1

اتفاق أمريكي إسرائيلي على فكرة “غزة ما بعد حماس”، لكنهم يجهلون طريقة تطبيقها.. والأردن ومصر يعرقلان الخطة

قالت صحيفة The Wall street Journal الأمريكية إن مدير وكالة المخابرات المركزية وليام بيرنز، ناقش مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس المخابرات المصرية عباس كامل، فكرة إدارة القاهرة للأمن في قطاع غزة، تمهيداً لتمكين السلطة الفلسطينية من تولي المسؤولية بعد هزيمة حماس.

وفي تقرير لها نشرته الأربعاء 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، قالت الصحيفة الأمريكية إن السيسي رفض الاقتراح، قائلاً: إن مصر لن تلعب دوراً في القضاء على حماس، وذلك لأنها تحتاج إلى الجماعة المسلحة للمساعدة في الحفاظ على الأمن على الحدود.

حماس ترفض التصريحات الأمريكية

ويتواصل الحديث في كل من واشنطن وتل أبيب على حدٍّ سواء، حول شكل قطاع غزة بعد انتهاء الحرب، والتلميح باستمرار بحتمية انتهاء حكم حركة حماس التي تقود القطاع منذ 17 سنة، وهو الأمر الذي تستخف فيه الحركة. 

وحمّل القيادي في حركة حماس الفلسطينية أسامة حمدان، الإدارة الأمريكية مسؤولية “المجازر اليومية” التي ترتكبها إسرائيل في القطاع، ووجّه رسالة إلى واشنطن خلال مؤتمر صحفي، قائلاً: “توقفوا عن التفكير في التخطيط لحكم غزة بعد الحرب”. 

القيادي في حماس أسامة حمدان - الأناضول
القيادي في حماس أسامة حمدان – الأناضول

وأكد حمدان أنه لا توجد قوة على الأرض يمكن أن تفرض الوصاية على الشعب الفلسطيني، وقال حمدان في مؤتمر صحفي بالعاصمة اللبنانية بيروت: “نقول لنتنياهو إن مقاومتنا ستجبرك على دفع الثمن مقابل الإفراج عن الأسرى لدى حماس، المطلوب اليوم هو العمل على وقف العدوان على شعبنا بشكل فوري”، مؤكداً أنه: “لا توجد قوة على الأرض يمكن أن تفرض على شعبنا الوصاية”.

حيرة أمريكية بشأن القطاع

يبدو الشكل النهائي لقطاع غزة مرسوماً في ذهن كل من واشنطن وتل أبيب، وهو إنشاء “غزة بدون حماس”، لكن كيفية الوصول لتلك النقطة تظل مجهولة لدى الإدارتين. 

وبدأت بعض التصريحات الأمريكية تتبلور حول ذلك، فقد دعا كبار المسؤولين الأمريكيين إلى أن يكون قطاع غزة والضفة الغربية تحت حكم قيادة فلسطينية موحّدة، وهي السلطة الفلسطينية، والعمل على إعادة بناء غزة على نحو يعيش فيه الإسرائيليون والفلسطينيون جنباً إلى جنب، ضمن تدابير متساوية من الأمن والحرية والكرامة” على حد وصف وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن.

كما بدأت واشنطن برسم خطوط حمراء لذلك، فقد صرح وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن، على هامش اجتماع لوزراء خارجية مجموعة الديمقراطيات الصناعية السبع، إن الولايات المتحدة تعترض على “التهجير القسري للفلسطينيين من غزة”.

وقال في طوكيو: “لا إعادة لاحتلال غزة بعد انتهاء الحرب، ولا محاولة لحصار غزة أو محاصرتها..لا تقليص في أراضي غزة”.

من جانبه قال جون كيربي، المتحدث باسم مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، في وقت لاحق: “نعتقد أن الفلسطينيين يجب أن يكونوا مسؤولين عن مستقبلهم، ويجب أن يكونوا الصوت الحاسم والعامل في مستقبلهم”.

هذه الرؤية الأمريكية والخطوط العريضة، جاءت بعد شهر من المناقشات الهادئة التي أجراها هو ومسؤولون آخرون مع إسرائيل وشركاء إقليميين، بالإضافة إلى دبلوماسيين عالميين بارزين. 

لا ثقة في الرؤية الإسرائيلية لدى بعض الدول

من جانبها تبحث الحكومة الإسرائيلية عن حل للوصول للفكرة التي تروّج لها، وهي “غزة بعد حماس”، وتنظر، بحسب وزير خارجيتها إيلي كوهين، إلى تسليم مسؤولية حكم المنطقة إلى تحالف دولي، بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول ذات الأغلبية المسلمة، أو إلى “القادة السياسيين المحليين” في غزة.

وزراء خارجية مصر والأردن وأمريكا/رويترز
وزراء خارجية مصر والأردن وأمريكا/رويترز

واللافت في هذه التصريحات هو الثقة الزائدة لدى الموقف الإسرائيلي، بشأن إمكانية القضاء على حركة حماس، وبسط سيطرتها على القطاع الذي هربت وانسحبت منه عام 2005، بفعل ضربات المقاومة. 

في المقابل، لا توجد ثقة لدى الدول العربية المحيطة بفلسطين، بشأن إمكانية إسرائيل القضاء على حماس، كما لا يبدو وجود أي تأييد لها. 

هذا الأمر، ظهر بشكل واضح في تصريحات لوزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، الأربعاء 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، والتي جاء فيها، إن “عمّان ترفض أي حديث أو سيناريوهات عن مرحلة ما بعد غزة”، وإن ما يُطرح من قِبل بعض الأطراف “غير واقعي ومرفوض”، كما أكد أن “حركة حماس فكرة، والفكرة لا تموت”. 

وبشأن ترويج إسرائيل وغيرها للقضاء على “حماس” وما بعدها، قال: “حماس فكرة، والفكرة لا تنتهي، من يريد وضعاً مغايراً، عليه تلبية حاجات وحقوق الشعب الفلسطيني وبالسلام الشامل. إذا لم يذهب المجتمع الدولي بهذا الاتجاه، وبخطة تحقق السلام والدولة الفلسطينية وحقوق شعبها، فإننا سنعود للحرب كل 5 أو 6 سنوات، ولن يشهد أحدٌ الاستقرار والأمن الذي يطالب به العالم كله”. 

المصدر: صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية

ترجمة: موقع عربي بوست




ارتدت الكوفية ورفعت صورة جدتها الفلسطينية.. رشيدة طليب تبكي في الكونغرس: نحن بشر مثلكم

استنكرت النائبة الأمريكية من أصول فلسطينية، رشيدة طليب، قرارَ مجلس النواب الأمريكي بتوجيه اللوم لها بسبب تعليقات أدلت بها حول العدوان الإسرائيلي على غزة، مشيرة إلى أن الدفاع عن الأرواح ليس ذنباً.

وظهرت طليب في كلمة لها في الكونغرس مرتديةً الكوفية الفلسطينية، الأربعاء 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وأوضحت أن رفض الكونغرس والإدارة (الأمريكية) الاعتراف بحياة الفلسطينيين “يؤثر في روحي”.

وأشارت طليب إلى أن “أكثر من 10 آلاف فلسطيني قُتلوا (في غزة)، والغالبية كانت من الأطفال”، لافتة إلى أن انتقادها كان دائماً لحكومة إسرائيل وأفعال رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، وأنه “من المهم فصل الشعوب عن الحكومات”. 

“نحن بشر مثل أي شخص آخر”

وخاطبت الكونغرس بأنه “لا توجد حكومة خارج نطاق الانتقاد”، وأضافت وهي تبكي أنها لا يمكن أن تصدق أنها مضطرة لقول إن الشعب الفلسطيني “لا يمكن التخلص منه”.

وأردفت: “نحن بشر مثل أي شخص آخر”، ورفعت صورة جدتها قائلة: “جدتي مثل جميع الفلسطينيين، تريد فقط أن تعيش حياتها بحرية وكرامة إنسانية نستحقها جميعاً”.

وشددت طليب على أن “الدفاع عن الأرواح بغضّ النظر عن الدين أو العرق لا يمكن أن يكون نقطة جدل في هذه القاعة”.

وبينما أكدت أن صرخات الأطفال الفلسطينيين والإسرائيليين لا تبدو مختلفة بالنسبة لها، تساءلت قائلة: “لا أفهم لماذا صرخات الفلسطينيين مختلفة بالنسبة لكم جميعاً؟”.

وأكدت طليب أنها لا تقبل قرار الكونغرس بلومها، وأنها لن تسكت، ولن تسمح “بتشويه” كلامها، مؤكدةً أن الفلسطينيين يستحقون أن يعيشوا حياتهم بحرية وكرامة.

وقالت إن محاولات “إسكاتها والتنمر عليها ومراقبتها لن تُفلح، وإن الملايين من الأمريكيين يريدون وقف إطلاق النار، ويرون في نتنياهو شخصاً متطرفاً، وسئموا من دعم الحكومة الأمريكية للعقاب الجماعي بحق سكان غزة. وإن الملايين أيضاً يعارضون قطع الماء والكهرباء والغذاء عن غزة”.

الكونغرس يوجّه “اللوم” للنائبة الفلسطينية

والثلاثاء 7 نوفمبر/تشرين الثاني، صوّت مجلس النواب الأمريكي لصالح توجيه اللوم إلى الديمقراطية رشيدة طليب، النائبة الوحيدة من أصل فلسطيني في الكونغرس، بسبب تصريحاتها بشأن العدوان الإسرائيلي على غزة، حيث انتقدت الجرائم التي يرتكبها الاحتلال ضد المدنيين ودعم إدارة بايدن له.

حيث صوّت 22 ديمقراطياً، مع النواب الجمهوريين، لتوجيه اللوم إلى رشيدة طليب، لـ”ترويجها سرديات زائفة” بشأن هجوم حركة حماس على إسرائيل، في 7 أكتوبر/تشرين الأول، و”الدعوة إلى تدمير دولة إسرائيل”.

فيما كانت رشيدة طاليب قد انتقدت تركيز زملائها على “إسكات صوتها فيما يخص التطورات في غزة، بدلاً من إنقاذ حياة الفلسطينيين”، وفق ما جاء في بيان أصدرته حول مشروع قرار إدانتها في مجلس النواب الأمريكي.

طليب قالت في بيانها إنه “في الوقت الذي تجاوز فيه عدد القتلى في غزة أكثر من 10 آلاف، أشعر ببالغ الحزن جراء مساعي زملائي لإسكاتي بدلاً من إنقاذ حياة الآخرين”. وأكدت أن الكثير من الأعضاء في مجلس النواب أبلغوها بأن “حياة الفلسطينيين ليست مهمة بالنسبة لهم”.

كما أشارت إلى أن زملاءها “بدلاً من تقبّل أفكار ووجهة نظر الفلسطينية الأمريكية الوحيدة في المجلس، لجأوا إلى تشويه موقفها من خلال الأكاذيب الصارخة”. ولفتت إلى أنها أدانت مراراً وتكراراً استهداف المدنيين من قبل “حماس وإسرائيل”.

فيما شددت رشيدة طليب على أنها ستواصل مساعيها الرامية لـ”سلام عادل ودائم، يركز على التعايش السلمي بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ويضمن عدم معاناة أي شخص أو طفل أو العيش في ظل الخوف من العنف”.

رشيدة طليب نشرت بتاريخ 3 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عبر منصة “إكس”، صوراً لأطفال فلسطينيين قتلى، وكتبت قائلة “الرئيس بايدن يدعم الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، الشعب الأمريكي لن ينسى هذا”. وأضافت: “بايدن، إما أن تدعم وقف إطلاق النار الآن، أو لا تثق بنا (لا تعول علينا) في (انتخابات) 2024”.

المصدر: موقع عربي بوست




المقاطعة مستمرة… آن للشعوب أن تكون مؤثرة في المشهد

أظهرت الشعوب العربية منذ بدء العدوان الإسرائيلي الهمجي الشرير على الشعب المحاصر في قطاع غزة، حين خرجت في مظاهرات عارمة في عدد من البلاد العربية وعبّرت عن تضامنها رقميًا على شبكات التواصل، أن القضية الفلسطينية عمومًا وقضية شعب غزة خصوصًا هي في ضميرها ووعيها ووجدانها.

ورغم خذلان الأنظمة العربية وإدارة ظهرها للشعب المكلوم في غزة، إلا أن الشعوب الحية بذلت جهدًا في التعبير عن إرادتها رغم القمع، قوًلا وفعلًا، وإن كان ذلك لا يكفي مع استمرار الحملة البربية التي تشنها “إسرائيل” على الأبرياء في غزة.

والمقاطعة، مناصرة تصاعدية للتعبير عن الاحتجاج والضغط على داعمي دولة الاحتلال لتحييدهم ورسالة قوية لكل الشركات أن مناصرة الاحتلال والوحشية لها ثمن. ويمكن تلخيص جدوى المقاطعة بأمرين:

  • الضغط الاقتصادي: المقاطعة يمكن أن تؤثر بشكل كبير على أسهم الشركات المستهدفة بالحملة وسمعتها، ما يمكن أن يجبرها على إعادة التفكير في دعم الاحتلال. كما يشجع الشركات المحايدة (أو حتى المستهدفة) على تقديم مساعدات للشعب الفلسطيني المنكوب لتحسين سمعتها.
  • رفع الوعي: المقاطعة تساعد في نشر الوعي بالقضية الفلسطينية عمومًا وما يحدث في غزة خصوصًا من انتهاكات خطيرة ووحشية ترتكبها قوات الاحتلال بلا تمييز. يمكن أن تجذب هذه الحملات الاهتمام الإعلامي وتشجيع أطياف واسعة من الناس على التخلي عن منتجات الشركات المستهدفة واستبدالها بمنتجات شركات داعمة للقضية الفلسطينية أو محايدة.

أبرز الشركات المستهدفة بالمقاطعة

لم يقتصر الدعم الغربي للكيان الإسرائيلي على الحكومات فحسب، وإنما شمل شركات كبرى أيضًا، إذ أعربت العديد من الشركات منذ بداية العدوان عن دعمها دولة الاحتلال، وقدمت له المساعدات المالية والغذائية.

هذا الدعم دفع الكثير من القوى الحية في الدول العربية والإسلامية، إلى مقاطعة منتجات هذه الشركات وجرى توسيع القائمة فيما بعد لأغلب الشركات التي تؤيد الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين وتناصر العدوان على الفلسطينيين.

وانتشرت مؤخرًا حملات المقاطعة على مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك وإكس وتيك توك)، وتدعو هذه الحملات إلى الامتناع عن شراء منتجات الشركات الداعمة للاحتلال الإسرائيلي، بجميع فروعها في الدول العربية والإسلامية.

على رأس الشركات المستهدفة بالمُقاطعة نجد الأمريكية التي أظهرت دعمًا سخيًا لجيش الاحتلال الإسرائيلي، ومنها “ماكدونالدز” للوجبات السريعة، وكانت هذه الأخيرة قد أعلنت تقديم أكثر من 4 آلاف وجبة سريعة يوميًا للجيش الإسرائيلي والمستوطنين اليهود في مستوطنات غلاف غزة والمستشفيات، إلى جانب تقديمها خصومات وتخفيضات بنسبة 50% للجنود الصهاينة وقوات الأمن والشرطة الذين يزورون مطاعمها في “إسرائيل”، حسب ما ذكره موقع “بيزنس إنسايدر” الأمريكي.

