1

اعتبرته مشروعا “بأهمية وطنية”.. بريطانيا تعتزم مد خط بحري لنقل الطاقة المتجددة من المغرب

وضعت بريطانيا خطة لمد كابل تحت سطح البحر لنقل طاقة متجددة من المغرب باعتباره مشروعا “له أهمية وطنية”.

وترغب شركة إكس. لينكس، التي يرأسها ديف لويس الرئيس التنفيذي السابق لشركة تيسكو، في مد كابلات بحرية طولها 3800 كيلومتر لنقل إمدادات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح من الصحراء الكبرى إلى سبعة ملايين منزل بريطاني بحلول 2030.

ورغم وصف شركة إكس. لينكس إقرار الحكومة لمشروعها بأنه “إنجاز كبير”، فإن العديد من التحديات لا تزال قائمة.

بالإضافة إلى الحاجة لمد أطول كابل بحري في العالم للتيار المستمر عالي الجهد، فإن الشركة تحتاج إلى الحصول على مزيد من التمويل والاتفاق على عقود تسعير طويلة الأجل ونيل الإذن للمرور عبر المياه الإقليمية الإسبانية والفرنسية.

وقال لويس لصحيفة فايننشال تايمز إن التكلفة المقدرة للمشروع تتراوح بين 20 مليار جنيه إسترليني (24.47 مليار دولار) و22 مليار جنيه إسترليني.

وذكرت إكس. لينكس أن المشروع سيوفر نحو 10 آلاف وظيفة في المغرب منها 2000 ستصبح دائمة، كما أنه يتسق مع استراتيجية البلاد لتصدير الطاقة.

وقالت كلير كوتينيو وزيرة أمن الطاقة وخفض الانبعاثات إلى الصفر في بريطانيا في بيان إن المشروع يحظى بأهمية وطنية لقدرته على مساعدة البلاد على التخلص من الوقود الأحفوري.

وذكر البيان أن “المشروع المقترح يمكن أن يلعب دورا مهما في تمكين نظام الطاقة الذي يفي بالتزام المملكة المتحدة بالحد من انبعاثات الكربون وأهداف الحكومة المتمثلة في توفير إمدادات طاقة آمنة ويعول عليها وبأسعار معقولة للمستهلكين”. (الدولار = 0.8173 جنيه)

المصدر: وكالة رويترز




نائبة وزير السياحة الإيراني لـ«الشرق الأوسط»: نفكر في إلغاء التأشيرات لدول الجوار

قالت مسؤولة إيرانية رفيعة إن بلادها تدرس إلغاء التأشيرة لمواطني عدد من دول الجوار، بما فيها السعودية، في إطار خططها لتعزيز السياحة والتعاون مع دول المنطقة.

وأكدت نائبة وزير السياحة الإيراني مريم جلالي لـ«الشرق الأوسط»، أن الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي «يؤكد أهمية سياحة دول الجوار».

وقالت جلالي على هامش مشاركتها في اليوم العالمي للسياحة الذي تستضيفه الرياض، إن «التهدئة في المنطقة ستساعد على تشجيع القطاع السياحي ونموه». وشددت على توفير أجواء آمنة لجميع السياح الراغبين في زيارة بلادها، مبينة أن السلطات الإيرانية «تتحمل أمن السياح بشكل كامل».

ورغم انقطاع العلاقات لأكثر من سبع سنوات بين إيران والسعودية، فإن جلالي قالت إن المشتركات الثقافية والتاريخية بين البلدين «لم تنقطع»، رغم ما وصفته بـ«المعوقات السياسية».

وعبّرت عن شكرها للمملكة العربية السعودية على مبادرتها لإقامة مؤتمر يوم السياحة العالمي في الرياض، وقالت إن مشاركتها جاءت تطبيقاً لشعار منظمة السياحة العالمية «الاستثمار الأخضر»، الذي يركز على الصناعات والفنون اليدوية.

التعاون السياحي بين البلدين

وكشفت جلالي أنها تحمل دعوة من وزير السياحة الإيراني لنظيره السعودي للمشاركة في المعرض الـ17 للصناعات السياحية الذي يقام في فبراير (شباط) المقبل في إيران.

وتحدثت عن نقاشات مع الجانب السعودي للتعاون في مجال التدريب والنقل الجوي لتنمية العلاقات بين البلدين، مشيرة إلى أن العمل جارٍ لإزالة العقبات أمام العلاقات بين البلدين، لا سيما في القطاع السياحي.

إلغاء التأشيرات مع دول الجوار

تعترف نائبة وزير السياحة الإيراني بأن مسألة التأشيرات تعد أحد المعوقات أمام نمو السياحة في أي دولة، لكنها تفيد بأن النقاشات والحوار يمكنهما تسهيل الإجراءات، وأن التجربة المشتركة بين إيران والسعودية في إصدار تأشيرات الحج والعمرة يمكن أن تمثل مدخلاً لتعاون أكبر في هذا المجال.

وبحسب جلالي، فإن وزير السياحة عزت الله ضرغامي يؤكد أهمية تسهيل التأشيرات لدول الجوار، وحتى إنه يفكر في إلغائها مع بعض الدول بما فيها السعودية. وتضيف: «نحن نعدّ أسرةً واحدة، وعلينا تجاوز بعض البروتوكولات والحواجز الجغرافية ونحلها بالتفاهم، ومع مجيء السفير الإيراني للرياض، لا شك سيتم تسهيل إصدار التأشيرات

عبد الهادي حبتور

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




إغلاق الحكومة الأميركية يقترب نهاية الأسبوع… ماذا يعني؟ وما الخطوة التالية؟

الحكومة الفيدرالية على بعد أيام فقط من الإغلاق الذي سيعطل العديد من الخدمات ويضغط على العمال ويزعج السياسة، حيث يفرض الجمهوريون في مجلس النواب، الذين تغذيهم مطالب اليمين المتطرف، مواجهة حول الإنفاق الفيدرالي.

في حين سيتم إعفاء بعض الكيانات الحكومية – على سبيل المثال، ستستمر عمليات التحقق من الضمان الاجتماعي – سيتم تقليص الوظائف الأخرى بشدة. ستتوقف الوكالات الفيدرالية عن جميع الإجراءات التي تعدُّ غير ضرورية، ولن يتلقى ملايين الموظفين الفيدراليين، بما في ذلك أفراد الجيش، رواتبهم.

نظرة على ما ينتظر الولايات المتحدة إذا أغلقت الحكومة في الأول من أكتوبر (تشرين الأول):

*ما هو إغلاق الحكومة الفيدرالية؟

يحدث الإغلاق عندما يفشل الكونغرس في تمرير نوع من تشريعات التمويل، التي وقعها الرئيس ليصبح قانوناً. من المفترض أن يمرر المشرّعون 12 مشروع قانون إنفاق مختلف لتمويل الوكالات في جميع أنحاء الحكومة، لكن العملية تستغرق وقتاً طويلاً. وغالباً ما يلجأون إلى تمرير تمديد مؤقت، يسمى القرار المستمر، للسماح للحكومة بمواصلة العمل.

وعندما لا يتم سن تشريع تمويل، يتعين على الوكالات الفيدرالية إيقاف جميع الأعمال غير الأساسية ولن ترسل شيكات الرواتب ما دام الإغلاق مستمرًا.

وعلى الرغم من أن الموظفين الذين يعدُّون ضروريين للسلامة العامة مثل مراقبي الحركة الجوية وضباط إنفاذ القانون لا يزال يتعين عليهم الإبلاغ عن العمل، فإن الموظفين الفيدراليين الآخرين يتم إجازتهم. بموجب قانون 2019، من المقرر أن يتلقى هؤلاء العمال أنفسهم رواتبهم مرة أخرى بمجرد حل مأزق التمويل.

*متى يبدأ الإغلاق وإلى متى سيستمر؟

ينتهي التمويل الحكومي في الأول من أكتوبر، بداية السنة المالية. سيبدأ الإغلاق فعلياً في الساعة 12:01 صباحاً يوم الأحد إذا لم يتمكن الكونغرس من تمرير خطة تمويل يوقعها الرئيس لتصبح قانوناً.

ومن المستحيل التنبؤ بمدة استمرار الإغلاق. يعمل مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الديمقراطيون ومجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون على خطط مختلفة إلى حد كبير لتجنب الإغلاق، ويكافح رئيس مجلس النواب كيفن مكارثي لكسب أي دعم من المحافظين اليمينيين المتشددين لإبقاء الحكومة مفتوحة.

يستعد الكثيرون للتوقف الذي قد يستمر أسابيع.

*علام يؤثر الإغلاق؟

يواجه الملايين من العمال الفيدراليين رواتب متأخرة عندما تغلق الحكومة، بما في ذلك العديد من نحو مليوني عسكري وأكثر من مليوني عامل مدني في جميع أنحاء البلاد.

يتمركز ما يقرب من 60 في المائة من العمال الفيدراليين في وزارة الدفاع وشؤون المحاربين القدامى والأمن الداخلي.

في حين أن جميع القوات العسكرية في الخدمة الفعلية وجنود الاحتياط سيستمرون في العمل، فإن أكثر من نصف القوى العاملة المدنية في وزارة الدفاع، التي يبلغ عدد أفرادها حوالي 440 ألف شخص، ستتم إجازتهم.

عبر الوكالات الفيدرالية، يتمركز العمال في جميع الولايات الـ50 ولديهم تفاعل مباشر مع دافعي الضرائب – من وكلاء إدارة أمن النقل الذين يديرون الأمن في المطارات إلى عمال الخدمة البريدية الذين يسلمون البريد.

وقال وزير النقل الأميركي بيت بوتيغيغ إنه سيتم إيقاف التدريب الجديد لمراقبي الحركة الجوية وستمنح إجازات لـ1000 مراقب آخر في خضم التدريب. وقال إنه حتى الإغلاق الذي يستمر بضعة أيام سيعني أن الإدارة لن تصل إلى أهداف التوظيف والتوظيف للعام المقبل.

أضاف بوتيغيغ: «تخيل الضغط الذي تتعرض له وحدة التحكم بالفعل في كل مرة يتخذون فيها منصبهم في العمل، ثم تخيل الضغط الإضافي المتمثل في القدوم إلى هذه الوظيفة من أسرة مع عائلة لم تعد قادرة على الاعتماد على هذا الراتب».

إلى جانب العمال الفيدراليين، يمكن أن يكون للإغلاق آثار بعيدة المدى على الخدمات الحكومية. يمكن للأشخاص الذين يتقدمون للحصول على خدمات حكومية مثل التجارب السريرية وتصاريح الأسلحة النارية وجوازات السفر أن يشهدوا تأخيرات.

وسيتعين على بعض المكاتب الفيدرالية أيضاً إغلاق أو مواجهة ساعات قصيرة أثناء الإغلاق.

يمكن للشركات المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحكومة الفيدرالية، مثل المقاولين الفيدراليين أو الخدمات السياحية حول المتنزهات الوطنية، أن تشهد اضطرابات وانكماشاً. قد يخسر قطاع السفر 140 مليون دولار يومياً في حالة الإغلاق، وفقاً لجمعية صناعة السفر الأميركية.

كما يحذر المشرعون من أن الإغلاق قد يزعج الأسواق المالية. وقدر «غولدمان ساكس» من أن الإغلاق سيقلل من النمو الاقتصادي بنسبة 0.2 في المائة كل أسبوع، لكن النمو سيرتد بعد ذلك بعد إعادة فتح الحكومة.

ويقول آخرون إن انقطاع الخدمات الحكومية له آثار بعيدة المدى لأنه يهز الثقة في الحكومة للوفاء بواجباتها الأساسية. وحذرت غرفة التجارة الأميركية من أن «الاقتصاد الذي يعمل بشكل جيد يتطلب حكومة عاملة».

*ماذا عن قضايا المحاكم، ورواتب الكونغرس والرئاسة؟

سيواصل الرئيس وأعضاء الكونغرس العمل والحصول على رواتبهم. ومع ذلك، ستتم إجازة أي من موظفيها الذين لا يعدُّون أساسيين.

وقالت المتحدثة باسم المحكمة باتريشيا مكابي إن المحكمة العليا، التي تبدأ ولايتها الجديدة يوم الاثنين، لن تتأثر بإغلاق قصير لأنها يمكن أن تستفيد من قدر من الأموال التي توفرها رسوم المحكمة، بما في ذلك رسوم رفع دعاوى قضائية ووثائق أخرى.

وقال المتحدث باسم السلطة القضائية بيتر كابلان إن بقية السلطة القضائية الفيدرالية ستعمل بشكل طبيعي خلال الأسبوعين الأولين على الأقل من شهر أكتوبر.

حتى في حالة الإغلاق الأطول، لن يتم إغلاق السلطة القضائية بأكملها، وستتخذ كل محكمة في جميع أنحاء البلاد قرارات بشأن الأنشطة التي ستستمر. سيستمر دفع رواتب القضاة وجميع القضاة الفيدراليين بسبب الحظر الدستوري على تخفيض رواتب القضاة خلال فترة ولايتهم، وفقاً لخدمة أبحاث الكونغرس.

والجدير بالذكر أن تمويل المستشارين الخاصين الثلاثة المعينين من قبل المدعي العام ميريك غارلاند لن يتأثر بإغلاق الحكومة لأنه يتم دفع ثمنها من خلال اعتماد دائم غير محدد، وهي منطقة تم إعفاؤها من الإغلاق في الماضي.

وهذا يعني أن القضيتين الفيدراليتين المرفوعتين ضد دونالد ترمب، وكذلك القضية المرفوعة ضد هانتر بايدن، نجل الرئيس جو بايدن، لن تنقطع. وطالب ترمب الجمهوريين بإلغاء الملاحقات القضائية ضده كشرط لتمويل الحكومة، معلناً أنها «فرصتهم الأخيرة» للتحرك.

*هل حدث هذا من قبل؟

قبل عقد 1980، لم تؤد الهفوات في التمويل الحكومي إلى إغلاق العمليات الحكومية بشكل كبير. لكن المدعي العام الأميركي بنيامين سيفيليتي، في سلسلة من الآراء القانونية في عامي 1980 و1981، جادل بأن الوكالات الحكومية لا يمكنها العمل بشكل قانوني خلال فجوة التمويل.

ومنذ ذلك الحين، عمل المسؤولون الفيدراليون بموجب تفاهم يمكنهم من تقديم إعفاءات للوظائف «الأساسية» للسلامة العامة والواجبات الدستورية.

منذ عام 1976، كانت هناك 22 فجوة في التمويل، أدت 10 منها إلى إجازة العمال. لكن معظم عمليات الإغلاق الكبيرة حدثت منذ رئاسة بيل كلينتون، عندما طالب رئيس مجلس النواب آنذاك نيوت غينغريتش وأغلبية المحافظين في مجلس النواب بتخفيضات في الموازنة.

حدث أطول إغلاق حكومي بين عامي 2018 و 2019 عندما دخل الرئيس آنذاك ترمب والديمقراطيون في الكونغرس في مواجهة بشأن مطلبه بتمويل جدار حدودي. استمر الاضطراب 35 يوماً، خلال موسم العطلات، لكنه كان أيضاً مجرد إغلاق جزئي للحكومة لأن الكونجرس أقر بعض مشاريع قوانين الاعتمادات لتمويل أجزاء من الحكومة.

*ما الذي يتطلبه الأمر لإنهاء الإغلاق؟

تقع على عاتق الكونغرس مسؤولية تمويل الحكومة. يجب أن يوافق مجلسا النواب والشيوخ على تمويل الحكومة بطريقة ما، ويجب على الرئيس التوقيع على التشريع ليصبح قانوناً.

والجانبان متجذران بعمق ولا يقتربان من التوصل إلى اتفاق لتجنب الإغلاق.

ولكن إذا استمر الإغلاق لأسابيع، سيتزايد الضغط لإنهاء المأزق، خاصة إذا فات أفراد الجيش في الخدمة الفعلية مواعيد الدفع في 31 أكتوبر. أو 1 نوفمبر (تشرين الثاني). إذا بدأ الجمهور الأوسع في رؤية اضطرابات في السفر الجوي أو أمن الحدود حيث يذهب العمال دون أجر، فسيؤدي ذلك إلى دفع الكونجرس إلى التحرك.

غالباً ما يعتمد الكونغرس على ما يسمى بالقرار المستمر لتوفير أموال مؤقتة لفتح مكاتب حكومية بالمستويات الحالية مع بدء محادثات الميزانية. غالباً ما يتم إرفاق الأموال المخصصة للأولويات الوطنية الملحة، مثل المساعدة الطارئة لضحايا الكوارث الطبيعية، بمشروع قانون قصير الأجل.

لكن الجمهوريين المتشددين يقولون إن أي مشروع قانون مؤقت ليس بداية لهم. إنهم يضغطون لإبقاء الحكومة مغلقة حتى يتفاوض الكونجرس على جميع مشاريع القوانين الـ12 التي تمول الحكومة، والتي تعد تاريخياً مهمة شاقة لم يتم حلها حتى ديسمبر (كانون الأول)، على أقرب تقدير.

ويحث ترمب، وهو أكبر منافس لبايدن في انتخابات 2024، المتشددين الجمهوريين على رفض الاتفاق. وإذا نجحوا، فقد يستمر الإغلاق أسابيع، وربما لفترة أطول.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




بيوت قديمة ومهجورة تحولت الى أجمل المطاعم والفنادق في إيران

لم تكن البيوت في قديم الزمان، مجرد مبانٍ مكدسة على بعضها بعضاً، نستخدمها للاستراحة أو المبيت فحسب، بل كانت بفنّها المعماري الجميل والفريد من نوعه وبمساحاتها الكبيرة، مبانيَ ذات روح وطابع، تجمع بين أشخاص الأسرة وتلمّ شملهم.

وهناك بيوت جميلة في شتى أرجاء إيران، هُجرت لفترة طويلة، فعتقت واهترأت، ولكن بعد مرور زمن وجدت من يقدّرها ويهتم بها ليعيدها إلى أيامها السابقة، لا بل يحوّلها إلى مقاهٍ ومطاعم وحتى فنادق مريحة، يزورها السياح من مختلف مدن إيران وجميع أنحاء العالم.

كثيرة هي البيوت التي رُممت وجُددت، لتتأهل وتتحول وتصبح واجهةً سياحيةً يزورها كثر. تقع أبرز هذه البيوت في المدن الكبيرة في إيران، مثل طهران العاصمة، وأصفهان والأهواز وشيراز، وسنتعرف هنا على بعضها.

بيوت طهران

بما أن طهران هي عاصمة البلاد ومن أكبر مدنها، من حيث المساحة والعدد السكاني، لذا تقع أكثر هذه البيوت المتحولة في هذه المدينة؛ مثل بيت “محسن مقدم” الذي تحول إلى “مقهى ومتحف مقدم”، وهو أحد المباني التاريخية الذي يعود إلى العهد القاجاري في إيران، ويُعدّ اليوم من أغلى المنازل في العالم، ويتكون هذا المبنى من مجموعة متاحف ومقهى، وفيه حديقة جميلة يملؤها السكون والهدوء، لمن يهرب من ضجيج الشوارع المكتظة والخانقة.

