1

هكذا اخترق “سايبر حماس” أسرار الجيش الاسرائيلي

محترفون فلسطينيون شنوا هجمات سيبرانية مكثفة متزامنة عطلت مواقع حساسة وشركات كومبيوتر

تصفهم اسرائيل بـ”جنود الظل” الذين طاردتهم طوال أكثر من خمس سنوات وخططت لتصفيتهم بالاغتيال حيث نجحت مرات وأخفقت مرات أخرى. ففي عام 2021، أعلن الجيش الاسرائيلي وجهاز “الشاباك” نجاح عملية “حارس الأسوار” في تدمير مراكز التطوير والتدريب الخاصة بهم في قلب قطاع غزة، وذهبا إلى حد تأكيد القضاء عليها.

هم جنود “فيلق حماس السيبراني”، أحد مرتكزات عملية “طوفان الأقصى”. هذا “الفيلق” لم يشكل مفاجأة من مفاجآت هذه العملية فحسب، بل فجر غضبا داخل الأوساط الاسرائيلية على الرغم من نفي تسببها بإلحاق أضرار جسيمة خلال الهجوم الأخير.

في تحقيق حديث نشرته شركة “كلاود فلير” يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول 2023 تحت عنوان “الهجمات السيبرانية في الحرب الدائرة بين اسرائيل وحماس”، تأكد وقوع هجمات سيبرانية يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول في تمام الساعة الثالثة والنصف بتوقيت “غرينتش” بهدف حجب الخدمة عن مواقع الكترونية إسرائيلية. بلغت ذروة الهجوم الأول 100 ألف طلب في الثانية واستمر لمدة 10 دقائق، ووقع هجوم ثان أكبر بكثير استمر 6 دقائق وبلغت ذروته مليون طلب في الثانية لحجب الخدمة، وفق التحقيق نفسه.

“كلاود فلير” هي شركة أميركية عالمية متخصصة أساسا في الأمن السيبراني وفي تأمين المواقع الالكترونية وحمايتها عبر شبكة ضخمة من الخوادم موزعة على 250 مدينة في أكثر من 100 دولة في كل القارات، وتقول الشركة إن خدماتها هي الأقرب الى جميع سكان العالم. وبحسب تحقيق الشركة، فإن ما حدث يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول والأيام التي تلته، يشبه في بعض تفاصيله ما حدث خلال بداية الحرب الروسية الأوكرانية.

إلى ذلك، شددت الشركة على أن أنظمة الخدمة التابعة لها، تصدت تلقائيا، مع انطلاق عملية “طوفان الاقصى”، للهجمات التي قالت إنها استهدفت المواقع والتطبيقات التي تقدم معلومات وتنبيهات وصفتها بالمهمة للإسرائيليين، على غرار تطبيق موجه للتحذير من وقوع هجوم وشيك.

مع ذلك، لا يعني أن ما حصل ويحصل منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول من هجمات، هو “حرب سيبرانية” وفق فرنسوا ديروتي، مدير المعلومات في شركة الأمن السيبراني “سيكوبا”، الذي قال في تصريح لوكالة “فرانس برس”، إن الهجمات تهدف إلى حجب الخدمة من خلال تعمد حصول حركة كثيفة تجعل الموقع الالكتروني غير متاح لساعات.

ShutterstockShutterstockصورة لعناصر من “حماس” في غزة، فلسطين في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

تحسب جل الهجمات السيبرانية على خبراء “سلاح السايبر” التابع لـ “حماس”، والذي تؤكد تقارير أنه يستحوذ على بنك معلومات، أو ما سمّته صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية بـ”أسرار إسرائيل ونقاط ضعفها” التي جمعتها “حماس” طوال فترة تخطيطها لعملية “طوفان الأقصى”.

هذا المعطى هو أبرز ما كشف عنه تقرير نشرته الصحيفة منذ أيام عن عملية “طوفان الاقصى” من مصادر شملت مقابلات مع 20 مسؤولا استخباراتيا إسرائيليا ومع جنود، بالإضافة الى ناجين من هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، إضافة إلى وثائق تم حجزها إثر الهجوم تعود الى مقاتلين من حركة “حماس”، ولقطات وجدت في كاميرا كانت مثبتة في قبعة واحد من مسلحي الحركة.

الخلاصة التي قدمتها “نيويورك تايمز” تبرز أنه سبق العملية تخطيط دقيق ومعرفة غير عادية بأسرار الجيش الاسرائيلي ونقاط ضعفه. المشاركون في الهجوم عرفوا بالضبط مكان خوادم الاتصالات ثم دمّروها في قواعد عسكرية عدة 

الخلاصة التي قدمتها الصحيفة تبرز أنه سبق العملية تخطيط دقيق ومعرفة غير عادية بأسرار الجيش الاسرائيلي ونقاط ضعفه. ونقلت عن ضابط وصفته بالكبير في الجيش الاسرائيلي، تشديده على أن المشاركين في الهجوم عرفوا بالضبط مكان خوادم الاتصالات ثم دمّروها في عدة قواعد عسكرية. كما أكدت “نيويورك تايمز” ان للمجموعة المشاركة في الهجوم “فهما متطورا بشكل مدهش لكيفية عمل الجيش الاسرائيلي ولتمركز وحدات في عينها، علاوة على الوقت الذي يستغرقه وصول التعزيزات”.

بناء عليه، سينطلق الجيش الاسرائيلي مباشرة فور انتهاء الحرب الدائرة في التحقيق حول كيفية نجاح حركة “حماس” في اختراق دفاعاته بهذه السهولة. 

وأضافت الصحيفة أن هناك قلقا سببه طريقة تجميع الكثير من المعلومات حول الجيش الاسرائيلي وحول عملياته الخاصة. وأشارت الى فرضيتين، الأولى، وجود إهمال لدى القوات الاسرائيلية في ما يتعلق بأسرارها، والثانية، اختراق نفذه جواسيس وعملاء جندتهم “حماس” من قلب منظومة الدفاع الاسرائيلية.

هذه الامكانات النوعية لحركة “حماس” على المستوى الاستخباراتي والسيبراني، كانت محل اهتمام إسرائيلي رسمي وإعلامي منذ 9 سنوات، وتحديدا مع بداية تنفيذ هجمات سيبرانية ناجحة بقيادة “جنود الظل” مثلما تلقبهم الأجهزة الاسرائيلية،  أو “سلاح السايبر” بحسب تسمية “كتائب القسام” الجناح العسكري لـ”حماس”.

هجمات “حماس”

وأكد تحقيق “كلاود فير” أن ما حدث “لم يكن مجرد هجمات” من دون ان يوضح أكثر، لكن تحولت مواقع الكترونية وتطبيقات الهاتف المحمول الاسرائيلية إلى أهداف من مجموعات مختلفة من القراصنة المناصرين لفلسطين، ومنها مجموعة “أنون غوست” (AnonGhost) التي نجحت في استغلال ثغرة في تطبيق “ريد ألرت” (Red Alert) الذي ينبه الاسرائيليين الى وقوع هجوم، مما مكنها من كشف الخوادم وواجهات برمجة التطبيقات وإرسال تنبيهات مضللة لبعض مستخدمي التطبيق، على غرار التحذير من ضربة بقنبلة نووية. 

APAPهل ستنجو البنية التحتية لـ “سايبر حماس” من الدمار الهائل والشامل

 بحسب التحقيق، فإن “تطبيقات خبيثة” استهدفت هواتف “أندرويد”، مكّنت من الوصول إلى معلومات حساسة لمستخدمين. ولفت التحقيق إلى أنه تم خلال الأيام التي أعقبت 7 أكتوبر/تشرين الأول، استهداف المواقع الالكترونية الاسرائيلية بالهجمات الموزعة بشكل مكثف لحجب الخدمة. وكشف أن ذلك يمثل 56 في المئة من إجمالي الهجمات. وخلص التحقيق إلى أن ذلك يشبه ما حصل عند بداية تنفيذ روسيا هجومها على أوكرانيا باستهداف مواقع وسائل الإعلام والبث الأوكرانية بشكل مكثف.

وذكّر بأن هجمات سيبرانية على المواقع الإلكترونية ترافق، عادةً، الحرب على الميدان، لأنها توفر معلوماتٍ مهمة، وقال إنه تم استهداف المواقع الإلكترونية للصحف ووسائل الإعلام الإسرائيلية مباشرة بعد بداية عملية “طوفان الاقصى”.

نجحت مجموعات من القراصنة المناصرين لفلسطين في استغلال ثغرة في تطبيق “ريد ألرت” (Red Alert) الذي ينبه الاسرائيليين الى وقوع هجوم، ما مكنها من كشف الخوادم وواجهات برمجة التطبيقات وإرسال تنبيهات مضللة مثل التحذير من ضربة بقنبلة نووية 

يعدّ مجال برمجيات الكومبيوتر، بحسب بيانات التحقيق، القطاع الثاني الأكثر استهدافا بالهجمات السيبرانية في إسرائيل، إذ أن ما يقارب الـ 34 في المئة من الهجمات الموزعة لحجب الخدمة، استهدفت الشركات العاملة في برمجيات الكومبيوتر. ويأتي في المركز الثالث من حيث التعرض للهجمات، القطاع المصرفي وشركات الخدمات المالية وشركات التأمين. أما في المركز الرابع فجاءت مواقع الإدارة الحكومية.

تشير الأرقام أيضا إلى تسجيل أكثر من 5 مليارات طلب “نقل بيانات”. وكشف التحقيق أن هذه الطلبات هي جزء من الهجمات الهادفة لحجب الخدمة. وتقول الشركة إنه لم تكن هناك خلال الفترة التي سبقت 7 أكتوبر/تشرين الأول أي طلبات لحجب الخدمة بالنسبة إلى المواقع التي تستخدم “كلاود فاير”، وإن نسبة الهجمات المكثفة لحجب الخدمة ارتفعت يوم الهجوم بمعدل 1 من كل 100 هجوم موجه للمواقع الالكترونية الاسرائيلية. وقد تضاعف هذا الرقم 4 مرات يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول.

شعار جنود “سلاح السايبر” التابع لحركة “حماس”

في المقابل، كشف التحقيق أنه تم التصدي خلال الفترة نفسها تلقائيا لما يزيد على 454 مليون طلب نقل بيانات لحجب الخدمة استهدفت المواقع الالكترونية الفلسطينية التي تستخدم “كلاود فاير”.

من يملك المعلومة يملك الميدان

وانتقد مقال صادر في صحيفة “إسرائيل هيوم” (Israel Hayom) حيثيات عملية “طوفان الاقصى” ووقائعها، خصوصا لما كشفته من ثغرات على مستوى أجهزة الاستخبارات والدفاع ومن اختراق لهما.

وتساءلت في مقال بعنوان “أين كانت المخابرات ولماذا استغرقت كل هذا الوقت؟ الاسئلة الصعبة التي يتعين على لجان التحقيق الإجابة عنها”، عن سر “الفشل الاستخباراتي الهائل”، مذكِّرةً بإقدام الجيش قبل أشهر من الهجوم على تقليص عدد قواته المتمركزة في غزة قبل نقلها إلى يهودا والسامرة.

كما ذكّرت بتصريحات مسؤولين كبار من الجيش عند تفسيرهم خلفيات هذا القرار وكيف استندوا فيه إلى معطيات تؤكد أن حركة “حماس” لا تعتزم التصعيد باعتبارها منشغلة بتوفير الرفاهية لسكان القطاع الذين يدخلون إسرائيل بالآلاف للعمل يوميا. ويؤشر ذلك إلى تفوق الجهة المقابلة، أي حركة “حماس”، التي شنت هجوما خططت له بدقة. أما قاعدة هذا التفوق، بحسب الإعلام العبري، فهي “من يملك المعلومة يملك الميدان”. 

