1

«طوفان الأقصى» والإشكاليات الجيوسياسية

في بداية القرن الحالي انشغل العالم في الحرب الأميركية-الدولية على افغانستان، ثم سارت بنا الولايات المتحدة الأميركية ضمن تحالف دولي ضدّ العراق، ثم تدريجيًا ظهر تنظيم «الدولة الاسلامية في العراق» (داعش) ليتطور بعدها الى العراق والشام، وذلك بعد انطلاق الأحداث في سوريا، وكانت قد سبقتها بأسابيع ليبيا ولحقتهما اليمن.

لم يعد خافيًا على أحد انّ المصالح الجيوسياسية طاغية في كل هذه الأحداث التي بدأت مع وصول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى الحكم بداية القرن الحالي والتبدّل في النهج السياسي المتّبع في تركيا مع وصول حزب «العدالة والتنمية» هناك. بالتزامن مع الدور الاستراتيجي الذي لعبته تركيا وروسيا كانت إيران تستعيد عافيتها لتكون اللاعب الأهم في المنطقة لأسباب عدة:

1- وجود أرضية شعبية واسعة الانتشار في منطقة غرب آسيا.
2- تحالفها الاستراتيجي مع روسيا الاتحادية وتلاقيهما في ملفات عدة وصولًا الى الانضمام أخيرًا الى منظمة شنغهاي ومجموعة دول «البريكس».
3- جرأتها على الاستفراد في دعم القضية الفلسطينية عسكريًا وأمنيًا على الرغم من الضغوط الدولية غير المحدودة.

انطلاقًا من هذا الدور الرئيسي الذي لعبته إيران في المنطقة، ثبُتَ لها دور غير قابل للتهميش في مختلف القضايا الجيوسياسية والجيو-اقتصادية في المنطقة، إلى جانب تحالفات استراتيجية وتكتيكية على الشكل الآتي:
1 – الشراكة الاستراتيجية الإيرانية مع روسيا في سوريا، والتي أسقطت الحرب على سوريا من جهة، وضربت المصالح الأميركية وتحديدًا في ما خصّ مشروع «نابوكو» للغاز، والذي كان مقرّرًا ان يكون في مواجهة الغاز الروسي بنحو رئيسي.
2 – العلاقة التكتيكية مع تركيا والتي اعتُبرت نجاحًا للديبلوماسية الإيرانية في غرب آسيا.
3 – مواجهة التمدّد الأميركي في العراق وقطع طريق الاستفراد بثروات العراق النفطية، بالإضافة الى ضرب التمدّد العسكري الاميركي في المنطقة.
4 – تثبيت القضية المحورية في فلسطين وعدم السماح لمشاريع تصفيتها من خلال تثبيت النزاع الفلسطيني العسكري مع اسرائيل من جهة، وضرب مشاريع التطبيع من جهة أخرى.

انطلاقًا مما تقدّم برزت معركة «طوفان الأقصى» لتخلط الاوراق الجيوسياسية مقدمةً خريطة جديدة في المنطقة يتمّ كتابتها بالدم الفلسطيني. في هذا الإطار، يقول مصدر قيادي فلسطيني، انّ المعركة التي تخوضها الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة أتت لتضرب آخر إسفين كان يتمّ تحضيره لتغيير خريطة فلسطين بنحو كامل وطمسها انطلاقًا من التطبيع الذي لامس الخطوط الحمراء.

ويضيف هذا القيادي الفلسطيني، أنَّ ما حصل أعاد خلط الأوراق الجيوسياسية بمقدار كبير، فما لا يعرفه البعض عن «طوفان الأقصى» هو انّها حمت المنطقة من مشاريع عدة أهمها:
1 – إغراق الأردن بملايين الفلسطينيين وتحويلها نحو نزاع داخلي دموي ترفض الفصائل الفلسطينية ان تكون جزءًا منه، على الرغم من مواقف الأردن غير المشجعة.
2 – إغراق مصر بمئات آلاف الفلسطينيين وتحويلها الى منطقة انطلاق لعمليات تحرير نحو الاراضي المحتلة.
3 – تثبيت اللجوء الفلسطيني وإلغاء حق العودة من لبنان وسوريا، وهذا الامر الذي كذلك يرفضه كل فلسطيني في هذه الدول.

انطلاقًا من المدخلات الجيوسياسية التي بدّلها «طوفان الأقصى»، تغيّرت خريطة المنطقة اليوم لتضعنا أمام مخرجات جديدة ما زالت مرتبطة في ما سيحصل داخل قطاع غزة على المستوى العسكري. في هذا الاطار، يقول مصدر قيادي بارز في محور المقاومة، انّ فصائل المقاومة في قطاع غزة لا يمكن ان تسقط عسكريًا، حتى لو كان الثمن إشعال المنطقة. ويضيف، أنّ غرفة العمليات المشتركة هي التي تحدّد التوقيت المناسب لمختلف الساحات، فهي على تواصل يومي وعلى مختلف المستويات، وحسابات غرف العمليات يختلف تمامًا عن حسابات المنابر والوسائل الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، خاتمًا «أنَّ محور المقاومة لا يقدّم مخطّطاته في المنطقة للجمهور او للعدو، انتظروا الميدان الذي ستنتج منه النتائج التي على اساسها ستكون المرحلة المقبلة».

بحسب بعض المعطيات المتوافرة حاليًا، فإنَّ سيناريوهات المرحلة المقبلة قد تكون كالآتي:
1 – دخول القضية الفلسطينية مرحلة جديدة ستعيدها الى مشارف العام 1967 جغرافيًا.
2 – تثبيت اعتراف دولي في حق الفلسطينيين ان تكون لهم دولة متكاملة المعالم.
3 – تحرّك لساحات نزاع في المنطقة، كمنطلق لإنهاء الاحتلال بمختلف اشكاله للاراضي والثروات في سوريا والعراق في المديين القريب والمتوسط تدريجيًا.
4 – الاسراع في إنهاء الفراغ الرئاسي في لبنان الذي دخل في معركة «طوفان الاقصى» بعد نحو 24 ساعة من انطلاقتها.
5 – الإسراع في إنهاء بعض التفاصيل المتبقية في الملف اليمني، كمنطلق لإعادة ترتيب الملفات السعودية في المنطقة بعد معركة «طوفان الأقصى» وما ادّت اليه من تغييرات استراتيجية في سياسة ولي العهد السعودي.

د. زكريا حمودان

المصدر: صحيفة الجمهورية




القضية الفلسطينية بين السنة والشيعة في العراق… من جديد!

هجمات عنيفة خلّفت آلاف الضحايا المدنيين، خلال العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، منذ الـ7 من تشرين الأول/ أكتوبر الحالي، أدّت إلى حالة تضامن كبيرة لدى العراقيين، تمظهرت من خلال مسيرات مؤيدة، واعتصامات على الحدود الأردنية، مطالبة بالسماح لهم في التوجه إلى فلسطين، وصلوات دعاء تصدح في مساجد البلاد وكنائسها ومعابدها.

برغم ذلك، هناك مشهد آخر في العراق ظهر نتيجة ما يحصل في فلسطين. وكالعادة، فرض الخلاف نفسه. فالخلاف والتناقض سمتان ملازمتان للمجتمع العراقي، ومن السمات التي حاول عالم الاجتماع العراقي المعروف علي الوردي، تحليلها في كتابه “شخصية الفرد العراقي”.

خلافات الرأي

منذ بدايات الصراع العربي الإسرائيلي، وتحديداً منذ النكبة عام 1948، أعلن العراق تضامنه مع فلسطين، كما استقبل، من بين دول قلة، مجموعةً كبيرةً من لاجئيها، قُدّرت بنحو 90 ألف لاجئ في عام 2003، بحسب منظمة الأمم المتحدة.

سيرة طويلة في التعاطف والتضامن مع الفلسطينيين. لكن اليوم يبدو أن المشهد قد بدأ يتغيّر قليلاً، ويتراجع، ليس من باب التخلّي عن القضية الفلسطينية، ولكن لاعتبارات داخلية وطنية، كما يقولون. فقد عبّر البعض عن ضرورة الاهتمام بالمشكلات الداخلية التي يعاني منها العراق، قبل التوجه إلى حل أزمات البلدان الأخرى، وطالبوا الدولة بالتركيز على قضاياهم الداخلية المتراكمة بلا حل، قبل اقتراح حلول لأزمات منطقة الشرق الأوسط أو فلسطين.

“مشاكل بلدي تكفيني، ومالي علاقة بغير بلد”؛ هكذا يجيب محمد حيدر العبودي (26 عاماً)، من بغداد، بعد سؤاله عن موقفه من القضية الفلسطينية، إذ يرى ضرورة حل مشكلات العراق الداخلية والخارجية، بشكل عاجل، فتجاهلها أدى إلى تشريد الشعب ودفعه إلى اللجوء في مختلف بلدان العالم، كحال الشعب الفلسطيني، وهو يعتقد تالياً، بأن حل هذه الأزمات أو الأسباب التي دفعت بالشعب إلى الهجرة من بلده، أهم من حل المشكلة الفلسطينية، أو مشكلة أي بلد آخر، بحسب تعبيره.

ويتساءل عبد الله سلطان إبراهيم (36 عاماً)، من بغداد، عن الدور الذي يلعبه الشعب أو الحكومة العراقية في هذه الأزمة المستمرة منذ أكثر من خمسة وسبعين عاماً، في حين يعجزون عن حلّ مشكلات البلاد المتراكمة منذ نحو 20 عاماً.

ويتخوف في حديثه إلى رصيف22، من أن “تؤدي محاولات زج العراق في هذا الصراع، إلى تكرار سيناريو الحصار الاقتصادي الذي مرّت به البلاد في عام 1991، على إثر الإجتياح العراقي للكويت، وفرض العقوبات عليه، وما عاناه في تلك الحقبة من موت بسبب نقص الطعام والعلاج والخدمات، بالإضافة إلى عزلته العالمية”، مؤكداً عدم قدرة البلد على تحمل عقوبات مشابهة، لا يزال يتحمل أوزارها حتى اليوم.

متضامنون ولكن!

الاقتباس والتقليد، مع السياسة الإيرانية أو ضدها، كانا حاضرين بقوة في مشهد التضامن العراقي مع فلسطين. فريقان لطالما حاول كل منهما مناكفة الآخر في موقفه، ولكنهما هذه المرة، وقعا في فخ لا يُحسدان عليه.

فعلى سبيل المثال، يبدي البعض دعمه لإسرائيل، ليس حباً بها، ولكن بغضاً بالسياسة الإيرانية. هم يبررون رأيهم بأن إنسانية إسرائيل تفوق إنسانية حكومة طهران أو الأنظمة العربية. فبحسب مجد (26 عاماً)، من محافظة بغداد، رفض الإدلاء باسمه الكامل لأسباب أمنية: “إسرائيل وبرغم احتلالها لفلسطين، أحسنت بالفعل إلى مواطنيها، وراعت حقوق سجنائها، وتقدّم لهم الخدمات والرعاية الصحية، فيما تفتقر إيران والعالم العربي والإسلامي، إلى مثل هذه الحقوق”.

مثل هذه الآراء، وبرغم صواب جانبها المتعلق بانعدام حقوق الإنسان في بعض البلدان العربية والإسلامية، ولكن تأثرها بالإعلام الإسرائيلي واضح بشكل كبير، حيث توجه إسرائيل، ماكينتها الإعلامية نحو العراق، عبر صفحات رسمية ووهمية عدة، أبرزها “إسرائيل باللهجة العراقية” على فيسبوك، التي يؤكد مجد أنه أحد متابعيها بعد سؤاله، وقد طالته انتقادات وتهديدات بالقتل، بسبب دعمه لإسرائيل على أحد المنشورات، ما دفعه لحذف تصريحاته.

فيما يبدي مالك الوائلي (27 عاماً)، من محافظة بابل، تأييده للقضية الفلسطينية بشكل عام، وحق الفلسطينيين في تحرير أرضهم، ولكنه ينتقد العمليات التي تنفذها منظمة حماس، نظراً إلى الدعم الإيراني لها، ويرى استحالة أن تقدّم طهران دعمها لأي منظمة غير تابعة أو مؤيدة لسياستها أو مصالحها في المنطقة. ويستدل في رأيه على الدعم الذي تقدّمه إيران لبعض المجاميع المسلحة والحزبية داخل العراق، نظير خدمة مصالحها، وارتداد ذلك بشكل سلبي على الأوضاع الداخلية في البلاد.