هناك بيوت جميلة في شتى أرجاء إيران، هُجرت لفترة طويلة، فعتقت واهترأت، لكن بعد مرور زمن وجدت من يقدّرها ويهتم بها، ليعيدها إلى أيامها السابقة، لا بل يحوّلها إلى مقاهٍ ومطاعم وحتى فنادق 

يتكون هذا المبنى من جزأين داخلي وخارجي، وتُعدّ زخرفته نموذجيةً نظراً إلى الفن المعماري في تلك الحقبة، فقد أعطى البلاط الملون والأعمدة والأقواس جواً أصيلاً وفريداً، كما تمتلئ حديقته الهادئة بالأشجار المزهرة والورود المتنوعة والشجيرات الجميلة، وتتوسطها نوافير فيروزية منقوشة ومنحوتة بشكل مبهر، وفي المبنى توجد غرفة، أحد جدرانها مرصع بالأحجار الكريمة والمرجان، كما يوجد أيضاً جدار آخر مطلي باللون الذهبي.

خانه مقدمخانه مقدم

ويسمى هذا المبنى بـ”مقدم”، لأن ملكيته تعود إلى “محسن مقدم”، وهو رسام وعالم آثار وأستاذ الفنون في جامعة طهران، والبيت من تصميمه. كان هو وزوجته “سلمى كويوميجيان” (بلغارية)، مهتمين جداً بالثقافة والتاريخ، ولذا كرّسا حياتهما، لجمع الأشياء الثمينة من جميع أنحاء العالم وحفظها، وقد احتفظا بهذه الأشياء في منزلهما، الذي تحول الآن إلى متحف، يعرض ما اقتنيا طوال حياتهما.

ولو تجولنا أكثر في طهران، سنجد مقهى ذا شعبية كبيرة، يسمى بمقهى “تهرون فيلا”، الذي بدأ نشاطه في “حديقة نِكارِستان” عام 2013، واشتهر بالأجواء والمساحة وقائمة الطعام الخاصة به التي يقدّمها لضيوفه، وتزايد شيئاً فشيئاً عشاقُه وزبائنُه.

تهرون فيلاتهرون فيلا

فالكراسي الخشبية ذات التصميم البولندي تضفي دفئاً مميزاً على جوّه، وتخلق تناغماً جيداً بجوار مفارش المائدة المطرزة بالكشمير، والمزهريات الفخارية الزرقاء على الطاولات، كما أن ستائر الدانتيل البيضاء الموضوعة بين إطارات النوافذ والجدران الخضراء الرائعة، تخلق أجواء مريحةً يشعر بدفئها كل من يتواجد هناك من أول لحظة.

ومنذ بدايات عمله أصبح مقهى “تهرون فيلا”، مكاناً يجتمع فيه الفنانون/ات وهواة الفن، وأمست أحداث فنية كتوقيع كثير من المؤلفين/ات لكتبهم، وسهرات الفنانين/ات والكتاب والكاتبات، من بين برامج هذا المقهى الذي يمتلئ بهذه الأجواء الفنية الجميلة.

ومن المثير للاهتمام أن نعرف أنه نُشر مؤخراً كتاب بعنوان “شارع فيلا” للكاتب الإيراني علي رضا عالم نجاد، وهو عبارة عن مجموعة قصص وذكريات للناس من داخل المقهى وخارجه، والأشخاص الذين يعيشون في شارع المقهى الذي يحمل اسم “فيلا”، وقد ألّفه كاتبه نتيجةً لتواجده اليومي في المقهى ولفترة ثلاث سنوات.

بيوت أصفهان

من العاصمة طهران نتجه صوب مدينة أصفهان، العاصمة الثقافية لإيران؛ ففي هذه المدينة تتواجد الكثير من هذه البيوت القديمة التي تحولت مؤخراً إلى أماكن سياحية، وذلك نظراً للتاريخ العريق للمدينة.

“بيت دِهدَشتي” هو أحد بيوت أصفهان التاريخية، التي بقيت من العصر القاجاري في هذه المدينة، يزوره أكبر عدد من الضيوف والسياح في عطلة الصيف، وذلك بعد أن تحول إلى مقهى يحمل اسم مقهى “هوغر كافيه” (Huger Cafe). 

يحتوي هذا المبنى التاريخي على مساحتين مفتوحتين، ويضم الفناء الخارجي ساحةً خضراء جميلةً، والداخل مخصص لغرف الاستقبال الجميلة والرائعة، فعند مدخل المبنى نشاهد قاعةً مبنيةً في منتصف الجزء الداخلي من المبنى محاطةً بغرفتين من الجانبين، وشرفتين أمام الغرف الجانبية، وغرفة ملكية خلف القاعة تكمل مجموعة منزل دِهدَشتي.

المساحات الداخلية لمنزل دهدشتي مفتوحة على بعضها بعضاً، عبر أبواب خشبية عتيقة، ما يفسح مساحات متنوعةً وفريدةً من نوعها في داخل المنزل، وفي وسطه توجد قاعة تتكون من أوشحة جميلة أمام الفناء، الذي تتوسطه بركة صغيرة، تعكس صورة أوشحة القاعة الملونة، وتخلق منظراً جميلاً يسرّ عيون الناظرين.

من بين البيوت التاريخية الكثيرة في مدينة أصفهان، يوجد بيت آخر باسم “خانه كشيش”، أي بيت القسيس، وهو أحد المنازل القليلة المتبقية على الطراز المعماري المنتسب إلي العصر الصفوي، وكان هذا المنزل التاريخي ملكاً للقسيس الإيراني، جارجين هانانيان، الذي توفي في أيلول/سبتمبر 1970، ودُفن بجوار جرس كنيسة “وانْك” القريبة من هذا البيت، الذي تحول في ما بعد إلى فندق يستضيف السياح طوال أيام السنة.

خانه كشيشخانه كشيش

ويضم هذا الفندق دهليزاً وغرفاً عديدةً وغرفةً ملكيةً وشرفة كبيرة مزيّنة بزخارف الجص والمرايا من الداخل، كما يتزين سقف هذا الرواق بإطارات خشبية مربعة، ويرتكز على أربعة أعمدة خشبية طويلة.

وفي عام 2005، اشترى هذا المنزل “همايون أفهام” من ورثة الكاهن، وهو أحد محبي الثقافة والفن الإيرانيين، إذ تمت عملية الشراء هذه، بهدف الحفاظ على ثقافة العمارة الصفوية وحضارتها، ومن هذا المنطلق رممه بمساعدة خبراء ترميم للأعمال الفنية، ليصبح هذا المبنى وجهةً للزوار المحبين للتراث والفن الإيرانيين البديعين.

بيوت الأهواز

هذه المرة وجهتنا مدينة الأهواز، العاصمة النفطية لإيران، وإحدى المدن الحاضنة لهذه البيوت التاريخية الجميلة، حيث أنها كانت منذ القدم مدينةً تجاريةً وصناعيةً، تجذب كل من أراد الاستثمار خاصةً في القطاعات النفطية.

على ضفاف “نهر كارون” الذي يعبر من وسط المدينة، يقع “فندق قو” أو ما تبقى منه، حيث يعود تاريخ إنشائه، إلى أواخر الفترة القاجارية، أي إلى عام 1920 في إيران، لكن كل ما تبقى من هذا الفندق الذي كان عبارةً عن تحفة معمارية في عصره، هو مجرد هيكل هشّ مهترئ قد ينهار في أي لحظة، حيث لم يحظَ باهتمام جدّي، غير أن منظمة التراث الثقافي لمحافظة خوزستان قامت بعمليات ترميم جزئي له في عامي 2018 و2019.

لكن بعد عام 2018، قامت مجموعة باسم “أوكسين للدراجات الهوائية” في الأهواز، بتنظيف المبنى وساحة الفندق وترميمهما بشكل طوعي، ولا تزال هذه العمليات مستمرةً، وذلك إلى جانب افتتاحهم مقهى في ساحة الفندق، وجاءت هذه الخطوة بهدف إعادة افتتاح الفندق بشكل دائم، ولتعريف الناس به أكثر، كما ستُدفع جميع الأرباح من مبيعات هذا المقهى لصيانة المبنى وترميمه.

 تقع في طهران أكثر  البيوت المتحولة فيها، مثل بيت “محسن مقدم” الذي تحول إلى “مقهى ومتحف مقدم”، وهو أحد المباني التاريخية الذي يعود إلى العهد القاجاري في إيران، ويُعدّ اليوم من أغلى المنازل في العالم

وعلى بعد كيلومتر واحد من فندق قو، يوجد “خانه مابار”، المقتبس من اسم عبد المجيد مابار، المالك الأصلي لهذا البيت وأحد تجار الأهواز، في زمن كان فيه حكم السلالة القاجارية في إيران يلفظ أنفاسه الأخيرة، حيث قرر بناء منزل بأسلوبه الخاص، وكلّف أحد أفضل المهندسين المعماريين في تلك الفترة بإنشاء المبنى. وبعد وفاة عبد المجيد، استولت الحكومة البهلوية على منزله، حتى انتصرت الثورة الإسلامية في إيران، وسُلّم منزل مابار إلى منظمة التراث الثقافي، ومنذ ذلك الحين أصبح هذا المكان أحد المعالم التاريخية والسياحية في الأهواز.

خانه مابارخانه مابار

المدخل الرئيسي لهذا المبنى مرصوف بالطوب الذي وُضع بشكل متعمد مع بعضه بعضاً، وعندما ندخل إلى فناء هذا البيت، نشاهد أنه مكون من طابقين وقبو، بطراز المنازل القديمة التي توجد بها العديد من الغرف حول الفناء. وما يعطي هذا المبنى التاريخي منظراً مذهلاً، هي أبواب غرفه الخشبية المزينة بزجاج ملون.

هوية المنازل التاريخية في الأهواز، هي الأقواس الهلالية التي تظهر بوضوح فيها، تتصل بسقوف الغرف المصنوعة من ألواح خشبية، بينما الدَرابزينات المشبكة للمنزل تكمل جمال المبنى، وتتوسط ساحة البيت بركة صغيرة ذات لون فيروزي، تهيئ أجواء مريحةً وجميلةً للزائرين.

في هذه الأيام، أصبح بيت مابار التاريخي مقهى ومكاناً لإقامة الفعاليات الثقافية والفنية المختلفة كإطلاق مراسم توقيع كتب جديدة الإصدار، أو عرض مسرحيات، أو إقامة معارض للصور والرسمات.

خديجة حيدري

المصدر: موقع رصيف 22




رغم العقوبات.. إيران تنجح في إطلاق ثالث قمر صناعي عسكري

أعلن وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الإيراني، عيسى زارع بور، الأربعاء، عن تمكن الحرس الثوري من إطلاق ثالث قمر صناعي عسكري للاستطلاع التصويري بنجاح إلى مداره.

وأوضح زارع بور، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا” أن القمر الصناعي الإيراني الذي يسمى “نور 3” تم “إطلاقه في مدار يبلغ طوله 450 كيلومترا مع حاملة الأقمار الصناعية الإيرانية “قاصد”؛ بفضل جهود المتخصصين في القوة الجوية للحرس الثوري”.

وأكدت وسائل إعلام إيرانية رسمية، أن القمر الجديد انطلق على ثلاث مراحل على متن “قاصد”، التي أطلقت سابقا “نور 2” خلال العام الماضي. بينما أشارت إلى أن إيران فشلت مرات عديدة في أثناء محاولات إطلاق الأقمار الصناعية في السنوات القليلة الماضية، بسبب مشكلات فنية.

وفي السياق ذاته، قال الجيش الأمريكي إن “ذات تكنولوجيا الصواريخ الباليستية بعيدة المدى التي استُخدمت من أجل وضع القمرين الصناعيين في مدارهما قد تسمح لطهران بإطلاق أسلحة طويلة المدى بما قد يشمل رؤوسا حربية نووية”؛ فيما نفت إيران ما تقوله الولايات المتحدة عن أن “تلك الأنشطة ستار لتطوير صواريخ باليستية”، قائلة إنها “لم تسع أبدا لتطوير أسلحة نووية”.

تجدر الإشارة إلى أن لدى إيران أحد أكبر برامج الصواريخ في الشرق الأوسط، وقد منيت العديد من محاولات إطلاق أقمار صناعية خلال السنوات القليلة الماضية بالفشل بسبب مشكلات فنية.

إلى ذلك كانت إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، قد أصدرت عددا من العقوبات الجديدة المرتبطة بإيران في 19 أيلول/ سبتمبر الجاري، مستهدفة بذلك أفرادا وكيانات في كل من إيران وروسيا والصين وتركيا، ممّن لهم صلة بتطوير طهران لطائرات مسيرة وكذا طائرات عسكرية.

كذلك، فرضت واشنطن، في فترة سابقة، عقوبات على وكالة الفضاء المدنية الإيرانية بالإضافة إلى منظمتين بحثيتين خلال عام 2019 بمبرر أنه يتم استخدام تلك الجهات من أجل تطوير برنامج طهران للصواريخ الباليستية.

‌وكانت وكالة “رويترز” قد أصدرت تقريرا، من أجل تحذير الجيش الأمريكي من أن “تكنولوجيا الصواريخ الباليستية بعيدة المدى التي استُخدمت بغرض وضع القمرين الصناعيين في مدارهما، قد تسمح لإيران بإطلاق أسلحة طويلة المدى بما قد يشمل رؤوسا حربية نووية”.

المصدر: موقع عربي 21




موت أوسلو ونهاية حل الدولتَين

في الذكرى الثلاثين للاتفاقية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، يجب الإصرار على مقاربة مبنيّة على الحقوق المتساوية لمواجهة التعنّت الإسرائيلي.


صادف يوم الثالث عشر من هذا الشهر الذكرى الثلاثين على توقيع اتفاقية أوسلو بين الجانبَين الفلسطيني والإسرائيلي. بعد مرور كل هذا الوقت، هل حقّقت أوسلو ما كان يصبو إليه الجانب الفلسطيني؟ من المهم التذكير بالأُسس التي قامت عليها هذه الاتفاقية. فقد تم الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وتم الاتفاق على سلطة فلسطينية انتقالية، تُقام أولا في غزة وأريحا، وتمتد تدريجيًا إلى مناطق في الضفة الغربية، قُسِّمت إلى “أ” و”ب” و”ج”، تبعًا للقدر الذي تسيطر فيه السلطة الانتقالية عليها. وتم الاتفاق على تأجيل البحث في قضايا الوضع النهائي، أي قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود والترتيبات الأمنية، إلى ما بعد ثلاث سنوات من بدء العمل بالسلطة الفلسطينية الانتقالية، على أن تنتهي هذه المفاوضات خلال سنتَين من بدئها، أي بعد خمس سنوات من إنشاء السلطة الفلسطينية، وينتج عنها حل دائم للقضية الفلسطينية بحلول شهر 5 في العام 1999.

وقد جوبهت الاتفاقية بمعارضة فلسطينية وعربية وإسرائيلية، ولكن حجة الرئيس ياسر عرفات كانت آنذاك أنها تؤسّس لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة ولو بالتدريج. ومع أن أوسلو لم تشِر إلى قيام دولة فلسطينية بعد خمس سنوات، فإن الجانب الفلسطيني والعربي والدولي كان يأمل بذلك، ما دعاه إلى قبول مبدأ حل الدولتَين والتقدّم بمبادرات دولية عدة لتحقيق ذلك، وعلّل الجانب الفلسطيني قبوله بعدم تجميد المستوطنات منذ لحظة التوقيع على أوسلو بأن ثلاث سنوات من بناء المستوطنات لن تغيّر الواقع كثيرًا على الأرض.

بعد ثلاثين عامًا، يبدو واضحًا أن كل الفرضيات التي بُنيت عليها الاتفاقية، تم نسفها. الفرضية الأولى نادت بانتهاء المفاوضات بعد خمس سنوات. واليوم، غدا واضحًا أن ما من مفاوضات فلسطينية إسرائيلية بعد الآن، وأن الفجوة بين الجانبَين أكبر بكثير من تلك قبل ثلاثين عامًا.

الفرضية الثانية كانت تفضي إلى أن نظرية الفصل بين الجانبَين ستؤسّس لحل الدولتين. أما اليوم، فإن عملية بناء المستوطنات التي لم تتوقف، أدت إلى ازدياد عدد المستوطنين من مئتَين وخمسين ألفًا غداة توقيع أوسلو، إلى أكثر من سبعمئة وخمسين ألف مستوطن اليوم، ما يجعل إمكانية فصل الجانبين مستحيلة.

الفرضية الثالثة هي أن المرحلة الانتقالية ستسهم في بناء الثقة بين الجانبَين، ما سيساعد في مفاوضات الوضع النهائي. من الواضح اليوم ليس فقط أن الثقة بين الجانبَين شبه معدومة، ولكن أيضًا أن المجتمع الإسرائيلي آخذٌ في التوغل في عنصريته وتديّنه، وأن قلة تكاد تُعدّ على أصابع اليد الواحدة في الكنيست الإسرائيلي هي من تدعو لمفاوضات تؤدي إلى حل الدولتَين.

إن الموقف المعلن للحكومة الإسرائيلية اليوم هو رفض الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، ورفض إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، بما فيها القدس الشرقية. يُضاف إلى ذلك أن التعويل على أن موقف الحكومة الإسرائيلية اليوم قد يكون مؤقتًا وقد تأتي حكومة جديدة أقل تشدّدًا، لا ينسجم مع الحقائق. فالتحوّل إلى اليمين العنصري في المجتمع الإسرائيلي آخذٌ في الازدياد منذ عشرين عامًا، ولا يمكن وصفه بتحوّل مرحلي، والانقسام الداخلي الإسرائيلي اليوم ليس بين المؤيدين لعملية السلام والمعارضين لها، كما كان الحال في السابق، ولكنه انقسام بين المؤيدين لنتنياهو والمعارضين له فقط. أما تجاهل إقامة دولة فلسطينية، فيحظى بإجماع كبير في الكنيست والمجتمع الإسرائيلي اليوم.

ماذا بقي من إطار أوسلو إذًا؟ لم يبق شيء. فكيف نفسر هذا التشبّث الدولي بهذه الاتفاقية؟ لقد رفعت الإدارة الأميركية يدها عن محاولة رعاية مفاوضات تؤدي إلى حل على أساس الدولتَين منذ عشر سنوات، واستعاضت عن ذلك علنًا بمحاولة تهدئة الوضع لفترة طويلة حتى تتهيأ الظروف، بقدرة قادر، على استئناف المفاوضات، إضافةً إلى محاولتها إدخال المملكة العربية السعودية في ما يُدعى بـ”الاتفاقات الإبراهيمية”، ما يعطي الانطباع بأن السلام ممكن في المنطقة من دون الجانب الفلسطيني، ما يؤدي عمليًا إلى وأد المبادرة العربية للسلام. تفسّر الإدارة الأميركية هذا الموقف باقتناعها بعدم جدوى محاولة التوصّل إلى حل في هذه المرحلة، وما لم تقله علنًا هو عدم رغبتها في الدخول في مواجهة مع إسرائيل لاعتبارات داخلية.