“أين كانت المخابرات ولماذا استغرقت كل هذا الوقت؟ الاسئلة الصعبة التي يتعين على لجان التحقيق الإجابة عنها”، عن سر “الفشل الاستخباراتي الهائل”

صحيفة “إسرائيل هيوم”

وأكد تقرير “نيويورك تايمز” أن لحركة “حماس” “معرفة دقيقة بأسرار الجيش الاسرائيلي بشكل مذهل”. ويتقاطع هذا التقرير مع تصريحات خبراء في الأمن السيبراني ومسؤولين عسكريين عن دور “سلاح السايبر” التابع لـ”كتائب القسام” في مهمتين محوريتين: الأولى، على  مستوى استخباراتي كان وراء نجاح  العملية، والثاني على مستوى اختراق مواقع بشكل مكثف تسبب في شلل حال دون تدخل سريع للأجهزة الاسرائيلية.

جمعة طلحة مؤسس “سلاح السايبر”

يعد “سلاح السايبر” من أهم الوحدات التابعة لـ”كتائب القسام”، وجرى الإعلان عنه رسميا منذ عام، وتحديدا يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول 2022. كانت المناسبة مناسبتين في آن واحد بالنسبة إلى “الكتائب” التي قررت أولا، إخراج نشاط منظومتها السيبرانية من سرية استمرت لثماني سنوات، وثانيا، تكريم مؤسس “سلاح السايبر” المهندس جمعة طحلة، الذي وصفته “الكتائب” بـ”الشهيد”، قالت إنه “عمل على تأسيس وتأهيل وتطوير” فيلقها العسكري السيبراني.  

وأوضحت “الكتائب” أن الشروع في تأسيس الفيلق انطلق منذ عام 2014 وتم تكليف طحلة هذه المهمة باعتباره “الشخصية الأنسب”، مضيفة أن طحلة “بدأ منذ اللحظات الأولى لتوليه الملف بجمع الكوادر المتخصصة، وإعداد المقدرات، وإجراء التجارب مع فريق متخصص، ومتابعة مراحل بناء هذا الكيان الحديث متابعة حثيثة”.

وأكدت أن “المهندس طحلة سخر اهتمامه في تطوير العمل السيبراني في شكل كبير واقترح إنشاء كيان مساند لسلاح السايبر القسامي، فكان صاحب فكرة تأسيس جيش القدس الالكتروني”. وأقرت “الكتائب” بأن عمليات التجنيد تقوم على “فكرة حشد أكبر قدر ممكن من الطاقات على مستوى الأمة العربية والاسلامية التي لديها الخبرة في مجال السايبر”، وبأنها تقوم بتوجيهها لشن هجمات سيبرانية ضد المصالح الاسرائيلية ومنظوماتها. 

وكشفت “الكتائب” يوم الإعلان عن إنجازاتها في هذا المجال خلال فترة النشاط السري، أنه كان للهجمات التي شنتها الأثر الكبير على أنظمة إسرائيل باختلاف مهامها وتخصصاتها.

الأمثلة التي قدمتها “الكتائب” على الهجمات متعددة. أولى العمليات كانت “قطع الكهرباء عن كيبوتس مفلاسيم شمال شرق قطاع غزة”، كما نشرت جردة لهجماتها السيبرانية يمكن تلخيص أبرزها في ما يلي:  
– هجوم سيبراني واسع على قواعد ومواقع عسكرية ومنشآتٍ أمنية وأهداف حساسة طال 30 ألف هدفٍ خلال عدوان مايو/أيار 2019.
– التموضع في نظام صافرات الإنذار الخاص بشركة “ايفقلو” وتفعيل الصافرات في مناطق متعددة من إسرائيل.
– اختراق ترددات إشارات اللاسلكي التابع للجيش الاسرائيلي على حدود غزة مرات عدة والتنصت عليه.
– اختراق جهاز مدير قسم السايبر في شركة الصناعات الجوية الاسرائيلية.
 – سحب بيانات ومعلومات أمنية وعسكرية بحجم 19 جيغا.
– اختراق نظام شبكة الحافلات “إيجد”.
وأقرّ الجيش الاسرائيلي بأن الهجمات كانت نوعية، وأكد في عام 2018 بشكل وُصف بالنادر اختراق “حماس” هواتف العشرات من جنوده.

عملية “القلب المكسور”… قبل غزة

وأطلق الجيش الاسرائيلي عملية “القلب المكسور” في 2018 وفق موقع “أي 24” العبري للتصدي لهذا الاختراق الذي قال إنه جاء إثر عملية محكمة من “حماس” مكّنتها من جمع معلومات وصور لمقار الجيش وصور لمعسكرات وغرف القيادة. وتم الاختراق بتطبيقات دردشة كانت في الأصل تطبيقات تجسس، نافيا نجاحها في تحقيق أي ضرر أمني محسوس.

ثم بدأت بعدها عمليات استهداف الأجهزة الاسرائيلية لناشطين في “سلاح السايبر”، وتقول تقارير استخباراتية إسرائيلية نقلتها وسائل إعلام عبرية، إن هؤلاء الناشطين تلقوا تدريبات لاكتساب قدرات إلكترونية بين ماليزيا وتركيا وإيران.

تعددت الاستهدافات، وتقدم الصحف الاسرائيلية تفاصيل في خصوصها على غرار محاولة جهاز الموساد عام 2021 اختطاف عمر البلبيسي، خبير الكومبيوتر المتخصص في اختراق أجهزة “أندرويد”. البلبيسي هو من قادة  “سلاح سايبر حماس”  وتمت محاولة اختطافه في مدينة كوالالمبور وإجباره على التحقيق “عبر  الفيديو”. وبحسب “نيوز 1” الاسرائيلي، قام جهاز الموساد في أبريل/نيسان 2018، باغتيال الدكتور فادي البطش، وهو أيضا من قادة “سلاح سايبر حماس”.

وخلال عملية “حارس الأسوار” قام الجيش الاسرائيلي، بناء على معلومات من جهاز “الشاباك”، بتصفية عدد من أهم قيادات “سلاح السايبر”، في مقدمهم جمعة طحلة، الذي يوصف بصاحب حقيبة البحث والتكوين، واليد اليمنى لزعيم الجناح المسلح لحركة “حماس” محمد الضيف.

الجيش الاسرائيلي قام على مدى سنوات بعمليات عدة لتصفية خبراء “سلاح السايبر” منها عمليتا “القلب المكسور” و”حارس الأسوار” واختطفت عمر البلبيسي واغتال الدكتور فادي البطش

ونشر موقع “Ynet” الاسرائيلي مقالا بعنوان “قدرات حماس تضررت بشكل قاتل”، قائمة مفصلة بقادة “سلاح السايبر” الذين قام الجيش الاسرائيلي بتصفيتهم في عملية واحدة عام 2021 وعددهم 20 في عملية “حارس الأسوار”، قال الجيش و”الشاباك” إنها الأولى من نوعها والأهم. تمثلت العملية في تدمير مبنى “التدريب والتطوير” التابع لـ “فيلق حماس السيبراني”، وكان الهدف وفق الموقع، الإضرار بشكل قاتل بقدرة “حماس” على مواصلة الهجمات السيبرانية، وبمثابة عملية إعدام لهذه المنظومة، بما يؤدي إلى تأخير بناء قدرتها في الميدان. 

وكان المجلس الأطلسي (Atlantic Council) أعدّ دراسة أميركية نشرها مركز الدفاع الاسرائيلي (صادرة عام 2022) أكدت أنه تم تجاهل توسيع “حماس” قدراتها السيبرانية الهجومية خلال السنوات الأخيرة، والتي تطورت خصوصا في مجال التجسس الداخلي والخارجي.

وبحسب الدراسة، فإن منظومة “حماس” السيبرانية” أو “سلاح  السايبر”، تضاهي “قوة الأمن الداخلي وتماثل منظومة الاستخبارات الرئيسية لحركة حماس”، وتتكون من أعضاء من “قوة المجد” الأمنية التابعة لـ”كتائب عز الدين القسام”. وتتراوح مسؤوليات قوى الأمن الداخلي بين التجسس واستهداف المعارضة السياسية والانشقاق من داخل الحركة وأجهزتها الأمنية. 

ستكون التطورات المقبلة للحرب الدائرة كفيلة بالوقوف على مدى تطور المنظومة السيبرانية لحركة “حماس”. ومهما تكن النتائج، فإن “سلاح السايبر” ألحق ضررا كبيرا بإسرائيل بشكل يلخصه رام ليفي، أحد مطوري المنظومة السيبرانية في مكتب رئيس الوزراء الاسرائيلي سابقا، بقوله في تصريح لبوابة المالية الالكترونية العبرية “بيز بورتال”: “يُنظر إلى إسرائيل بالفعل على أنها قوة سيبرانية، وعندما أنشأنا النظام السيبراني كتبنا أنه يجب أن تمتلك إسرائيل قدرات من شأنها التأثير على العالم كله من خلال معلومات استخباراتية عالية الدقة، لكن هذا لا يعني أن إسرائيل بلد محمي. هناك اعتقاد خاطئ بأننا محميون. إننا بعيدون عن الحماية في أماكن عدة والهجمات التي حدثت ستلحق قطعا الضرر بسمعة الصناعة السيبرانية الاسرائيلية”. 

كوثر زنطور

المصدر: مجلة “المجلة” العربية




اقتصاد إسرائيل يتحمل الحرب مع دعم الغرب

راجع البنك المركزي في اسرائيل توقعاته في شأن عافية الاقتصاد، وخفض تقديرات معدل النمو الاقتصادي للسنة الجارية من 3 في المئة إلى 2,3 في المئة. وجاء في الإعلان الذي نشر الاثنين 23 أكتوبر/تشرين الأول، أن النمو المتوقع لسنة 2024 ربما سيكون 2,8 في المئة بدلاً من ذلك المتوقع سابقاً 3 في المئة.

تأتي هذه التوقعات في وقت تدور رحى حرب شرسة تشنها اسرائيل على قطاع غزة بعد هجوم “حماس” على القرى والمستوطنات المحاذية للقطاع وإيقاع خسائر مهمة في صفوف العسكريين والمدنيين الاسرائيليين. لا شك في ان لهذه الحرب تبعاتها السلبية على الأداء الاقتصادي وليس هناك من آفاق لمعرفة متى سوف تنتهي وكيف ستكون النتائج على الصراع الفلسطيني الاسرائيلي وهل ستؤدي إلى المزيد من التوترات الأمنية أم تقود إلى سلام دائم يحقق للشعب الفلسطيني آماله المشروعة بإقامة دولته المستقلة.

أهم المصاعب التي تواجه النشاط الاقتصادي، ما يتصل باستدعاء عشرات الآلاف من الجنود الاحتياطيين للخدمة العسكرية والمشاركة في المواجهات. يعني ذلك إفراغ المصانع والمتاجر والمؤسسات الخدمية والمزارع من عدد كبير من العاملين فيها. كما أن العمالة الفلسطينية في المؤسسات الاسرائيلية قد تعطلت حيث هناك عشرات الآلاف من سكان غزة يعملون في تلك المؤسسات.

AFPAFPدخان غارات إسرائيلية فوق شمال قطاع غزة في 23 اكتوبر/ تشرين الأول

اقتصاد حديث

خلال السنوات القليلة المنصرمة أكد عدد من الاقتصاديين في دول غربية أن اسرائيل تتمتع باقتصاد ديناميكي ومتطور ولديها امكانات لتحقيق معدلات نمو متميزة، وبينت مجلة “الايكونومست” أن الاقتصاد الاسرائيلي يعدّ الرابع في الترتيب بين الاقتصادات الناجحة في العالم المتقدم، في عام 2022 .

