غزة: حصار إسرائيلي خانق منذ 17 عاما وحملة «افتحوا الموانئ» تذكر العالم بمأساة مليوني مواطن
|
رغم تزاحم الأحداث العالمية، إلا أن الضوء سلط من جديد على قطاع غزة الساحلي ذو المساحة الضيقة، بسبب معاناة سكانه الذين يفوق عددهم المليوني مواطن جراء الحصار الإسرائيلي المشدد المفروض عليهم منذ 17 عاما، والذي يحرمهم من كل مقومات الحياة الطبيعية لأي شعب على وجه الكرة الأرضية، وفي مقدمتها حق السفر والتنقل بحرية، علاوة عن آثاره الكارثية على المستوى الاقتصادي، التي رفعت معدات الفقر والبطالة، وحولت حياة السكان إلى جحيم.
وفي قطاع غزة ضيق المساحة البالغة 365 كيلو مترا مربعا، تتحكم سلطات الاحتلال بالمعابر فيه سواء ذلك المخصص للأفراد وهو بيت حانون «إيرز» أو المخصص للبضائع «كرم أبو سالم» فيما تبقى حركة السفر على معبر رفح الفاصل عن الأراضي المصرية بطيئة جدا، ولا تلبي حاجة السكان المحاصرين، وهو ما دفع جهات عدة للتفكير في إطلاق حملة، هدفها التخفيف من حدة الحصار، بالابتعاد عن مسارات المعابر الإسرائيلية، التي يقتصر المرور بها للحالات الإنسانية والمرضية فقط، تقوم على أساس إيجاد ميناء بحري للقطاع، يسهل حياة السكان.
الحصار طال الغذاء الأساسي
وفرضت إسرائيل حصارها على قطاع غزة، بعد سيطرة حركة حماس على الأوضاع، واعتبرت القطاع «كيانا معاديا» وزعمت وقتها أن هدفها من الحصار هو إضعاف الحركة وإسقاط حكمها، غير أن الحصار طال جميع مناحي حياة السكان، وحولها إلى جحيم، وكثيرا ما دعت الأمم المتحدة إلى رفع الحصار بشكل فوري، غير أن طلباتها لم تجد أي تجاوب. وهنا السكان في قطاع غزة، عانوا وما زالوا من آثار الحصار الإسرائيلي الذي فرض عليهم بشكل مشدد منذ منتصف شهر حزيران/يونيو من العام 2007. فبموجب الحصار شددت سلطات الاحتلال إجراءات تحكمها في البداية ليس في كمية البضائع الغذائية الأساسية التي تمر إلى قطاع غزة، بل تحكمت في كمية السعرات الحرارية التي تخصص لكل ساكن في القطاع، في دلالة على حجم الرقابة على المعابر، والتي حرمت وقتها السكان من الحصول على العديد من المواد الغذائية، بحجة أنها غير أساسية، إلى جانب تقليص كميات الدقيق والزيوت والبقوليات. وقد حول الحصار قطاع غزة لسجن كبير، فمن الشمال والشرق هناك أسلاك شائكة وجدران أسمنتية تفصل القطاع عن حدود المستوطنات الإسرائيلية، وفي الغرب البحر الذي يخضع لتشديدات عسكرية ومراقبة من البحرية الإسرائيلية، ومن الجنوب الحدود مع مصر، والتي يوجد فيها معبر رفح، الذي يعمل بطاقة قليلة، لا تفي احتياجات السكان. ولم تكن ادعاءات سلطات الاحتلال بإدخال تسهيلات على الحصار سوى «ذرا للرماد في العيون» فالتسهيلات اشتملت فقط على زيادة في كميات السلع التموينية الأساسية، التي تعتبر حقا لكل مواطن، وزيادة أيضا في كمية البضائع التي تمر لصالح المؤسسات الدولية التي تقدمها على شكل مساعدات، وإدخال مواد بناء مقننة لصالح مشاريع دولية، فيما يجري التحكم في الكميات الأخرى، إلى جانب تقنين دخول بعض المواد الخام، ومنع إدخال عشرات الأصناف من تلك المواد الخام. ويعني كل هذا الأمر، أن التسهيلات التي أدخلت، هدفها تخفيف حدة الجوع، وليس القضاء على الفقر والبطالة، فالمساعدات والمواد التموينية جعلتها متوفرة في الأسواق، في الوقت نفسه فإن غالبية السكان لا يستطيعون شرائها لعدم توفر الأموال اللازمة بحوزتهم، مع استمرار تصنيفهم ضمن صفوف البطالة المرتفعة، وهو أمر يعود بالدرجة الأولى إلى توقف مئات المصانع وورش العمل، بسبب الحصار الذي لا يزال يمنع إدخال المواد الخام المخصصة لها، كما أجبرت الكثير من تلك المصانع والورش على التوقف، بسبب استهدافها بالقصف والتدمير خلال هجمات شنتها قوات الاحتلال في السنوات الماضية، وقد كان يلاحظ في كل حرب أو تصعيد عسكري، أن لتلك المنشآت نصيبا واضحا في التدمير الممنهج.
ارتفاع معدلات الفقر والبطالة
وفي دلالة على عدم اتخاذ أي إجراءات ملموسة لإنهاء الحصار، حسب الطلبات الدولية، يستمر واقع الحياة الأليم الذي يعاني منه السكان، حيث لا تزال معدلات الفقر والبطالة على حالها، إذ تقدر نسبة البطالة بنحو 50 في المئة من عدد السكان، فيما تفوق نسبة الفقر الـ 65 في المئة من السكان، ولا يزال 80 في المئة منهم يعتمدون على مساعدات خارجية لتدبير أمور حياتهم اليومية. وتشير الأرقام الرسمية إلى أن نسبة البطالة في صفوف الشباب الخريجين وصلت لـ 75 في المئة حيث يعاني 162 ألف خريج من البطالة من قرابة 300 ألف عاطل عن العمل. ويمكن ملاحظة هذا الأمر من كم الشباب والرجال الذين إما تراهم يتجولون في الشوارع، أو يجلسون أمام منازلهم، في ساعات الصباح والظهيرة، لعدم توفر العمل اللازم لهم، كما يمكن ملاحظة الأمر عند المرور أمام المصانع والورش الصناعية، التي إما لا تزال مغلقة، أو تعمل بالحد الأدنى، بعد أن قلصت عدد العاملين. ويؤكد المسؤولون في الغرفة التجارية، أن العمل في الكثير من المصانع بقدرات مقلصة، يعود أيضا إلى وقف سلطات الاحتلال عملية التصدير لبضائع غزة المصنعة، واقتصار عملية التصدير المقننة على كميات قليلة من الخضروات. ويقول ماهر الطباع مدير العلاقات العامة في الغرفة التجارية بغزة، الحصار تسبب في مؤشرات اقتصادية كارثية لها انعكاسات سلبية على الواقع الاقتصادي في قطاع غزة، ويؤكد أن القطاع بحاجة إلى إنهاء كافة الأسباب التي أدت إلى هذا الارتفاع الهائل في معدل البطالة فيه، والمتمثلة في إنهاء الحصار، ورفع القيود المفروضة على غزة منذ سنوات طويلة، حتى تتحسن ظروف القطاع بشكل كبير. ويقول سلامة معروف رئيس المكتب الإعلامي الحكومي، إن الحصار الإسرائيلي، تسبب في تراجع إنتاج القطاع الصناعي في الناتج المحلي إلى نحو 1 في المئة فقط بعد أن كان يساهم بـ5.7 في المئة من الناتج، وأنه أدى إلى توقف أكثر من 2500 منشأة ومصنع، تم تدميرها بشكل كلي أو جزئي خلال السنوات الماضية، ما تسبب بتفاهم المعاناة. ويوضح معروف أن الاحتلال لا يزال يمنع إدخال أكثر 1200 مادة من المواد الخام، إضافة لإعاقة حركة التصدير التي تمثل مورداً مهماً من موارد الاقتصاد الفلسطيني، كما يعاني من الحصار قطاع الصيادين، حيث أدى إلى تراج عدد العالمين في هذا القطاع إلى 2000 بعد أن كان يصل لنحو 5000 وذلك جراء سياسة التقييد التي يمارسها الاحتلال على الصيادين، ومصادرة أدواتهم ومراكبهم والانتهاكات الممارسة بحقهم باستمرار. كما ترك الحصار آثارا خطيرة على القطاع الصحي، تمثلت في منع الاحتلال أكثر من 6000 مريض سنوياً من الخروج للعلاج عبر معبر بيت حانون، ما تسبب فقدان أكثر من 400 مريض لحياتهم، كما أوضح أن الحصار تسبب بفقدان ما يقارب من 43 في المئة من الأدوية داخل وزارة الصحة وأكثر من 25 في المئة من المستهلكات الطبية، إضافة إلى أن الاحتلال يمنع إدخال عشرات الأجهزة التشخيصية والطبية، وقطع غيار العشرات من الأجهزة الطبية المتوقفة عن العمل. ويقول سامي العمصي رئيس نقابة العمال في غزة، إن الحصار ينذر بانفجار الأوضاع داخل القطاع وخروجها عن السيطرة، وأشار إلى أن إسرائيل بإجراءاتها تعمل على «تعميق الأزمة الإنسانية لسكان القطاع، من خلال سياسة منع دخول البضائع أو الأدوية أو الوفود الطبية والإغاثية». ودعا المؤسسات الدولية ووكالة الغوث بتحمل مسؤوليتها وزيادة المساعدات الإنسانية المقدمة لأهالي قطاع غزة في ظل استمرار الحصار المفروض من الاحتلال الإسرائيلي، كما شدد على ضرورة أن تخرج الدول العربية والمجتمع الدولي عن صمتهم والعمل الجدي والحقيقي على كسر الحصار، وتخفيف المعاناة الإنسانية والأوضاع الاقتصادية التي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.
حملة افتحوا الموانئ
شهدت الأيام الماضية حدثين مهمين بسبب إجراءات الحصار المشددة المفروضة على قطاع غزة، الأول تمثل بعودة تنظيم مسيرات شعبية للشبان قرب الحدود الشرقية، شهدت مواجهات شعبية حامية الوطيس، أسفرت عن سقوط عدد من الشهداء وعشرات الجرحى، ودامت تلك الفعاليات لمدة أسبوعين، لجأت في بدايتها سلطات الاحتلال بدلا من تخفيف إجراءات الحصار، إلى تشديده وذلك من خلال إغلاق معبر بيت حانون «إيرز» في وجه العمال لمدة 13 يوما، ما كبد القطاع خسائر مالية قدرها 1.5 مليون دولار يوميا، قبل أن تعيد فتحه من جديد، بالتزامن مع وقف تلك الفعاليات بناء على وعود بتخفيف وطأة الحصار، وليس إنهاءه بالكامل، رغم أن هناك مطالبات ودعوات دولية مستمرة تشدد على وجوب إنهاء هذا الوضع المتدهور الذي يعيشه سكان غزة. أما الحدث الثاني، فتمثل في انطلاق، الحملة العالمية لكسر الحصار عن غزة، بعنوان «افتحوا موانئ غزة» وهي حملة هدفت إلى تسليط الضوء على معاناة سكان القطاع المستمرة. وجاء ذلك في مؤتمر صحافي عقدته الحملة في دولة الكويت، حيث انطلقت أول فعاليات الحملة يوم 22 اب/أغسطس، وتقرر أن تستمر حتى نهاية الشهر، لتشمل على عدة فعاليات أبرزها التظاهرة البحرية التي نظمت في عدة عواصم عربية وأوروبية في وقت متزامن. وأكدت حملة «افتحوا موانئ غزة» على مسؤولية العالم أجمع في توفير أبسط مقومات العيش الكريم لأهل قطاع غزة، والاستمرار في دعم الشعب الفلسطيني، وأشارت إلى أن الواقع الاجتماعي والإنساني والاقتصادي في القطاع يتدهور كل لحظة بسبب الحصار المتواصل، نظراً إلى عجز المجتمع الدولي عن إنهاء الحصار الذي وصف حسب تقارير أممية، بأنه جريمة ضد الإنسانية، ولا سيما بسبب حالة التجويع وانعدام الأمن الغذائي بسبب هذه السياسة، ودعت اتحاد المحامين العرب لرفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد الكيان الصهيوني لمطالبته برفع هذا الحصار، ومعاقبته على كل الجرائم الإنسانية التي ترتبت عنه. وخلال انطلاق فعاليات الحملة في غزة، التي تمثل في تظاهرة بحرية، من خلال مراكب خرجت من مرفأ الصيادين بمدينة غزة، صوب الحدود البحرية الشمالية للقطاع مع دولة الاحتلال، رافعة للأعلام الفلسطينية ولافتات تنادي بإنهاء الحصار، قال يسرى درويش، متحدثا باسم مؤسسات المجتمع المدني، إن الشعب الفلسطيني لن يقبل بأن يتعرض للموت البطيء، مؤكدا أن هذه الفعاليات تعد جزءا من عمل مشترك ومستمر لايصال عدة رسائل للعالم بأن الشعب الفلسطيني له الحق بإقامة دولته الفلسطينية على أرضه وله الحق بأن يستخدم موانئه ومعابره. وأكد أن هذه الفعاليات توجه رسالة بأن افتحوا موانئ غزة، بحيث ترسل رسائل عديدة بان يتم رفع الحصار عن غزة وأنه لا يمكن السكوت عن الظلم الذي يتعرض له، وقال مستهجنا «لا يعقل ان يستمر الحصار على مدار 17 عاماً بها تقييد لحرية السفر والتضييق على الصيادين وتكدس الخريجين العاطلين عن العمل وتعطيل حركة التجارة البحرية والبرية لخارج القطاع» وشدد على ضرورة اعتبار الحصار المفروض على غزة «جريمة يعاقب عليها المجتمع الدولي» قائلا إن رفع الحصار مسؤولية العالم. وأشار إلى أن هذه الفعالية تأتي ضمن حملة دولية في 25 تجمعا من دول عربية وأوروبية، وترسل رسائل عديدة تقول للعالم أنه لا يمكن أن نبقى صامتين ولن نقبل استمرار الحصار على غزة. وضمن تلك الفعاليات، نفذ حشد من المواطنين في لبنان قبل أيام، وقفة تضامنية لكسر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، في إطار الحملة الدولية «افتحوا موانئ غزة» كما نظمت فعاليات أخرى في تركيا والأردن وعدة عواصم أجنبية. وبهدف إسناد الحملة، نظمت حملة تغريد على مواقع التواصل على وسم «»#افتحوا موانئ غزة» و «#»opengazaports ركزت على فضح سياسات الاحتلال، وما يعانيه سكان غزة بسبب الحصار. وتهدف الحملة إلى التعريف بمأساة السكان في غزة، ودفع الدول والمؤسسات الإغاثية، نحو تفعيل نشاطها الخيري، وتنفيذ مشاريع تساهم في تخفيف الحصار.
منع وصول القوافل البحرية
والجدير ذكره أن الاحتلال ألغى مشروع إقامة ميناء تجاري لقطاع غزة، وذلك بعد اندلاع أحداث «انتفاضة الأقصى» قبل 23 عاما، بعد أن كان قد أعطى موافقة على المشروع، بناء على «اتفاقية أوسلو» كما دمر الاحتلال بعد اندلاع تلك الانتفاضة مطار غزة الدولي، الذي لم يدم العمل به إلا لوقت قصير، وكان يعتبر ممرا سهلا يسلكه السكان للعالم، من دون المرور بإجراءات السفر المعقدة عبر معابر الاحتلال، أو السفر عبر الأراضي المصرية وهي رحلة سفر طويلة جدا. وفي غزة يوجد مرفأ صغير مخصص لمراكب الصيادين، وكان هذا المرفأ قد استضاف في سنوات الحصار الأولى، عددا من السفن التي انطلقت من موانئ أوروبية بهدف كسر الحصار المفروض على السكان، وتلك السفن الصغيرة كانت تقل عددا من المتضامنين الأجانب. لكن بعد تشكيل تحالفات دولية لكسر الحصار، من خلال تنظيم رحلات بحرية بسفن أكثر عددا، تقل بعض المساعدات والناشطين، لجأت سلطات الاحتلال إلى منع وصول تلك القوافل التي أطلق عليها اسم «أسطول الحرية» بالقوة، ولجأت إلى دفع قواتها الخاصة لاقتحام تلك السفن، وكان أعنف تلك الهجمات ما تعرض له أسطول الحرية الأول في شهر ايار/مايو من العام 2010 وقد أدى ذلك الهجوم إلى استشهاد عشرة متضامنين أجانب جميعهم يحملون الجنسية التركية، وإصابة العشرات بجراح، وقامت خلالها قوات الاحتلال بمصادرة تلك المراكب وما بداخلها من مساعدات، ومنعت إدخالها لسكان القطاع المحاصرين، ولجأت بعد ذلك إلى منع سفن أخرى من الوصول لغزة، بسبب تحكمها بشكل غير قانوني بالحدود البحرية، وقد ارتكبت بعض الهجمات على قوافل المساعدات ضمن الحدود البحرية الدولية. كما قامت سلطات الاحتلال بمنع سفن بحرية تقل مسافرين من غزة للعالم، من الوصول إلى وجهتها، وكان ذلك حين اعترضت «سفينة الحرية» في تموز/يوليو من العام 2018 واعتقلت من عليها من طلبة ومرضى، قبل أن تطلق سراحهم بعد استجوابهم، لكنها أبقت على اعتقال ربانها لعدة سنوات.