كما أشارت شركة “ماكدونالدز،” في أحد منشوراتها، إلى أنها فتحت 5 مطاعم للوجبات السريعة داخل “إسرائيل”، بهدف تقديم المساعدة المجانية لقوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين في المستشفيات والملاجئ الصهيونية، وانتشرت صور ومقاطع فيديو تظهر تسلّم جنود الاحتلال الصهيوني وجبات مجانية من الشركة.

ضمن الشركات المعنية بالمقاطعة أيضًا، نجد سلسلة المطاعم الأمريكية “بابا جونز”، التي قدمت الآلاف من وجبات البيتزا بشكل مجاني لعناصر جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ انطلاق العدوان على غزة يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

كما انتشرت دعوات لمقاطعة سلسلة المتاجر الفرنسية “كارفور” منذ أن أعلن فرعها في “إسرائيل” توزيع المواد الغذائية على جنود جيش الاحتلال، وتشير الكثير من التقارير إلى تواطؤ مجموعة كارفور في الجرائم التي يرتكبها نظام الاستعمار الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني.

شملت المقاطعة أيضا شركة “ستاربكس”، صاحبة سلسلة المقاهي الشهيرة، على خلفية انتقاد الشركة تضامن نقابتها مع ما أسمته “هجوم حماس الإرهابي” على المدنيين الإسرائيليين، فيما أطلقت عليه المقاومة الفلسطينية اسم عملية “طوفان الأقصى”.

على رأس الشركات المُقاطَعة أيضًا، نجد شركة “كوكا كولا” التي تملك أكبر مصنع لها في الشرق الأوسط بـ”إسرائيل”، وتقدّم الشركة الدعم المالي للحكومة الإسرائيلية وعدد كبير من الجمعيات والحركات اليمينية المتطرفة داخل كيان الاحتلال.

بدورها أعلنت شركة “أمازون” دعمها للكيان الإسرائيلي، وقالت إن لديها خطة طوارئ لإبقاء خدمات أمازون ويب متاحة للعملاء في “إسرائيل”، ما جعلها ضمن الشركات المستهدفة بالمقاطعة، خاصة أنها سبق وأعلنت دعمها للإسرائيليين في العديد من المرات.

تأثير واضح

سرعان ما ظهرت نتائج المقاطعة، إذ بدت محلات هذه الشركات في المنطقة العربية والإسلامية خالية بشكل ملحوظ من المستهلكين والرواد، على خلاف العادة قبل أقل من شهر، وفي المقابل ذاع صيت العديد من المنتجات المحلية التي تعوض منتجات هذه الشركات.

وأقدمت بعض الشركات على تخفيض أسعارها وتقديم بعض العروض التجارية لإغراء المستهلكين وكسر المقاطعة، لكن المزاج الشعبي العام مع المقاطعة رغم خفض الأسعار، خاصة مع تواصل المجازر الإسرائيلية بحق الفلسطينيين وقصف الوحدات السكانية ودور العبادة والمستشفيات.

ولا توجد معطيات دقيقة عن حجم الخسائر التي تكبدتها هذه الشركات نتيجة المقاطعة حتى الآن، لكن مسارعة الكثير من الفروع التابعة للشركة العالمية في عدة دول عربية وإسلامية، إلى نفي العلاقة بينها وبين الفرع الموجود في “إسرائيل”، يؤكد أن التأثير كبير.

وتخشى هذه الشركات من زيادة زخم موجة المقاطعة التي تتسع رقعتها يومًا بعد آخر، خاصة أنها تعلم جيدًا حجم وتأثير هذا السلاح حال استخدامه بالشكل الجيد، ذلك أن الدول العربية والإسلامية تمثل سوقًا كبيرًا لا يستهان به.

وإلى جانب الحملات على مواقع التواصل الاجتماعي، أطلق شباب متمرسون في مجال التكنولوجيا، مواقع إلكترونية مخصصة وتطبيقات على الهواتف الذكية تحدد المنتجات التي يطالبون بمقاطعتها، ويعمل ملحق لمتصفح “غوغل كروم” سمي “باقة فلسطين” PalestinePact، على إخفاء منتجات واردة في إعلانات عبر الإنترنت في حال كانت مدرجة على قائمة المقاطعة.

كما انتشرت المعلقات واللافتات في شوارع العواصم وكبرى المدن العربية التي تدعو للمقاطعة وأُرفقت الصور بشعار يقول “هل قتلت اليوم فلسطينيًا؟” مع هاشتاغ “مقاطعون”، في رسالة موجّهة إلى المستهلكين الذين لم ينضموا إلى حملة المقاطعة بعد.

ويأمل المقاطعون أن تساهم حملتهم في دفع هذه الشركات الغربية لتعديل موقفها من كيان الاحتلال الإسرائيلي، ذلك أن الخسائر الاقتصادية المتوقعة لها أن تثنيها عن مواصلة دعمها اللامحدود لقتلة الأطفال الفلسطينيين.

حملات سابقة

هذه الحملة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن قامت الشعوب العربية والإسلامية بحملات مقاطعة لكل من له علاقة بالكيان الإسرائيلي، وتقود هذه الحملة الحركة العالمية لمقاطعة “إسرائيل” التي تعرف اختصارًا بـ”بي دي إس”.

تسعى هذه الحركة العالمية التي تأسست سنة 2005 على يد قوى مدنية فلسطينية، إلى كشف ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وفضح عنصريته، فضلًا عن وقف كل أشكال التطبيع معه، كما تدعو إلى مقاطعة الشركات الداعمة للكيان الإسرائيلي، معتمدة على 3 ركائز أساسية هي: المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات.

https://twitter.com/AlaHamdann/status/1720179888647188891?ref_src=twsrc%5Etfw%7Ctwcamp%5Etweetembed%7Ctwterm%5E1720179888647188891%7Ctwgr%5E59d362bad3f10fd547d4872667117a36ff74267f%7Ctwcon%5Es1_c10&ref_url=https%3A%2F%2Fwww.noonpost.com%2F179211%2F

ولم تتعلق حملات المقاطعة بالكيان الإسرائيلي فقط، إنما مست دول غربية أخرى على غرار الولايات المتحدة وفرنسا، فقبل 3 سنوات شنّ نشطاء عرب ومسلمين حملة مقاطعة كبرى للمنتجات الفرنسية على خلفية حملات الإساءة للنبي محمد “صلى الله عليه وسلم” والتصريحات العنصرية ضد الإسلام والمسلمين.

دفعت هذه الحملة، وزارة الخارجية الفرنسية لإصدار بيان تناشد فيه الشعوب بوقف مقاطعة السلع الفرنسية، ومن ثم خروج الرئيس إيمانويل ماكرون في مقابلة تليفزيونية على قناة الجزيرة القطرية وتقديمه اعتذارًا غير مباشر للمسلمين حتى يتم تجاوز موضوع المقاطعة والعدول عنها.

شعوب حية

أثبتت المظاهرات المتواصلة في أغلب المدن والقرى العربية والإسلامية والفعاليات المخصصة للتضامن مع الشعب الفلسطيني والتنديد بالاعتداءات الصهيونية المتواصلة بحق الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية وباقي فلسطين المحتلة، أن الشعوب العربية ما زالت حية وأنها معنية بقضايا الأمة.

حاول الغرب طيلة عقود مضت إبعاد الشعوب العربية والإسلامية عن قضاياهم المركزية والمراهنة على كي وعيه، وجعل اهتمامهم منكب على قضايا هامشية وإراقهم بهموم الحصول على رغيف الخبز، لكن في كل مرة تثبت الشعوب العربية والمسلمة أنها معنيّة بقضاياها، وواعية لما يُحاك لها.

أظهرت الأسابيع الأخيرة فشل محاولات الغرب وحلفائهم في بلادنا، في التأثير على اهتمامات الشعوب، وكشفت أن القضية الفلسطينية في القلب من تلك الاهتمامات التي توحدهم وتجمعهم.

عائد عميرة

المصدر: موقع نون بوست




الحرب على غزة والمكارثية في الأكاديميا الغربية

سارع الغرب، وهو في حالة من الفزع، إلى نصرة إسرائيل في مواجهة طوفان الأقصى، وسخَّر في سبيل ذلك كل قواه، الخشنة والناعمة. وفضلًا عن ذلك سعى إلى أسلوب الترهيب لإسكات الأصوات المعارضة لإسرائيل وجرائمها في غزة والمناصرة للشعب الفلسطيني وحقه في الحرية والاستقلال وإقامة دولته، وخاصة الأكاديميين.


منذ بدء “طوفان الأقصى”، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، هرع الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة الأميركية، إلى حشد قواته العسكرية لدعم العدوان الإسرائيلي على غزة. وبموازاة ذلك سخَّر كل قوته الناعمة، المؤسسات الإعلامية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والمؤسسات الرياضية والأكاديمية، لتسويغ العدوان الإسرائيلي وإسكات الأصوات التي تندد بالمجازر التي تقترفها إسرائيل ضد المدنيين العزل في غزة والداعمة للقضية الفلسطينية ونضال الشعب الفلسطيني من أجل التحرر.

سنركز في هذا التعليق بالأساس على الجواب عن سؤال: لماذا يسخِّر الغرب الأكاديميا للدفاع عن إسرائيل؟ هذا دون إغفال أدوات القوة الناعمة الأخرى لاستجلاء أبعاد الصورة، وهل سينجح الغرب في مسعاه.

تجنَّد معظم وسائل الإعلام في الغرب للترويج للرواية الإسرائيلية وإدانة طوفان الأقصى وتسويغ ما تقوم به إسرائيل من مجازر بحجة دفاعها عن نفسها ضد هجوم “الحيوانات البشرية”. وهذا الخطاب العنصري الذي ساد وسائل الإعلام الغربية ما هو إلا استمرار للأفكار العنصرية الاستعمارية عن تفوق الرجل الأبيض و”رسالته الحضارية”، وهي أفكار كانت مدعومة من الفكر الأكاديمي الغربي وكان كل منها يعتمد على الآخر، كما أوضح ذلك المفكر إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق”.

وقد بلغ تحيز وسائل الإعلام الغربية أن سطر بعضها في “دليل سلوكها المهني” عدم تسامحه مع “معاداة السامية”، وهذا المصطلح واحد من مصطلحات القاموس الصهيوني المضلل. وهكذا جاء في دليل السلوك المهني لصوت ألمانيا “دويتشه فيله”: “نحن جميعًا في DW لدينا رؤية مشتركة: فكرة الحرية، وإعلاء حقوق الإنسان، والديمقراطية وسيادة القانون، والانفتاح، والتسامح، والشفافية تجاه الجمهور. ولهذا السبب نرفض جميع أشكال التمييز بما في ذلك التحيز الجنسي والعنصرية ومعاداة السامية. إن مسؤولية ألمانيا التاريخية عن المحرقة (الهولوكست) هي أيضًا سبب لدعمنا لحق إسرائيل في الوجود. ونحن ملتزمون بهذه القيم”. إنها عقدة الذنب التي يشعر بها الألمان: “بسبب تاريخ ألمانيا، لدينا التزام خاص تجاه إسرائيل”.

ولقد جعلت الصهيونية من “الهولوكست” أو (المحرقة) تجارة رابحة، وأصبح يوظَّف لأغراض سياسية واقتصادية. ووفقًا لنورمان فنكلشتاين (N. Finkelstein) في كتابه “صناعة الهولوكست: تأملات في استغلال المعاناة اليهودية”، فإن الهولوكست لا يخضع للفهم العقلاني، لأنه تحول إلى شيء لا مثيل له في التاريخ الإنساني و”تفرده المطلق”. وقد دفع فنكلشتاين ثمنًا باهظًا بسبب مواقفه المعارضة للصهيونية وطُرد من وظيفته في جامعتين مختلفتين في نيويورك وبعد ذلك من جامعة ديبول.

إن الغرب يدرك وهو يشن هذه الحرب الإعلامية الشرسة على المقاومة الفلسطينية، والتي لا تقل خطورة عن الدعم العسكري المادي؛ أن خسارة المعركة الإعلامية خسارة للحرب وانتصار للمقاومة وللقضية الفلسطينية وسقوط للرواية الإسرائيلية. لذلك يسعى الغرب جاهدًا إلى الحؤول دون تشكُّل رأي غربي يكتشف زيف الرواية الإسرائيلية ويضغط على حكوماته للكف عن الدعم غير المشروط لإسرائيل وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية؛ لأن ما شهدته من مظاهرات خلال حربها على فيتنام ليس منَّا ببعيد.

فضلًا عن هذه الحرب الإعلامية يشن الغرب حربًا من نوع آخر، وهي سعيه إلى حفظ الأساطير التي تأسست عليها إسرائيل والتفكير الذي ساعدها على ترسيخ جذورها، وذلك بإخضاع الأكاديميا للسياسة. وقد كانت الصهيونية المسيحية التي ظهرت قبل الصهيونية اليهودية سبَّاقة في الترويج لتلك الأساطير وبذلت وسعها في إقامة إسرائيل وضمان استمرارها. وهذا الارتباط الوثيق بين الأكاديمي في الغرب والسلطة السياسية هو الذي كشف عنه إدوارد سعيد. فكما تعاون الأكاديمي الغربي في الماضي في التمهيد للمشروع الإمبريالي والدفاع عنه، ها هي المؤسسة السياسية في الغرب تحاول اليوم أن يستمر الخطاب الأكاديمي في خدمة المشروع الإمبريالي-الصهيوني في المنطقة الذي تمثِّله إسرائيل باعتبارها دولة وظيفية؛ لأن الغرب يدرك تمامًا أن سقوط هذه الدولة الوظيفية سقوط لمشروعه، وانبعاث “الحس الإمبراطوري”، وفقًا لتعبير برنارد لويس، لدى العرب والمسلمين.

إن الغرب السياسي يسعى لإخضاع الخطاب الأكاديمي، وفقًا لميشال فوكو، للنظام السياسي؛ لأنه يدرك تمامًا أن النصوص لا تخلق المعرفة فحسب، كما يقول إدوارد سعيد بل يمكنها كذلك أن تخلق الواقع ذاته الذي يبدو أنها تصفه. وبمرور الوقت، تنتج مثل هذه المعرفة والواقع تقليدًا، أو ما يسميه ميشيل فوكو “الخطاب”.

إن القوة السياسية الغربية تحاول أن تجعل خطابها الأكاديمي ينتج مفهومًا للقضية الفلسطينية يقوم على الصور النمطية الصارمة وليس على حقائق علمية، على غرار إنتاج الاستشراق مفهومًا يسمى “الشرق” يقوم على تلك الصور وليس على ثقافات الشرق الفعلية، وفقًا لإدوارد سعيد.

