وقف رحلات إلى إسرائيل بعد “طوفان الأقصى”.. وإلغاء هائل لحجوزات الفنادق
|
ألغت عدة شركات طيران رحلاتها إلى تل أبيب في نهاية هذا الأسبوع في أعقاب الهجوم العسكري الذي شنته حماس على الاحتلال، وفق بيانات الوصول في مطار بن غوريون الدولي المنشورة على الإنترنت.
كما أبلغت الفنادق عن كثرة المكالمات إلى مراكز الخدمة، وإلغاء الحجوزات المستقبلية من قبل السياح. وكما يقول داني ليبمان، الرئيس التنفيذي لشركة Atlas Hotels لموقع “ذا ماركر” الإسرائيلي: “هناك عمليات إلغاء هائلة للحجوزات المستقبلية. ويبحث العديد من السياح المتواجدين في القدس وتل أبيب عن رحلات جوية للهروب”.
ومن بين الشركات التي ألغت رحلاتها لوفتهانزا وطيران الإمارات و”راين إير” وخطوط إيجه الجوية وشركات أميركية وحتى الخطوط الجوية الفرنسية. لكن السلطات لم توقف الرحلات التجارية في هذا المطار ولا في مطار رامون قرب إيلات وهو المطار الدولي الثاني، وفق “فرانس برس”.
فيما قال موقع “ذا ماركر” الإسرائيلي إن الإسرائيليون عالقون في الخارج، فيما الخطوط الجوية السويسرية ووايز إير والخطوط الجوية التركية وخطوط طيران لوت البولندية ألقغت رحلاتها بالفعل في الصباح. وفي المساء ألغت شركات دلتا، ويونايتد، وفيرجن، وإيزي جيت، وترانسافيا، ورايان إير، وإيجه، وأيبيريا، وجورجيان رحلاتها إلى إسرائيل.
وعقب الإلغاءات، أصبح هناك حمل كثيف على رحلات الخطوط الجوية الإسرائيلية، ولا توجد مقاعد على معظم رحلات الغد. ويقول شاني أوزان، مدير قسم المجموعات في وكالة السفر جوردون تورز للموقع الإسرائيلي: “لدي مجموعة مكونة من 31 إسرائيليًا عالقين في فرانكفورت لأن لوفتهانزا ألغت رحلة كانت مقررة اليوم. وحتى الآن لم تتحمل شركة الطيران المسؤولية ولا نعرف ما إذا كانت ستقوم بترتيب الإقامة لهم”.
وبعد طلبات من مئات الإسرائيليين، أعلنت شركة أركيا أنها ستقوم برحلة إنقاذ ليلية من أثينا، اليونان. وتقول “إل عال” إنها تلقت منذ صباح اليوم آلاف الاستفسارات من إسرائيليين يريدون العودة من الخارج، معظمهم من جنود الاحتياط. ويريد الكثيرون أيضًا مغادرة البلاد، ومعظمهم من السياح. لذلك، فإن رحلات “إل عال” المغادرة والقادمة لهذا اليوم وغدًا ممتلئة وتدرس الشركة إضافة المزيد من الرحلات إلى جدولها.
وفي ألمانيا، أعلنت شركة الطيران الأوروبية العملاقة لوفتهانزا عن تقليص عدد رحلاتها إلى إسرائيل. وقال متحدث باسم لوفتهانزا “نظرا للوضع الأمني الحالي في تل أبيب” ستبقي المجموعة الألمانية رحلة واحدة فقط إلى فرانكفورت، فيما “تم إلغاء جميع رحلات لوفتهانزا الأخرى من وإلى تل أبيب هذا السبت”.
من جهتها، ألغت شركة ترانسافيا المنخفضة التكلفة التابعة لمجموعة الخطوط الجوية الفرنسية-كي إل إم رحلة جوية من مطار باريس أورلي كان من المقرر أن تصل بعد منتصف الليل إلى تل أبيب، وذلك حتى لا يقضي موظفوها الليلة في إسرائيل، وفق ما قال متحدث لوكالة فرانس برس في باريس.
وفي وارسو، أعلنت شركة إل أو تي البولندية أنها ألغت رحلاتها التي تربط العاصمة البولندية بتل أبيب السبت “بسبب الوضع في إسرائيل”، ولم تقدم معلومات بشأن الرحلات في الأيام المقبلة.
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
محمد الضيف: صوت الحرب (بروفايل)
|
الشبح الذي لا يستخدم التكنولوجيا ولا أحد يعرف صورته الحديثة… على رأس قائمة الاغتيال منذ 3 عقود
بصوت واضح جهوري ومباشر وصورة مظللة، أعلن محمد الضيف (أبو خالد) القائد العام لـ«كتائب القسام»، الجناح المسلح لـ«حماس» بدء عملية «طوفان الأقصى» ضد إسرائيل، ووضعها لعدة ساعات تحت النار، في موقف لم تختبره منذ العبور المصري عام 1973: صواريخ تسقط على تل أبيب والقدس، ومستوطنات وكيبوتسات ومواقع إسرائيلية مسيطر عليها تماماً من مقاتلي «القسام»، جنود الضيف.
javascript:false
براً وبحراً وجواً، انطلق عناصر «حماس» وسيطروا على مواقع إسرائيلية، وقتلوا إسرائيليين، وأخذوا آخرين إلى قطاع غزة، بأوامر الضيف الذي يثبت مرة أخرى أنه صاحب الكلمة العليا فلسطينياً، في بدء حرب أو في وقفها.
تطارد إسرائيل الضيف منذ عقود باعتباره المطلوب رقم 1
من هو الضيف؟
لا أحد يعرفه سوى عائلته، ومجموعة قليلة من «حماس»، والأغلب أنهم جميعاً في مرحلة ما لا يعرفون أين يكون الرجل الذي تطارده إسرائيل منذ عقود، باعتباره المطلوب رقم 1.
يوجد للضيف 3 صور، واحدة قديمة للغاية، والثانية وهو ملثم، والثالثة صورة لظله، وحتى إسرائيل التي تتباهى بأن لديها أقوى استخبارات في العالم لا تملك صورة حديثة له.
في يناير (كانون الثاني) 2011، توفيت والدته، فحضر كل قيادات «حماس» الجنازة، إلا هو، الوحيد الذي لم يعرف آنذاك هل حضر أم لا! وقالوا آنذاك إنه حضر ولم يعرفه أحد، وقالوا إنه لم يحضر أبداً لدواعٍ أمنية، وقالوا أيضاً إنه تخفَّى بزي مُسن وودع والدته ثم مضى.
يوجد للضيف 3 صور: واحدة قديمة للغاية والثانية وهو ملثم والثالثة صورة لظله
لا يستخدم التكنولوجيا، ذكي وسريع البديهة، وليس محباً للظهور، ونادراً ما اضطر لبث رسائل صوتية، معلناً بداية معركة جديدة مع إسرائيل.
ومنذ نحو 3 عقود، لم يظهر الضيف في أماكن عامة، أو كما يقول من سألتهم «الشرق الأوسط» في غزة: «لو نظرنا إليه ما عرفناه».
وربما يفسر هذا الحس الأمني العالي للضيف كيف لم تتمكن إسرائيل من الوصول إليه عدة مرات.
ورأس الضيف مطلوب لإسرائيل منذ منتصف التسعينات، حتى شيمعون بيريس الذي كان رئيساً للوزراء عام 1996، طلب من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات اعتقاله، قبل أن يبدي عرفات استغرابه من الاسم، وكأنه لا يعرفه، ليعترف بيريس لاحقاً بأنه اكتشف أن عرفات كان يحميه ويخفيه ويكذب بشأنه.
حاولت إسرائيل قتله أكثر من مرة، وأصابته في مرتين.
اسمه الحقيقي: محمد دياب إبراهيم المصري، وشهرته الضيف. وُلِد عام 1965 لأسرة فلسطينية لاجئة من بلدة القبيبة، واستقرت في مخيم خان يونس جنوب قطاع غزة. نشأ محمد في أسرة فقيرة للغاية، واضطر لترك الدراسة مؤقتاً لإعانة أسرته، وقد عمل مع والده في الغزل والتنجيد، ومن ثم أنشأ مزرعة صغيرة للدواجن، وعمل سائقاً قبل أن يصبح مطارداً لإسرائيل.
يقول رفاقه في الحي الذي نشأ فيه، إنه كان وديعاً وصاحب دعابة وخفة ظل وطيب القلب ويميل إلى الانطواء. انضم الضيف لحركة «حماس» في نهاية عام 1987 عبر علاقته بالمساجد. عاد إلى دراسته وتلقى تعليمه في الجامعة الإسلامية في غزة، وتخرج فيها عام 1988، بعد أن حصل على درجة البكالوريوس في العلوم.