أشرف الهور
المصدر: صحيفة القدس العربي
الكونغرس الأمريكي يمرر مشروع قانون لتجنب الإغلاق الجزئي للحكومة
|
أقر الكونغرس الأمريكي مشروع قانون مؤقت للتمويل في وقت متأخر أمس السبت بدعم ساحق من الديمقراطيين بعد أن تخلى رئيس مجلس النواب الجمهوري كيفن مكارثي عن طلب سابق من المتشددين في حزبه بإقرار أي مشروع قانون عبر أصوات الجمهوريين فحسب.
وصوت مجلس الشيوخ ذو الأغلبية الديمقراطية بأغلبية 88 صوتا مقابل 9 لتمرير الإجراء لتجنب الإغلاق الجزئي الرابع للحكومة الاتحادية خلال عقد من الزمن، وأرسله إلى الرئيس جو بايدن لتوقيعه ليصبح قانونا قبل الموعد النهائي الساعة 12:01 صباحا بتوقيت شرق الولايات المتحدة (0401 بتوقيت غرينتش ).
وتخلى مكارثي عن إصرار المتشددين في الحزب في وقت سابق على إقرار أي مشروع قانون عبر أصوات الجمهوريين فحسب، وهو تغيير قد يدفع أحد أعضاء الحزب من اليمين المتطرف إلى محاولة الإطاحة به من دوره القيادي.
وأيد مجلس النواب تمويل الحكومة لمدة 45 يوما أخرى بأغلبية 335 صوتا مقابل رفض 91، ونال الأمر دعم نواب ديمقراطيين أكثر من الجمهوريين.
ويمثل التصويت تحولا كبيرا في الوضع عما كانت عليه قبل أيام، عندما بدا الإغلاق أمرا لا مفر منه. ويعني أي إغلاق أن معظم موظفي الحكومة البالغ عددهم أربعة ملايين شخص لن يتلقوا رواتبهم سواء كانوا يعملون أو لا، كما سيؤدي إلى إغلاق مجموعة من الخدمات الاتحادية من المتنزهات الوطنية إلى الهيئات التنظيمية المالية.
الديمقراطيون يرونه فوزا
أيد نحو 209 ديمقراطيين مشروع القانون، وهو عدد أكبر بكثير من 126 جمهوريا وافقوا عليه. ووصف الديمقراطيون النتيجة بأنها فوز.
وقال زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز للصحفيين قبيل التصويت “لقد خسر الجمهوريون المتطرفون… وفاز الشعب الأمريكي”.
وحظي التحول في موقف مكارثي بدعم زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، الذي أيد في وقت سابق إجراء مشابها كان مجلس الشيوخ سيجري تصويتا محتملا عليه ويحظى بتأييد كبير من الحزبين، على الرغم من أن مشروع قانون مجلس النواب أسقط المساعدات لأوكرانيا.
ويوفر مشروع القانون 45 يوما أخرى من التمويل للحكومة الاتحادية، وهو ما يكفي للاستمرار حتى منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني، ولكنه لا يوفر أموالا إضافية لمساعدة أوكرانيا في محاربة الغزو الروسي.
وهون مكارثي من المخاوف من أن يحاول جمهوريون متشددون الإطاحة به.
ولكنه قال للصحافيين “إذا اضطررت إلى المخاطرة بعملي من أجل الدفاع عن الشعب الأمريكي، فسوف أفعل ذلك”.
المصدر: وكالة رويترز
الفلسطينيون يقدمون 14 مطلبا للسعودية من أجل “إحياء” اتفاق أوسلو ضمن صفقة التطبيع مع إسرائيل
|
أكدت صحيفة “هآرتس” العبرية اليوم الأحد، ما قاله قيادي فلسطيني في رام الله لـ”القدس العربي” حول اندفاع السعودية نحو التطبيع مع إسرائيل دون التمسك بمبادرتها للسلام، والتي تحوّلت إلى مبادرة عربية بعد القمة العربية في بيروت عام 2002.
بخلاف ما جاء في صحف سعودية أمس السبت حول التزام الرياض بالمبادرة العريبة، وبأنها متأنية وليست مستعجلة من أمرها، تنقل “هآرتس” اليوم عن ثلاثة مصادر في الشرق الأوسط مطلعة على المداولات السرية، قولها إن السعودية مصمّمة على نيل تحالف عسكري مع الولايات المتحدة مقابل تطبيع مع إسرائيل، حتى لو لم تقدّم هذه الأخيرة “تنازلات” للفلسطينيين.
وتشير “هآرتس” أيضا لتصريحات وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن التي قال فيها إن شروط الفلسطينيين في “الاتفاق” مع السعودية وإسرائيل جوهرية جدا، وأنها ستدفع بخطوات نحو تسوية الدولتين. موضحا أنه بالنسبة لإدارة جو بايدن، يجب أن يشمل الاتفاق تقدما نحو هذه التسوية.
وتابع بلينكن: “التطبيع بين السعودية وإسرائيل قادر على خلق واقع أفضل في الشرق الأوسط، ولكن ليس على حساب الموضوع الفلسطيني أو بدلا منه”.
كذلك قال جون كيربي، مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، إن كل الأطراف المتداخلة في المداولات بين الولايات المتحدة والسعودية وإسرائيل، ستضطر للاتفاق على تنازلات وتسويات من أجل التوصّل لاتفاق.
لكن في المقابل، تنقل “هآرتس” عن المصادر الشرق أوسطية الثلاثة المطلعة على الاتصالات السرّية، قولها إن المطالب الفلسطينية لن تحقق طموحات الفلسطينيين بالدولة المستقلة والسيادة الواسعة، وسيضطرون للاكتفاء بـ”تسهيل القيود الإسرائيلية”.
تعزيز الكينونة الفلسطينية
هذا ما أكده مصدر فلسطيني مطلع في رام الله لـ”القدس العربي” أمس السبت، موضحا أن الجانب الفلسطيني توافق مع السفير السعودي نايف السديري خلال لقاءاته مع القيادة الفلسطينية قبل أيام، على أن الفرصة الراهنة غير متاحة لاتفاق يقيم دولة فلسطينية، وأن الممكن هو تلبية طلبات تعزّز الكينونة السياسية الفلسطينية، وتُبقي فكرة “الدولتين” على قيد الحياة، وتلبية مطالب عينية تخفّف على الفلسطينيين وزر الاحتلال.
ونقل المصدر عن السفير السعودي قوله للقيادة الفلسطينية، إن السعودية في الظروف الحالية لا تستطيع أن تأتي بدولة فلسطينية، وأنه اقترح عليها تقديم سلة طلبات فلسطينية “واقعية” تحيي اتفاق أوسلو لحملها إلى الولايات المتحدة ومتابعتها من أجل تحقيقها.
ويوضح المصدر لـ”القدس العربي” أن السلطة الفلسطينية متفهّمة للموقف السعودي، وقررت استخلاص العبر من تجربة تطبيع الإمارات والبحرين، والانتقال من الرفض الجارف، إلى المشاركة في الاتفاق المحتمل مع السعودية من أجل تحسين أحوالها، وتوسيع وتعزيز سيادتها ومناعتها.
وطبقا للمصدر، قدّم الجانب الفلسطيني 14 مطلبا تدعو لتطبيق اتفاق بنود أوسلو المعلّقة وأهمها: بناء مطار فلسطيني، سيادة فلسطينية كاملة على المنطقة “أ”، تطبيق “النبضة الثالثة” من الانسحابات الإسرائيلية في المنطقة “ج” والبالغة 13% من مساحتها، فتح اتفاق باريس الاقتصادي والإفراج عن العائدات المالية المستحقة للفلسطينيين والبالغة اليوم نحو 800 مليون دولار، تطبيق اتفاق المعابر الحدودية مع الأردن بتثبيت رجال أمن فلسطينيين فيها، وقف الإجراءات الإسرائيلية الأحادية كالاستيطان وغيره.
وقال المصدر الفلسطيني إن السلطة تراهن على أن تلبية هذه المطالب من شأنها تعزيز الكيان السياسي الفلسطيني، والاحتفاظ بحل الدولتين، وإحياء اتفاق أوسلو، وإفشال مخطط أوساط إسرائيلية حكومية تعمل من أجل انهيار السلطة الفلسطينية. وقال أيضا إن الجانب الفلسطيني قبل بالموقف السعودي الداعي لإرجاء المبادرة العربية للسلام في هذه المرحلة، لعدم وجود شريك لها في الجانب الإسرائيلي.
يذكر أن هناك تسريبات متواصلة تفيد بتحفظ المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من الشق الأمني في المفاوضات، بما يشمل مطالب الرياض بالحصول على دعم أمريكي لتطوير برنامج نووي مدني على الأراضي السعودية، علاوة على تحفظ بعض الوزراء المتشددين تجاه أي “تنازلات” للفلسطينيين.
ولكن حتى الآن يلتزم المسؤولون في قيادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية الصمت، ويتحاشون التعليق على التقدم نحو الاتفاق مع السعودية، لحساسية الموضوع، رغم عدم وجود أي تغيير في موقفها المعارض بشكل منهجي لمشروع نووي خاص يشمل تخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية خوفا من عدم الاستقرار فيها، ومن احتمال تبدل نظام الحكم وظهور حكام جدد معادين لإسرائيل.
ويشكك المسؤولون الأمنيون في إسرائيل، بقدرة الولايات المتحدة على ضمان بقاء تخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية في نطاقه المدني، وألّا يعرض إسرائيل للخطر. ويؤكدون ضرورة عدم اتخاذ قرار نهائي بهذا الشأن، إلا بعد إجراء دراسات مستفيضة معمقة حيال هذه المسألة.
المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية
ترجمة: صحيفة القدس العربي
تسوية الأزمة اليمنية.. المفاوضات في السعودية والقلق في الإمارات
|
يشهد ملف الأزمة اليمنية منذ أسابيع عدة حراكًا دبلوماسيًا وسياسيًا ماراثونيًا لم تنته جولاته بعد، تبادلت خلاله وفود سعودية وحوثية الزيارات العلنية إلى الرياض وصنعاء بوساطة عُمانية، وسبقتها خطوات عملية أشاعت أجواء التفاؤل مثل تبادل الأسرى ودخول المساعدات الإنسانية لليمن، فضلًا عن انخفاض وتيرة المعارك بشكل كبير في ظل هدنة تسري منذ أكثر من عام.
مع التقدم الجاري في محادثات وفد من الحوثيين مع مسؤولين سعوديين في الرياض، يتصاعد الترقب والقلق في أبو ظبي من أي اتفاق محتمل قد يمهد الطريق لإنهاء الصراع الدائر في اليمن منذ نحو 8 سنوات، وهو ما يثير الشكوك بشأن انعكاسات موقف الإمارات المخيِّب للآمال والمنزعج من تقارب وجهات النظر في قضايا عديدة بين الحوثيين والمسؤولين السعوديين.
ماذا حدث في الرياض؟
هذا السؤال يبحث عن إجابته اليمنيون جميعًا، وهم ينظرون إلى مصير بلادهم يتحدد بعيدًا عنهم، فقبل أسبوعين، وصل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى العاصمة العُمانية مسقط قادمًا من الهند، واجتمع بسلطانها بمعية شقيقه وزير الدفاع خالد بن سلمان، لإنجاز تسوية مع ميليشيا الحوثي ظلت معلقة منذ 5 شهور.
في اليوم الثالث لوجود ابن سلمان في مسقط، غادرها وفد من الحوثيين مع وسطاء عمانيين إلى العاصمة السعودية الرياض في إشارة إلى أن النقاط الأساسية قد حُسمت في لقاءات ابن سلمان في مسقط بمعية مفاوضين إيرانيين وقيادات حوثية.
وصل وفد الحوثي الرياض في أول زيارة من نوعها إلى المملكة منذ انطلاق “عاصفة الحزم” عام 2015، في مسعى لإيجاد حل لمسألة الحرب في اليمن واستعادة مؤسسات الدولة وإحلال الأمن وإطلاق مسار التنمية، لكن الأمر بدا كأنهم في انتظار ما سيحمله ابن سلمان وشقيقه اللذان عادا إلى المملكة في اليوم الرابع من وصول وفد من الحوثيين إلى الرياض.
هذه المفاوضات التي دامت 5 أيام، جرت هذه المرة علنًا، وبناءً على دعوة سعودية وبتنسيق عُماني، لكن طبيعتها ظلت سرية، واستمرت عمليات التكتم على مسارها، وتزايدت التكهنات بشأنها خاصة مع اقتضاب الإيضاحات التي قدمها الجانبان.
مسؤولون من وفد الحوثيين
وفق الخارجية السعودية فقد وجهت الدعوة للوفد الحوثي استكمالًا للجولة الرسمية الأولى التي أجراها وفد سعودي برئاسة سفير المملكة في اليمن محمد آل الجابر في أبريل/نيسان الماضي، وقالت في بيانها إن الزيارة تأتي امتدادًا للمبادرة المعلنة في مارس/آذار 2021 من الرياض ومسقط لوقف إطلاق النار والتوصل إلى حل سياسي شامل ومقبول من الأطراف اليمنية كافة.
أما الحوثيون فوجودهم في الرياض تجاوز الترحيب كونهم طرفًا أساسيًا فيها مقابل غياب أطراف أخرى فاعلة في المشهد اليمني، وقالوا على لسان رئيس فريق المفاوضين والمتحدث باسم الحوثيين محمد عبد السلام إن جولة التفاوض الأخيرة جاءت في إطار النقاشات مع الوفد السعودي في لقاءات عديدة سابقة بمسقط وصنعاء، وأنه جرى خلالها بحث البدائل لتجاوز قضايا الخلاف.
تقول الجماعة على لسان قيادات تابعة لها إن الحل الشامل لا يتحقق إلا بالحوار ووقف الحصار، والمحادثات مع الرياض طابعها إنساني، فهي تتركز حول إعادة فتح الموانئ التي تخضع لسلطتهم ومطار صنعاء بشكل كامل، وآلية دفع أجور موظفي القطاع العام ومناقشة جهود إعادة الإعمار ووضع جدول زمني لخروج القوات الأجنبية من اليمن، والإفراج عن الأسرى والمعتقلين كافة، فيما لم تنف الرياض ذلك.
علامات الموقف الإماراتي المنزعج من مفاوضات السعودية مع الحوثيين ظهرت في أكثر من محطة، وعبر مجموعة من المغردين المقربين من حكام الإمارات
مع اقتراب مغادرة المفاوضين الحوثيين الرياض، أفادت وكالة “رويترز” بأن المحادثات أحرزت بعض التقدم فيما يتعلق بالنقاط الشائكة الرئيسية بين وفد يمثل الجماعة ومسؤولين سعوديين بما في ذلك الجدول الزمني لخروج القوات الأجنبية من اليمن وآلية دفع أجور الموظفين، كما ركزت على إعادة فتح الموانئ التي يسيطر عليها الحوثيون ومطار صنعاء بشكل كامل.
وفي الوقت الذي لم يتم الكشف عن مستجدات المفاوضات، ذكرت تسريبات أن أبرز ما تركزت عليه النقاشات في الملف العسكري تتمثل في تثبيت وقف إطلاق النار بشكل دائم في أنحاء اليمن بما في ذلك الغارات الجوية والهجمات العابرة للحدود.
وفي الملف الاقتصادي، إعادة تصدير النفط والغاز، على أن تخصص العائدات لصرف مرتبات جميع الموظفين المدنيين والعسكريين في جميع المحافظات، ورفع كل القيود عن مطار صنعاء الدولي وميناء الحديدة، بالإضافة إلى توحيد وإعادة هيكلة البنك المركزي اليمني ونقله إلى دولة محايدة بشكل مؤقت لتنفيذ مهامه بشكل مهني ومحايد.
كما تركزت المناقشات على فتح بعض الطرقات بشكل تدريجي ومتزامن على أن تشمل الطرق الرئيسية في محافظات تعز والضالع ومأرب والحديدة، إلى جانب إطلاق سراح جميع الأسرى والمعتقلين والمختطفين والمخفيين قسرًا.
ووفقًا للسعوديين، فإن المحادثات حملت نتائج إيجابية بشأن التوصل إلى خريطة طريق لدعم مسار السلام وفق الخارجية السعودية، ولاقت ترحيبًا من وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، وتحدث عضو المكتب السياسي لجماعة الحوثيين علي القحوم عن أن المسؤولين السعوديين سيتوجهون مع وسطاء عمانيين إلى صنعاء للمساعدة في تقريب وجهات النظر بين الجانبين.
Met the Sanaa delegation visiting Riyadh to continue efforts supporting the peace process in Yemen. I emphasized the Kingdom's support for Yemen and reaffirmed our commitment to promoting dialogue among all parties to reach a comprehensive political solution under UN supervision. pic.twitter.com/UNNf1NTZgz
هذا الانفتاح يأتي وفق ما أكده المحلل السياسي اليمني سلمان المقرمي لـ”العربي الجديد” في ظل الضغط الشعبي المتحرك في مناطق الحوثيين من أجل الخدمات والرواتب، الذي كان ضاغطًا حقيقيًا على الحوثيين ومهددًا لاستقرارهم كسلطة أمر واقع، موضحًا أن هذه العوامل تحد من سلطة الحوثي، التي كانت تبرر للمواطنين عجزها بأنها تعيش في حالة حرب.
تتزامن تلك المحادثات مع جهود سلام تبذلها الأمم المتحدة التي تسعى إلى التوصل لاتفاق يسمح لها باستئناف عملية سلام سياسية على نطاق أوسع، ومع ذلك تبقى تجربة السنوات الماضية كافية لتكوين فكرة سيئة عن إمكانية نجاح الأمم المتحدة – كمنظمة أممية لرعاية عملية السلام في اليمن – وآلياتها التقليدية في إيجاد مخرج سياسي للأزمة اليمنية.