إسرائيل عضو في منظمة التجارة الدولية “WTO” ولديها اتفاقات اقتصادية للتجارة الحرة مع بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. عززت هذه الاتفاقات وتطور القطاع الصناعي والتكنولوجي، التجارة الخارجية على الرغم من ضعف العلاقات الاقتصادية والتجارية مع بلدان الجوار في منطقة الشرق الأوسط نتيجة للمقاطعة ورفض التطبيع من قبل الشعوب العربية. تشمل الصادرات الاسرائيلية منتجات صناعية منها المواد الكيميائية والبلاستيك والمعادن والمواد الغذائية بالاضافة إلى المنتجات الطبية أو الصيدلانية، ناهيك بالمعدات الصناعية والألماس وأجهزة الكومبيوتر والمنسوجات.

تمكنت إسرائيل في السنوات الأخيرة من تطوير الصناعات الأمنية وأنظمة الاتصالات بما أفسح لها المجال لتوسيع أسواقها التصديرية في البلدان النامية ومنها بلدان في الشرق الأوسط. بلغت قيمة الصادرات الاسرائيلية في عام 2022 ما يقارب 167 مليار دولار، بما يزيد بنسبة 15,8 في المئة عن قيمة الصادرات في عام 2021. قيمة الواردات كانت مهمة أيضا، حيث بلغت في عام 2022 ما يزيد على 107 مليارات دولار مرتفعة بنسبة 16,3 في المئة عن قيمتها في عام 2021. مثلت المعدات الصناعية والنفط والوقود والسيارات والآليات والأحجار الكريمة أهم الواردات.

ملامح الاقتصاد الاسرائيلي 

يقدر صندوق النقد الدولي أن الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل في عام 2023 سيكون 564 مليار دولار، ونصيب الفرد per – capita في حدود 58 ألف دولار، ولا شك في أن الدخل الفردي يماثل المستويات التي تتمتع بها الدول الأوروبية والولايات المتحدة وبلدان الخليج النفطية. ودعيت إسرائيل، كما هو معلوم، لتكون عضوا في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية “OECD” في عام 2010.

Getty Images Getty Imagesبهو بورصة تل أبيب حيث هوت أسعار الاسهم

وتتوزع مساهمات القطاعات الاقتصادية في اسرائيل على النحو الآتي: 2,4 في المئة للزراعة و26,5 في الصناعات التحويلية و69,5 في المئة لقطاع الخدمات. ويقدَّر عدد سكان البلاد بـ 9,7 ملايين نسمة.

وبقي معدل البطالة يدور حول 6,3 في المئة خلال  الفترة 1992 إلى 2023 . يمثل السكان في سن العمل من 15 إلى 64 سنة ما يقارب 60 في المئة من السكان. لا يزال المجتمع الاسرائيلي شاباً في غالبيته حيث يقدر  العمر الوسيط بـ 29 عاماً، بما يعني أن هناك امكانات لتدفق العمالة إلى سوق العمل خلال السنوات المقبلة.

تطورات نوعية 

يمكن الزعم أن قوة الاقتصاد الاسرائيلي على مدى السنوات والعقود الماضية منذ قيام الدولة في عام 1948 تعود إلى التكوين المجتمعي في البلاد، حيث قدم على دفعات مهاجرون من بلدان متقدمة في  أوروبا الشرقية وأوروبا الغربية بما يملكون من مهارات مهنية ومؤهلات تعليمية. وعلى الرغم من التوجهات الاشتراكية التي تحكمت بالقادة السياسيين المؤسسين مثل بن غورين وغولدا مائير وليفي أشكول وشمعون بيريس واسحاق رابين وغيرهم، فإن الاقتصاد ظل معتمداً على فلسفة اقتصاد السوق والمبادرات الخاصة. كما أن الدعم الذي حظيت به إسرائيل  سياسياً من الولايات المتحدة والدول الأوروبية الرئيسة أكد أهمية دور القطاع الخاص بما عزز عمليات الإبداع والمخاطرة برأس المال من أجل قيام أعمال ونشاطات ذات عائد. وهكذا أصبحت قطاعات الاقتصاد الأساسية تتمثل في أنشطة التكنولوجيا المتقدمة والصناعات التحويلية.

تتوزع مساهمات القطاعات الاقتصادية في اسرائيل على النحو الآتي: 2,4 في المئة للزراعة و26,5 في الصناعات التحويلية و69,5 في المئة لقطاع الخدمات

تقع اسرائيل في منطقة الشرق الأوسط التي تعتبر من مناطق العالم الثالث وتعد متدنية المستوى صناعياً وتقنياً، لكن اسرائيل أصبحت دولة عضوا في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية “OECD”، أي أنها تعد من الدول المتطورة اقتصادياً، ولا شك في أن التنمية البشرية والقدرات المهنية للسكان عززت مكانة اسرائيل اقتصادياً على المستوى الدولي.

الأمن مفتاح السياحة

أصبح قطاع السياحة في إسرائيل قطاعاً حيوياً بعدما تحسنت ايراداته على مدى العقود الثلاثة الماضية. تشير البيانات المتعلقة بالسياحة إلى أن اسرائيل تمكنت من تحقيق دخل من هذا القطاع قدِّر بـ 5,3 مليارات دولار في عام 2022، بعد عودة النشاط في أعقاب جائحة “كوفيد-19”. هذا العائد يزيد على ضعف العائد المتحقق في عام 2021 حيث بلغ 2,2 مليار دولار، وإن كان أقل مما تحقق في عام 2019 حيث بلغ 7,9 مليارات دولار. يؤكد مسؤولون أن السياحة أصبحت قطاعاً مهماً وأوصوا بدعم الامكانات وتحسين المرافق وبناء الفنادق والمنتجعات بعدما بلغ عدد الزوار 4,6 ملايين، وهذا العدد قابل للزيادة اعتماداً على الأوضاع الأمنية ومدى قدرة اسرائيل على التجاوب مع استحقاقات السلام مع الفلسطينيين وتمكينهم من إقامة دولتهم المستقلة.

ShutterstockShutterstockسفينة سياحية في ميناء حيفا في 30 سبتمبر/ أيلول 2023

غني عن البيان أن هذا القطاع الحيوي يمكن أن يتكامل مع السياحة في الأراضي الفلسطينية وتنظيم برامج زيارات متسقة لو كان هناك سلام شامل وعادل، ناهيك بأن قطاع السياحة في اسرائيل لا بد من أن يستفيد من عمالة فلسطينية مؤهلة.

أصبحت السياحة في إسرائيل قطاعاً حيوياً بعدما تحسنت ايراداته، لكنها من القطاعات الحساسة التي تتأثر بالأوضاع الأمنية ولا تنتعش إلا في ظل الاستقرار واستتباب السلام

السياحة كما هو معلوم من القطاعات الحساسة التي تتأثر بالأحداث والأوضاع الأمنية ولا تنتعش إلا في ظل الاستقرار واستتباب السلام. لكن على الرغم من الأحداث في الضفة الغربية قبل عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، فإن ما يقارب 2,5 مليون زائر قدموا إلى اسرائيل خلال الشهور المنصرمة من هذا العام.

انعكاسات حرب غزة

قد تكون الأحداث الجارية والصراع والأهوال الدامية في غزة تشير إلى امكانات لتراجع الأداء الاقتصادي في اسرائيل، وهناك مؤشرات ملموسة لكن لا يجب التعويل على الأحداث هذه الى أمد طويل. فالبلدان التي تخوض حروبا أو تعاني من أوضاع أمنية صعبة أو تواجه توترات مع الجوار لا بد أن تدفع ثمناً اقتصادياً، وقد شهدنا ذلك في السنتين المنصرمتين في روسيا بعد الحرب في أوكرانيا.

هناك من يأمل بانهيار اقتصادي واسع النطاق في إسرائيل لكن قد تكون تلك الآمال متعجلة إن لم تكن غير واقعية. لا بد أن تتأثر موازنة الحكومة ويعاد النظر في المخصصات الموجهة الى الأنشطة المدنية وتحول الأموال للإنفاق العسكري بعدما تمت عسكرة البلاد لمواجهة أعباء الحرب على غزة.

يضاف إلى ذلك أن الاستهلاك الكلي سيتراجع عندما يقرر الناس خفض زيارتهم للأسواق والمطاعم والمنتجعات، كما أن أعمال البناء واقتناء السلع المعمرة سوف يتعرضان للتوقف في الوقت الراهن. وإذا عدنا الى السياحة فإن أعداد الزوار ستتراجع إلى مستويات متدنية حتى تضع الحرب أوزارها. وتراجع سعر صرف الشيكل الاسرائيلي منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول بدرجة مهمة حيث انخفض من 3,86 شيكل للدولار الأميركي آنذاك إلى 4,05 شيكل للدولار في تاريخ 27 أكتوبر.

الدعم السخي المتواصل

بيد أننا يجب أن نعي أن هناك جدران و”متاريس اقتصادية” لحماية إسرائيل واقتصادها من قبل الدول الحليفة حيث قررت الحكومة الاميركية التقدم إلى الكونغرس لاعتماد ما يزيد على 14,3 مليار دولار  لدعمها. يشمل هذا الدعم 10,6 مليارات دولار دعماً من خلال وزارة الدفاع، البنتاغون، وهذا الدعم يضاف الى الدعم العسكري السنوي المحدد بـ 3,8 مليارات دولار.

هناك من يأمل بانهيار اقتصادي واسع النطاق في إسرائيل لكن قد تكون تلك الآمال متعجلة إن لم تكن غير واقعية، فالدعم الأميركي والأوروبي المتواصل والسخي يشكل “متاريس اقتصادية” لحماية إسرائيل وموازنتها ونقدها واقتصادها 

أما الاتحاد الأوروبي فيعتبر اسرائيل من اهم الدول في العلاقات التجارية حيث تمثل التجارة مع إسرائيل 0,8 في المئة من قيمة تجارة الاتحاد الأوروبي في عام 2022. ويمثل الاتحاد الأوروبي أهم الشركاء التجاريين لاسرائيل بعدما بلغت الشراكة التجارية مع الاتحاد 28,8 في المئة من قيمة تجارة اسرائيل مع العالم الخارجي، كما أن 31,9 في المئة من الواردات الاسرائيلية هي أوروبية المنشأ. وبلغت قيمة التجارة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل 46,8 مليار يورو في عام 2022، كما ان واردات الاتحاد الأوروبي من إسرائيل تجاوزت 17,5 مليار يورو وتنوعت بين معدات النقل والمكائن الصناعية والكيماويات ومنتجات الصناعات التحويلية.

إذاً هناك علاقات تجارية ذات أهمية اقتصادية تربط الاتحاد الأوروبي مع إسرائيل.

المستقبل وحقوق الشعب الفلسطيني؟

يظل موضوع الاقتصاد الاسرائيلي ذا أهمية للمراقبين الاقتصاديين خصوصاً أنه من الاقتصادات المعرضة للتأثر بالنزاعات من درجات متفاوتة. كما أن استمرار احتلال الضفة الغربية وحصار غزة وشن الحروب عليها بين فينة وأخرى، من الأمور التي تولد الشعور بالاضطهاد لدى الفلسطينيين وتعزز نزعات الثأر والتطرف السياسي والعنف بما يهدد الاستقرار والنمو الاقتصادي. 