وتالياً يعتقد في حديثه إلى رصيف22، أن عمليات حماس الأخيرة، هي مجرد توظيف إيراني للقضية الفلسطينية، وتنبع من محاولاتها لإشغال العالم عن مخطط أوسع تسعى إلى تحقيقه في المنطقة.

ويقول الوائلي: “لو كانت إيران تسعى حقاً لدعم فلسطين، فما هي أسباب تأخرها عن دعمها عسكرياً بشكل مباشر، ووقف الويلات التي حلت بقطاع غزة، لا سيما أنها تمتلك القدرات والمؤهلات لخوض هذه الحرب؟”

وبالضد من ذلك، يؤكد سعد مجبل (24 عاماً)، من محافظة النجف الأشرف، تضامنه مع غزة، بناءً على الإرشاد الذي تلقّاه من أحد المكاتب المرتبطة بحزب الله العراقي، والمقرب من طهران، ويشير إلى أن “معلوماته عن القضية الفلسطينية كانت شبه معدومة، قبل ذلك، ووقّع بالفعل على وثيقة للتطوع من أجل القتال في فلسطين، وزّعها عليهم هذا المكتب”.

ويلفت في تصريحه لرصيف22، إلى أن “تأييدي للقضية الفلسطينية مرتبط بتأييد المرجعية الدينية في إيران لها، والمتمثلة في خامنئي، وهي أولى بالتقليد لدى أي مناصر لفلسطين”، مؤكداً عدم جدوى المواقف العربية التي اعتادت على التنديد وسارت في طريق التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.

الطائفية في العراق

لم تكن الطائفية بعيدةً عن صراع الرأي العراقي، الخاص بالتضامن مع فلسطين المحتلة، وسببت لغطاً كبيراً داخل المجتمع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي في آن واحد.

يشبه رامي الجبوري (37 عاماً)، من محافظة كربلاء، “الخذلان الذي تبديه الطائفة السُنّية في العراق أو الدول السُنّية، بخذلان بني أمية للحسين”، فيما يؤكد ثبات الموقف الشيعي في نصرة فلسطين، بالضد من إسرائيل والعالم، والذي عبّر عنه قادة الأحزاب الشيعية والحشد الشعبي ووفود المقاتلين الشيعة المتواجدين قرب الحدود اللبنانية الفلسطينية.

وكان القيادي في الحشد الشعبي، الملقّب بأبي عزرائيل، قد أكد على صفحته الشخصية في موقع إكس، وجوده في منطقة الناقورة، على الحدود اللبنانية الفلسطينية، استعداداً لأوامر التدخل العسكري في فلسطين، رداً على اتهامه بالكذب في ما يخص مكان وجوده.

كما يؤكد نزار السوداني (28 عاماً)، من محافظة كربلاء أيضاً، أن “الشيعة برزوا في الدفاع عن حقوق فلسطين، وسارعت مرجعياتهم كافة إلى نصرة قضيتها، فيما تجاهلها السُنّة، اقتداءً بالتطبيع الحاصل في بلدانهم، حيث لم تشهد مناطقهم أي تظاهرة أو موقف لنصرة فلسطين حتى الآن”.

يُذكر أن مكتب المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني، أصدر في 11 تشرين الأول/ أكتوبر الحالي، بياناً دعا فيه إلى إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني، ودعم حقوقه في الحرية واستعادة أرضه، وهو التصريح الذي عدّه البعض دعوةً إلى الجهاد في فلسطين. كما دعت مرجعيات أخرى إلى نصرة القضية وعدّها مصيريةً لجميع المسلمين.

لكن في المقابل، يقول خالد الزوبعي، من محافظة بغداد، إن “التظاهرات عمّت مختلف المحافظات السنّية، وندد شيوخ الدين بالعدوان الإسرائيلي، ولكن الجهات الإعلامية لا تسلّط كاميراتها على هذه التظاهرات، من أجل تعميق الطائفية داخل المجتمع، والتي تخدم مصالح خارجيةً”.

وجدير بالذكر أن المجمع الفقهي الأعلى، وهو هيئة الإفتاء السُنّية في العراق، قد أفتى في 8 تشرين الأول/ أكتوبر الحالي، بوجوب الدفاع عن فلسطين، كما دعا إلى فتح مراكز للتطوع والتعبئة من أجل فلسطين. كما شهدت مساجد محافظة بغداد ومحافظات سُنّية أخرى، حملة تكبيرات جماعية، مساء الـ27 من تشرين الأول/ أكتوبر، نصرةً للقضية الفلسطينية، تلتها مسيرة شعبية تضامنية في منطقة الأعظمية وسط بغداد.

يقول محمد الفهداوي (41 عاماً)، من محافظة الأنبار، وهو أحد المشاركين في الاعتصامات الحاصلة في منفذ طريبيل الحدودي مع الأردن، إن “اعتصامنا من أجل فتح الحدود نحو فلسطين، مستمر إلى اليوم”، وينبّه في تصريحه لرصيف22، إلى “عدم صحة الحديث عن تخاذل السُنّة عن دعم فلسطين”، ولكنه يتساءل عن أسباب تبدّل مواقف بعض مرجعياتهم، لا سيما تلك التي كانت تنادي بترك قضية فلسطين، وعدّها قضيةً ناصبية، لا تخص الشيعة، بالإضافة إلى ما عايشه فلسطينيو العراق، من عمليات تهجير وقتل شنّتها ضدهم الجماعات المسلحة الشيعية، إبان الصراع الطائفي عام 2006.

وتخمن دراسات وتقارير صحافية، بأن أكثر من 25 ألف فلسطيني هُجروا من بغداد إبان الحرب الحرب الأهلية العراقية بين عامي 2006 و2008، وقُتل أكثر من 600 آخرين على الهوية في سيطرات وهمية، أو مداهمات على بيوتهم.

يقول الباحث الاجتماعي عدنان ثامر، إن “الشخصية العراقية عنادية بشكل كبير، وتستهوي معارضة الآخر، بل نفسها أحياناً، وهو ما يعزز التناقض الداخلي فيها، وتالياً لا يتوقف صراع الرأي الحاصل حالياً على تأثر المجتمع بالماكينات الإعلامية الصهيونية الموجهة إلى العراق، بل هو صراع داخلي موجود منذ القدم”.

وعن سبب إثارة الطائفية في هذه المسألة، يؤكد في حواره مع رصيف22، أن “العراقي لطالما عُرف بتعلّقه بالمسألة الطائفية، وتعزز هذا التعلق الويلات ذات الصبغة الطائفية التي مرّ بها بعض الأفراد، فعلى سبيل المثال، مقتل مواطن شيعي بسبب الأحداث الطائفية أو تفجير انتحاري أو الحرب ضد تنظيم الدولة، سيدفع بمحبّيه وعائلته، إلى الحقد على السنّة، وكذلك بالنسبة للمجتمع السنّي”.

ويرى أن “التوجيه الحزبي يلعب دوره في هذه المسألة، إذ استغلت بعض الأحزاب أو الشخصيات السياسية هذه الأزمة من أجل تحريك جيوشها الإلكترونية وإثارة الفتنة داخل المجتمع من جديد، وتالياً بدلاً من اتحاد الناس حول موقف معيّن، يفضّلون التشتت فرقاً مختلفةً”.

مهند فارس

المصدر: موقع رصيف 22




قصص “الطفل الناجي في غزة”… الموت يملأ المستقبل

ليس فيلماً أمريكياً لبيتر غوتيرغ، إنما هي قصص حقيقية أبطالها أطفال ورضّع فلسطينيون في غزة، قتلت صواريخ الطائرات الإسرائيلية عائلاتهم، بينما كانوا آمنين نائمين، ليتحولوا إلى ناجٍ وحيد شاهد على فصول الجريمة، كفرع شجر يترعرع وحيداً على جانب الطريق، هشاً قلقاً أمام الغارات.

ففي أولى الصور، يظهر رضيع نجا من قصف الاحتلال في قطاع غزة ملفوفاً برداء ملطخ بالدم ورأسه الصغير مصاب بخدوش، بينما لُفّت يده بضمادة، ولم يُعرف الاسم الذي منحه إياه ذووه عند ولادته. قُدّر لهذا الطفل أن ينجو وحده من العدوان الإسرائيلي، الذي استهدف مبنى تقطنه عائلته في قطاع غزة. تقول العاملة في القطاع الطبي إنه نُقل إلى مركز عملها من مستشفى كمال عدوان، وإنه لا معلومات حول هويته.

كان أنس صابر (عامان)، محظوظاً برغم ما حلّ به من مأساة، فهو على الأقل يحتفظ باسمه ولقبه، منذ انقض الموت على عائلته فنجا هذا الصغير وحيداً.

على الجانب الآخر، وبرغم أن أهالي القطاع ومنهم عائلة الطفلة تالا أبو دقة، مجمعون على فكرة واحدة، وهي أن يناموا مع أبنائهم جميعاً في الغرفة نفسها حتى إذا نزلت قذيفة على البيت، يموت كل أفراد العائلة معاً كي لا يبقى أحد حياً، ويتحسّر على الأموات، إلا أن القدر سبقهم، إذ فقدت الطفلة والديها وأشقاءها، فيما تمكنت طواقم الدفاع المدني من انتشالها من بين الأنقاض، ليحتضنها عمها الذي فقد هو الآخر بقية أفراد عائلته.

أعداد هؤلاء الأطفال، ممن فقدوا عوائلهم، وصُنّف قسم منهم مجهولي الهوية، بالعشرات، خاصةً لعدم تمكّن الطواقم من رفع أنقاض الكثير من المباني والشقق السكنية التي قُصفت على رؤوس ساكنيها، وبعضهم يقطن وحيداً في زوايا مشافي القطاع، وآخرون تولّى أمر رعايتهم بعض المواطنين النازحين بشكل مؤقت.

أطفال غزة لا يصنعون العبوات في أوقات فراغهم، بل هم كسائر أطفال هذا العالم، يحبون الألعاب والحلويات ويخططون لرحلة المدرسة ويتحمسون لأي مغامراتٍ جديدة (سِوى الحرب). كان من المفترض أن “يصبحوا على خير”. وعلى الرغم من هذا كله، قتلت إسرائيل ومنذ بداية الحرب التي تشنها على غزة، ما يزيد عن 3240 طفلاً، فيما لا يزال 1020 آخرون تحت الأنقاض، وتشكل نسبة الأطفال والنساء من حصيلة الشهداء 70%، ووفقاً لمعلومات وزارة الصحة الفلسطينية، فإن هناك على الأقل 55 عائلةً بأكملها تضررت من الهجمات وتركت أطفالها من دون ذويهم.

مدير مستشفى الشفاء الدكتور محمد أبو سلمية، قال إن بعض الأطفال سُجّلوا كمجهولي الهوية، “لعدم القدرة على التعرف عليهم، أو لأن أهلهم قُتلوا تحت القصف، مؤكداً أن عددهم يفوق الـ70 أو 80 طفلاً، وبحسب من يصلون إلى المستشفى فإن 50 إلى 60% من المصابين هم من الأطفال والنساء.

وقالت منظمة إنقاذ الطفولة، إن أكثر من مليون طفل “محاصرون” في غزة، دون مكان آمن يذهبون إليه، وحذرت من الآثار المدمرة لنقص الأدوية والكهرباء لتشغيل البنية التحتية الصحية الحيوية في القطاع.

ودعت المنظمة جميع الأطراف إلى اتخاذ خطوات فورية لحماية حياة الأطفال، وطالبت المجتمع الدولي بدعم هذه الجهود، مضيفةً أن الغارات الجوية الإسرائيلية “تقتل وتجرح الأطفال بشكل عشوائي”.

المصير المجهول

تقول الناشطة في مجال حماية الطفل إلهام أبو مصبح، إن “أطفال قطاع غزة يعانون الكثير من المآسي، ويعيشون تحت ظروف قاسية، وحرمان لأبسط حقوقهم، وتتفاقم هذه الظروف بشكل كبير بعد كل حرب، فيُقتل الكثير منهم ويصاب آخرون بإعاقات متعددة، ومشكلات نفسية صعبة، ويفقد البعض منهم عائلاتهم بشكل كامل، ويواجهون في ما بعد مصيراً مجهولاً ومعقداً. ولعدم توافر بيئة آمنة وحاضنة لهم، يتشتت عدد منهم، بينما يضطر آخرون إلى البقاء مع أقاربهم، سواء من العائلة الممتدة أو البيولوجية”.