خلال ذلك، أنشأ الضيف فرقة «العائدون» الفنية الإسلامية، وكانت تعنى بشؤون المسرح، وعرف عن الضيف ولعه بالتمثيل؛ فقد أدى عدة أدوار مسرحية، ومن بينها شخصيات تاريخية. وكان الضيف مسؤولاً عن اللجنة الفنية خلال نشاطه في مجلس طلاب الجامعة الإسلامية.
اعتقلته إسرائيل عام 1989، وقضى 16 شهراً في سجون الاحتلال موقوفاً دون محاكمة، بتهمة العمل في الجهاز العسكري للحركة. بعد خروج الضيف من السجن، بدأ مع آخرين في تأسيس «القسام». وخلال التسعينات أشرف وشارك في عمليات لا تحصى ضد إسرائيل.
اعتقلته السلطة الفلسطينية في شهر مايو (أيار) من عام 2000 بطلب من إسرائيل، وكانت علاقته بالسلطة متقدمة وجيدة، وجرى اعتقاله ضمن تفاهمات.
في 2002 تسلم قيادة «القسام» بعد اغتيال قائدها العام صلاح شحادة. تعرض لأول محاولة اغتيال في 2001؛ لكنه نجا. وبعد سنة واحدة جرت محاولة ثانية عندما أطلقت مروحية «أباتشي» صاروخين نحو مركبة الضيف، وأصاب أحدهما الضيف بجروح، وعالجه في مكان غير معروف قائد «حماس» عبد العزيز الرنتيسي (الذي اغتيل سنة 2004)، وكان طبيباً.
في 2003، حاولت طائرة إسرائيلية اغتيال الضيف وبعض قادة «حماس» في منزل بمدينة غزة؛ لكن الصاروخ أصاب الطابق الخطأ. بعد 3 سنوات في 2006 أصاب صاروخ شديد الانفجار منزلاً كان الضيف يجتمع فيه مع قادة «القسام»، ومرة أخرى نجا الضيف؛ لكن إسرائيل قالت إنه أصيب بجروح بالغة. ويعتقد مسؤولون إسرائيليون أن الضيف أصبح مقعداً على كرسي، وفقد إحدى عينيه؛ لكن لم تعطِ «حماس» أي إشارة إلى أن ذلك صحيح أو لا.
خرج الضيف في تسجيلات في السنوات الماضية مرتين فقط. كان مثل الشبح مع صورة معتمة ونصفه ظاهر فقط. ثم بعد ذلك بسنوات خرج ملثماً وهو يقف على قدميه.
يحب أن يلقبه الفلسطينيون بوزير الدفاع، أما في إسرائيل فيعدونه رأس الأفعى.
كفاح زبون
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
غزّة مُجدّداً… لكن بتكتيك جديد
|
لا يتوافّر بديل، حتى الآن على الأقلّ، للآلة العسكريّة واستعمال القوّة بين «حماس» وإسرائيل. فالفريقان يريدان الحدّ الأقصى من الأرباح السياسيّة (Maximalists). وإذا كانت السياسة هي فن الممكن، وإذا كانت الحرب تُخاض لخدمة الأهداف السياسيّة، فإن الحد الأقصى من المطالب سوف يُلغي حتماً السياسة في جوهرها. فالسياسة هي فن الأخذ والعطاء، كما التقدّم والتراجع، وتقديم التنازلات، وإظهارها على أنها مكاسب. يحدث هذا خلال عمليّة التفاوض، المباشرة منها أو غير المباشرة. لا تدخل هذه المقدّمة في قاموس كل من «حماس» أو الدولة الإسرائيليّة حالياً. والحرب بينهما مُستدامة من ضمن شعار «الضعيف يقاتل بما يملك، والقوي يضرب بكلّ ما يملك».
انقلبت الأدوار اليوم بين «حماس» والدولة الإسرائيليّة. في القديم، كانت غزة مسرح الصراع بين داوود وغوليات (جالوت)، بحسب ما تقول الروايات اليهودية التاريخية. كان داوود الإسرائيليّ هو الضعيف، مقابل غوليات الفلسطينيّ الجبّار. وحسب الرواية، أسقط داوود غوليات بضربة قاضية على جبينه بواسطة مقلاعه. يُصنّف الخبراء العسكريّون هذه الحادثة على أنها الحرب بين القوّي والضعيف. الضعيف دائماً لديه احتمال أن يخرج منتصراً، أو في الحدّ الأدنى منع القوي من الانتصار. إنها الحرب اللاتماثليّة بامتياز (Asymmetric War).
دبابة إسرائيلية أحرقها الفلسطينيون على حدود قطاع غزة اليوم السبت (أ.ب)
انقلبت الآية اليوم. ففي نفس المكان الجغرافيّ، أي غزّة، أصبحت «حماس» هي داوود، وإسرائيل هي غوليات. لكن نهاية الصراع بينهما ليست كما في القصّة الدينية. أي بضربة واحدة.
بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزّة عام 2005 برعاية آرييل شارون. خاضت إسرائيل نحو 5 عمليات عسكريّة ضد القطاع. أصعبها كان في عام 2014. في هذه العملية المُسماة «الجرف الصامد»، دخلت إسرائيل إلى داخل حدود القطاع الجغرافيّة، لتُدمّر الأنفاق وتُشكّل منطقة عازلة.
في كلّ العمليات الإسرائيليّة على غزّة، والرد الفلسطينيّ عليها، كانت الصواريخ، الطائرات والمُسيّرات، كما الاغتيالات للقيادات الفلسطينيّة، هي النمط السائد. فكلّما كانت مسافة الصاروخ من «حماس» أطول داخل فلسطين المحتلّة، وكلّما عجزت الدفاعات الجويّة الإسرائيليّة عن إسقاط هذه الصواريخ، عُدّ هذا الأمر على أنه نجاح للمقاومة الفلسطينيّة. هكذا كان مقياس النجاح، أو نظريّة النصر الفلسطينيّة (Theory of Victory).
فلسطينيون يحتفلون على آلية عسكرية إسرائيلية نقلوها إلى غزة بعد السيطرة عليها في الهجوم المفاجئ الذي شنته حركة «حماس» اليوم (إ.ب.أ)
عملية «طوفان الأقصى» – في التحليل العسكريّ
في التوقيت، تأتي العمليّة متزامنة مع الأعياد الدينيّة اليهوديّة. كما تتزامن مع ذكرى مرور نصف قرن على حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973.
وإذا كانت حرب أكتوبر قد اعتمدت على الخداع الذي حقّق عامل المفاجأة الاستراتيجيّة، فإن عملية «طوفان الأقصى» تندرج في هذا الإطار، حتى ولو كان الفارق بين الاثنين في الحجم والتأثيرات الجيوسياسيّة كبيراً جدّاً.
أن تُطلق «حماس» ما يُقارب الـ 5000 صاروخ (بحسب بعض المعلومات 7000 صاروخ) من مختلف الأنواع فهذا أمر يدّل على أن لدى هذه الحركة الفلسطينية عمقا لوجستيّا مهمّا. وربما تعمّدت «حماس» إطلاق هذا الكم من الصواريخ لإغراق الدفاعات الجويّة الإسرائيليّة (Overwhelming) وتحضيراً لعمليّة بريّة لم يتوقّعها الجيش الإسرائيليّ، وضمناً استخباراته.
وإذا كانت «حماس» في العمليات السابقة تردّ بالقصف الصاروخيّ، لكن من داخل القطاع، فإن عمليّة «طوفان الأقصى» قد ارتكزت على أبعاد جديدة أهمّها: إلى جانب القصف الصاروخي، عملية إنزال مظليين على المستوطنات. والأهم السعي للسيطرة على «الأرض» داخل فلسطين المحتلّة.
وإذا كانت هذه العمليّة قد فاجأت أجهزة الأمن الإسرائيليّة فهذا يعدّ إنجازاً مهمّاً في عملية الخداع. ألم يقل صان تسو: «إن الحرب تقوم كلّها على الخداع»؟
حرق برج مراقبة إسرائيلي على حدود قطاع غزة اليوم (أ.ب)
إن تعقيدات وحجم هذه العملية قد يعنيان أن التحضير لها كان قد بدأ منذ وقت طويل. والتحضير والتخطيط لها، بثلاثة أبعاد، البرّ، والجو، والبحر، قد يعني أن «حماس» استطاعت القتال على طريقة القتال المُشترك (Combined). وعليه، فإن قدرة «حماس» على الحفاظ على سريّة التحضيرات لهذه العمليّة كانت مميّزة.