أما المجتمع الدولي، وبالأخص الاتحاد الأوروبي، فهو يسير خلف الموقف الأميركي بتأييد لفظي لحل الدولتَين، من دون إقرانه بأي خطة لتنفيذه أيضًا، تجنّبًا لأي مواجهة مباشرة مع إسرائيل. وهو موقف ترتاح له إسرائيل كثيرًا، لأنه يساعدها على ابتلاع المزيد من الأرض وزيادة عدد المستوطنين والمستوطنات وقتل حل الدولتَين، بينما يتغنّى المجتمع الدولي بهذا الحل صباح مساء. إن كان المجتمع الدولي متوغّلًا في لعبة لن تؤدي إلى حل لأسبابه التي أوردتها، فما حجة الموقف العربي؟

الدول العربية الأربع التي وقّعت “الاتفاقات الإبراهيمية” مع إسرائيل فعلت ذلك لتحقيق مكاسب مع الولايات المتحدة تحديدًا، ومن دون تحقيق أي تنازلات حقيقية من إسرائيل. وما يجري من مفاوضات مع السعودية يندرج تحت هذا الإطار. لقد تقلّص الاهتمام الحقيقي بحل الدولتَين إلى ثلاث جهات عربية هي السلطة الوطنية الفلسطينية والأردن ومصر. لا تريد السلطة الفلسطينية التخلّي عن هذا الحل بعد بنائها مؤسسات فلسطينية وتحقيقها امتيازات لأفرادها لا تريد خسارتها، وهي تختزل اليوم الهوية الوطنية الفلسطينية بهذه المؤسسات، غير مكترثة بجيل فلسطيني جديد ولد معظمه بعد أوسلو وفقد الأمل بشكل شبه كامل بقيادته وبأي أفق دبلوماسي لتخليصه من نير الاحتلال.

الموقف المصري ينظر اليوم إلى القضية الفلسطينية من منظور أمني يتعلق بحفظ الأمن في سيناء، وانحسر دوره إلى حدٍّ كبير في الملف السياسي للقضية، كما كان سابقًا. أما الموقف الأردني، فهو مرتبط بالهاجس المبرّر، وهو محاولة إسرائيل فرض حل على حسابه إن مات حل الدولتَين، ولذا فهو متمسك بهذا الحل، وإن كان على الأغلب يعرف في قرارة نفسه أن هذا الحل بات مستحيلًا. لم يقدّم المسؤول الأردني حتى اليوم حجة متماسكة مقنعة لربط التمسك بحل الدولتَين مع هدف منع التوصّل إلى حل على حسابه، وهو يدرك تمامًا المطامع الإسرائيلية في الاحتفاظ بالقدس والضفة الغربية ورفضها العملي لهذا الحل.

ثلاثون عامًا كافية للوصول إلى قناعة لا لبس فيها بأن إطار أوسلو قد مات. قد لا يكون المطلوب من دول كالأردن أو مصر، أو من السلطة الوطنية الفلسطينية التخلّي عن حل الدولتَين رسميًا، ولكن اعتماد مقاربة وحيدة غير مقرونة بأي تحرك دبلوماسي آخر ليس مقنعًا. ثمة الكثير مما يمكن فعله من استعمال القنوات والمحافل الدولية لفضح الممارسات العنصرية الإسرائيلية مثلًا، أو الإصرار على مقاربة مبنيّة على أساس الحقوق المتساوية بغضّ النظر عن شكل الحل، أو التوقف عن معاملة إسرائيل كدولة صديقة ومراجعة مشاريع مشتركة في قطاعات كالطاقة والمياه تعظم الاعتماد على إسرائيل في قطاعات حيوية.

إطار أوسلو قد انتهى، وكذلك حل الدولتَين والمبادرة العربية للسلام. نحسن صنعًا إن أدركنا ذلك وبدأنا بوضع بدائل لصنع القرار أكثر نجاعة لمواجهة التعنّت الإسرائيلي.

مروان المعشر

المصدر: إصدار ديوان من مركز كارنيغي




إستراتيجيات شبكات التواصل الاجتماعي في إنتاج الأيديولوجيا والهيمنة الخطابية: دراسة بنية الخطاب الإسرائيلي على “إكس” (تويتر سابقًا) و”فيسبوك”

تبحث الدراسة دور شبكات التواصل الاجتماعي في إنتاج الهيمنة الخطابية عبر النفاذ التفضيلي والمُقَيَّد؛ إذ تفترض أن النشاط الرقمي للمستخدمين يخضع لتراتبية وتصنيف في القدرة على النفاذ إلى الأحداث التواصلية والخطاب العام كما هي حال الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي. ويَنْتُج عن هذا التفاوت في القدرة على النفاذ تحكُّم تلك المنصات في الخطاب العام عبر تحديد مجالاته وموضوعاته وقضاياه وأشكال تدفُّقه وسياقاته، وتكريس الهيمنة الخطابية للذات الإسرائيلية من خلال حسابات بعض الصحفيين والباحثين والحسابات الرسمية الإسرائيلية على منصتي “إكس” (تويتر سابقًا) و”فيسبوك”، بلغ مجموعها 8 حسابات باللغة العربية خلال العام 2022. وتستعين الدراسة في فهم وتحليل الخطاب الإسرائيلي بالنموذج المعرفي الخماسي لأنماط اشتغال الأيديولوجيا كما أصَّله جون تومبسون في دراسته للأيديولوجيا والثقافة المعاصرة، والبحث في الطرق التي تعمل بها المعاني لتأسيس علاقات الهيمنة والحفاظ عليها.


مقدمة

في ظل الانتشار الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي، وتحوُّلها إلى وسائط سائدة يستخدمها الأفراد والجماعات والمنظمات وحتى الدول، فَقَدَ النموذجُ التقليدي للاتصال الذي يجعل المتلقي هدفًا للعملية الاتصالية فاعليتَه ونجاعتَه. وبرز أيضًا دور الشبكات في التدفُّق الاتصالي بأشكاله الرمزية المختلفة؛ إذ ظهر مفهوم الإعلام الفردي الذي سمح للمستخدمين بامتلاك وسائل إعلامهم الخاصة (منصات إذاعية وقنوات تليفزيونية رقمية…) عبر النفاذ لشبكات التواصل الاجتماعي، فأصبح المتلقي منتجًا ومرسلًا وموزعًا ومؤثرًا في المجال العام التقليدي والرقمي.

واهتم بعض الدراسات اهتمامًا كبيرًا بتأثير هذه المنصات في ديناميات الأحداث السياسية وتطوراتها كما حدث في فهم وتفسير الحالة السياسية العربية التي نشأت في سياق ما سُميِّ بالربيع العربي أوائل العام 2011. فظهر بعض المصطلحات التي تصف خصوصية هذه الحالة، وتشير إلى أهمية المتغير التكنولوجي/الرقمي في التحولات السياسية، مثل “ثورة تويتر” و”ثورة فيسبوك” وغيرهما؛ إذ مكَّنت الشبكات مستخدميها من امتلاك وسائل للاتصال والتعبئة لطالما ظلت تحتكرها السلطة ورموزها السياسية والاجتماعية والثقافية في نشر الخطاب الرسمي والترويج لأطروحاته ودعايته.

إزاء هذا “الخطاب التقني المتفائل”، كما يُسمِّيه الأكاديمي جون ماري شينو (Jean M. Chenou) -الذي يعكس رؤية حتمية في العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع ويرى في الويب 2 والتطبيقات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي تعزيزًا لديمقراطية الاتصال والمشاركة السياسية وتقدمًا نحو الديمقراطية- برز أيضًا خطاب تقني نقدي يعتبر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وشبكات التواصل الاجتماعي أدوات تُسهِم في ظهور الاستبداد بالمعنى الكلاسيكي للمصطلح، والتضييق على الحريات. ويصف هذا الخطاب النقدي خوارزميات الشبكات الاجتماعية والمنصات الرقمية بـ”أسلحة الدمار الحسابي”، كما ورد في دراسة كاتي أونيل (Cathy O’Neil)، أو “خوارزميات القمع”، مثلما ترى الباحثة صفية نوبل (Safiya Noble). وهكذا انتقلت شبكات التواصل الاجتماعي -بحسب حجج هذا الخطاب وأدلته البرهانية- من أداة للتمكين الفردي ودَمَقْرَطَة الاتصال إلى بيئة يجري فيها توظيف و”تسليح” المعلومات لتحقيق مكاسب جيوسياسية. 

يكشف هذان الخطابان، رغم اختلاف منطلقاتهما وأهدافهما، أن شبكات التواصل الاجتماعي لها القَدارَة على تشكيل الاستخدام وتكييفه مع أهدافها وإستراتيجياتها وتأطيره، وهو ما يعني التحكُّم في طرقه ومنافذه كما يحصل في التعليمات البرمجية (الخوارزميات) المرتبطة بهذه الشبكات. وهنا، تفترض الدراسة أن شبكات التواصل الاجتماعي تمارس سلطة خطابية على الأفعال التواصلية؛ ما يجعل نشاط وحركة المستخدمين تخضع لتراتبية وتصنيف في القدرة على النفاذ (نفاذ تفضيلي، ونفاذ مُقَيَّد/مُتَحَكَّم فيه) إلى الخطاب العام والأحداث التواصلية. وينتج عن هذا التفاوت في القدرة على النفاذ التفضيلي تحكُّم تلك المنصات في الخطاب العام، وتحديد الموضوعات والقضايا وأشكال تدفُّقها، وإنتاج الهيمنة الخطابية (استمرار الأيديولوجيات المهيمنة في الخطابات الشائعة كمنظور أحادي شمولي). وبذلك تترسخ “السيطرة” على مؤشرات السياق وإنتاج الخطاب المهيمن؛ إذ يُحدِّد النفاذ التفضيلي مَنْ يستخدم المنصة؟ ومَنْ يشارك في الحدث التواصلي والخطاب العام؟ وما الذي ينبغي أن يقال؟ وكيف يمكن صَوْغ بنية الخطاب وتوزيعه؟ ولمن يُوجَّه الخطاب؟ وفي أي سياق؟

وكلما قَلَّ أو كان النفاذ محدودًا (النفاذ المُقَيَّد) إلى الخطاب والأفعال التواصلية وسياقاتهما انحسرت مشاركة المستخدمين في إنتاج الخطاب العام، بل قد يُسْلَب بعضُهم حرية التدوين والكتابة فيُمْنَع من التعبير عن الرأي، ولا يُفسَح له في المجال للتعليق أو حتى نشر صورة أو كاريكاتير أو إعادة التغريد. ويعني تقييد المشاركة، ومن ثم المنع، انتهاك حق المستخدمين في تلبية احتياجاتهم التواصلية والمعرفية والثقافية والسياسية، وهو ما يؤثر في مواقفهم ومعاييرهم وقيمهم وأيديولوجياتهم ويؤدي إلى التمييز ضدهم وعدم المساواة في الحقوق. وهنا، يصبح النفاذ إلى الأحداث التواصلية والخطاب العام أحد العناصر الرئيسية في استمرار الهيمنة، لأن الخطاب -كما لاحظ توين فان دايك (Teun V. Dijk)- مثل الموارد الاجتماعية القيمة الأخرى التي تمثِّل قاعدة السلطة؛ إذ لا يمكن أن يكون المدخل إليها متكافئًا(1). 

وتُبرِز بعض الأحداث التواصلية خلال السنوات الماضية طبيعةَ العلاقة الارتباطية بين متغيرات الفرضية التي تنطلق منها هذه الدراسة؛ إذ يسمح النفاذ التفضيلي في شبكات التواصل الاجتماعي بتحكُّم الذات المتكلمة/المُخَاطِب في مؤشرات السياق وإنتاج الخطاب المهيمن. أما النفاذ المُقَيَّد لنشاط وحركة المستخدمين فيَحْرِم الذوات الأخرى/المُهَيْمَن عليها من حرية التعبير والمنع من الكتابة والتعليق. ففي سياق الحرب الروسية-الأوكرانية، أفسحت شبكة فيسبوك في المجال لخطاب مناهض للجيش الروسي في أوكرانيا، واستثنته من ضوابطها وقواعدها التي تمنع أي محتوى يدعو إلى العنف والكراهية. بينما فرضت إدارة فيسبوك نفسها ومنصات أخرى قيودًا على الحسابات الرسمية لبعض وسائل الإعلام الروسية (قناة زفيزدا المرتبطة بوزارة الدفاع، ووكالة الأنباء نوفوستي…)، ولم تستثن هذه القيود أيضًا بعض الأفراد في استخدامهم لشبكات التواصل الاجتماعي. وفي انتخابات الرئاسة الأميركية، أوائل 2021، قرَّر بعض هذه المنصات (فيسبوك، إنستغرام، تويتر، يوتيوب) إغلاق حسابات الرئيس دونالد ترامب، الذي وجد نفسه ممنوعًا من النفاذ لتلك الشبكات واستخدامها في التواصل مع أنصاره وقاعدته الانتخابية. وقبل ذلك، وفي ذروة الاحتجاجات التي شهدتها إيران فيما سُمِّي بـ”الحركة الخضراء”، عام 2009، طلبت إدارة الرئيس أوباما -عبر مستشار وزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون- من شبكة تويتر تأجيل الصيانة من أجل عدم المساس بوسيلة مهمة يستخدمها المحتجون (أنصار زعيم الحركة، مير حسين موسوي) في تغطية الأحداث ونقل صورة الوضع الداخلي إلى العالم الخارجي. 

وتبدو الأحداث التواصلية المرتبطة بالقضية الفلسطينية أكثر الأفعال الدالة على العلاقة الارتباطية بين متغيرات الفرضية التي تُؤَسِّس لمنطلقات الدراسة؛ حيث تَبرُز بوضوح القيود التي تفرضها شبكات التواصل الاجتماعي (النفاذ المقيد) في حصار الرواية الفلسطينية بشأن الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الفلسطينيون من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي وسياساته. فتمارس أشكالًا مختلفة من السلطة والسيطرة على الخطاب الفلسطيني، سواء الذي ينتجه المستخدمون أو وسائل الإعلام التقليدية والرقمية، والتحكُّم في سياقات إنتاجه عبر الحذف والحجب والمنع وإلغاء الحسابات الشخصية (مَنْ يُدوِّن أو يكتب؟ وماذا يكتب؟ وكيف يكتب؟ ومتى يكتب؟ وأين يكتب؟ ولمن يكتب؟). في المقابل، تسمح هذه الشبكات للمستخدمين الإسرائيليين بالنفاذ التفضيلي الذي وظَّفه عدد من الصحفيين وكتَّاب الرأي، فضلًا عن مؤسسة الجيش الإسرائيلي، في تحويل المنصات الاجتماعية إلى مجال رقمي عسكري لنشر صور الجنود وقصصهم في ساحة الحرب، ولإنتاج خطاب يتجاوز القواعد والضوابط التي تمنع أي محتوى يُشيد بالعنف والكراهية، بل يحرض هذا الخطاب على قتل الفلسطينيين عبر حملات منظمة و”سحقهم سحقًا”، وهو ما أسماه الأكاديميان المتخصصان في السياسات الرقمية، عدي كونتسمان (Adi Kuntsman) وربيكا ستين (Rebecca Stein)، بـ”العسكرة الرقمية” للمنصات، والتي تُبيِّن إستراتيجيات تلك المنصات في دعم الرواية الإسرائيلية والترويج لها والمساهمة في إنتاج خطاب أيديولوجي عبر شبكات التواصل الاجتماعي(2).

وفي سياق تحليل الخطاب الإسرائيلي وتحديد إستراتيجيات شبكات التواصل الاجتماعي في إنتاج الهيمنة الخطابية، ستركز الدراسة على عينة قصدية لعدد من الحسابات على منصتي تويتر وفيسبوك باللغة العربية لصحفيين وباحثين إسرائيليين، إضافة إلى حسابات لجهات رسمية، يبلغ مجموعها 8 حسابات، وهو ما سيتيح إمكانية المقارنة بينهما(3). ومن خلال الملاحظة وتتبُّع الباحث لآثار السلوك الاتصالي لهذه الحسابات، يبدو النشاط الرقمي لأفرادها مُنَظَّمًا كما لو أن هناك “هيئة تحرير” تشرف على عملها، مثلما سنرى لاحقًا، ويكاد المحتوى (المنشورات والتعليقات والصور والكاريكاتير) يكون هو نفسه، حيث يجري تدويره في المنصتين. لذلك ستركز الدراسة على النماذج المنشورة في تويتر خلال الفترة الممتدة من يناير/كانون الثاني 2022 إلى ديسمبر/كانون الأول 2022.

وتعتمد الدراسة إستراتيجية بحثية مُركَّبة ترتكز على منظورين تحليلين متكاملين يُوجِّهان مسارها البحثي في تحليل إستراتيجيات شبكات التواصل الاجتماعي في إنتاج الأيديولوجيا والهيمنة الخطابية من خلال دراسة بنية الخطاب الإسرائيلي المنشور على فيسبوك وتويتر: أولهما: الإطار النظري والمنهجي للتحليل النقدي للخطاب- كما أسَّسته أعمال نورمان فاركلوف (Norman Fairclough) وروث ووداك (Ruth Wodak)، ولاحقًا دراسات توين فان دايك (Teun Van Dijk). وثانيهما: الإثنوغرافيا الرقمية. ويَبْرُز هذا التكامل في رؤيتهما للخطاب باعتباره جزءًا من الأحداث الاجتماعية التي تُبلوِرها وتُنتِجها قُدرات البنى الاجتماعية، وهو (الخطاب) يُحدد رؤيةَ الفاعلين للعلاقات الاجتماعية والهوية وللعالم. وهنا، يهتم التحليل النقدي للخطاب بدراسة ضُروب الخطاب وطُرقه المختلفة في تَمْثِيل العالم والسيرورات والعلاقات الاجتماعية والبنى في العالم المحسوس، و”العالم العقلي”، الذي يحوي الأفكار والمشاعر والمعتقدات، والعالم الاجتماعي. وتُشكِّل ضروب الخطاب منظورات مختلفة موضوعها العالم ومرتبطة بالعلاقات المختلفة بين الناس والعالم، علمًا بأن هذه العلاقات تستند إلى مواقع الناس في العالم وهوياتهم الاجتماعية والشخصية والعلاقات الاجتماعية التي تربطهم بالآخرين(4). لذلك يُمثِّل الخطاب المجتمعَ والثقافةَ؛ إذ يُعد نمطًا من أنماط الفعل الاجتماعي ويَنْتُج في إطار التفاعل مع البيئة الاجتماعية، وتكون العلاقة بين النص والمجتمع علاقة توسطية، بل يُجسِّد الخطاب عملًا أيديولوجيًّا(5).

ويظهر الخطاب بثلاثة أشكال في الممارسة الاجتماعية، كأصناف (طُرق الفعل) وهي طرق مختلفة في الفعل والتفاعل الخطابي، وكضروب (طُرق تمثيل) وتعكس العالم المحسوس والممارسات الاجتماعية الأخرى، وكأساليب (طرق كينونة). ولذلك عندما يقوم التحليل النقدي للخطاب بتحليل نصوص معينة كجزء من أحداث معينة يقوم بشيئين مترابطين: أولًا: يعالجها من منطلق جوانب المعنى الثلاثة (الفعل، والتمثيل، وتحديد الهوية) وكيفية تحققها في سمات النص المختلفة. وثانيًا: يقيم التحليل رابطًا بين الحدث الاجتماعي المحسوس والممارسات الاجتماعية الأكثر تجريدًا بالتساؤل حول كيفية استناد النصوص المدروسة إلى الأصناف وضروب الخطاب والأساليب، وكيفية تمفصل هذه العناصر الثلاثة مع بعضها بعضًا في النص(6).