وتضيف في حديثها لرصيف22، أن “الأطفال في غزة يفتقرون إلى حاضنة لرعايتهم، بالأخص الأطفال الذين تأثروا بالحروب وفقدوا أهاليهم، فهؤلاء حيث هم يعانون من اضطهاد وحرمان، فالقطاع يفتقر إلى مركز إيواء لهذه الفئة ولا تتوفر الإمكانات المادية والمعنوية لإنشاء مركز إيواء خاص بالأطفال المتضررين من الحروب”.

وتضاءلت خلال السنوات الماضية مشاريع الدعم النفسي للأطفال الفلسطينيين في القطاع، لضعف التمويل الدولي واتجاه الدعم العالمي إلى المتضررين في الحرب الأوكرانية، باستثناء وجود ملجأ أيتام واحد، وهو معهد الأمل للأيتام، والقبول فيه ضمن معايير محدودة وفئة عمرية معينة، كما توجد قرية للأطفال sos وهي تعمل وفق المعايير نفسها غالباً، ولا يُشترط أن يكون الطفل فاقداً الأبوين أو أحدهما. وهي تعمل على إخراج الأطفال في عمر 18 عاماً، وتفصلهم في أثناء فتره تواجدهم فيها عن المجتمع.

وتشير أبو مصبح، إلى أنه “ولعدم توفر الإمكانات والخبرات الخاصة في تقديم الرعاية الكاملة لفئة الأطفال المتضررين من الحروب وغير المصحوبين، فإن بعض الأطفال لا يوجد لهم ملجأ، وتالياً يتعرضون للعنف، وهم الفئة الأقل حظاً والأكثر تهميشاً في المجتمع، وهذا يجعل واقعهم هشاً فهم معرضون للإساءة بجميع أشكالها وأنواعها، والاستغلال وأحياناً يتم حرمانهم من فرص التعليم”.

دائماً ما يدفع الأطفال ثمن الحروب النظامية والأهلية والنزاعات والاعتداءات المسلحة أضعافاً مضاعفةً، ليس فقط لأنهم عرضة للقتل والإصابات البالغة التي تؤدي إلى العجز الجسدي على اختلاف أنواعه ودرجاته، ولكن أيضاً للآثار والرواسب النفسية المؤذية التي قد تلازم الفرد بقية حياته ولا يستطيع منها فكاكاً.

فعندما نتحدث عن مصطلح “الطفل الناجي أو الإنسان الناجي”، خاصةً في السياق الاستعماري الذي نعيشه كفلسطينيين، وتحديداً الحروب الأخيرة على غزة، وآخرها ما زالت قائمةً، فإننا نشير إلى عبء الدور النفسي الكبير الذي يعيشه الطفل، وهو يشعر بأنه بلا حضن دافئ يعانق فيه من كان يرعاه ويعتني به، وبيت آمن يأوي إليه.

محاولات النجاة

تشرح الباحثة في العلوم النفسية والاجتماعية، دعاء عبد الحميد، الآثار النفسية التي تلازم هؤلاء ما بعد الصدمة، قائلةً: “لسوء الحظ ومع الأسف الشديد، في كل صراع أو نزاع حرب، أول من يتلقى تأثيرات الحرب وممارساتها اللا شرعية واللا أخلاقية، هم الأطفال، إذ يُجبرون على مشاهدة ومعايشة مواقف كثيرة من القتل والدماء والقصف والنزوح، والانتقال من مكان إلى مكان بهدف الحصول على الأمن والأمان، وتوقف عملية التعليم والحياة الاقتصادية والاجتماعية، عدا عن مشاهد الموت لأفراد أسرهم والفقدان في أثناء الحرب وما تحمله من ممارسات فظيعة ومدمرة كالمجازر والأشلاء، وغيرها الكثير مما لا يخطر على عقل بشر”.

مع ذلك، تبقى صدمة الانفصال الجسدي والعاطفي عن العائلة أو الوالدين أو أحدهما، من أكثر صدمات الحروب التي يعاني منها الأطفال، ويظهر تأثيرها بشكل مباشر على جوانب شخصيتهم النفسية والسلوكية والعاطفية والمعرفية؛ لأن الحرب بالنسبة للطفل لا يمكن إدراكها، فهي كالوحش الذي يأكل ولا يرحم، يهدم الأحلام ويحطم المعنويات، وهذا ينعكس سلباً على الطفل لأن في اعتقاده أن البيت والعائلة هما الملاذ الآمن، فلما قُصف البيت، ورحلت عنه عائلته، لم يعد هنالك أمن وأمان. ببساطة فإن إدراك الطفل لمفهوم الأمان، هو بيت وعائلة، فلماذا يُحرم منهما؟

يبدأ التكوين النفسي لشخصية الطفل، بحسب الباحثة عبد الحميد، “بممارسة آليات نفسية شعورية ودفاعية ليحمي الأنا ويحاول استيعاب ما يحدث. ومع الأخذ بعين الاعتبار شدة الموقف الصادم الذي تعرض له الطفل، ومدته الزمنية، عدا عن شخصية الطفل وخصائصها كالتقبل والتكيف والمرونة النفسية بالإضافة إلى خبرات عنف سابقة كمعايشة حروب وأحداث سياسية صعبة متكررة، تتفاوت الاستجابات النفسية والسلوكية للطفل مثل التعلّق الزائد بأقرب شخص موجود معه، الصمت/ الخرس الانتقائي، القلق، مشكلات سلوكية، اضطرابات النوم، اضطراب ما بعد الصدمة، الاكتئاب، اضطرابات المزاج المشوش/ أو التخريبي، التبول اللا إرادي، اضطرابات الطعام وغيرها من المشكلات والصعوبات التي سيعاني منها الطفل”.

وفي سؤالنا عن أبرز احتياجات هؤلاء الناجين الوحيدين من الأطفال، تقول لرصيف22، إن “أبرز احتياجات الطفل خلال الحرب وبعدها، تتركز جُلّها في البقاء على قيد الحياة، أي محاولة النجاة بأقصى قدر ممكن، وذلك يكون من خلال البحث عن الأمان كحاجة إنسانية وبشرية، أي الشعور بالأمان العائلي على الأقل في فترة الحرب، بأني مع عائلتي، مع أناس أعرفهم ويعرفوني. إلا أنه عند الحديث عن احتياجات الطفل الناجي ما بعد الحرب، في ظل حقيقة أنه لم يعد هنالك شخص قريب منه يلجأ إليه ويعيش معه ويحتويه؛ فهذا يعني أن الطفل الناجي يعاني من أعراض صدمة نفسية يحاول فيها تفعيل آليتيّ إنكار حقيقة الوضع الذي هو عليه، ومحاولة اختبار الواقع وتفحصه وذلك يكون بعزل أنفسهم عن الانخراط في الحياة الاجتماعية والدراسية وأي مجالات من شأنها أن تبني أساليب تكيّف عند الطفل الناجي”.

خلاصة القول، يجب أن يكون هنالك دور فاعل لمساعدة الطفل الناجي في التعافي مما مرّ به، بهدف تلبية احتياجات النفسية والاجتماعية، وذلك يكون بتجنيبه العجز المكتسب؛ لأن هذا يمكن أن يفاقم من الشعور باليأس والمعاناة (تقلبات مزاجية وشعورية سلبية بين غضب وإحباط وحزن)، وزيادة الإجهاد والتوتر، وتطوير الاستعداد للإصابة بالأزمات والاضطرابات النفسية، وتدهور الصحة العامة، وانخفاض جودة الحياة، وفقدان الأمل في إجراء تحسن في حياتهم، وفقاً لرأي المختصة دعاء عبد الحميد.

منى حجازي

المصدر: موقع رصيف 22




في ظل انقطاع الاتصالات: كيف ينقل المراسلون الأخبار من غزة؟

أمطرت القنابل غزة لمدة 19 ساعة متواصلة؛ حيث أمضى وجيه أبو ظريفة، صحفي ومدير “وايت ميديا”، الليلة الأولى من الحرب مختبئًا في منزله، يراقب الأخبار ويحاول التخطيط لتغطية الأسبوع لفريقه المكون من 15 صحفيًا. وفي صباح يوم الأحد، عندما وصل إلى مكتب “وايت ميديا” في شارع الوحدة، وجد المبنى بأكمله قد تعرض للقصف. وبرزت من جانبها نتوءات فولاذية شوهتها صدمة الانفجار. وتناثرت الأنقاض عبر الطريق، مما أدى إلى ظهور أعمدة من الغبار. وتناثرت رزم من أوراق المكتب على الأرض.

قال أبو ظريفة: “لقد فقدنا كل شيء؛ السترات الواقية من الرصاص ونظام الصوت والإنترنت وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وأجهزة الكمبيوتر وكل ما كان لدينا.. لقد فقدناها في دقيقة واحدة”.

ولكن في مكان ما وسط الحطام، كان هناك بصيص من الحظ: لم يكن أي من موظفيه هناك عندما تم قصف المبنى، كما لم تكن كاميراتهم كذلك.

ومنذ بدء الصراع بين إسرائيل وحماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، قُتل ما لا يقل عن 24 صحفيًا، وفقًا للجنة حماية الصحفيين، وهي المنظمة غير الحكومية؛ حيث قالت إن هذا الرقم أكبر مما حدث في كل الحروب السابقة في غزة منذ عام 2001.

وقد قُتل أكثر من 5000 شخص هناك منذ بدء الصراع. كما أن الخدمات تنهار، ويخشى الكثيرون في القطاع الإنساني من وقوع كارثة وشيكة. إن مثل هذه الظروف هي التي تشتد الحاجة فيها إلى الصحافة، ومع قلة عدد وسائل الإعلام الدولية القادرة على دخول غزة، تقع مسؤولية إعداد التقارير على عاتق الصحفيين الفلسطينيين المحليين، الذين يضطرون إلى العمل وسط انقطاع الكهرباء والإنترنت، ونقص الغذاء والماء، والخوف المستمر من الموت، كما اضطر معظمهم إلى الفرار من منازلهم، ولقد فقد الكثيرون أفرادًا من عائلاتهم، وقد تم استهداف البعض بشكل مباشر نتيجة لعملهم؛ لكن العديد من الصحفيين في غزة استمروا في العمل على الرغم من هذه الضغوط، واكتشفوا طرقًا للبقاء على الإنترنت ومواصلة نقل الأخبار.

وبالنسبة لظريفة – الذي عاش في غزة لمدة 55 سنة وقام بتغطية صراعاتها لمدة 30 سنة – فإن تدمير مكتب شركة “وايت ميديا” لم يكن ليثنيه عن ذلك.

في صباح ذلك اليوم الأول؛ بدأ فريقه عملية إعادة البناء، وكان المطلب الرئيسي هو الطاقة: فقد بدأت إسرائيل بقطع الكهرباء عن غزة، لذلك أصبحوا مبدعين، فقاموا بتسخير الطاقة الشمسية، والبحث عن المولدات، والحصول على بطاريات محمولة كبيرة جدًا للشحن أثناء التنقل. والآن، يسافر صحفيوه في كثير من الأحيان سيرًا على الأقدام عبر قطاع غزة الذي يبلغ طوله 25 ميلًا من أجل توفير الوقود لمولداتهم.

ولقد وجدوا مساحة مكتبية جديدة في منطقة الرمال الشمالية بمدينة غزة؛ حيث نقلوا عملياتهم هناك. وبعد يومين، تم قصف المبنى المجاور، وتحطمت نوافذ مكتبهم الجديد. وعلى الرغم من الأضرار؛ قرروا البقاء هناك، وقال ظريفة: “لا توجد أماكن آمنة في غزة. لقد دمروا معظم المدينة. ويقع المكتب الجديد في منطقة قريبة من مستشفى الشفاء، لذا فهو أكثر أمانًا من الأماكن الأخرى”.

بدأ العديد من الصحفيين في استخدام المستشفيات والمناطق المحيطة بها كمكاتب مؤقتة، على أساس أنهم أقل عرضة للاستهداف، وفي مستشفى ناصر في مدينة خان يونس الجنوبية، أقام أكثر من 150 صحفيًا مخيمًا على أرض المستشفى، بما في ذلك نجل وجيه أبو ظريفة، صامد، الذي قال: “أقضي يومي محاولًا شحن هاتفي والكاميرا، والوصول إلى الإنترنت غير المستقر، ونقل القصص الإنسانية من المستشفى والمشرحة، التي لا تزال تمتلئ مرارًا وتكرارًا”.

