.
زعران المستوطنين دائماً هم أبطال على الضعفاء، يستغلون ضعفهم لتوسيع الترانسفير وتطهير كل جنوب جبل الخليل ومناطق أخرى من السكان الفلسطينيين أبناء المكان. بعيداً عن عيون الجميع، في ظل الحرب في غزة، أصبح النجاح واضحاً على الأرض. في المناطق جنوب قرية السموع والظاهرية وفي مسافر يطا شوهدت في هذا الأسبوع قرى من خيام متروكة يعلوها علم الاحتلال.
في البداية طردوا سكان قرية زنوتة، 27 عائلة، وقرية عنيزان، 5 عائلات. المستوطنون الذين نفذوا الطرد جاءوا من مستوطنة “حفات متريم” التي تشكل الرعب للسكان هنا، أو من بؤر استيطانية أخرى في المنطقة. أما قرية رازيم الواقعة قرب السموع فقد تم إخلاؤها بعد تهديد سكانها من قبل المستوطنين، فقد غادروها خوفاً على حياتهم. ولكن في ليلة الإخلاء جاء المستوطنون بالجرافات ودمروا الخيام فوق الأثاث الذي فيها، 10 أطنان من الشعير تم تدميرها.
وإن آخر سكان تجمع رازيم، وهو عيسى صافي (77 سنة)، فقد اضطر أخيراً إلى الإخلاء بعد ازدياد التهديد على حياته. في إحدى الليالي، اتصل وهو يبكي، مع النواجعة من “بتسيلم”، وفي اليوم التالي غادر. الحمير التي كانت له سرقها مستوطن من “عشهال”. أما تجمع مقتل امسالم فلم يعد موجوداً. الراعي عمار عويوي (38 سنة) هرب مع عائلته؛ لقد طرده المستوطنون وأجبروه على المشي حافي القدمين فوق الأشواك، حسب ما قاله النواجعة، وتعرض لتنكيلات أخرى إلى أن هرب. يقول النواجعة إن هذه القرى صغيرة، عائلتان أو ثلاث عائلات في كل تجمع، وليس لهم أي خيار آخر عدا الهرب. كانت تعيش أربع عائلات في قرية عتيرية، أما الآن فيرفرف علم إسرائيل هناك فوق الأكواخ بجانب الشارع.
الأخوان توفيق ورفيق الزعارين، يعيشان في خربة التيرام، كل منهما عنده 12 ولداً، ولهما 500 رأس أغنام. الخيمة الرئيسية في القرية ملفوفة بمنشور ضخم مكتوب عليه “بنكك يهتم بقرضك السكني. عدم تسديد القرض قد يجر إلى دين بفائدة تأخير التسديد وإجراءات التنفيذ، طبقاً لشروط البنك”.
“حفات يهودا” مستوطنة تطل على الخيام، و”حرشات راع” تطل من الجرف المقابل. يعيش في تجمع تيران خمس عائلات تشمل 100 نسمة تقريبا. عودة أبو شرخ، الذي عمره 75 سنة والده ولد هنا قبل 110 سنوات. وحتى الآن، لم يحصل على تهديد، أما الجيران توفيق ورفيق فقد حصلا.
السبت الماضي، 11 تشرين الثاني، في الساعة العاشرة صباحاً، وصل مستوطنان مسلحان فجأة إلى القرية، يستقلان سيارة تندر ويقودانها بشكل وحشي واخترقا القطيع لتخويفه. قفز أحدهما من السيارة، وحسب أقوال رفيق، صوّب المسدس على رأس أحد أبناء العائلة وصرخ: “اذهب من هنا، معكم 24 ساعة لمغادرة المكان”. وقد سألا الأولاد عن أصحاب البيت، وعادا للتهديد بأن يغادروا القرية خلال يوم وإلا سيصيبهم السوء. لذلك غادروا.
أما سوسيا، التي جربت المعاناة، فقد تم طرد سكانها قبل بضع سنوات من المراعي والكهوف التي ولدوا فيها بعد أن سيطر عليها المستوطنون. والآن لا يمكن الدخول إلى هناك بواسطة السيارة. يضطر النواجعة إلى إيقاف سيارته على بعد نصف كم عن بيته، ويقوم بتحميل أغراضه على حمار إلى البيت. المستوطنون أعادوه هو أيضاً إلى العصر الحجري.
جدعون ليفي

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية




إلغاء معرض فنان صيني في عواصم غربية بسبب منشور عن إسرائيل

قال الفنان الصيني آي ويوي، المعروف بدعمه للقضية الفلسطينية، إن معرضه الجديد قد تم إلغاؤه بعد أن نشر تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي عن إسرائيل وعدوانها على غزة.
وبحسب موقع “بي بي سي” كان من المقرر افتتاح معرض الفنان والناشط الصيني المعارض، يوم الأربعاء، في معرض ليسون في لندن.
وقال آي، الذي كان صريحا في دعمه للفلسطينيين، إنه “ملتزم بالتعبير عن وجهة نظره”.
ونقل الموقع البريطاني، عن المعرض قوله إنه “لا يوجد مكان للنقاش الذي يمكن وصفه بأنه معاد للسامية أو معادٍ للإسلام”.
وجاء في بيان الشركة: “بعد محادثات مكثفة مع آي ويوي، عقب تعليق نشره على الإنترنت، اتفقنا معًا على أن الآن ليس الوقت المناسب لتقديم مجموعة أعماله الجديدة”.