لقد عمدت السلطات السياسية، في سبيل جعل الأكاديمي تابعًا للسياسي إلى أسلوب الترهيب وقطع الأرزاق لإسكات كل صوت أكاديمي يرفض الخضوع لإملاءات السياسة وتبني الرواية الغربية الإسرائيلية عن القضية الفلسطينية. فمنذ بداية طوفان الأقصى ووسائل الإعلام تنقل لنا غيضًا من فيض الهجوم الذي يتعرض له الأكاديميون في الغرب وهذا ما وصفه أحد الباحثين في الجامعة الألمانية بـ”المجزرة في الأكاديميا الغربية”. في مكالمة هاتفية مع هذا الباحث قال إنه بمجرد ما وصلته رسالة إلكترونية من الجامعة بما ينبغي تدريسه وما لا ينبغي رمى الاستقالة في وجوههم، وكان قبل ذلك قد طلب منه رئيس القسم تجنب كل ما من شأنه أن يُفهم أنه عداء للسامية؛ لأنهم لا يريدون مشاكل. وتحدث هذا الباحث عن أجواء رعب تسود الأكاديميا في ألمانيا، وذكر أن باحثة تدعم نضال الشعب الفلسطيني شاركت إلى جانب السفير الإسرائيلي في ألمانيا في حوار على التليفزيون الألماني فلما عبَّرت عن رأيها شتمها فلم ترد عليه ولم تتدخل المذيعة وبعد ذلك اتصلت بها الأستاذة المشرفة على أطروحتها للدكتوراه فأخبرتها أن مسارها الأكاديمي في ألمانيا قد انتهى. وذكر هذا الباحث، وهو عضو في لجنة الحريات الأكاديمية برابطة دراسات الشرق الأوسط، في اتصال هاتفي معه أن عددًا من الأكاديميين المناصرين للقضية الفلسطينية طُردوا من مناصبهم وأن أعضاء اللجنة تركوا أعمالهم للتفرغ لكتابة خطابات دعم لهؤلاء ودفاعًا عن الحرية الأكاديمية.

وها هي هيئة تمويل الأبحاث البريطانية أصبحت متورطة مع الحكومة في منع حرية التعبير ومبادرات التنوع، فقد أقدمت على طرد أكاديمييْن بسبب دعمهما غزة ونشر آراء “متطرفة” بشأن العدوان الإسرائيلي.

فوفقًا لموقع “inews”، فإن الحكومة البريطانية تعد ملفًّا عن الأكاديميين الذين انتقدوا على منصات التواصل الاجتماعي مجازر إسرائيل في غزة. وقد رأى اتحاد الجامعات والكليات في بريطانيا أن الأمر مزعج إلى الغاية ويثير تساؤلات جدية بشأن حرية التعبير.

وكانت وزيرة العلوم والتكنولوجيا البريطانية، ميشيل دونيلان (Michelle Donelan) ، أعربت عن “اشمئزازها” و”غضبها” من اثنين من الأكاديميين شاركا منشورات على موقع “X”، “تويتر” سابقًا، يدعمان حماس أو ينتقدان القصف الإسرائيلي لغزة.

وها هي المكارثية تعود من جديد إلى الولايات المتحدة؛ فقد نقلت وسائل الإعلام أخبارًا عن التشهير بالطلبة المناصرين للقضية الفلسطينية وتهديهم بالقتل ودعوات إلى عدم توظيفهم بدعوى عدائهم للسامية.

هل ستنجح هذه السياسة الغربية المنحازة لإسرائيل في إسكات الأصوات المؤيدة للحق الفلسطيني والناقمة على الإبادة والتطهير العرقي للشعب الفلسطيني؟ كل الدلائل والقرائن تشير إلى أن هذه السياسة إلى فشل وأن السحر ينقلب على الساحر، ومن الأدلة التي تؤكد ذلك اتساع نطاق المظاهرات في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة، رغم المنع والترهيب، واتساع دائرة المناصرين للقضية الفلسطينية داخل الأكاديميا الغربية وهذا ما تؤكده الرسالة المفتوحة إلى الوزيرة البريطانية المومأ إليها والتي وقَّعها 2500 أكاديمي بريطاني؛ تدين تعليقها باعتباره هجومًا على الحرية الأكاديمية. ويعتقد الموقِّعون أن تعليقات الوزيرة لا تعد هجومًا على حرية التعبير الفردية والحرية الأكاديمية فحسب، بل تشكِّل تدخلًا سياسيًّا غير مقبول في عملية صنع القرار والحوكمة في “هيئة البحوث والابتكار”.

وذكر الموقِّعون، أن استهدف الهيئة كان هدفه إحداث تأثير مخيف على المجتمع الأكاديمي بأكمله على حساب النزاهة الفكرية والمهنية. وعبر الموقعون على الرسالة، ومنهم 88 أكاديميًّا من جامعة كامبريدج و64 من جامعة أكسفورد عن قلقهم من أن هذا التدخل يمثل محاولة لخلق مناخ من الخوف لردع الأكاديميين عن التعبير عن معارضتهم لانتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها إسرائيل.

إن الغرب وإسرائيل يدركان الخطر الذي يتهدد روايتهم للصراع في حال ظهور خطاب أكاديمي في الغرب ينظر في القضية الفلسطينية نظرة موضوعية تدحض الأساطير التي بُني عليها الكيان و”اختلقت إسرائيل قديمة وأسكتت التاريخ الفلسطيني”، والعبارة تحوير قليل لعنوان كتاب للكاتب الأميركي، كيت وايتلام (Keith Whitelam) ، الذي عانى ما عاناه بسبب نزاهته الأكاديمية، كما عانى أمثاله من المؤرخين الجدد اليهود المناهضين للصهيونية، مثل: شلومو ساند(Shlomo Sand)  وإيلان بابي (Elan Pappe) ، وآفي شلايم (Avi Shlaim)  وغيرهم الذي تحدوا الرواية التاريخية الصهيونية الرسمية.

محمد الناسك

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات




طوفان الأقصى: انهيار الردع الإسرائيلي ومحاولات استعادته

نجحت المقاومة الفلسطينية في إلحاق هزيمة غير مسبوقة بالاحتلال الإسرائيلي، فردَّت إسرائيل بشن عدوان على غزة بدعم غربي كامل، يهدف إلى القضاء على حماس، وإقامة سلطة موالية بغزة، لكن عوامل كثيرة قد تحول دون ذلك، كما حدث في حروب مشابهة.


بدأت الحرب بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، في السادسة من صباح السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بهجوم نوعي وواسع النطاق قامت به قوات القسام التابعة لحماس على معسكرات ومستوطنات إسرائيلية في محيط قطاع غزة. أطلقت حماس عمليتها، كما يبدو، ردًّا على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة منذ تشكيل حكومة نتنياهو على الحصار المفروض على غزة وتمدد المستوطنات في الضفة الغربية والتضييق على حياة الفلسطينيين ومعاشهم فيها، والإجراءات الإسرائيلية لتقسيم المسجد الأقصى الشريف مكانيًّا وزمانيًّا. والواضح، أن قيادة القسام بالرغم من تخطيطها لهجوم نوعي، في 7 أكتوبر/تشرين الأول، إلا أنها حققت إنجازات قد تكون فاقت تطلعاتها.

بعد ساعات من بدء الهجوم، كان مقر قيادة القوة العسكرية الإسرائيلية المكلفة بالتعامل مع قطاع غزة قد وقع تحت سيطرة المهاجمين الفلسطينيين، وأصيبت كافة القوات الإسرائيلية في جوار القطاع بالارتباك. خلال ما تبقى من يوم الحرب الأول، وبفعل الاضطراب الذي ساد محيط قطاع غزة، وتدخل مسلحين فلسطينيين آخرين وأناس عاديين، وقع في الأسر والحجز أعداد كبيرة من الجنود والمدنيين، فاقوا 200 شخص، وقتلت القوات الإسرائيلية، حسب تقارير إسرائيلية، أعدادًا كبيرة من المدنيين الإسرائيليين أثناء محاولاتها منع الفلسطينيين من أسرهم أو احتجازهم. وقد بلغ عدد القتلى الإسرائيليين نحو 1400 شخص، نصفهم جنود والبقية مدنيون.

 منذ اليوم الثاني للحرب، بدأ الجانب الإسرائيلي قصفًا غير مسبوق لكافة مدن وبلدات قطاع غزة، اتسم في الأغلب بطابع عشوائي واستهدف إيقاع أكبر عدد من الخسائر بسكان القطاع وسكنهم وأماكن عملهم وتعليمهم. قُصفت عمارات متعددة الطوابق بدون إنذار وبعضها بإنذارات قصيرة جدًّا، ودُمِّرت معظم مباني الجامعتين الرئيستين في القطاع والعديد من المقار الحكومية، كما دمرت معامل وورشات صناعية صغيرة ومتوسطة. في أنحاء مختلفة، أصاب الدمار أحياء بأكملها، وارتفع عدد الشهداء بمعدلات هائلة حتى فاقوا 10000 شهيد بعد شهر من العدوان، نصفهم من النساء والأطفال.

بالرغم من أن عملية 7 أكتوبر/ تشرين الأول كانت، بأي مقياس عسكري ممكن، عملية محدودة، فقد وصفها مسؤولون إسرائيليون بالتهديد الوجودي لدولة إسرائيل. وسواء في خطاب أهداف الحرب على قطاع غزة، أو في استدعاء الدعم الغربي، تحدث المسؤولون الإسرائيليون بلغة البقاء أو الموت، و”إما نحن أو هم”.

ساعد خطاب التهديد الوجودي في حشد غير مسبوق للدول الغربية، سيما الولايات المتحدة، خلف إسرائيل. ولم يلبث قادة الدول الغربية أن توافدوا، الواحد منهم خلف الآخر، إلى تل أبيب للإعراب عن الدعم الكامل والمطلق وغير المشروط للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. رفضت الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية الرئيسة الدعوة لوقف إطلاق النار، ودعت لإعطاء إسرائيل فرصة لاستعادة الأمن وقوة الردع بالقضاء الكامل على تنظيم حماس العسكري والسياسي. ولكن صور الدمار والقتل غير التمييزي في قطاع غزة، وتصاعد حركات الاحتجاج على الحرب في العواصم الغربية، عملت على إحداث تغيير طفيف في مواقف الدول الغربية. فرنسا، مثلًا، صوتت في الجمعية العامة لصالح مشروع القرار العربي الداعي لوقف إطلاق النار. ومع بداية أسبوع الحرب الرابع، بدأت واشنطن في التوكيد على ضرورة إدخال الإعانات إلى قطاع غزة بوتيرة أكبر، كما دعت لهدنة إنسانية مؤقتة.

فإلى أين تمضي الحرب على غزة؟ وأية آثار سياسية يمكن أن تترتب عليها؟

المسار العسكري: القتال في متاهة

سارع رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى دعوة قادة المعارضة، الذين استجاب عدد منهم بالفعل، إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تدير الحرب. في البداية، أعلن نتنياهو أن هدف الحرب هو اقتلاع حماس نهائيًّا وكليًّا من قطاع غزة. ولكن صعوبة الحرب والضغوط التي مارسها معلقون إسرائيليون وقادة غربيون، إضافة إلى تظاهرات أهالي الأسرى، دفعته إلى صياغة أوسع نطاقًا: اقتلاع حماس وتدمير مقدراتها العسكرية واستعادة الأسرى.

كان واضحًا من البداية أن تحقيق هذين الهدفين، أو حتى الأول منهما، غير ممكن بدون اجتياح عسكري أرضي. ولكن الواضح أيضًا أن حكومة الحرب الإسرائيلية أظهرت ترددًا حول قرار الاجتياح الأرضي، حول حجمه وطبيعته، وحول مداه. أخيرًا، وفي نهاية أكتوبر/تشرين الأول، وبعد تنفيذ عدة عمليات عسكرية استكشافية أرضية، اعتمدت بالأساس على القصف الجوي، في شمال القطاع وجنوب مدينة غزة، بدأ الجيش الإسرائيلي اختراقًا أرضيًّا من ثلاثة محاور: شمال شرق القطاع، وشمال غرب القطاع، وجنوب مدينة غزة، للإحاطة بمدينة غزة، عاصمة القطاع.

واجهت الاختراقات الإسرائيلية مقاومة عنيدة من عناصر المقاومة الفلسطينية، وحتى نهاية الشهر الأول من الحرب لم تكن القوات الإسرائيلية قد أحرزت أي تقدم ملموس أبعد من ذلك الذي وصلت إليه في يوم الحرب البرية الأول. ولكن، قليلًا قليلًا، وببطء بالغ، حققت القوات الإسرائيلية بعض التقدم في شمال غرب قطاع غزة، وفي موازاة ساحل البحر المتوسط، وفي محور الاجتياح جنوب مدينة غزة باتجاه ساحل المتوسط. وكما قام المقاومون الفلسطينيون ببث أشرطة تظهر نجاح هجماتهم ضد وحدات الجيش الإسرائيلي المدرعة في مناطق الاشتباك، قام الجيش الإسرائيلي ببث أشرطة تظهر تصميم الجنود الإسرائيليين وتقدمهم في قطاع غزة. ولكن الأشرطة الإسرائيلية لم تقدم دليلًا واحدًا بعد على نجاح الجيش المهاجم في تحرير محتجز واحد، أو تدمير مركز عسكري واحد للمقاومة الفلسطينية، أو نفق أو مركز تخزين صواريخ واحد.

المهم، أن بدء عمليات الاجتياح البري لم يؤد إلى توقف القصف الجوي بأي حال من الأحوال، سواء القصف المستدعى لمساعدة القوات الإسرائيلية المشتبكة على الأرض، أو القصف الذي يبدو أنه يستهدف وجود مقاومين في المناطق السكنية، أو الذي يُقصد به إيقاع المزيد من الخسائر بين المدنيين وإثارة الرعب والدفع بهم نحو جنوب القطاع وقد يكون تمهيدًا لدفعهم نحو التهجير إلى سيناء، كما دلَّت عدة شواهد إسرائيلية سواء تصريحات لمسؤولين أو وثائق رسمية مسربة.

ما يعنيه هذا كله أن تحقيق أهداف الحرب المعلنة عسكريًّا لن يكون أمرًا سهلًا وسيتطلب زمنًا طويلًا من القتال الشرس والمدمر، وربما يفضي إلى إيقاع خسائر فادحة في القوات الإسرائيلية. ليس ثمة شك في أن الجانب الإسرائيلي يتمتع بتفوق هائل في ميزان القوة الباطشة، جوًّا وأرضًا. في المقابل، يبدو أن المقاومين الفلسطينيين أكثر استعدادًا في هذه الجولة عما كانوا عليه في 2014، وأنهم يحاولون استغلال الفرصة التي تتيحها حرب القوى غير المتكافئة، وأنهم يقاتلون على أرضهم ووسط شعبهم.