هناك أهمية لاعتراف اسرائيل بحقوق الشعب الفلسطيني والقبول بالقرارات الأممية التي تؤكد حق هذا الشعب في اقامة دولته المستقلة. قيام الدولة الفلسطينية والاعتراف المتبادل يمكنان من قيام علاقات اقتصادية مستقرة وتبادل بيني وزيادة تدفق الاستثمار. قد يتوهم عدد من قادة اسرائيل بإمكان استمرار الرخاء في ظل دعم الحلفاء، لكن ذلك لم يعد ممكناً مع تنامي الشعور بالغبن وتزايد أعداد الشباب الفلسطينيين الذين يرفضون المعاناة والاضطهاد من المحتلين. يجب أن يصبح الفلسطينيون من أهم المساهمين في عملية التنمية في هذه المنطقة من العالم وعندئذ يمكن للاقتصاد الاسرائيلي أن يكون اقتصاداً طبيعياً ومفيداً.

عامر ذياب التميمي

المصدر: مجلة “المجلة” العربية




غاز شرق المتوسط على وقع حرب غزة

تسببت الحرب الإسرائيلية على غزة في تأزم اقتصادي في المنطقة، وخصوصاً في دول الشرق الأوسط، مصر وإسرائيل والأردن ولبنان، التي تعاني أصلا من ارتفاع معدلات التضخم، ويتوقع أن تؤدي الحرب الدائرة إلى تداعيات اقتصادية بالغة السوء في هذه الدول إذا ما استمرت الحرب أسابيع إضافية أو أشهراً، وربما من ثم تصدير الأزمة إلى دول أخرى. وبات الوضع يثير مخاوف تهدد سوق الغاز في الشرق الأوسط، وهو الخطر الجيوسياسي الأكبر الذي يهدد سوق الطاقة العالمي.

تبدو العواقب متسارعة، قد ينجم عنها ركود اقتصادي نظرا الى تباطؤ النمو، وقد انعكس ذلك بالفعل ارتفاعاً في أسعار الغاز نتيجة تعطل تصديره من إسرائيل بالكميات التي كانت تصدرها الدولة العبرية إلى مصر ومن ثم توقف ذلك، قبل نقله إلى دول الاتحاد الأوروبي، وذلك من طريق “محطة إسالة الغاز المصرية” في دمياط ومحطة “أدكو” في محافظة البحيرة، وهما من أهم الركائز الرئيسة في التسهيلات والبنية التحتية التي تمتلكها مصر لتجارة الغاز الطبيعي وتداوله. وتسهل المحطتان الواقعتان على ساحل البحر المتوسط عملية تسييل الغاز ونقله في شاحنات مباشرة إلى دول الاتحاد الأوروبي، طبقاً لاتفاقات موقعة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي، وبينهما وبين مصر.

وأعلنت مصر في27 أكتوبر/تشربن الأول المنصرم عن تراجع وارداتها من الغاز إلى الصفر من 800 مليون قدم مكعبة يوميا. وأصبحت الرؤية معدومة في ما يتعلق بشكل التعاون بين مصر وإسرائيل في موضوع الغاز في المرحلة المقبلة، بسبب تداعيات الحرب وتمسك مصر بموقفها الرافض للانتهاكات الإسرائيلية والتصعيد واستهداف المدنيين. وكان نوع من المناوشات السياسية طرأ بين القاهرة وتل أبيب بسبب قصف إحدى نقاط أبراج المراقبة المصرية على الحدود الإسرائيلية من طريق الخطأ. بالتالي، إلى جانب وقف تصدير الغاز إلى مصر، بات مشروع تصدير الغاز على المحك، وكذلك واقع الاقتصاد المصري الي يعاني من آلام مزمنة.

تأثير حرب غزة في سوق الغاز

ينتظر الجميع أن تهدأ الحرب لاستكمال تطبيق الاتفاق الموقع بين مصر وإسرائيل. وهذا الأمر غير محسوب حتى الآن، إذا كان تصدير الغاز من إسرائيل إلى مصر ومنها إلى أوروبا سيستأنف، ومعه، تعويض الكميات التي تحتاج إليها مصر للاستخدام من طريق الاستيراد لحسابها الخاص طبقاً للاتفاقات المبرمة. كل هذه الأمور تتضح عقب انتهاء الحرب، وكيف سيكون عليه شكل التعاون في هذا المجال بين القاهرة وتل أبيب في ضوء تطورات الأوضاع في المنطقة. ولا تزال الاحتمالات والتخوفات قائمة في شأن الآثار الكارثية على الاقتصاد المصري والعالمي، في حال توسع الحرب، لتشمل أطرافاً إقليميين.

اقرأ أيضا: الاقتصاد الإسرائيلي من سيء الى أسوأ

وكانت شركة “شيفرون” الأميركية قررت تحويل توجيه شحنات الغاز الطبيعي المنتج من حقل “ليفاياثان” الإسرائيلي إلى مصر عبر خط الغاز العربي بدلاً من خط أنابيب غاز شرق المتوسط، كما أوقفت الإنتاج في حقل “تمار” بناء على طلب من السلطات الإسرائيلية. وكان هناك تأكيدات مصرية بعدم انقطاع الغاز المورد إلى مصر بـ”شكل كلي”، وإنما خفض للكميات، ولا سيما في ضوء عدم تأثر السوق المحلية بتراجع الإمدادات، وذلك قبل الإعلان عن توقف الواردات.

EPAEPAرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ووزير النفط المصري طارق الملا ووزيرة الطاقة الإسرائيلية كارين الهرار خلال توقيع الاتفاق الغاز بين مصر واسرائيل في القاهرة في 15 يونيو.

وتدير “شيفرون” حقلي “تمار” و”ليفاياثان” في إسرائيل، وقررت السلطات الاسرائيلية وقف العمل في الحقل الأول، وتوجيه إنتاج الحقل الثاني إلى خط الغاز العربي عبر الأردن بدلاً من خط أنابيب غاز شرق المتوسط، ونتيجة لذلك، شهدت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا ارتفاعاً بأكثر من 40 في المئة، عند 56 يورو (59. 2 دولار) لكل ميغاواط-ساعة، وأخذ المتداولون في اعتبارهم حجم التداعيات التي قد تصيب القارة الأوروبية والأردن ومصر، جراء توقف حقل “تمار” عن الإنتاج. وتستورد مصر الغاز الإسرائيلي لتسييله بمحطات الإسالة على البحر المتوسط لتصديره إلى أوروبا. 

وكانت كميات الغاز الطبيعي التي تستوردها مصر من إسرائيل ارتفعت في السنة المالية المنصرمة المنتهية في يونيو/حزيران 2023، بنسبة 42,77 في المئة، لتصل إلى 272,7 مليار قدم مكعبة من الغاز، في مقابل 191 مليار قدم مكعبة في السنة المالية 2021-2022، وفق تقرير لـ”الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية” (إيغاس).

وبدأت مصر استيراد الغاز من إسرائيل للمرة الأولى عام 2020، في صفقة قيمتها 15 مليار دولار بين شركة “نوبل إنيرجي” – التي استحوذت عليها “شيفرون” عام 2020 – و”ديليك دريلينغ”، وشركة “دولفينوس القابضة” المصرية. ووقعت مصر في يونيو/حزيران 2022 مذكرة تفاهم مع الاتحاد الأوروبي وإسرائيل لزيادة صادرات الغاز إلى أوروبا، بهدف الإمداد بالغاز الإسرائيلي عبر محطات الإسالة المصرية في “أدكو” ودمياط على البحر المتوسط.

AFP

ومع اندلاع الحرب، كشفت وكالة “ستاندرد أند بورز” أن إغلاق منصة “تمار” الإسرائيلية للغاز أدّى إلى خفض واردات مصر من الغاز من 800 مليون قدم مكعّبة يومياً إلى 650 مليون قدم مكعّبة يومياً، قبل أن تتراجع إلى الصفر، مما يخفض قدرة مصر على تلبية طلبات تصدير الغاز الطبيعي المسال.

تدير “شيفرون” حقلي “تمار” و”ليفاياثان” في إسرائيل، وقررت السلطات الاسرائيلية وقف العمل في الحقل الأول، وتوجيه إنتاج الحقل الثاني إلى خط الغاز العربي عبر الأردن بدلاً من خط أنابيب غاز شرق المتوسط، ونتيجة لذلك، شهدت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا ارتفاعاً بأكثر من 40 في المئة

تأثير الحرب في مصر اقتصاديا

في السياق، قال الخبير والمحلل السياسي أشرف العشري لـ”المجلة” إن لدى مصر مصنعين لإسالة الغاز الطبيعي، الأول في “أدكو” مملوك لـ”الشركة المصرية للغاز الطبيعي المسال”، ويضم وحدتين للإسالة بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 1,35 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز الطبيعي، والآخر في دمياط ومملوك لشركة “إيني” الإيطالية و”الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية” (إيغاس)، وهيئة البترول، ويضم وحدة فقط بطاقة تصل إلى نحو 750 مليون قدم مكعبة يومياً. ولدى مصر خط أنابيب شرق المتوسط، وهو خط لنقل الغاز الطبيعي المصري من العريش بمصر إلى عسقلان بإسرائيل عبر المياه الإقليمية المصرية ثم الإسرائيلية في البحر المتوسط بطول 100 كيلومتر، ويُستخدَم في تصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر.

وألمح العشري إلى أن الحرب لها تأثير اقتصادي في الإقليم بما فيه مصر نظراً إلى حالة الركود الاقتصادي وارتفاع معدل التضخم وارتفاع سعر الغاز نتيجة التطورات في المنطقة، وخصوصاً دول التماس مثل مصر ولبنان وسوريا والأردن وإسرائيل، لكنه أكد عدم تأثير ذلك في احتياجات مصر الداخلية من الغاز لأن مصر لديها حساباتها وحصصها ولديها إنتاج من حقل “ظهر” وبعض الحقول المصرية التي بدأت في ضخ الغاز في الآونة الأخيرة.

ويعتقد العشري بأن الحكومة المصرية لديها حساباتها وترتيباتها لضخ الغاز للداخل المصري، وخصوصاً أنها كانت تستخدم جزء من الغاز الإسرائيلي للداخل والجزء الآخر يجري بيعه للخارج بمعرفة الدولة للحصول على العملة الصعبة نتيجة الاتفاق الموقع بين مصر وإسرائيل.

وقال إنه لا يعتقد أن يكون لهذا الأمر تأثير في الداخل المصري، فمصر لديها بدائل في إنتاجها الداخلي، وتستطيع خفض البيع أو التصدير إلى الخارج في مقابل سد عجز الحصة الداخلية في هذه المرحلة، لكن عقب انتهاء الحرب، ربما ستكون هناك عودة إلى الاتفاق المصري مع إسرائيل، لأن إسرائيل ترى أن العبور إلى أوروبا من خلال تصدير الغاز إلى مصر هو الأوفر والأصوب والأنجح لها في هذا الشأن.

الغاز المورد إلى مصر وأوروبا

وكانت مصر وقعت اتفاقات مع فرنسا وألمانيا بزيادة كميات الغاز إلى أوروبا بعد فرض عقوبات على روسيا من دول الاتحاد الأوروبي والناتو والولايات المتحدة، بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، تاليا، كان لدى القاهرة فرصة لفتح أسواق جديدة بكميات كبيرة بناء على عقود جرى إبرامها منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير/شباط عام 2022.