يتزامن ذلك أيضًا مع ضغط من المجتمع الدولي باتجاه الحرب في اليمن، فقد ضغطت الولايات المتحدة على السعودية لإنهاء الحرب، وربطت بعض دعمها العسكري بإنهاء المملكة تدخلها في اليمن، وهو ما يجعل المفاوضات مع الحوثيين خطوة مهمة للاتفاق على تسوية، غير أن تعقيدات الصراع في اليمن، وغياب التصور لشكل التسوية يحتاج نقاشات ومفاوضات عميقة وشاملة.
اللافت في الأمر أيضًا أن المباحثات جرت دون وجود ممثلين للمجلس الرئاسي والحكومة الذين اكتفوا بالمباركة وتأييد كل المساعي الهادفة إلى تحقيق السلام المبني على المرجعيات الثلاثة (المبادرة الخليجية ومؤتمر الحوار الوطني وقرار مجلس الأمن 2216)، وتأكيد ثقتهم في السعودية وجهود سلطنة عمان للتوصل إلى حلول “تحفظ لليمن دولته بسيادتها ووحدتها وجمهوريتها” وفق وصفهم.
الأفعال في الرياض وردودها في أبو ظبي
تحركات سياسية تقودها أطراف عدة لتدوير الزوايا بين القوى اليمنية، سبقتها لقاءات بين المبعوث الأممي والمجلس الرئاسي أو ما يُعرف بـ”الشرعية” للبحث عن حلول جزئية أو كلية لبلاد أنهكتها الانقسامات والحروب، في حين لم تسجل الإمارات حضورها وسط كل هذه الجولات إلا في اجتماع لوزير خارجيتها ونظيريه السعودي والأمريكي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة لبحث جهود السلام وإنهاء سنوات الحرب.
سلام يُنتظر منه أن تضع الحرب أوزارها في اليمن، ويؤسس لتصالح وشراكة بين اليمنيين في إدارة بلدهم، وهو أمر لا يبدو أنه يعجب من كان يحرك القوات ويسيطر على الجزر ويغلق الموانئ ويعقد الصفقات بمجرد اتصال أو دراهم معدودة.
في أول رد على مسار المحادثات بين الحوثيين والسعودية، زادت حدة الغضب الإماراتي بسبب تقارب وجهات النظر في قضايا عديدة بين الحوثيين والمسؤولين السعوديين، التي يُتوقع أن ينتج عنها اتفاق يفضي إلى وقف شامل لإطلاق النار في اليمن وحل سياسي ينهي الصراع.
لم يصدر من أبو ظبي أي بيان رسمي عن التحركات والجهود التي تقوم بها السعودية وسلطنة عُمان في سبيل الوصول إلى سلام دائم في اليمن، لكنها أوزعت إلى ذبابها الإلكتروني للتشكيك في مسار المفاوضات وتخويف المكونات اليمنية بل والتحريض علنًا تأييدًا للدعوات الانفصالية.
علامات الموقف الإماراتي المنزعج من مفاوضات السعودية مع الحوثيين ظهرت في أكثر من محطة، وعبر مجموعة من المغردين المقربين من حكام الإمارات، لعل أحد هذه المواقف ما ألمح إليه الأكاديمي عبد الخالق عبد الله، مستشار رئيس الدولة محمد بن زايد، في حسابه على منصة “إكس” (تويتر سابقًا) بأن السعودية تسعى لتسليم ما أسماه الجنوب العربي لجماعة الحوثيين، معتبرًا أن “القضية الجنوبية ليست قضية انفصال بل تحرر وطني يستحق دعم دول العالم وشعوب المنطقة لتأسيس وطن حر ودولة مستقلة”، حسب قوله.
لماذا يصر البعض على تسليم الجنوب العربي لجماعة الحوثي الايرانية الانقلابية بصنعاء. قضية الجنوب العربي ليست قضية انفصال بل هي قضية تحرر وطني يسعى شعب الجنوب تأسيس وطنه الحر ودولته المستقلة ويستحق دعم دول العالم وشعوب المنطقة وفي المقدمة دول وشعوب الخليج العربي. دولة ولها عنوان pic.twitter.com/nzVEBCitHg
وفي تغريدة على حسابه الشخصي على موقع “إكس”، أشار نائب شرطة دبي ضاحي خلفان، المقرب من ابن زايد، إلى أن المحادثات بين السعودية والحوثيين تعني تسليم اليمن للحوثيين، ودعا للالتفاف إلى قرار المفاوضات الذي قد يفضي إلى “إنشاء مملكة هاشمية يمنية” حسب قوله.
تتحدث الاوساط الحوثية عن فكرة انشاء مملكة هاشمية يمنية..اذا صحت الأخبار…ينبغي لمن يهمه الأمر مراجعة القرار.
هكذا بات الموقف الإماراتي مكشوفًا أكثر من أي وقت مضى، وليس من المستغرب أن يتزامن التحريض على تقسيم اليمن مع مرحلة تشهد تقاربات إقليمية ودولية برعاية عمانية لإنهاء الحرب.
وبالنسبة لأدوات الإمارات الخارجية المتمثلة في المجلس الانتقالي، فقد طالب في بيان له بعملية سياسية شاملة غير مشروطة، في إشارة إلى رفضه للمرجعيات الثلاثة التي تتمسك بها الحكومة الشرعية، ودعا إلى إقرار ما أسماه قضية شعب الجنوب، ووضع إطار تفاوضي خاص لحلها كأساس لبدء جهود السلام والالتزام باتفاق الرياض ومخرجات مشاورات مجلس التعاون الخليجي.
القيادي في المجلس الانتقالي أحمد بن بريك أوضح أن المجلس يقف مع التحالف في رغبته في إنجاز سلام دائم، لكن ترحيبه كان مشروطًا بالاعتراف بأحلامه الانفصالية، وفي المحصلة، فإن موقفه لا يمثل كيانه بقدر ما يمثل موقف أبو ظبي الواقفة وراء تشكله ودعمه، غير أن الموقف المعلن لا يعني الموافقة.
نحن في الجنوب والمجلس الانتقالي مع التحالف في تحقيق سلام دائم وإيقاف الحرب نهائياً شريطة ان يتم تحقيق مطالب شعبنا في فك الارتباط.
مع إطلاق مثل هذه التصريحات المؤيدة للمفاوضات بين الرياض والحوثيين – وإن بدت مشروطة – بدأ القلق الإماراتي من فقدان ورقة المجلس الانتقالي الجنوبي – الذي تدعمه على تعزيز جهوده نحو إعلان الانفصال بشكل أحادي – يتصاعد، فمن خلاله تمرر أبو ظبي أجندتها في المنطقة على حساب الاستقرار المنشود من أي تقاربات تُفضي إلى سلام شامل في البلاد.
على مدار السنوات الماضية، أدَّت الإمارات دورًا في إضعاف الشرعية وتعميق الخلافات بين مكوناتها – خاصة بعد اتفاق الرياض – عبر دعم المجلس الانتقالي وتمكينه عسكريًا في العاصمة المؤقتة عدن، لتحقيق أهدافها في السيطرة على المنشآت الحيوية والجزر اليمنية.
الخلاف على يمن ما بعد الحرب
تتضارب المصالح السعودية الإماراتية في اليمن، وتظهر على هيئة خلافات تخفت وتعود إلى السطح، خلافات لم تتحدث عنها الدولتان، لكن الإدارة الأمريكية وصفتها بخطر حقيقي يزيد من تعقيد المشهد وعرقلة ملف السلام، ويعقد ملف الجهود الأمريكية للتفاوض.
بات العالم يتحدث عن خلاف عميق بين أبو ظبي والرياض يظهر بشكل جلي في اليمن، وصار الخلاف بينهما حديث الصحافة الدولية بين الحين والآخر، وتأثيره على الملف اليمني محور رئيسي في تقاريرها.
في وقت سابق من هذا الشهر، كشفت وكالة “بلومبيرج” الأمريكية أن الخلاف بين دولتين جارتين اتفقتا على توحيد صفوفهما ضد الحوثيين المدعومين من إيران يتصاعد بشأن مصير اليمن، حيث يسعى كل طرف للسيطرة على البلد الذي ينظر إليه الطرفان على أنه جزء لا يتجزأ من أمنه.
السلام كما الحرب في اليمن بالنسبة لابن سلمان مجرد لعبة يمارسها حين يشاء متكئًا على رصيد بلاده من أموال النفط
الوكالة أضافت أن الدولتين الخليجيتين تسعيان لفرض أجندتهما في البلاد وتقاسم النفوذ والجغرافيا في بلد يعاني من أزمة إنسانية صعبة منذ سنوات، فيما يهدد هذا الخلاف الهدنة الهشة مع الحوثيين، والجهود الدولية لإنهاء الحرب في اليمن، ويتسبب في التصعيد إلى جولة جديدة من الحرب بين الجماعات المدعومة من الإمارات والسعودية.
يرى مراقبون أن تلك الانقسامات بين البلدين بشأن الشكل الذي يجب أن يبدو عليه اليمن بعد الحرب تظهر حجم المأساة التي يعيشها اليمنيون، وكيف حولته دول التحالف منذ سنوات إلى ساحة حرب مستعرة لا تهدأ نيرانها.
ويُتوقع أن ينعكس الخلاف في خضم الأزمة اليمنية على سياسة وأسلوب إدارة الدولة ويقلل من فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة في البلاد، بينما تخشى الإدارة الأمريكية – التي تقول إنها تهدف لإنهاء النزاع – أن تؤدي هذه الخلافات إلى تقوية نفوذ إيران، الخصم السياسي لها في المنطقة.
مبعوث واشنطن الخاص إلى اليمن ليندر كينغ أوضح للصحفيين الشهر الماضي أن دول المنطقة لديها دور أساسي تلعبه في إحلال السلام باليمن، فيما تبدو الأسابيع القادمة حاسمة، حيث تستعد السعودية لجولة جديدة من المحادثات مع قادة الحوثيين الذين هددوا مجددًا باستئناف حرب جديدة.
خيَّمت أجواء التوتر مؤخرًا على المشهد اليمني عقب مقتل جنديين بحرينيين في هجوم استهدف موقعهما جنوب السعودية قرب الحدود مع اليمن، وفي حين اتهمت السعودية الحوثيين بالمسؤولية عن الهجوم، وطالبت بضرورة وقف تدفق الأسلحة إلى اليمن، لم ينف الحوثيون هذه الاتهامات، لكنهم شددوا على أن خروقات التحالف بقيادة السعودية مستمرة، ما قد يلقي بظلاله على محادثات السلام.
ورغم أن استئناف العلاقات السعودية الإيرانية هي أيضًا عامل معزز مهم لدفع جهود السلام في اليمن، لا تختلف السعودية والإمارات على أن إيران تشكل تهديدًا لهما، غير أن موقف التهديد هو مكمن الخلاف بحسب مراقبين، إذ تبدو الإمارات ماضية في إستراتيجيتها الواضحة في السيطرة على جنوب اليمن باعتباره منصة القفز الرئيسية إلى النفوذ البحري في الشرق الأوسط، فيما تبدو السعودية بلا أي رؤية لما أرادته من حملتها العسكرية ودون إستراتيجية واضحة لمواجهة هذا التوغل والتنافس الإماراتي في اليمن والبحر الأحمر.
قد يختلف التأويل بالنسبة لولي العهد، فالحرب التي أطلق شرارتها بالتزامن مع صعوده السياسي حققت أهدافه الخاصة، فقد أمَّنت له الأسباب لفرض قبضة حديدية وإقصاء منافسيه بدواعي الحفاظ على الأمن القومي، وفتحت شهيته لتقديم نفسه كزعيم قادر على بناء تحالفات والتملص من مسؤولية الجرائم المرتكبة ضد المدنيين في اليمن، ووفرت له الأطراف اليمنية الغطاء للإفلات من المساءلة.
السلام كما الحرب في اليمن بالنسبة لابن سلمان مجرد لعبة يمارسها حين يشاء متكئًا على رصيد بلاده من أموال النفط وقابلية الأطراف للبيع بقيمة متدنية، ويبدو أنه مقتنع بأن خريطة السلام والحل قائمة على احتمالية أن ما تريده بلاده يجب أن يتم، معتقدًا أنها تحمل تفويضًا لإنجاز تسويتها الخاصة في اليمن.
لكن التاريخ والمنطق والجغرافيا وكل المؤشرات تقول إن صناعة السلام لا تُطبخ على عجل، ولا ينهي التوقيع على الاتفاقات حالة الحرب في بلد تتقاتل أطرافه بعد توقيع اتفاقات السلام، وسيطرت فيه الإمارات على الوضع العسكري والإداري بشكل كامل في مدن يمنية إستراتيجية، وتمددت لتصبح صاحبة النفوذ الأقوى، مستغلة انشغال السعودية بالدفاع عن حدها الجنوبي من هجمات الحوثيين.
يبقى السؤال عن قدرة الرياض على سد شهية الإمارات المفتوحة لتوسيع نفوذها وسحب البساط من تحت أقدامها في اليمن وإلزامها بموقف مجلس التعاون الخليجي الموحد من القضية اليمنية ليُكتب النجاح للجهود العمانية والسعودية الرامية لطي صفحة الحرب التي باتت تشكل خطرًا على المنطقة برمتها.
إسراء سيد
المصدر: موقع نون بوست
5 أشكال للتطبيع السعودي الإسرائيلي الموجود بالفعل
|
في حين أن توقيت صفقة محتملة لتطبيع العلاقات بين المملكة العربية السعوديةو”إسرائيل” لا يزال مجهولًا، فإن الحديث عن مثل هذه الخطوة يكتسب زخمًا سريعًا.
عندما سُئل ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، الأسبوع الماضي عن مدى قرب التوصل إلى اتفاق، قال: “كل يوم نقترب أكثر”.
لكن السعودية تؤكد منذ فترة طويلة أنها لن تقوم بتطبيع العلاقات مع “إسرائيل” حتى يحصل الفلسطينيون على دولتهم الخاصة، وهو أمر غير مرجح أكثر في ظل الحكومة الائتلافية اليمينية المتطرفة الحالية في “إسرائيل”.
وفي الأشهر الأخيرة؛ قادت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن الجهود المبذولة للتوصل إلى اتفاق بين السعودية و”إسرائيل”، والذي من شأنه أن يجعل الرياض تسير على خطى الإمارات العربية المتحدةوالبحرين والمغرب والسودان، التي قامت بتطبيع العلاقات في سنة 2020 كجزء من ما يسمى باتفاقيات إبراهيم.
لكن أعضاء ائتلاف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو رفضوا أي تنازلات جدية للفلسطينيين، بما في ذلك تجميد البناء الاستيطاني غير القانوني على الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وعلى هذا النحو، قد يكون الإعلان السعودي الرسمي بعيدًا. ولكن على الرغم من عدم وجود علاقات رسمية بينهما، فقد أقامت السعودية و”إسرائيل” علاقات وحافظتا عليها في عدد من المجالات على مدى العقد الماضي.
وفي كثير من الأحيان؛ عقد ممثلون من البلدين اجتماعات سرية، ولكنها أصبح علنية بشكل متزايد، وتعاونوا في مجالات الدفاع والتكنولوجيا وطرق التجارة والمجال الجوي. وقد شمل ذلك شراء السعودية لبرامج تجسس إسرائيلية الصنع لاختراق هواتف المعارضين، والتعاون العسكري لصد عدو مشترك وهو إيران، ومد كابلات الإنترنت من الألياف الضوئية التي تربط بين البلدين.
ويلقي موقع “ميدل إيست آي” نظرة على 5 طرق يجري بها بالفعل تطبيع العلاقات بين البلدين.
1- اجتماعات بين مسؤولين سعوديين وإسرائيليين
تم الإبلاغ عن حد ث سلسلة من الاجتماعات بين مسؤولين سعوديين وإسرائيليين، سرية في بعض الأحيان، منذ عدة سنوات.
لقد بدأ الأمر مع اجتماع معظم المسؤولين المتقاعدين مؤخرًا. ففي سنة 2015؛ صافح مدير عام جديد لوزارة الخارجية الإسرائيلية علناً جنرالاً سعودياً متقاعداً ومستشاراً سابقاً للمملكة.
وأعقب ذلك بعد مرور سنة، الأمير تركي الفيصل، رئيس المخابرات السابق والسفير السعودي في واشنطن، حيث تقاسم المنصة مع يعقوب أميدرور، الجنرال السابق والمستشار السابق لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وفي وقت لاحق من ذلك العام، قاد مسؤول سعودي متقاعد آخر، هو الجنرال أنور عشقي، فريقًا من رجال الأعمال والأكاديميين إلى اجتماع مع مسؤولي وزارة الخارجية الإسرائيلية وأعضاء البرلمان الإسرائيلي في القدس، ومن المستبعد جدًا أن تتم مثل هذه الرحلة دون موافقة الرياض.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2017، أصبح وزير الطاقة الإسرائيلي آنذاك يوفال شتاينتز أول مسؤول كبير يؤكد وجود اتصالات سرية بين البلدين، والذي عندما سئل عن العلاقات مع الرياض، أجاب: “لدينا علاقات سرية جزئيًّا بالفعل مع العديد من الدول الإسلامية والعربية، وعادة نحن الطرف الذي لا يخجل”.