ويتعزَّز هذا المنظور التحليلي للخطاب باعتماد الدراسة أيضًا المنهج الإثنوغرافي الرقمي في تحليل إستراتيجيات شبكات التواصل الاجتماعي في إنتاج الأيديولوجيا والهيمنة الخطابية عبر تتبُّع الآثار الرقمية للمستخدمين وجمع المشاركات التي يُنتِجها أفراد العينة والحسابات المختلفة، وتحديد الآليات والقواعد التي تحكم سياسة شبكات التواصل الاجتماعي في هذه المشاركات، والتعرف على أهدافها وخلفياتها. لذلك تبرز أهمية الإثنوغرافيا الرقمية باعتبارها إستراتيجية بحثية لدراسة استخدامات الإنترنت، والممارسات الاجتماعية عبر الخط، والكيفية التي يشترك بها الناس في علاقات شبكية، وتفسير النظام الأخلاقي لأنشطتهم. كما تركز هذه الإستراتيجية البحثية على تحليل ظروف إنتاج المحتوى واستقباله واستهلاكه، وتطوير فهم للجمهور النشط من خلال استكشاف قراءات النوع، وقضايا العرق والجنس، والحياة العائلية والهوية من أجل فهم الإعلام باعتباره شكلًا ثقافيًّا(7). وفي سياق هذا المنظور الثقافي، تهتم الإثنوغرافيا الرقمية بأقوال الناس وأفعالهم، بما في ذلك الشروط المادية لوجودهم، ورؤيتهم للعالم، أي كيف يُشيِّد الناس المعنى فيما يتعلق بتجاربهم وأفعالهم(8). ويستعين الباحث في النفاذ إلى رؤية العالم التي يُكوِّنها أفراد العينة (الذات الإسرائيلية) عن القضايا والموضوعات وصيرورة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بأداة الملاحظة عبر الخط التي تسمح له بتتبُّع مشاركاتهم ومراقبة آثار سلوكهم الاتصالي في المنصات الاجتماعية. وإجمالًا، تتقاطع مجالات اهتمام الإثنوغرافيا الرقمية وتتكامل مع مرتكزات التحليل النقدي للخطاب في النظر إلى الفعل الاجتماعي باعتباره خطابًا ينتج في إطار التفاعل الاجتماعي يمكن دراسته عبر ثلاثة مستويات: طرق (الفعل) و(التمثيل) و(الكينونة).

1. شبكة مفاهيمية (مدخل نظري)

أولًا: السلطة الاجتماعية للخوارزميات

تستعين الدراسة في فهم وتحليل إستراتيجيات شبكات التواصل الاجتماعي في إنتاج الأيديولوجيا والهيمنة الخطابية بما بات يُعرَف في دراسات وتحليل الشبكات الاجتماعية بـ”السلطة الاجتماعية للخوارزميات”، وهو المفهوم الذي أصَّله عدد من البحوث والأعمال الفكرية التي اهتمت بآليات اشتغاله وعمليات ترميزه وأهدافه وعلاقته بالأيديولوجيا والهيمنة، خاصة العمل البحثي الذي أشرف عليه وأعدَّه الأكاديمي والمتخصص في علم الاجتماع ودراسة التقاطعات بين التكنولوجيا والإعلام والثقافة والمجتمع، ديفيد بير (David Beer)، بمشاركة مجموعة من الباحثين الآخرين وحمل نفس العنوان: “السلطة الاجتماعية للخوارزميات”(9). وظهر أيضًا عمل بحثي آخر في الفترة ذاتها للأكاديمية المتخصصة في دراسات المعلومات، صفية نوبل، بعنوان “خوارزميات القمع”، التي تعتبرها معطى أساسيًّا في تشغيل نظام الإنترنت وليست خللًا في بنية أو نسق شبكة الإنترنت؛ إذ إن لها تأثيرًا مباشرًا على المستخدمين وحياتهم وقيمهم المجتمعية؛ إذ يخضع الوصول إلى المعلومات لآلة الخوارزميات المعقدة التي تقوم باختيار وتحديد أولويات المستخدمين(10). وقبل ذلك بيَّنت عالمة البيانات، كاتي أونيل، في كتاب بعنوان “أسلحة الدمار الحسابي”، أن شبكات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، وعلماء الاجتماع الذين يعملون في هذه المنصات، يتلاعبون بالنظام السياسي من خلال السلطة التي تملكها الشبكات للتأثير فيما يمكن أن يعرفه المستخدمون، وفي مشاعرهم، وفيما إذا كانوا سيصوتون(11). والسؤال هنا: ما الذي تقوم به الأنظمة الخوارزمية لتصبح سلطة اجتماعية؟ أو كيف تتشكَّل السلطة الاجتماعية للخوارزميات؟ سيكون المدخل لذلك التعريف أولًا بمفهوم الخوارزميات.

تُعرِّف الأكاديمية وعالمة الرياضيات، هانا فراي (Hannah Fry)، الخوارزم بسلسلة من التعليمات المنطقية والمكتفية ذاتيًّا التي توضح كيفية تنفيذ مهمة أو تحقيق هدف معين من البداية إلى النهاية. وتكون الخوارزميات في الغالب أدوات رياضية؛ إذ تستخدم مجموعة من العمليات الرياضية -مثل المعادلات والحسابات والجبر والتفاضل والتكامل والمنطق والاحتمالات- وتترجمها إلى كود كمبيوتر. وتُغَذَّى ببيانات من العالم الحقيقي ويُعطى لها هدف، ثم تمضي مجرية حساباتها لتحقيق غاياتها(12). ويمثِّل هذا الهدف الوظيفةَ التي من أجلها تم تصميم الخوارزمية/البرنامج، وتشمل تنفيذ كافة المهام الحسابية والمنطقية البسيطة والمعقدة التي يمكن للحاسب القيام بها عبر توفير آلية الجمع والطرح وفَلْتَرَة الكلمات التي يُدخِلها المستخدمون في محركات البحث وربطها بنوعيات محددة من المحتوى. وكأي برنامج يقوم بوظيفة محددة، تخضع الخوارزميات لعمليات تحديث مستمرة من جانب المُطوِّرين لتحسين آلية عملها في تحقيق الأهداف المطلوبة(13). ويربط الأكاديمي ديفيد بير دور الخوارزميات بـ”صنع القرار” عبر سلسلة من التعليمات البرمجية التي تخضع للتحليل وتتميز بالفعالية، وهو ما يعني أن دراسة الخوارزميات باعتبارها أداة تقنية وكائنًا قائمًا بذاته مفصولًا عن النظام الاجتماعي ليست صائبة، لأن تصميمها يتم بشكل حتمي على أساس رؤى للعالم الاجتماعي تأخذ بعين الاعتبار النتائج التي تتأثر بالمصالح التجارية وغيرها من المصالح والأجندة. وانطلاقًا من هذا المنظور، يجري بناء نظام الخوارزميات في الهياكل والبنيات التنظيمية، والتفكير في كيفية تشكيل القرارات، أو دمجها في الخيارات التي يتم اتخاذها، وكيف تصبح هذه الخيارات جزءًا من حياة الناس(14).

تقود هذه التعريفات لدور الخوارزميات ووظيفتها -باعتبارها أنظمة برامجية مرتبطة برؤى للعالم الاجتماعي وبالمصالح التجارية وغيرها من الأجندة لتشكيل وصناعة اتخاذ القرارات- إلى البحث في ميكانيزمات وآليات عملها واشتغالها، ومن ثم الكيفية التي تتجسد عبرها السلطة الاجتماعية للخوارزميات. 

تستعين الدراسة في تحديد السلطة الاجتماعية التي تحكم أنظمة الخوارزميات بأطروحة الباحثة فلورا فانسان (Flora Vincent) التي ترى أن “تشفير الخوارزمية هو أشبه ما يكون بكتابة نص؛ إذ يحتوي على نصيب من الذاتية التي تتجلى في اختيار الكلمات، وصياغة الجمل، حتى وإن كان لدينا انطباع بأننا نكتب نصًّا لا يتجاوز سرد الوقائع…”. وتعتبر الخوارزمية ثمرة سلسلة من الأسباب التي تتداخل في المراحل المختلفة من بنائها… “وغالبًا ما نقوم فقط بإعادة إنتاج الأنماط اللاواعية التي نستبطنها طيلة حياتنا وبحكم تربيتنا”(15). يحيل هذا الربط بين تشفير (الخوارزمية) و(النص) إلى الجانب الخطابي، أو “الممارسة الخطابية”، في الأنظمة والأنساق الخوارزمية، وهو الأمر الذي انتبه إليه أيضًا ديفيد بير عندما اعتبر الخوارزميات جزءًا من النسق المعرفي الذي يتم من خلاله تفعيل السلطة؛ إذ إن هناك رابطًا بين الخطاب والمفاهيم والمؤسسات، لأن الخوارزميات لا توجد من خلال الترميز فقط، وإنما أيضًا عبر الوعي الاجتماعي كمفهوم أو مصطلح يستخدم بشكل متكرر للدلالة على شيء معين. لذلك أصبحت تمثِّل اليوم حضورًا ثقافيًّا أيقونيًّا ليس بسبب ما يمكن أن تقوم به، ولكن كذلك بسبب إسقاطات استخدام مقولة الخوارزميات(16).

إذن، ندرك من خلال هذا الحضور المعرفي/الثقافي للخوارزميات -باعتبارها “ممارسة خطابية” و”تأطيرًا” للمفاهيم والقضايا- قَدَارَة (قوة تنبع من توظيف واستخدام) أنظمتها البرامجية على إنتاج ما تراه مُمَثِّلًا لـ”الحقيقة” أو “الحقائق” حول الأحداث والموضوعات والأشياء (الأخطار، المذاق، الصحة، وغير ذلك)، وهو ما يجعل “الخوارزميات جزءًا من ديناميات السلطة، ويمكن التفكير في ذلك عبر طريقتين؛ إذ تعمل على إنتاج الحقائق عبر أنساق المدخلات أو المخرجات، وتعمل أيضًا كجزء خطابي لتعزيز معايير خاصة، ومقاربات وأنماط الاستدلال”(17). كما تعكس الخوارزميات مقولات معينة حول النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي، أو تستخدم للتأثير والإقناع بشأن قضايا معينة.

وقد دَرَس الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (Michel Foucault) هذه العلاقة الارتباطية بين الحقيقة والخطاب في سياق اهتمامه بنظام الخطاب وتعبيراته عن أنساق السلطة، فهو يرى أن الحقيقة متمركزة على شكل الخطاب، وتُعد موضوع نشر واستهلاك ويتم إنتاجها ونقلها تحت المراقبة المُهَيْمِنَة لبعض الأجهزة السياسية أو الاقتصادية الكبرى. كما تمثِّل مدار النقاش السياسي وكل صراع اجتماعي… ويعتقد فوكو أن هناك صراعًا من أجل الحقيقة أو على الأقل حول الحقيقة ومكانتها وقيمتها والدور السياسي والاقتصادي الذي تلعبه. ولذلك ترتبط دائريًّا بأنساق السلطة التي تنتجها وبالآثار التي تولدها وتسوسها، وهو ما يدعى نظام الحقيقة(18). ومن الطبيعي هنا أن يكون الخطاب الذي يحمل حقيقة أو حقائق معينة هو جوهر الصراع (الرمزي والمادي) والسلطة معًا، وهو ما يفسر أشكال المنع أو الحذف أو التضييق…إلخ التي يمكن أن يتعرض لها الخطاب أو حتى منع “الذات المتكلمة” -بتعبير فوكو- من الكلام وإنتاج الخطاب.

ومن هذا المنطلق، تَبرُز سلطة الخوازرميات باعتبارها ممارسة خطابية وتأطيرًا للمفاهيم والقضايا والأشياء؛ إذ يصبح الخطاب موضوعًا للرغبة، كما أشار فوكو، بل “ما نصارع من أجله، وما نصارع به، وهو السلطة التي نحاول الاستيلاء عليها”؛ إذ يملك القدرة على الإثبات وتشكيل مجالات من الموضوعات (الوضعيات) يمكن أن تثبت أو تنفي قضايا صحيحة أو خاطئة. كما أن مناطق الخطاب ليست مفتوحة كلها بنفس الدرجة وقابلة للاختراق بنفس الدرجة. فبعضها محروس وممنوع علانية (مناطق مميَّزة ومميِّزة)، في حين أن البعض الآخر يبدو مفتوحًا تقريبًا أمام كل الرياح وموضوعًا رهن إشارة كل ذات متكلمة بدون حصر مسبق(19).    

وقد أجمل ديفيد بير سلطة الخوارزميات في قدرتها على وضع الاختيارات، والتصنيف، والفرز، والترتيب، وتحديد القضايا، وما الذي يمكن أن يكون أكثر مشاهدة، وتُعد نتيجة البحث مثالًا واحدًا عن ذلك، وكذلك موجز أخبار شبكات التواصل الاجتماعي، أو قائمة التغريدات التي تظهر ضمن تبويب “بينما كُنتَ بعيدًا” (While you were away)(20)، وهو ما يمكِّن المستخدم من متابعة أهم التغريدات التي قد يفوته الاطلاع عليها خلال فترة ابتعاده عن منصة تويتر استنادًا إلى خوارزمية مبنية على آثار سلوكه الاتصالي. ويشير ذلك مرة أخرى إلى أن الأنظمة الخوارزمية لا تنشأ من الفراغ، وإنما تمثِّل قيمًا وأفكارًا ومقولات معينة لها أبعاد اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية منتظمة في بنية الخطاب/الخوارزميات.

وتحدد الباحثة، هانا فراي، بصفة عامة أربع وظائف أو مهام رئيسية تقوم بها الخوارزميات في العالم الواقعي لكل واحد منهما هدفه المختلف وخواصه المتفردة(21):

– تحديد الأولويات: تَستخدِم هذه التقنيات معالجات حسابية من أجل ترتيب كل الخيارات الممكنة من حيث الأولوية، وعمل قوائم مرتبة؛ إذ يتنبَّأ مثلًا محرك البحث “غوغل” بالصفحات التي يبحث عنها المستخدِم من خلال ترتيب نتائج البحث بعضها فوق بعض. وتقترح منصة “نتفليكس” أيضًا أي فيلم يشاهده المتلقي بعد الفيلم الأول. 

– التصنيف: تُصنف هذه الخوارزمية المستخدِمين وفقًا لاهتماماتهم وخصائصهم وآثار سلوكهم الاتصالي، ويفضلها المُعْلِنون، لأنها تعمل على تصنيف الإعلانات بحسب تفضيلات الفئات العمرية لاختيار أحد الأنواع. وثمة خوارزميات بوسعها مثلًا تصنيف المحتويات غير اللائقة وإزالتها تلقائيًّا من على منصة يوتيوب.

وتعرف هذه الخوارزمية أيضًا بـ”نمذجة شخصيات المستخدِمين” التي تُصنِّف المستخدِمين وفقًا لنماذج نفسية معينة، وتسترشد بسلوكهم التفاعلي عبر شبكات التواصل الاجتماعي للقيام بعمليات التصنيف. ويشمل هذا السلوك النقر والإعجاب والمشاركة والتعليق والتدوين الإلكتروني والمدة الزمنية التي تُسْتغرَق يوميًّا في عمليات التصفح والتفاعل الشبكي. وتستخدم الخوازرميات هذه المعلومات لبناء نموذج شخصي مفهوم الاهتمامات وواضح المعالم لكل مستخدم يمكن الوصول إليه بدقة من قِبَل المعلنين والمسوقين(22).

– الربط: تُعنَى هذه الخوارزمية بإيجاد وتحديد العلاقات بين الأشياء، مثل محركات الاقتراحات في أمازون التي تربط بين ما يهتم به المستخدم مع اهتمامات زبائن سابقين.

– الفرز: تحتاج الخوارزميات لحذف بعض المعلومات للتركيز على ما هو مهم، مثلما يفعل فيسبوك وتويتر اللذان يفرزان القصص المتعلقة بالاهتمامات المعروفة للمستخدم وتصميم حائط منشورات خاص به.  

وتشير دراسات مختلفة إلى وظائف أخرى للخوارزميات، منها وظيفة التوجيه؛ إذ تواجه مواقع التواصل الاجتماعي اتهامات قوية باستخدام خوارزميات تؤدي إلى فرض وصاية توجيهية على المستخدمين بغرض التأثير على قراراتهم، وبخاصة تلك المتعلقة بالشأن السياسي. ثم هناك وظيفة المراقبة، والتي تعني أن خوارزميات الإنترنت المنتشرة في منصات التواصل الاجتماعي، وعددًا كبيرًا من محركات البحث، تراقب سلوك المستخدمين وتعرف عنهم أكثر مما يعرفون عن أنسفهم. وثمة أيضًا وظيفة التنبؤ والتوقع التي تعني أن الخوارزميات تستهدف تكوين إستراتيجية سلوكية لكل مستخدم يمكن من خلالها التنبؤ بالمحتوى الذي له قدرة على جذب الانتباه إلى الدرجة التي أدت لظهور علم جديد يسمى “اقتصاد الانتباه”(23).

إذن، يبدو واضحًا من خلال مصفوفة الأهداف السابقة أن السلطة الاجتماعية للخوارزميات وممارسة هذه السلطة تتم عن طريق السيطرة على الخطاب وإنتاج الخطاب نفسه، كما لاحظ توين فان دايك، أي عبر التحكُّم في سياقاته، مَنِ الذي يستطيع أن يقول أو يكتب عن شيء ما في موقف ما؟ ومَنِ الذي لديه منفذ إلى أنواع الخطاب وأنماطه المختلفة أو إلى وسائل إنتاجه؟(24). من هذا المنطلق، فإن مسألة تصميم أنظمة الخوارزميات -باعتبارها ممارسة خطابية وتأطيرًا- ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمسألة السلطة والتحكُّم، خاصة في حالة المؤسسات والشركات الكبرى عبر الإنترنت، مثلما يرى الأكاديمي وأستاذ دراسات الإنترنت في جامعة كيرتن الأسترالية، ميشيل ويلسون (Michele Willson)؛ إذ تشكِّل مخرجات الخوارزميات مصدرًا مُوجِّهًا لسلوك المستهلك، وتدعم اختيارات معينة، “وتُغيِّر أسلوب حياتنا والنظر إليها، فهي تحمل أفعالًا في بيئات مختلفة وتؤطرها، وتقول لنا ما الذي يمكن مشاهدته، وتُفَلْتِر وتعالج ما نشاهده عبر الإنترنت”، لأنها مندمجة في مجموعة معقدة من التفاعلات السياسية والتقنية والثقافية والاجتماعية(25).  وهو ما جعل ويلسون يعتبر الخوارزميات و”كالة” وسلطة تقوم بمَفْهَمَة (من المفهوم) القضايا(26) عبر إنتاج الحقائق والأفكار والمقولات كما لها الإمكانيات والقدارة على تغيير البنيات الثقافية والاجتماعية والتأثير المباشر في حياة الأفراد.

ثانيًا: الأيديولوجيا والهيمنة الخطابية

شكَّل موضوع الأيديولوجيا، والخطاب الأيديولوجي وأنماطه وإستراتيجيات هيمنته، مجالًا لاهتمام حقول معرفية مختلفة، لاسيما السياسية والفلسفية والاجتماعية والإثنوغرافية والدراسات السيمائية والثقافية والنقدية (كالتحليل النقدي للخطاب). وهو ما يفسر التنوع والتعدد في مقاربة مفهوم الأيديولوجيا والدلالات التي يشير إليها، وعلاقته بمفهوم الهيمنة، في معظم البحوث التي تناولت الفكر الأيديولوجي وأطروحاته وممارساته الخطابية كما هي الحال في دراسات هربرت شيلر (Herbert Schiller)(27)، وجون تومبسون (John Thompson)(28)، ونورمان فاركلوف(29)، وتوين فان دايك(30)…وباحثين آخرين.