وفي مطلع عام 2020 بدأت إسرائيل بضخّ الغاز من حقلي “تمار” و”ليفاياثان” إلى مصر بموجب اتفاق لمدة 15 سنة بقيمة 19,5 مليار دولار، حيث تمتلك القاهرة مراكز بنية تحتية قوية لتسييل الغاز الطبيعي وتصديره، ولا سيما إلى أوروبا.

REUTERS REUTERSمصنع غاز من طريق السويس الصحراوي خارج القاهرة، مصر، 1 سبتمبر 2020.

وحافظت صادرات مصر من الغاز المسال في الربع الأول من عام 2023 على مستوياتها السابقة للفترة نفسها من العام الماضي، على الرغم من تراجع إنتاج بعض الحقول. وكشف تقرير لـ”منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول” (أوابك)، تسجيل صادرات الغاز المسال المصرية خلال الربع الأول من 2023 نحو 1,90 مليون طن. وأرجع التقرير حفاظ صادرات مصر من الغاز المسال إلى مستويات الإنتاج التي ارتفعت بعد تطوير حقول الغاز في منطقة شرق المتوسط، وما تستقبله القاهرة من كميات من حقول أخرى في المنطقة بموجب اتفاقات مع الشركات الأجنبية.

تهدد الحرب على غزة سوق الغاز الإقليمية وستكون لها تأثيرات شديدة في الآونة المقبلة، حيث تستعر حرب الأسعار بين الدول المنتجة والمستهلكة

الخبير النفطي الدكتور رمضان أبو العلا

وسبق الإعلان الأخير عن توقف التصدير من إسرائيل، تأكيد وكيل أول وزارة النفط المصري الأسبق المهندس محمود نظيم لـ”المجلة” عدم تأثر السوق المحلية بانخفاض الإنتاج من حقل “تمار” في البحر المتوسط، ولذلك “قل التصدير وهذا طبقاً لاتفاق تجاري بين شركات ليس له علاقة بتأثيره في الداخل المصري ولن يؤثر في الاستهلاك المحلي، الذي يغطيه حجم الإنتاج من الآبار والحقول المصرية، في حين سيتأثر حجم المصدر من مصر إلى الخارج نسبياً، وقد يجري تعويضه لاحقاً وفق العقود المبرمة”. وذكر نظيم أن الحرب تهدد سوق الغاز المصدر إلى أوروبا، ويتوقف الإنتاج نتيجة الحرب لكن الأسعار لم تتأثر في شكل كبير. 

غزة تهدد سوق الغاز الإقليمية

من جهته قال الخبير النفطي الدكتور رمضان أبو العلا لـ”المجلة”: “تهدد الحرب على غزة سوق الغاز الإقليمية وستكون لها تأثيرات شديدة في الآونة المقبلة، حيث تستعر حرب الأسعار بين الدول المنتجة والمستهلكة: الدول المنتجة تريد تحقيق أعلى ربحية، في وقت تسعى الدول المستوردة إلى وضع سقف لأسعار الغاز”. واعتبر أن تذبذب أسعار الغاز محصور في الوقت الراهن فقط بينما ستعود الأسعار إلى طبيعتها عقب توقف الحرب. واتفق أبو العلا في الرأي مع العشري ونظيم في أن الحرب الإسرائيلية على غزة “تهدّد سوق الغاز الطبيعي الإقليمية كما يمكن أن يكون لها تأثير في إمدادات الغاز الطبيعي الى مصر لتسييله وتصديره إلى أوروبا”.

وعن الاتفاقات الاقتصادية المبرمة بين مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، قال أبو العلا إنها موثقة بين الجانبين وتضمنها حكومات الدولتين، ولا يمكن تغييرها إذ أن أي إخلال بالشروط يدفع إلى اللجوء إلى المحاكم الدولية التي تفرض غرامات على الإخلال بالعقود المبرمة، إلا في حالة الخطورة التي تعيق التصدير، وهنا يجري التماس الأعذار بين الأطراف، أما في حالة الحرب والتأخير في التصدير فلا يجري اللجوء إلى المحاكم فذلك ليس له أي مردود.

مارسيل نصر

المصدر: مجلة “المجلة” العربية




الوزير الإسرائيلي الذي هدد غزة بالقنبلة النووية: الأصل والفصل

يعدّ من «المعتدلين» في حزب بن غفير والوحيد الذي لا يشارك في زيارات الأقصى الاستفزازية

التقط رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، خطورة الدعوة التي أطلقها وزير التراث اليهودي في حكومته، عميحاي إلياهو، بإلقاء قنبلة نووية على غزة، فسارع إلى منعه من حضور جلسات الحكومة، واعتبر تصريحه «غير واقعي».

هذا العقاب يبدو تافهاً أمام تصريحات الوزير إلياهو. ففي أوساط المعارضة الإسرائيلية، يقال إن أقل عقاب له يجب أن يكون إقالته من الحكومة ورفع الحصانة عنه ومحاكمته. ولكن، ليس عند نتنياهو. فهو لا يتمتع بجرأة القائد الذي يضع الأمور في نصابها ويتخذ القرارات الحاسمة، كما أنه لا يريد فتح جبهة مع غلاة اليمين المتطرف، داخل حكومته.

لكن تصريحات إلياهو، وإن كانت تسيء إلى حكومة نتنياهو داخلياً وخارجياً، فإنها تعكس ما هو طابع هذه الحكومة وما هو «الأصل والفصل» في العقيدة التي تحكم شكل الحرب على غزة ومضمونها. ففي هذه الحكومة توجد قوى كبيرة ومؤثرة تحمل فكراً فاشياً ينظر إلى العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً، على أنهم ليسوا بشراً، وأن إبادتهم جائزة. وما القصف المدمر لقطاع غزة، الذي حصد حتى الآن 10 آلاف شخص، بينهم 7 آلاف طفل وامرأة، سوى برهان واحد.

وإذا كان إلياهو ينحدر من تيار فكري عنصري متأصل، ورثه عن والده المشهور بتصريحات عنصرية فوقية (حرم على اليهود بيع بيوتهم لعرب)، وحزبه «عظمة يهودية» الذي يبني سياسته على ترحيل الفلسطينيين من وطنهم، فإن هناك وزراء آخرين من أحزاب «أكثر اعتدالاً» تحدثوا هم أيضاً بروح لا تقل عدائية وفاشية. فقد صرح وزير الدفاع الإسرائيليّ، يوآب غالانت، عشية الدخول إلى غزة قائلاً: «سنفرض حصاراً مشدّداً على مدينة غزّة، لا كهرباء، لا غذاء، لا ماء، لا وقود. كلّ شيء مغلق، نحن نحارب حيوانات بشريّة، وسنتصرّف بما يلائم».

ولهذا، فإن تصريحات إلياهو تأتي كـ«ارتقاء درجة» في سلم العربدة والجنون الذي تتسلّقه الحكومة الإسرائيلية.

وسارع كثير من السياسيين إلى استنكار تلك الدعوات، كونها تلحق ضرراً كبيراً على مستويين؛ العالم من جهة، والداخل الإسرائيلي من جهة ثانية. فعالمياً هبّ العالم حتى أصدقاء إسرائيل إلى شجب وإدانة الوزير إلياهو والمطالبة بإقالته. وبحسب مقربين من نتنياهو، فإن هذه التصريحات «قوّضت الدعم العالمي الذي تحظى به إسرائيل منذ اعتداء (حماس) النازي على بلدات الجنوب في 7 أكتوبر (تشرين الأول)، ووضعت إسرائيل في خانة (الإرهاب العملاق)، الذي لا مجال لمقارنته بـ(حماس) ولا (داعش)، وأحدثت ضرراً في الموقف الأميركي والغربي الذي يصمت على النووي الإسرائيلي، من منطلق اعتبار إسرائيل دولة مسؤولة لا تبادر إلى استخدام السلاح النووي».

وأما في الداخل، فيثير التصريح مخاوف عائلات الأسرى لدى «حماس» بأن الحكومة تمهد لعمليات يموت فيها الأسرى. فقد كان الصحافي في الإذاعة الدينية «كول برما» سأله: «عندما تلقي قنبلة نووية على غزة، ألا تخشى من احتمال أن يتعرض المختطفون الإسرائيليون والأجانب للأذى؟»، فأجاب: «في الحرب تُدفع الأثمان، لماذا نعتبر أن حياة المختطفين أغلى من حياة الجنود الذين قد تُسفك دماؤهم في الحرب؟».

ويبدو أن هذا ما أزعج غالبية الإسرائيليين، وليس الحديث عن استخدام النووي ضد غزة. فالشعب في إسرائيل ملتف حول الحكومة في حربها على غزة، وهو مشحون بكراهية مريعة وسط تعبئة جماهيرية تبيح أي شيء ضد أهلها. وينطلق البعض من رفض ممارسات بعض المشاركين في هجوم «حماس»، ممن قتلوا نساءً وأطفالاً وأحرقوا عائلات وأسروا أطفالاً بينهم رضيع، ومسنين ومرضى، وعاثوا خراباً في البيوت، فيما هناك كثيرون يكرهون «حماس» بسبب هجومها العسكري الذي تضمن أيضاً عناصر نجاح. فقد ضللوا المخابرات الإسرائيلية طيلة شهور قبل العملية واقتحموا خط الدفاع الأول للجيش «الذي لا يقهر» وسددوا للغطرسة والغرور لكمة موجعة على الأنف. أما الوزير إلياهو، الذي يعاني حزبه من انحسار قوته ويتهمه كثير من المصوتين بأنه فاشل، فقد انطلق من هذه الكراهية ليحتل العناوين، فلم يبتعد عن أجواء التدمير حين أدخل النووي.

لكن التفريط بالأسرى والقول إن حياة المخطوفين ليست أغلى من حياة الجنود، كان بمثابة اعتراف بأن «بروتوكول هنيبعل»، الذي يدعو إلى قتل الآسرين والأسرى، حاضر بقوة في هذه الحرب. لذلك قالت عائلات المخطوفين والمفقودين في توجهها لرئيس الوزراء إن «كلام هذا الوزير صادم ويتعارض مع كل مبدأ من مبادئ الأخلاق والضمير اليهودي والإسرائيلي. ونطالب رئيس الوزراء باتخاذ الإجراءات الفورية بحق أي وزير يسعى للمساس بالمخطوفين والمفقودين». وأضافوا: «اليوم وزير في حكومة إسرائيل يدعو إلى قتل جميع المختطفين والمفقودين، ويجب أن يدفع الثمن. الوزير إلياهو يلقي بظلاله الثقيلة على نوايا الحكومة فيما يتعلق بخطة العمل لعودة جميع المخطوفين والمفقودين الأشخاص». وطالبوا نتنياهو «رئيس الوزراء باتخاذ إجراءات فورية ضد أي وزير ينادي بالمس بالمختطفين والمفقودين».

وما بين الحسابات الدولية والمحلية، يطالب حزب إلياهو «عدم تضخيم الموضوع زيادة على الحد»، معتبراً أن «قصده أن ما يستخدم من قوة بطش حالياً لا يكفي لتلقين (حماس) درساً بأن الإرهاب لا يجدي»، وأن «أي عاقل يدرك أن الحديث عن قنبلة ذرية هو تعبير مجازي».

وتجدر الإشارة إلى أن الوزير إلياهو (44 عاماً) هو واحد من نواب حزب «عظمة يهودية»، الذي يعدّ من «المعتدلين». فهو الوحيد من نواب الحزب الذي يمتنع عن القيام بزيارات استفزازية في باحات المسجد الأقصى، ويقيم علاقات ودية مع الحركات اليهودية الليبرالية. وخدم في الجيش الإسرائيلي، على عكس عدد من رفاقه الذين تم تسريحهم لانشغالهم في الدراسة الدينية.