وأضاف: “إنه الجانب الآخر الذي يهتم بالحفاظ على العلاقات هادئة. معنا، عادة، لا توجد مشكلة، لكننا نحترم رغبة الطرف الآخر، عندما تتطور العلاقات، سواء كان ذلك مع السعودية أو مع الدول العربية الأخرى أو غيرها من الدول الإسلامية. هناك العديد من البلدان، لكننا نبقي الأمر سرًا”.
بالنسبة لأندرياس كريغ، الأستاذ المساعد في كلية كينغز في قسم دراسات الدفاع في لندن، فإن التدفق المستمر للاجتماعات هو جزء من “لعبة السعودية الطويلة” للتطبيع.
وقال كريغ لموقع “ميدل إيست آي”: “إنها إستراتيجية التجربة والخطأ، حيث يتخذون الكثير من الأساليب التكتيكية الأصغر لتحقيق الأهداف.. هناك الكثير من المياه الاختبارية”.
وبلغت الاتصالات الرسمية السرية ذروتها في سنة 2020 عندما التقى نتنياهو نفسه مع محمد بن سلمان في مدينة نيوم السعودية الضخمة والجديدة.
وانضم إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي رؤساء الجيش الإسرائيلي والأمن القومي والمخابرات، بالإضافة إلى وزير الخارجية الأمريكي آنذاك مايك بومبيو. ويُعتقد أن الجانب الإسرائيلي قد قام بتسريب الاجتماع عمدًا إلى وسائل الإعلام.
وقال كريغ: “يستخدم الإسرائيليون هذا أيضًا محليًا، وخاصة حكومة نتنياهو، لإظهار أنهم يحرزون تقدمًا، وأن لديهم ما يظهرونه لأنفسهم”.
2- الوفود
وفي حين أن بعض الزيارات والاجتماعات كانت سرية، إلا أنه كان هناك ارتفاع طفيف في الوفود والزيارات العامة من كلا الجانبين.
ففي سنة 2019، ذهب محمد سعود، المدوِّن السعودي الذي نصب نفسه المعجب الصريح ب”إسرائيل”، في رحلة إلى “إسرائيل” وفلسطين برعاية رسمية من وزارة الخارجية الإسرائيلية.
سعود الذي دعا إلى التطبيع بين البلدين، تم طرده من الفلسطينيين من المسجد الأقصى في القدس الشرقية المحتلة، ووصفوه بـ”القمامة” و”الرخيص” و”الصهيوني”، وبصقوا في وجهه.
على الجانب الآخر، سافر المراسل العسكري للقناة 13 الإسرائيلية، ألون بن دافيد، بجواز سفر غير إسرائيلي إلى العاصمة السعودية في تموز/يوليو 2022، لتقصي ردود الفعل السعودية على وجوده هناك كإسرائيلي. وقال إنه تلقى ردود فعل متباينة، وأن التطبيع “سيكون أبطأ بكثير مع السعودية”.
وفي الأسابيع الأخيرة على وجه الخصوص، تسارعت وتيرة الوفود الإسرائيلية المعلن عنها إلى السعودية.
خلال التدريبات على حفل الافتتاح، تم تصوير الثلاثة وهم يغنون النشيد الوطني الإسرائيلي ويحملون العلم الإسرائيلي، وبعد ذلك قرر المنظمون السعوديون عدم بث النشيد الوطني خلال الحدث الرئيسي.
وبعد أيام، شرع المسؤولون الإسرائيليون في إرسال أول وفد معلن عنه إلى المملكة العربية السعودية؛ حيث وصلت فرقة من خمسة أعضاء لحضور اجتماع اليونسكو – الوكالة الثقافية التابعة للأمم المتحدة – لتحديث قائمة التراث العالمي للمواقع الثقافية والتاريخية.
وقال مسؤول إسرائيلي لوكالة فرانس برس في إشارة على ما يبدو إلى التطبيع: “نحن سعداء بوجودنا هنا. إنها خطوة أولى جيدة”.
وأعقب ذلك هذا الأسبوع أن أصبح وزير السياحة حاييم كاتس أول وزير إسرائيلي يزور رسميًا المملكة لحضور مؤتمر منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة.
وقال ميشال ياري، الباحث في شؤون دول الخليج في الجامعة العبرية في القدس، لموقع “ميدل إيست آي”: “السبب الرئيسي وراء أن المحادثات لم تعد سرية هو المصالح السياسية لبايدن ونتنياهو”، مضيفًا: “إنهم يأملون أن يؤدي الاتفاق بين إسرائيل والسعودية إلى تحسين مكانتهم العامة”.
ويضيف كريغ أن ولي العهد السعودي سيحكم على رد فعل الجمهور تجاه المزيد من الإشارات الواضحة للعلاقات بين البلدين.
وأضاف: “إنه يحاول رؤية رد الفعل بين السكان السعوديين، والمسلمين والعرب على نطاق أوسع. ما نراه في هذه اللحظة هو تطبيع التطبيع”.
لكن كريغ شدد على أن مثل هذه المبادرات لا تعني بالضرورة أن التطبيع واسع النطاق وشيك، مع وجود العديد من النقاط الشائكة التي لم يتم حلها بعد، بما في ذلك التنازلات للفلسطينيين؛ حيث قال: “يمكنك إجراء تفاعلات مع كبار الشخصيات الإسرائيلية وحتى السماح للإسرائيليين بالانضمام إلى مؤتمر دولي في بلدك. لكن هذا لا يعني بالضرورة أنك ستقوم بالتطبيع مع إسرائيل”.
3- التعاون في مجال الدفاع
لقد تمحورت العديد من الاجتماعات السابقة بين المسؤولين السعوديين والإسرائيليين حول عدوهما الإقليمي المشترك، إيران.
ففي السنة الماضية؛ قال مسؤولون دبلوماسيون وأمنيون إسرائيليون لموقع “ميدل إيست آي” إنهم يجرون محادثات مع الإمارات والبحرين والسعودية لتثبيت برنامج دفاعي مشترك ضد تهديد الطائرات بدون طيار.
وكانت المبادرة، التي دعمتها واشنطن، جزءًا من جهد منسق لصد إيران ووكلائها في المنطقة، بما في ذلك الحوثيون في اليمن.
وفي شهر أذار/مارس الماضي، عُقد اجتماع رفيع المستوى بين مسؤولين عسكريين إسرائيليين وسعوديين في منتجع شرم الشيخ المصري، وفقًا لصحيفة وول ستريت جورنال. وحضرت أيضا وفود من قطر والإمارات والبحرين والأردن، فضلًا عن رئيس سابق للقيادة المركزية الأمريكية.
وبحسب ما ورد توصل المشاركون إلى اتفاق غير ملزم لتنسيق أنظمة الإخطار السريع في حالة اكتشاف تهديد جوي من طائرات بدون طيار أو هجمات بالصواريخ الباليستية وصواريخ كروز.
وقال يعاري: “إن قدرات إسرائيل وقدرتها المؤكدة على مواجهة إيران جعلت منها حليفاً حاسماً لبعض دول الخليج، وهكذا تحولت إسرائيل من مشكلة العالم العربي إلى حليف مهم”.
واستعادت السعودية علاقاتها مع إيران في آذار/مارس من هذه السنة، بعد تداعيات دامت 7 سنوات، وهو التطور الذي من المحتمل أنه لم يرضي إسرائيل.
لكن كريغ يشير إلى أن العديد من عناصر “الدولة العميقة” الإيرانية، بما في ذلك الحرس الثوري الإيراني وشبكات الوكلاء المتورطة في العراق واليمن، لا تزال موضع خلاف بالنسبة للرياض.
وقال كريغ: “لا ينبغي لنا أن نتوقع الكثير من هذا التطبيع. لا يزال هناك الكثير من عدم الثقة”.
والتحالف ضد إيران ليس التقرير الأول عن التنسيق الدفاعي بين السعودية وإسرائيل. ففي تموز/يوليو 2015، تحدث رئيس تحرير موقع “ميدل إيست آي” ديفيد هيرست، في مقال له، عن الروابط بين السعودية ومصر و”إسرائيل” التي تسعى إلى سحق حركة حماس الفلسطينية.
وانتقد سفير السعودية في المملكة المتحدة هيرست بسبب المقال، واتهمه بأنه يروج “أكاذيب لا أساس لها من الصحة”.
لكن موقع “ديبكافيل” الإخباري المعروف بقربه من وكالة الاستخبارات الإسرائيلية “الموساد”، أثبت العديد من تأكيدات هيرست بشأن ظهور تحالف سعودي إسرائيلي ضد حماس في غزة.
4- التكنولوجيا والتجارة
وكانت هناك علامات على وجود نشاط تجاري سري أيضًا، خاصة في مجال التكنولوجيا، بالإضافة إلى التزامات بالتعاون بشكل أكثر انفتاحًا في المستقبل.
وفي خطوة انتقدها نشطاء حقوق الإنسان والنشطاء الرقميون بشكل متكرر، تعتبر السعودية مشتريًا مزعومًا لبرنامج “بيغاسوس”، برنامج التجسس سيئ السمعة الذي تصنعه شركة “إن إس أو غروب” الإسرائيلية والذي تم استخدامه لاختراق هواتف المعارضين السياسيين.
واشترت الرياض البرنامج لأول مرة في 2017 مقابل 55 مليون دولار، بعد أن شارك فريق صغير من مسؤولي الدفاع الإسرائيليين في حوار سري مع الرياض، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.
ورفضت وزارة الدفاع الإسرائيلية تجديد ترخيص الرياض لبرنامج التجسس بعد مزاعم بأنها استخدمت برنامج “بيغاسوس” لتعقب كاتب العمود في “موقع ميدل إيست آي” جمال خاشقجي قبل مقتله على يد عملاء سعوديين في تشرين الأول/أكتوبر 2018.
لكن بعد أن اتصل محمد بن سلمان مباشرة بنتنياهو، تم تجدي.. وينفي نتنياهو هذه التقارير.
وفي مكان آخر، قال شركة التكنولوجيا الإسرائيلية “إنتو فيو”، إنها عملت مع السعودية لمراقبة “الإرهابيين المحتملين”، كما قامت بمسح بيانات المواطنين السعوديين للمساعدة في تحديد إستراتيجية التنويع الاقتصادي لرؤية المملكة 2030، وقال مؤسس الشركة إنه أنشأ شركة خارجية لإخفاء هويته الإسرائيلية.
وهناك طموحات طويلة المدى أيضًا: فقد كشف موقع ميدل إيست آي في نيسان/أبريل أن كابل الألياف الضوئية المقترح لربط السعودية و”إسرائيل”، بدعم من صندوق استثمار إسرائيلي كبير، “يكتسب زخمًا” في الرياض.
وسيمر الكابل البالغ طوله 20 ألف كيلومتر، والمعروف باسم “نظام ترانس (العابر) أوروبا آسيا”، عبر الإمارات والبحرين وقطر وعمان، بالإضافة إلى الأردن وفلسطين على طريق بين مرسيليا في فرنسا ومومباي في الهند.
وقالت مصادر في صناعة الكابلات لموقع ميدل إيست آي إن المشروع حظي بتأييد في الرياض وكان مدعومًا أيضًا من الحكومة الأمريكية.
وقال أحد مستشاري الكابلات البحرية إن العلاقة بين إسرائيل والخليج لم يتم الكشف عنها بشكل أكثر صراحة لأن مجرد ذكر إسرائيل أمر حساس للغاية.
وفي مشروع مستقبلي آخر يربط بين البلدين، أعلنت إسرائيل أيضًا عن توسيع السكك الحديدية بقيمة 27 مليار دولار والتي تهدف إلى الوصول إلى المملكة الخليجية.
وقال نتنياهو في تموز/يوليو: “في المستقبل… سنكون قادرين أيضًا على ربط إسرائيل بالقطار مع المملكة العربية السعودية وشبه الجزيرة العربية”.
5- المجال الجوي
وفرت مسارات الطيران والمجال الجوي مجالًا آخر من الود بين البلدين. ففي تموز/يوليو 2022، أعلنت السعودية أنها ستفتح مجالها الجوي أمام جميع الرحلات الجوية المدنية، وكانت قد منعت في السابق الرحلات الجوية للشركات الإسرائيلية وغير الإسرائيلية التي تسافر من وإلى “إسرائيل”.
وجاء هذا الإعلان بعد ساعات فقط من سفر بايدن مباشرة إلى السعودية من “إسرائيل”.
ومنذ ذلك القرار، سُمح للرحلات الجوية من وإلى دول مثل الهند والصين مع إسرائيل بالمرور فوق شبه الجزيرة السعودية، مما أدى إلى خفض ساعات الطيران وكميات كبيرة من الوقود.
وفي الشهر الماضي، قامت طائرة تابعة لشركة طيران سيشل متجهة إلى تل أبيب بهبوط غير مبرمج في السعودية بعد أن واجهت مشكلات فنية. وأمضى 128 إسرائيليًّا كانوا على متن الطائرة الليل في جدة المدينة الساحلية السعودية.
ويُعتقد أن هذه هي المرة الأولى التي يُسمح فيها لرحلة تجارية متجهة إلى “إسرائيل” بالهبوط في المجال الجوي السعودي.
وقال نتنياهو حينها: “أقدر كثيرا الترحيب الحار من قبل السلطات السعودية للركاب الإسرائيليين الذين واجهت طائرتهم صعوبات واضطرت إلى الهبوط في جدة، وأنا سعيد بعودة الجميع إلى وطنهم”.
وحذت السلطات العمانية حذوها وفتحت مجالها الجوي أمام شركات الطيران الإسرائيلية في شباط/فبراير.
وحتى تلك اللحظة، وحتى مع إتاحة المجال الجوي السعودي، لم تتمكن شركات الطيران الإسرائيلية من فتح ممر لرحلات جوية أطول للتحليق فوق المملكة، وبالتالي اضطرت إلى الاستمرار في تجاوز شبه الجزيرة العربية.
وفي خطوة أخرى نحو تطبيع العلاقات، تتفاوض “إسرائيل” مع السعودية للسماح للفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية بالسفر مباشرة إلى المملكة لأداء مناسك الحج والعمرة، ولم يتم بعد التوصل إلى اتفاق.
الصحراء الكبرى.. عادات وتقاليد متوارثة منذ آلاف السنين
|
استقر في الصحراء الكبرى قوميات مختلفة على مر الزمن، منهم من سكن فيها وأنشأ مدنًا وقرى ومنهم من اختار الترحال طلبًا لمقومات العيش، إذ إن البيئة الجغرافية والمناخية قاسية ومن الصعب التأقلم فيها.
برز العرب والأمازيغ والأفارقة كأهم الفئات الاجتماعية في الصحراء الكبرى، ورغم وحدة المكان، إلا أن كل مجموعة اختارت لنفسها تقاليد وعادات مختلفة، نُقشت بين صخور ورمال الصحراء الكبرى الشاسعة، والتي بلغت شهرة بعضها مشارق الأرض ومغاربها لما فيها من مميزات كثيرة.
ضمن ملف “الصحراء الكبرى”، سنحاول في هذا التقرير التعرف على أبرز العادات والتقاليد التي برزت في منطقة الصحراء منذ زمن بعيد إلى الآن، ونبين حرص سكّان المنطقة في الحفاظ عليها رغم مغريات الحياة العصرية.
مجتمعات ريفية بدوية
تحكم تقاليد سكان الصحراء الكبرى مناحي الحياة كلها تقريبًا، وتبدو السمة البارزة للمنظومة القيمية والأخلاقية لمختلف المجموعات العرقية والثقافية في المنطقة، ولئن اختلفت هذه المجموعات في النسب والدين والثقافة إلا أنها اتفقت على المسمى الجامع لهم، وهم مجتمع ريفي ومتمسك بنمط خاص من الحياة اليومية.
تُعرف قبائل الصحراء الكبرى بالنشاط اللامتناهي والقدرة على التحمل والخبرة الواسعة في استخدام الأسلحة التقليدية والحديثة، ويمتازون بالترحال ويشتهرون بالمروءة والكرم والجود، ويمارسون الرعي والتنمية الحيوانية على نطاق واسع.
تعود أغلبية سكان الصحراء من عرب وأمازيغ وأفارقة على الترحال بقوافلهم المكونة من قطعان الإبل في سائر مناطق الصحراء الكبرى دون الاكتراث بالحدود بين هذه الدول، ويبرز الطوارق الذين عرفوا بكونهم المجموعة الأمازيغية الأكثر توغلاً في إفريقيا جنوب الصحراء والأكثر انفصالاً عن السكان العرب بالشمال الإفريقي.
تحظى الإبل أو كما يطلق عليها “سفينة الصحراء”، عند سكان الصحراء الكبرى بمكانة خاصة متوارثة عن الأسلاف
لا يعرف سكان الصحراء الكبرى الحدود الجغرافية التي أقرتها القوى الاستعمارية العظمى في العالم، فالكثير منهم لا يحملون أوراق ثبوتية، ويطلق عليهم صفة “البدون”.
فضلا عن تربية الماشية، امتهن سكان الصحراء التجارة وكل فئة تخصصت في مجال ما قد أعانهم على ذلك صبرهم وشجاعتهم ومعرفتهم بأماكن الماء وإتقانهم الاهتداء بالنجوم، فالطوارق مثلا ينقلون البضائع وأهمها الذهب والملح عبر قوافل الإبل من الجنوب إلى الشمال، إلا أن تجارتهم تأثرت سلبًا بعد تحول طريق التجارة للمحيط الأطلسي.