لكن فكرة توفير المستشفيات للحماية أصبحت موضع تساؤل الأسبوع الماضي بسبب حادثة أظهرت مخاطر التغطية الصحفية عن هذا الصراع وسبب أهمية القيام بذلك عن قرب، ففي حوالي الساعة السابعة مساءً بالتوقيت المحلي يوم الثلاثاء 17 تشرين الأول/ أكتوبر، تعرض مجمع المستشفى الأهلي في وسط مدينة غزة لانفجار ضخم. وكانت التقارير الأولية مرعبة: فقد قُتل المئات بحسب ما زُعم. بالنسبة لظريفة، كانت المهمة الأولى هي التحقق من سلامة زملائه، ثم: أرسل شخصًا إلى هناك للتغطية الصحفية.

وبينما كان الصحفيون المحليون مثل ظريفة يتدافعون للوصول إلى مكان الحادث، توزعت الروايات حول ما حدث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبدأ محللو الاستخبارات مفتوحة المصدر في البحث عن لقطات من القنوات الإخبارية وكاميرات المراقبة، وإنشاء رسومات ثلاثية الأبعاد للمستشفى، واستشارة خبراء الذخائر وتحليل صوت الانفجار.

أصدرت مجموعات بحثية محترمة، بما في ذلك “فورينزيك أركيتكشر” و”بيلنجكات”، نتائج كانت بعيدة عن أن تكون قاطعة؛ حيث قال البعض إن السبب ربما كان قنبلة إسرائيلية، والبعض الآخر صاروخ تم إطلاقه بشكل خاطئ من داخل غزة. بعد وقت قصير من الغارة، أصدر الجيش الإسرائيلي مقطعًا صوتيًا يُزعم أنه يُظهر اثنين من مقاتلي حماس يناقشان صاروخًا لم يتم إطلاقه بشكل صحيح وأصاب المستشفى، وطلبت القناة الرابعة الإخبارية في المملكة المتحدة من صحفيين محليين مستقلين تحليل المقطع الصوتي، الذين وجدوا أن “اللغة واللهجة واللغة المحلية وبناء الجملة والنبرة” ليست ذات مصداقية. في الأساس، أوضحت القناة الرابعة أن المقطع مزيف.

بين التغطية الصحفية والبقاء على قيد الحياة، يتعين على الصحفيين في غزة أيضًا الحفاظ على سبل العيش التي كانوا يتمتعون بها قبل الحرب

وقال فرانشيسكو سيبريجوندي، مهندس الطب الشرعي الذي يساعد في التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان: “كانت المعلومات المضللة وتكتيكات الحرب الضبابية جزءًا من ترسانة الجيش الإسرائيلي لسنوات، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعمل العسكري في فلسطين، وفي غزة على وجه الخصوص”. وسيبريجوندي هو أيضًا زميل باحث في “فورينزيك أركيتكشر”، الذي انتقد رد فعل إسرائيل على الحوادث السابقة.

وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، شهدت مجموعة من الصحفيين الفلسطينيين مثل بلستيا العقاد، وبيسان عودة، ومعتز عزايزة، زيادة عدد متابعيهم إلى الملايين منذ بدء الحرب، فقد أثارت تغطيتهم الصامدة للوضع الثناء، ولكنها أدت أيضًا إلى التشكيك في موضوعيتهم، فبعد أن شوهدت العقاد وهي ترتدي قلادة عليها العلم الفلسطيني خلال مقطع فيديو، تلقت انتقادات شديدة عبر الإنترنت؛ حيث كتب أحد الأشخاص على موقع “إكس” في تعليق نموذجي للمناقشة التي جرت تحت منشوراتها: “إنها ليست صحفية، إنها حماس”.

وقالت تمارا خروب، نائبة المدير التنفيذي للمركز العربي، وهو مركز أبحاث في واشنطن العاصمة: “إن محاولات تشويه سمعة الصحفيين الفلسطينيين ورواياتهم ليست جديدة. إنها تتراوح بين حملات التشهير والاتهامات الكاذبة بدعم حماس إلى وصفها بأنها منحازة. هذا بالإضافة إلى استهدافهم بالإساءات والتهديدات عبر الإنترنت [و] الرقابة على منصات التواصل الاجتماعي”.

إن فكرة أن الصحفيين ليسوا محايدين – أو حتى أنهم مرتبطون بالمقاتلين – يمكن أن تعرضهم للخطر، فكثيرًا ما وجد العاملون في مجال الإعلام أنفسهم على خط النار. ففي آيار/ مايو 2021، قصف الجيش الإسرائيلي مكاتب وكالة أسوشيتد برس في غزة؛ حيث أعطى الموظفين مهلة ساعة للإخلاء قبل ضربها بالصواريخ، وزعم الجيش الإسرائيلي أن مقاتلي حماس كانوا يستخدمون المبنى أيضًا. وفي أيار/ مايو 2022؛ قُتلت الصحفية في قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة بالرصاص أثناء تغطيتها لمداهمة للجيش في الضفة الغربية. لعدة أشهر، ادعى الجيش الإسرائيلي أنه غير مسؤول، قبل أن يعترف في نهاية المطاف بوجود “احتمال كبير” لكونه الفاعل.

قبل حوالي أسبوعين، في 9 تشرين الأول/ أكتوبر، قُتل الصحفيان سعيد الطويل ومحمد صباح، عندما قصفت طائرات حربية إسرائيلية منطقة تضم عددًا من دور الإعلام في منطقة الرمال غرب قطاع غزة.

وقال شريف منصور، منسق برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في لجنة حماية الصحفيين: “إن غالبية القتلى هم من الصحفيين الفلسطينيين المحليين المستقلين والمصورين الصحفيين الذين يفتقرون إلى موارد السلامة، أو دعم غرفة الأخبار، أو يمكنهم الآن الوصول إلى العالم الخارجي بسبب نقص الإنترنت والكهرباء”.

يشعر العديد من الصحفيين أنه ليس لديهم خيار سوى الاستمرار في توثيق الحرب

بين التغطية الصحفية والبقاء على قيد الحياة، يتعين على الصحفيين في غزة أيضًا الحفاظ على سبل العيش التي كانوا يتمتعون بها قبل الحرب. بالنسبة لأمل حلس، وهي صحفية تعمل في جنوب غزة، فإن التحدي الأكبر هو الموازنة بين عملها ودورها كأم؛ حيث وتقول: “كلما أترك أطفالي، فإنهم يحتاجون إلى عناقي ولمسة يدي لتخفيف خوفهم من الانفجارات”. في بعض الأحيان، تقضي الليل بعيدًا عن المنزل لمواصلة تغطيتها.

أصبحت مهمة البقاء على اتصال مع العائلة والزملاء صعبة بشكل متزايد؛ حيث ينتشر انقطاع الإنترنت على نطاق واسع لدرجة أن الصحفيين غالبًا ما يتنقلون بين التقارير والمستشفيات، التي يتوفر في معظمها خدمة الواي فاي، من أجل الحفاظ على اتصالاتهم مع زملائهم. وحتى في هذه الحالة، قد يستغرق تحميل مقاطع الفيديو والصور ساعات، وعادة ما يتم إجراء الاتصالات أثناء التنقل عبر إشارة الهاتف الخليوي، ولكن هذا لا ينجح أيضًا في كثير من الأحيان. ولمتابعة الأخبار، بدأ الكثيرون في حمل أجهزة راديو صغيرة تعمل بالبطاريات.

ويقول ظريفة: “في كثير من الأحيان، نفقد التغطية بسبب فصل الإنترنت. لدينا المواد، لكننا لا نستطيع تحميلها”.

وعلى الرغم من هذه التحديات، يشعر العديد من الصحفيين أنه ليس لديهم خيار سوى الاستمرار في توثيق الحرب؛ حيث قالت أمل حلس:” إذا توقفتُ أنا والآخرون عن العمل، فمن سيوصل رسالتنا للعالم حول ما يحدث في قطاع غزة؟” وتساءلت: “من سيغطي هذه الأحداث الكارثية؟ من سيغطي المجازر؟ هذا هو عملنا وواجبنا كصحفيين في غزة. غزة الجريحة في قلوبنا، وهذا هو الحافز الأكبر لنا للاستمرار”.

قال ظريفة: “إذا توقفت تلك الكاميرات عن العمل، فلن يعرف العالم ما يحدث هنا. وإذا فقدنا الكهرباء، وإذا فقدنا الإنترنت، فسوف نتوقف. وهذا ما تريده إسرائيل، أن تفعل كل شيء في الظلام”.

توم بينيت

ترجمة: موقع نون بوست




نتنياهو يستحضر أساطير دينية: خطاب المفلس عسكريًا في ساحة المعركة

لم تمض ساعة على إلقاء الناطق العسكري باسم كتائب القسام أبو عبيدة كلمة في مساء يوم الجمعة 27 أكتوبر/تشرين الأول 2023 يقول فيه للاحتلال: “أين أنتم ما زلنا ننتظركم للدخول بريًا؟”، بعد الترويج المكثف للاحتلال أنه بدأ بتوسعة عملياته البرية، حتى خرج رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو بمؤتمر صحفي، أعاد التأكيد على أنه سيواصل عمليته في قطاع غزة لتحقيق هدفه في “القضاء على قدرات حماس”.

أكد خطاب نتنياهو نواياه وهدفه في تحويل الصراع بين قوات الاحتلال والمقاومة إلى حرب دينية شاملة، واستخدم فيه مدلولات دينية من التوراة والعقيدة التلمودية الإسرائيلية، وليست المرة الأولى التي يضمّن خطابه بالدلالات الدينية، لكنها المرة التي يدعم فيها رئيس وزراء للاحتلال، بهذا الوضوح، جرائمه ضد الفلسطينيين بدوافع دينية، بعدما كان الأمر متروكًا لحاخامات الاحتلال.

نبوءة إشعياء

أكد نتنياهو في خطابه أنه سيحقق نبوءة إشعياء من خلال الحرب التي يشنها على قطاع غزة، واصفًا الفلسطينيين بأنهم أبناء الظلام، والإسرائيليين أبناء النور، قائلًا: “سنحقق نبوءة إشعياء، لن تسمع بعد، خرابًا في أرضك، سنمنح المجد لشعبك، سنقاتل معًا وسننتصر”.

وتعتبر نبوءة إشعياء واحدة من أبرز النبوءات في الكتاب المقدس، تتألف من 66 إصحاحًا، ويعود تاريخها إلى القرون الأولى قبل الميلاد، وإشعياء – كما في التوراة – كان نبيًا يهوديًا بارزًا في المملكة الجنوبية ليهوذا، ويعتبر أن “شعب مملكة إسرائيل هو شعب الله المختار الذي دخل، منذ تحرره من مصر، في خدمة الله والعيش في ألفته وسيحقق هذا الشعب نصره بإعادة بناء مملكة إسرائيل”.

وتتحدث نبوءة إشعياء عن خراب يطال مصر وسنوات يجف فيها نهر النيل: “وحي من جهة مصر: هوذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر، فترتجف أوثان مصر من وجهه، ويذوب قلب مصر داخلها. وأهيج مصريين على مصريين، فيحاربون كل واحد أخاه وكل واحد صاحبه: مدينة مدينة، ومملكة مملكة. وتهراق روح مصر داخلها، وأفني مشورتها، فيسألون الأوثان والعازفين وأصحاب التوابع والعرافين. وأغلق على المصريين في يد مولى قاس، فيتسلط عليهم ملك عزيز، يقول السيد رب الجنود. وتنشف المياه من البحر، ويجف النهر وييبس”، سفر إشعياء 19.

تذكر العماليق

أما الأسطورة الثانية التي تطرق لها بنيامين نتنياهو، ليبرر إبادته الجماعية في القطاع، فهي أسطورة عماليق التي تستمر قيادات الحركة الصهيونية في ترديدها لكيفية التعامل مع الفلسطينيين، وتذكر الأسطورة أن “قوم عماليق سكنوا شبه جزيرة سيناء وجزءًا من أرض كنعان (فلسطين اليوم)، فأكثروا حرب أنبياء بني إسرائيل حتى أمر “يهوه” النبي “موسى” باجتثاث ذكرهم من على الأرض، ومحاربتهم جيلًا بعد جيل، فأتى الأمر بعد ذلك إلى النبي “صموائيل” بإبادة قوم عماليق ودوابهم وكل ما نبض بالحياة في بلادهم”.

ويقول نتنياهو في خطابه: “اذكر ما فعله عماليق بك، يقول كتابنا المقدس” ويشير إلى نص “والآن اذهب واضرب عماليق وحرموا كل ما له ولا تعف عنهم بل اقتل رجلًا ورجلًا جميعًا، والمرأة والرضيع، والبقر والغنم، والجمل والحمار” (1 صماوئيل 15: 3).