وجاء في منشور الفنان الصيني، الذي تم حذفه بعدها، أن “الشعور بالذنب تجاه اضطهاد الشعب اليهودي” قد انتقل إلى العالم العربي.
وقال أيضًا إن “الجالية اليهودية لها تأثير قوي في وسائل الإعلام والمالية والثقافة في الولايات المتحدة، وإن الدعم العسكري السنوي الذي تقدمه أمريكا لإسرائيل بقيمة 3 مليارات دولار (2.45 مليار جنيه استرليني) يعني أن البلدين لديهما مصير مشترك”.
وأكد الفنان الذي لجأ إلى أوروبا، أنه تلقى إخطارا من المعرض بأن معرضه “تم إلغاؤه فعليا بسبب تغريدتي”.
ونقل الموقع عن ممثل للفنان قوله إنه تم أيضًا إلغاء ثلاثة معارض أخرى – في معرض ليسون في نيويورك وجاليري ماكس هيتزلر في باريس وبرلين.

وقال آي إنه رد على مستخدم آخر طرح عليه سؤالا، وإنه “حاول أن يكون موضوعيا ومحايدا دون إصدار أحكام أخلاقية أو اتهامات أو تقييم للأفعال البشرية”.
وقال أيضًا إنه كفنان، كان مهتمًا فقط بحرية التعبير، وليس “بالبحث عن التعبير الصحيح”.
ومع ذلك، تابع: “عند مناقشة الصواب أو الخطأ، لا بد أنني مخطئ. لقد اعتبرت دائمًا حرية التعبير قيمة تستحق النضال من أجلها والاهتمام بها، حتى لو جلبت لي مصائب مختلفة”.
وأضاف “يجب بشكل خاص تشجيع الآراء غير الصحيحة. إذا كانت حرية التعبير مقتصرة على نفس النوع من الآراء، فإنها تصبح سجناً للتعبير. حرية التعبير تتعلق بأصوات مختلفة، أصوات مختلفة عن أصواتنا”.

وعاد الفنان ليقول في بيان منفصل: “إذا كانت الثقافة شكلاً من أشكال القوة الناعمة، فإنها تمثل أسلوباً من أساليب العنف الناعم يهدف إلى خنق الأصوات”.

وأضاف أنه “ليس موجهًا إلي فقط، بل إلى الثقافة الأوسع لمجتمع يفتقر إلى نظام المناعة الروحي. عندما لا يستطيع المجتمع تحمل الأصوات المتنوعة، فإنه يتأرجح على شفا الانهيار”.

وقال معرض ليسون في بيانه إن “كل الجهود يجب أن تركز على إنهاء المعاناة المأساوية في الأراضي الإسرائيلية والفلسطينية، وكذلك في المجتمعات على المستوى الدولي”.

وأضافت: “آي ويوي معروف بدعمه لحرية التعبير ومناصرته للمضطهدين، ونحن نحترم ونقدر بشدة علاقتنا الطويلة معه”.

من هو آي ويوي؟
آي ويوي يبلغ من العمر 66 عامًا ومعروف بتعليقاته السياسية ونشاطه في قضايا حقوق الإنسان.
هو فنان معاصر ومخرج وثائقي وناشط اكتسب شهرة عالمية بعد انتقاده العلني لموقف الحكومة الصينية بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وقد ولد في بكين عام 1957، ونشأ في معسكرات العمل في شمال غرب الصين بعد نفي والده آي تشينغ، وهو شاعر مناهض للنظام.

وفي عام 2011، ألقي القبض عليه في بكين بدعوى “ارتكاب جرائم اقتصادية”، واحتجز لمدة 81 يومًا دون توجيه تهمة له.

ويعد الفنان واحدًا من أكثر المعلقين السياسيين صخبًا في الصين ويستخدم أشكال الفن الصيني لعرض القضايا السياسية والاجتماعية.

وهو أيضًا مدافع معروف عن حقوق الإنسان وقد أعرب جهارًا عن دعمه للشعب الفلسطيني.

وفي عام 2016، قام بتصوير فيلم وثائقي بعنوان “التدفق البشري” في غزة حول أزمة اللاجئين العالمية

المصدر: صحيفة القدس العربي