في سياق هذا التنوع والتعدد المفاهيمي للأيديولوجيا، يميز بعض الباحثين بين فئتين أساسيتين أو “نمطين عامين لمفهوم الأيديولوجيا”، هما: المفاهيم المحايدة للأيديولوجيا، والمفاهيم النقدية للأيديولوجيا(31)، ويشترك كل نمط منهما في صفات أو أبعاد معينة رغم اختلاف منطلقات تلك المفاهيم ومرتكزاتها. فالمفاهيم المحايدة تصف الظاهرة بالأيديولوجيا دون الإيحاء بالضرورة بأنها مُضَلِّلَة أو خادعة أو تتوافق مع مصالح مجموعة محددة. وهي تمثِّل أحد مظاهر الحياة الاجتماعية، أو شكل من أشكال الاستقصاء الاجتماعي، ضمن جوانب أخرى، وليست أيضًا أكثر ولا أقل جاذبية أو إشكالية من أي أمر آخر. وقد تكون الأيديولوجيا حاضرة على سبيل المثال في أي برنامج سياسي، بغض النظر عما إذا كانت مُوَجَّهة نحو الثورة أو التجديد أو الإصلاح أو تطمح إلى التغيير أو الحفاظ على النظام الاجتماعي. وقد تكون الأيديولوجيا ضرورية لإخضاع الجماعات في كفاحها ضد النظام الاجتماعي كما هي ضرورية للجماعات المهيمنة في دفاعها عن الوضع الراهن(32). ومن النماذج البارزة التي قدمت منظورًا مجردًا من القدح والرؤية السلبية للأيديولوجيا وازدراء أفكارها وأطروحاتها أو الدعوة إلى مكافحتها أو التخلص منها، نجد المفكر الفرنسي ديستوت دو تراسي (Destut de Tracy)، وفلاديمير لينين (Vladimir Lenin)، وجورج لوكاش (György Lukács)؛ إذ انتقلت الأيديولوجيا من “فكر الآخر، فكر الخصم، وأصبحت فكرنا نحن أيضًا، وهذا ما سيخرج بها من إطار الصراع السياسي إلى مستوى التحليل السوسيولوجي”(33). كما اعتمد مفكرون آخرون، مثل مارتن سليغر (Martin Seliger)، وكليفورد غيرتز (Clifford Geertz)، وألفن جولدنر (Alvin Gouldner)، ولويس ألتسير (Louis Althusser)، مفهومًا للأيديولوجيا قريبًا مما سماه تومبسون المفاهيم المحايدة، أي نسقًا من المعتقدات أو أشكالًا وممارسات رمزية.

أما المفاهيم النقدية للأيديولوجيا فتحمل معنى سلبيًّا أو نقديًّا أو ازدرائيًّا لأطروحات الفكر الأيديولوجي، وتعتبر الظواهر الأيديولوجية مُضَلِّلَة أو خادعة أو أحادية الجانب، كما تحمل هذه المفاهيم في طياتها إدانة للأيديولوجيا. وهنا يبرز نموذج نابليون بونابرت (Napoléon Bonaparte)، وكارل ماركس (Karl Marx)، وكارل مانهايم (Karl Mannheim)، الذين قدَّموا معنى سلبيًّا ونقديًّا للأيديولوجيا باعتبارها أفكارًا خاطئة وغير عملية ومُضَلِّلَة ومنفصلة عن الحقائق والممارسات الواقعية (بونابرت). وظلت هذه الرؤية السلبية موجودة حتى في الأعمال الفكرية لماركس وإن كان يرى في الأيديولوجيا أفكارًا تُعبِّر عن مصالح الطبقة المهيمنة(34).

وخلافًا لهذين المنظورين، اهتمت دراسات أخرى بالأيديولوجيا كظاهرة رمزية/خطابية تمثِّل إطارًا إدراكيًّا يتجاوز المعتقدات والاتجاهات، وتتشكَّل في سياقات اجتماعية وسياسية وثقافية معينة، وهو الطرح الذي نجده في أعمال نورمان فاركلوف، وتوين فان دايك، وجون تومبسون وغيرهم. فالخطاب الذي يتضمن مسلَّمات موضوعها الموجود وحالته، والممكن والضروري، وما سيكون، وضروب الخطاب التي ترتبط بها، والمعاني المسلَّم بها، يمكن اعتباره خطابًا أيديولوجيًّا. كما أن النصوص تقوم بعمل أيديولوجي عندما تسلم بوجود شيء معين وتعتبره واقعًا لا شك فيه ولا يمكن تحاشيه (كالتسليم بوجود سوق عالمية)(35). لذلك فإن النتائج الأيديولوجية هي أحد أنواع النتائج التي تُسبِّبها النصوص، وتُعد الأيديولوجيات ممثليات (تمثيلات) لجوانب من العالم تتحقق في طرق الممارسة الاجتماعية، وتترسخ في هويات الفاعلين الاجتماعيين. ويمكن أن تمتلك الأيديولوجيات استمرارية وثباتًا يتخطيان النصوص الفردية أو مجموعات النصوص؛ إذ إن لها علاقة بضروب الخطاب وأصنافه وأساليبه(36).

وفي هذا السياق يُبيِّن تومبسون أن دراسة الأيديولوجيا لا تهتم بالمقولات وتحليل نسق الأفكار أو المعتقدات فقط، كما لا تهتم بتحليل الشكل أو النسق الرمزي لذاته، بل تُعنى هذه الدراسة بما يُسمِّيه “الاستخدامات الاجتماعية للأشكال الرمزية” وذلك لتحديد إلى أي مدى وكيف تعمل هذه الأشكال على إقامة علاقات الهيمنة والحفاظ عليها في السياقات الاجتماعية التي تُنْتَج فيها ويتم نقلها وتلقيها(37). وهو ما يعني أن الظواهر الأيديولوجية تكون رمزية وذات مغزى بقدر ما تعمل، في سياقات اجتماعية تاريخية معينة، على تأسيس علاقات الهيمنة والحفاظ عليها، ولن تكون كذلك إلا إذا توافر فيها هذا الشرط، وهو الحفاظ على علاقات الهيمنة. ويتضمن هذا التعريف ثلاثة أبعاد للأيديولوجيا، أولًا: مقولة المعاني (وهي معاني الأشكال الرمزية والمتضمنة في السياقات الاجتماعية وتروج في العالم الاجتماعي)، وثانيًا: مفهوم الهيمنة، وثالثًا: الطرق التي تعمل بها المعاني لتأسيس علاقات الهيمنة والحفاظ عليها(38).

ونجد هذا الربط بين الأيديولوجيا والهيمنة لدى فاركلوف أيضًا، وذلك عندما يقوم الخطاب بتحويل منظور واحد من مجمل المنظورات إلى مزاعم أو منزلة عالمية، كما أن “السعي وراء الهيمنة يهدف إلى جعل معان خاصة عالمية في سبيل تحقيق السيطرة وصيانتها (حمايتها)، وما هذا سوى عمل أيديولوجي”(39). ومن هذا المنظور، تكون الهيمنة والسيطرة كذلك خطابية (الهيمنة الخطابية) عبر التحكُّم في سياقات إنتاج الخطاب وتوزيعه والنفاذ إليه، والسيطرة على نمط التواصل وأسلوبه. وهو ما أشار إليه توين فان دايك أيضًا؛ إذ تؤثر المؤسسات المُهَيْمِنَة -عن طريق النفاذ إلى الخطاب أو السيطرة على وسائل التواصل العام- في بنية النص والحديث بأسلوب يؤثر في معرفة المتلقين ومواقفهم ومعاييرهم وقيمهم وأيديولوجياتهم بحيث تصب في مصلحة المجموعة المُهَيْمِنَة. لذلك فإن النفاذ إلى الخطاب والأحداث التواصلية عنصر أساسي في استمرار خطاب السلطة والهيمنة(40). ويتحقق ذلك أيضًا عبر السيطرة على اللغة المستعملة (اللغة السائدة، أو الفصحى أو العامية)، والسيطرة على أنواع الخطاب المسموح بها، والسيطرة على أنواع أفعال الكلام المسموح بها، أو السيطرة على تنظيم مجرى الحديث(41). 

يساعدنا هذا المفهوم (الهيمنة الخطابية) في دراسة أشكال التحكُّم والسيطرة التي تمارسها شبكات التواصل الاجتماعي في الترويج لأحداث تواصلية معينة، ودعم بعض الخطابات وتعزيز حضورها وتدفُّقها عبر المنصات الرقمية ومن خلال النفاذ التفضيلي، وتقييد حركة أو نشاط إنتاج خطابات أخرى والنفاذ إليها (النفاذ المُقَيَّد).

وتستعين الدراسة أيضًا بالنموذج المعرفي لعالم الاجتماع جون تومبسون، كما ورد في دراسته للأيديولوجيا والثقافة المعاصرة، في إبراز الأنماط العامة لاشتغال الأيديولوجيا في شبكات التواصل الاجتماعي، والبحث في الطرق التي تعمل بها المعاني لتأسيس علاقات الهيمنة والحفاظ عليها. فقد حدد خمسة أنماط رئيسية للأيديولوجيا تتمثَّل في: أيديولوجيا الشرعنة، وأيديولوجيا الحجب، وأيديولوجيا التوحيد، وأيديولوجيا التفتيت، وأيديولوجيا التشيؤ(42). وهي أنماط يمكن الإضافة إليها بحسب سياقات الخطاب وهوية المنتجين له، وهو ما ستفصِّله الدراسة أثناء تحليلها لأنماط الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي.

2. تمثلات الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي وأنماطه 

تركز الدراسة في هذا القسم التطبيقي على تحليل الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي الذي تُنتِجه بعض الصفحات الرسمية وحسابات بعض الصحفيين والباحثين الإسرائيليين على شبكات التواصل الاجتماعي، وتحديدًا تويتر وفيسبوك، كما ورد في وحدات العينة بالمقدمة، وتُبْرِز أيضًا الممارسات الخطابية أو إستراتيجيات هذا الخطاب في إنتاج الأيديولوجيا. وستنطلق الدراسة في ذلك من المستويات الثلاثة للخطاب، أولًا كأصناف (طُرق الفعل) وهي طرق مختلفة في الفعل والتفاعل الخطابي، وثانيًا كضروب (طُرق تمثيل) وتعكس العالم المحسوس والممارسات الاجتماعية الأخرى، وثالثًا كأساليب (طرق كينونة).

أولًا: طرق الفعل في بنية الخطاب

يهتم هذا المحور بتحليل بنية الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي ومحدداته وآليات صوغه، باعتباره خطابًا رمزيًّا (نصوصًا وصورًا) حاملًا لمسلَّمات عن حالة الوضع الإسرائيلي والفلسطيني الراهن كما تراه الذات الإسرائيلية المنتجة للخطاب، ولما تعتبره ممكنًا وضروريًّا، والمعاني المسلم بها التي لا يمكن تجاوزها أو نقضها في إطار الصراع بين الطرفين، وأيضًا خطابًا حاملًا لرؤى وأطروحات بشأن جوهر القضية الفلسطينية وكينونة الدولة الإسرائيلية ومستقبل حل الدولتين. وهنا تَبرُز أهمية البحث في أشكال التلفظ وأساليبه، وخصوصية البناء الرمزي للخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي، الذي لا يتحقق فقط من خلال هذا البعد (الرمزي) وإنما يسعى منتجو هذا الخطاب أن تمثِّل مسلماته المنظور السائد والمهيمن في فهم الصراع، والحفاظ على علاقات الهيمنة في السياقات الاجتماعية والسياسية التي ينتج فيها الخطاب، أي الهيمنة الخطابية، كما سنبيِّن لاحقًا.

ولذلك فإن أهم ما يُثير الاهتمام في عينة الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي على مستوى التلفظ والتركيب المعجمي هو إستراتيجية التسمية أو إستراتيجية العلامة التي يُوسَم بها الأشخاص وتُدْمَغ بواسطتها التنظيميات والهيئات والمؤسسات الفلسطينية؛ إذ تصبح هذه العلامة -كما أوضح مؤسسا نظرية الاعتماد ملفين ديفلير (Melvin Defleur) وساندرا بول-روكيتش (Sandra Ball-Rokeach)- “صفة كبرى” أو “معنى عامًّا” لمن يُوصف بها، وتُحدد كيف يتصرف الآخرون تجاهه. ويظل هذا المعنى أو التصنيف مرشدًا لسلوكهم نحو الشخص الذي يحمل هذه الصفات أو العلامات(43). ومن أكثر التسميات أو العلامات التي وردت في هذا الخطاب تسمية “الإرهاب” التي تُطلق على الذات الفلسطينية/الآخر، في أي موقع أو فئة اجتماعية، سواء كان مسلحًا أو مدنيًّا أو مسؤولًا سياسيًّا أو إعلاميًّا أو مؤسسة اجتماعية أو حركة سياسية. ولا يستثني هذا التصنيف (المعنى) أيضًا الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية، الذين يعتبرهم منتج الخطاب الإسرائيلي “إرهابيين”. وقد يستخدم هذا الخطاب بديلًا عن علامة “الإرهاب” تسمية “المخربون، والتخريب الفلسطيني”. ولذلك يستغرق هذا الوَسْم (العلامة) جميع مكونات المجتمع الفلسطيني في الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي، الذي يصفهم بـ”الإرهاب والإرهابيين”، ولذلك تكاد هذه التسمية تكون محمولًا أو حدًّا يضاف إلى الموضوع أو مسندًا إليه في أي خطاب يتناول الشأن الفلسطيني (انظر الجدول رقم 1). 

ولا تخلو الصور والكاريكاتير أيضًا من هذا المحمول (المحكوم به) الذي يُظهر الفلسطيني “مخربًا ومجرمًا وقاتلًا (إرهابيًّا)”، فيَنْسُب إليه منتج الخطاب كل هذه الصفات والنعوت التي تلازمه في جميع أنشطته العسكرية والمدنية/الاجتماعية والسياسية والإعلامية. ولترسيخ هذا المحمول، وحتى يصبح حكمًا ناجزًا (لا رجعة فيه)، يحاول الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي ربط نشاط الذات الفلسطينية بأعمال تنظيم “الدولة الإسلامية” لتكون نظيرًا ومماثلًا له في الحكم والتصور، وأيضًا لإثارة انتباه الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي بوجوب محاربتها (الذات الفلسطينية) كما يُحارَب هذا التنظيم في جميع بؤر التوتر ومناطق الصراع والحروب. وهو محمول يحرض -بحسب المنطوق والمسكوت عنه في الخطاب- على مواجهة الذات الفلسطينية لاجتثاثها واقتلاع جذورها. وهذا يعني أن الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي يحدد، أولًا، فهمه ورؤيته للقضية الفلسطينية وهوية المجتمع الفلسطيني (شيء يجب اجتثاثه/تشييء القضية)، وثانيًا: يحدد نوع العلاقة التي تربط بين الذات المتكلمة/منتج الخطاب، والذات المُتَكَلَّم عنها أو المُسمَّى، وثالثًا: يحدد الخطاب أيضًا نوع العلاقة التي يجب أن تربط المجتمع الدولي بالفلسطينيين، باعتبارهم مخربين خارجين عن القانون والشرعية الدولية.  

جدول (1): علامة “الإرهاب” في الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي لوسم الذات الفلسطينية

م منتجو الخطاب الإسرائيلي علامات الخطاب الإسرائيلي لِدَمْغ الذات الفلسطينية
1 إسرائيل بالعربية منظمة حماس الإرهابية، مغامرات حماس الإرهابية، خمسة وثلاثون عامًا من الدمار، إرهابيو الجهاد الإسلامي، الجهاد الإسلامي تروج للإرهاب، الشباب الفلسطيني يرضع الإرهاب من حماس، إرهابي فلسطيني.
2 أفيخاي أدرعي # حماس35 عامًا_ في خدمة الإرهاب والقتل والإجرام، المخرب الإرهابي المدعو رعد حازم، مهمتنا إحباط الإرهاب، تنظيم الجهاد الإسلامي الإرهابي، ناطق باسم الجماعات الإرهابية في القطاع.
3 روني شالوم  محاربة العائلات الإجرامية والإرهاب، جنازة داعشي فلسطيني، جيش الدفاع قاهر الإرهابيين، الإرهابيون الفلسطينيون، المنظمات الفلسطينية الإرهابية، إرهابيو إيران، ميليشيات ونشطاء إرهابيون، ميليشيات إيران الإرهابية، تبرير جرائم الإرهابيين.
4 إيدي كوهين هؤلاء الإرهابيون (الفلسطينيون)، الإرهابيون داخل السجون.
5 ميرلان أوهاد المجرم الإرهابي الخنزير، المخربون الفلسطينيون، إرهابيو إيران يقتلون أهالي غزة.
6 جاي معيان إرهابيون فلسطينيون يقتلون صحفية داعمة للإرهاب.

وفي سياق إستراتيجية التسمية أو العلامة يستخدم منتجو الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي إحالات مرجعية كثيرة تحمل معاني وإيحاءات سلبية لمن يوسمون بها، وتشمل أيضًا جميع مكونات المجتمع الفلسطيني ولا تستثني أحدًا. فالرئيس الراحل ياسر عرفات يوصف بـ”السفاح المجرم”، و”العميل الصهيوني” لنزع الشرعية عن تاريخه ونضاله السياسيين في قيادة الثورة الفلسطينية، باعتباره “خادمًا للاحتلال الصهيوني”. ويصبح بعض الصحفيين في قنوات إخبارية عربية “أقلامًا مأجورة ومرتزقة”، وهو ما يجعلهم -بحسب منطوق الخطاب الإسرائيلي- “بوق البروباغندا” للدول المالكة لهذه القنوات، ويجردهم -بحسب المسكوت عنه في هذا الخطاب- من أخلاقيات العمل الإعلامي وقواعد الممارسة المهنية ليتحوَّلوا إلى صحافيين يتاجرون بالقضية الفلسطينية. كما يحيل منتجو الخطاب الإسرائيلي في نعتهم للسلوك الفلسطيني (“بلطجية فلسطينيون”، “الهمجية الفلسطينية”،) على معاني الفوضى والتخريب. ويلجأ هذ الخطاب إلى لغة التعريض في وصف الفلسطينيين وحركات المقاومة؛ إذ لا يرى الجهاد الإسلامي حركةً فلسطينيةً وإنما “حركة الجهاد الإيراني”، ولا تمثِّل حماس وحركات أخرى سوى “أذرع لأخطبوط الملالي”. وهي إحالات تنزع عن هذه الحركات الفلسطينية البعد الوطني ما يجعلها كيانات تخضع لقوى أجنبية (إيران) خدمة لأجندتها السياسية والإستراتيجية. ولذلك يصبح رجال المقاومة جنودًا تحركهم هذه القوى ويأتمرون بأوامرها “جندي برتبة عبد الخامنئي”، مثلما ورد في منشور لميرلان أوهاد (5 أغسطس/آب 2022).  كما أن رجال المقاومة في حركة حماس ليسوا سوى “صعاليك” (إيدي كوهين، 3 يناير/كانون الثاني 2023) وقُطَّاع طرق لا يهتمون بأحوال سكان قطاع غزة ولا يأبهون بمصيرهم، لذلك يعرِّضونهم لمخاطر الحرب. ويصف هذا الخطاب أيضًا القضية الفلسطينية بـ”المزيفة”، التي لا وجود لها في الأصل بل اختلقها الفلسطينيون، وهم يمثلون “أحفاد الصليبيين الذين احتلوا الأرض من اليهود” (روني شالوم، 26 مايو/أيار 2022). 