ويصف جيرالد كرومر أستاذ علم الجريمة بجامعة “بار إيلان” العبرية، أن “عماليق” صاروا تمثيلًا لذروة الشر في التقاليد اليهودية، ولأجل هذا استخدم الحاخامات وغيرهم من العوام مصطلح “عماليق” للتعبير عن الشعوب التي تُهدد الوجود اليهودي، وكانت قد تأسست منظمة صهيونية باسم “مراقبة القاتل” للتحري عن أماكن المقاومين الفلسطينيين وتقديمهم للمحاكمة بهدف إبادتهم، ورفعت المنظمة شعار “تذكَّر عماليق”.

إضفاء الطابع الديني على الإبادة الجماعية للفلسطينين

يقول الكاتب والباحث في التاريخ القديم والتوراتي أحمد الدبش إن جوهر المشروع الصهيوني استيطاني اجتثاثي إحلالي، فالصهيونية لم تكن تتوخى -بخلاف الكولونيالية الكلاسيكية، فقد ارتكبت الحركة الصهيونية أشكالًا من الإبادة الجماعية في فلسطين، استنادًا إلى الأيديولوجيا الدينية – الكتاب المقدس، لتكون مكونًا أساسيًا من مكوناته الأيديولوجية.

ويضيف الدبش في حديثه لـ”نون بوست” أن الحكومات الصهيونية المتعاقبة في حروبها ومواجهاتها الدائمة للعرب، الفلسطينيين وغير الفلسطينيين، تستند إلى فلسفة ونظريات الإرهاب الديني المستقاة من التوراة، فثمة غايات دنيوية وسياسية غلّفها كتبة التوراة وكبار الحاخامات، وخرجت ونشرت في أمهات الكتب اليهودية، بعقائد أضفوا عليها صفة الدين، وأصبح أتباعها المؤمنون بها يمارسون الإبادة الجماعية والقتل على أنها طاعة للرب، عبر حقب تاريخية مختلفة.

محسن صالح: حتى ونحن نتعامل مع العلمانيين مثل نتنياهو، فلا بد لنا من الإشارة إلى تشكيلة حكومته واستجابة نتنياهو في خطابه لهذه التشكيلة، التي تضم في جزء كبير منها أتباع الصهيونية الدينية

على سبيل المثال، يستعرض شابيرا، حاخام صهيوني، ما اعتبره عشرات الأدلة من التوراة والتلمود وإرث الحاخامات القدماء، التي تسمح بقتل الأغيار في كتابه “شريعة الملك” أو “تورات هميلخ” بالعبرية، حيث يقول: “اقتلوا كل من يشكل خطرًا على إسرائيل، رجلًا كان أم طفلًا أم امرأة”، ويرى شابيرا أنه يتوجب على الجنود اليهود أن يبادروا لقتل الأغيار حتى دون أن يتلقوا أوامر من قيادتهم بذلك، ولا يفتي شابيرا بقتل غير اليهود فقط، بل يدعو للمس بأولئك اليهود الذين ينتقدون السلوك العنيف ضد الأغيار، حيث ورد في كتابه: “ويتوجب تعقب ومطاردة من يضعف كلامه مملكتنا”.

ويشير الكاتب والباحث في التاريخ القديم والتوراتي الدبش إلى فتاوى تحث على القتل العشوائي للمدنيين، وتدّرس في المدارس الدينية العسكرية، منها فتوى وقّع عليها عدد من كبار الحاخامات اليهود الذين يشكلون ما يعرف بـ”رابطة حاخامات أرض إسرائيل”، برئاسة دوف ليثور، الحاخام الأكبر بمستوطنة “كريات أربع”، الذي يحظى بقبول كبير في أوساط الضباط والجنود المتدينين.

وقد أباحت الفتوى لجيش الاحتلال قصف التجمعات السكانية الفلسطينية دون تمييز، واستند إلى هذه الفتوى عدد من الوزراء الإسرائيليين المتدينين لتبرير دعواتهم للمس بالمدنيين الفلسطينيين في أثناء الحروب التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على غزة سواء أواخر عام 2008 أم في صيف 2014، وجاء في هذه الفتوى: “الشريعة اليهودية تبيح قصف التجمعات السكانية المدنية الفلسطينية، والتوراة تجيز إطلاق قذائف على مصدر النيران حتى لو كان يوجد فيه سكان مدنيون”.

لماذا يستخدم نتنياهو مدلولات دينية لقتل الفلسطينيين؟

الكاتب ومدير مركز الزيتونة للدراسات والأبحاث محسن صالح، يقول إن الحركة الصهيونية نفسها تتضمن عناصر دينية، وفكرة إنشاء كيان يهودي في فلسطين والحق التاريخي لهم فيها يقوم على مزاعم دينية “اجمع اليهود في فلسطين” إلى آخره، ويتداخل الفكر الصهيوني العلماني والفكر الديني في هذه الأفكار.

ويوضح صالح في حديثه لـ”نون بوست” أن الجناح العلماني الصهيوني غير المتدين، والليكود الذي يتزعمه نتنياهو جزء رئيسي فيه يتعامل مع كتابهم المقدس التوراة والتلمود باعتباره يمثل الوعي الجمعي لليهود وحالة الفهم المشترك التي تجمع اليهود، وللتوراة والتلمود مدلولات أساسية في بيئتهم الفكرية العلمانية، والمشروع الصهيوني يلجأ إلى الجوانب الدينية حين يواجه خطرًا، ويصدره كملجأ روحي وللتقوّي به معنويًا.

“حتى ونحن نتعامل مع العلمانيين مثل نتنياهو، فلا بد لنا من الإشارة إلى تشكيلة حكومته واستجابة نتنياهو في خطابه لهذه التشكيلة، التي تضم في جزء كبير منها أتباع الصهيونية الدينية، فهو بذلك يتجاوب مع بيئة الحكومة، ويريد أن ينزل التوراة على الحياة اليومية لليهود، وفيها نوع من الاستناد للبيئة الشعبية التي منحته تفويض تشكيل الحكومة” يشير صالح.

ويؤكد مدير مركز الزيتونة للدراسات والأبحاث أن خطاب نتنياهو الأخير ليس بجديد على لغته، فقد لاحظ المركز من خلال دراسة للوثائق خلال السنوات الماضية، أن نتنياهو يستخدم هذا في خطابه ويتحين فرص إدخال مفاهيم تؤكد بالنسبة له شرعيتهم التاريخية والدينية في الأرض المقدسة، ولكنه لم يكن ظاهرًا كما أصبح اليوم.

وعلى غرار صالح، ينوه الكاتب والمحلل السياسي منير شفيق إلى أن نتنياهو يلجأ للتوراة لدعم موقفه، لأنه ببساطة، لا يستطيع تبرير وجود الكيان الصهيوني بالاستناد إلى واقع تاريخي صحيح ومسلم به علميًا أو مسلم به تاريخيًا، ولا يستطيع الاستناد إلى القانون الدولي أو مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، كما نستطيع نحن الفلسطينيين.

ومن الجدير بالذكر أن بعض العمليات العسكرية الكبرى أخذت مسميات توراتية، بما فيها عملية “السور الواقي” عام 2021، وهي “سيف القدس” بالتسمية الفلسطينية، التي هي نفسها ذات  مرجع ديني وتوراتي، وكذلك الأمر في عملية “بيت وحديقة” حين اجتاح الاحتلال مخيم جنين في يوليو/تموز 2023.

لعنة العقد الثامن

في وسط ذلك كله، استعمل الناطق العسكري لكتائب القسام أبو عبيدة، مصطلح “لعنة العقد الثامن” في خطابه ورسالته إلى الاحتلال، حين قال: “زمن انكسار الصهيونية قد بدأ ولعنة العقد الثامن ستحل عليهم وليرجعوا إلى توراتهم وتلمودهم ليقرأوا ذلك جيدًا، ولينتظروا أوان ذلتهم بفارغ الصبر”.

ولعنة العقد الثامن هي ما يقوله العبريون أن “مملكة داود وسليمان”، وهي الدولة الأولى لليهود، لم تصمد أكثر من 80 عامًا، وكذلك “مملكة الحشمونائيم”، وهي الدولة الثانية لهم التي انتهت في عقدها الثامن، “ولعنة العقد الثامن” اليوم هي تخوفات حقيقية في الأوساط العبرية من أن الاحتلال الحاليّ، وهو الكيان الثالث لليهود، اقترب من عقده الثامن، بـ74 عامًا على قيامه إبان النكبة الفلسطينية.

وقد أبدى رئيس وزراء الاحتلال الأسبق إيهود باراك، عام 2022، مخاوفه من قرب زوال “إسرائيل” قبل حلول الذكرى الـ80 لتأسيسها، حيث قال: “على مرّ التاريخ اليهودي لم تعمر لليهود دولة أكثر من 80 سنة إلا في فترتين: فترة الملك داود وفترة الحشمونائيم، وكلتا الفترتين كانت بداية تفككهما في العقد الثامن”.

والفارق بين نتنياهو وأبو عبيدة في خطابهما واستخدامهما مدلولات دينية، أن الأول لم يجد أوراقًا تسعفه في تبرير إبادته للفلسطينيين، فلجأ إلى أساطير دينية ليطمئن جبهته الداخلية أمام ضغوطات تتكشف يومًا بعد يومٍ لتحميله مسؤولية ما جرى، في حين استخدم أبو عبيدة المدلول الديني في إطار حربه النفسية ضد الاحتلال، بأن يعيد نبش ما يخيفهم حقًا.

نداء بسومي

المصدر: موقع نون بوست




فرنسا تنحاز بلؤم لـ”إسرائيل” في عدوانها على غزة

سجلت فرنسا اسمها في أغلب البيانات الغربية المنددة ببناء المستوطنات الإسرائيلية والتوسع على حساب الأراضي الفلسطينية، عملًا بالقانون الدولي الذي يُعدّ هذا الأمر “جريمة حرب”، لكن هذه البيانات تبقى شكلية بالنظر إلى الوقائع.

تنتقد فرنسا ظاهريًا الممارسات الإسرائيلية غير القانونية، لكنها عمليًا تدعم وتشجع كيان الاحتلال الإسرائيلي على مواصلة الاستهانة بالقانون الدولي وانتهاك المعاهدات والأعراف، وقد ظهر هذا الأمر جليًا في تعامل باريس مع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

ماكرون في تل أبيب

في الوقت الذي منعت فيه السلطات الفرنسية، التظاهر دعمًا لفلسطين، زار رئيسها إيمانويل ماكرون كيان الاحتلال الصهيوني للتعبير عن مساندته المطلقة له في حربه ضد المدنيين الفلسطينيين وعرض المساعدة الفرنسية لتوسيع الجرائم الإسرائيلية.

وصل الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى تل أبيب، وقال إنه جاء إلى هناك لكي يذكّر الجميع بـ”حقها في الدفاع عن نفسها” في وجه ما وصفه بالدمار، وأضاف في مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بالقدس المحتلة “أولويتنا وأولوية كل الديمقراطيات هي الانتصار على المجموعات الإرهابية”، قائلًا إنه يقترح بناء تحالف إقليمي ودولي لمواجهة المجموعات التي تهدد الجميع، بحسب تعبيره.

وقبل ذلك، دعا ماكرون كيان الاحتلال الإسرائيلي إلى “رد قوي وعادل” على عملية طوفان الأقصى التي شنتها المقاومة الفلسطينية على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول الحاليّ، وحث الفرنسيين على البقاء متحدين، معلنًا دعمه الكامل للاحتلال الإسرائيلي.

حظرت فرنسا المظاهرات أو أي شكل من أشكال الدعم لفلسطين

قبل ذلك، زارت رئيسة البرلمان الفرنسي يائيل براون-بيفيه تل أبيب، وعبّرت عن دعم “مطلق لإسرائيل”، وأكدت أن “لا شيء يتعين أن يمنعها عن الدفاع عن نفسها”، أي أنها تمنحها الضوء الأخضر لارتكاب أي جريمة بحق الفلسطينيين.

وتزعَّمت “يائيل براون بيفيه”، و”أوليفيه فيران”، الناطق الرسمي باسم الحكومة الفرنسية، و”ستانيسلاس غيريني”، وزير الخدمات العامة، وعدد من الشخصيات الرسمية الأخرى من رؤساء أحزاب ووزراء سابقين وعلى رأسهم الرئيس السابق “نيكولا ساركوزي” والوزير الأول السابق “مانويل فالس”، مظاهرة داعمة للكيان الإسرائيلي في باريس.