نتيجة اعتمادهم على حياة الترحال، يعيش جزء مهم من سكان الصحراء الكبرى داخل خيام تنسج من الجلد وشعر الماعز، في حين يقطن الجزء الآخر منهم بيوتا طينية توفر لهم مأوى آمنا، تقيهم حر أشعة الشمس القوية والمناخ الصحراوي القاسي.
الاهتمام بالإبل
تحظى الإبل أو كما يطلق عليها “سفينة الصحراء”، عند سكان الصحراء الكبرى بمكانة خاصة متوارثة عن الأسلاف، رغم دخول السيارات رباعية الدفع إلى حياة الصحراويين في العقود الأخيرة، ويمكن اعتبار الإبل الراحلة الصديقة للصحراويين.
تعتبر الإبل رمزًا لإثبات الذات والمكانة الاجتماعية والتفاخر بين القبائل الصحراوية المختلفة، وتقام من أجلها المواسم وسط مضمار صحراوي لتتبارى فرق القبائل بين بعضها بعضا، وتستقدم كل قبيلة أسرع إبلها، وأمهر فرسانها لتباري بقية الفرق.
تتعدّد مهام هذه الراحلة ما جعلها تتقاطع مع كل تفاصيل حياة سكان الصحراء الكبرى، إذ يستنجد سكان المنطقة بالإبل لنقل المؤن، وهي رفيقتهم في حلهم وترحالهم وحياتهم مرتبطة بما يملكونه من نوق، ذلك أن الجمال تصبر على الجوع والعطش لأسابيع، وفيها بوصلة ربانية عجيبة تهديها إلى مواطن الماء.
فضلا عن ذلك، يشرب سكان الصحراء لبن الإبل، ويأكلون لحمها، ويشربون في بعض الأحيان من الماء الذي في جوفها، ويستخرجون من عظامها مادة علاجية لجلود البشر والإبل على السواء، وينسجون من وبرها الناعم، ويستفيدون من روثها سمادًا لنخيلهم، وهو يفسر الاهتمام الكبير بها، حتى أن بعض القبائل تسرح لساعات طويلة بحثا عن مرعى أو مشرب للإبل.
لكل ناقة من إبل الصحراويين اسم خاص، وكل وليد يأخذ اسم عائلته، فالإبل لها عائلات مثل البشر، ولكل ناقة سيمتها، وهي علامة يوسم بها على رقبته، ويُعرف مالكُه بها، بل إن سكان الصحراء يفرقون بين الإبل حتى من ملامحها، ويعرفون صغيرها من كبيرها بالآثار التي تتركها أخفافها على الرمال.
فضلا عن مساعدة الصحراويين في حلّهم وترحالهم، تدر الإبل أرباحًا كثيرة لسكان الصحراء، إذ تُعقد الأسواق لبيع الإبل وشرائها في الكثير من مناطق الصحراء، فتُجلب الإبل من تشاد والنيجر ويتم بيعها لدول شمال أفريقيا، ويمكن أن يتم البيع نقدا أو بالدين أو مقايضة في بعض المرات.
من أسواق الإبل المعروفة إلى غاية اليوم، نجد سوق “أمحيريش” بمدينة كلميم المغربية والتي وتُلقب بباب الصحراء، ويُعقد هذا السوق منذ أكثر من ثلاثة قرون، ويُعدّ مركزًا اقتصاديًا مهمًا وفضاء تجاريًا معروفًا على الصعيد الوطني والدولي، ويمتد على مساحة تقدر بأكثر من ثلاثة هكتارات.
تميز المرأة الصحراوية
تبزر المرأة في المجتمع الصحراوي، التي تعايشت بأنوثتها مع خشونة الحياة وطبيعة الصحراء القاسية، وسطّرت لنفسها نمط حياة بعيدًا عن مغريات الحياة العصرية، متشبثة بتقاليد الحياة البدوية على قسوتها، معينة للرجل.
جعل المجتمع الصحراوي من المرأة ركيزة أساسية ومحددًا لكرامته، فهي من تنسج تفاصيل الحياة من اهتمام بشؤون الخيمة وتربية الأطفال والحيوان في أغلب الأحيان، وهي المؤتمنة على حياة القبيلة في غياب الرجال.
تعلم المرأة أطفالها الكتابة وتحفظهم القرآن، كما تعلمهم الشعر وعزف الموسيقى والقيام بأعمال البيت، في ظلّ الغياب المتكرر للرجال عن القبيلة، بحكم ذهابهم في رحلات تجارية تستغرق شهورا عدة، وفي بعض الأحيان خروجهم للقتال.
في رحلته عبر الصحراء وصف الرحالة ابن بطوطة المرأة عند الطوارق بأنها أعظم شأنا من الرجل، إذ قال عقب رحلته عبر الصحراء الكبرى التي استغرقت خمسة عشر يومًا زار فيها جبال الهقار (موطن الطوارق الرئيسي)، “هم قبيلة من البربر لا تسير القوافل إلا في خفارتهم، والمرأة عندهم في ذلك أعظم شأنًا من الرجل”.
تحظى المرأة بمكانة خاصة في المجتمعات الصحراوية، فهي من المجتمعات الأمومية، إذ يخترن شركاء حياتهن بأنفسهن وتخول لهن التقاليد والأعراف طلب الطلاق والخروج من بيوتهن متى شئن، وعادة ما تبادر المرأة الطوارقية إلى مغازلة الرجل إذا شعرت بإعجاب تجاهه، والإيحاء له برغبتها في الارتباط بعلاقة معه، ولها حقّ التملك أيضا.
من مميزات المرأة داخل مجتمع الطوارق، أن الأطفال ينتسبون إليها عوضًا عن نسب أبيهم، كما يرث الأبناء مكانة أمهم وأخوالهم الاجتماعية، في مواصلة لمعتقدات وثنية قديمة تعود إلى زمن المجتمعات التي استوطنت منطقة الصحراء الكبرى قبل مجيء الإسلام.
وتفتخر المرأة عند الطوارق بالطلاق، وتقيم الحفلات لذلك، ويطلق على المطلقة كلمة “أحسيس”، والتي تعني باللغة المحلية المتحررة أو الحرة، أي التي تحررت من مسؤولياتها والتزاماتها تجاه الأسرة والمجتمع، وكلما تعدد زواج المرأة وإنجابها وطلاقها، كان ذلك مدعاة للفخر لها ولأهلها، كون ذلك يسهم في إنجابها لرجال محاربين أقوياء، قادرين على الدفاع عن القبيلة.
عكس الرجال هناك، لا تغطي المرأة الطارقية وجهها، وتظهر حاسرة الرأس في معظم الأحيان، كما تبرز محاسنها بالحلي التقليدية ونقوش الحناء والوشم وضفائر الشعر، ويمكنّها أيضا أن تفرض على الزوج مكان إقامة بيت الزوجية.
نفس الشيء عند التبو أيضا، فالرجل والمرأة عند التبو متساويان، ولا فرق بينهما، يكملان بعضهما البعض، ففي غياب الرجل، تأخذ المرأة مكانه وتقوم بمهامه المختلفة، حتى أنها تشارك في الحروب فالنساء في الصحراء فارسات ومقاتلات.
تحرص النساء في الصحراء، باختلاف أعمارهن وطبقاتهن الاجتماعية، على ارتداء الملحفة باعتبارها رمزًا من رموز الأنوثة والجمال، و”الملحفة” عبارة عن قطعة ثوب واحدة، وهي مختلفة الأشكال والألوان، وتُلف حول البدن بعد أن تربط عند الكتفين، لتغطي كامل الجسد، ماعدا اليدين والوجه.
تقول المرأة في مجتمع التبو شعر “الهامي”، وذلك ﻟﻤﺪﺡ ﺍﻷﻗﺎﺭب ﻭﺍﻟﺘﻔﺎﺧﺮ ﺑﺎﻷﻧﺴﺎب ﻭﺍﻷﺻﻞ ﻭﺫﻛﺮ ﺑﻄﻮﻻﺗﻬﻢ ﻭذم ﺍﻟﺨﺼﻮم، ﻭﻳﻤﺎﺭﺱ هذا الفن في مختلف ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺎﺕ ﻛﺄﻋﺮﺍس ﺍﻟﺰﻭﺍج ﺃﻭ ﺍﻟﺨﺘﺎن ﺃﻭ ﻏﻴﺮﻫﺎ، ﺣﻴﺚ تتراص ﻧﺴﺎﺀ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ “ﻫﺎﻣﻲ” ﻋﻠﻰ ﺷﻜﻞ ﺩﺍﺋﺮة، تتولى ﻓﻴﻪ ﺇﺣﺪﺍﻫﻦ ﺍﻟﻐﻨﺎﺀ ﻭﺍﺿﻌﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻣﻮﺿﻊ مايسترو ﺍﻹﻳﻘﺎﻉ.
بينما تكشف المرأة عن وجهها، وفي أكثر الأحيان عن شعرها، يلتزم الرجال في الصحراء وخاصة الطوارق بوضع اللثام الذي يغطي الرأس والوجه بالكامل، باستثناء العينين، ويلف على الرأس ليشكل عمامة كبيرة.
يبلغ طول لثام الطوارق عادة نحو 5 أمتار من القماش الرقيق يكون من اللون الأزرق أو الأسود أو الأبيض. ويستخدم كرمز على احترام التقاليد الاجتماعية التي تعتبر ارتداء اللثام دليلاً على الاحتشام والوقار وحبّ التميز أيضا.
يرتدي الطوارق اللثام (تاكلموست) عند بلوغ أعمارهم سن الـ15، إلى حيت الوفاة ولا يرفعونه عن وجوههم، حتى أن البعض يطلق عليهم لقب “الملثمين”، وبموجبه يكتسب الفرد مكانته الاجتماعية بين أفراد قبيلته.
تمتلك الصحراء الكبرى ثقافة متنوعة اكتسبتها منذ آلاف السنين
يرجع بعض المؤرخين، سبب ارتداء سكان الصحراء للثام، وتمسكهم به، إلى الحياء الغالب على تلك الشعوب، فيعتبر الصحراويين وضع اللثام داخل وخارج البيت شيئًا مقدسًا ولا يتسامحون مع أي رجل أزاله، كما أن للثام ضرورة صحية، فهو يحمي الجسم من أشعة شمس الصحراء الحارقة وعواصفها الرملية الهائجة بين الفينة والأخرى.
تشير طريقة ارتداء اللثام عند الطوارق إلى القبيلة التي ينتمي إليها الفرد، حيث يقول الطوارق “إنه إذا نزع الطوارقي لثامه فمن الصعب التعرف عليه”، لأن اللثام يشكل جزءًا من شخصيته وهويته، ولذلك لا يمكن التنازل عنه والتساهل في نزعه.
انتشار الإسلام
يعتبر الإسلام دين أغلبية متساكني الصحراء الكبرى، إذ نشر العرب المسلمون الدين الإسلامي إلى الثقافات الأخرى المنتشرة في المنطقة عندما سافروا عبر الصحراء في قوافل الجمال مع البضائع التجارية.
كان هذا النوع من السفر هو الطريقة الأساسية لتقديم الإسلام لشعب الصحراء، إذ لم يكن العرب في الأصل شعبًا صحراويًا؛ لقد جاءوا من شبه الجزيرة العربية ثم انتشروا في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك معظم أنحاء شمال أفريقيا.
استقر العرب المسلمون في المدن، وبنوا المساجد والمدارس، وأصبح لهم تأثير في أماكن مثل مصر، والسودان، والمغرب، وليبيا، والجزائر، ومن بعدهم أسس الأمازيغ والأفارقة إمبراطوريات إسلامية قوية في المنطقة، على غرار إمبراطورية مالي وإمبراطورية السونغاي.
عادات أخرى
من العادات التي ما زالت متوارثة عند سكان الصحراء، تحديدا التبو أن السلام يكون على بُعد عشرة أمتار، فإذا التقى اثنان من المعارف على الطرق فيؤديان التحية على مسافة عشرة أمتار ثم يقتربان من بعض، ويسلمان بالأيدي دون تبادل القبل.
ومن العادات المتوارثة عن الأفارقة وتحديدًا عند السونغاي مثلا أن يتزوج الرجل بأربعة نسوة، لأن مفهوم الرجولة لا يكتمل لديهم بامرأة واحدة، فالرجل يجب أن يكون متعدد الزوجات وله عدة أبناء، يقاسمنه مشاق الحياة ومتاعبها.
كما توجد أنواع أخرى من التقاليد المرتبطة بفنون الطهي التقليدية منها الأطباق والمشروبات الشعبية واللباس التقليدي المسمى، ويضاف إليها عادات الكرم والضيافة والترفيه، وتأثيث المنازل وتزيينها، ومبادئ التربية، وروح التضامن، والعلاقة بين الإنسان والماشية، وكذلك مع الحيوانات الأخرى.
ومع اه٦تم المجتمع الصحراوي بالتجارة والترحال وتربية الماشية، فقد اهتم بالموسيقى أيضًا، فهذا الفن من أهم سفراء سكان الصحراء، وقد تعددت الفرق الموسيقية التي أوصلت أسلوب عيش وفن هذه الشعوب للعالمية، مثل فرقة “كتيناروين” و”إمرهان” و”تاميكرست” و”بامبينو”، وعدة موسيقيين آخرين لا يمكن حصرهم إلا في كونهم يحافظون على اللباس التقليدي الصحراوي في أي حفل يُحيونه في مختلف بقاع العالم.
قد تبدو لك الصحراء الكبرى للوهلة الأولى جرداء وخالية من الحياة، لكنها ليست كذلك، إذ تمتلك ثقافة متنوعة اكتسبتها منذ آلاف السنين، وعُرفت بها في مختلف مناحي الأرض، وعكست الإبداع الإنساني الذي يصف السمة المميزة للفضاء الصحراوي عبر التاريخ.
عائد عميرة
المصدر: موقع نون بوست
القوة العظمى المختلة: هل يمكن لأمريكا المنقسمة أن تردع الصين وروسيا؟
|
تواجه الولايات المتحدة في الوقت الراهن تهديدات خطيرة لأمنها أكثر مما واجهته منذ عقود، وربما أكثر من أي وقت مضى. ولم يحدث من قبل قط أن واجهت أربعة أعداء متحالفين في نفس الوقت؛ وهم روسيا، والصين، وكوريا الشمالية، وإيران، والذين قد تصل ترسانتهم النووية الجماعية في غضون بضع سنوات إلى ضعف حجم ترسانتها النووية تقريبا.
ومنذ الحرب الكورية، لم تضطر الولايات المتحدة إلى مواجهة منافسين عسكريين أقوياء في كل من أوروبا وآسيا. ولا يستطيع أحد أن يتذكر الوقت الذي كان فيه خصم يتمتع بالقدر ذاته من القوة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والعسكرية التي تتمتع بها الصين اليوم.
لكن المشكلة هي أنه في اللحظة نفسها التي تتطلب فيها الأحداث استجابة قوية ومتماسكة من الولايات المتحدة، فإن واشنطن لا تستطيع تقديم مثل هذه الاستجابة. فقد فشلت قيادتها السياسية المنقسمة – بين الجمهوريين والديمقراطيين، في البيت الأبيض والكونجرس- في إقناع عدد كافٍ من الأميركيين بأن التطورات الجارية في الصين وروسيا مهمة.
وقد فشل الزعماء السياسيون في شرح كيفية ترابط التهديدات التي تفرضها هذه البلدان، ولقد فشلوا في صياغة إستراتيجية طويلة المدى لضمان سيادة الولايات المتحدة والقيم الديمقراطية على نطاق أوسع.
هناك الكثير من القواسم المشتركة بين الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتن، ولكن تبرز قناعتان مشتركتان.
فأولاً، كل منهم مقتنع بأن مصيره الشخصي مرتبط باستعادة أيام مجد الماضي الإمبراطوري لبلاده. وبالنسبة لشي، يعني ذلك استعادة الدور المهيمن الذي كانت تلعبه الصين الإمبراطورية في السابق في آسيا، في حين تضمر طموحات أكبر فيما يتعلق بالنفوذ العالمي. وبالنسبة لبوتين؛ ذلك يعني السعي إلى مزيج غريب من إحياء الإمبراطورية الروسية واستعادة الاحترام الذي كان يحظى به الاتحاد السوفييتي.
ثانيًا، يُعد كلا الزعيمين مقتنعان بأن الديمقراطيات المتقدمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، قد تجاوزت فترة أوجها ودخلت في مرحلة انحدار لا رجعة فيه. وهما يعتقدان أن هذا التراجع الواضح ينعكس في الانعزالية المتزايدة لهذه الديمقراطيات، ناهيك عن الاستقطاب السياسي، والفوضى الداخلية.
وإذا نظرنا إلى قناعات شي وبوتين مجتمعة فإنها تنذر بفترة خطيرة مقبلة بالنسبة للولايات المتحدة. ولا تكمن المشكلة في القوة العسكرية والعدوانية التي تتمتع بها الصين وروسيا فحسب، بل في أن كلا الزعيمين ارتكبا بالفعل حسابات خاطئة كبيرة على الصعيد المحلي والخارجي، ويبدو أنه من المرجح أن يرتكبا أخطاء أكبر في المستقبل.
ومن المحتمل أن تؤدي قراراتهم إلى عواقب كارثية عليهم وعلى الولايات المتحدة. لذا، يتعين على واشنطن أن تغير حسابات شي وبوتين وأن تقلل من فرص وقوع الكارثة، وهو الجهد الذي يتطلب رؤية إستراتيجية وعملًا جريئًا. لقد انتصرت الولايات المتحدة في الحرب الباردة بفضل إستراتيجية متسقة اتبعها كلا الحزبين السياسيين على امتداد تسع فترات رئاسية متتالية، وهي تحتاج اليوم إلى اتباع نهج مماثل من الحزبين. وهنا تكمن المشكلة.