ينطبق على العلاقة بين «حماس» وإسرائيل الشعار التاليّ: «تربح حماس إذا لم تخسر، وتخسر إسرائيل إذا لم تربح». لذلك، يكفي أن تُنفّذ العمليّة لتعد «حماس» على أنها الرابحة، على الأقل بالمنظور القصير وليس على المستوى البعيد المدى الذي سيتضح بعد جلاء صورة الرد الإسرائيلي.
إن قتال «حماس» داخل المستوطنات الإسرائيليّة قد يعني تحييد أهم قوّة عسكريّة لدى إسرائيل عن الاشتراك في المعركة ألا وهو سلاح الجوّ، الذي يعاني أصلاً بسبب الوضع الداخلي الإسرائيليّ.
لقد حدّد مؤسس إسرائيل ديفيد بن غوريون المبادئ الاستراتيجيّة للدولة العبرية وأهمّها: إنهاء الحرب مع العدو بسرعة، لأنه لا يمكن لإسرائيل خوض حروب استنزاف طويلة. كما نصح بن غوريون بخوض الحرب على أرض العدو. تدور عملية «حماس» اليوم داخل أرض إسرائيل.
فلسطينيون ينقلون إسرائيلية احتجزوها في مستوطنة على حدود قطاع غزة اليوم السبت (أ.ب)
الامتداد الأقصى لعملية «طوفان الأقصى»
سوف تصل حتما عملية «طوفان الأقصى» إلى امتدادها الأقصى. وعليه، ستستعد إسرائيل لعملية معاكسة بعدما حدّدت القوات الإسرائيليّة منطقة العمليات المقبلة، والتي تمتد مسافة 80 كلم داخل إسرائيل انطلاقاً من حدود القطاع. ستسعى إسرائيل على الأرجح إلى تحقيق الأمور التالية:
استرداد زمام المبادرة وبسرعة وذلك بعد تقييم الوضع الميداني، جمع الاستعلام التكتيكي، تقدير الوضع لزجّ القوات المناسبة (نوعاً وكمّاً).
استرداد المستوطنات التي توجد فيها عناصر من «حماس» مع السعي الحثيث لعدم السماح للعناصر الفلسطينية بالانسحاب مع أسرى من العسكر، أو مدنيين.
العمل على استرداد صورة الردع وبسرعة، بعد أن تظهّرت هشاشة الأمن القومي الداخليّ.
لكن عملية استرداد صورة الردع، تتطلّب عملية عسكريّة كبيرة جدّاً تفوق بكثير ما أنجزته عملية «طوفان الأقصى». فهل ستذهب إسرائيل إلى اجتياح القطاع؟ الصورة غير واضحة، لكن اجتياح القطاع يتطلّب الأمور التالية:
الوقت الطويل لإنهاء العملية، علماً أن إسرائيل لا تملك عامل الوقت.
الوسائل اللازمة، كما الكلفة المالية والبشريّة.
وفي حال نجاح عملية اجتياح القطاع، هذا إذا نجحت، فمن سيحكم القطاع؟
عندما تفكّر إسرائيل في الرد لاسترجاع صورة الردع، فإنما هي تفكّر في الجبهتين السوريّة واللبنانيّة. فهل سيأتي الرد في الخارج إلى جانب الداخل؟
في الختام، قد يمكن القول إن ما حصل في الساعات الماضية سيغيّر نظرة إسرائيل إلى أمنها القوميّ، وإلى كيفيّة التعامل مع كل ما له علاقة بالقضيّة الفلسطينيّة، وإلى كيفيّة التعامل مع المسائل الإقليميّة. فأي خيار ستعتمده الدولة العبرية الآن بعد انفضاح هشاشتها الأمنيّة؟ الجواب قد لا يتأخر كثيراً.
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
مسؤولون إسرائيلييون توقعوا الأسبوع الماضي «رغبة حماس بتجنب الحرب»
|
كشفت صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية اليوم (السبت) أن كبار ضباط جيش الدفاع الإسرائيلي ومسؤولين في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أصدروا تقييماً الأسبوع الماضي يتحدث عن أن حركة «حماس» ترغب في تجنب حرب شاملة مع إسرائيل، في أعقاب التصعيد العنيف الأخير بالقرب من حدود غزة في الأسابيع الأخيرة.
وزعم المسؤولون الكبار أن «حماس» لا ترغب في تعريض الإنجازات السابقة التي أدت إلى تحسين حياة سكان القطاع للخطر، بحسب الصحيفة.
وشنت حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة هجوما مباغتا على إسرائيل اليوم شمل إطلاق آلاف الصواريخ على مدن جنوب ووسط إسرائيل، كما تسلل مقاتلون إلى البلدات والمستوطنات الإسرائيلية المتاخمة للقطاع.
وأعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إطلاق عملية «السيوف الحديدية» ضد الحركة في قطاع غزة، ردا على الهجوم.
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
مقتل قائد لواء بالقوات الخاصة الإسرائيلية في اشتباكات مع مسلحين فلسطينيين
|
قال الجيش الإسرائيلي إن قائد لواء «ناحال» للقوات الخاصة الإسرائيلية، يوناتان شتاينبرغ، قُتل اليوم (السبت) في اشتباك مع أحد المسلحين قرب معبر كرم أبو سالم الحدودي الفاصل بين قطاع غزة وإسرائيل.
وأوضح الجيش في بيان أنه رفع السرية عن مقتل شتاينبرغ وتم إبلاغ عائلته بالأمر، وفق ما ذكرته وكالة أنباء العالم العربي.
وشنت «حماس» والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة هجوماً مباغتاً على إسرائيل، السبت، شمل إطلاق آلاف الصواريخ على مدن جنوب ووسط إسرائيل، كما اقتحم مقاتلون البلدات والمستوطنات الإسرائيلية المتاخمة للقطاع.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن إسرائيل ستصل إلى «كل مكان تختبئ فيه (حماس)، وأطلب من سكان غزة مغادرة تلك الأماكن الآن».
وأكد نتنياهو، في خطاب تلفزيوني، السبت، أن ما حدث (في إشارة لهجوم الفصائل الفلسطينية) لم يسبق له مثيل في إسرائيل، مضيفاً: «وسننتقم لهذا اليوم الأسود».
وتابع: «الجيش سيستخدم كل قوته للانتقام من (حماس)، في كل المناطق التي توجد بها أو تعمل منها أو تختبئ بها».
وذكرت «هيئة البث الإسرائيلية» أن ما لا يقل عن 200 إسرائيلي قُتلوا، وأصيب أكثر من 1300 منذ بداية هجمات «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى.
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
كيف واجهت «حماس» تفوق إسرائيل العسكري براجمات صواريخ و«مقاعد محمولة جواً»؟
|
في هجوم مباغت، فجّر مقاتلون فلسطينيون من فصائل مختلفة، صباح السبت، أجزاء من السياج الحدودي مع قطاع غزة، وهاجموا عبرها المواقع العسكرية القريبة من القطاع إلى جانب عدة مدن ومستوطنات تحيط به.
الهجوم المباغت، سبقه تمهيد نيراني كبير بالمدفعية الصاروخية ساهم في تحييد منظومة القبة الحديدية الدفاعية، وأجبر الجنود الإسرائيليين على البقاء في المخابئ حتى وصل المقاتلون الفلسطينيون باستخدام المركبات الخفيفة والدراجات النارية إلى أهدافهم. في السطور التالية نستعرض أبرز الأسلحة التي ظهرت خلال الهجوم، من الجانبين.
مشهد لتدمير جزء من السياج الحدودي في غزة (فيديو لكتائب القسام)
«ميركافا»
أول المشاهد التي وصلت من القطاع لدبابة «ميركافا»، وهي عماد سلاح المدرعات الإسرائيلي، تشتعل بها النيران وسحب المقاتلين الفلسطينيين 3 من طاقمها.
و«الميركافا» هي دبابة قتال رئيسية وتستخدم القوات المدرعة الإسرائيلية، بشكل أساسي، الإصدار الرابع منها «ميركافا – 4»، وهي تُصنّع محلياً ومدفعها الرئيس من عيار 120 ملم.
وقبل 3 أسابيع، في منتصف سبتمبر (أيلول)، أعلنت إسرائيل عن الإصدار الخامس من الدبابة «ميركافا» تحت اسم «باراك»، بعد 5 سنوات من العمل عليها، وتسليمها إلى الكتيبة 52 ضمن الفرقة 401 المدرعة.