ويبدو المسكوت عنه في الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي هو التشريع لاستعمال كل الوسائل بما في ذلك القوة العسكرية لمواجهة الشعب الفلسطيني وحركات المقاومة، وتشويه وشَيْطَنَة رموزه السياسية والتاريخية، من أجل إبراز وإعلاء الرواية الإسرائيلية التي يُراد لها أن تهيمن على الخطاب العام (الهيمنة الخطابية) عبر شبكات التواصل الاجتماعي والعمل على اندثار الرواية الفلسطينية. ويستعين منتجو الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي لتحقيق هذا الهدف بمعجم أخلاقي يصف الفلسطينيين بـ”الكذب والنفاق والدجل والنصب والاحتيال…” لدحض الرواية الفلسطينية، وإضفاء المصداقية على الأحداث التواصلية التي ترتبط بالشأن الإسرائيلي. وهنا، يحاول الخطاب أن يميز بين الذات الفلسطينية التي يَنْسُب إليها تزويرَ التاريخ وتزييفَ وقائعه و”سرقتَه”، وطمسَ الحقائق بشأن ما تعتبره الذات الإسرائيلية “أرض إسرائيل” و”عودة الشعب اليهودي إلى دياره وأرض أجداده الموروثة له من عند الله”، كما ورد في تغريدات “إسرائيل بالعربية”، و”إيدي كوهين”، و”جاي معيان”؛ حيث تبدو الذات الإسرائيلية مالكة للحقائق والرواية التاريخية الأصيلة.

1
صورة (1): رواية الخطاب الإسرائيلي عن جذور الشعب الإسرائيلي ونفيه لاحتلال فلسطين(44)

وهنا، نلاحظ أن بنية التلفظ في الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي تقوم على البنى الاستقطابية المعتادة لتقديم الذات الإسرائيلية (نحن) إيجابيًّا، وتقديم الذات الفلسطينية (هم/الآخرون) سلبيًّا للتعبير عن الصراع الأيديولوجي بين هذه الذوات. ويهدف هذا الاستقطاب -كما لاحظ فان دايك- إلى تعزيز سلطة المُتَكَلِّم والتعالي الأخلاقي ومصداقية المُتَحَدِّث من جهة، والتقليل من شأن الذات المعارضة وإضعاف الثقة بها عن طريق التشكيك في مواقفها وتصنيفها مع العدو من جهة أخرى(45)، وهو ما يُفْقِدُها شرعية الوجود/الكينونة، في حالة الذات الفلسطينية، وتترتب على ذلك خطوات وإجراءات تُشَرِّع لمواجهتها بكل السبل.

ولذلك يعتبر الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي الذات الفلسطينية كيانًا “يجب سحقه سحقًا”، كما ورد في منشور للباحث في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية، روني شالوم: “اسحقوهم سحقًا، شكرًا لجيش الدفاع على أكثر من عملية ناجحة. وإن شاء الله للمزيد من الانتصارات على ميليشيات إيران الإرهابية في كل مكان وزمان. نحن هنا لنبقى صامدين في أرض أجدادنا غصبًا عن كل إرهابي وحاقد. نحن الإسرائيليون”(46).  فهذا التقابل أو الاستقطاب الأيديولوجي والصراع بين (نحن) و(هم) يؤسِّس لبنية التلفظ في الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي كما ذكرنا، وهو ما يوضحه الجدول رقم (2).

جدول (2): البنى الاستقطابية بين الـ”نحن” والـ”هم” في الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي

نحن هــم ما يفرق بين الـ”نحن” والـ”هم”
مهمتنا إحباط الإرهاب إرهابيو الجهاد إقامة الدولة الفلسطينية
قواتنا المسلحة الباسلة الجهاد الإيراني، صعاليك حماس تحرير الأرض من الاحتلال
صامدون في أرض أجدادنا الفلسطينيون أحفاد الصليبيين والروم الذين احتلوا الأرض من اليهود استعادة الحقوق
الشعب اليهودي ليس محتلًّا لأرض إسرائيل القضية المزيفة، احتلال فلسطين أكذوبة تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه وتهويد مقدساته
إسرائيل تحارب الإرهاب الفلسطينيون يمجدون الإرهاب، ويرضعونه لأطفالهم الدفاع عن الوجود الفلسطيني ومقاومة الاحتلال
شعبنا في أمان حركة الجهاد الإيراني تقتل سكان غزة بالصواريخ الفاشلة، حماس تعزز طوفان نهب الأموال والقتل والإجرام الدفاع عن مقدسات الفلسطينيين بمشاركة جميع الفئات المجتمعية
إسرائيل دولة قوية زاهرة وشامخة وديمقراطية ومتطورة العرب غارقون في مستنقع النار والدماء والدموع أولوية الفلسطينيين العمل على جلاء الاحتلال وتحرير فلسطين

ويشمل الاستقطاب بين الـ”نحن” والـ”هم” قضايا مختلفة تتصل أيضًا بالعقائد الدينية والمسائل الغيبية “الإرهابيون الفلسطينيون في جهنم، أما أنبياؤنا عليهم السلام وعلى رأسهم أبونا إبراهيم عليه السلام في الجنة” (روني شالوم، 11 أغسطس/آب 2022). وتتسع دائرة هذا الاستقطاب لتتجاوز الصراع بين الذات الإسرائيلية والفلسطينية إلى أطراف أو ذوات أخرى، مثل إيران وبعض الدول العربية التي تساعد الفلسطينيين في الصمود داخل أراضيهم، وذلك بنقل المعركة إليها. ويسعى هذا الخطاب إلى تبرير السلوك السياسي والعسكري الإسرائيلي ضد ما يعتبره خطرًا وجوديًّا على كيانه، وشرعنة إجراءاته التي تستمد قوتها مما يراه حقًّا تاريخيًّا ومسلَّمات عقدية/إيمانية.

 ثانيًا: طرق التمثيل والكينونة (الهوية)

تركز الدراسة في هذا المحور على تحليل الطرق التي يُقدِّم بها الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي الذاتَ الإسرائيلية والذات الفلسطينية، وأيضًا تمثُّلاته ورؤيته للقضايا الكبرى التي تشكِّل مجالًا للصراع بين الطرفين، وترصد الهويات المُنْشَأَة لهما، وإن كان الفصل بين الأشكال الثلاثة من التحليل (طرق الفعل، طرق التمثيل، طرق الكينونة) يبدو أحيانًا غير إجرائي نظرًا لتداخل هذه المسارات في كل مرحلة من مراحل التحليل. فقد اشتمل المسار الأول (بنية التلفظ في الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي) -كما نلاحظ- على جزء من التحليل الذي يخص “طرق التمثيل” (تمثيلات الذات الإسرائيلية والفلسطينية والرؤى التي تُقدَّم بها الأحداث والقضايا). لذلك سنحاول إبراز الهويات التي يُنْشِئُها هذا الخطاب -وتُمثِّل في بعض الحالات تصورات منتج الخطاب عن الـ”نحن” والـ”هم” والقضايا الكبرى- ولعل أول ما يلفت الانتباه في الهويات التي يشكِّلها الخطاب الإسرائيلي عن الذات الإسرائيلية هو الكينونة أو الوجود الإسرائيلي في “أرض إسرائيل” الذي يمتد عبر التاريخ “شعب يعود إلى أرضه بعد حوالي ألف عام من الشتات”، ويستمد شرعيته من البعد الديني/العقدي، وفي المقابل يُظهِر هذا الخطاب هوية الذات الفلسطينية بلا أرض وبلا تاريخ، بل مجموعة بشرية احتلت “أرض إسرائيل”.

ولذلك ينظر الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي إلى الفلسطينيين نظرة سلبية؛ إذ لا يمثِّل هؤلاء سوى “عصابات وبلطجية”، و”عائلات إجرامية”، وهو ما ينفي عن الفلسطينيين هوية (الشعب) الذي يسعى إلى التحرر من الاحتلال الإسرائيلي، والاستقلال وإقامة دولته الفلسطينية.

أما الذات الإسرائيلية فتبدو شعبًا وجيشًا يواجهان الإرهاب والحركات الإرهابية المرتبطة بمحاور أجنبية (إيران ودول عربية أخرى)، حيث تسعى إسرائيل إلى الدفاع عن مواطنيها والحفاظ على أمنهم واستقرارهم من التهديدات والهجمات الصاروخية الفاشلة التي تقتل الفلسطينيين. وهنا، تبرز الهوية الإسرائيلية في موقع الضحية التي لا تملك سوى الرد على “الإرهاب” و”المخربين”، بينما تبدو الذاتُ الفلسطينية الطرفَ المعتدي على الوجود الإسرائيلي، لذلك يمجِّد الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي دور الجيش في الدفاع عن هذا الوجود.

ويُشيِّد هذا الخطاب أيضًا هوية للذات الفلسطينية باعتبارها مجموعات تتهافت على المصالح المادية والشخصية، و”قيادات” تبحث عن رغد الحياة في المهاجر وتخدم أجندات ومصالح أجنبية، ولا تربطها أي علاقة بالجهاد أو تحرير الأرض والدفاع عن الفلسطينيين، بل إن بعضها كان يخدم لأجل المصالح الإسرائيلية (العمالة)، بينما تبدو الذات الإسرائيلية دولة تسعى إلى رفاه مواطنيها والحفاظ على أطفالها من الإرهاب، وتنعم بالديمقراطية وحقوق الإنسان. وهو خطاب يحاول تجميل هوية هذه الذات، وإظهار القيم التي تؤمن بها ومظاهر الحياة العامة الإسرائيلية وسياساتها في صورة مناقضة للوضع الداخلي الفلسطيني الغارق في قتل الفلسطينيين والاقتتال الفصائلي. 

ثالثًا: أنماط الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي

في التعريف الذي قدَّمه تومبسون للأيديولوجيا حدد ثلاثة أبعاد للمفهوم (مقولة المعاني، والهيمنة، والطرق التي تعمل بها المعاني لتأسيس علاقات الهيمنة والحفاظ عليها)، كما ذُكِر آنفًا، ويعتبر البعد الثالث متغيرًا أساسيًّا محددًا للظاهرة الأيديولوجية التي تؤسِّس لعلاقات الهيمنة والحفاظ عليها. وهو ما يمكن رصده وتحليله في الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي، ويساعدنا في ذلك النمذجة التي حدَّدها تومبسون نفسه حول الأنماط العامة لاشتغال الأيديولوجيا. ومن خلال الملاحظة لعيِّنة الدراسة وتتبُّع آثار السلوك الاتصالي لمنتجي الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي، يتبيَّن أن أنماط هذا الخطاب تشمل:

– أيديولوجيا الشرعنة: يسعى الخطاب لتأسيس علاقات الهيمنة (الخطابية والسياسية والعسكرية أيضًا) والحفاظ عليها من خلال إبراز شرعية القضايا التي يتناولها، باعتبارها قضايا عادلة وجديرة بالدعم والدفاع عنها، وهو ما يعكسه المعنى الذي يُقدِّمه هذا الخطاب لـ”الوجود الإسرائيلي” في فلسطين؛ إذ إن ما يعتبره الفلسطيني “احتلالًا” لأرضه يراه الإسرائيلي ومعه العالم -بحسب منطوق الخطاب “نحن والعالم”- “عودة شعب إلى أرضه”. وتتم شرعنة هذا الوجود (الحق التاريخي في الأرض) أيضًا من خلال الرجوع إلى قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، خاصة قرار التقسيم 181؛ إذ “كانت أول مرة بعد ألفي سنة تمكَّن فيها الشعب اليهودي من إعادة سيادته على وطنه التاريخي”(47). 

وهنا، يحاول الخطاب أن يؤسس هذه الشرعنة (شرعنة الوجود) على ثلاثة أسس: أولًا: الأسس القانونية/العقلانية عبر استدعاء شرعية المواثيق والقرارات الدولية التي تمثِّل إطارًا حاكمًا للعلاقات الدولية. وثانيًا: الأسس التقليدية التي تتمثَّل في استدعاء قدسية المعتقدات الدينية التي تشرعن للذات الإسرائيلية تصوراتها ومواقفها بخصوص الوجود الإسرائيلي في أرض أجداده الموروثة. وثالثًا: الأسس الكاريزمية التي تستدعي الصفات الاستثنائية للذات الإسرائيلية في محيط تعتبره معاديًا لها؛ حيث تسعى للحفاظ على أمنها واستقرارها وديمقراطيتها.

2
صورة (2): استدعاء قدسية المعتقدات الدينية لتبرير عودة الشعب الإسرائيلي إلى أرضه(48)

وفي سياق أيديولوجيا الشرعنة، نلاحظ تنويعًا في إستراتيجيات الترويج لها عبر استخدام تقنية السرد أو الرواية كما يبدو في التغريدة التي أعاد الإعلامي، جاي معيان، نشرها، وتنتشر هذه الإستراتيجية (الرواية) كثيرًا في الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي، لاسيما خلال الحديث عن التاريخ اليهودي في المنطقة والرجوع إلى “المعتقدات الدينية” لتعزيز رؤى الذات الإسرائيلية عن وجودها، وخلق شعور بالانتماء إلى المجتمع والتاريخ الذي يتجاوز تجربة الصراع والاختلاف والانقسام لإقرار ما يراه حقيقة. وبذلك يحاول منتجو الخطاب عبر إستراتيجية التعميم إقناع المتلقي بأن الوجود الإسرائيلي سيكون لصالح شعوب المنطقة.

– أيديولوجيا الحجب (التعتيم): يبرز هذا النمط من الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي عبر محاولات الذات المُتَكَلِّمَة حجب الحقائق وإنكار الوقائع المعلومة لدى الرأي العام الدولي، والتعتيم على الأخبار والأحداث التي تناقلتها وسائل الإعلام والشبكات الدولية، كما هي الحال في العملية العسكرية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، وكانت أطلقت عليها اسم “الفجر الصادق”، في أغسطس/آب 2022. وقد تسببت هذه العملية الإسرائيلية في مقتل 44 فلسطينيًّا، بينهم 15 طفلًا و4 سيدات، فيما وصل عدد الإصابات جراء الغارات 360 شخصًا بجروح مختلف(48)، بينما تُظهر أيديولوجيا التعتيم مسؤولية حركة الجهاد الإسلامي في قتل هؤلاء الأطفال -كما يشير منشور الناطق الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، عبر ما يسميه “الإطلاق الصواريخ الفاشل” (انظر الصورة رقم 3)، حيث لم تتجاوز تلك الصواريخ غلاف القطاع، ولم تصل إلى أهدافها بل كانت ترتد إلى سكان غزة.

3
صورة (3): التعتيم على أضرار الآلة العسكرية الإسرائيلية وإبراز مسؤولية الجهاد الإسلامي في قتل أطفال غزة(50)

وتهدف هذه الأيديولوجيا إلى حرف الأنظار عن الآلة العسكرية الإسرائيلية ونتائجها المدمرة في قتل المدنيين، وصرف الانتباه عن العمليات التي تقوم بها هذه القوات في تدمير البنية التحتية المدنية الفلسطينية، وهدم المنازل على رؤوس سكانيها. وهنا، يستخدم الخطاب الأيديولوجي إستراتيجية التشويه أو تلطيخ سمعة حركة الجهاد الإسلامي، التي تسببت صواريخها في مأساة إنسانية بالقطاع، وأيضًا إبراز فشل مشروعها الجهادي الذي أدى إلى حصد أرواح السكان المحليين. وفي المقابل، يلجأ هذا الخطاب -بحسب منطوق التلفظ- إلى إستراتيجية التلطيف أو التهوين من الآلة العسكرية الإسرائيلية التي تواجه “الإرهاب” فقط وليس المدنيين العزل.  

4
صورة (4): إستراتيجية تشويه وشيطنة حركة الجهاد الإسلامي والتشكيك في مشروعها الجهادي(51)

وفي سياق هذه الأيديولوجيا (الحجب) يُوظِّف منتجو الخطاب الكاريكاتير بصوة مكثفة إلى حد إلغاء المنطق والتاريخ وكل شروط الفهم المنهجي والإنساني، بحسب تعبير الأكاديمي عبد الله الغذامي، وهو ما أسماه بـ”جبروت الصورة”(52)؛ إذ يستدعي منتجو هذا الخطاب الحمولة الدلالية للإرهاب وربطه بحركات المقاومة الفلسطينية لدى الرأي العام الدولي. ومن ثم فالجهاد لا يعني سوى قتل المدنيين الفلسطينيين أولًا قبل أن يستهدف المواطنين الإسرائيليين، ما يثير أسئلة كثيرة بشأن الاستمرار في هذا النهج، والجدوى من الجهاد الذي يقتل الأطفال الفلسطينيين، وتعبئة المجتمع الدولي لمواجهة هذا النهج/الاختيار. 

– أيديولوجيا التوحيد: يبرز هذا النمط بوضوح من خلال حرص منتجي الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي على إظهار وحدة “الشعب اليهودي” ومساندته للجيش الإسرائيلي في مواجهة “الإرهاب”، وأن “يد جيش الدفاع تصل إلى كل من يهدد أمن مواطنينا وسيادتنا”، مشيدًا بإنجازاته: “إنجازات عظيمة لقواتنا المسلحة الباسلة ونتمنى المزيد منها”. ويهدف منتجو الخطاب إلى إقامة علاقات الهيمنة والحفاظ عليها داخل المجتمع الإسرائيلي عبر هذا الشكل الرمزي الذي يُظهِر وحدة الهوية الإسرائيلية في مواجهة الأخطار التي تهددها من الخارج، أي حركات المقاومة الفلسطينية والجهات التي تدعمها بالمال والسلاح. لذلك سارعت أحزاب المعارضة إلى دعم الحكومة الإسرائيلية في هذه العملية، وهو ما يقود المجتمع الإسرائيلي باتجاه التنميط في التصورات والرؤى؛ ما يجعله كيانًا موحدًا خلف قيادته السياسية، وبذلك يحقق هذا الخطاب أهدافه في التوحيد عبر هذه الهيمنة الخطابية. 