تجد الولايات المتحدة نفسها في موقف خطير فريد من نوعه: فهي تواجه خصومًا عدوانيين لديهم ميل إلى سوء التقدير، لكنهم غير قادرين على الاتحاد وحشد قواهم اللازمة لثنيهم عن ذلك. ويعتمد النجاح في ردع قادة مثل شي وبوتين على مدى التمسك بهذه الالتزامات وثبات الاستجابة. وبدلًا من ذلك، أدى الخلل الوظيفي إلى جعل القوة الأمريكية متقلبة وغير موثوقة، مما دعا عمليا المستبدين المعرضين للمخاطر إلى وضع رهانات خطيرة لها العديد من الآثار الكارثية المحتملة.
طموحات شي
إن دعوة شي إلى “التجديد العظيم للأمة الصينية” هو الطريق المختصر لكي تصبح الصين القوة العالمية المهيمنة بحلول عام 2049، وهو الذكرى المئوية لانتصار الشيوعيين في الحرب الأهلية الصينية، ويتضمن هذا الهدف إعادة تايوان تحت سيطرة بكين، وعلى حد تعبيره: “ينبغي أن يتحقق التوحيد الكامل للوطن الأم، وسوف يتحقق”.
ولتحقيق هذه الغاية؛ أصدر شي تعليماته إلى المؤسسة العسكرية الصينية بأن تكون جاهزة بحلول سنة 2027 لغزو تايوان بنجاح، كما تعهد بتحديث المؤسسة العسكرية الصينية بحلول سنة 2035 وتحويلها إلى قوة ” على المستوى العالمي”. ويبدو أن شي يعتقد أنه لن يتمكن من تأمين لنفسه مكانة مماثلة لمكانة ماو تسي تونج في معبد أساطير الحزب الشيوعي الصيني إلا من خلال الاستيلاء على تايوان.
تنطوي تطلعات شي جين بينغ وإحساسه بقدره الشخصي على خطر كبير للحرب. وكما أخطأ بوتين في حساباته بشكل كارثي في أوكرانيا، فهناك خطر كبير من أن يتخذ شي الخطوة ذاتها في تايوان. لقد أخطأ بالفعل في حساباته بشكل كبير خلال ثلاث مناسبات على الأقل.
أولاً، من خلال النأي بنفيه عن مبدأ الزعيم الصيني دنغ شياو بينج التي تتمثل في “أخفي قوتك، وانتظر الفرصة”، فقد أثار شي على وجه التحديد الاستجابة التي كان دنغ يخشاها، فقد حشدت الولايات المتحدة قوتها الاقتصادية بهدف إبطاء نمو الصين، وبدأت في تعزيز وتحديث جيشها. وعززت تحالفاتها وشراكاتها العسكرية في آسيا.
وثاني التقديرات الخاطئة التي اتخذها شي هو تأرجحه نحو اليسار في السياسات الاقتصادية، وهو التحول الأيديولوجي الذي بدأ في سنة 2015 وتم تعزيزه في المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي الصيني في سنة 2022. وقد ألحقت سياساته، من إدخال الحزب في إدارة الشركات إلى الاعتماد بشكل متزايد على الشركات المملوكة للدولة، ضررًا عميقًا بالاقتصاد الصيني
ثالثا، إن سياسة القائمة على “القضاء التام على كوفيد” التي انتهجها شي، كما كتب الخبير الاقتصادي آدم بوسن في هذه الصفحات، “جعلت السلطة التعسفية للحزب الشيوعي الصيني مرئية وملموسة على الأنشطة التجارية للجميع، بما في ذلك الأنشطة التي يمارسها أصغر اللاعبين”. وكانت حالة عدم اليقين الناجمة عن ذلك، والتي تفاقمت بسبب تراجعه المفاجئ عن تلك السياسة، سببًا في خفض الإنفاق الاستهلاكي الصيني وبالتالي إلحاق المزيد من الضرر بالاقتصاد بالكامل.
وإذا كان الحفاظ على قوة الحزب يعد الأولوية الأولى بالنسبة للرئيس شي، فإن الاستيلاء على تايوان هو الأولوية الثانية بالنسبة له. وإذا اعتمدت الصين على تدابير للضغط على تايوان لحملها على الاستسلام بشكل استباقي دون اللجوء إلى خيار الحرب، فمن المرجح أن تفشل هذه الجهود. وبالتالي فإن شي سيُترك أمام خيار المجازفة بالحرب من خلال فرض حصار بحري واسع النطاق أو حتى شن غزو شامل للاستيلاء على الجزيرة. وربما يتصور أنه سيصل إلى هدفه، ولكن سواء فاز أو خسر، فإن التكاليف الاقتصادية والعسكرية المترتبة على شن حرب على تايوان ستكون كارثية بالنسبة للصين، ناهيك على كل الأطراف المعنية الأخرى. وسوف يرتكب شي خطأ فادحا.
لم يكن هناك شيء لا مفر منه في الحرب العالمية الأولى؛ لقد حدث ذلك بسبب غباء وغطرسة زعماء أوروبا.
على الرغم من حسابات شي الخاطئة والصعوبات الداخلية العديدة التي تواجهها بلاده، فإن الصين سوف تستمر في فرض تحدٍ هائل للولايات المتحدة؛ فقد أصبح جيشها أقوى من أي وقت مضى، وتمتلك الصين في الوقت الراهن سفنًا حربية أكثر من الولايات المتحدة (على الرغم من أنها ذات جودة أقل). فقد قامت بتحديث وإعادة هيكلة قواتها التقليدية وقواتها النووية ــ وضاعفت قواتها النووية الإستراتيجية المنتشرة تقريبًا ــ وقامت بتحديث نظام القيادة والسيطرة لديها، وتعد في الوقت الحالي بصدد تعزيز قدراتها في الفضاء والفضاء الإلكتروني.
وبعيدًا عن تحركاتها العسكرية، اتبعت الصين استراتيجية شاملة تهدف إلى زيادة قوتها ونفوذها على مستوى العالم؛ حيث تعد الصين في الوقت الحالي الشريك التجاري الأول لأكثر من 120 دولة، بما في ذلك جميع دول أمريكا الجنوبية تقريبًا. وقد قامت أكثر من 140 دولة بالتسجيل كمشاركين في مبادرة الحزام والطريق، البرنامج الصيني المترامي الأطراف لتطوير البنية التحتية. وتمتلك الصين في الوقت الحالي، أو تدير، أو تستثمر في أكثر من 100 ميناء في حوالي 60 دولة.
وتكتمل هذه العلاقات الاقتصادية المتوسعة بشبكة دعائية وإعلامية واسعة النطاق؛ فلا يوجد بلد على وجه الأرض بعيد عن متناول محطة إذاعية أو قناة تلفزيونية أو موقع إخباري صيني واحد على الأقل. ومن خلال هذه المنافذ وغيرها؛ تهاجم بكين الإجراءات والدوافع الأمريكية، وتقوض الثقة في المؤسسات الدولية التي أنشأتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وتعلن عن التفوق المفترض لنموذجها التنموي والإداري – كل ذلك مع الترويج لموضوع الانحدار الغربي.
هناك مفهومان على الأقل يتذرع بهما أولئك الذين يعتقدون أن الولايات المتحدة والصين متجهتان إلى الصراع: الأول هو “فخ ثوسيديديس”؛ فوفقًا لهذه النظرية فإن الحرب تصبح أمراً لا مفر منه عندما تواجه قوة صاعدة قوة راسخة، كما حدث عندما واجهت أثينا أسبرطة في العصور القديمة أو عندما واجهت ألمانيا المملكة المتحدة قبل الحرب العالمية الأولى. والسبب الآخر هو “ذروة الصين”، وهي فكرة مفادها أن القوة الاقتصادية والعسكرية للبلاد أصبحت أو ستصبح قريبًا في أقوى حالاتها، في حين أن المبادرات الطموحة لتعزيز المؤسسة العسكرية الأميركية سوف تستغرق سنوات قبل أن تؤتي ثمارها. وعلى هذا فإن الصين قد تغزو تايوان قبل أن يؤدي التفاوت العسكري في آسيا إلى تغيير الوضع غير الملائم للصين.
في المقابل، لا تُعد أيًّا من النظريتين مقنعة. فلم يكن هناك شيء لا مفر منه في الحرب العالمية الأولى؛ لقد حدث ذلك بسبب غباء وغطرسة زعماء أوروبا. ويعد الجيش الصيني نفسه أبعد ما يكون عن الاستعداد لصراع كبير، وبالتالي فإن أي هجوم صيني مباشر على تايوان أو غزوها – في حال حدث – سوف يستغرق بضع سنوات في المستقبل؛ ما لم يخطئ شي في تقديراته مرة أخرى بطبيعة الحال.
مقامرة بوتين
وقال زبيغنيو بريجنسكي، عالم السياسة ومستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، ذات مرة: “دون أوكرانيا، لم تعد روسيا إمبراطورية”. ومن المؤكد أن بوتين يشاركه هذا الرأي. وفي سعيه وراء إمبراطورية روسيا المفقودة، قام بغزو أوكرانيا في سنة 2014 ومرة أخرى في سنة 2022؛ حيث تبين أن المغامرة الأخيرة كانت عبارة عن سوء تقدير كارثي له عواقب مدمرة طويلة المدى على بلاده. وبدلاً من تقسيم وإضعاف حلف الناتو، قدمت تصرفات روسيا للتحالف فرصا جديدة تتمثل في ضم أعضاء جدد أقوياء مثل فنلندا، والسويد. ومن الناحية الإستراتيجية، أصبحت روسيا الآن أسوأ بكثير مما كانت عليه قبل الغزو.
ومن الناحية الاقتصادية؛ عوضت مبيعات النفط إلى الصين والهند ودول أخرى الكثير من الأثر المالي للعقوبات، كما حلت السلع الاستهلاكية والتكنولوجيا من الصين وتركيا ودول أخرى في آسيا الوسطى والشرق الأوسط محل السلع الاستهلاكية والتكنولوجيا القادمة من الغرب جزئيا.
ومع ذلك؛ ظلت روسيا خاضعة لعقوبات استثنائية من جانب كافة الديمقراطيات المتقدمة تقريبا. فقد سحبت شركات غربية لا حصر لها استثماراتها من البلاد وتخلت عنها، بما في ذلك شركات النفط والغاز التي تعتبر تقنيتها ضرورية للحفاظ على مصدر الدخل الرئيسي لروسيا؛ حيث وفر الآلاف من خبراء التكنولوجيا ورجال الأعمال الشباب. ومن خلال غزو أوكرانيا، رهن بوتين مستقبل بلاده.
بث للتدريبات العسكرية الصينية، بكين، التي أجرتها في آب/ أغسطس 2023.
أما بالنسبة للجيش الروسي؛ فرغم أن الحرب أدت إلى إضعاف قواته التقليدية بشكل كبير، إلا أن موسكو تحتفظ بأكبر ترسانة نووية في العالم. وبفضل اتفاقيات الحد من انتشار الأسلحة، لا تتضمن هذه الترسانة سوى عدد قليل من الأسلحة النووية الإستراتيجية المنتشرة أكثر مما تمتلكه الولايات المتحدة، ولكن روسيا تمتلك عشرة أضعاف الأسلحة النووية التكتيكية، والتي تصل إلى حوالي 1900 سلاح.
وعلى الرغم من هذه الترسانة النووية الضخمة، إلا أن التوقعات بالنسبة لبوتين تبدو قاتمة. وفي ظل تبدد آماله في غزو سريع لأوكرانيا، يبدو أنه يعتمد على مأزق عسكري صعب لإرهاق الأوكرانيين، ويراهن على أنه بحلول الربيع أو الصيف المقبل، سوف يتعب عامة الناس في أوروبا والولايات المتحدة من دعمهم.
وكبديل مؤقت لأوكرانيا التي تم غزوها، ربما يكون بوتين على استعداد للنظر في وضع أوكرانيا المشلول التي أصبحت دولة هشة في حالة خراب، وانخفضت صادراتها وتقلصت مساعداتها الخارجية بشكل كبير. لقد أراد بوتين أن تكون أوكرانيا جزءًا من الإمبراطورية الروسية المُعاد تشكيلها، كما أنه يخشى أن تصبح أوكرانيا ديمقراطية وحديثة ومزدهرة كنموذج بديل للروس في الجوار. وبما أنه لم يستطع تحقيق هدفه المعلن، قد يعتقد أنه قادر على تقويض أهداف أوكرانيا.
وطالما بقي بوتين في السلطة، ستظل روسيا خصما للولايات المتحدة وحلف الناتو. فمن خلال مبيعات الأسلحة، والمساعدة الأمنية، وأسعار النفط والغاز المخفضة، فإن بوتين يعمل على تنمية علاقات جديدة في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا. وسوف يستمر في استخدام كل الوسائل المتاحة له لزرع الانقسام في الولايات المتحدة وأوروبا وتقويض نفوذ الولايات المتحدة في الجنوب العالمي.
وبفضل شراكته مع الرئيس شي جين بينغ، وثقته في أن ترسانته النووية الحديثة سوف تردع أي عمل عسكري ضد روسيا، فسوف يستمر في تحدي الولايات المتحدة بشدة. لقد ارتكب بوتين بالفعل خطأً تاريخيا في الحسابات، ولا يمكن لأحد أن يكون متأكدا من أنه لن يرتكب خطأ آخر.
الولايات المتحدة ضعيفة
في الوقت الحالي، تبدو الولايات المتحدة في موقف قوي في مواجهة كل من الصين وروسيا. والأهم من ذلك كله أن أداء الاقتصاد الأمريكي جيد؛ إذ يزدهر الاستثمار التجاري في مرافق التصنيع الجديدة، وبعضها مدعوم ببرامج البنية الأساسية والتكنولوجيا الحكومية الجديدة. كما تَعِد الاستثمارات الجديدة من قبل كل من الحكومة وقطاع الأعمال في الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والروبوتات، والهندسة الحيوية، بتوسيع الفجوة التكنولوجية والاقتصادية بين الولايات المتحدة وكل دولة أخرى لسنوات قادمة.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، منحت الحرب في أوكرانيا الولايات المتحدة فرصا جديدة؛ حيث إن التحذير المبكر الذي أرسلته واشنطن لأصدقائها وحلفائها بشأن نية روسيا لغزو أوكرانيا أعاد ثقتهم في القدرات الاستخباراتية الأمريكية.
وقد سمحت المخاوف المتجددة من روسيا للولايات المتحدة بتعزيز وتوسيع حلف الناتو، كما قدمت المساعدات العسكرية الأمريكية لأوكرانيا دليلا واضحا على أنه يمكن الوثوق بها للوفاء بالتزاماتها. ومن ناحية أخرى، أدى الترهيب الاقتصادي والدبلوماسي الذي تمارسه الصين في آسيا وأوروبا إلى نتائج عكسية، مما مكّن الولايات المتحدة من تعزيز علاقاتها في كلا المنطقتين.
لقد تلقى الجيش الأمريكي تمويلا جيّدا في السنوات الأخيرة، ويجري تنفيذ برامج التحديث في جميع الركائز الثلاثة للثالوث النووي – الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وقاذفات القنابل، والغواصات.
واشترى البنتاغون طائرات مقاتلة جديدة (طائرات إف-35، وطائرات إف-15 محدثة، ومقاتلة جديدة من الجيل السادس)، إلى جانب أسطول جديد من طائرات التزود بالوقود للتزود بالوقود أثناء الطيران. كما اشترى الجيش نحو عشرين منصة وأسلحة جديدة، وتقوم البحرية ببناء سفن وغواصات إضافية. ويواصل الجيش تطوير أنواع جديدة من الأسلحة، مثل الذخائر التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، وتعزيز قدراته السيبرانية الهجومية والدفاعية. وبشكل عام، تنفق الولايات المتحدة على الدفاع أكثر مما تنفقه الدول العشر التالية لها مجتمعة، بما في ذلك روسيا والصين.
ولكن من المؤسف أن الخلل السياسي في الولايات المتحدة وإخفاقاتها السياسية يقوّضون نجاحها؛ إذ يتعرض الاقتصاد الأمريكي للتهديد بسبب الإنفاق الحكومي الفيدرالي المُسرف، وقد فشل الساسة من كلا الحزبين في معالجة التكاليف المتصاعدة للاستحقاقات مثل الضمان الاجتماعي، والرعاية الصحية، والمساعدات الطبية.
وكانت المعارضة الدائمة لرفع سقف الدين سببًاا في تقويض الثقة في الاقتصاد، مما أثار قلق المستثمرين بشأن ما قد يحدث إذا تخلفت واشنطن عن سداد ديونها بالفعل. (في شهر آب/ أغسطس 2023، خفضت وكالة “فيتش” التصنيف الائتماني للولايات المتحدة، مما أدى إلى رفع تكاليف الاقتراض على الحكومة). وقد ظلت عملية المخصصات في الكونغرس معطلة لسنوات. لقد فشل المشرعون مرارًا وتكرارًا في سن مشاريع قوانين الاعتمادات الفردية، وأقروا قوانين “شاملة” ضخمة لم يقرأها أحد، وأجبروا الحكومة على الإغلاق.
تحتاج الولايات المتحدة إلى المزيد من القوة العسكرية لمواجهة التهديدات التي تواجهها، ولكن الكونغرس والسلطة التنفيذية مليئة بالعقبات التي تحول دون تحقيق هذا الهدف.