«أشزريت»
أظهر فيديو آخر نشرته «سرايا القدس»، الذراع العسكرية لحركة «الجهاد الإسلامي»، لما وصفته بأنه «الاستيلاء على موقع (ناحل عوز) العسكري شرق غزة»، نحو 10 آليات مدرعة من نوع «أشزريت» ومدرعة من طراز «M113»، إلى جانب عدة عربات جيب عسكرية.
والمدرعة «أشزريت» هي ناقلة جنود مدرعة ثقيلة. تصنعها إسرائيل عن طريق التعديل على هياكل الدبابات السوفياتية القديمة من طراز «تي-54» و«تي-55» التي غنمت المئات منها خلال حربها مع الجيوش العربية في يونيو (حزيران) 1967 حيث كانت يستخدمها الجيشان المصري والسوري آنذاك.
أدخلت إسرائيل تعديلات وتطويرات على هذه الدبابات لتلبي احتياجاتها عن طريق إزالة البرج واستبدال آخر إسرائيلي به يحمل رشاشاً خفيفاً يمكن إطلاقه من داخل المدرعة، وكذلك زيادة تدريعها.
تستطيع «أشزريت» استيعاب نحو 10 جنود، بينهم 3 هم طاقم التشغيل، وهي تعمل بجانب دبابات «الميركافا» ومدرعات «النمر».
ورغم دخول المقاتلين الفلسطينيين إلى هذا المعسكر، إلا أنه من غير المرجح أنه يمكنهم الاستفادة من هذه المدرعات ونقلها إلى قطاع غزة، والأرجح أنه سيتم إعطابها في أماكنها لتعظيم الخسائر الإسرائيلية في العملية. وتؤيد هذا الاعتقاد مشاهد في الفيديو سابق الذكر لإعطاب سيارات عسكرية أخرى عثر عليها في الموقع العسكري الإسرائيلي.
«رجوم»
نشرت «كتائب القسام»، الذراع العسكرية لحركة «حماس»، مقطع فيديو يظهر استخداماً كثيفاً لصاروخ يظهر للمرة الأولى أطلقت عليه اسم «رجوم»، ويتضح أن الصاروخ قصير المدى من عيار 114 ملم، ويبدو كأنه تصنيع محلي للصاروخ «كاتيوشا» عيار 107 ملم.
أظهرت المشاهد أن الراجمة التي تطلق هذا الصاروخ تحتوي على 15 فوهة، أي أنها يمكنها إطلاق 15 صاروخاً بشكل متتالٍ.
واستخدمت «القسام» عدة راجمات متجاورة للحصول على كثافة نيرانية كبيرة لتحييد بطاريات القبة الحديدية التي تقل فاعليتها كثيراً في حال إغراقها بالصواريخ، وأيضاً لإبقاء الجنود في المعسكرات الملاصقة لحدود قطاع غزة داخل ثكناتهم ومخابئهم حتى وصول المقاتلين المهاجمين.
من الجو
أحد أبرز المشاهد في الهجوم الفلسطيني المباغت هو الهجوم من الجو، فأعلنت «كتائب القسام» عما أطلقت عليه «سرب صقر – سلاح الجو».
وهي قوات محمولة جواً تتنقل عن طريق مقعد يحمل فردين ترفعه في الهواء مروحة كبيرة ومظلة. وقبل أن تعلن «القسام» عن هذه القوات اليوم للمرة الأولى، ظهرت بالفعل في مقاطع فيديو نشرها إسرائيليون على منصة «إكس» (تويتر سابقاً) وهي تتخطى حدود قطاع غزة.
«سرب صقر – سلاح الجو» التابع لكتائب القسام (فيديو لكتائب القسام)
وهذه القوات «المظلية» هي استثمار لعملية الطائرات الشراعية التي نفذتها «الجبهة الشعبية – القيادة العامة» في ثمانينات القرن الماضي، حيث طار 4 مقاتلين بطائرات شراعية من لبنان مستهدفين الهجوم على إسرائيل، واجهت 3 منها صعوبات إلا أن طائرة منها استطاع قائدها الهبوط في معسكر إسرائيلي والاشتباك مع جنود إسرائيليين وإيقاع عدد من القتلى قبل أن يلقى حتفه.
أيضاً بثت «القسام» مشاهد لاستخدام قنابل خفيفة تطلقها من طائرات مسيّرة صغيرة، إحدى القنابل أصابت دبابة «ميركافا» بشكل مباشر، أما الأخرى فسقطت بجوار 3 من الجنود الإسرائيليين، وأظهرت المشاهد اللاحقة أن أحدهم على الأقل أصيب ما اضطر الآخرين لسحبه بعيداً.
أحمد سمير يوسف
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
سيناريو حرب يوم الغفران يتكرر: لهذه الأسباب فشل الإسرائيليون في الإنذار المبكر
|
في 6 أكتوبر 1973، أحد أقدس الأيام في التقويم اليهودي المعروف باسم “يوم الغفران”، بدأت مصر وسوريا هجوما عسكريا مفاجئًا ضد الكيان المؤقت. لم تفاجأ إسرائيل فحسب، بل واجهت ما اعتبره بعض قادتها تهديدًا وجوديًا. وقتل أكثر من 2600 جندي وضابط إسرائيلي، وجرح الآلاف. في هذه الحرب، عانت إسرائيل من عواقب الغطرسة التي خلقها انتصارها العسكري السريع على مصر وسوريا قبل ست سنوات فقط، في حرب الأيام الستة.
وبفضل المساعدات الأمريكية، تمكن جيش الاحتلال من تحقيق نصر عسكري بعد 19 يومًا من القتال، لكن ماذا عن الإنذار المبكر، الذي كان من المفترض على الاستخبارات الإسرائيلية تقديمه؟ الواقع أن صدمة حرب أكتوبر أو ما يسميه الإسرائيليون حرب يوم الغفران، ما زالت تدرس حتى اليوم في أسباب غياب مثل هذا الإنذار المبكر، والذي أوقع القيادة الإسرائيلية في عقلية المفاجأة، ولم يتمكّن الإسرائيلي من حشد قواته في الوقت المناسب، وحتى عشية ليلة الغفران من العام 2023، كان لا يزال هؤلاء يناقشون في هذه المناسبة ما أسموه بالـ “الاستخبارات المعيبة” و “التحليل المعيب” الذي كان السبب الرئيسي للحرب، وفي صباح اليوم التالي، السابع من أكتوبر تشرين الأول 2023، يقعون في نفس الثغرة “المعيبة”، بعد 50 عامًا من جهود تطوير الاستخبارات والتحليل الاستراتيجي والعسكري في الكيان الإسرائيلي المؤقت.
كانت “ليلة غفران” عادية ما خلا ما يشهده الكيان من أزمات داخلية، كل شيء متوقّع في التصورات المثبتة لدى الإسرائيليين، مثل استحالة مشهد دخول مجموعات من المقاومة الفلسطينية إلى المستوطنات والسيطرة على مراكز الشرطة فيها. بل إن السنوات الـ 50 الماضية، كانت عمليات أسر الإسرائيليين مسألة أمنية معقدة جدًا، وكانت أكبر المعارك بين الكيان والمقاومة الفلسطينية لا تتمكن من القضاء على جزء بسيط، سواء من المستوطنين أو الجنود، نظرًا للنسبة التي كان سُجّلت في تصفية وقتل الفلسطينيين. لكن في صباح اليوم التالي، كل ذلك قد كان.
التصورات المثبتة والاعتماد على التفكير الحدسي والاستقرائي
قبل حرب أكتوبر تشرين، كانت المنهجية التحليلية، وتحديدا نظرية المعرفة، ضمنية فقط، مع الاستدلال الاستقرائي، كونه النهج السائد لخلق المعرفة. عام 2018، اعترف أحد الاستخباريين البارزين في الكيان، أن مثل هذا التفكير الاستقرائي لا يزال هو النهج السائد في المخابرات الإسرائيلية حتى اليوم.
مرة أخرى، يفشل الإسرائيليون في فهم وتحديد قدرة الطرف الآخر، وهذه المرة، المقاومة الفلسطينية التي عمل الاحتلال على محاصرتها وتقويضها لأكثر من 70 عامًا. ويحصل ذلك في ظلّ تحولات عالمية ومؤامرات إقليمية على القضية الفلسطينية، وجهود حكومة الاحتلال الحثيثة على صفقة تطبيع من البلد العربي الأكثر ثراءً ومركزية. ولدى الاستقراء الإسرائيلي العملياتي للواقع بالنظر إلى التراكم التاريخي للتكتيكات ونمط التفاعل للمقاومة الفلسطينية مع الأحداث والأطراف الإقليمية، فشل هؤلاء مرة أخرى، في عدم توقّع مفاجآت المقاومة الفلسطينية.