نظير مجلي

المصدر: صحيفة الشرق الاوسط




كوينسي: الولايات المتحدة تتجه نحو حرب أخرى في الشرق الأوسط

أدى تدخل بعض أطراف محور المقاومة في التصعيد في المنطقة بسبب الحرب الإسرائيلية على غزة، إلى مخاوف من توسع الصراع بسرعة، لتجد الولايات المتحدة نفسها في حالة حرب مع إيران وشركائها الإقليميين، الذين اعتبرهم الكثير في الكونغرس جزءً من “محور الشرّ” الجديد الذي يضمّ روسيا والصين، وذلك بحسب ما ورد في هذا المقال الصادر عن معهد كوينسي.

يرى المقال أن إدارة بايدن تتجه لمثل هذا السيناريو ولكنها لا تتخذ الإجراءات الكافية لمنع حدوثه. وهو الأمر الذي يثير مخاوف الجمهور الأمريكي، وفقا لاستطلاع حديث أجرته كوينيبياك ، كان 84٪ من المستجيبين إما قلقين “جدا” أو “إلى حد ما” من أن الولايات المتحدة يمكن أن تنجر إلى الصراع.

يتحدّث المقال عن خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي أكّد أنّ الحرب على مستوى المنطقة لا تزال ممكنة. وينصح إدارة بايدن بإدراك حقيقة أنّ حربًا أوسع في الشرق الأوسط ستكون مدمرة للولايات المتحدة بالنظر إلى الضعف العسكري النسبي لشركائها الإقليميين، وبالنظر إلى تورطها في أوكرانيا ومحاولة ردع الصين، والعجز في الميزانية الأمريكية الذي يزيد عن تريليون دولار كل عام في وقت السلم.

وفيما يلي ترجمة الخنادق للمقال:

تتجه الولايات المتحدة نحو حرب أخرى في الشرق الأوسط. يتصاعد الصراع بين إسرائيل وحماس بسرعة في جميع أنحاء المنطقة ويخاطر بجر الولايات المتحدة مباشرة إلى المعركة.

إن الوابل الأخير من الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار التي أطلقتها حركة الحوثيين اليمنية على إسرائيل – إلى جانب بيان من الجماعة بأن مثل هذه الهجمات ستستمر – والهجمات المستمرة على المواقع الأمريكية في المنطقة تظهر أن هذا الصراع يتوسع بسرعة. تجد الولايات المتحدة نفسها الآن في حالة حرب جديدة مع إيران وشركائها الإقليميين، الذين اعتبرهم الكثيرون في الكونغرس جزءا من “محور الشر” الجديد الذي يضم روسيا والصين.

تستعد إدارة بايدن لمثل هذا السيناريو، ومع ذلك لا تتخذ واشنطن تدابير كافية لمنع حدوث مثل هذه الكارثة. يتزايد الخوف بين الجمهور الأمريكي من أن الولايات المتحدة ستنجر إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط بسرعة: وفقا لاستطلاع حديث أجرته كوينيبياك ، كان 84٪ من المستجيبين إما قلقين “جدا” أو “إلى حد ما” من أن الولايات المتحدة يمكن أن تنجر إلى الصراع.

لقد حذر الرئيس بايدن وفريقه إسرائيل مرارا وتكرارا من ارتكاب نفس “الأخطاء” التي ارتكبتها الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر 2001، ولكن يبدو أن واشنطن لم تتعلم بعد من أخطائنا في العقدين الماضيين.

إذا كانت الإدارة لا تريد الدخول في حرب أخرى في الشرق الأوسط، فإنها تحتاج إلى منع الصراع من جذب جهات فاعلة إضافية من جميع أنحاء المنطقة. ويبدو أن الطريقة التي تخاض بها الحرب في الوقت الحاضر تجعل هذه النتيجة أكثر احتمالا، وليس أقل.

في أعقاب هجوم حماس الإرهابي على إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر، زادت الولايات المتحدة بشكل كبير من وجودها العسكري في الشرق الأوسط على أمل ردع صراع إقليمي أوسع. نشرت الولايات المتحدة مجموعتين ضاربتين من حاملات الطائرات، مع ما يقرب من 7 فرد في كل منهما، ومدمرتين للصواريخ الموجهة، وتسعة أسراب جوية إلى منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر. كما نشرت واشنطن 500 جندي إضافي في المنطقة، مع 4 آخرين على أهبة الاستعداد، إضافة إلى ما يقرب من 000 جندي بالفعل في المنطقة.

ويأتي هذا التراكم في الوقت الذي يتصاعد فيه الصراع بشكل كبير. وقد لقي أكثر من 1,500 إسرائيلي وأكثر من 9,770 فلسطينيا مصرعهم نتيجة للحرب. إن الوضع داخل غزة مريع، حيث يوجد أكثر من مليون نازح والآلاف في حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية. وفي الضفة الغربية، تصاعد العنف أيضا، حيث قتل ما يقدر بنحو 152 فلسطينيا على أيدي المستوطنين والجنود الإسرائيليين منذ بدء الحرب، مما أدى إلى دعوة الولايات المتحدة إسرائيل إلى “حماية الفلسطينيين من عنف المستوطنين الإسرائيليين المتطرفين”.

وخارج الحرب نفسها، يتزايد العنف في جميع أنحاء المنطقة. وقد تم بالفعل استهداف القوات الأمريكية في الشرق الأوسط 23 مرة على الأقل في العراق وسوريا من قبل جماعات مرتبطة بإيران. وردا على ذلك، شنت القوات الأمريكية غارات جوية على منشأتين مرتبطتين بالحرس الثوري الإيراني في سوريا، بينما تعهدت بمزيد من الانتقام إذا استمر استهداف الأفراد الأمريكيين. وتواصل إسرائيل وحزب الله الدخول في اشتباكات، حيث قتل نحو 50 مقاتلا من حزب الله منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول.

ألقى زعيم حزب الله، حسن نصر الله، أول خطاب علني له منذ بدء الحرب يوم الجمعة 3 تشرين الثاني/نوفمبر، حيث شدد على استقلالية عملية صنع القرار لحماس في شن هجومها على إسرائيل مع الضغط أيضا من أجل إنهاء الصراع، لكنه أكد أن الحرب على مستوى المنطقة لا تزال ممكنة. كما أشاد نصر الله بالحوثيين في اليمن لتورطهم. في أعقاب الوابل الأخير من الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار، استهدف الحوثيون إسرائيل ثلاث مرات منذ بدء الحرب. كما واصلت إسرائيل ضرب الميليشيات المدعومة من إيران في سوريا بعد اندلاع الحرب في غزة.

تحتاج إدارة بايدن إلى إدراك حقيقة أن حربا أوسع في الشرق الأوسط ستكون مدمرة للولايات المتحدة والمنطقة.

وبالنظر إلى الضعف العسكري النسبي لشركاء أمريكا الإقليميين – باستثناء إسرائيل، التي ستكون مع ذلك مفرطة في مثل هذا السيناريو – سيتعين على الولايات المتحدة القيام بنصيب الأسد من القتال وستتحمل غالبية تكاليفه. ومن شأن مثل هذه الحرب أن تؤدي إلى مستويات جديدة دراماتيكية من التزامات الولايات المتحدة وتشابكاتها في المنطقة في وقت لم يعد فيه الشرق الأوسط يمثل مسرحا أساسيا للمصالح الأمريكية.

يأتي خطر نشوب حرب كبرى في الشرق الأوسط في الوقت الذي تشارك فيه الولايات المتحدة بالفعل بعمق في مساعدة أوكرانيا ضد الغزو الروسي ومحاولة ردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بينما تحمل دينا وطنيا يبلغ 33 تريليون دولار وتعاني من عجز في الميزانية يزيد عن 1 تريليون دولار كل عام في وقت السلم. إن فتح جبهة جديدة في الشرق الأوسط أثناء محاولة متابعة مصالح واشنطن المعلنة في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ يخاطر بإغراق أمريكا نحو أزمة اقتصادية.

وغني عن القول إنه بالنسبة للشرق الأوسط نفسه، فإن مثل هذه الحرب ستكون كارثية، وتزعزع استقرار المنطقة سياسيا واقتصاديا وعسكريا. ومن شأن الحرب أن تهدد بتمكين الجهات الفاعلة غير الليبرالية في جميع أنحاء المنطقة على حساب الاستقرار الحقيقي. إن التكاليف البشرية والمادية الباهظة ستصيب الشرق الأوسط لأجيال قادمة.

وينبغي أن يكون واضحا من العقود العديدة الماضية أن إلقاء الأموال والأسلحة والأصول العسكرية على المنطقة غالبا ما تكون له عواقب سلبية عميقة. وفي هذه الحالة، تخاطر واشنطن بمزيد من التصعيد وحتى التدخل الأمريكي المباشر في حرب على مستوى المنطقة.

يحتاج بايدن إلى توضيح أن المصلحة المركزية للولايات المتحدة هي البقاء خارج الباب الدوار لصراعات الشرق الأوسط وتجنب الانجرار إلى حملة عسكرية مدمرة في جميع أنحاء المنطقة.

المصدر: معهد كوينسي الأميركي

ترجمة: موقع الخنادق




هآرتس: تصريح إلياهو عن القنبلة الذرية لم يكن زلة لسان

لم يمر تصريح “وزير التراث الإسرائيلي” عن إمكانية القاء قنبلة نووية على قطاع غزة مرور الكرام. وبينما اعتبره البعض هرطقة إعلامية، أكد البعض الآخر على أنها صورة إسرائيل الإرهابية الحقيقة، خاصة اليمين المتطرف في الحكومة الحالية. في حين اعتبرت صحيفة هآرتس العبرية في مقال قام موقع الخنادق بترجمته، أن “التصريح لم يكن هذه زلة لسان… والأشخاص الذين اعتادوا أن يكونوا منبوذين بغيضين أصبحوا الآن وزراء كبار في الحكومة”.  

النص المترجم:

التصريح الذي أدلى به وزير التراث عميحاي إلياهو (عوتسما يهوديت)، الذي قال إن إسقاط قنبلة نووية على قطاع غزة هو خيار، هو مشكلة ليس للدبلوماسية العامة الإسرائيلية بل للواقع الإسرائيلي.

المشكلة ليست في أي تصريح معين، بل في السلطة والشرعية التي يتمتع بها اليوم اليمين المتطرف اليهودي الكاهاني المسيحي الذي يدعم الضم والاحتلال والصلاة اليهودية في الحرم القدسي، ويرى الحرب الحالية فرصة ويزدري المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية وقوانين الحرب.

لم تكن هذه زلة لسان. في مقابلة مع راديو كول براما، قال إلياهو إنه “لا يوجد [مدنيون] غير متورطين” في قطاع غزة. وعندما سأله محاوره عما إذا كان ذلك يعني أن على إسرائيل إسقاط قنبلة نووية على القطاع، أجاب: “هذه طريقة واحدة”. والواقع أن “توضيحه” اللاحق “من الواضح لأي عاقل أن الملاحظة النووية كانت مجازية” سخيفة.

كما أنه ليس استثناء وحيداً. وقال زميل إلياهو في الحزب، النائب يتسحاق كرويزر، لإذاعة الجيش إنه “يجب تسوية قطاع غزة بالأرض، ويجب أن يكون هناك حكم واحد للجميع هناك، الموت. علينا أن نمحو قطاع غزة من الخريطة. لا يوجد أبرياء هناك”. قطاعات كاملة من الحكومة تنتمي إلى اليمين المتطرف الخطير: بتسلئيل سموتريتش، إيتمار بن غفير، سيمحا روثمان، أوريت ستروك، آفي ماعوز، تسفي سوكوت، ليمور سون هار ميليخ وحلفائهم.