ولكن المؤكد أن هناك أهدافًا غير معلنة للحرب، أبرزها بلا شك هو دفع أهل قطاع غزة، أو معظمهم على الأقل، إلى الهجرة من القطاع ودفعهم إلى مصر، ومنها ربما إلى دول متعددة أخرى سيجري الضغط عليها لاستقبال أعداد منهم كلاجئين. التخلص من سكان القطاع، من وجهة النظر الإسرائيلية، لن يحل مشكلة أمنية لإسرائيل، وحسب، ولكن سيمثل خطوة أولى نحو حل مشكلة التوازن الديمغرافي داخل حدود فلسطين الانتدابية بين العرب المسلمين والمسيحيين، من جهة، واليهود، من جهة أخرى. وهي خطوة أولى إذا نجحت تمهد، آجلًا أو عاجلًا، وفي ظرف موات، لتهجير آخر في الضفة الغربية.

والواضح أن إفشال مشروع التهجير يرتكز في لمقام الأول على ذاكرة النكبة التي لا تزال حية وتتناقلها الأجيال، ويتعلق أيضًا بوعي أهالي القطاع وإصرارهم على البقاء والصمود في بلادهم في وجه الموت والتجويع، ولكنه يتعلق أيضًا بصلابة الرفض المصري/الأردني والضغوط العربية والإسلامية على الولايات المتحدة لمنع تأييد نكبة فلسطينية أخرى في قطاع غزة.

تفاعلات الجوار: بين المناوشات والتنديدات

لم يكن خافيًا في كلمات قادة المقاومة الفلسطينية التي صاحبت بداية الحرب أنهم علقوا آمالًا على انفجار الوضع في الضفة الغربية، وعلى وقوف قوى ما بات يُعرف بمحور المقاومة إلى جانبهم، سيما بعد شيوع مفهوم “وحدة الساحات” في لغة الشرق الأوسط السياسية. لم يحاول أحد صياغة تصور محكم للمقصود بوحدة الساحات، ولكن ما بات مفهومًا إلى حدٍّ كبير أنها تعني وحدة مصير بين المقاومة الفلسطينية والفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، التي حرصت دائمًا على توكيد عدائها لدولة إسرائيل وحلفائها، وجعلت فلسطين الشعار الأعلى للنفوذ الإيراني الإقليمي.

طوال أسابيع الحرب الأربعة الأولى برزت تكهنات مختلفة حول إمكانية انخراط حزب الله في حرب شاملة، تأييدًا لحلفاء الحزب في غزة وتعزيزًا لمصداقية الشعارات التي رفعتها إيران وحلفاؤها حول الموقف من المسألة الفلسطينية وبيت المقدس. وكان الحزب قد بدأ منذ أيام الحرب الأولى في إحداث مواجهات مسلحة محدودة في منطقة الحدود الإسرائيلية الشمالية، سواء بقصف مواقع للجيش الإسرائيلي أو السماح لمسلحين فلسطينيين ولبنانيين آخرين بمحاولة اختراق الحدود ومهاجمة أهداف إسرائيلية.

ألقى الأمين العام لحزب الله خطابه الأول حول الحرب، يوم الجمعة 3 نوفمبر/تشرين الثاني، بعد أربعة أسابيع على اندلاع الحرب. وقد حمل الخطاب، بعد تحليل تفصيلي لمجريات الحرب والتوكيد على أن قرارها كان فلسطينيًّا بحتًا، توجهًا نحو التهدئة ومحاولة للقول بأن الحزب يقوم بواجبه فعلًا في التضامن مع/والدعم لغزة، وتهديدًا غامضًا بأن انخراطًا أوسع في الحرب مشروط بتصاعد الهجمات الإسرائيلية على لبنان، أو بتدهور وضع المقاومين الفلسطينيين في غزة. كما أشار نصر الله في جزء آخر من خطابه إلى ما تقوم به القوى الموالية لإيران في العراق من هجمات على المواقع الأميركية، وإلى ما حاوله الحوثيون في اليمن (بدون نتيجة تُذكر)، من قصف لأهداف إسرائيلية في إيلات.

ما اتضح في نهاية الشهر الأول من الحرب أن تحالفًا ضمنيًّا بين السلطة الفلسطينية والإسرائيليين عمل على تقييد حركة الفلسطينيين وإجهاض أية محاولة لإشعال انتفاضة وطنية شاملة في الضفة الغربية. قبضة السلطة، من ناحية، والمداهمات وحملات الاعتقال الإسرائيلية واسعة النطاق، من ناحية أخرى، منعت نشاطات التضامن مع غزة في الضفة الغربية من التصاعد إلى ما هو أعلى من التظاهرات والإضرابات والهجمات المعزولة على مواقع تمركز الجيش الإسرائيلي.

في دول الجوار العربي، لم تختلف الأوضاع كثيرًا. نجحت أجهزة الأمن المصرية في منع أي حراك شعبي خارج الجامع الأزهر. أما في الأردن؛ حيث الامتداد التاريخي الإستراتيجي لفلسطين، فقد اشتعلت شوارع المدن الأردنية بحركات الاحتجاج على الحرب والتضامن مع غزة؛ ولكن قوات الأمن الأردنية حرصت على منع أي توجه شعبي أردني إلى منطقة الحدود الفاصلة بين الضفتين الشرقية والغربية. أخيرًا، وفي محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، قامت الحكومة الأردنية باستدعاء سفيرها في تل أبيب، احتجاجًا على استمرار الحرب على غزة، بعد أن كان السفير الإسرائيلي في عَمَّان قد أُمر من قبل حكومته بمغادرة الأردن لأسباب أمنية.

في سوريا، لم ينبس الرئيس السوري ببنت شفة، ولا شهدت المدن السورية الواقعة تحت سيطرة النظام ولو تحركًا شعبيًّا واحدًا؛ وكأن النظام السوري أراد توجيه رسالة للقيادة الإسرائيلية والقوى الغربية بأنه غير معني بالحرب، وأنه ليس مسؤولًا عن أي تحرك معاد لإسرائيل عبر الحدود السورية، لأنه لا يسيطر على منطقة الحدود. فقط في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، سيما في إدلب وجوارها، نُظِّمت تحركات تضامنية مع غزة.

عمومًا، فإن الصورة في الجوار العربي لفلسطين لا تعني استبعاد توسع نطاق الحرب بصورة قاطعة. إن طالت العملية العسكرية فإن أحدًا لا يمكنه التحكم في مسارها. وربما يصبح من الصعب على دول الجوار التحكم في أمن الحدود، حتى إن أرادت تجنب الاحتكاك بالإسرائيليين، ليس في سوريا ولبنان وحسب، ولكن في الأردن أيضًا.

صدع دولي: الغرب والبقية

لم يكن خافيًا في أسابيع الحرب الأولى أن الدول الغربية، سيما الولايات المتحدة، تبنَّت مقولة التهديد الوجودي لدولة إسرائيل، واعتمدت الادعاءات الإسرائيلية حول ارتكاب المقاومين الفلسطينيين جرائم بحق المدنيين الإسرائيليين في هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول. وقد توافد الزعماء الغربيون، وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي، جوزيف بايدن، الواحد تلو الآخر إلى تل أبيب للإعراب عن الدعم غير المتحفظ لإسرائيل.

ولكن لغة الدعم المطلق لإسرائيل، وتجاهل السياق الذي اندلعت فيه الحرب، وغض النظر عن القصف الإبادي لقطاع غزة، أخذت في التراجع منذ الأسبوع الرابع للحرب، وبدا كأن واشنطن على وجه الخصوص، بالنظر إلى الخسائر الهائلة في صفوف المدنيين الغزيين، تشعر بعدم الارتياح تجاه الطريقة التي تدير بها إسرائيل الحرب. وهذا ما دفع المسؤولين الأميركيين للضغط على القيادة الإسرائيلية للسماح بإدخال بعض المعونات من الجانب المصري إلى القطاع، والسماح بإرسال عدد من الجرحى الفلسطينيين إلى مصر للتعامل مع الحالات المعقدة، ولكن الموقف الأميركي من رفض الدعوة إلى وقف إطلاق النار لم يتغير.

وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، الذي يبدو أنه بات طرفًا رئيسًا في إدارة الأزمة، زار الشرق الأوسط مرتين منذ اندلاع الحرب، والتقى بنتنياهو، وحكومة الحرب الإسرائيلية، ونظرائه العرب (وزراء خارجية مصر والأردن والإمارات والسعودية وقطر)، والرئيس الفلسطيني، محمود عباس، وبوزير الخارجية التركي. في كافة لقاءاته، أصرَّ بلينكن على أن الدعوة لوقف إطلاق النار تعد بمنزلة خطوة انتحارية لإسرائيل، وأن الحرب لا يمكن أن تنتهي إلا بعد أن تستعيد إسرائيل الشعور بالأمن. وقال بلينكن: إن الممكن الوحيد الآن هو هدنة إنسانية مؤقتة لتوفير المساعدات لأهل غزة والإفراج عن المدنيين وأصحاب الجنسيات المزدوجة من المحتجزين الإسرائيليين لدى حماس. وبخلاف الموقف الفرنسي، الذي تحرك قليلًا بالتصويت مع القرار الداعي لوقف إطلاق النار في الجمعية العامة للأمم المتحدة، تكاد مواقف الدول الغربية كافة تتطابق مع الموقف الأميركي.

وقد ظهر الموقف الغربي الرسمي في تباين صارخ مع الموقفين، الروسي والصيني. لم يعرب المسؤولون الروس والصينيون عن تعاطفهم مع أهالي قطاع غزة وحسب، ولكنهم دعوا صراحة إلى وقف إطلاق النار ووضع نهاية للحرب، سواء في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، أو في لقاءات صحفية متفرقة. والواضح، أن كلًّا من موسكو وبيجين رأت في الحرب على قطاع غزة، والدعم الغربي الصريح لإسرائيل، فرصة لتوكيد دعوتها إلى بناء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، وفرصة أخرى لتعزيز موقعها ونفوذها في الشرق الأوسط.

تركيا وإيران أعربتا عن موقف مؤيد لفلسطين وشعبها. وليس ثمة شك في أن الرأي العام الفلسطيني والعربي والإسلامي علَّق آمالًا كبيرة على تركيا، نظرًا لوزنها الإقليمي وعلاقاتها القوية بالمعسكر الغربي. ولأن الموقف التركي تطور بصورة أبطأ من المتوقع، تعرضت أنقرة لانتقادات حادة في أسابيع الحرب الأولى، بما في ذلك من قطاعات واسعة من الشعب التركي المؤيد لحزب العدالة والتنمية الحاكم.

في الواقع، اتخذت تركيا موقفًا صلبًا في مؤتمر وزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي الذي عُقد بجدة، وكان الخلاف حول مسودة البيان الختامي المقترح من الوفد التركي أدى إلى تأجيل إصداره إلى مؤتمر لاحق للوزراء. وكان واضحًا على أية حال أن لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل تريد إفساح الطريق لدورٍ تركيٍّ ما في الأزمة. وهذا ما أدى أخيرًا إلى صدور قرار بسحب السفير التركي من تل أبيب، بعد أن كان السفير الإسرائيلي في أنقرة قد سُحب لأسباب أمنية، وتصريح الرئيس التركي بوقف الاتصالات مع رئيس الحكومة الإسرائيلي، نتنياهو، ولكن أنقرة لم تتخذ قرارًا بقطع العلاقات، ربما لأنها قد تكون توازن بين مقتضيات مصالحها القومية ومقتضيات دعمها للقضية الفلسطينية، وكذلك ربما أن المسؤولين الأتراك لا زالوا يعتقدون أن بإمكان بلادهم لعب دور ما في إنهاء الحرب وفي الترتيبات التي يمكن أن تلي نهاية الحرب.   

على صعيد الرأي العام العالمي، بما في ذلك الرأي العام الغربي، تبلورت صورة مختلفة إلى حد كبير. فبعد تردد أولي، وحيرة تسبب فيها الانحياز الإعلامي الغربي الصارخ للرواية الإسرائيلية، تحركت جموع حاشدة في كافة مدن العالم الكبرى، دعت لوقف إطلاق النار وحملت الجانب الإسرائيلي المسؤولية عن اندلاع الحرب والكارثة الإنسانية التي يشهدها قطاع غزة.

نهاية الحرب وعواقبها

ليس من الممكن التنبؤ بحدود هذه الحرب، لا حدودها الزمنية ولا المكانية. ما إن تندلع الحروب متعددة الأبعاد حتى يتراجع اليقين، بل وحتى خطط الحرب المسبقة تصبح في أغلبها بلا جدوى. ثمة عدد من العوامل المتدافعة التي يمكن أن تقرر أفق الحرب ونهايتها:

  1. الخسائر التي يمكن أن يتكبدها الجيش الإسرائيلي في عملية الاجتياح الأرضي.
  2.  المدى الذي يمكن أن تصل إليه إسرائيل في تحقيق أهداف الحرب المعلنة وغير المعلنة.
  3.  تكشف حقائق الإبادة الجارية في قطاع غزة، وضغوط الرأي العام المتصاعدة، المطالبة بوقف الحرب، على الحكومات الغربية، سيما الولايات المتحدة.
  4.  مصير المحتجزين والأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة الفلسطينية.
  5. إمكانية توسع نطاق الحرب في الجوار العربي.

وحتى تنتهي الحرب، يميل النقاش الجاري إلى بناء تصورات لغزة سواء لوضع سكانها أو للسلطة التي تحكمها، فيعمل الجانب العربي الرسمي، وتركيا، على بقاء أهالي القطاع في بلادهم، ويدعو إلى إعادة إطلاق عملية سلام جادة للتوصل إلى حل نهائي للقضية الفلسطيينية وقيام دولة فلسطينية مستقلة. ويدور في سياق الحديث عن حكم غزة دون حماس أفكار حول تشكيل قوة أمنية من دول الجوار الإقليمي، تحافظ على أمن القطاع طوال مرحلة انتقالية، تصل إلى قيام دولة فلسطينية، وتشمل ربما عودة السلطة الفلسطينية إلى إدارة شؤون القطاع. وفي الظاهر، على الأقل، تبدو الولايات المتحدة، صاحبة القول الأهم في مجريات الأزمة، على استعداد لبحث هذه التصورات. لكن هذه التصورات قائمة على تقدير أن إسرائيل ستنجح في هزيمة حماس، لكن في التجارب المماثلة للقتال غير المتكافئ، مثل أفغانستان أو فيتنام والجزائر حال حرب التحرير، انتصرت حركات المقاومة، وفرضت على المناهضين لها الاعتراف بشرعيتها، ولا يمكن استبعاد هذا الاحتمال إذا صمدت حماس وحافظت على وجودها ومنعت إسرائيل من اقتلاع سلطتها.