يُفهم من كل هذا، وجود ضوء أخضر فرنسي للكيان الإسرائيلي للاستمرار في عملياته العسكرية ضدّ الفلسطينيين إلى أمد غير مسمى، بغض النظر عن الضحايا المدنيين، وغالبيتهم من الأطفال والنساء، والذين قارب عددهم 8 آلاف.

إعلام منساق للرواية الإسرائيلية

خلال تغطيته للحرب الإسرائيلية ضد قطاع غزة، أظهر الإعلام الفرنسي دعمًا كبيرًا للإسرائيليين وأظهر انسياقًا تامًا للرواية الإسرائيلية، وفي حديث لرئيس جمعية التضامن الفرنسي الفلسطيني برتراند هيلبرون مع الأناضول، قال: “إسرائيل نجحت في فرض روايتها على معظم وسائل الإعلام وإنه يتم تغطية الأخبار بما يتفق مع الرواية الإسرائيلية في غالبية وسائل الإعلام”.

وأكد هيلبرون أن “إسرائيل تمتلك شبكة لممارسة الضغط على الدولة الفرنسية ومحاولة التأثير في قراراتها”، وأضاف “في الوقت الحاضر أعتقد أن أنصار إسرائيل يمارسون ضغوطًا على الدولة الفرنسية. هناك في فرنسا شبكة تابعة لإسرائيل تعمل على تصوير أي حالة تضامن مع الشعب الفلسطيني على أنها مناهضة لليهود، علمًا بأن الواقع مختلف تمامًا”.

بدورها، كشفت صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية أن الكيان الإسرائيلي دفع ملايين الدولارات، من أجل الترويج لروايتها في الحرب على غزة و”إغراق” مستخدمي الإنترنت الفرنسيين بالإعلانات المناهضة لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”.

قالت الصحيفة إن مستخدمي منصة “يوتيوب” أو ألعاب الهواتف الذكية في فرنسا، تعرضوا خلال الأيام الماضية للكثير من مقاطع الفيديو الدعائية التي أنتجتها وزارة الخارجية الإسرائيلية، بهدف حشد الرأي العام العالمي لصالح موقفها، ومن أجل مناهضة حركة حماس.

وقدرت أداة التسويق الرقمي “سيمرش” تكلفة مقاطع الفيديو الدعائية الإسرائيلية في فرنسا بـ4.6 مليون دولار، الأمر الذي يجعل باريس الأكثر استهدافًا بهذا المحتوى، وكانت ذروة هذه المشاهدات في عطلة نهاية الأسبوع يومي 14 و15 أكتوبر/تشرين الأول الحاليّ، وفق ما ذكرت “سيمرش”.

وتمكنت حملة الخارجية الإسرائيلية من تحقيق أكثر من 1.1 مليار ظهور لمقاطعها الدعائية، لنحو 535 مليون مستخدم فرنسي، وفق “ليبراسيون”، وأشارت الصحيفة الفرنسية إلى أن الكيان الإسرائيلي استثمر كذلك 2.4 مليون دولار لاستهداف المشاهدين في ألمانيا، و1.2 مليون للجمهور البريطاني.

حظر التظاهرات الداعمة لفلسطين

ضمن مسار انسياقها التام للرواية الإسرائيلية ودفاعها المستميت عن جرائم الاحتلال، حظرت فرنسا المظاهرات أو أي شكل من أشكال الدعم لفلسطين، معتبرة أن هذه الأفعال “شكل من أشكال دعم الإرهاب”، وفق قول السلطات.

ووفق السلطات الفرنسية فإن “المظاهرات في الشارع العام الداعمة لفلسطين محظورة، ويعاقب عليها بالسجن لمدة 6 أشهر، وغرامة قدرها 7500 يورو”، وفي هذا السياق وجهت وزارة العدل الفرنسية مذكرة وزارية إلى المحاكم الفرنسية تقول فيها: “البيانات التي تدعو إلى الحكم إيجابيًا في حق جريمة توصف بأنها إرهابية (التظاهر لصالح الفلسطينيين)، تشكل دعمًا للإرهاب”.

ووفقًا للمذكرة ذاتها، فإن “حركة حماس مصنفة بحسب الاتحاد الأوروبي كمنظمة إرهابية”، وأشارت المذكرة إلى أن “هذه السلوكيات (المظاهرات الداعمة لفلسطين) تسيئ إلى أسس الجمهورية الفرنسية، وتستدعي إجراءات حازمة وقوية”.

تعاملت قوات الشرطة الفرنسية بالقوة مع المشاركين في المظاهرات الداعمة لفلسطين

بدوره، أرسل وزير الداخلية الفرنسي غيرالد دارمانين، برقية إلى الشرطة، قال فيها: “يجب حظر المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين لأنها من المحتمل أن تؤدي إلى اضطرابات في النظام العام”، وأضاف “أي تنظيم لمثل هذه الاحتجاجات سيؤدي إلى اعتقال المشاركين فيها”.

وأوضح دارمانين أنه سيتم ترحيل أي أجنبي يرتكب “فعلًا معاديًا للسامية على الأراضي الفرنسية على الفور”، دون أن يوضح ماهية الأفعال المعادية للسامية، وما الذي تعتبره فرنسا معاديًا للسامية وما حدود حرية التعبير عندها.

موجة اعتقالات واسعة

ضمن موجة التضييقات الممارسة على المساندين للحق الفلسطيني، اعتقلت السلطات الفرنسية 406 أشخاص منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول الحاليّ، وفق وزير العدل الفرنسي، إريك دوبون موريتي، وتمت الاعتقالات بتهمة “معاداة للسامية”.

وقال موريتي: “من بين أكثر من 800 عمل معاد للسامية تم تسجيلها في 21 يومًا، تم اعتقال 406 أشخاص، ومن بين ما يقرب من 5300 بلاغ تلقته منصة فاروس، أدى 300 منها إلى اتخاذ إجراءات قانونية”، ولم يوضح وزير العدل طبيعة هذه الأفعال.

وأضاف إريك دوبون موريتي أنه “صدرت أحكام بالسجن”، مشددًا على أنه من الضروري “الرد بحزم وسرعة على الأفعال التي ليس لها مكان في بلادنا”، دون أن يوضح طبيعة هذه الأحكام أو مدتها أو عدد المدانين إلى الآن.

مظاهرات حاشدة

هذا التضييق الكبير لم يمنع الآلاف من الخروج إلى الشوارع، تنديدًا بالمجازر الإسرائيلية في حق الفلسطينيين، إذ شهدت أغلب المدن الفرنسية الكبرى – على غرار باريس ومارسيليا وليون – طيلة الأيام الماضية مظاهرات شعبية حاشدة تضامنًا مع الفلسطينيين.

آخر المظاهرات عرفتها العاصمة باريس، حيث خرج آلاف الأشخاص، أول أمس السبت، في مظاهرة دعمًا للشعب الفلسطيني، وردد المتظاهرون هتافات من قبيل “الإنسانية تقتل” و”غزة باريس معك” و”أوقفوا الإبادة الجماعية”، و”إسرائيل قاتلة ماكرون متواطئ معها”.

شارك في هذه المظاهرة الحاشدة نواب في البرلمان الفرنسي توشحوا كوفيات وأعلام فلسطين، ومن بينهم النائب عن حزب الخُضر أوريليان تاتشي والنائب عن حزب فرنسا الأبية اليساري جيروم لوغافر، كما شارك فيها مسؤولون محليون.

خلال هذه المظاهرات، تعاملت قوات الشرطة الفرنسية بالقوة مع المشاركين فيها، وتدخلت بغاز الفلفل والمياه ضد المؤيدين للفلسطينيين، فيما وثقت مقاطع مصورة نشرها ناشطون على منصات التواصل جوانب منها، كما أوقفت قوات الأمن المتظاهرين الذين كانوا يحملون الأعلام الفلسطينية ويضعون الكوفية حول أعناقهم، وفرضت غرامات على المئات منهم.

عائد عميرة

المصدر: موقع نون بوست




عمليات الاستنزاف.. إلى أي مدى تنجح المقاومة في إبطاء العملية البرية؟

تواصل المقاومة الفلسطينية عملياتها بشكل مكثف مع اليوم الـ 24 من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تلك الحرب التي أودت حتى اليوم بحياة أكثر من 8 ألاف شهيدًا، بينهم 3324 طفلاً و2062 امرأة و460 مسناً، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية.

وكشفت تلك المعركة تحديدًا عن قدرة المقاومة على تطوير تكتيكاتها القتالية بما يتناسب مع المستجدات والمتغيرات التي تفرضها المواجهة مع قوات الاحتلال المدعومة بشكل كبير وغير مسبوق، عسكريًا وسياسيًا وإعلاميًا، من المعسكر الغربي وعلى رأسه أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا.

وأعلنت كتائب عز الدين القسام، مساء أمس الأحد 29/10/2023 عن عملية إنزال خلف خطوط تمركز جيش الاحتلال الإسرائيلي قرب معبر بيت حانون (إيريز)، حيث وقعت اشتباكات مكثفة بين الطرفين، لم يسفر بعد عن نتائجها في ضوء تباين التصريحات وشح المعلومات والتكتم الممارس من قبل جيش الاحتلال.

وتعد تلك الخطوة تطورًا كبيرًا في إدارة المقاومة للمعركة التي نجحت حتى الآن في تغيير معادلتها بشكل كبير مقارنة بما كان عليه في السابق، الأمر الذي يثير الكثير من التساؤلات حول تأثير هذا التطور في الاستراتيجيات القتالية في مسار العملية البرية التي أعلنت عنها قوات الاحتلال داخل قطاع غزة منذ أيام ولم تستطع تنفيذها بالشكل المطلوب حتى اليوم.

إنزال في العمق.. تطور تكتيكي

للمرة الثانية خلال يوم واحد فقط، تنجح المقاومة في إنزال قواتها خلف خطوط تمركز جيش الاحتلال قرب معبر بيت حانون، حيث قالت إنها قصفت الموقع بقذاف الهاون والصواريخ، فيما قال مراسل “الجزيرة” إن فصائل المقاومة تخطط للاشتباك مع قوات الاحتلال عند المنطقة صفر بالسياج الأمني وذلك في المناطق التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية وتجيش عتادها من أجل العمية البرية داخل غزة.

واستنادا إلى قاعدة “الهجوم خير وسيلة للدفاع” تحاول المقاومة تقديم مناطق الاشتباك مع قوات الاحتلال ونقل المعركة إلى داخل أراضيه التي يحتلها قبل التوغل داخل القطاع،  وهو ما تؤكده كافة التقارير الإعلامية التي تشير إلى أنه كلما تقدمت قوات جيش الكيان بضعة أمتار داخل غزة قوبلت بهجوم مكثف من المقاومة، ما يجبرها على التقهقر للخلف مرة أخرى.

وخاض مقاتلو القسام الذين نجحوا في عملية الإنزال خلف خطوط المحتل اشتباكات ضارية من النقطة صفر وفق موقع المركز الفلسطيني للإعلام التابع لحماس، فيما أكدت قناة “الأقصى” أن المقاومة نجحت في استهداف عدد من الأليات والمدرعات العسكرية والإجهاز على بعض جنود الاحتلال بداخلها، وفي بيان للقسام قالت فيه إنها “دكت موقع إيريز الصهيوني بقذائف الهاون والصواريخ لقطع النجدات عن الآليات المشتعلة المستهدفة في محيط الموقع”.

التوغل تكرر مرة أخرى في بيت لاهيا، شمال القطاع، حيث تصدت المقاومة لقوات الاحتلال المتمركزة هناك، وقالت في بيان رسمي لها إن “مجاهديها اشتبكوا مع القوة الصهيونية المتوغلة واستهدفوا آليات العدو بقذائف (الياسين 105) الترادفية وقذائف الهاون”، ونفذوا عمليات قنص بعدما باغتوا القوات المتوغلة هناك بعد تسللهم خلف خطوطهم، هذا بجانب استهداف تجمع لأليات قوات الاحتلال في منطقة الأمريكية بطائرة الزواري الانتحارية.

ورغم عدم الإفصاح عن الخسائر الفعلية لتلك العمليات إلا أن الاحتلال أقر بإصابة ضابط بجروح خطيرة وجندي خلال الاشتباك مع مقاومين الليلة الماضية، فيما لم يذكر أي شيئ بشان خسائر القصف بالهاون واستهداف الآليات العسكرية التي كان بها العديد من الجنود الإسرائيليين.