كان رد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أعرج. وقال إن بيان إلياهو “منفصل عن الواقع”، وسيتم منع الوزير من حضور اجتماعات مجلس الوزراء حتى إشعار آخر. كان يجب أن يطرد إلياهو، لكنه اختار ألا يفعل ذلك. أعطى الأولوية للحفاظ على حكومته على الحفاظ على إسرائيل.

نتنياهو ليس الحل، بل المشكلة. لقد أضفى الشرعية على الكاهانية واليمين المتطرف. خلال السنوات التي قضاها في السلطة، أصبحت إسرائيل أكثر تطرفاً، والأشخاص الذين اعتادوا أن يكونوا منبوذين بغيضين أصبحوا الآن وزراء كبار في الحكومة. الأفكار والقيم التي كانت خارج الإجماع، مثل “نقل” العرب من إسرائيل، والنكبة الثانية والصلاة اليهودية في الحرم القدسي، تم تطبيعها تحت قيادة نتنياهو غير المسؤولة.

وهو الذي أضفى الشرعية على التحالفات السياسية مع المعجبين بالحاخام مئير كاهانا، والقاتل الجماعي باروخ غولدشتاين وقاتل عائلة دوابشة. وتحت قيادته، بدأ المستوطنون في وضع أنظارهم على المنطقة (ب) في الضفة الغربية، والتي تخضع بموجب اتفاقات أوسلو للسيطرة الأمنية الإسرائيلية والسيطرة المدنية الفلسطينية. وانتقل “شباب التلال” المتطرفون للمستوطنين من أهداف استخباراتية لجهاز الأمن العام (الشاباك) إلى العمل كوزراء وأعضاء كنيست ومساعدين ومستشارين.

لقد رسمت عضوية اليمين المتطرف في الحكومة بأكملها، وكل إسرائيل، بألوان اليمين المتطرف. الطريقة الوحيدة لحل المشكلة هي إزالة اليمين المتطرف من الحكومة، ومن حدود الشرعية الإسرائيلية. الطريقة الوحيدة للتنصل من تصريح إلياهو هي التبرؤ منه ومن أمثاله. يجب طرد حزبي “عوتسما يهوديت” و”الصهيونية الدينية” من الحكومة فورا.


المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية

ترجمة: موقع الخنادق




المقاومة العراقية تردّ على بلينكن بزيادة الهجمات

مهما حاولت الولايات المتحدة الأمريكية، لن تستطيع إنكار إدارتها ومشاركتها للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ولا حتى منع محاسبتها من قبل محور المقاومة على هذا الدور. هذا ما يمكن استنتاجه من زيارة وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن الى العراق بالأمس الأحد، وما حصل خلاله وبعده من عمليات للمقاومة الإسلامية في العراق، ضد القواعد الأمريكية في سوريا والعراق.

فخلال 24 ساعة فقط، نفذت المقاومة 8 عمليات في هذين البلدين على الشكل التالي:

_3 عمليات استهدفت قاعدة عين الأسد العراق

_1 عملية استهدفت قاعدة الحرير في أربيل العراق

_1عملية استهدفت قاعدة التنف – البادية – سوريا

_2 عملية استهدفت قاعدة قسرك – الحسكة – سوريا

_ 1 عملية استهدفت قاعدة خراب الجير – الحسكة – سوريا

وكأن المقاومة بتشديد وتيرة العمليات، تردّ على الوزير بلينكن قبل وخلال وبعد، زيارته غير معلنة للعاصمة العراقية بغداد بالأمس الأحد (لم تعلن الزيارة لأسباب أمنية وقد ارتدى خلالها بلينكن مع الوفد المرافق له دروع واقية من الرصاص)، والتي وصف فيها الهجمات ضد قوات بلاده في العراق وسوريا بـ “غير المقبولة”، بأن دعم وإدارة بلاده لعدوان الإسرائيلي هي التي غير مقبولة من قبل شعوب وحركات المقاومة في المنطقة. وأنّ من حق محور المقاومة الوقوف الى جانب مقاومة غزة بكل الوسائل المشروعة، خاصةً وأن الوجود العسكري الأمريكي في العراق هو وفق لتزييف بأن لها دور استشاري تدريبي، فيما وجوده في سوريا هو احتلال.

فقد جاءت زيارة بلينكن في ظل هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة تستهدف قواعد عسكرية تضم قوات أميركية، عادت الى التفعيل (خاصة في العراق بعد توقف أشهر)، بعد أن بدأ العدوان على غزة. وقد أكّد بلينكن خلال مؤتمر صحفي مقتضب له في ختام لقائه رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بأنه أوضح تماما للرئيس السوداني أن هذه الهجمات والتهديدات التي مصدرها من وصفهم بـ “مليشيات متحالفة مع إيران” غير مقبولة على الإطلاق. زاعماً أن بلاده سوف تأخذ الإجراءات اللازمة من أجل حماية قواتها

وهنا نشير بأنه بحسب أرقام أعلنتها وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون نهار الجمعة، وقع بين 17 تشرين الأول الماضي / أكتوبر و3 تشرين الثاني / نوفمبر الجاري، 17 هجوما في العراق و12 في سوريا.

المقاومة وتطوير حجم وشكل المشاركة

هذا وقد أعلنت المقاومة الإسلامية في العراق منذ أيام، أنها قصفت هدفا في مدينة “أم الرشراش – إيلات” (أقصى جنوب فلسطين المحتلة على البحر الأحمر)، لدعم قطاع غزة ومقاومته. وقد ذكرت في بيانها الذي نشرته عبر تطبيق تيليغرام أنها قامت بتنفيذ العملية “نصرة لأهلنا في غزة وردا على المجازر التي يرتكبها الكيان الغاصب بحق المدنيين الفلسطينيين من أطفال ونساء وشيوخ استهدف مجاهدو المقاومة الإسلامية في العراق صباح اليوم هدفا في أم الرشاش (إيلات) المحتلة”، مؤكدةّ استمرارها في “دك معاقل العدو”، وأن هذه هي المرة الثانية التي تعلن فيها قصف أهداف إسرائيلية خلال الساعات الـ24 الماضية.

ويأتي تطوير شكل المشاركة في سياق تأكيدها على ما أعلنته الأسبوع الماضي، بأنها ستبدأ هذا الأسبوع مرحلة جديدة لنصرة فلسطين. وهو ما سبق أن أشار له الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير حينما وصف قرار قيادة المقاومة الإسلامية في العراق، بالحكيم والصائب والصحيح والشجاع والمبارك، وأن هناك خطوات جديدة بإتجاه فلسطين المحتلة في أكثر من نقطة وسيتضح ذلك في الساعات ‏والأيام القليلة المقبلة.

وعليه نحن أمام مرحلة تتجسّد فيها وحدة الساحات، بالأفعال والعمليات وليس بالشعارات فقط، ومن غير المستبعد تطور شكل هذه العمليات ونطاقها وتأثيراتها خاصةً مع استمرار العدوان الأمريكي الإسرائيلي، وخاصةً إذا ما دخل في مرحلة حصار مدينة غزة (تطويقها البري من كل الجهات).

المصدر: موقع الخنادق




المرتزقة الأوروبيون في اجتياح غزة لتقليل الخسائر الرسمية الإسرائيلية

استخدام المرتزقة في الكيان المؤقت هو مسألة قديمة من تاريخ احتلال اسرائيل للأراضي العربية. لطالما قامت اسرائيل بتجنيد المقاتلين في كل مكان في العالم حيث لديها سفارات، من خلال المنظمات اليهودية التي تروج لفكرة الانضمام للجيش الإسرائيلي، منها ما يعمل علنًا ومنها ما يعمل في السرّ، يعتمد ذلك على الدولة. ويتمتع هؤلاء الجنود المرتزقة برواتب مرتفعة بالمقارنة مع الجنود العاديين، ضمن برنامج “الجنود الوحيدين” في جيش الاحتلال. يأتون للقتال إما لأسباب عنصرية أو للحصول على رواتب ضخمة. إنها وسيلة فعالة لإبراز القوة مع تقليل خسائرهم الرسمية. وبعد أن حاولت اسرائيل اجتياح قطاع غزة في صيف عام 2014، ظهرت قصص عن المرتزقة الذين قُتل الكثير منهم بمن فيهم أمريكيون، ويعود هؤلاء إلى الواجهة في المحاولات الجديدة لاجتياح جبش الاحتلال لغزة إثر عملية طوفان الأقصى 2023، مع ظهور مرتزقة أوروبيين، يثير الجدل حول مسؤولية حكوماتهم في التدخل فيما يحصل في غزة.

عام 2014، دعا المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان الدول التي يخدم عدد من حملة جنسيتها في صفوف القوات المسلحة الإسرائيلية إلى المسارعة بسحبهم بعد تسجيل الجيش الاحتلال الإسرائيلي انتهاكات مروّعة لحقوق الإنسان ومجازر حرب في الهجوم الذي شنه على قطاع غزة، نظرا لاحتمال أن يكون هؤلاء الجنود “عرضة لاقتراف جرائم حرب”.

وقال الأورومتوسطي إنه كان أصدر تقريراً في نوفمبر 2013 كشف فيه عن وجود مئات الأوروبيين والأمريكيين والكنديين وحملة جنسيات دول أخرى من الذين “يتطوعون” للخدمة العسكرية في صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي، ضمن قوات خاصة، شاركت في قتل المدنيين الفلسطينيين، لا سيما في قطاع غزة. منوّهاً إلى أن هناك برامج في إسرائيل تسمح لأي شخص يهودي “وليس بالضرورة إسرائيلي” للخدمة فيما يسمى يجيش الدفاع الإسرائيلي.

واليوم، كشفت صحيفة “إل موندو” الإسبانية أنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي جنّد مرتزقة أوروبيين للقتال في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. أجرت الصحيفة مقابلة مع أحد المرتزقة الأسبان ممن قاتلوا في أوكرانيا، الذي قال، إنّ شركة عسكرية خاصة تدعم إسرائيل هي التي جنّدته للقتال في صفوف جيش الاحتلال، مشيرًا إلى أنّه تلقّى مكالمة هاتفية من “رفيق سلاح سابق” أخبره بأنّ  “الإسرائيليين يبحثون عن أشخاص لديهم سجل عسكري جيد”. ويبرر بيدرو مشاركته بحجج أيديولوجية، علمًا أنه أقرّ أنه ترك العمل في أوكرانيا بسبب توقفهم عن الدفع. 

ضمن وثائقي أعدته قناة الجزيرة تحت عنوان “الصندوق الأسود: الجندي الوحيد” حول استخدام اسرائيل للمرتزقة منذ عام 1948 يقول المجند ألكسندر من جنوب إفريقيا إنّ “إقامة الدولة اليهودية كانت بفضل الجنود الأجانب”، ومنذ ذلك الحين يتم استخدام هذا التقليد في معارك المواجهة الإسرائيلية، “كان من المعروف أن المشاركين في برنامج الجندي الوحيد شرسون وخطرون”، قال جون، وهو بلجيكي، إن عائلته كانت كلها ضحايا للنازية وأنه جاء للانتقام. وأنه قد استمتع بالقتال معهم وقضى 8 أشهر في التدريب ليصبح محاربًا محترفاً، وقد شارك في العديد من العمليات العسكرية. 