5
                  صورة (5): أيديولوجيا توحيد صفوف الإسرائيليين لمواجهة ما تسميه “الإرهاب”(53)      

– أيديولوجية التفتيت: في مقابل أيديولوجية توحيد المجتمع/الذات الإسرائيلية، يبذل منتجو الخطاب الإسرائيلي جهدًا كبيرًا في العمل على إبراز انقسام الذات الفلسطينية، كما لاحظنا في تمثيلات هذا الخطاب وأبعاد الصورة التي يرسمها لقيادات حركات المقاومة ولأفراد المجتمع الفلسطيني عمومًا؛ حيث تعمل ضد مصالح الفلسطينيين بل تخدم أجندات أجنبية. ولا تتمتع هذه الحركات بحاضنة اجتماعية، حيث كانت سببًا في المأساة الإنسانية والاجتماعية التي يعيشها الفلسطينيون. وفي الوقت الذي تخدم فيه هذه القيادات مصالحها المالية والعائلية، تقدم باقي الفلسطينيين وقودًا لـ”الإرهاب” والمواجهات مع إسرائيل. ولأن منتج الخطاب يدرك القدرات العسكرية وإمكانات الصمود التي تمتلكها حركات المقاومة في تحدي الآلة العسكرية الإسرائيلية، فهو يحاول عبر إستراتيجية التمايز والاختلاف أن يظهر التباين بين مصالح هذه القيادات وعموم الفلسطينيين، فيبرز انغماس هؤلاء القادة وأبنائهم في متع الحياة ورغد العيش، وذلك من أجل إضعاف فاعلية هذه القدرات والتحدي الذي تشكله حركات المقاومة. وهنا، تظهر في هذا الخطاب أيضًا إستراتيجية تطهير الساحة الإسرائيلية من “الإرهاب”/الشر”/”العدو”، الذي تمثِّله حركات المقاومة من خلال توحيد جميع القوى والأحزاب الإسرائيلية وجهود الآلة العسكرية التي تمثِّل “الخير”. ويحاول هذا النمط من الأيديولوجيا الحفاظ على علاقات الهيمنة الإسرائيلية في الساحة الفلسطينية من خلال بث الفرقة في النسيج الاجتماعي الفلسطيني، كما تُظهِر الصورة التي نشرها الصحافي والأكاديمي، إيدي كوهين (الصورة رقم 6).

6
صورة (6): أيديولوجيا تفتيت الذات الفلسطينية عبر إبراز تناقضاتها(54)

– أيديولوجيا التشيؤ: يحاول هذا النمط من الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي أن يجرِّد الذات الفلسطينية من هويتها الفلسطينية وكينونتها التاريخية سعيًا لطمس الجوهر الأساسي لقضيتها التي تتمثَّل في الاحتلال. لذلك يستبعد الخطاب هذا الموضوع (الاحتلال)، بل يعتبره أكذوبة ويرى أن “إسرائيل ولأول مرة في تاريخها الوجيز ساعدت الفلسطينيين في إقامة السلطة الفلسطينية”، ومن ثم فإن الوضع الراهن للقضية الفلسطينية لا يمكن تغييره بل يمثِّل الحالة الدائمة في صيرورة الصراع بين الطرفين كما لو كان “شيئًا” خارج الزمن وليس له أي دور أو تأثير في إثبات الذات الفلسطينية واستعادة حقوقها. 

7
صورة (7): الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي يحوِّل الوضع الراهن للقضية الفلسطينية إلى حالة دائمة وإلى “شيء” خارج الزمن(55)

– أيديولوجيا العسكرة: تستغرق هذه الأيديولوجيا عموم الخطاب الإسرائيلي بصور وأشكال مختلفة تجعله مدغمًا مع خطاب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ومنصهرًا مع بياناتها الإعلامية الحربية في كل الأوضاع والحالات. ويكاد منتجو هذا الخطاب يتحوَّلون إلى ناطقين باسم الجيش الإسرائيلي في أوقات الحرب والهدن، ويمثِّلون آلة دعائية لأنشطته وعملياته العسكرية قبل وأثناء وبعد أي عملية عسكرية. ومن أبرز الإستراتيجيات الخطابية التي تميز أيديولوجيا العسكرة هو الإشادة بما تسميه “التفوق والهيبة العسكرية الإسرائيلية” وبالمهام الحربية والعمليات العسكرية التي يشنها الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين سواء في الضفة الغربية، أو قطاع غزة كما هي الحال خلال عملية “الفجر الصادق”، في صيف العام 2022. ويتوجه منتج الخطاب بـ”الشكر” للجيش الإسرائيلي معتبرًا الأعمال الحربية ضد الفلسطينيين “إنجازات عظيمة للقوات المسلحة الباسلة”، وتمثِّل مصدرًا للاعتزاز والفخر.   

8
صورة (8): خطاب النصر والإشادة بالعمليات العسكرية للجيش الإسرائيلي(56)

وهناك إستراتيجية أخرى تعتمدها أيديولوجيا العسكرة في محاولة لإقامة علاقات الهيمنة الخطابية والسياسية والحفاظ عليها، وتتجلى في تحريض المؤسسة العسكرية على الإمعان في قتل الفلسطينيين “وسحقهم سحقًا”، وهو ما يمثِّل دعوة صريحة لإبادة الذات الفلسطينية، كما ورد في منشور لروني شالوم (6 أغسطس/آب 2022)، وأيضًا مطالبة المؤسسة العسكرية بـ”المزيد” من القتل في صفوف قيادات حركة المقاومة “والمزيد قادم إن شاء الله”، كما جاء في منشور لميرلان أوهاد (5 أغسطس/آب 2022).

وتشير تقارير مختلفة إلى تصاعد خطاب الكراهية في إسرائيل عبر شبكات التواصل الاجتماعي، كما بيَّنت نتائج مؤشر العنصرية والتحريض في شبكات التواصل الاجتماعي الإسرائيلية خلال العام 2021(57)، والتي أوضحت ازديادًا في خطاب الكراهية تجاه العرب بنسبة 8% عن العام 2020؛ حيث أشارت النتائج إلى انتشار حوالي 620 ألف محادثة شملت خطابًا عنيفًا وتحريضًا تجاه العرب. كما تضاعفت نسبة الخطاب التحريضي على العنف 3 أضعاف خلال العام 2020، إضافة إلى ازدياد حدة الخطاب العنيف ضد العرب والفلسطينيين؛ حيث وصلت نسبة الخطاب العنيف من مجمل الخطاب حول العرب في الشبكة 11%، وذلك للمرة الأولى منذ عام 2017. وتصدرت منصة تويتر الشبكات المستخدمة في نشر العنصرية والتحريض؛ حيث نُشر عبرها 58% من الخطاب العنيف، فيما شكلت منصة فيسبوك ما نسبته 19%.

ويتقاطع خطاب أيديولوجيا العسكرة مع أيديولوجيا التوحيد التي تجعل فئات المجتمع الإسرائيلي ذاتًا إسرائيلية واحدة لا يمكن الفصل بين مكوناتها المدنية والعسكرية، وينعكس ذلك على تصورات ورؤية منتجي الخطاب في تبني أطروحات المؤسسة العسكرية، ومن ثم تتحول حسابات هذه الذوات المُتَكَلِّمَة إلى منصات رقمية عسكرية. وقد اهتم الأكاديميان، عدي كونتسمان وربيكا ستين، بهذا الموضوع في عدد من الأبحاث، لاسيما في دراستهما المشتركة عن “العسكرة الرقمية: الاحتلال الإسرائيلي في عصر الإعلام الاجتماعي”؛ إذ لاحظ الباحثان أن شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت أدوات مهمة في أيدي المسؤولين العسكريين الإسرائيليين، لاسيما في زمن الحرب، وعززت هذه العسكرة الرقمية الإسرائيلية حالة العنف ضد الفلسطينيين(58). ففي العام 2014، انتقل الحلم الإسرائيلي في القتل خارج شبكات التواصل الاجتماعي، وبات هناك نوع من التطبيع مع العسكرة الرقمية. وتشير الدراسة إلى عدد من الوسوم (الهاشتاجات) التي انتشرت عبر منصات التواصل من قِبَل المستخدمين الإسرائيليين المتطرفين، والتي تدعو إلى الانتقام من الفلسطينيين مثلما ورد في هذا الهاشتاج الذي انتشر في فيسبوك عام 2014: “الشعب الإسرائيلي يطالب بالانتقام” (The People of Israel Demand Revenge)، وهي دعوة صريحة -كما أشار الباحثان- إلى القتل: “الموت للعرب”، وهو الشعار الذي كان يتردد في المظاهرات أيضًا والمحطات الإذاعية. كما تداول المستخدمون الإسرائيليون وسمًا آخر: “#كراهية العرب ليست عنصرية بل قيما” (Hating Arabs isn’t racism, it’s Values#) وقد خلَّفت هذه الحملة من الهاشتجات ضحايا في صفوف الفلسطينيين(59).

وتداول المستخدمون الإسرائيليون أيضًا وسمًا آخر بعد عملية القنص التي استهدفت أحد الجنود الإسرائيليين عند حدود قطاع غزة، في صيف العام 2021، ويدعو هذا الهاشتاج إلى “#أطلقوا أيدينا” (#Untie Our Hands)، ويمثِّل أيضًا دعوة صريحة إلى إطلاق أيدي الجمهور الإسرائيلي وتمكينه من قتل الفلسطينيين. وهو ما جعل الأكاديمية ربيكا ستين، تشير في دراسة أخرى، بعنوان “لقطات شاشة: عنف الدولة أمام الكاميرا في إسرائيل وفلسطين”، إلى تحول شبكات التواصل الاجتماعي -خلال الحرب على قطاع غزة (2008-2009) التي أسمتها إسرائيل بـ”الرصاص المصبوب”- إلى “منطقة أخرى للحرب”. فقد كان الجنود الإسرائيليون يبثون عبر منصة يوتيوب لقطات عن القصف الذي يستهدف سكان قطاع غزة(60)، فضلًا عن صور السيلفي التي ينشرها هؤلاء الجنود مع الفلسطينيين أثناء اعتقالهم.

9
صورة (9): عسكرة الخطاب الإسرائيلي والدعوة لإبادة الفلسطينيين(61)

ويبدو أن أنماط الأيديولوجيا الإسرائيلية السابقة (الشرعنة، الحجب، والتوحيد، والتفتيت، والتشيؤ، والعسكرة)، تنصهر جميعها في بوتقة العمل الذي يقوم به جهاز الدعاية الإسرائيلي (هاسبارا) لتجميل هوية الذات الإسرائيلية، وتبرير انتهاكاتها لحقوق الفلسطينيين خلال العمليات العسكرية والحروب التي شنتها على قطاع غزة، وحجب الأضرار التي ألحقتها بالسكان المدنيين الذين هُدِّمت البيوت فوق رؤوسهم، كما هُدِّمت مقرات وسائل الإعلام والشبكات الدولية، ناهيك عن عمليات قتل الصحفيين. لذلك تحولت منصات الشبكات الاجتماعية كما ذكرت ربيكا ستين إلى ساحة للحرب من أجل السيطرة والهيمنة الخطابية على المجال العام الرقمي. 

3. إستراتيجيات الشبكات الاجتماعية في تعزيز الهيمنة الخطابية للأيديولوجيا الإسرائيلية 

ساعدنا التحليل النقدي للخطاب في دراسة أنماط الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي وتمثيلاته للذات الإسرائيلية والذات الفلسطينية، وتأثيره في إقامة علاقات الهيمنة الخطابية والسياسية والحفاظ عليها، ويُعد ذلك مدخلًا أساسيًّا لفهم إستراتيجيات شبكات التواصل الاجتماعي نفسها في تعزيز هذه الهيمنة. وهو ما ستبحثه الدراسة في هذا المحور عبر رصد القَدَارة التي تتمتع بها هذه المنصات في تمكين منتجي هذا الخطاب من السيطرة على السياقات العامة لإنتاج الأنماط الأيديولوجية المختلفة رغم الإشكالات الأخلاقية التي يثيرها الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي.

سنحتاج هنا إلى استحضار مفهوم الخوازرميات باعتبارها نصًّا أو خطابًا، أو جزءًا من النسق المعرفي الذي يتم من خلاله تفعيل السلطة كما أشار ديفيد بير؛ إذ إن هناك علاقة بين الخطاب والمفاهيم والمؤسسات، لأن الخوارزميات لا توجد من خلال الترميز فقط، وإنما أيضًا عبر الوعي الاجتماعي كمفهوم أو مصطلح يستخدم بشكل متكرر للدلالة على شيء معين. وهو ما يظهر في حالة الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي؛ إذ تعمل شبكات التواصل الاجتماعي (تويتر، فيسبوك) بحسب نسق معرفي ومنظومة خطابية-كما سنرى- يسمحان لمنتج هذا الخطاب بالنفاذ التفضيلي إلى هذه المنصات، حيث المسالك ممهدة للهيمنة الأيديولوجية عبر إستراتيجيات متعددة. 

– إستراتيجية الغمر النصي: في اللغة غَمَر الماء الشيء غَمْرًا واغْتَمَره: علاه وغطَّاه، وجيش يَغْتَمِر كل شيء: يُغطِّيه ويستغرقه، وضارب في غَمْرَة أي سابح في ماء كثير، ودخلت في غُمارِ الناس وغَمارِهم أي في زحمتهم وكثرتهم(62). وتشير هذه المعاني إلى التدفُّق والانسياب في حركة الشيء من كل جانب، ويحصل ذلك من دون شك لأسباب وعوامل مختلفة، سواء لقوة حركة الشيء (عوامل ذاتية) أو للظروف المساعدة على ذلك التدفُّق والانسياب (عوامل خارجية). ويجسد هذا الوضع قوة حركة النفاذ التفضيلي لمنتجي الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي عبر شبكات التواصل الاجتماعي (تويتر، فيسبوك)، وزخم انسياب النصوص وتدفُّق المنشورات التي يبثها أفراد العينة في سياق أحداث تواصلية معينة ترتبط بهوية الذات الإسرائيلية مثلًا أو مستقبلها، أو نصوص لها علاقة بتطورات الوضع الداخلي الفلسطيني والإسرائيلي أو العمليات العسكرية التي يشنها الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، أو فصول الحروب على قطاع غزة. فنلاحظ ما يشبه “التعبئة العامة” في صفوف منتجي الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي الذين يتحوَّلون إلى كتلة أو وحدة مترابطة ومنظمة (كتيبة)، ويظهر بشكل واضح استعداداها وجاهزيتها وتأهبها لمواجهة موقف معين، كما لو أن هناك هيئة تحرير موحدة تشرف على نشاطها. فتتدفق النصوص والمنشورات والصور والفيديوهات والتعليقات التي تفيض بها حسابات أفراد العينة، ومن ثم تغمر شبكات التواصل الاجتماعي. وتتميز بوحدة نمط الخطاب الأيديولوجي الذي ينتجه أفراد هذه الكتلة، وبالتوارد أيضًا في بنية التلفظ لهذا الخطاب، وبالتجاوز في صوغ الأطروحات والرؤى والتعليقات والردود، فضلًا عن وحدة السياق الزمني للحدث التواصلي.

وهناك أمثلة كثيرة لما أسماه الباحث بالغمر النصي الذي ينتج عن النفاذ التفضيلي للخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي عبر شبكات التواصل الاجتماعي. ففي الحرب التي شنها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة في صيف العام 2022 (الفجر الصادق)، يمكن أن نلاحظ الاتجاه العام لنمط الخطاب الذي تميز بالعسكرة؛ إذ تحوَّل جميع أفراد العينة إلى ما يشبه وحدة/كتيبة مكلفة بمهام التعبئة والدعم والمساندة لقوى الجيش الإسرائيلي وتعزيز صموده في الجبهة. فينتجون نصوصًا متشابهة المضمون تتدفَّق عبر الحسابات المختلفة (تويتر وفيسبوك) لأفراد العينة. ويُحرِّض هذا الخطاب أفراد الجيش على قتل الفلسطينيين، بل “وسحقهم سحقًا”، وهي دعوة لإبادة الفلسطينيين، كما يفخر بالإنجازات التي حققتها الآلة العسكرية الإسرائيلية في التدمير وقتل الأبرياء من الفلسطينيين. ولا تزال هذه النصوص (دعوات الإبادة) منشورة على شبكات التواصل الاجتماعي حتى بعد تحرير هذه الدراسة، ولم تحاول منصتا تويتر وفيسبوك النظر فيها أو تقييمها واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها باعتبارها نصوصًا تحريضية تتجاوز كل الأعراف والقيم الأخلاقية في الأحداث التواصلية.

10
صورة (10): الغمر النصي للشبكات الاجتماعية بخطاب العسكرة الإسرائيلي

ويشير نمط هذا الخطاب وبنيته التلفظية (الممارسة الخطابية) إلى اقتران الذات المُتَكَلِّمَة بنوع مخصوص من الخطابات، وهو نمط أيديولوجيا العسكرة كما تُظهِر إستراتيجية الغمر النصي في عينة الدراسة، ثم تمليك هذا النمط من الخطاب لبعض أصناف الذوات، وهي الذات الإسرائيلية، وهو ما أسماه ميشيل فوكو بـ”التملك الاجتماعي للخطاب”(63). بينما لا تستطيع ذوات أخرى (الذات الفلسطينية) أن تنتج خطابًا مماثلًا له في البعد الرمزي ومناظرًا له في الطرح الأيديولوجي، ويسهم هذا التملك الاجتماعي في إخضاع الخطاب لمجموعة من الطقوس وتأطيره بعدد من المحددات انطلاقًا من النفاذ التفضيلي الذي تتمتع به الذات الإسرائيلية عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

وهنا، تكرس هذه المنصات (تويتر وفيسبوك) السيطرة والهيمنة الخطابية للذات الإسرائيلية عبر تحكُّمها في مداخل الخطاب ومنافذه، ونمط التواصل (مكتوبًا أو مصورًا) وتمليك الذات الإسرائيلية لنمط مخصوص من الخطاب، أي التحكُّم في أفعال الكلام المسموح بها، واختيار المفردات والمصطلحات (القاموس اللغوي)، ومَنْ يتكلم؟ وكيف يتكلم؟ ومتى يتكلم؟ ويشير ذلك إلى قدرة الخوارزميات -باعتبارها خطابًا مُفَكَّرًا فيه- على إنتاج “الحقائق” كما تتصورها الذات الإسرائيلية، وتدخلها المادي في الترويج لخطابات معينة وتعزيز الرواية التي تدافع عنها؛ حيث تصبح شبكات التواصل الاجتماعي بمنزلة الحراس الجدد المراقبين لمنافذ المجال الرقمي.

وتثير حالة الهيمنة الخطابية للذات الإسرائيلية عبر النفاذ التفضيلي إشكالية أخرى أكثر تعقيدًا وترتبط بالنفاذ المُقَيَّد والمُتَحَكَّم فيه للخطاب الذي تنتجه الذات الفلسطينية، وهو ما يحول دون امتلاكها للخطاب والرواية أيضًا؛ الأمر الذي يعتبره البعض “تمييزًا رقميًّا” ضد المحتوى الفلسطيني. وقد عالجت هذه الإشكالية دراسات وتقارير أعدتها مراكز متخصصة، مثل مركز “صدى سوشال” الذي يرصد ويوثق الانتهاكات الرقمية ضد المحتوى الفلسطيني (تأسس في سبتمبر/أيلول 2017). فخلال الحرب التي شنها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة (الفجر الصادق)، في صيف 2022، وثَّق المركز أكثر من 360 حالة انتهاك للمحتوى الفلسطيني في شهر أغسطس/آب من العام نفسه، وجاءت المنصات التي تديرها شركة “ميتا” في أعلى المنصات ارتكابًا للانتهاكات بواقع 232 انتهاكًا على منصة فيسبوك توزعت ما بين حذف للمنشورات، ثم تقييد الوصول ومنع النشر واستخدام بعض الخصائص مثل البث المباشر والإعلانات والمشاركات في المجموعات لفترة زمنية معينة، وحذف الحساب بشكل كلي، إضافة إلى 53 انتهاكًا على إنستغرام وكانت في معظمها قصصًا رفعها أصحابها على المنصة، وتتعلق بالاعتداءات الإسرائيلية في مدينة نابلس والهجمات العسكرية على القطاع. كما رصد المركز 40 انتهاكًا على منصة تويتر، تبعه 12 انتهاكًا على واتساب تمثَّلت في حظر أرقام الصحفيين، ومجموعات إخبارية، و9 انتهاكات على منصة تيك توك(64).