استنزاف الاحتلال

بلغة الأرقام ووفق القواعد العسكرية فإن الفارق في الإمكانيات التسليحية والتجيشية بين فصائل المقاومة وجيش الاحتلال لا يمكن مقارنتها، فريق يمتلك جسرًا مفتوحًا من الدعم الغربي دون سقف أو حدود قصوى، بأحدث الأسلحة المتطورة، وأخر يعاني من تضييق الخناق والتشديد عليه، من الأشقاء والعدو في آن واحد.

ومن هنا فإن المواجهة المباشرة لن تكون متكافئة، وعليه تهدف تلك العمليات التي تقوم بها المقاومة خلف خطوط الاحتلال – رغم قلتها-  إلى استنزاف قدراته وتعطيلها قدر الإمكان،  وتشتيت تحركاته بين البقاء للتصدي لتلك العمليات والتوغل البري داخل القطاع.

ومما يزيد من استنزاف الاحتلال توسيع دوائر المواجهات، فالعمليات من داخل القطاع وخلف خطوطه بجانب المناوشات التي تقوم بها المقاومة في الجنوب اللبناني، سواء من القسام هناك أو حزب الله، وما يُمارس بين الفينة والأخرى من داخل الجولان، كلها تحركات تستهدف تشتيت الاحتلال، وهو الكابوس الذي يؤرقه خلال الأيام الماضية وبسببه تطلق الولايات المتحدة تحذيراتها المتكررة لإيران وحزب الله بعدم الانخراط في المواجهة.

بات من الواضح أن المقاومة كان تضع في اعتباراتها ردة الفعل تلك من قبل قوات الاحتلال، خاصة وأن الضربة كانت موجعة، وعليه كان الاستعداد في ضوء الإمكانيات المتاحة، وتدشين منظومة كاملة من الأنفاق المجهزة للتصدي للمحتل، وهي الأنفاق التي تشكل اليوم نقطة التحول في إبقاء المقاومة على خط المواجهة رغم القصف الإجرامي الشامل الذي دمر الحجر والشجر والبشر معًا

هذا بخلاف ثبات الشعب الفلسطيني وإصراره على التشبث بأرضه، ملقيًا ببيانات وتحذيرات جيش الاحتلال عرض الحائط، حتى لو كان الثمن روحه ودماءه، لكن إيمانه بالقضية مثل حجر زاوية مهم في إفشال مخططات جيش الاحتلال نحو غزو القطاع حتى الآن.

هل تؤثر في سير المعركة؟

في مثل تلك المعارك، طويلة النفس، يكون التقسيم إلى مراحل ومحطات هو الأنجح، والتعامل مع كل مرحلة على حدة هو الاستراتيجية الأكثر حضورًا في تاريخ المواجهات العسكرية من هذا النوع، وهو ما تحاول المقاومة الفلسطينية القيام به حتى الآن.

فالدفع بكل الأوراق مرة واحدة مغامرة قد تأت بنتائج عكسية، لذا كان تقسيم الحرب إلى معارك مستقلة، والتعامل مع كل معركة وفق تطوراتها وأبجدياتها، هو خيار حماس ورفقائها في الميدان، وهي الاستراتيجية التي تفاجأ بها المحتل بين الحين والأخر كلما توهم أن المقاومة على أعتاب رفع الراية البيضاء والاستسلام، فإذ به يرى تطورًا نوعيا في الأداء.

هذا التطور بجانب أنه يربك حسابات جيش الاحتلال عسكريًا فإنه بالموازاة يشكل حربًا نفسيًا على الشارع الإسرائيلي الغاضب بطبيعة الحال بسبب ما يراه فشلا للاستراتيجية التي تتبعها حكومة الاحتلال في إدارة المعركة، خاصة بعد الخسائر الفادحة في الأرواح وعدد الأسرى غير المسبوق الذي سقط بقبضة حماس.

ومن مخرجات هذا التطور الكبير في تكتيكات المقاومة ما صرّح به المتحدث باسم حماس، حازم قاسم، حين أشار إلى أن قوات الاحتلال تراجعت عن تمركزها في بعض مناطق الاشتباك بسبب تصدي المقاومة، لافتا أن لدى الحركة قدرة كبيرة على تنويع أدواتها وتغير استراتيجيتها من أجل التعامل مع كافة المتغيرات، وهو ما يربك حسابات الاحتلال خاصة إذا ما اتسع الحراك ليشمل أكبر قدر مكن من الجبهات بحيث لا يستفرد الاحتلال بقطاع غزة، على حد قوله.

وفق المؤشرات الراهنة بعد 24 يومًا على الحرب على غزة يمكن القول إن المقاومة نجحت حتى الآن في التعامل مع المعركة بأبجديات متغيرة ومتطورة، تعكس نضجها السياسي والعسكري، وذلك في حدود الإمكانيات المتاحة، لكن يبقى السؤال: إلى متى ستراهن الحركة على قدراتها المحدودة في ظل التحشيد غير المسبوق لقوات الاحتلال وحلفاءها الغربيين؟ وإلى أي مدى ستصمد المقاومة في ظل الخذلان العربي والإقليمي الفاضح؟

عماد عنان

المصدر: موقع نون بوست




دبلوماسي أمريكي سابق يكشف عن رغبة بعض المسؤولين العرب بهزيمة “حماس”

كشف المستشار في “معهد واشنطن” دينيس روس، عن مخاوف لدى بعض المسؤولين العرب من أن تنتصر حركة “حماس” في مواجهة العدوان الإسرائيلي على غزة، بحجة عدم منح إيران نفوذا وزخما في المنطقة.

وقال الدبلوماسي الأمريكي السابق في مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، إن “إسرائيل” ليست الوحيدة التي تعتقد أن عليها هزيمة “حماس”، فخلال الأسبوعين الماضيين، عندما تحدثتُ مع مسؤولين عرب في مختلف أنحاء المنطقة، الذين أعرفهم منذ فترةٍ طويلة، قال لي كل واحدٍ منهم إنه لا بد من تدمير “حماس” في غزة.

وأضاف على لسان المسؤولين (لم يسمهم): “إذا اعتُبرت حماس منتصرةً، فإن ذلك سيضفي الشرعية على أيديولوجية الرفض التي تتبناها هذه الجماعة، ويمنح إيران والمتعاونين معها نفوذاً وزخماً، ويضع حكوماتهم في موقفٍ دفاعي”.

وأشار إلى أن مواقف المسؤولين العرب العلنية كانت مغايرة لما كشفوا عنه في السر، خشية غضب مواطنيهم، في ظل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وتزايد الخسائر والمعاناة لدى الفلسطينيين، خاصة أنهم بحاجة إلى الظهور كمدافعين عن الفلسطينيين، على الأقل خطابياً.

ولفت إلى أن إدانة العدوان الإسرائيلي على غزة تصاعدت بعد قصف “المستشفى الأهلي المعمداني”، حتى أن الإمارات، التي كانت قد أدانت “طوفان الأقصى”، أصدرت بياناً أدانت فيه “الهجوم الإسرائيلي على المشفى.

وفيما يلي النص الكامل للمقال:
سيؤدي النصر المُتصور الذي تحققه “حماس” إلى تأكيد شرعية أيديولوجية الرفض، ويعطي الزخم لإيران والمتعاونين معها، ويمنع إمكانية السلام مع إسرائيل.

على مدى 35 عاماً، كرّستُ حياتي المهنية للسياسة الأمريكية المتعلقة بصنع السلام وحل النزاعات والتخطيط – سواء في الاتحاد السوفيتي السابق، أو ألمانيا الموحدة أو عراق ما بعد الحرب. ولكن لم يكن هناك ما أشغلني أكثر من إيجاد حلٍ سلمي ودائم بين إسرائيل والفلسطينيين.

في الماضي، ربما كنتُ أفضّل وقف إطلاق النار مع “حماس” إذا اندلع صراعٌ مع إسرائيل. ولكن يتضح لي اليوم أن السلام لن يكون ممكناً في أيّامنا هذه أو في المستقبل ما دامت هذه الحركة سليمة وتفرض سيطرتها على غزة. من الضرورة وضع حدٍ لقوة “حماس” وقدرتها على تهديد إسرائيل – وإخضاعها المدنيين في غزة لجولات متزايدة من العنف.

في أعقاب السابع من تشرين الأول/أكتوبر، أصبح الكثير من الإسرائيليين يرون أن بقاءهم كدولة أصبح على المحك. وقد يبدو هذا الاعتقاد مبالغاً فيه، لكنه ليس كذلك بالنسبة إليهم. فإذا بقيت “حماس” كقوة عسكرية واستمرت في السيطرة على غزة بعد انتهاء هذه الحرب، فستُقْدِم مجدداً على مهاجمة إسرائيل. وسواء فتح “حزب الله” جبهةً ثانيةً حقيقيةً لهذا الصراع من لبنان أم لا، فسوف يهاجم أيضاً إسرائيل في المستقبل. وتهدف هاتان الجماعتان المدعومتان من إيران إلى تحويل إسرائيل إلى دولةٍ غير صالحة للعيش، ودفع الإسرائيليين إلى المغادرة. وفي حين أنكرت إيران تورطها في هجوم “حماس”، إلّا أن المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي تَحدّث في الماضي عن أن إسرائيل لن تصمد 25 عاماً أخرى، وتمثلت استراتيجيته في استخدام هاتين الجماعتين الوكيلتين المسلحتين لتحقيق ذلك الهدف.

ونظراً لقوة الجيش الإسرائيلي – وهو الأقوى على الإطلاق في المنطقة – فإن أهداف إيران والمتعاونين معها بدت غير معقولة، حتى قبل بضعة أسابيع. لكن أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر غيرت كل شيء. وكما قال أحد القادة العسكريين الإسرائيليين: “إذا لم نُهزم “حماس”، فلن نتمكن من البقاء هنا”.

ليست إسرائيل الوحيدة التي تعتقد أن عليها هزيمة “حماس”. فخلال الأسبوعين الماضيين، عندما تحدثتُ مع مسؤولين عرب في مختلف أنحاء المنطقة الذين أعرفهم منذ فترةٍ طويلة، قال لي كل واحدٍ منهم إنه لا بد من تدمير “حماس” في غزة. وأوضحوا أنه إذا اعتُبرت “حماس” منتصرةً، فإن ذلك سيضفي الشرعية على أيديولوجية الرفض التي تتبناها هذه الجماعة، ويمنح إيران والمتعاونين معها نفوذاً وزخماً، ويضع حكوماتهم في موقفٍ دفاعي.

لكنهم قالوا ذلك في السرّ، أمّا مواقفهم العلنية فقد كانت مختلفة تماماً. فلم تدين سوى قِلة من الدول العربية علناً المجزرة التي ارتكبتها “حماس” والتي راح ضحيتها أكثر من 1400 شخصٍ في إسرائيل. لماذا؟ لأن القادة العرب أدركوا أن مواطنيهم سيغضبون في ظل الرد الإسرائيلي وتزايد الخسائر والمعاناة لدى الفلسطينيين، وهم بحاجة إلى الظهور كمدافعين عن الفلسطينيين، على الأقل خطابياً.

وتجلّت غريزة مراعاة مزاج الشارع بشكل أوضح عبر الإدانات السريعة لإسرائيل بعد أن زعمت “حماس” أن إسرائيل قصفت “المستشفى الأهلي المعمداني” في غزة. وقد نفت إسرائيل ضرب المستشفى، لكن في العديد من الدول العربية، تم قبول ادعاءات “حماس”. وفي تلك المرحلة، كانت عدة وكالات استخبارية وطنية قد أعلنت أن ما أصاب المستشفى هو صاروخ فلسطيني على الأرجح.

ومع ذلك، فقد رأى الناس في جميع أنحاء المنطقة – والعالم – أن إسرائيل تقصف غزة، وكانوا مستعدين للتصديق بأن ذلك أيضاً قد تم عن عمد. حتى أن الإمارات العربية المتحدة، التي كانت قد أدانت هجوم “حماس”، أصدرت بياناً لاحقاً أدانت فيه “الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف «المستشفى الأهلي المعمداني» في قطاع غزة، والذي أسفر عن مقتل وإصابة مئات الأشخاص”. كما دعت “المجتمع الدولي إلى تكثيف الجهود للتوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار لمنع المزيد من الخسائر في الأرواح”.