على خط آخر، ينشط جنود إسرائيليون أنفسهم كمرتزقة خارج كيان إسرائيل. ولعلّ القضية الأبرز، عندما درّب المرتزقة الاسرائيليون الجيش الكاميروني. إذ كشف فريق من اثنين من المراسلين، إيمانويل فرويدنتال ويوري فان دير فايدي، النقاب عن جنود ينتمون إلى وحدة النخبة الكاميرونية، التي دربها مرتزقة إسرائيليون، متورطون في مجزرة نغاربوه في فبراير 2020، حيث قتل 21 مدنيا، وفقا لمنظمة هيومن رايتس ووتش. BIR هي القوات الخاصة في الكاميرون ، وهي مسؤولة مباشرة أمام الرئيس بول بيا الذي كان في السلطة منذ عام 1982. تم إنشاء الوحدة من قبل ملحق الدفاع الإسرائيلي السابق في الكاميرون، آفي سيفان، بعد تقاعده من الخدمة العامة. في عام 2010 ، توفي سيفان في حادث تحطم طائرة هليكوبتر ومنذ ذلك الحين لم يتم الكشف عن أسماء الإسرائيليين الذين يدربون BIR ، على الرغم من تداول بعض الأسماء المزيفة، من الصعب العثور على معلومات عنهم.

المصدر: موقع الخنادق




“قتلة زهرة القمر”… ممارسة مبكرة في عنف التسمية وإلغاء الهوية

قراءة في فيلم يكشف القتل الممنهج بحق الأميركيين الأصليين في ولاية أوكلاهوما

إلى أي حد يمكن لشعب أو مجتمع أن يواجه ما قد يتضمنه تاريخه من أحداث مخجلة، من عارٍ يتمثل في جرائم ارتكبت بحق أبرياء وجرى التكتم عليها أو سعت الأكثرية إلى إخفائها وتجاهلها، بل وربما أصدرت قانوناً يحرم الحديث عنها؟ إن من المستحيل لأي شعب أو أمة أو مجتمع أن يدعي طهارة تاريخه أو خلوه مما يود إخفاءه وتمني زواله من السجلات ورفضه أن يسعى أحدٌ إلى التنقيب عنه وإظهاره. وإذا كانت المجتمعات التي تحكمها معتقدات أو أعراف أو ربما قوانين وضعية تنجح في كبت الكثير، فإن من المجتمعات المعاصرة اليوم ما استن من القوانين ما يحول دون ذلك المنع الصارم، أو ما يحول دونها بصورة جزئية أو مؤقتة. وحتى تلك التي تسن القوانين الصارمة لمنع كل ما يمكن أن يشير إلى الماضي المخزي، فإن الوقت سيأتي حين يتمكن مؤرخ أو كاتب أو محقق أو باحث من أن يكشف النقاب عما أسدل عليه النقاب وغلّقت دونه الأبواب.

الفيلم الأميركي «قتلة القمر الزهرة» (أو زهرة القمر) (Killers of the Flower Moon) الذي أطلق مؤخراً يتمحور حول تلك القضية، وإن لم تظهر بصورة جلية لمن ذهب للفيلم للاستمتاع بقوة العرض والأداء. الفيلم الذي أخرجه مارتن سكورسيزي وظهر في بطولته نجمان كبيران هما روبرت دي نيرو وليوناردو دي كابريو يواجه تلك القضية مباشرة ويطرح بذلك على الضمير الأميركي أنموذجاً من بين مئات النماذج للجرائم المدفوعة بالجشع والاحتقار العرقي والعنف التي يزخر بها التاريخ الأميركي. وإذا كان ذلك هو الشأن في تواريخ أمم أخرى، فإن حداثة التاريخ الأمريكي وكثافة ما كتب عنه تجعلانه أوضح مع قرب المتناول وسهولة التحليل. فمنذ بدء الاستيطان الأوروبي والقادمون إلى القارة الجديدة يسجلون الحادثة تلو الأخرى مما يندى له جبين التاريخ والحضارة المدعاة من اضطهاد وقع على السكان الأصليين، أو الذين جلبوا من القارة الأفريقية واستعبدوا. وإذا كان تاريخ العبودية في أنموذجه الأميركي قد وجد الكثير من الضوء على مختلف مستويات الإنتاج الثقافي والإبداعي فإن مقابله على مستوى الاضطهاد العرقي الذي تعرض له من أطلق عليهم الهنود الحمر، في ممارسة مبكرة في عنف التسمية وإلغاء الهوية، ما زال بحاجة فيما يبدو إلى المزيد من الحفر والكشف، على الرغم من كل الأفلام والروايات والتواريخ التي دُوّنت.

في مطلع القرن العشرين تعرضت قبيلة الأوساج من الأميركيين الأصليين في ولاية أوكلاهوما للقتل الممنهج من قبل عدد من المستوطنين البيض الذين تدفقوا على المنطقة التي كانوا يقطنها أولئك الأصليون بعد اكتشاف كميات ضخمة من النفط في أرضهم. أدى الاكتشاف إلى إثراء عدد من أفراد القبيلة، فاسترعى ذلك الأميركيين الأوروبيين الباحثين عن الثراء السريع والضانين به على قبائل يعدونها بدائية ولا تستحق من ثم ما حصلت عليه من ثروة.

ذلك كله مثبت تاريخياً.

في عام 2021 أصدرت ولاية أوكلاهوما قانوناً يمنع المعلمين في المدارس العامة أو الحكومية، حسب ما ورد في صحيفة «النيويورك تايمز» في مقالة حول الفيلم، من «تدريس عدد من المفاهيم»، منها أن «يشعر أي فرد بالانزعاج أو الذنب أو الألم أو أي نوع من الانقباض النفسي» لكونه ينتمي إلى عرق أو نوع، ذكر أو أنثى. أدى ذلك إلى تخوف المعلمين من تدريس الرواية التاريخية «قتلة القمر الزهرة» وخشيتهم من فقد تراخيص عملهم وفقدان وظائفهم نتيجة لذلك. رقابة صارمة وتسلط من النوع المألوف لدى القاطنين في كثير من دول العالم. البيض الأميركيون لا يريدون لأحد أن يناقش ما ارتكب بعض أسلافهم أو أمثالهم من جرائم بحق أهل البلاد الأصليين ممن سلبت أراضيهم وانتهكت حقوقهم والآن يرفض المستوطنون أن يجدوا في المناطق الضئيلة من الأرض التي أبقيت لهم شيئاً من الثروة.

يعرض الفيلم المؤسس على الرواية لتلك الأحداث التاريخية بصورة تكشف عنف المستوطنين وجشعهم، قتلهم للسكان الأصليين وسعيهم للاستيلاء على الثروة النفطية. شجاعة النص والمخرج والممثلين، فضلاً عن الأداء الرائع، ليست محل جدال، فنحن أمام عمل ملحمي على مستوى الإنتاج والإخراج والتمثيل. استعادة لغة قبيلة الأوساج بحد ذاتها إنصاف لقبائل استلبت هوياتها وأرضها وثرواتها وأهم من ذلك أرواح الكثير من أبنائها وبناتها. يبدأ الفيلم بوصول الشاب دي كابريو بوصفه ابن أخ لمتنفذ أبيض (روبرت دي نيرو) يتزيا بزي الراعي لمصلحة السكان الأصليين والمستوطنين معاً. وتبدأ الأحداث بالتعليمات التي يتلقاها الشاب بطريقة ملتوية: أن علينا أن ندخل حياة هؤلاء السكان الأصليين ونسلبهم ثروتهم إما بالمصاهرة والمعاشرة المؤدية للاستيلاء أو بالقتل المباشر والتخلص النهائي. ثم يبدأ تنفيذ الخطة التي تصل ذروتها بزواج ابن الأخ من سيدة جميلة من السكان الأصليين، وسعيه، رغم حبه لها، إلى تنفيذ المخطط. فهي المصابة بالسكري تتلقى الأنسولين من زوج يغشها في العلاج نفسه لكي تموت تدريجياً وهي الأم التي أنجبت عدداً من الأطفال، لكنها لا تموت لحسن الحظ وتعيش لترى زوجها سجيناً مع عمه.

يبدأ الفيلم بالانسياب نحو النهاية بوصول مكتب التحقيقات الفيدرالي المؤسس حديثاً للتحقيق في جرائم القتل لينتهي ذلك بالقبض على العم وابن أخيه (دي نيرو ودي كابريو). لكن التاريخ يقول أيضاً إن الـ«إف بي آي»، أو مكتب التحقيقات، بقيادة الشاب المتعين حديثاً ج. إدغار هوفر، أغلق القضية بالطريقة التي يرويها الفيلم، بمعنى أن النهاية كانت بانتصار العدالة التي أتت مع المحقق الأميركي.

منذ بدء الاستيطان الأوروبي والقادمون إلى القارة الجديدة يسجلون الحادثة تلو الأخرى مما يندى له جبين التاريخ والحضارة

مقالة «النيويورك تايمز» التي أشرت إليها كتبها اثنان أحدهما مؤلف الكتاب الذي تأسس عليه الفيلم، ديفيد غران، والآخر جم غري الذي قتل أحد أجداده من السكان الأصليين في تلك الأحداث. يقول الكاتبان: «لم تُمح هذه الأحداث من ذاكرة الأوساج. لكن معظم الأميركيين مسحوا من ضمائرهم حتى الرواية المعقمة التي تبناها مكتب التحقيقات الفيدرالي». ويشير الكاتبان إلى أن تلك الأحداث التي يطلقون عليها «عهد الرعب» تشبه المذبحة المعروفة بمذبحة تلسا العرقية (وتلسا هي ثاني أكبر مدن ولاية أوكلاهوما) في أن كلتا الحادثتين لا تُدرّسان في المدارس، حتى في أوكلاهوما نفسها. عملية تعقيم التاريخ مهمة لضمير يعترف ضمناً بما يثقل كاهله.

لكن الضمير الأوكلاهومي، مثل ضمائر بشرية أخرى كثيرة، لم يستطع أن يحول دون الكشف عن تلك النقاط السوداء في تاريخه أو تاريخ الولاية. الدستور الحامي لحرية التعبير يتعالى على قدرات ولاية من الولايات أن تقرر ما يعرف أو لا يعرف. ذلك الدستور هو الذي يحمي سكورسيزي ومنتجي فيلم «قتلة القمر الزهرة» من غضب ولاية أميركية حين يتجرأون على الخطوط الحمراء لتلك الولاية.

لكن ماذا لو كانت الخطوط الحمراء خطوطاً يكاد يجمع عليها المجتمع الأميركي وإعلامه ونظامه السياسي؟ ماذا لو كانت الخطوط الحمراء تتصل باليهود، بإسرائيل، بالصهيونية؟ من المؤكد عندئذٍ ألا يفيد الدستور لأن مصالح أعلى منه ستحول دون ما يسمح به من حريات. وقبل ذلك لن تقبل شركة إنتاج سينمائي أن تتحمل العبء السياسي، ولن يتحمل المخرج ولا الممثلون سياط النقد التي ستوجه لهم – على افتراض أن أحداً يرغب في تخطي خطوط حمراء كتلك – ولو قبلت الشركة وتحمل الممثلون لن تنشر «النيويورك تايمز» مقالة تحليلية محايدة حول الفيلم. في وسع الجميع أن ينتقد المستوطنين البيض ويكشف سوءات التمييز العرقي والاضطهاد والجرائم، لكن ليس في وسعهم أن يقولوا إن إسرائيل تحتل أرض شعب آخر، وإنها هجّرتهم وتضطهدهم وتقتلهم كل يوم. سيظل قتلة نمو ووفرة آخرين، مستوطنين آخرين غير المستوطنين الأميركيين، عصيين على الكشف والإدانة.

د. سعد البازعي

المصدر: صحيفة الشرق الاوسط