في الجانب الإسرائيلي، تستند كافة الأفكار لما بعد الحرب إلى فرضية النجاح في تحقيق الأهداف الإسرائيلية؛ الأمر الذي لا يبدو مستندًا إلى تقديرات بمواصلة القوات الإسرائيلية القتال لفترة طويلة وإبادة عشرات، وربما مئات ألوف الغزيين. ثمة مؤشرات متزايدة على أن الحكومة الإسرائيلية لم تزل مصرة على تهجير جزئي أو كلي لأهالي القطاع، وعودة الجيش الإسرائيلي للسيطرة المباشرة على القطاع، سواء بضمه أو غير ضمه رسميًّا لإسرائيل. وحتى إن لم ينجح مشروع التهجير، يريد الإسرائيليون الاحتفاظ بدور أمني في القطاع، شبيه بالدور الذي يقومون به في الضفة الغربية.
على صعيد إقليمي ودولي أوسع، وبالرغم من المساحة الجغرافية المحدودة التي تجري عليها الحرب، فلابد أن يُنظر إلى هذه الحلقة من حلقات الصراع على فلسطين، ومهما كانت طبيعة نهايتها، باعتبارها أكبر أثرًا من حربي 1948 و1967. ثمة قوى إقليمية سترى تعاظمًا أو انحسارًا في نفوذها تبعًا لموقفها من/ودورها في الحرب. والمؤكد، أن الأنظمة العربية المتحالفة مع الغرب ستواجه تحديات أصعب وأكثر تعقيدًا من تلك التي واجهتها في سنوات الربيع العربي القصيرة، فلقد تباينت مواقفها بين دول حمَّلت إسرائيل المسؤولية الكاملة للعدوان شرعت في الابتعاد عن إسرائيل باستدعاء سفرائها مثل الأردن والبحرين، ودول أجَّلت مساعي التطبيع، ودول تشارك في المجهود الحربي الغربي. خلف ذلك كله، سيشهد النفوذ الغربي، الثقافي-الفكري والسياسي، تراجعًا ملموسًا في السنوات المقبلة. وإن كان هناك من رابح رئيس من هذه الحرب، فلابد أن تكون الصين وروسيا في مقدمة الرابحين.

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات




في غزة: قصص إنسانية تعجز هوليوود عن روايتها… وعبود البطاح يرث شيرين أبو عاقلة!

يعيش عالمنا اليوم حالة من الصدمة والذهول بعدما تجلت بوضوح ازدواجية المعايير والعنصرية واللا إنسانية التي تتغلغل في نفوس معظم حكام الغرب وسياسييها وبتواطؤ مروع مع رئيس أكبر بلاد العالم. رئيس لا يقدر أن يسند أقدامه على الأرض، ولكنه قادر على تصدير ترسانات الأسلحة إلى إسرائيل وإرسال حاملة طائرات وغواصة نووية لدعم معركة لم يذهب ضحيتها سوى مواطنين معظمهم أطفال لا تتعدى أعمارهم العشر سنوات. وبعضهم لم تعرف هوياتهم، بعد أن طحنت عظامهم وتفرقت أشلاؤهم مع أشلاء صغار آخرين تحت الركام.
مشاهد مرعبة تعصف بمن لديه، ولو ذرة واحدة من الضمير الإنساني. مشاهد حرب غزة القاسية لا يمكن إلا أن تشعل انتباه كل إنسان حر وتوجع قلوب الملايين حول العالم.
ففي هذا الزمن الذي يُظهر فيه الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي صورًا مباشرة من قلب الحدث تحكي لنا تفاصيل المأساة التي يعيشها الأطفال والمدنيون الأبرياء في غزة، نجد أنفسنا في مواجهة واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا وصدمة في تاريخ الإنسانية.
إن أكثر من خمسة آلاف طفل فقدوا حياتهم في هذا الصراع، ولا ذنب لهم سوى أنهم وُلدوا في أرض مشتعلة ومحتلة منذ 75 سنة. هؤلاء الأطفال لم يكونوا جزءًا من النزاع، ولكنهم دفعوا الثمن الأكبر. هم الضحايا الأبرياء، الذين دفعوا ثمن فشل السياسة. دفعوا صمت معظم الرؤساء العرب، الذين لا يعرفون سوى الإدلاء بالتصريحات من فوق المنصات العالية. وترديد كلمة «ندين» وأحياناً «تبهيرها» بكلمة «بشدة»! لقد وقع صغار غزة في شبكة التواطؤ الدولي المخجل والمعيب.
إن زعماء الغرب، الذين يزعمون دعم قيم الإنسانية وحقوق الإنسان، أولئك الذين ارتفعت أصواتهم لدعم وحماية أطفال أوكرانيا في الحرب التي شنتها روسيا على بلد أوروبي، لم تؤثر فيهم دماء أطفال فلسطين. معهم حق شو جاب لجاب: «دماء بسمنة ودماء بزيت». أكبر دليل على تخاذلهم هو عدم تفعيل القرارات للضغط على إسرائيل في ما يتعلق بوقف إطلاق النار، وذلك يمثل تناقضًا مثيراً للاشمئزاز.
لقد بتنا اليوم نتساءل عن مدى إمكانية تحقيق التغيير والعدالة في عالم مليء بالصراعات والسياسات القائمة على المصالح الدولية المتنكرة لأدنى الحقوق الإنسانية.

سندويتش دماء!

قصص الأطفال في فلسطين كثيرة ولا نعرف من أين نبدأ. هل نروي قصة «رغيف خبز مغمس بالدماء»؟! إنه ليس عنوان لرواية خطتها روائية ناشئة. إنها يوميات الحرب في غزة.
هكذا افترشت الأم الأرض لتصنع الخبز على الصاج وتقدمه لأطفالها الذين جلسوا من حولها. كانت تتلهف لتقديم الخبز لصغارها الجائعين بفعل سياسة التجويع، التي فرضها المحتل ولم تبد القارة العجوز وأمريكا المترفة أي اعتراض عليها. لقد نزحت الأم بأولادها إلى مكان قيل لها إنه آمن، وكانت تتلهف لسد جوعهم. وما إن قدمت لكل واحد منهم رغيفاً صغيراً، وقبل أن يقضموا لقمة واحدة، جاءت غارة وفتّتهم قطعاً صغيرة. ولم يبق على الأرض سوى أرغفة مغمسة بالماء!
إنها أكلة فلسطينية منتشرة يعرفها جيداً سكان غزة والضفة الغربية. فهم يموتون وأطفالهم يومياً، ومنذ زمن طويل، لأجل قضية عادلة يتنكر لها طغاة العالم ووحوشه. تلك الأرغفة المغمسة بالدماء ليست مجرد رمز لمعاناة الفلسطينيين، بل هي شاهدة على الإنسانية المعذبة في عهد بنيامين نتنياهو وحلفائه، مجرمي الحروب.
هذه القصة تجسد حالة الصدمة والعار، والتي يجب أن تشجعنا على التفكير في مسؤوليتنا الإنسانية، وعلى العمل من أجل نشر السلام والعدالة في العالم، لأن كل طفل في أي مكان يستحق حياة آمنة وخالية من الخوف.

موت يجر الموت

نعم إنه عنوان مروع آخر، ولكنه حقيقي. حكاية أخرى رصدتها إحدى الكاميرات. إنه طفل لا نعرف اسمه ولا يتعدى عمره 12 سنة. كل ما نعرفه عنه أنه كان يرتجف من رأسه حتى أخمص قدميه وهو يبكي ويحكي كيف انتشل رأس أخيه وركض بها، فيما حمل صديقه الباقي من الجسد كي يدفنوه قبل أن يقتلهما صاروخ جديد.
إنه موقف لا يقوى عليه الكبار فكيف شعر ذلك الطفل في تلك اللحظات؟ من تألم أكثر الطفل، الذي قُتِل أو أخوه الذي يواجه الموت والخوف، والخسارة، والضياع، والألم؟!
إن الموت يجر الموت. والقتل يجر القتل. والوحشية تلد الوحوش. أولئك الأطفال الذين دُمّرت بيوتهم وقتل أهاليهم أمام أعينهم، وهدمت مدارسهم فوق رؤوسهم، وحملوا أشلاء إخوتهم، هل سيكبرون ليصبحوا رسل سلام ومحبة؟ هل سيتخرجون أطباء ومهندسين ومحامين؟ هل سيبنون مجتمعات سليمة؟ هل سيعقدون الصلح على حساب دماء أهاليهم؟
إن القضية الفلسطينيّة لن تموت، حتى ولو استخدمت القنابل النووية واختفت بها غزة تماماً عن الوجود. ستولد غزة كل يوم من جديد مع ولادة كل طفل فلسطيني في العالم.

عينا غزة وصحن العدس!

هل هناك أصعب من أن تشاهد حشدًا من الملائكة الصغار يتصارعون ويتزاحمون على صحن عدس صغير؟
هؤلاء الأطفال، لو وصلنا إليهم، لأطعمناهم من قلوبنا. يروون لنا قصة حياة محاصرة وصمود في وجه المصاعب. ينادون العالم بأن يرحمهم، بأن يتدخل ويجلب السلام والأمان لهم. ومن بينهم يطل علينا بطل أصبح عينًا لغزة ومرآة لها. يمسك هاتفه الصغير بيده لينقل لنا الألم والخراب، يضحك وهو يحمل ألم الوطن على كتفيه. هو بطل بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لا يخشى الموت ولا يهابه. ربما يخشى أن يُقتل قبل أن ينقل رسالته. قبل أن يؤدي واجبه تجاه شعبه.
إنه عبود بطاح، «أقوى مراسل في العالم»، كما يسمي نفسه، هو شهادة حية على قوة الإرادة والصمود. يمثل رمزًا للصحافيين ولكل من يعمل من أجل نشر الحقيقة وتسليط الضوء على الأزمات والصراعات. يقول وهو يبتسم كعادته في معظم فيديوهاته: «نحن شعب يحب الحياة بدلاً من أن نوقف عند المخبز تسع ساعات. نقف هنا، أنا والمصور، ونصنع خبز الصاج. هذا هو خبز بلادي. هذا الخبز منذ عام 1948 لم نتخل عنه.
وهنا يحضر محمود درويش بقوة ليذكرنا بقصيدته الشهيرة:
عَلَى هَذِهِ الأرْضِ مَا يَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ: عَلَى هَذِهِ الأرضِ سَيَّدَةُ
الأُرْضِ، أُمُّ البِدَايَاتِ، أُمَّ النِّهَايَاتِ. كَانَتْ تُسَمَّى فِلِسْطِين. صَارَتْ تُسَمَّى فلسْطِين. سَيِّدَتي: أَستحِقُّ، لأنَّكِ سيِّدَتِي، أَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ.

مريم مشتاوي

المصدر: صحيفة القدس العربي




بوليتيكو: لماذا لا يوقف بايدن هذه الحرب على غزة؟ وما هو سر تناقض الموقف الرسمي والشعبي العربي منها؟

نشرت مجلة “بوليتيكو” تقريرا أعدته نحال توسي وألكسندر ورد ولارا سيليغمان، قالوا فيه إن إدارة بايدن تواجه ضغوطا من الديمقراطيين التقدميين والمسؤولين العرب وحتى بعض الدبلوماسيين الأمريكيين للمساعدة على إنهاء الحرب بين إسرائيل وحماس. لكن البيت الأبيض لا يريد بالضرورة وقف القتال، على الأقل ليس الآن. وحتى لو فعل ذلك، فمن المحتمل ألا تستمع إسرائيل إليه.

وفي محادثات مع ثمانية دبلوماسيين ومحللين ومسؤولين في الإدارة، بالإضافة إلى مراجعة ما قاله أو لم يقله الزعماء الأمريكيون والإسرائيليون والعرب، علنا فإن الصورة تتضح حول رفض جو بايدن وإدارته الدعوة لوقف إطلاق النار.

ومع ارتفاع عدد الجثث، يمكن أن تتغير الحسابات بشكل كبير. في الوقت الحالي، إليكم مراجعة واقعية للقرارات التي يتم اتخاذها من واشنطن إلى عمّان:

جاء في التقرير أنه عندما يعرض المسؤولون الأمريكيون أهدافهم في هذا الصراع الجديد، فإنهم يذكرون أربعة تفاصيل محددة: توضيح أن الولايات المتحدة تدعم إسرائيل بقوة، ومنع القتال من الانتشار خارج قطاع غزة، وإطلاق سراح أكثر من 200 شخص احتجزتهم حماس، والمساعدة في تخفيف الأزمة الإنسانية. ولكن وقف الحرب بين إسرائيل وحماس ليس ضمن القائمة.

ويرجع ذلك في المقام الأول إلى أن الولايات المتحدة تتفق مع هدف إسرائيل المتمثل في تدمير حماس، حتى لو لم يكن من الواضح تماما كيف سيبدو ذلك في النهاية.

وعندما سئل الرئيس بايدن الشهر الماضي من قبل شبكة “سي بي إس نيوز” عما إذا كان يعتقد أنه “يجب القضاء على حماس بالكامل”، قال: “نعم، أعتقد ذلك”.

وفي الوقت الحالي، تضغط الإدارة الأمريكية على إسرائيل للسماح بوقف القتال لأغراض إنسانية وتوخي الحذر في استهدافها. لكنها لن تدعم وقفا طويل الأمد لإطلاق النار.

وقال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي جون كيربي للصحافيين يوم الإثنين: “ما زلنا لا نعتقد أن وقف إطلاق النار العام مناسب في هذا الوقت”. وأضاف: “عندما نتحدث عن وقف عام لإطلاق النار، فإن ما يعنيه ذلك هو وقف كامل للقتال في جميع أنحاء غزة، وهو ما نعتقد أنه في هذه المرحلة يفيد حماس”.

وقال اللواء المتقاعد في الجيش الإسرائيلي، ياكوف أميدرور، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي من عام 2011 إلى عام 2013، إن حكومة بلاده لا تشعر حاليا بأي ضغط حقيقي من الولايات المتحدة لإنهاء الحرب. وقال إن الضغط الوحيد “هو أن نقلل من عدد المدنيين الذين ينبغي قتلهم، والضغط الثاني هو السماح بتقديم المزيد من المساعدات الإنسانية للمدنيين في غزة”.

وما لا يقال علنا، أن تدمير، أو على الأقل إضعاف حماس، هو في مصلحة الولايات المتحدة على مستويات متعددة.

فحماس هي وكيل لإيران، الخصم الرئيسي للولايات المتحدة، لذا فإن تفكيكها سيضعف طهران. كما ينظر لحماس كقوة مزعزعة للاستقرار في منطقة لا تزال ذات أهمية حاسمة للمصالح الاقتصادية والأمنية للولايات المتحدة. وأضاف أحد المسؤولين الأمريكيين، طلب عدم الكشف عن هويته، أن حماس لا تعترف بحق إسرائيل في الوجود، مما يجعلها عائقا رئيسيا أمام حل الدولتين.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الانفصال العلني عن الإسرائيليين قد يضر بعلاقات الولايات المتحدة مع شريك له أهمية حاسمة على الجبهات بما في ذلك تبادل المعلومات الاستخبارية. وربما تتجاهل إسرائيل الولايات المتحدة على أي حال، إلا أن واشنطن تمتلك أدوات مهمة يمكنها استخدامها للضغط على إسرائيل بما يتجاوز مجرد الكلمات التي يمارسها المسؤولون الآن.

ويمكن أن تهدد واشنطن بقطع المساعدات العسكرية لإسرائيل أو التوقف عن الدفاع عنها في الأمم المتحدة، أو التخلي عن الجهود طويلة المدى لمساعدة إسرائيل على تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع الدول العربية. بل إن بعض الديمقراطيين في الكونغرس يدرسون سن تشريع للحد من تبادل المعلومات الاستخبارية مع إسرائيل. إلا أن إدارة بايدن رفضت بشدة مثل هذه التحركات.