ومع تصاعد وتيرة القصف الجوي الإسرائيلي لغزة وارتفاع عدد الضحايا بين المدنيين، تزداد الدعوات الدولية إلى الوقف الفوري لإطلاق النار. ويطالب البعض إسرائيل بإلغاء الغزو البري، لكن إنهاء الحرب الآن سيعني فوز “حماس”. ففي الوقت الحاضر، ما زالت بنيتها التحتية العسكرية قائمةً، وما زالت قيادتها سليمةً إلى حدٍ كبير، وتبقى سيطرتها السياسية على غزة بلا منازع. وكما فعلت “حماس” بعد الصراعات مع إسرائيل في الأعوام 2009 و 2012 و 2014 و 2021، فمن شبه المؤكد أن هذه الحركة ستعيد تسليح نفسها وتستعيد نشاطها. وستتمكن من توسيع نظام أنفاقها تحت القطاع. وسيظل القطاع فقيراً، وسيكون اندلاع جولة تالية من الحرب محتّماً، الأمر الذي سيبقي المدنيين في غزة وقسماً كبيراً من بقية منطقة الشرق الأوسط رهينةً لأهداف “حماس”.

وستكون تكلفة تنفيذ حملة برية إسرائيلية باهظةً للغاية. وفي هذه الحالة، فمن المؤكد أن الجنود الإسرائيليين الغزاة سوف يفقدون أرواحهم، وسوف يقع المزيد من الضحايا الفلسطينيين، وهي المأساة التي ضمنت “حماس” وقوعها من خلال دمج نفسها وقدراتها العسكرية في المجتمعات المحلية، واستخدامها المستشفيات والمساجد والمدارس لتخزين ذخائرها. إلّا أنه لا يمكن تحقيق هزيمة “حماس” إلا بواسطة الضربات الاستراتيجية من الجو، تماماً كما تَمكّنّت الولايات المتحدة من استئصال تنظيم “الدولة الإسلامية” في مدينة الموصل في العراق، أو في مدينة الرقة في سوريا، من الجو. ففي تلك المعارك، كان لدى الولايات المتحدة شركاء محليون تولّوا القتال البري الرهيب والمكلف في المدن، بينما ألحقت القوات الأمريكية دماراً هائلاً بتنظيم “الدولة الإسلامية” من الأعلى.

ماذا تعني هزيمة “حماس”؟ قد تعني إلحاق دمار كبير ببنيتها التحتية العسكرية، التي يرتبط جزءٌ كبيرٌ منها فعلياً بالبنية التحتية المدنية، وتحطيم قيادتها، مما يترك هذه الحركة غير قادرة على عرقلة عملية إعادة الإعمار التي تهدف إلى تحقيق صيغة نزع السلاح في غزة، كما فعلت في الماضي. وفي جوهر الأمر، فإن ذلك يعني أنه لن تكون هناك قدرة على شن الحرب في غزة، ولا يمكن إعادة بناء هذه القدرة.

يجب أن توجّه هذه الصيغة واقع اليوم التالي في غزة. فسيقتضي ذلك بقاء إسرائيل في غزة بعد انتهاء القتال إلى أن تتمكن من تسليم السلطة إلى نوعٍ ما من الإدارة المؤقتة لمنع حدوث فراغ والبدء بتنفيذ المهمة الشاقة المتمثلة في إعادة الإعمار. وينبغي أن تُدار هذه الإدارة إلى حد كبير من قبل تكنوقراط فلسطينيين – من غزة أو الضفة الغربية أو الشتات – تحت مظلة دولية تشمل دولاً عربية وغير عربية. وستحتاج الولايات المتحدة إلى حشد هذه الجهود وتنظيمها، ربما باستخدام مظلةٍ ما مثل “الأمم المتحدة” أو “لجنة الاتصال المخصصة” للمانحين للشعب الفلسطيني، أو حتى من خلال العمل بناءً على اقتراح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون القاضي باستخدام التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” لمواجهة “حماس”. ومن الممكن أن يساعد مثل هذا التحالف على تقسيم العمل كما يلزم.

على سبيل المثال، بإمكان المغرب ومصر والإمارات العربية المتحدة والبحرين توفير الشرطة – وليس القوات العسكرية – لضمان الأمن للإدارة المدنية الجديدة والمسؤولين عن إعادة الإعمار. كما بإمكان المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر توفير الجزء الأكبر من التمويل اللازم لإعادة الإعمار، الأمر الذي يفسر الدور الضروري الذي تؤديه هذه الدول لتخفيف معاناة الفلسطينيين في غزة ومساعدتهم على التعافي. وبإمكان كندا وغيرها من الدول توفير آليات الرصد لضمان وصول المساعدات إلى غاياتها المقصودة.

وليس هناك شك بأن المزاج الذي سيسود في غزة بعد انتهاء القتال سيكون متعكراً ومشحوناً بالغضب. فقد قُتل آلاف المدنيين، وفقاً لوزارة الصحة التي تديرها “حماس” في غزة، وأصبحت مساحات شاسعة من هذا القطاع غير صالحة للسكن. لكن تجدر الإشارة إلى أن استطلاعات الرأي التي أجريت قبل وقتٍ قصيرٍ من هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر كشفت أن 62% من سكان غزة كانوا يعارضون خرق “حماس” لوقف إطلاق النار مع إسرائيل في ذلك الحين. ويمكن أن يساعد إدخال المساعدات إلى غزة بسرعة والبدء بجهود إعادة الإعمار حالما يتوقف القتال، في الإظهار لسكان القطاع أن الحياة قد تتحسن عندما تتوقف “حماس” عن منع إعادة بناء غزة.

وستؤثّر الطريقة التي ستقوم بها إسرائيل بحملتها البرية على كل ذلك، بل وحتى في إمكانية تجسيد هذا الواقع في المستقبل. ولكي تتمكن إسرائيل من تخفيف الضغوط التي تمارسها الدول المجاورة والمجتمع الدولي لحملها على وقف الهجوم، يجب أن تكون أكثر إقناعاً في الإثبات بأنها تقاتل “حماس” ولا تحاول معاقبة المدنيين الفلسطينيين. عليها أن تعمل على إنشاء ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية، بما في ذلك من الأراضي الإسرائيلية عبر معبر “كرم أبو سالم”. ولتخفيف المعاناة، عليها السماح للمجموعات الدولية، مثل منظمة “أطباء بلا حدود”، بالعمل هناك بأمانٍ وضم أطباء إسرائيليين يمكنهم إنشاء مستشفيات ميدانية – وهو أمر لديهم خبرة في القيام به في سوريا وأوكرانيا.

من الضروري أن يؤكد القادة السياسيون في إسرائيل بشكلٍ واضح وعلني أنهم سيغادرون غزة ويرفعون الحصار بعد إلحاق الهزيمة العسكرية بحركة “حماس” ونزع معظم أسلحتها. عليهم أن يوضحوا أنهم يفهمون ضرورة التوصل إلى حل سياسي مع الفلسطينيين بشكلٍ عام. وهذه ليست الرسالة التي ينقلها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اليوم، نظراً للصدمة في إسرائيل وتشكيلة حكومته، لكنها الرسالة التي يحتاج شركاء إسرائيل في المنطقة إلى سماعها – وقريباً.

ليست هناك حلول سهلةٍ لغزة، ولكن هناك سبيل واحد فقط للمضي قدماً في هذه الحرب. فإذا كانت النتيجة بقاء “حماس” في السلطة، فلن يؤدي ذلك إلى هلاك غزة فحسب، بل وأيضاً قسم كبيرٍ من بقية منطقة الشرق الأوسط.

المصدر: صحيفة نيويورك تايمز الاميركية

ترجمة: موقع عربي 21




العمال البريطاني يعلق عضوية آندي ماكدونالد بسبب شعار “بين النهر والبحر”

علق حزب العمال البريطاني عضوية البرلماني البارز آندي ماكدونالد، بعد إدلائه بتصريحات دعا فيها إلى تحقيق العدالة للجميع بين النهر والبحر في فلسطين.

واتهم حزب العمال آندي ماكدونالد بالإدلاء بتعليقات “مسيئة للغاية” في خطاب ألقاه في تجمع مؤيد للفلسطينيين، الذي قال فيه: “لن نهدأ حتى نحقق العدالة، وحتى يتمكن جميع الناس، إسرائيليين وفلسطينيين، بين النهر والبحر من العيش في حرية سلمية”، حيث اعتبرها البعض أنها تدعو ضمنيا لتدمير “إسرائيل”.

لكن ماكدونالد قال إن كلماته كانت تهدف إلى “نداء صادق من أجل وضع حد لعمليات القتل” في المنطقة.

لم يكن من المتوقع في البداية أن يواجه آندي ماكدونالد إجراءات تأديبية لاستخدامه الشعار المثير للجدل “من النهر إلى البحر” للتعبير عن دعمه لفلسطين في مسيرة نهاية الأسبوع.

ولكن بعد مناقشات داخلية سريعة الوتيرة بعد ظهر يوم الاثنين، تم تعليق عضويته في حزب العمال.

وقال متحدث باسم حزب العمال، إن “التعليقات التي أدلى بها آندي ماكدونالد في نهاية الأسبوع كانت مسيئة للغاية، خاصة في وقت تزايد معاداة السامية التي تركت الشعب اليهودي خائفا على سلامتهم”، وفق تعبيره.

وقال النائب ماكدونالد بعد تعليق عضويته: “يشعرني بالحزن عندما تلقيت الأخبار من رئيس المعارضة بأنني قد تم وضعي تحت التعليق الاحترازي لمدة ثلاثة أشهر، وهو أمر قابل للمراجعة في انتظار التحقيق الذي يجريه حزب العمال”.

وأضاف: “إنني أتطلع إلى المشاركة والتعاون الكامل مع التحقيق.. على مدار اليومين الماضيين، كان هناك عدد من التحريفات لكلماتي في وسائل الإعلام”.

وتابع: “لقد عززت هذه الاتهامات التي لا أساس لها والمضرة للغاية ضدي، والتي أشعر بأنني مضطر للرد عليها الآن، لتجنب أي أخطاء أخرى في الصحافة”.

وقال السيد ماكدونالد إن كلماته “لا ينبغي أن تفسر بأي طريقة أخرى غير تلك المقصود منها، وعلى وجه التحديد “تقديم نداء صادق من أجل وضع حد لعمليات القتل في إسرائيل وغزة والضفة الغربية المحتلة، ومن أجل أن تعيش جميع شعوب المنطقة في حرية دون التهديد بالعنف”.

وقال المتحدث الرسمي باسم ريشي سوناك في وقت سابق إن استخدام الهتاف “من النهر إلى البحر، فلسطين ستتحرر” في الاحتجاجات في لندن كان مصدر قلق كبير للكثيرين، في حين قال وزير التعليم روبرت هالفون، وهو يهودي، إن سماع العبارة التي يتم ترديدها كان مروعا ومخيفا.

وكانت وزيرة الداخلية سويلا برافرمان قد قالت في وقت سابق، إن الهتاف معاد للسامية، وادعت أنه من المفهوم على نطاق واسع الدعوة إلى تدمير إسرائيل، على الرغم من أن المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين اعترضوا على هذا التعريف.




مسؤول أمريكي يؤكد تصفية قوة خاصة تسللت إلى غزة لتحديد مكان المحتجزين

كشف مستشار سابق في وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” أن مجموعة من القوات الخاصة الأمريكية والإسرائيلية تعرضت للاستهداف والقتل في غزة، خلال محاولتها استطلاع أماكن الأسرى الموجودين لدى حركة حماس.

وقال دوغلاس ماكغريغور، في لقاء متلفز، إنه جرت تصفية مفرزة من القوات الخاصة الأمريكية والإسرائيلية في قطاع غزة، حاولت استطلاع مكان المحتجزين خلال الـ24، وذلك بعد أن تم إطلاق النار عليهم وتحويلهم إلى أشلاء”. 

ووصف ماكغريغور الصراع الجاري بأنه “خطير جدا” على الولايات المتحدة نفسها؛ بسبب خطر اندلاع الحرب مع إيران، مشددا على أن بلاده ليست مستعدة للتورط أكثر في صراع واسع النطاق”. 

يشار إلى أن كتائب القسام أعلنت، في وقت سابق، أن مجموعة من مقاتليها أوقعت قوة من الاحتلال حاولت التسلل شرق خانيونس في كمين محكم، وأوقعت قتلى وجرحى في صفوفها، وتمكنت من تدمير جرافتين ودبابة، وأجبرت القوة على الانسحاب. في حين أعلنت قوات الاحتلال وقوع قتلى وجرحى خلال محاولة التسلل الفاشلة، لكن لم يعرف بعد إن كانت القوة الإسرائيلية المشار إليها مشتركة مع قوات أمريكية.

المصدر: موقع عربي 21