الإنذار المبكر: النوايا أم القدرات؟
الإنذار المبكر بالحرب هو جوهر الاستخبارات الإسرائيلية. ومنذ أيامها الأولى – أي الاستخبارات – اعتبِر تقييم النوايا من أساسيات الإنذار المبكر، على الرغم من أنّ هذا أدى إلى العديد من الإخفاقات الاستخباراتية. ففي عام 1960، فشلت المخابرات الإسرائيلية في تقديم إنذار مبكر بانتشار عسكري مصري على طول الحدود المصرية الإسرائيلية، رغم وفرة المعلومات حول الأعمال العسكرية المصرية، لأنها اعتمدت على تقييم خاطئ فيما يتعلق بالنوايا المصرية. وفي عام 1967، فشلت المخابرات الإسرائيلية في إدراك عملية التصعيد التي أدت لاحقًا إلى حرب الأيام الستة، معتمدة على تقييم خاطئ بشأن النوايا المصرية. ومرّة أخرى، استطاعت المقاومة الفلسطينية تضليل كل تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية، التي كانت تشير إلى أنّ حماس لا ترغب بالتصعيد.
ومما يبدو، أن الإسرائيلي فشل في تقييم الحركة الفلسطينية عند السياج الأمني، على الحدود مع قطاع غزة، والذي شهد عمليات احتجاج طيلة الشهر الماضي. فيما يبدو أنها كانت غطاء لمناورات الدخول إلى غلاف غزة. ولكن، ماذا عن التعزيزات الإسرائيلية التي وصلت إلى السياج، وماذا حقّق تفقّد غالانت لقواته على الحدود ومستوطنات غلاف القطاع؟ لا شيء. واللافت أن كلّ ذلك كان يجري وسط إغراق الصحافة ومراكز الأبحاث بمخاوف من عمليات فلسطينية خلال الأعياد اليهودية التي بدأت في 15 من شهر أيلول الماضي.
الثقة المفرطة والغطرسة
إعادة تقييم النماذج الحالية والاستعداد للتخلي عنها واعتماد نماذج جديدة، والاستعداد لقبول التقييمات المتناقضة، هو من الدروس الرئيسية التي يستنتجها الإسرائيليون من فشل حرب يوم الغفران. لذلك فإنهم مدركون بأنها قضية ثقافية، بالإضافة إلى أنها قضية مهنية. لكن يبدو أنّ التحيّزات الإدراكية لدى هؤلاء حول “وهم التفوق”(تحيّز أو تشوّه معرفي قائم على اعتقاد بعض الأشخاص بأنهم متفوقين على الأفراد الآخرين فيقومون بتضخيم الإيجابيات وتصغير السلبيات، وينتج عن ذلك سوء تقدير للقدرات الذاتية والبيئة المحيطة)، لا شكّ بأنها لا تزال تسيطر على العقلية الإسرائيلية، على الرغم من تشكيل قسم مخصص للتفكير المعاكس والنقدي هذا العام 2023، يسمى “قسم المراجعة”، والمعروف في الغالب باسم “محامي الشيطان”. بدأ نشاطه اعتبارًا من أوائل هذا العام، وتوسعت مسؤولياته لتشمل ليس فقط مراجعة التقييمات الاستخباراتية، ولكن أيضا عمليات الاستخبارات. مع ذلك، لا تزال هناك مناقشات حول المساهمة الفعالة لهذه الإدارة في منتج الاستخبارات. وفيما يبدو من التجربة العملية، أن فشلًا ذريعًا آخر قد جرى قبل أن يصبح فعّالًا.
سوء تفسير الدوافع الفلسطينية
ومن الجوانب الأخرى للفشل التحليلي الاستخباري الإسرائيلي في حرب أكتوبر تشرين أو حرب يوم الغفران، الفهم الخاطئ للجوانب الثقافية والاجتماعية التأسيسية لعملية صنع القرار في مصر، في السنوات التي سبقت الحرب. إذ فشلت في الاعتراف بأن مصر كانت على استعداد لتحمل مخاطر كبيرة من أجل “محو إذلال عام 1967″، أي استعادة الكرامة واحترام الذات بعد الخسارة الهائلة لإسرائيل في حرب الأيام الستة. كما أغفلت المخابرات الأمريكية مثل هذه الجوانب الثقافية، ما يعكس ظاهرة أوسع تتمثل في الفشل في فهم المجتمع الذي تميّز بصعود القومية العربية آنذاك. أما اليوم، وفي ظلّ التآمر الرسمي الإقليمي على الرغم من التبجّح في الغطرسة لدى حكومة نتنياهو، وفشل كل مفاوضات تحرير الأسرى بسبب عدم وجود نية إسرائيلية في التنازل للفلسطينيين، أوضح قائد سرايا القسام محمد الضيف أنّ هذه العملية، طوفان الأقصى، “جاءت لوضع حدّ لكل جرائم الاحتلال، وانتهى الوقت الذي يعربد فيه دون محاسب”.
يتحدّث الإسرائيليون في تقديراتهم للإخفاق، وبشكل لافت، عن الذكاء الثقافي، أي الاستخبارات التي تهدف إلى فهم ثقافة الخصم، باعتبارها أمر بالغ الأهمية للتحليل الاستراتيجي، وللإنذار المبكر. وعلى الرغم من تقدم الدراسات الاجتماعية في ظلّ البيانات الضخمة التي جعلت الذكاء أكثر اعتمادًا على التقنيات المتقدمة والبيانات القابلة للقياس الكمي، والعقود الطويلة في التعامل مع الفلسطينيين بشكل خاص ومحور المقاومة بشكل عام، إلا أنّ هؤلاء ما زالوا يسيؤون التقدير، وعاجزين عن فهم الظواهر التشغيلية والتكتيكية للمقاومة.
زينب عقيل
المصدر: موقع الخنادق
محركات عين التينة الرئاسية توقفت والنزوح على نار حامية
|
عادت أزمة النزوح السوري إلى الواجهة من بوّابة الخطر الأكبر على ديمومة لبنان ومستقبله السياسي، الاجتماعي، الاقتصادي، الديمغرافي، أو حتى اسمه ونشيده الوطني وعلمه وثرواته الواعدة.
الخطر كبير جدًا ولا يقبل الانتظار بل يحتاج إلى حلول، كما أنه لا يُحل بالمؤتمرات الصحافية بل يحتاج الى قراءة علمية وحقيقية.
قراءة خطورة الأزمة يجب أن تتم بناءً لمعايير عدة وتتزامَن مع خطة طوارئ متكاملة تصدر عن بُنية دولة حقيقية تبدأ من أعلى الهرم اي رئيس الجمهورية وصولًا الى رئاسة الحكومة حيث السلطة التنفيذية التي لا بُدَّ ان تتمتع بالصلاحية الدستورية لتحصد نتائج مرضية، وإلا فليعترف الجميع بفشلهم وليتّجهوا نحو الاستقالات الجماعية، لأنّ تفريغ المؤسسات من اشخاص غير مؤهلين لتقديم الحلول أفضل من تفريغ الوطن من تاريخه وحاضره وخسارة مستقبله.
من أين يجب أن نبدأ؟
البداية تكون من النظام اللبناني وجهوزيتنا، وليس من محاربة الجهات الدولية الداعمة لأسباب جيوسياسية عملية لتثبيت النازحين السوريين لدينا. لذلك علينا ان نبدأ من انتخاب رئيس للجمهورية، لأنّ واقع لبنان الحالي وحكومته في شكلها ومضمونها غير مُهيئين لاحتواء أزمة النزوح لأسباب عدة أهمها:
١ – غياب الخطة المالية عن رواتب وأجور العاملين في الأجهزة الأمنية والادارات العامة.
٢ – تحلل أجهزة الدولة واداراتها بنحو شبه كامل.
٣ – غياب الخطة الشاملة لاحتواء النازحين ومحاصرتهم عبر القانون.
٤ – وجود خلاف لبناني داخلي حول مسائل عدة تُشكّل اشكالية، مثل: حكومة تصريف اعمال، الازمة الرئاسية، الخلاف مع الدولة السورية، تشكيل وفد رسمي او غير رسمي، ارضاء الخارج تجنبًا لعقوبات على متمولين لبنانيين.