وحتى في الأوقات العادية، لم تستمع الحكومة الإسرائيلية دائما إلى واشنطن. على سبيل المثال، حث المسؤولون الأمريكيون إسرائيل لسنوات دون جدوى على وقف بناء المستوطنات على أراضي الضفة الغربية التي يطالب بها الفلسطينيون. وعندما كان بايدن نائبا للرئيس، أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن بناء مستوطنات جديدة أثناء زيارته لإسرائيل.

 وهناك المسؤولون العرب، فالعديد من الحكومات العربية تكره حماس سرا لأسباب ليس أقلها جذورها الإسلامية وعلاقاتها بإيران. لذلك لن يمانعوا في رؤية الحركة وقد تم إضعافها. وقال مسؤول إسرائيلي كبير للصحافيين في واشنطن الشهر الماضي: “كان هناك فرق كبير بين ردود الفعل العامة والخاصة للدول العربية”. وتعتبر معظم الدول العربية حماس “عدوة وتريد ردعها”.

وعلى الرغم من بغضهم لحماس، فإن العديد من الزعماء العرب يحثون الولايات المتحدة سرا وعلنا على الضغط على إسرائيل لحملها على قبول وقف إطلاق النار. ويرجع ذلك جزئيا إلى قلقهم من أن ينقلب غضب المواطنين العرب من صور القتلى والجرحى الفلسطينيين ضدهم. وقال دبلوماسي عربي مقيم في واشنطن: “من خلال إرسال الكثير من المعدات والكثير من الأموال إلى إسرائيل، تشجعهم [الولايات المتحدة] على الضغط والتصعيد بدلا من البحث عن حل”.

ولا يبدو أن إسرائيل تستجيب لتحذيرات أشخاص مثل وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي من أجل “وقف هذا الجنون”. ويصر المسؤولون على أنهم يفعلون ما يجب عليهم فعله لتحييد المدنيين، لكن مستوى المعاناة الفلسطينية يصعب على إسرائيل تفسيره بشكل متزايد.

وعلى الرغم من أن إيران لا تشارك بشكل مباشر في الحرب، إلا أنها مهتمة بشدة بالصراع. وتدعم إيران حماس بالتمويل والأسلحة والتدريب، وتسعى منذ فترة طويلة إلى طرد القوات الأمريكية من الشرق الأوسط.

وقد استغلت طهران هذه اللحظة لإثارة المزيد من عدم الاستقرار في المنطقة. وقد هاجم وكلاؤها القوات الأمريكية في العراق وسوريا بطائرات مسيرة وصواريخ 38 مرة على الأقل منذ 17 تشرين الأول/ أكتوبر، حتى مع قيام البنتاغون بإرسال كمية متزايدة من القوة النارية إلى المنطقة.

لكن مسؤولين أمريكيين يقولون سرا إنهم يعتقدون أن إيران تحاول ببساطة زيادة الضغط على واشنطن، وليس إثارة حرب إقليمية أوسع. وأفضل دليل على هذا الحساب هو طبيعة الهجمات وحجمها، لا سيما مقارنة بردّ إيران على اغتيال قاسم سليماني، في عام 2020.

فمن ناحية، اعتمدت الجماعات الوكيلة لإيران بشكل شبه حصري على طائرات مسيرة وصواريخ هجومية رخيصة الثمن أحادية الاتجاه لشن الهجمات غير الناجحة في معظمها. ووصف المتحدث باسم البنتاغون العميد باتريك رايدر مثل هذه التحركات بأنها “مضايقة”. وعلى الرغم من أن رايدر قال إن الولايات المتحدة ستحمّل إيران مسؤولية الضربات، إلا أن طهران لم تعلن مسؤوليتها عنها.

على النقيض من ذلك، في كانون الثاني/ يناير2020، أطلق الحرس الثوري الإيراني أكثر من 12 صاروخا باليستيا على قواعد أمريكية متعددة في العراق، مما أدى إلى إصابة أكثر من 100 جندي أمريكي بإصابات دماغية. وقالت إيران إن ذلك انتقام لمقتل سليماني.

ولم تستغل طهران الأزمة الحالية كفرصة لتصعيد مضايقاتها للسفن التجارية في الخليج العربي، وهو السلوك الذي أثار إدانة الولايات المتحدة في السابق. إن الرد الأمريكي المحدود، أو عدمه، على الهجمات الأخيرة له دلالة أيضا. وأمر بايدن بشن غارة جوية في 26 تشرين الأول/ أكتوبرعلى منشأتين في سوريا تستخدمهما الجماعات المرتبطة بإيران، لكن الهجمات لم تقتل أي مسلحين.

المصدر: مجلة بوليتيكو الأميركية

ترجمة: صحيفة القدس العربي




“فايننشيال تايمز”: مستقبل الشيكل الإسرائيلي يعتمد على حرب غزة

قال محللون إن مستقبل سعر صرف الشيكل الإسرائيلي يعتمد على مسار الحرب في غزة رغم التدخل المكثف للبنك المركزي الإسرائيلي في سوق الصرف وتدفق المساعدات الغربية على تل أبيب. وقال بنك إسرائيل، إنه باع 8.2 مليار دولار في أكتوبر/تشرين الأول للدفاع عن الشيكل الذي سجل أدنى مستوى له منذ 11 عاماً مقابل الدولار الشهر الماضي. وذلك وفقاً لما ذكره تقرير بصحيفة “فايننشيال تايمز” اليوم الأربعاء.

وسعى البنك المركزي الإسرائيلي من خلال التدخل المستمر في سوق الصرف خلال الشهر الماضي لمنع انهيار سعر العملة الإسرائيلية التي تعد الركيزة الرئيسية لسوق المال الإسرائيلي واستعادة الثقة في اقتصاد البلاد، ولكن خبراء يرون أن مستقبل صرف الشيكل مقابل الدولار يعتمد على مسار الحرب الشرسة التي يشنها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة أكثر من ضخم الأموال، وعما إذا كانت إسرائيل ستكون قادرة على استعادة ثقة المستثمرين لضخ أموال جديدة في اقتصادها البالغ حجمه نحو 521 مليار دولار. ونفذ البنك حتى الآن مقايضات بقيمة 400 مليون دولار.

وقال محللون بمصرف مورغان ستانلي، في تقرير: “إن التحسن الجزئي الذي شهده الشيكل يعود إلى التزام بنك إسرائيل بتزويد السوق بالدولارات والإبقاء على أسعار الفائدة  عند مستواها الحالي حتى اجتماع البنك المركزي في يناير/كانون الثاني المقبل. ولكن بالتأكيد فإن أي خفض في سعر الفائدة لمساعدة الاقتصاد على النمو ستكون له تداعيات سلبية على سعر صرف العملة الإسرائيلية”.

وكان مؤشر الأسهم الإسرائيلية قد خسر نحو 15% من قيمته السوقية، كما ارتفعت كلفة الاقتراض  الحكومي إلى نسبة 4.67% في أعقاب عملية “طوفان الأقصى”، قبل أن تتحسن في الأسبوع الماضي بسبب ضخ المساعدات الأجنبية من الأفراد والشركات الغربية.

في الصدد، قال رئيس الأسواق في وحدة إسرائيل التابعة لمصرف “سيتي بنك” جيل موشي: “اتخذ بنك إسرائيل إجراءات صارمة للغاية لحماية الشيكل”.

في الشأن، قال استراتيجيون في مجموعة “غولدمان ساكس” في تعليقات نقلتها وكالة بلومبيرغ، مساء الثلاثاء، إن التدفقات المالية من الخارج، بما في ذلك المساعدات، ربما ستدعم الشيكل في الأشهر المقبلة وتجعله في مستوياته الحالية، وذلك في حال لم تحدث متغيرات جديدة في مسار الحرب على قطاع غزة.

وحسب بلومبيرغ، فقد أدت تدخلات البنك المركزي في العملة إلى انخفاض احتياطيات إسرائيل الأجنبية إلى 191.2 مليار دولار، وهو أدنى مستوى لها منذ عام. وتعادل هذه الاحتياطيات ما يقرب من 40% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
وتتجلى عواقب الحرب الشرسة على غزة على سوق  المال الإسرائيلي بشكل أكثر وضوحاً في مجال السندات، حيث يشعر المستثمرون بالقلق بعد أن أدت تحذيرات وكالات التصنيف الائتماني إلى أن إسرائيل  تقترب من أول تخفيض لتصنيفها الائتماني على الإطلاق. ويتوقع المحللون أن تؤدي الحرب إلى انكماش اقتصادي في هذا الربع، كما تؤدي كذلك إلى ارتفاع عجز الميزانية مع زيادة الإنفاق.

وعلى الرغم من تراجع  تكلفة تأمين ديون الحكومة الإسرائيلية من التخلف عن السداد إلى 130 نقطة أساس في الأسبوع الجاري، لكنها لا تزال قريبة من أعلى مستوى لها في عقد من الزمن عند حوالي 145 نقطة أساس تم الوصول إليها قبل أسبوعين. وحتى قبل الحرب، كانت أصول البلاد تحت ضغط من الاحتجاجات والاضطرابات المحيطة بتحركات الحكومة للسيطرة بشكل أكبر على النظام القضائي. وعادة ما تؤشر كلفة التأمين إلى ثقة المستثمرين في الاقتصاد، وكذلك على إلى أي مدى، أن سندات الدين السيادية محصنة ضد التخلف عن السداد. 

في الشأن، قال محلل بمصرف ويلز فارجو في تعليقات لوكالة بلومبيرغ: “لا يزال خطر خفض التصنيف الائتماني السيادي لإسرائيل مرتفعاً  بسبب الحرب ولكن لا تزال الإصلاحات القضائية تضعف الحوكمة في إسرائيل، وكذلك الحوافز المالية التي من المقرر صرفها لتعويض الأفراد والشركات عن خسائر الحرب”.      

وعلى الرغم من أن التدخل الكثيف للبنك المركزي الإسرائيلي ساهم في تحسن الشيكل بنسبة 0.7% ولكن من المرجح أن تؤدي  الحرب إلى انخفاض العملة إلى مستوى متدني يصل إلى 4.15 مقابل الدولار، وفقًا لمصرف “ويلز فارجو” الأميركي. ومن شأن ذلك أن يمثل أضعف مستوى للشيكل منذ العام 2009.  

وجرى تداول الشيكل عند نحو 4.05 للدولار، في أعقاب تقرير صادر عن وكالة موديز لخدمات المستثمرين، أوضح أن التصنيف الائتماني للبلاد معرض لخطر التخفيض.
ويرى محللون أن “خفض سعر الفائدة يمكن أن يؤدي إلى تفاقم ضغوط انخفاض قيمة الشيكل وإجبار بنك إسرائيل على التدخل الإضافي في العملات الأجنبية، وهو مزيج على الأرجح سيرغب البنك المركزي في تجنبه”.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




14 مؤشراً على انهيار الاقتصاد الإسرائيلي.. إليك الأرقام والتفاصيل

يعيش الاقتصاد الإسرائيلي في واحدة من أسوأ حقباته. وفي حين يستمر العدوان الوحشي على سكان غزة، تتهاوى غالبية المؤشرات أمام حكومة الاحتلال، وسط توقعات باستمرار الأزمة إلى سنوات مقبلة.

ومن العقارات والمصارف والبورصة، مروراً بالشيكل وسوق العمل وشركات التكنولوجيا وصولاً إلى عجز الموازنة والنمو الاقتصادي، يسود اللون الأحمر إيذاناً بانهيار يعمّق أزمة كانت أصلاً قد بدأت قبل الحرب بسبب الفساد وسوء الإدارة الاقتصادية.

إليك ما رصده “العربي الجديد” من أرقام تدل على عمق الأزمة الاقتصادية لدى الاحتلال:

ارتفاع البطالة

أظهرت بيانات صادرة عن دائرة التوظيف الإسرائيلية أنّ ارتفاعاً حاداً طرأ في عدد الأفراد المسجلين كعاطلين من العمل خلال أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بالتزامن مع اندلاع الحرب على قطاع غزة.

وبحسب التقرير الشهري لدائرة التوظيف (حكومية)، نشرت تفاصيله صحيفة غلوبس الإسرائيلية، الأربعاء، فإنّ 70 ألف طلب تسجيل تقدم به إسرائيليون كعاطلين من العمل في أكتوبر الماضي. ويزيد هذا الرقم بنسبة 460% على أساس شهري، صعوداً من 12.5 ألف طلب سُجل في سبتمبر/أيلول السابق له.

ووفق إيكونوميست، فإنه منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، حشدت القوات المسلحة الإسرائيلية أكثر من 360 ألف جندي احتياطي، أو 8% من القوة العاملة في البلاد، وقد ترك معظمهم وظائفهم، مما أدى إلى فجوة هائلة في الاقتصاد الإسرائيلي.

ويشير التقرير إلى أن هناك مصدراً آخر لكارثة نقص العمالة، وهي أن حوالي 200 ألف فلسطيني كانوا يعملون لدى الاحتلال، لكن الاضطرابات في الضفة الغربية تعني أنه لا يُسمح للعديد من العمال بعبور الحدود. وخلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، التي استمرت من عام 2000 إلى عام 2005، كان العمال الفلسطينيون المفقودون من أكبر أزمات النمو الإسرائيلي، وفقاً لصندوق النقد الدولي.

مطلع الشهر الحالي، قال مسح أجراه مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، إن 37% من الشركات في إسرائيل كانت تعمل بخمس موظفيها أو أقل. فيما قدّرت وزارة العمل الإسرائيلية في تقريرها الأخير أن 18% من القوى العاملة معطلة بسبب الحرب. أما الضرر الأكبر، فعلى حدود غزة، حيث توفر 59% من الشركات الحد الأدنى من فرص العمل.

وفي السياق نفسه، تشير تقديرات شعبة الاستراتيجية في وزارة العمل، وفق موقع “ذا ماركر” الإسرائيلي، إلى أن 764 ألف عامل في إسرائيل، أي 18% من إجمالي العمالة في إسرائيل، أصبحوا عاطلين من العمل بسبب خدمتهم الاحتياطية في جيش الاحتلال، أو يعيشون في محيط غزة، أو يبقون في المنزل.

أزمة تطاول الشركات

أكد مؤشر ميلنيك لحالة الاقتصاد في مطلع الشهر الحالي، أنه في شهر سبتمبر/أيلول الماضي، أظهر قطاع الأعمال في إسرائيل علامات نمو، حيث سجل مؤشر ميلنيك زيادة بنسبة 0.2 في المائة، لكن إعلان إسرائيل العدوان على غزة ألقى بظلال من عدم اليقين بشأن استقرار هذا النمو الهش.