على الصعيد الدبلوماسي، أدى ازدراء الرئيس السابق دونالد ترامب لحلفاء الولايات المتحدة، وولعه بالقادة المستبدين، واستعداده لزرع الشكوك حول التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها في الناتو، وسلوكه غير المنتظم بشكل عام، إلى تقويض مصداقية الولايات المتحدة واحترامها في مختلف أنحاء العالم. ولكن بعد سبعة أشهر فقط من إدارة الرئيس جو بايدن، أضر انسحاب الولايات المتحدة المفاجئ والكارثي من أفغانستان بثقة بقية العالم في واشنطن.
على امتداد سنوات، أهملت الدبلوماسية الأمريكية جزءًا كبيرًا من الجنوب العالمي، الذي يمثّل الجبهة المركزية للمنافسة غير العسكرية مع الصين وروسيا: لقد تُركت مناصب سفراء الولايات المتحدة شاغرة بشكل غير متناسب في هذا الجزء من العالم. وابتداءً من سنة 2022، وبعد سنوات من الإهمال، سارعت الولايات المتحدة إلى إحياء علاقاتها مع دول جزر المحيط الهادئ، ولكن فقط بعد أن استغلت الصين غياب واشنطن لتوقيع اتفاقيات أمنية واقتصادية مع هذه الدول. إن المنافسة مع الصين وحتى روسيا على الأسواق والنفوذ عالمي؛ ولا يمكن للولايات المتحدة أن تغيب عن أي منطقة.
ويدفع الجيش ثمن الخلل السياسي الأمريكي، ولا سيما في الكونغرس. ففي كل سنة – منذ سنة 2010 – فشل الكونغرس في الموافقة على مشاريع قوانين المخصصات للجيش قبل بداية السنة المالية التالية. وبدلا من ذلك، أصدر المشرعون “قرارًا مستمرًّا”، والذي يسمح للبنتاغون بعدم إنفاق أموال أكثر مما أنفقه في السنة السابقة ويمنعه من البدء بأي شيء جديد أو زيادة الإنفاق على البرامج الحالية.
وتحكم هذه القرارات المستمرة الإنفاق الدفاعي حتى يتم إقرار مشروع قانون مخصصات جديد، وقد استمرت من بضعة أسابيع إلى سنة مالية كاملة. والنتيجة هي أنه في كل سنة، لا تؤدي البرامج والمبادرات الجديدة المبتكرة إلى أي نتيجة لفترة لا يمكن التنبؤ بها.
وقد أقرّ قانون مراقبة الميزانية لسنة 2011 تخفيضات تلقائية في الإنفاق، والمعروفة باسم “الحجز”، وخفض الميزانية الفيدرالية بمقدار 1.2 تريليون دولار على امتداد عشر سنوات. واضطر الجيش، الذي كان يمثل في ذلك الوقت نحو 15 بالمئة فقط من النفقات الفيدرالية، إلى استيعاب نصف هذا التخفيض – حوالي 600 مليار دولار. ومع إعفاء تكاليف الموظفين، كان يجب أن يأتي الجزء الأكبر من التخفيضات من الصيانة والعمليات والتدريب وحسابات الاستثمار.
وكانت العواقب وخيمة وطويلة الأمد. ومع ذلك، اعتبارًا من أيلول/ سبتمبر 2023، يتجه الكونغرس نحو ارتكاب نفس الخطأ مرة أخرى. وهناك مثال آخر على سماح الكونغرس للسياسة بإلحاق ضرر حقيقي بالجيش، وهو السماح لأحد أعضاء مجلس الشيوخ للحيلولة دون تثبيت مئات من كبار الضباط لعدة أشهر متتالية، مما لا يؤدي فحسب إلى إضعاف الاستعداد والقيادة بشكل خطير ولكن أيضًا من خلال تسليط الضوء على الخلل الحكومي الأمريكي في مثل هذا المجال الحيوي، وجعل الولايات المتحدة أضحوكة بين خصومها.
بشكل عام، تحتاج الولايات المتحدة إلى المزيد من القوة العسكرية لمواجهة التهديدات التي تواجهها، ولكن الكونغرس والسلطة التنفيذية مليئة بالعقبات التي تحول دون تحقيق هذا الهدف.
لقاء اللحظة
إن المنافسة الملحمية بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة والصين وروسيا ورفاقهما من جهة أخرى تجري على قدم وساق. ولضمان أن تكون واشنطن في أقوى وضع ممكن لردع خصومها من ارتكاب المزيد من الحسابات الاستراتيجية الخاطئة، يجب على قادة الولايات المتحدة أولا معالجة انهيار اتفاق الحزبين المستمر منذ عقود فيما يتعلق بدور الولايات المتحدة في العالم.
ليس من المستغرب أن يرغب العديد من الأميركيين، بعد 20 سنة من الحرب في أفغانستان والعراق، في الانغلاق على الذات، وخاصة في ضوء المشاكل العديدة التي تواجهها الولايات المتحدة في الداخل. ولكن مهمة الزعماء السياسيين تتمحور حول مواجهة هذه المشاعر وشرح كيف يرتبط مصير البلاد بشكل لا ينفصم بما يحدث في أماكن أخرى. وذات يوم، لاحظ الرئيس فرانكلين روزفلت أن “أعظم واجب على رجل الدولة هو التعليم”. ولكن الرؤساء الجدد، ومعهم أغلب أعضاء الكونغرس، فشلوا فشلا ذريعا في الاضطلاع بهذه المسؤولية الأساسية.
ويتعين على الأميركيين أن يفهموا السبب وراء أهمية القيادة الأميركية العالمية، على الرغم من تكاليفها، في الحفاظ على السلام والازدهار، كما يتعين عليهم أن يعرفوا لماذا تشكل المقاومة الأوكرانية الناجحة للغزو الروسي أهمية بالغة لردع الصين عن غزو تايوان. إنهم بحاجة إلى معرفة السبب الذي يجعل الهيمنة الصينية على غرب المحيط الهادئ تهدد المصالح الأمريكية، وهم بحاجة إلى معرفة السبب وراء أهمية النفوذ الصيني والروسي في الجنوب العالمي بالنسبة للمحفظة الأمريكية.
إلى جانب معرفة السبب وراء أهمية الاعتماد على الولايات المتحدة كحليف للحفاظ على السلام، والسبب وراء تهديد التحالف الصيني الروسي للولايات المتحدة؛ وتمثّل هذه أنواع الروابط التي يحتاج القادة السياسيون الأمريكيون إلى رسمها كل يوم.
ليس الأمر مجرد خطاب واحد في الكونغرس؛ بل إن الأمر يتطلب تكرار الرسالة حتى تترسخ. فإلى جانب التواصل المنتظم مع الشعب الأميركي بشكل مباشر، وليس من خلال المتحدثين الرسميين، يحتاج الرئيس إلى قضاء بعض الوقت في تناول المشروبات والعشاء ووجبات العشاء وعقد اجتماعات صغيرة مع أعضاء الكونغرس ووسائل الإعلام لإثبات دور الولايات المتحدة القيادي. وبعد ذلك، ونظرًا للطبيعة المجزأة للاتصالات الحديثة، يحتاج أعضاء الكونغرس إلى نقل الرسالة إلى ناخبيهم في جميع أنحاء البلاد.
بوتين يخاطب الوحدات العسكرية الروسية، موسكو، حزيران/ يونيو 2023
ما هي تلك الرسالة؟ لقد وفرت القيادة العالمية الأميركية 75 سنة من السلام بين القوى العظمى، وهي أطول فترة منذ قرون. ولا يوجد شيء أكثر تكلفة من الحرب في حياة أمة، ولا شيء آخر يمثل تهديدا أكبر لأمنها وازدهارها.
ولا شيء يجعل الحرب أكثر احتمالًا من اللّامبالاة والتظاهر بأن الولايات المتحدة لا تتأثر بالأحداث في أماكن أخرى، كما تعلمت البلاد قبل الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية وأحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر.
إن القوة العسكرية التي تمتلكها الولايات المتحدة، والتحالفات التي أقامتها، والمؤسسات الدولية التي صممتها، كلها ضرورية لردع العدوان ضدها وضد شركائها. وكما ينبغي أن يوضح قرن من الأدلة، فإن الفشل في التعامل مع المعتدين لا يؤدي إلّا إلى تشجيع المزيد من العدوان. ومن السذاجة الاعتقاد بأن النجاح الروسي في أوكرانيا لن يؤدي إلى المزيد من العدوان الروسي في أوروبا، بل وربما حتى الحرب بين حلف شمال الأطلسي وروسيا.
ومن السذاجة بنفس القدر الاعتقاد بأن النجاح الروسي في أوكرانيا لن يزيد بشكل كبير من احتمالات العدوان الصيني على تايوان، وبالتالي احتمال نشوب حرب بين الولايات المتحدة والصين.
إن العالم الذي لا يتمتع بقيادة أميركية موثوقة سيكون عالمًا من الحيوانات المفترسة الاستبدادية، حيث قد تكون جميع البلدان الأخرى فريسة محتملة. وإذا كان لأمريكا أن تحمي شعبها وأمنها وحريتها، فيتعين عليها أن تستمر في احتضان دورها القيادي العالمي، وكما قال رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل عن الولايات المتحدة في سنة 1943: “إن ثمن العظمة هو المسؤولية”.
إن إعادة بناء الدعم في الداخل لتلك المسؤولية أمر ضروري لإعادة بناء الثقة بين الحلفاء، كما أنه من الضروري الوعي بين الخصوم بأن الولايات المتحدة ستفي بالتزاماتها. وبسبب الانقسامات الداخلية، والرسائل المختلطة، وتناقض الزعماء السياسيين بشأن الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في العالم؛ هناك شك كبير في الخارج حول موثوقية الولايات المتحدة.
ويتساءل كل من الأصدقاء والخصوم عمّا إذا كانت مشاركة بايدن وبناء التحالفات تمثل عودة إلى الوضع الطبيعي أو ما إذا كان ازدراء ترامب لشعار “أمريكا أولًا” للحلفاء سيكون الخيط المهيمن في السياسة الأمريكية في المستقبل؛ فحتى أقرب الحلفاء يتحوطون في رهاناتهم بشأن أمريكا، وفي عالم تبرز فيه روسيا والصين، فإن هذا أمر خطير بشكل خاص.
إن استعادة الدعم الشعبي للقيادة العالمية للولايات المتحدة هي الأولوية القصوى، ولكن يجب عليها اتخاذ خطوات أخرى لممارسة هذا الدور فعليًا.
أولاً، يتعين عليها أن تذهب إلى ما هو أبعد من “التمحور” نحو آسيا؛ حيث إن تعزيز العلاقات مع أستراليا واليابان والفلبين وكوريا الجنوبية ودول أخرى في المنطقة أمر ضروري ولكنه غير كافِِ، فالصين وروسيا تعملان معًا ضد المصالح الأمريكية في كل قارة، وتحتاج واشنطن إلى إستراتيجية للتعامل مع العالم أجمع، وخاصة في أفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، حيث يتفوق الروس والصينيون بسرعة على الولايات المتحدة في تطوير العلاقات الأمنية والاقتصادية.
الدبلوماسية العامة ضرورية لتعزيز المصالح الأمريكية، لكن واشنطن تركت أداة القوة المهمة هذه تذوي منذ نهاية الحرب الباردة
ولا ينبغي لهذه الإستراتيجية أن تقسم العالم إلى ديمقراطيات وأنظمة استبدادية، بل يجب على الولايات المتحدة أن تدافع دائمًا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في كل مكان، لكن هذا الالتزام يجب ألّا يعمي واشنطن عن حقيقة أن المصالح الوطنية الأمريكية تتطلب منها أحيانًا العمل مع حكومات قمعية وغير تمثيلية.
ثانيًا، يجب أن تتضمن استراتيجية الولايات المتحدة كافة أدوات قوتها الوطنية، فقد أصبح كل من الجمهوريين والديمقراطيين معادين للاتفاقيات التجارية، وأصبحت المشاعر الحمائية قوية في الكونغرس، وهذا قد ترك المجال مفتوحًا أمام الصينيين في الجنوب العالمي، الذي يقدم أسواقًا وفرصًا استثمارية ضخمة.
وعلى الرغم من عيوب مبادرة الحزام والطريق، مثل الديون الهائلة التي تتراكم على البلدان المتلقية، فقد استخدمتها بكين بنجاح للتلميح إلى نفوذ الصين وشركاتها وهيمنتها الاقتصادية في عشرات البلدان، ولن يختفي هذا الأمر المنصوص عليه في الدستور الصيني في سنة 2017. وتحتاج الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى معرفة كيفية التنافس مع المبادرة بطرق تتناسب مع نقاط قوتهم، وقبل كل شيء، قطاعهم الخاص، وتمثل برامج المساعدات التنموية الأميركية جزءاً صغيرًا من الجهود الصينية، كما أنها مجزأة ومنفصلة عن الأهداف الجيوسياسية الأمريكية الأكبر.
وحتى عندما تنجح برامج المساعدات الأميركية، فإن الولايات المتحدة تحافظ على الصمت بشأن إنجازاتها. فهي لم تذكر سوى القليل، على سبيل المثال عن خطة كولومبيا، وهي برنامج مساعدات مصمم لمكافحة تجارة المخدرات الكولومبية، أو خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من مرض الإيدز، والتي أنقذت الملايين من الأرواح في أفريقيا.
إن الدبلوماسية العامة ضرورية لتعزيز المصالح الأمريكية، لكن واشنطن تركت أداة القوة المهمة هذه تذوي منذ نهاية الحرب الباردة. وفي الوقت نفسه؛ تنفق الصين مليارات الدولارات في جميع أنحاء العالم لتعزيز خطابها، وتبذل روسيا أيضًا جهودًا حثيثة لنشر دعايتها ومعلوماتها المضللة، فضلاً عن إثارة الفتنة داخل الديمقراطيات وفيما بينها.
ولهذا تحتاج الولايات المتحدة إلى استراتيجية للتأثير على القادة والشعوب الأجنبية، وخاصة في الجنوب العالمي. ولتحقيق النجاح في ذلك؛ فإن هذه الإستراتيجية تتطلب من حكومة الولايات المتحدة ليس فقط إنفاق المزيد من الأموال، ولكن أيضًا دمج ومزامنة العديد من أنشطة الاتصالات المتباينة.
وتشكل المساعدة الأمنية للحكومات الأجنبية مجالًا آخر يحتاج إلى تغيير جذري؛ فعلى الرغم من أن الجيش الأمريكي يقوم بعمل جيد في تدريب القوات الأجنبية، إلا أنه يتخذ قرارات مجزأة حول مكان وكيفية القيام بذلك دون النظر بشكل كافٍ في الإستراتيجيات الإقليمية أو كيفية الشراكة مع الحلفاء بشكل أفضل.
وقد قدمت روسيا بشكل متزايد المساعدة الأمنية للحكومات في أفريقيا، وخاصة تلك ذات النزعة الاستبدادية، لكن الولايات المتحدة ليس لديها استراتيجية فعالة لمواجهة هذه الجهود. ويجب على واشنطن أيضًا أن تجد طريقة لتسريع تسليم المعدات العسكرية إلى الدول المتلقية؛ فهناك الآن ما يقرب من 19 مليار دولار من مبيعات الأسلحة المتراكمة إلى تايوان، مع تأخير يتراوح بين 4 إلى 10 سنوات.
وعلى الرغم من أن هذا التعطيل ناتج عن العديد من العوامل، إلا أن أحد الأسباب المهمة هو القدرة الإنتاجية المحدودة لصناعة الدفاع الأمريكية.
أفراد من مشاة البحرية الأمريكية في بحر البلطيق، أيلول/سبتمبر2023.
ثالثًا، يتعين على الولايات المتحدة أن تعيد النظر في إستراتيجيتها النووية في مواجهة التحالف الصيني الروسي. إن التعاون بين روسيا – التي تعمل على تحديث قوتها النووية الإستراتيجية – والصين – التي تعمل على توسيع قوتها الصغيرة بشكل كبير- يختبر مصداقية الردع النووي الأمريكي، كما هو الحال مع القدرات النووية المتوسعة لكوريا الشمالية وإمكانات الأسلحة الإيرانية.
ولتعزيز قوة الردع لديها؛ من المؤكد تقريبًا أن الولايات المتحدة تحتاج إلى تكييف إستراتيجيتها وربما تحتاج إلى توسيع حجم قواتها النووية أيضًا، خاصة وأن القوات البحرية الصينية والروسية تمارسان تدريبات مشتركة على نحو متزايد، وسيكون من المفاجئ أن لا تقوما أيضاً بتنسيق قواتهما النووية الاستراتيجية المنتشرة بشكل أوثق.
هناك اتفاق واسع النطاق في واشنطن على أن البحرية الأمريكية تحتاج إلى المزيد من السفن الحربية والغواصات. ومرة أخرى؛ أصبح التناقض بين خطاب الساسة وأفعالهم صارخًا. فلعدة سنوات، كانت ميزانية بناء السفن ثابتة بشكل أساسي، ولكن في السنوات الأخيرة، حتى مع زيادة الميزانية بشكل كبير، حالت القرارات المستمرة ومشاكل التنفيذ دون توسع البحرية.
وتتمثل العقبات الرئيسية التي تحول دون إنشاء قوة بحرية أكبر في الميزانية: الافتقار إلى تمويل أعلى مستدام للبحرية نفسها، وعلى نطاق أوسع، نقص الاستثمار في أحواض بناء السفن وفي الصناعات التي تدعم بناء السفن وصيانة السفن. ورغم ذلك فمن الصعب أن ندرك أي شعور بالإلحاح بين الساسة لمعالجة هذه المشاكل في أي وقت قريب، وهذا أمر غير مقبول.