البداية تكون من الخطة المالية الطارئة
اذا لم نتجهّز أمنيًا لمواكبة المرحلة المقبلة بالتزامن مع استقرار سياسي فإننا لن ننجو ببلدنا، من هنا البداية تكون بتحويل اجور القوى الوطنية العاملة الى ما يمكن ان يسمح بمواجهة المنظومة الدولية التي تحاول إغراق لبنان بأزمة النازحين. انطلاقًا منه يجب ان نعود الى معيار ثابت ينطلق من ٦٥٠$ كحد ادنى للأجور واعادة تثبيت الاستقرار في الادارات العامة لتعود المؤسسات الى عملها الطبيعي على محتلف المستويات.
الخطوة الثانية تكون في اعادة عمل المؤسسات الضامنة الصحية من خلال اعادة النظر في التعرفة الشهرية للمشتركين في الضمان الاجتماعي واقتطاع جزء من الرواتب بالدولار لبقية المؤسسات الضامنة ووضع خطة عمل مع المستشفيات الخاصة.
وبالتزامن مع التفكير في الخطط العملية، لا بد ان نتوجه فورًا الى اعادة تحريك ملف انتخاب رئيس للجمهورية يساهم في اعادة التوازن الى رأس الهرم وينسحب هذا التوازن لاحقًا على مختلف المستويات.
الأجواء المواكبة
تشير مصادر سياسية مواكبة لحركة عين التينة الناشطة في ملفي الرئاسة والنزوح السوري الى أنَّ البلد يعيش مرحلة دقيقة جدًا على مختلف الصعد، وان ازمة النزوح زادت الطين بلة في ظل انسداد الأفق الرئاسي وتَرهّل مؤسسات الدولة تدريجاً.
وتضيف المصادر أنه بمجرد إطفاء الرئيس نبيه بري محركات عين التينة الرئاسية تعطّلت عجلة انتخاب رئيس للجمهورية وتعطلت معها مختلف المبادرات التي من الواضح انها لم تحصد اي نتيجة تُذكر. واذا ما اردنا مقاربة ما حصل قبل قدوم الموفد الفرنسي نرى في وضوح أنَّ الفرنسيين تلقّفوا مبادرة بري الامر الذي أعطى مضموناً لزيارته التي كانت لا تتضمن اي طرح حقيقي يُذكر.
أما عن بقية الافرقاء السياسيين فتوضح المصادر أنَّ الفريق الآخر، وتحديدًا المسيحي، لا يُقدم اي شيء يُذكر في معادلة الرئاسة، من هنا كانت أقصى تضحية قدمها رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع انه قال للموفدين العرب والاجانب الذين زاروه انه جاهز لإرسال نوابه لحضور جلسات انتخاب لرئيس الجمهورية من دون تعطيل النصاب.
أما في ملف النزوح السوري، فتشير مصادر سياسية مواكبة لحركة عين التينة الى أنَّ وفودًا دبلوماسية زارت بري وأعربَت عن الخوف الشديد لانهيار السد اللبناني المانع لتسرّب مئات ألوف النازحين تجاه اوروبا. في المقابل قدّم بري اقتراحًا لتقديم خطة عمل مشتركة بين الجانب اللبناني وحكومات الدول المعنية التي يبدو أنها مكبّلة وغير قادرة على تقديم حلول لحسابات جيوسياسية معقدة.
د. زكريا حمودان
المصدر: صحيفة الجمهورية
محمد ضيف: سلاح فلسطيني
|
رجل بعين واحدة ويتنقل على كرسي متحرك تحوّل أسطورة، بل أيقونة، يهتف باسمه المقدسيون ويشغل استديوهات التحليل في الوسائط الإعلامية التقليدية والحديثة، قرّر الجميع، مقدسيون وغزاويون وإسرائيليون، أنه الرجل الوحيد الذي يقرر السلم والحرب في “إسرائيل”. خلال عملية سيف القدس عام 2021، نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مقالًا موسّعًا حول شخصية محمد الضيف، وانعكاسها على الصراع بين المقاومة الفلسطينية والكيان المؤقت. واليوم، يُذهل قائد كتائب عز الدين القسام الإسرائيليين مرة أخرى، “محمد الضيف قاد عملية تضليل مذهلة كل تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية كانت تشير الى ان حماس لا ترغب بالتصعيد محمد الضيف الذي فشلنا عشرات المرات في اغتياله يقود المعركة حالياً في العمق”. تقول المراسلة العسكرية للإذاعة العبرية.
كيف ينظر العدوّ إليه؟
“رجل لا يتكلم إلا قليلًا”، يقول إيتاي إيلناي كاتب المقال. ويضيف: “عاش تحت الأرض 30 عامًا، ليس في عجلة من أمره للظهور فوقها”. “رجل بعين واحدة ومشلول تمامًا، لكنّ عقله نظيف جدًا وما زال شغالًا”، يقول خبير الشاباك. مايكل ميلتسن وهو باحث أول في معهد السياسة والاستراتيجية ويتابع الضيف منذ أكثر من 30 عامًا قال، “عندما يحصل تهديد، نعتقد أن العرب يمزحون، لكن الضيف لا يعرف المزاح”. ويتابع ميلتسن: “على الرغم من كل نقاط الضعف الفسيولوجية لديه، فإن الرجل يعمل، وليس بمستوى دمية تقف على الطاولة ويحترمها الجميع، ويستمر عقله في إنتاج المزيد والمزيد من الأفكار حول العمل والإبداع في البعد العسكري”. ويلفت ميلتسن إلى أن الضيف لا يرفع عينيه إلى القيادة السياسية وقد كان طوال الوقت حلقة وصل بين القيادة السياسية والذراع العسكري، محمد الضيف هو رئيس الأركان لحماس.
مسؤول سابق في جهاز الأمن العام كان قد كرّس ساعات طويلة للعمل على ملف الضيف يقول: “كان دائمًا شخصًا نشعر بظله برفقة أنشطة حماس العسكرية، وإصدار التعليمات، وتحديد التوجهات”. وأضاف: “إذا كانت القدس الرمز الأكثر أهمية، فمن أجل الربط بين الحركة والرمز، رسمت حماس الأسطورة في حياتها، الفارس الذي نجا من كلّ شيء”.
ينضم يوحنان زورف، باحث زائر في معهد دراسات الأمن القومي الذي يدرس المجتمع الفلسطيني، “رجل له ألف روح”، أوضح لأعدائه أنهم ليسوا الأقوى في العالم”. وليس آخر ما قيل فيه: “انفجر فيه صاروخان من طراز هيلفاير، لكنه قام من الرمال مثل طائر الفينيق، نظف ملابسه من التراب واستمر في طريقه،”.
القيم الرئيسية لشخصية محمد الضيف
“علينا أن نعرف أن محمد الضيف يأخذ وقت بين معركة ومعركة لإعداد معركة”، هكذا عبرت المذيعة في استديو التحليل في القناة العاشرة عن محمد الضيف. وهذا يعبّر عن قيمة رئيسية لدى هذا الرجل وهو أنه:
– لا يفكر إلا بمحاربة الكيان الصهيوني.
من ناحية أخرى، يعتقد ميلشتاين أن الضيف يتمتّع دائمًا بسلطة حقيقية، لكنه ” لا يحبّ، لا يريد، لا يرفع عينيه ولم يرفع عينيه في أي مرحلة إلى قيادة الحركة، إنه يحتفظ باستمرار الفضاء العسكري كمساحة له، وعلى عكس كثيرين غيره، لا يفعل الكثير على المستويات السياسية، لأنه بشكل عام منضبط تمامًا”، وهذا يعبّر عن:
-زاهد لا يستغل منصبه وسلطته للوصول إلى طموحات سياسية.
– ملتزم يخضع للقوانين وهو أمر في غاية الأهمية في التنظيم العسكري.
أورد إيتاي إيلناي في مقاله أيضًا شهادات من الفلسطينيين، يقول فلسطيني يعرف الضيف منذ صغره: “لقد كان رجلًا بسيطًا، ولكن لديه الكثير من الحكمة في الشارع، كان متدينًا ولكنه لم يكن متطرّفًا- لم يكن يرتدي ملابس دينية صارمة، الواضح أنه كان مؤمنًا بمشاعر وطنية فلسطينية. إنه أمين جدًا، شجاع جدًا، يعيش إحساسًا عميقًا بالهدف، وعلى الرغم أنه لا أمل له من العيش بحياة طبيعيةـ إلا أنه رجل طيب القلب بصرف النظر عن الصرامة التي يواجهها الاسرائيليون منه”.