وشرح موقع “ذا جيروزاليم بوست” الإسرائيلي أن مؤشر ميلنيك لحالة الاقتصاد يعد مؤشرًا رئيسيًا للأداء الاقتصادي في إسرائيل. ويعد الارتفاع المعلن عنه في شهر سبتمبر ذا أهمية خاصة بالنظر إلى التحديات الاقتصادية المستمرة التي يواجهها قطاع الأعمال الإسرائيلي في الأشهر الأخيرة. وكانت النتائج في أغسطس/آب قد سجلت زيادة متواضعة بنسبة 0.1 في المائة، مما يعكس النمو الفاتر.

وتلفت الصحيفة الإسرائيلية إلى أن العدوان على غزة من شأنه أن يؤدي إلى تعطيل هذا النمو الهش. وتشرح أن التداعيات كبيرة، حيث أدى الصراع إلى نقص في العمالة، وتكافح الشركات للعثور على العمال المتاحين بسبب استدعاء جيش الاحتلال الإسرائيلي لأكثر من 300 ألف جندي احتياطي إلى الخدمة.

وقد أظهرت بيانات رسمية لدى الاحتلال بخصوص الضربة التي ألحقتها الحرب بالاقتصاد الإسرائيلي أن حوالي 51% من الشركات أبلغت عن حدوث ضرر جسيم في الإيرادات، وأبلغت حوالي 12% فقط من الشركات عن حدوث ضرر طفيف في دخل الشركة.

في الصناعات التالية أبلغت معظم الشركات عن انخفاض يزيد عن 50% في إيراداتها: صناعات خدمات الضيافة (حوالي 82% سجلت انخفاضًا في الإيرادات)، وخدمات الأغذية والمشروبات (71%)، والبناء (74%). ويكون الضرر الذي يلحق بدخل الشركة أكثر حدة كلما صغر حجم الأعمال.

جاء ذلك بحسب استطلاع أجراه مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي يومي 24 و26 تشرين الأول/أكتوبر، ونشره موقع “ذا ماركر”. وتعكس البيانات تقارير المديرين بشأن وضع العمالة والأضرار التي لحقت بشركاتهم في الأسبوع الثالث من الحرب.

جمود العقارات

وضع العدوان على غزة آلاف الإسرائيليين في ضائقة مالية. واستمرار الحرب، ربما لأسابيع قليلة أخرى على الأقل، سيجبر الاحتلال وبنك إسرائيل والبنوك على التواصل مع الواقع، والذهاب إلى إجراءات لمنع أزمة رهون عقارية بدأت تلوح في الأفق.

وبحسب موقع “ذا ماركر” الإسرائيلي، فإنه في العام 2020، في خضم أزمة كورونا، كان رد فعل المشرفين الماليين بطيئًا، لكنهم في النهاية قدموا حلاً لحاملي القروض، لكن مع اندلاع الحرب، فإن الأضرار الجسيمة التي لحقت بالاقتصاد، وفق الموقع الإسرائيلي، لن تسمح للبنوك بتلبية جميع متطلبات تأجيل السداد وزيادة الائتمان، دون دعم كبير من البنك المركزي.

ويقول نوفر يعقوب، رئيس جمعية مستشاري الرهن العقاري: “حتى قبل الحرب، وبعد أكثر من عام من ارتفاع أسعار الفائدة، وصل العديد من الإسرائيليين إلى الحد الأقصى لقدرتهم على السداد”. عشية الحرب، كانت هناك زيادة بنسبة 26% في متأخرات الرهن العقاري، إلى جانب 23% في القروض الأخرى بالإضافة إلى عمليات السحب المكثفة من صناديق الادخار العامة، ومعاشات التقاعد والمدخرات.

ووفقاً لتقديرات المطورين الإسرائيليين، فقد تقلص نشاط البناء بنسبة تراوح ما بين 80 و90 في المائة. وتحت عنوان “ضربات اقتصادية يصعب التعافي منها”، يشرح “ذا ماركر” أن مسؤولين في الصناعة، وعلى رأسهم جمعية المقاولين، يحذرون من الانخفاض المتوقع في المعروض من الشقق حتى بعد الحرب.

ويتوقع أن تغلق العديد من الشركات أبوابها، ويتلقى العاملون لحسابهم الخاص والموظفون ضربات مالية سيكون من الصعب التعافي منها.

عواقب على المصارف

قالت وكالة “ستاندرد أند بورز”، مطلع الشهر الحالي، إنها عدلت نظرتها المستقبلية من مستقرة إلى سلبية لبنوك “لئومي”، و”هبوعليم”، و”مزراحي تفاهوت”، و”ديسكونت الإسرائيلي”. 

ورأت الوكالة أن “تطور الصراع ومدته وتأثيراته على الاقتصاد الإسرائيلي، وثقة قطاع الأعمال، قد تكون لها عواقب سلبية على القطاع المصرفي”. وأضافت: “لقد قمنا بتغيير نظرتنا المستقبلية لبنكي “هبوعليم بي.إم.” و”لئومي لإسرائيل بي.إم.” إلى سلبي من مستقر، وأكدنا التصنيف الائتماني للمُصدر على المدى الطويل والقصير عند (A/A-1)، كما قمنا بتثبيت جميع تصنيفات الإصدار على ديون البنوك”.

وتعكس إجراءات وكالة التصنيف وجهة نظر مفادها أن النظام المصرفي في دولة الاحتلال قد يواجه أخطاراً أعلى وسط تصاعد الأخطار الجيوسياسية.

ومن المتوقع أن تضر الحرب بأنشطة البنوك. ويتمثل الخطر الرئيسي في زيادة صعوبة سداد القروض من جانب الشركات والأسر، خاصة في قطاع العقارات. وهو ما دفع وكالة التصنيف الإسرائيلية “ميدروج” إلى الاستشهاد بهذه المخاطر في تقييم وضع البنوك في هذه الفترة.

تراجع الاحتياطي النقدي 

قال بنك إسرائيل المركزي، أمس الثلاثاء، إنه باع 8.2 مليارات دولار من النقد الأجنبي في أكتوبر، مما أدى إلى تراجع الاحتياطي إلى 191.235 مليار دولار، من 198.553 مليار دولار في سبتمبر، بتراجع بلغ 7.318 مليارات دولار.

وبتاريخ 9 أكتوبر الماضي، أعلن بنك إسرائيل (المركزي) ضخّ ما يصل إلى 45 مليار دولار في محاولة لتحقيق استقرار في سعر صرف الشيكل، لكن أرقام أسعار الصرف تظهر إخفاق خطة البنك. وهذه هي المرة الأولى على الإطلاق التي يبيع فيها النقد الأجنبي.

انكماش الاقتصاد

ذكر آخر تقرير لبنك جي بي مورغان، أنّ الاقتصاد الإسرائيلي قد ينكمش بنسبة 11% على أساس سنوي، في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الجاري، مع تصاعد الحرب على قطاع غزة. وكانت آخر مرة سجلت فيها إسرائيل هذا الانكماش خلال عام 2020، مع إغلاق الاقتصاد بسبب تفشي جائحة كورونا.

وأظهرت تقديرات إسرائيلية أولية، أنّ الحرب على غزة ستكلف ميزانية الدولة 200 مليار شيكل (51 مليار دولار). وقال اقتصاديون إسرائيليون إن إسرائيل تواجه ركوداً اقتصادياً كبيراً بسبب الحرب ضد قطاع غزة.

في هذا الشأن، قال الرئيس التنفيذي لصناديق الاستثمار في تل أبيب إيال غورين، لـنشرة “غلوبس” المالية الإسرائيلية، “إن الحرب التي اندلعت كانت بمثابة البجعة السوداء التي جلبت قدراً كبيراً من عدم اليقين والخوف والقلق في كل جانب من جوانب حياة الناس. وقد تسرب هذا من الحياة الشخصية إلى المحافظ الاستثمارية”. 

من جانبها، أشار موقع “ذا ماركر” إلى أن “إسرائيل دخلت الحرب وهي في حالة ركود، والتجارة حالياً صفر”.

وأشارت إلى تعرض الاقتصاد الإسرائيلي لضربة خطيرة على يد عملية “طوفان الأقصى”، حيث خسر 3 مليارات دولار كتعويضات في اليوم الأول للحرب وحده، وهي حالة يقول بعض الاقتصاديين إنها أسوأ مما كانت عليه خلال حرب إسرائيل مع حزب الله في العام 2006.

وفي تحليل للتداعيات الاقتصادية للحرب، قالت صحيفة “هآرتس” اليومية إن الاقتصاد سيتضرر بشدة، إذ ستجف السياحة، وسيصاب النشاط الاقتصادي في الجنوب بالشلل، وسيزداد الإنفاق الدفاعي، وسيتعطل العمال، ويغيبون عن وظائفهم لأنهم في الاحتياط.

وكان الاقتصاد الإسرائيلي في حالة تعثر بالفعل، بسبب الصراعات السياسية التي أدخل بنيامين نتنياهو حكومته فيها على خلفية إقراره قانونًا يتغول فيه على صلاحيات المحكمة العليا، ما جعله غير مستعد على الإطلاق للحرب التي بدأها بعد عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري.

وقف حقل تمار

وفي بداية الحرب، أمرت إسرائيل شركة شيفرون بوقف الإنتاج في حقل تمار للغاز الطبيعي لتقليل التعرض للصواريخ المحتملة، وقدر خبير الطاقة أميت مور أنّ الإغلاق قد يكلف إسرائيل 200 مليون دولار شهرياً من الإيرادات المفقودة من حقل تمار. وينتج حقل تمار نحو 7.1 إلى 8.5 ملايين متر مكعب يومياً من الغاز الطبيعي، بحسب موقع شيفرون عبر الإنترنت.

وتمار كما غيره من الحقول الذي نهبتها إسرائيل، يقع على بعد 24 كيلومتراً غرب عسقلان، شمال قطاع غزة، وفي حين يقطع الاحتلال الكهرباء عن القطاع، فإن تمار يوفر 70% من احتياجات استهلاك الطاقة في إسرائيل لتوليد الكهرباء. 

وتخطط هيئة الكهرباء الإسرائيلية لتخصيص الدخل الفائض من بيع محطة كهرباء أشكول لتغطية النفقات الإضافية بسبب العدوان على غزة، وفق تقرير نشره موقع “ذا ماركر” الإسرائيلي. وأفادت شركة الكهرباء بعد أسبوع من بدء العدوان بأنها اضطرت إلى سحب مليار شيكل من احتياطها النقدي لتمويل الزيادة في تكلفة شراء الوقود بسبب إغلاق حقل تمار للغاز مع بدء عملية طوفان الأقصى.

وأعلن الشركاء في حقل تمار عدم ورود أي تحديث من وزارة الطاقة بشأن موعد استئناف الإنتاج من الحقل. بعد إغلاقه، اضطرت شركة الكهرباء إلى شراء الغاز بسعر أعلى من محطة ليفياثان بالإضافة إلى شراء كميات زائدة من الديزل والفحم جزئيًا لتلبية الاحتياجات الطارئة لقطاع الكهرباء، بما في ذلك منتجو الكهرباء من القطاع الخاص.

علاوة على ذلك، تقوم شركة الكهرباء حالياً بتمويل من مصادرها الخاصة بترميم البنى التحتية الكهربائية التي تضررت بسبب الحرب، بحسب الموقع الإسرائيلي.

هبوط الشيكل 

وخلال الشهر الماضي، تراجع سعر صرف الشيكل الإسرائيلي أمام الدولار إلى أدنى مستوى له منذ عام 2012 إلى 4.08 شيكلات، قبل أن يرتد صعوداً في تعاملات الشهر الجاري إلى متوسط 3.94 شيكلات.

وفي 29 أكتوبر، تم تصنيف الشيكل الإسرائيلي العملة الأسوأ أداء بين العملات العالمية هذا العام بسبب الحرب الإسرائيلية على غزة، والتعديلات القضائية التي نفذتها حكومة بنيامين نتنياهو، وفق ما أوردته وكالة بلومبيرغ الأميركية.

وذكرت “بلومبيرغ”، في تقرير لها، أنّ الشيكل الإسرائيلي خسر 14% من قيمته مقابل الدولار، خلال العام الجاري، وبات يعد العملة الأسوأ أداءً بين العملات؛ بسبب هروب المستثمرين من الأصول الإسرائيلية.

ومنذ عملية “طوفان الأقصى”، في 7 أكتوبر/ تشرين الأول، واجهت العملة الإسرائيلية خسائر متواصلة وهجمات بيع مكثفة للسندات، بينما واصل الدولار الأميركي ارتفاعه مقابل الشيكل على الرغم من تدخل البنك المركزي لإنقاذه من الانهيار. 

عجز الموازنة

وقدر البنك المركزي، الشهر الماضي، أن عجز الموازنة سيبلغ 2.3% من الناتج الإجمالي المحلي في 2023 و3.5% في 2024، مقابل تحقيق فائض 2022 في حال بقاء الصراع مقصوراً على قطاع غزة، ولم يمتد لجبهات أخرى.

وشرحت “ذا إيكونوميست” في تقرير لها أن إنقاذ الشركات ودفع رواتب جنود الاحتياط وإيواء سكان قرى بأكملها في الفنادق سيكون لها أثرها. وبحسب التقرير، سوف يتطلب الأمر زيادة هائلة في الإنفاق الدفاعي من أجل تمويل الغزو البري على قطاع غزة.

وحتى قبل عملية طوفان الأقصى، تراجعت إيرادات الحكومة بنسبة 8% في سبتمبر/أيلول الماضي، والآن ترتفع تكلفة الاقتراض وتنهار القاعدة الضريبية. وبذلك، فإنّ حرباً أطول أمداً ستعني المزيد من الدمار، ولن تكون عملية إعادة الإعمار رخيصة الثمن بدورها.

تتوقع وكالة التصنيف الائتماني موديز أن يتسع العجز المالي في الميزانية الإسرائيلية إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية العام الجاري، 2023، وإلى 7.8% في العام المقبل، 2024. كما تتوقع الوكالة في تقريرها،  الذي نشرت “غلوبس” الإسرائيلية مقتطفات منه، أن يقفز التضخم إلى 6.8% في إسرائيل في عام 2024 مع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.4% فقط.

ووفقاً لـ “ذا ماركر” من المتوقع أن ينمو الإنفاق الحربي بشكل حاد، على الأقل في السنوات المقبلة، مما يعني أنه بدون زيادات ضريبية، من المتوقع أن يقفز العجز، أو أن الإنفاق على التعليم، والصحة، والرعاية الاجتماعية، والبناء، والبنية الأساسية من المتوقع أن ينخفض، وهو ما من شأنه أن يلقي بظلاله على النمو الاقتصادي.

تراجع السياحة

أظهر تقرير لموقع “Secret Flights” المتتبع لرحلات الطيران في مطلع الشهر الحالي أن تراجعاً طرأ على رحلات الطيران من مطار بن غوريون الدولي وإليه، بنسبة 80% كمتوسط منذ اندلاع الحرب.

كما تراجعت حركة السياحة في إسرائيل خلال أكتوبر، بنسبة 76% على أساس سنوي، بسبب اندلاع الحرب على قطاع غزة، وإلغاء غالبية رحلات الطيران من تل أبيب وإليها.