وأخيرًا، يتعين على الكونغرس أن يغير الطريقة التي يخصص بها الأموال لوزارة الدفاع، وفي نفس الوقت يتعين على وزارة الدفاع أن تغير الطريقة التي تنفق بها تلك الأموال؛ حيث يحتاج الكونغرس إلى التصرف بسرعة وكفاءة أكبر عندما يتعلق الأمر بالموافقة على ميزانية الدفاع. وهذا يعني في المقام الأول إقرار مشاريع قوانين المخصصات العسكرية قبل بداية السنة المالية، وهو التغيير الذي من شأنه أن يمنح وزارة الدفاع القدرة على التنبؤ التي هي في أمس الحاجة إليها. ويتعين على البنتاغون – هو الآخر – أن يعمل على إصلاح عمليات الاستحواذ المتصلبة والضيقة الأفق والبيروقراطية، والتي تجاوزها الزمن بشكل خاص في عصر حيث أصبحت سرعة الحركة والمرونة والسرعة أكثر أهمية من أي وقت مضى. لقد قال القادة في وزارة الدفاع الأشياء الصحيحة حول هذه العيوب وأعلنوا عن العديد من المبادرات لتصحيحها.، لكن التنفيذ الفعال والعاجل هو التحدي الحقيقي.
كلام أقل.. عمل أكثر
تعتقد الصين وروسيا أن المستقبل ملك لهما. وعلى الرغم من كل الخطابات الصارمة القادمة من الكونغرس الأمريكي والسلطة التنفيذية حول التصدي لهؤلاء الخصوم، إلّا أنه من المدهش أن هناك القليل من الإجراءات. وفي كثير من الأحيان، يتم الإعلان عن مبادرات جديدة، إلّا أن التمويل والتنفيذ الفعلي يتحركان ببطء أو يفشلان في التنفيذ تمامًا.
فالكلام سهل، ولكن لا يبدو أن أحداً في واشنطن مستعد لإجراء التغييرات العاجلة المطلوبة، وهذا أمر محير بشكل خاص، لأنه في وقت يتسم بالحزبية والاستقطاب المرير في واشنطن، تمكن شي وبوتين من حشد دعم الحزبين – بطريقة مثيرة للإعجاب وإن كان هناك نوع من الهشاشة – بين صناع السياسات لرد أميركي قوي على عدوانهما. لدى السلطة التنفيذية والكونغرس فرصة نادرة للعمل معًا لدعم خطابهما حول مواجهة الصين وروسيا بإجراءات بعيدة المدى تجعل من الولايات المتحدة خصمًا أكبر بكثير وقد تساعد في ردع الحرب.
لقد ارتكب شي وبوتين – اللذان يحيط بهما رجال يقولون “نعم”- بالفعل أخطاء جسيمة كلفت بلديهما غاليًا، وعلى المدى الطويل، فقد ألحقوا الضرر ببلدانهم. ومع ذلك، وفي المستقبل المنظور؛ تظل هذه التهديدات تشكل خطرًا يجب على الولايات المتحدة التعامل معه. وحتى في أفضل العوالم ـ العالم الذي تتمتع فيه حكومة الولايات المتحدة بجمهور داعم، وقادة نشيطين، واستراتيجية متماسكة ـ فإن هؤلاء الخصوم سيشكلون تحديًا هائلًا.
لكن المشهد الداخلي اليوم أبعد ما يكون عن النظام: فقد تحول الرأي العام الأميركي إلى الداخل، وانحدر الكونغرس إلى المشاحنات والفظاظة وسياسة حافة الهاوية.
والرؤساء المتعاقبون إما أنكروا الدور العالمي الذي تلعبه أميركا أو لم يقدموا تفسيرًا جيدًا له. وللتعامل مع مثل هؤلاء الخصوم الأقوياء المعرضين للمخاطر، تحتاج الولايات المتحدة إلى تعزيز لعبتها من كل الأبعاد، وعندها فقط يمكنها أن تأمل في ردع شي وبوتين عن القيام بالمزيد من الرهانات السيئة، فالخطر القادم منهما حقيقي.
من المفروض أن تكون «فاغنر»، الشركة الروسية العسكرية، سريّة. فالقانون الروسيّ يمنع الشركات الأمنيّة الخاصة. فجأة ظهرت «فاغنر». وانكشفت معها شبكة كبيرة، ومنظومة تمارس الأنشطة المتعددة. منها العسكريّ، ومنها الاقتصادي والماليّ. وهي تمتدّ من الداخل الروسيّ بوصفه مركز قيادة أساسيّاً، إلى منطقة الشرق الأوسط، ومنها إلى العمق الأفريقيّ. هي وسيلة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في لعبة جيوسياسيّة كبيرة جدّاً.
javascript:false
تروشيف (يمين) ويفكوروف (إ.ب.أ)
ومن خلالها يريد سيد الكرملين مقارعة الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة الأميركيّة. وإذا لم تكن لديه القدرة العسكريّة للمنافسة، فـ«فاغنر» هي الوسيلة، والأقلّ تكلفة، التي يمكن إنكارها إذا دعت الحاجة.
هكذا أنكرت وزارة الدفاع الروسيّة علاقتها بها عندما اصطدمت هذه الأخيرة بالقوّة الأميركيّة في دير الزور شرق سوريا. حينها، قُتل منها ما يقارب 200 عنصر.
تبدّل دور «فاغنر» مع بدء الحرب على أوكرانيا، مع تعثّر الجيش الروسيّ فيها، فما كان من «فاغنر» إلا أن تتدخّل للقتال. وكانت مدينة باخموت قمّة إنجازاتها. لكن باخموت، كانت أيضاً الشرارة العلنيّة للخلاف بين مموّلها، الملياردير الروسي يفغيني بريغوجين، ووزارة الدفاع، خصوصاً مع الوزير سيرغي شويغو.
بعد الانسحاب من باخموت، أرادت الشركة الناشئة أن تبتلع الإمبراطوريّة الروسية، التي يبلغ عمرها ما يقارب الـ300 سنة، أي منذ نشأتها فعلياً عام 1721، وحتى سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991. لكنها فشلت، لأنها أرادت ابتلاع أكثر بكثير مما يمكن لها أن تهضم. وعلى أثر التمرّد، سقطت طائرة المموّل في 23 أغسطس (آب) الماضي، وقُتل معه أهمّ قائد عسكريّ في الشركة، ديمتري أوتكين.
الإدارة الجديدة لـ«فاغنر»
عادة، تُغير الشركات أسمائها وإداراتها، كلما كان هناك تعثّر أو خسارة. وذلك بهدف الانطلاق مُجدّداً. هكذا حصل مع «فاغنر». الرئيس بوتين اجتمع مع أندريه تروشيف، أحد قادتها سابقاً، المعروف بالاسم الحركي «سيدوي» أو «الشعر الرمادي»، بحضور نائب وزير الدفاع يونس بك يفكوروف. وكلّفه المهمة العسكريّة الجديدة.
بريغوجين يتحدث على قناته من مكان مجهول (أ.ب)
في الشكل، الرئيس بوتين يجتمع مع نائب وزير الدفاع، والقائد الجديد ويعطي تعليماته. بُثت المقابلة علناً. والرسالة واضحة، من الرئيس بوتين وتحدد مَن هو المسؤول الفعليّ.
الغريب، هو غياب وزير الدفاع سيرغي شويغو، الذي من المفروض أن تقاتل «فاغنر» إلى جانب قوّاته، حتى ولو حلّ مكانه نائبه في الاجتماع. والغريب أيضاً، هو غياب رئيس الأركان غيراسيموف (لم يظهر منذ فترة)، وهو القائد المسؤول عن المسرح الأوكراني ككلّ.
حدّد الرئيس بوتين المهمّة الأساسية للقائد الجديد، ألا وهي المسرح الأوكرانيّ. بكلام آخر، المطلوب إعادة تأهيل مَن يمكن الوثوق به من قوات «فاغنر»، وذلك ضمن وحدات جديدة، والتي من المفروض أن تكون مختلطة مع قوات أخرى.
بوتين يتوسط رئيس هيئة الأركان العامة فاليري غيراسيموف (يسار) ووزير الدفاع سيرغي شويغو (أ.ب)
يهدف هذا التعيين إلى إعادة انخراط «فاغنر» في المسرح الأوكراني، لكن تحت قيادة جديدة، وذلك بهدف استغلال قدراتها العسكريّة المحترفة، وخبرات قواتها القتالية. كما تهدف الخطوات الجديدة، إلى توجيه رسائل مهمّة إلى الخارج، حيث توجد قواتها، خصوصاً في أفريقيا. فالشركة كبيرة جدّاً كي تسقط بسرعة بعد مقتل مؤسسها.
لكن التحدّيات كثيرة جدّاً أمام الوحدات الجديدة من «فاغنر». فالبيئة العسكريّة تبدلّت بشكل جذريّ. وعندما تُقتل القيادات العسكريّة بهذا الشكل، تفقد الوحدات حدتها القتاليّة وثقتها بنفسها بعد غياب المُلهم الأساسي الكاريزماتيّ، أن كان بريغوجين، أو أوتكين. من هنا يمكن القول إن عودة «فاغنر» للقتال على المسرح الأوكرانيّ، لن تكون مؤثّرة جداً بحيث تشكّل نقطة تحوّل. وإن أقصى ما يمكن الاستفادة منها، هو حول مدينة باخموت حيث تحقّق القوات الأوكرانيّة تقدّماً، ولأن لقواتها خبرة سابقة في القتال في هذه المدينة.
تتزامن عودة «فاغنر» مع مرسوم استدعاء 130 ألفاً للخدمة الإلزاميّة، وذلك حسب القانون الروسيّ. هذا مع العلم، أن هذه القوات سوف لن تكون جاهزة للقتال قبل تدريبها الأساسيّ، إذ لا خبرة عسكريّة لها. وهي ستكون حتماً عدداً يُضاف إلى المسرح الأوكرانيّ، خصوصاً في الأقاليم الأربعة التي أعلن ضمّها الرئيس بوتين. ويمنع القانون الروسيّ نشر هذه القوات خارج الأراضي الروسيّة.
البُعد الاقتصادي في أفريقيا
ضباط شرطة روس أمام مقر «فاغنر» في سان بطرسبرغ (أ.ف.ب)
يرتب حالياً الرئيس بوتين الشق العسكريّ لـ«فاغنر». فماذا عن الشق الأهم في أفريقيا، ألا وهو إدارة المؤسسات والشركات الروسيّة في القارة، والتي تهتم باستغلال الثروات الطبيعية المحليّة، من ذهب وألماس ويورانيوم وغيرها؟
نشرت مجلّة «وول ستريت جورنال» مقالاً حول الشخص الأهم لـ«فاغنر» في أفريقيا، الذي يهتم بالشق الاقتصادي والمالي، ألا وهو الروسي ديمتري سيتي (Dmitri Seytii)، المقرّب جدّاً من بريغوجين. التقاه في آخر زيارة له لأفريقيا قبل مقتله. درس ديمتري سيتي في فرنسا إدارة الأعمال، وله علاقات مميّزة مع مسؤولي الدول الأفريقية، حيث توجد «فاغنر». فهل ستكون هناك إدارة جديدة؟ ومَن سيكون المدير الفرعيّ؟ لكن الأكيد، أنه سينضوي تحت عباءة الكرملين.
المصدر: صحيفة الشرق الاوسط
«الدبلوماسية الصحية»… مسار جديد للتقارب بين القاهرة وطهران
|
يعتزم وزير إيراني زيارة مصر الأسبوع المقبل، في خطوة تضاف إلى لقاءات باتت متكررة خلال الأسابيع الماضية بين مسؤولين إيرانيين ومصريين، الأمر الذي عده مراقبون «مؤشراً على تسارع وتيرة التقارب بين البلدين»، بما يعزز إمكانية «تطوير العلاقات الدبلوماسية»، التي تشهد جموداً لأكثر من أربعة عقود.
ونقلت وكالة «فارس» الإيرانية، مساء السبت، عن وزير الصحة والعلاج والتعليم الطبي الإيراني، بهرام عين اللهي، نيته زيارة القاهرة الأسبوع المقبل، وقوله إنه سيلتقي ويتحدث مع وزراء الصحة في الدول الصديقة، ومن بينها مصر، مشيراً إلى أن «الدبلوماسية الصحية هي النقطة المشتركة بين جميع الدول، وتزيد التعاون بين الجيران في المنطقة».
وسيكون عين اللهي ثالث وزير إيراني يلتقي مع نظرائه المصريين، إذ التقى الأسبوع الماضي، وزير الاقتصاد الإيراني سيد إحسان خاندوزي، على هامش اجتماع البنك الآسيوي للبنية التحتية في مصر، مع وزير المالية المصري محمد معيط، واستعرضا تطورات العلاقات الثنائية والتجارية.
وكان وزير الخارجية المصري سامح شكري التقى في 20 من سبتمبر (أيلول) الماضي نظيره الإيراني حسين أمير عبداللهيان، على هامش اجتماعات «الجمعية العامة للأمم المتحدة» في نيويورك، حيث بحثا سبل تطوير العلاقات بين البلدين.
وعلى الصعيد البرلماني، التقى رئيس مجلس النواب المصري حنفي جبالي، رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني محمد باقر قاليباف، الأسبوع الماضي، على هامش انعقاد الجمعية البرلمانية التاسعة لمجموعة «بريكس» في جوهانسبرغ.
واتخذت خطوات التقارب بين مصر وإيران مساراً تصاعدياً خلال الأشهر الماضية، وأعلن مسؤولون في سلطنة عُمان والعراق، أن جهوداً بُذلت من جانب بلديهما لتقريب وجهات النظر بين القاهرة وطهران لاستئناف العلاقات الدبلوماسية.
وكان البلدان قطعا العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 1979، واستؤنفت العلاقات من جديد بعد ذلك بـ11 عاما، لكن على مستوى القائم بالأعمال ومكاتب المصالح.
ولفت مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير رخا أحمد حسن، إلى أهمية ما وصفه بـ«استدامة اللقاءات بين مسؤولي البلدين»، معتبراً تكرار مثل هذه اللقاءات في فترة وجيزة «مؤشراً على ما تشهده العلاقة بين البلدين من تطور إيجابي».
وأضاف حسن لـ«الشرق الأوسط» أن الوضع الإقليمي وتوافر إرادة سياسية من الجانبين للانتقال بالعلاقات إلى مستوياتها الطبيعية «يعزز تسارع وتيرة استئناف العلاقات الدبلوماسية قريباً»، مشدداً على أن العلاقات الثنائية «تجاوزت مرحلة الاستكشاف وبدأت مساراً منتظماً ومتنامياً».
وأعرب مسؤولون إيرانيون بارزون في مناسبات عدة عن رغبتهم في تطوير العلاقات مع القاهرة، وقال الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في مايو (أيار) الماضي، إنه وجّه وزارة الخارجية باتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيز العلاقات مع مصر، بينما لم تصدر عن القاهرة أية تصريحات رسمية بهذا الصدد.
وأقرت الحكومة المصرية، خلال مارس (آذار) الماضي حزمة تيسيرات لتسهيل حركة السياحة الأجنبية الوافدة، تضمنت قراراً بتسهيل دخول السياح الإيرانيين إلى البلاد عند الوصول إلى المطارات في جنوب سيناء، ضمن ضوابط تضمنت حصول السائحين الإيرانيين على التأشيرة من خلال مجموعات سياحية، وعبر شركات تنسق مسبقاً الرحلة مع الجانب المصري، وهو ما قوبل بترحيب إيراني في حينه.
من جهته، أشار مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير جمال بيومي إلى أهمية لقاء من وصفهم بـ«الوزراء الفنيين»، في تيسير خطوات التقارب المصرية الإيرانية، لافتاً إلى أن البلدين «حافظا على نهج عقلاني في إدارة الملفات الاقتصادية والعلاقات الثقافية والشعبية رغم انقطاع العلاقات السياسية رسمياً وتوترها في بعض الأحيان».
وأضاف بيومي لـ«الشرق الأوسط» أن المباحثات الثنائية المباشرة «كفيلة بإذابة تباينات وجهات النظر بين الجانبين بشأن القضايا السياسية والإقليمية»، ويرى أن المباحثات الفنية كما هي الحال في الشؤون الاقتصادية والسياحية والصحية «أيسر في التوصل إلى توافقات من نظيراتها السياسية».
ولفت مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق كذلك إلى التحولات التي تشهدها المنطقة خاصة مع استئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، وكذلك دعوة مصر وإيران إلى الانضمام إلى تجمع دول «بريكس»، وهو ما يمكن أن يُعيد إحياء أطر قديمة للتعاون مثلما كانت الحال مع مجموعة ما يُعرف بـ«D8»، والتي كانت تضم 8 دول إسلامية صناعية، بينها مصر وإيران وتركيا وباكستان، لكن التعاون بين تلك الدول توقف جراء التوترات السياسية.
وكانت مصر وإيران، ضمن 6 دول، دعاها قادة «بريكس»، خلال قمتهم السنوية الأخيرة في جنوب أفريقيا، خلال أغسطس (آب) الماضي، للانضمام إلى تجمع الاقتصادات الناشئة، العام المقبل، وتضم قائمة الدول كذلك: السعودية، والإمارات، وإثيوبيا، والأرجنتين.