إذا يملك الضيف مجموعة من الصفات الشخصية تجعل منه:
– يعتنق القضية الفلسطينية وهو يعيش لأجلها.
– شخصية متوازنة على كافة الصعد الدينية والنفسية على قاعدة “أشداء على الكفار رحماء بينهم”.
خلاصة: يعرف الإسرائيليون جيّدًا أن منظومة القيم التي يتمتع بها الخصم لها الأثر الأكبر على أدائه، فمنطلقاته القيمية والشخصية والنفسية هي التي ستحدد مستوى المعركة. بل هي التي تمدّ المعركة بالقوة والإصرار والقدرة على التقدم. إنّ خصمًا مثل محمد الضيف، ليس لديه أي طموحات مادية وسياسية، ولديه هدف وحيد تتركّز حركاته وسكناته على أساسه، ويعتنق قضيته، وفوق ذلك كله يملك شخصية متّزنة، والمعروف أن الاتزان هو شرط نموذجي للشخص الأيقونة، كل ذلك سيجعل منه قوة لا تنتهي.
الرسائل النفسية الموجهة
محمد الضيف هو الشخص الأكثر تعرّضًا لمحاولات الاغتيال من قبل العدو الإسرائيلي، لم يشغل جهاز الشاباك ومجتمع الاستخبارات، والرؤساء الذين تعاقبوا على أمر آخر أكثر من التوصل لاغتياله. لا يفهم العدو تمامًا كيف يدير الأمور المتعلقة به بسبب حضوره كشبح. لأكثر من نصف قرن، يخدع المخابرات ويختفي عن الخريطة بكل بساطة ومع ذلك هو بحكم منصبه على اتصال دائم بالناس. “إنه اللغز”، “أسطورة البطولة والتضحية”، “أيقونة”.
يعرف العدو جيدًا، ورغم استهدافه الدائم، أن “إيذاءه سيؤدي إلى حرب شاملة، سيكون دائمًا أقوى من أي اعتبار آخر”. هكذا يتحدث المحللون والاستخباراتيون على الرغم من تصريحات بني غانتس الأخيرة بأن محاولات اغتياله ستتوج بالنجاح في آخر المطاف.
” هذا الرجل ليس له حياة سوى الحرب”. “ما دام حيًا فلن يكون هناك سلام أو مصالحة مع إسرائيل”.
هكذا يراه العدو ويتحدّث عنه، يمكن بوضوح قياس حجم الضعف النفسي الذي يشعرون بها بسبب هذا الرجل. في الأحداث الأخيرة في حي الشيخ جراح، ارتفعت أصوات المقدسيين باسمه “حط السيف قبال السيف احنا رجال محمد ضيف”. قام ضابط شرطة إسرائيلي بالطلب رسميًا من الشباب: “اهتفوا لمن شئتم إلا لمحمد الضيف”. فعمد المقدسيون إلى تكرار هذا الهتاف، وعمدت سلطات الاحتلال إلى اعتقالهم. يعرف الفلسطينيون جيدًا ماذا يحصل للإسرائيليين لمجرد ذكر هذا الاسم، إنه يهدد سيادتهم ووجودهم.
الواقع أن محمد الضيف هو سلاح فلسطيني موجّه لا يمكن أن توقفه القبب الحديدية.
ماذا أضاف محمد الضيف في سيف القدس؟
إنّ “قيادة المقاومة والقسام ترقب ما يجري عن كثب في الشيخ جراح، وإنّ لم يتوقف العدوان في الحال فإننا لن نقف مكتوفي الأيدي”. كان هذا أول نداء وجهه محمد الضيف عندما بدأ العدوان ضد الفلسطينيين يتصاعد في حي الشيخ جراح. نادراً ما يتحدث الضيف، وإذا تحدث فإنّ الإسرائيليين قبل الفلسطينيين يستمعون لكلماته ويحللونها جيداً كما رأينا، فهم من جلسوا في استديوهات التحليل وأخبروا الرأي العام الإسرائيلي أن الضيف هو من يقرر السلم والحرب في “إسرائيل”. كانت رسالة مربكة خاطر بها نتنياهو على الرغم من أن الإعلام وأصحاب الرأي الصهيوني تنبؤوا أنها مغامرة. واستفاد منها بالطبع خصومه السياسيين واستمتعوا بمشاهدته يغرق أكثر في المستنقع، بعد أن أطلق الضيف الصلية الأولى من الصواريخ على القدس وتل الربيع (أو ما يسمى تل أبيب). وبدأت حرب من نوع جديد كرّس فيها الضيف معادلات جديدة. “بأمر من قائد هيئة الأركان أبو خالد الضيـف، يرفع حظر التجوال عن تل أبيب ومحيطها لمدة ساعتين من الساعة 10 وحتى الساعة 12 ليلا، وبعد ذلك يعودون للوقوف على رجلٍ واحدة”. لقد صدق المحللون في ذلك الاستديو، إنه محمد الضيف هو من يمنح الهدنة ومن يحدد التوقيت، هو من يقرر ماذا سيفعل مستوطني تل الربيع (تل أبيب بحسب المسمى الصهيوني)، لقد نقل هذا التكتيك، أي تحديد التوقيت، نقل المعركة من غزة إلى الكيان الصهيوني.
معادلة أخرى كرّسها القائد الضيف بأصل تهديده، كما لم يتعوّد الإسرائيليون من قبل، أصبحت القدس كلمة السر للحروب الجديدة. وأي محاولة للعربدة الصهيونية في الحرم المقدس ستفتح النار على الكيان الصهيوني، هي معادلة بمثابة “تطوّر تاريخي”، يقول الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، ويضيف “إنه قرار تاريخي استثنائي نوعي” وضعها الضيف ودخل على خطها السيد حسن نصر الله عندما قال “المعادلة التي يجب أن نصل إليها: القدس يعني حرب إقليمية”. وأضاف: ” نحن اليوم امام التجربة التاريخية الجريئة العظيمة التي اقدمت عليها مقاومة غزّة يجب ان نطوّر هذا الموقف الى هذا المستوى”.
ماذا أضاف لحدّ الآن في طوفان الأقصى؟
عملية تضليل مذهلة كما يقول المحللين الإسرائيليين، تمّت منذ صباح السابع من أكتوبر تشرين الأول، وهو في الوجدان الإسرائيلي، بالإضافة إلى أنه من أهم الأعياد اليهودية، فإنه ذكرى حرب يوم الغفران، أو حرب أكتوبر تشرين، التي مثّلت أكبر فشل استخباري إسرائيلي في الإنذار المبكر، والتي لا تزال تدرس حتى اليوم. فتأتي العملية في نفس التوقيت وبنفس الفشل الاستخباري الإسرائيلي، وكل ذلك له دلالات رمزية ونفسية في نفوس الإسرائيليين.
المصدر: موقع الخنادق
طوفان الأقصى الذي هزّ الكيان والعالم
|
لقد خرجنا من مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية أخرى، فبينما انتظرت غولدمائير هجوم العرب انتقاماً لحرق الأقصى في العام 1969، ولم تنم ليلتها، ولم يأت يومها أحد لنصرة الأقصى، اختلف الأمر اليوم. بعد الإهانة الكبيرة للأقصى واقتحامه من قبل أكثر من ثلاثمئة مستعمر ومتطرف يهودي تحت حماية سلطات الإحتلال في الرابع من هذا الشهر، من أجل ممارسة شعائر احتفالات في يوم غفران جديد، وانطلقوا في مسيرة تجوب أزقة البلدة القديمة ابتدؤوا بها بالبصق في وجوه مسيحيي فلسطين كما تتطلب شعائرهم، وحتى أنهم لم يوفرا المسلمين من مسيرة البصاق، بدأت عملية “طوفان الأقصى”، وهي عملية كما ثبت ستطوف لتغمر كل فلسطين.
إقتحام الأقصى في هذا العام وبهذا الشكل لم يأت من فراغ وهو يندرج في المحاولات الصهيونية من أجل التسريع بعملية هدم الأقصى من أجل بناء الهيكل المزعوم في مكان الأقصى، وهذا الأمر لمن يشكك به يجري بتنسيق كامل مع الولايات المتحدة ومع الصهيونية العالمية. أغلب الظن جاء الأمر كإختبار لمدى تجاوب القوى المقاومة ليس في فلسطين فقط، ولكن في المنطقة، وقد حذر السيد حسن نصر الله عدة مرات من المساس بالقدس، وأن المقاومة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هكذا تدنيس لحرمة الأقصى.