جاء ذلك، بحسب تقرير شهري صادر عن مكتب الإحصاء الإسرائيلي في بيان في 28 أكتوبر، قال فيه إن 89.7 ألف سائح زاروا إسرائيل خلال أكتوبر، معظمهم دخلوا إلى البلاد قبل اليوم السابع من ذات الشهر (قبل اندلاع عملية طوفان الأقصى)، وذلك مقابل 369 ألفا في الشهر نفسه من عام 2022.

هبوط البورصة

في الحرب الحالية على غزة، تراجع مؤشر Tase35 لبورصة تل أبيب بنسبة 15 بالمائة، فيما تراجعت أسهم بعض الشركات فيه بأكثر من 35 بالمائة، مقارنة مع إغلاق عشية الحرب.

وفقدت القيمة السوقية للبورصة 25 مليار دولار، قبل أن تقلص خسائرها في تعاملات الأسبوع الماضي، مع ظهور مؤشرات أولية إلى الخسائر المتوقعة للحرب. ومنذ بداية الحرب حتى نهاية جلسات أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تراجعت أسهم أكبر خمسة بنوك مدرجة في بورصة تل أبيب بنسبة 20%، على أثر الحرب.

وواصل مستثمرون محليون وأجانب بيع أسهم لهم في الشركات الإسرائيلية المدرجة، بخاصة البنوك العاملة في السوق المحلية. ووفقا لتقرير “بلومبيرغ” في 30 اكتوبر، فإن الأسهم الإسرائيلية هي الأسوأ أداء في العالم منذ اندلاع القتال. 

الهروب من الزراعة

الشهر الماضي، أوردت صحيفة غلوبس المختصة بالاقتصاد الإسرائيلي، تقريراً تحدثت فيه عن أهمية أراضي مستوطنات غلاف غزة بالنسبة للأمن الغذائي الزراعي للسوق الإسرائيلية. ونقلت الصحيفة عن رئيس اتحاد المزارعين الإسرائيليين عميت يفراح قوله إن 75% من الخضروات المستهلكة في إسرائيل تأتي من غلاف غزة، فضلاً عن 20% من الفاكهة، و6.5% من الحليب.

وتُعرف المنطقة المحيطة بقطاع غزة باسم “رقعة الخضار الإسرائيلية”، وهي تحتوي أيضاً مزارع للدواجن والماشية، إلى جانب مزارع للأسماك.

كما تعرضت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في الشمال على الحدود مع لبنان إلى تعليق عمليات قطف المحاصيل بسبب التوترات الأمنية مع حزب الله اللبناني والفصائل اللبنانية والفلسطينية في جنوب لبنان.

ولم يأت حوالي 100 ألف عامل أجنبي إلى مواقع البناء والحقول الزراعية منذ اندلاع الحرب، وتم إغلاق أجزاء كبيرة من الاقتصاد. 

خفض التصنيف الائتماني

خفّض بنك جي بي مورغان الأميركي أخيراً بشكل حاد توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل في الربع الرابع، إلى 11 في المائة، مقارنة بالربع السابق، فيما كانت توقعاته السابقة تشير إلى انخفاض 1.5 في المائة فقط.

وسبق أن توقعت وكالة التصنيف الائتماني ستاندرد آند بورز، انخفاضاً أكثر حدة في الناتج المحلي في الربع الرابع، بمعدل 18.5 في المائة، وهو انخفاض نادر في القوة، ذكّر الاحتلال بمرحلة الهبوط الاقتصادي خلال انتشار فيروس كورونا في عام 2020، حين كان الانكماش 28.7 في المائة، بحسب بيانات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي.

خفّضت وكالة ستاندرد آند بورز نظرتها المستقبلية للاقتصاد الإسرائيلي من مستقرة إلى سلبية، وتوقعت الوكالة انكماش الاقتصاد الإسرائيلي بنسبة 5% في الربع الرابع من العام الجاري على أساس فصلي، ووضعت وكالة موديز لخدمات المستثمرين تصنيف ديون دولة الاحتلال قيد المراجعة لخفض التصنيف.

كما صنّفت وكالة “فيتش” البلاد تحت المراقبة السلبية. وقالت إن التصعيد الواسع النطاق، بالإضافة إلى الخسائر البشرية، يمكن أن يدفعا “إسرائيل” إلى إنفاق عسكري كبير وتدمير في البنية التحتية وتغيير مستدام في معنويات المستهلكين والاستثمار.

أزمة شركات التكنولوجيا

 تعتقد شركة “ستارت أب نيشن” أن 70% من شركات التكنولوجيا في إسرائيل تكافح من أجل أداء وظيفتها. ويكمن الخطر في أنه عندما تنتهي الحرب، سيكون هناك عدد أقل من الوظائف التي يمكن للموظفين العودة إليها.

وحسب تقرير بصحيفة “كالكاليست” الإسرائيلية التي تُعنى بالتقنية، فإن صناعة التقنية الإسرائيلية ستواجه في المستقبل 4 مخاطر رئيسية، وهي خسارة القوى العاملة وارتفاع كلفة التمويل ومقاطعة منتجاتها عالمياً وهروب الاستثمارات.  
وحسب تقرير حكومي إسرائيلي، فإن قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي شكّل عام 2022، نسبة 48.3% من إجمالي صادرات إسرائيل، بلغت قيمتها 71 مليار دولار. وعلى مدى العقد الماضي، تضاعفت صادرات إسرائيل من التكنولوجيا وكان النمو مدفوعًا في الغالب بالتوسع في خدمات البرمجيات، كما يوظف القطاع حوالي 14% من القوى العاملة في إسرائيل، وهو المسؤول عن توسع الطبقة الوسطى وزيادة القوة الشرائية في الاقتصاد.

ويقول التقرير أنه بالإضافة إلى الأضرار الكبيرة التي ستلحق بتطور شركات التقنية نتيجة الغياب الطويل لموظفيها، فإن القلق الأكبر هو في الشركات الكبيرة متعددة الجنسيات.

ويعمل حوالي ثلث قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي في 400 مركز بحث وتطوير لشركات أجنبية عملاقة مثل إنتل، ومايكروسوفت، وغوغل، ونفيديا، وأمازون، وميتا. وهذه الشركات ربما تخفض بنسبة كبيرة استثماراتها في إسرائيل وحتى ربما تفضل الهروب نهائياً من إسرائيل في حال طال أمد الحرب.

وعملياً، أبدى كبير العلماء في مركز الأبحاث والتطوير التابع لشركة مايكروسوفت إسرائيل، تومر سايمون، قلقه بشأن مستقبل قطاع التكنولوجيا الفائقة في دولة الاحتلال بسبب الحرب.

وحذر المسؤول، وفقاً لوكالة رويترز، من أنّ الشركات متعددة الجنسيات قد توقف أنشطة الأبحاث والتطوير في إسرائيل. وقال سايمون إنه عبر عن مخاوفه في رسالة إلى مستشار الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنجبي لكنه لم يتلق رداً.

وبعد اندلاع الحرب بين الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة منذ يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، تم استدعاء نحو 15% من العاملين في القطاع إلى الخدمة العسكرية بعيدا عن مكاتبهم، وفق تقديرات جمعية “إس إن سي”.

وحتى قبل اندلاع الحرب، كانت شركات التكنولوجيا الإسرائيلية تعاني من انخفاض حاد في الاستثمارات بنسبة تصل إلى 70%، الذي تفاقم بسبب التباطؤ الاقتصادي العالمي وأزمة الإصلاح القضائي في البلاد.

ومؤخراً، نقل موقع ذا تايمز أوف إسرائيل عن الرئيس التنفيذي لهيئة الابتكار الإسرائيلية درور بن، أن “التباطؤ في دورات جمع الأموال وتعبئة جنود الاحتياط للحرب يشكل تحدياً لعدد كبير من شركات التكنولوجيا المتقدمة”. وحذّر بن من أنّ “شركات معرضة لخطر الإغلاق في الأشهر المقبلة”.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




سحب الإقامة… سلاح فرنسا للضغط على تونسيين داعمين لغزة

تستعمل فرنسا ورقة سحب وثائق الإقامة للضغط على المهاجرين التونسيين، وإجبارهم على عدم دعم الفلسطينيين في غزة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو المشاركة في التظاهرات التي تنظمها الجمعيات المدنية. يقول مهاجرون تونسيون في فرنسا لـ”العربي الجديد”: “نصحنا رؤساؤنا في العمل وزملاء لنا بعدم الخوض في أي مواضيع تتعلق بالحرب الدموية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على غزة، ونحن تعرضنا لموجات من العنصرية وصلت إلى حدّ التهديد بطردنا من العمل، وترحيلنا”. ويشير هؤلاء المهاجرون إلى أن “التهديد بسحب وثائق الإقامة طاول أيضاً مهاجرين يقيمون بشكل نظامي وينتمون إلى دول تدعم القضية الفلسطينية، وأيضاً أولئك الذين انتقدوا السياسات الفرنسية لمنع التظاهرات، وتضيّق على الحريات، ونرجّح أن يواجه التونسيون في المستقبل تشديداً في تجديد وثائق إقاماتهم، خصوصاً أن السلطات الفرنسية باتت تُراقب كل الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، وتسجّل تحديداً مواقف المهاجرين من سياسات الرئيس إيمانويل ماكرون التي تدعم إسرائيل”.

ويخبر أصحاب الشهادات أيضاً أن “السلطات الفرنسية فرضت عقوبات مادية على مهاجرين تونسيين أصرّوا على المشاركة في التظاهرات والوقفات الاحتجاجية، ما قد يعطيها حججاً لعدم تجديد وثائقهم في المستقبل”. وفي وقت يُقدّر فيه عدد أفراد الجالية التونسية في المهجر بأكثر من 1.7 مليون، بحسب بيانات رسمية، والتي تقيم نسبة 85.7 في المائة من أفرادها في دول أوروبية، تعتبر فرنسا دولة الاستقبال الأولى للمهاجرين التونسيين داخل الفضاء الأوروبي بنسبة تتجاوز 56 في المائة، وتأتي بعدها إيطاليا بنسبة 15 في المائة، وألمانيا بنسبة 6.6 في المائة. كذلك يقيم في فرنسا وألمانيا وإيطاليا أعلى نسبة من التونسيين الذين لم تتجاوز أعمارهم الـ18، وهم أساساً من الأجيال الجديدة للهجرة، وتقدر نسبهم بـ14.8 في المائة في فرنسا، و33.5 في المائة في ألمانيا، و21.6 في المائة في إيطاليا.
يقول رئيس “الفيدرالية التونسية من أجل مواطنة بين الضفتين”، وهي منظمة مدنية، محي الدين شربيب، لـ”العربي الجديد” إن “المهاجرين، ومن بينهم التونسيون، يواجهون وسائل ضغط عدة من السلطات الفرنسية من بينها سحب الإقامات بسبب إبراز مواقفهم التي تدعم القضية الفلسطينية”. ويوضح أن “الفيدرالية قدمت باعتبارها منظمة مدنية، نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، طلبات لتنظيم وقفات احتجاجية في العاصمة الفرنسية باريس، وهو ما رفضته السلطات مرتين، ما استدعى تقديمها اعتراضاً إلى القضاء”. ويتحدث عن أن المنظمة حصلت في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري على موافقة من المحكمة الإدارية الفرنسية لتنظيم وقفة احتجاجية، ثم فرضت السلطات عقوبات مادية بقيمة 135 دولاراً على 1300 من المهاجرين المشاركين. ويشير شربيب إلى أن وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان أعلن ترحيل 193 مهاجراً بسبب دعمهم فلسطين، ويؤكد أن الفيدرالية لم تتأكد من وجود تونسيين بينهم، مرجحاً أن يكون غالبية المرحلين من جنسيات عربية وأفريقية. يتابع: “وضعنا آليات لتقديم الدعم القانوني اللازم للمهاجرين، وكلفنا محامين بالدفاع عنهم في حال تعرضوا لسحب وثائق الإقامة، وسنواصل التصدي لكل الممارسات التي تضطهد الحريات العامة للمهاجرين”. ويشرح أن “سحب الإقامة من دون امتلاك وثائق يعرّض المهاجرين إلى الترحيل القسري المباشر أو تبعات قضائية، لذا تستعمل السلطات الفرنسية هذه الورقة للضغط على المهاجرين، علماً أنها باتت تعتبر أيضاً أن وضع الإقامة النظامية قد لا يكفي لتجنب الترحيل. أما المجتمع المدني والجمعيات التي تدافع عن حقوق المهاجرين فتواصل ضغوطها لحماية المهاجرين، ومنع تعرضهم لممارسات عنصرية زادت منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي”.

ويسمح القانون الفرنسي بطرد الأجانب، أكانت أوضاع إقاماتهم نظامية أو غير نظامية، خصوصاً إذا ثبت ارتكابهم جرائم خطرة مثل القتل أو محاولة القتل، وتورطوا بسلوك يصنّف بأنه إرهابي، أو حرضوا على التمييز أو الكراهية أو العنف.
وصرح دارمانان أخيراً أن “الخطوات الحازمة واضحة لتحديد الأشخاص الخطرين، وسحب تصاريح إقاماتهم”.
ويذكر عضو الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان شادي الطريفي أن الرابطة تلقت إشعارات من تونسيين مهاجرين في فرنسا وكندا تعرّضوا لمضايقات بسبب مشاركتهم في تظاهرات نددت بالكيان الصهيوني. ويخبر أن السلطات الفرنسية طالبت المهاجرين بإبراز وثائق الإقامة وعقود إيجار مساكنهم وتحديد عناوينهم، في حين طردت تونسية تقيم في كندا من مسكنها. ويشير الطريفي لـ”العربي الجديد” إلى أن الرابطة تدخلت على المستوى الدبلوماسي عبر مراسلة السفارات، وإعلامها بالمضايقات التي يتعرّض لها المهاجرون نتيجة دعمهم للقضية الفلسطينية، و”وعدتنا السفارات بالتدخل لفض الإشكالات”. ويوضح أن الرابطة تعمل في إطار شبكة دولية لتوفير المرافقة القانونية والنفسية للمهاجرين الذين يتعرّضون لضغوطات، أو أشكال عنصرية بسبب مواقفهم. يتابع: “كانت المضايقات أكثر حدّة في بداية عمليات طوفان الأقصى، حين تلقت الرابطة شكاوى عدة، ثم تراجع عددها”.

وعموماً تصاعدت موجات العنصرية ضد المهاجرين من أصول عربية في كل الدول الأوروبية خلال السنوات الأخيرة مع صعود الأحزاب اليمينية التي تتبنى خطاباً مُناهضاً لوجود المهاجرين. وهذه الكيانات السياسية تستغل كل الأحداث الإقليمية والدولية لتصعيد خطابها ضد المهاجرين. وكان المتحدث باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية رمضان بن عمر قال لـ”العربي الجديد” إنّ “المناخات العامة في الدول الأوروبية والمواقف السياسية لحكامها غالباً ما تكون لها تداعيات على الجاليات العربية هناك، والمهاجرون غير النظاميين يكونون غالباً في مرمى الملاحقات الأمنية والترحيل”.

إيمان الحامدي

المصدر: صحيفة العربي الجديد