في 7 تشرين الثاني أصدر حزب الله بياناً دعا فيه الشعب العربي والشعوب الإسلامية في العالم للوقوف إلى جانب المقاومة الفلسطينية وأنهم يراقبون عن قرب ومن الداخل. اليمن عبر عن دعمه وفرحته بعملية طوفان الأقصى على لسان الناطق الرسمي لأنصار الله محمد عبد السلام. فيما الشباب العربي عبر منصات التواصل الاجتماعي يقف في حالة انتظار ومتابعة خطوة بخطوة لما يحدث اليوم في فلسطين، ويترقب العمليات الخاصة الفلسطينية، كما نترقب العمليات الخاصة على الأفلام الأميركية، وبات رامبو والغلادييتر وجيمس بوند مجرد لعبة أمام المقاوم الفلسطيني، لما يقوم به من اقتحامات لمواقع الاحتلال الصهيوني المحصنة. إنها بطولات حقيقية تتناقلها الهواتف الناس ومشاهد يراها الجميع على مواقع التواصل الإجتماعي.
في هذه الأثناء، المحطات العربية المطبعة والمحطات الغربية تسمى المقاومين بالمسلحين، وتطلق على عملية الذود عن شرف الأقصى توصيف “أحداث عنف”. ومع أننا لم نشهد حتى الساعة صورة لأحد المقاومين وهو يدفع بإمرأة، مع أنهن جميعاً خدمن أو سيخدمن مع جيش الإحتلال، ولم يضرب ولد من أولاد المستعمرين أو يدفعه أو يجره من ياقة قميصه كما كانوا يفعلون مع أطفال وأبناء وبنات فلسطين. ومع أنه ثبت حتى الساعة مشاركة فصائل مختلفة في الفيضان الكبير، فإن الإعلام الغربي سيصر على شخصنة الخلاف بأنه خلاف بين العدو الصهيوني بكل آلياته الحربية وتجهيزاته مع منظمة إرهابية هي حماس، والتي تم تصنيفها بأنها كذلك من قبل ألمانيا والإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبعض الدول العربية.
ولكن هذا التوصيف والتصنيف للمقاومين في فلسطين والذين هبوا لحماية الأقصى من هجمات المستوطنين وعبثهم ومنع المصلين من الفلسطينيين من الدخول إليه، غير صحيح البتة. فالفصائل جميعها تشارك اليوم في حماية الأقصى والمطلوب حماية هذا الإنتصار والحفاظ عليه وحتى اللحظة أعلن رسمياً كل من الجهاد الإسلامي وعرين الأسود انضمامهما. لم تصدر حتى الساعة أية بيانات رسمية من دول عربية، لكن الأحزاب والقوى الوطنية في لبنان وسوريا واليمن والعراق والبحرين والمغرب العربي وأعلنت الجزائر عن وقفة تضامن مع فلسطين. لقد أعلن العرب تضامنهم ووضعوا آمالاً كبيرة فيما يحققه الفلسطينيون في منطقة ما يسمى بغلاف غزة وإعادة تحرير مناطق منها. ويبدو أن نداء القائد محمد الضيف، بعد أن أعلن عن بدء عملية طوفان الأقصى اليوم صباحاً، والذي طلب فيه من القوى المقاومة في محور المقاومة في لبنان وسوريا والعراق وإيران أن تكون على استعداد، مستجاب ولكن على نطاق أوسع.
سوريا وضعت أحزانها وجراحها جانباً، وبعد أن دفنت شهداء مجزرة الكلية الحربية في السادس من تشرين الأول/ أكتوبر، بدأ التلفزيون العربي السوري الرسمي إضافة إلى الإخبارية السورية مواكبة عملية طوفان القدس بحماس وفخر شديدين، وقد اتضح الموقف السوري من خلال فتح القنوات الرسمية وقد أعلنت رئاسة الجمهورية عبر صفحتها على الفيس بوك الموقف الرسمي بوضع وسم لطوفان الأقصى مع صورة للمسجد الأقصى، اليوم: أي في السابع من تشرين الأول. ويشعر السوريون عبر وسائل التواصل وكأن محمد الضيف قد أخذ ولو جزئياً بثأرهم من المجزرة الأميركية الصهيونية، التي ارتكبت في الخامس من تشرين الأول في الكلية الحربية في حمص. وقد أعلن اللواء يحيى رحيم صفوي مستشار قائد الثورة الاسلامية في إيران، عن دعم عملية “طوفان الأقصى”، ووقف البرلمانيون الإيرانيون ليهتفوا لفلسطين وبالموت لإسرائيل ليعلنوا الموقف الرسمي الإيراني من العملية البطولية.
حتى الساعة رد الفعل الدولي لم يتجاوز على لسان الأمم المتحدة سوى ضرورة ضبط النفس، وأما القرارات الأممية فلتبقى في الأدراج. والدولة الوحيدة التي تحاول التدخل من أجل احتواء الأمر هي مصر، ودعت الخارجية المصرية على لسان وزير خارجيتها، سامح شكري، إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، وتجنب تعريض المدنيين للخطر، وأجرى اتصالات مع الجانبين الفلسطيني والصهيوني ومع جوزيب بويل رأس الدبلوماسية الأوروبية. هل تفعلها مصر الرسمية مرة أخرى ونوقف مد الإنتصار الفلسطيني التشريني كما فعلت في حرب السادس من تشرين التحريرية بعد خيانة أنور السادات؟ في حين أن أحد المحللين الصهاينة يقول، بأنه كما فاجأتنا حرب “الغفران”، أي حرب تشرين التحريرية، 1973، بضرباتها الإستباقية على جبهات الجولان وسيناء، تفاجأنا اليوم بعد خمسين عاماً حرب تشرين ثانية بضرباتها الإستباقية في غزة.
الإعلام الغربي يتناول الخبر من باب ما أعلنه رئيس الكيان بنيامين نتنياهو بأن “اسرائيل في حالة حرب”. وليس هناك أي نقل مباشر للعمليات المقاومة. ويبدو أن الغرب حتى اللحظة يعيش ما تعيشه الدولة المارقة من صدمة الجرأة والإقدام الذي أبداه المقاومون الفلسطينيون. ولكن بالتأكيد سيبدأ اليوم من جديد الحديث عن حل الدولتين، وهذا ما طالب به نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف بعد أن طالب بعودة الأطراف إلى طاولة المفاوضات. فيما أعلن البيت الأبيض وقوفه إلى جانب “اسرائيل” ضد حركة حماس. ويبدو أنه في الخطوة القادمة ستتم مطالبة نتنياهو بالسير نحو طاولة المفاوضات، التي يأمل أن يتصدر محمود عباس المشهد فيها، وما يخشى أن يتكرر السيناريو ذاته المخيب للآمال، الذي كتب بعد البلاء الحسن الذي أبلته المقاومة الفلسطينية في عملية سيف القدس، فيما بدأ على المقلب الآخر الحديث عن وحدة الساحات واستعداد محور المقاومة للتدخل ليكون الفيضان الكبير لا سيما اذا شنت إسرائيل عدوانا بريا على غزة وذهبت نحو التصعيد العسكري.
ومع كل ما قيل، إن عملية طوفان الأقصى بدأت كعملية من أجل حماية الأقصى أولاً، ولتثبت المقاومة في فلسطين وفي المحور مجتمعاً أن الأقصى خط أحمر، إنه خط أحمر وعلى من يحاول تجاوزه أن يفكر ثانية. لا نعرف وقد مرت ساعات على الحدث العظيم الذي هز الكيان والعالم بالتأكيد، واهتزت معه مشاعرنا الوطنية حتى النخاع، إلى أين سيسير هذا الحدث المبارك، هل سيحقق المطالب بحماية القدس والمقدسات؟ هل سيطلق سراح الأسرى بعد عمليات الأسر الكبرى التي جمعها المقاومون وبالتالي إيقاف الإعتقال الإداري في فلسطين؟ هل سيحتفظ المقاومون بالأراضي التي استطاعوا تحريرها فيما يسمى بنطاق غزة؟ هل ستتوقف إهانة الفلسطينين على المعابر بعد كل هذه العزة التي شعر بها الفلسطينيون من النهر إلى البحر، ومعهم كل أحرار العرب والعالم؟ وهل سيكملون والجميع معهم الطريق نحو تحرير فلسطين؟ والمهم أن الطوفان العظيم آت وعلى الإسرائيليين أن يتحضروا لهذا الحدث التاريخي الكبير.