ويشمل التمييز ضد المحتوى الفلسطيني أيضًا الصحفيين، والمؤسسات الإعلامية التي تُعد أكثر الجهات عرضة للانتهاكات الموثقة؛ إذ بلغت 260 انتهاكًا في حق صفحات المؤسسات الإعلامية وحسابات الصحفيين، منهم من حذفت حساباتهم بشكل كامل وذلك بسبب تغطيتهم أخبارًا تتعلق بالاعتداءات الإسرائيلية، ونقلهم قصصًا إنسانية فلسطينية(65).

تؤكد هذه النتائج، لاسيما على مستوى التمييز الرقمي ضد المحتوى الفلسطيني، ما أشارت إليه الدراسة بخصوص تأثير النفاذ المُقَيَّد للذات الفلسطينية عبر شبكات التواصل الاجتماعي في محاصرة الرواية الفلسطينية والتحكُّم في سياقات الخطاب وإنتاجه من خلال تحديد: مَنْ يستخدم المنصة؟ ومَنْ يشارك في الخطاب والحدث التواصلي؟ وما الذي ينبغي أن يقال؟  ومَنْ يتكلم؟ وماذا يقول؟ ما القاموس الذي يستخدمه في الخطاب؟ ومع مَنْ يتكلم ولمن توجه الذات المُتَكَلِّمَة خطابها؟ وهنا تبدو سلطة خطاب الخوارزميات في التحكُّم والضبط الاجتماعي من أجل الحيلولة دون تمكن الذات الفلسطينية من التملك الاجتماعي للخطاب، لذلك أطلقت عليها الباحثة، صفية نوبل “خوارزميات القمع”؛ إذ تعد العنصرية والتمييز من الطرق البنيوية الأساسية في عملها، وبروتوكولًا معياريًّا لبعض المنظمات على شبكة الويب(66)، لاسيما الشركات الكبرى المحتكرة للمعلومات، والتي تضع مصالحها التجارية والمالية فوق أي اعتبارات أخرى.

– إستراتيجية التلاعب الخطابي: تُعد هذه الإستراتيجية من مرتكزات مداخل التحليل النقدي للخطاب، وقد اهتم بها كثيرًا دارسو هذا الحقل، خاصة توين فان دايك، وقد عنى بها نشر المعلومات التي تصب في مصلحة الجهات والمؤسسات المهيمنة، أو محاولة عرقلة فهم هذه المعلومات التي لا تخدم مصالحها والعمل على تشويهها. ويقترن التلاعب الخطابي بنمط من التواصل والتفاعل أو الممارسات الاجتماعية التي تصب في مصلحة طرف واحد فحسب وتكون ضد المصلحة المفضلة لدى المتلقي، ويقدم أيضًا معلومات منحازة أو غير كاملة أو تدعم أحد الأطراف دون غيرها أو يحذف معلومات مهمة جدًّا أو يعمل على تزييف الحقائق أو الكذب، وغيرها من الأساليب بهدف التلاعب بعقول الناس ومعتقداتهم وآرائهم ومعارفهم والأيديولوجيات التي تسيطر على أفعالهم(67).

تستلهم الدراسة هذا المعنى الشامل لإستراتيجية التلاعب الخطابي التي تُقدِّم خلالها الذات المُتَكَلِّمَة معلومات مزيفة وكاذبة لتشويه الحقائق، ثم تقوم الوسائط الرقمية، وتحديدًا شبكات التواصل الاجتماعي، بالترويج لهذا الخطاب التلاعبي حتى لو انكشف زيف تلك المعلومات. وهو ما يجعل هذه المنصات تنخرط في الدعاية لأنماط أيديولوجية معينة، مثلما لاحظنا في دراسة خطاب أفراد العينة. فقد كانت منشورات كثيرة -بما في ذلك الصور والكاريكاتير- لمنتجي الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي تقلب الحقائق وتُزَيِّف المعلومات حول تطورات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، في صيف 2022، وتحاول تشويه الذات الفلسطينية (حركة المقاومة)، وتفتيت مكوناتها عبر خلق حالة الانقسام في صفوفها وفي النسيج الاجتماعي الفلسطيني. لذلك كان هذا الخطاب يُحمِّل مسؤولية الضحايا الذين يسقطون في هذه الحرب إلى حركة الجهاد الإسلامي، أو ما يسميه “حركة الجهاد الإيراني”؛ حيث كان “الإطلاق الصاروخي الفاشل للجهاد الإسلامي سببًا في مقتل 16 بريئًا”، كما ورد في منشور لأفيخاي أدرعي (16 أغسطس/آب 2022)، أو أن “الجهاد ارتكبت مجزرة ضد أبناء شعبها نتيجة إطلاق صاروخ فاشل، ولم يقم الجيش الإسرائيلي بأي قصف في منطقة جباليا. فالإرهاب الفلسطيني يضحي بحياة المدنيين بينما إسرائيل تحافظ عليهم”، بحسب ما ذكر يوفال كينغ في تغريدة على تويتر، (7 أغسطس/آب 2022)، أو أن “حركة الجهاد الإيراني تذبح أطفال غزة”، مثلما ورد في منشور لميرلان أوهاد (7 أغسطس/آب 2022).

11
صورة (11): تدفق التلاعب الخطابي لتشويه الذات الفلسطينية وتجميل الذات الإسرائيلية

يبدو من خلال هذه المنشورات أن إستراتيجية التلاعب الخطابي مُؤَسِّسَة لأكثر من نمط أيديولوجي إسرائيلي، لاسيما أيديولوجيا العسكرة؛ حيث تقوم هذه الإستراتيجية بتجميل هوية الجيش الإسرائيلي والدفاع عن صورته وتشويه الذات الفلسطينية التي تمثِّل في نظر هذا الخطاب “العدو”. كما تعمل بفاعلية في إطار أيديولوجيا تفتيت المجتمع الفلسطيني عبر توسيع حالة الانقسام بين فصائله والحاضنة الاجتماعية لحركات المقاومة. وتجد هذه الإستراتيجية صدى لها في الشبكات الاجتماعية (فيسبوك وتويتر) التي تتفاعل مع الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي فتعمل على نشره وترويجه، ولا تعرقله أو تحذفه أو تمنعه للحيلولة دون تشويه الجهات المتضررة منه.

وعلى الرغم من زيف الخطاب الإسرائيلي في تناوله لقضايا الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، أو بعض الأحداث المرتبطة بالاعتداءات الإسرائيلية التي تستهدف الصحفيين ووسائل الإعلام الفلسطينية، مثل تبني منتجي الخطاب الإسرائيلي للرواية الإسرائيلية الرسمية بشأن مقتل مراسلة قناة الجزيرة، شيرين أبو عاقلة؛ إذ حمَّل هؤلاء مسؤولية مقتلها إلى “المسلحين الفلسطينيين”. فقد لقيت المراسلة حتفها -بحسب منشور لروني شالوم- خلال “إطلاق نار بين ميليشيات فلسطينية في مدينة جنين” (11 مايو/أيار 2022)، واعتبر ميرلان أوهاد أن “الأسلحة الأوتوماتيكية للمخربين الفلسطينيين”، كانت السبب المباشر في مقتل شيرين أبو عاقلة (11 مايو/أيار 2022)، أما أفيخاي أدرعي فذهب إلى أن “إطلاق النار العشوائي من قبل مسلحين فلسطينيين” أدى إلى مقتلها، واعتبر جاي معيان أن “إرهابيين فلسطينيين قتلوا” الصحفية شيرين أبو عاقلة (11 مايو/أيار 2022). 

إذن، هذا التزييف في الوقائع والأحداث التي تهم الشأن الفلسطيني والكذب تَشْرَع له شبكات التواصل الاجتماعي منافذها، حتى يصبح خطاب مُهَيْمِنًا على أي خطاب آخر أو رواية مختلفة، ويمثِّل ذلك إستراتيجية في التلاعب الخطابي بالرأي العام لتزييف الوعي وخلق “حقائق بديلة” عما تؤكده شهادات الشهود والوثائق. وبذلك تكون شبكات التواصل الاجتماعي جزءًا من هذا الخطاب الذي ينحاز لسردية تحاول تجميل صورة الاحتلال الإسرائيلي.

– إستراتيجية التدوير: ويقصد بهذه الإستراتيجية إعادة تدوير أنماط الخطابات الأيديولوجية التي أنتجتها الذات المتكلمة/الإسرائيلية وذلك عبر حسابات أفراد العينة الذين يشكِّلون شبكة أو مجموعة متراصة تتقاسم نفس الأفكار وتشترك في ذات المنطلقات الأيديولوجية. ويهدف تدوير تلك الخطابات إلى توسيع نطاق ومساحة الغمر النصي لاستقطاب أكبر عدد من المستخدمين وتشكيل مجموعات مناصرة وداعمة للخطاب من غير الذات الإسرائيلية. وقد يكون للتلاعب الخطابي دور أكبر في هذا الهدف؛ حيث تسمح شبكات التواصل الاجتماعي لمنتجي الخطاب ليس فقط بالغمر النصي أو التلاعب الخطابي وإنما تمكنهم من إعادة نشر المعلومات المزيفة والأخبار الكاذبة والمفبركة. ولاحظ الباحث في دراسته لأنماط الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي نشاطًا كبيرًا لعملية التدوير بين حسابات أفراد العينة، خاصة فيما يتعلق بالمعلومات الزائفة والأخبار الكاذبة، مثل “إطلاق حركة الجهاد الإسلامي للصواريخ على أطفال قطاع غزة”، أو “قتل المسلحين الفلسطينيين لمراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة”، وغيرها من الوقائع، التي تبيِّن دور شبكات التواصل الاجتماعي في الترويج لهذه الخطابات المُضَلِّلة التي تُشوِّه صورة الذات الفلسطينية وتحمِّلها المسؤولية عما يحدث في الأراضي الفلسطينية، بينما تبدو صورة الاحتلال “نظيفة” و”طاهرة” تتبرَّأ من القتل والتدمير والتخريب.

12
صورة (12): تدوير الغمر النصي والتلاعب الخطاب

خلاصة  

تُظهِر أنماط الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي، وإستراتيجيات شبكات التواصل الاجتماعي في إنتاج الهيمنة الخطابية، دور أنظمة الخوارزميات في التملك الاجتماعي للخطاب والسيطرة على سياقاته، وهو ما يجعل الذات المتكلمة/الإسرائيلية تقترن بأنماط مخصوصة من الخطابات الأيديولوجية (الشرعنة، التعتيم، التوحيد، التفتيت، التشيؤ، العسكرة)، بينما لا تستطيع الذات الفلسطينية أن تنتج خطابًا مماثلًا له في البعد الرمزي، ومناظرًا له في الطرح الأيديولوجي. ويسهم هذا التملك الاجتماعي في إخضاع الخطاب لمجموعة من البنى الفكرية وتشكيل عدد من المجالات والموضوعات، وتأطيره بعدد من المحددات انطلاقًا من النفاذ التفضيلي الذي تتمتع به الذات الإسرائيلية عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

ويُبيِّن التملك الخطابي أن الأنظمة الخوارزمية لشبكات التواصل الاجتماعي ليست برامج وعمليات حسابية وتشفيرًا وترميزًا فقط، ولا أنظمة تنشأ من الفراغ، وإنما تمثِّل ممارسة خطابية وتأطيرًا لقيم وأفكار ومقولات معينة لها أبعاد اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية، أي أنظمة برامجية مرتبطة برؤى للعالم الاجتماعي وبالمصالح السياسية والتجارية وغيرها من الأجندة لتشكيل وصناعة اتخاذ القرارات. ومن خلال هذا الحضور المعرفي للخوارزميات يمكن ملاحظة القَدَارَة التي تتميز بها أنظمتها البرامجية على إنتاج ما تراه مُمَثِّلًا لـ”الحقيقة” أو “الحقائق” حول الأحداث والموضوعات والأشياء، وهو ما يجعل الخوارزميات جزءًا من آليات وديناميات السيطرة والسلطة والهيمنة الخطابية/الثقافية. 

ويرتبط التملك الاجتماعي للخطاب أيضًا بالنفاذ التفضيلي لشبكات التواصل الاجتماعي؛ الأمر الذي فسح المجال واسعًا للذات الإسرائيلية لإنتاج أنماط أيديولوجية تعكس تصورًا معينًا للقضية الفلسطينية، ورؤية لعلاقتها بالذات الفلسطينية وللعالم أيضًا. وكانت هذه الأنماط الخطابية الستة المذكورة آنفًا تنصهر مع رؤى المؤسسات الإسرائيلية الرسمية في جميع المواقف والأحداث، خاصة العمليات العسكرية والحروب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة. كما أن قوة حركة النفاذ التفضيلي لمنتجي الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي من خلال إستراتيجية الغمر النصي وتدفق المنشورات التي يبثها أفراد العينة، كان لها دور في “التعبئة العامة” في صفوف منتجي الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي الذين تحوَّلوا إلى كتلة/كتيبة مترابطة تتميز بوحدة نمط الخطاب الأيديولوجي الذي يُنتِجه أفرادها، وبالتوارد في بنية التلفظ لهذا الخطاب، وبالتجاوز في صوغ الأطروحات والرؤى والتعليقات والردود، فضلًا عن وحدة السياق الزمني للحدث التواصلي.

ويبدو أيضًا تأثير قوة حركة النفاذ التفضيلي في إستراتيجية التلاعب الخطابي التي تُقدِّم خلالها الذات المتكلمة/الإسرائيلية معلومات مزيفة تقلب الحقائق حول تطورات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، في صيف 2022، وتحاول تشويه الذات الفلسطينية (حركة المقاومة)، وتفتيت مكوناتها عبر خلق حالة الانقسام في صفوفها وفي النسيج الاجتماعي الفلسطيني. لذلك كان هذا الخطاب مثلًا يُحمِّل مسؤولية الضحايا الذين يسقطون في هذه الحرب إلى حركة الجهاد الإسلامي، ويقوم بتجميل هوية الجيش الإسرائيلي والدفاع عن صورته أمام الذات الفلسطينية التي تمثِّل في نظر هذا الخطاب “العدو”. وتكرس هذه المنصات (تويتر وفيسبوك) السيطرة والهيمنة الخطابية للذات الإسرائيلية عبر تحكُّمها في مداخل الخطاب ومنافذه، ونمط التواصل (مكتوبًا أو مصورًا) وتمليك الذات الإسرائيلية لنمط مخصوص من الخطاب، أي التحكُّم في سياقاته. ويشير ذلك إلى قدرة الخوارزميات على إنتاج “الحقائق” كما تتصورها الذات الإسرائيلية، وتدخلها المادي في الترويج لخطابات معينة وتعزيز الرواية التي تدافع عنها؛ حيث تصبح شبكات التواصل الاجتماعي بمنزلة الحراس الجدد المراقبين للمجال الرقمي. ومن ثم تقاطع المصالح بين شبكات التواصل الاجتماعي والقوى المهيمنة على الخطاب.

نُشِرت الدراسة في العدد الثاني من مجلة الجزيرة لدراسات الاتصال والإعلام، للاطلاع على العدد كاملًا (اضغط هنا)

محمد الراجي – باحث بمركز الجزيرة للدراسات

مراجع

(1) توين فان دايك، الخطاب والسلطة، ترجمة غيداء العلي، ط 1 (القاهرة، المركز القومي للترجمة، 2014)، ص 150.

(2) Adi Kuntsman, Rebecca Stein, Digital Militarism: Israel’s Occupation in the Social Media Age, (Stanford, California: Stanford University Press, 2015), 95.

(3) جاي معيان (إعلامي في التليفزيون الإسرائيلي)، إيدي كوهين (صحفي إسرائيلي)، ميرلان أوهاد (محلل إسرائيلي)، يوفال كينغ (إعلامي وصحفي سابق)، روني شالوم (باحث في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية)، مردخاي كيدار (باحث في جامعة بار إيلان)، إسرائيل بالعربية (حساب تويتر الرسمي لدولة إسرائيل)، أفيخاي أدرعي (المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي).

(4) نورمان فاركلوف، تحليل الخطاب: التحليل النصي في البحث الاجتماعي، ترجمة طلال وهبة، ط 1 (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص 233- 234.

(5) فان دايك، الخطاب والسلطة، مرجع سابق، ص 192.

(6) المرجع السابق، ص 64- 68.

(7) Elisenda Ardévol, Edgar Gómez-Cruz, “Digital Ethnography and Media Practices, The International Encyclopedia of Media Studies,” December 2, 2013, “accessed December 10, 2022”. https://bit.ly/3V1s45P.

(8) Ibid.

(9) David Beer et al., The Social Power of Algorithms, eds. David Beer et al., (New York: Routledge, 2018).

(10) Safiya U. Noble, Algorithms of Oppression: How Search Engines Reinforce Racism, (New York: New York University Press, 2018), 10-25.

(11) Cathy O’Neil, Weapons of Math Destruction, (New York: Penguin Books, 2016), 184.

(12) هانا فراي، أهلًا بالعالم: أن تكون إنسانًا في عصر الخوارزميات، ترجمة محمد جمال، ط 1 (دار كلمات للنشر والتوزيع، 2021)، ص 17-18.

(13) فاطمة الزهراء السيد، “الخوازرميات وهندسة تفضيلات مستخدمي الإعلام الاجتماعي”، مجلة لباب، (الدوحة، العدد 5، فبراير/شباط 2020)، ص 95.

(14) Beer, “The Social Power of Algorithms, in The Social Power of Algorithms, eds. David Beer et al., (New York: Routledge, 2018), 4.

(15) فلورا فانسان، “لابد من تثقيف الخوارزميات”، اليونسكو، أبريل/نيسان 2004، (تاريخ الدخول: 9 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3Zef142.

(16) Beer, “The Social Power of Algorithms,” 10-11.

(17) Ibid, 11.

(18) ميشيل فوكو، نظام الخطاب، ترجمة محمد سبيلا، (بيروت، دار التنوير للطباعة والنشر، 2007)، ص 70-72. 

(19) المرجع السابق، ص 20-37.

(20) Beer, “The Social Power of Algorithms,” 6.

(21) فراي، أهلًا بالعالم، مرجع سابق، ص 18-20.

(22) السيد، “الخوارزميات وهندسة تفضيلات مستخدمي الإعلام الاجتماعي”، مرجع سابق، ص 100.

(23) المرجع السابق، ص 101-103.

(24) فان دايك، الخطاب والسلطة، مرجع سابق، ص 84.

(25) Michele Willson, “Algorithms (and the) Every Day,” in The Social Power of Algorithms, eds. David Beer et al., (New York: Routledge, 2018), 141-146.

(26) Ibid, 148.

(27) هربرت شيلر، الاتصال والهيمنة الثقافية، ترجمة وجيه سمعان عبد المسيح، ط 1 (القاهرة، الهيئة المصرية للكتاب، 2007).

(28) John B. Thompson, Ideology and Modern Culture, (Cambridge: Polity Press, 2007).

(29) فاركلوف، تحليل الخطاب، مرجع سابق.

(30) فان دايك، الخطاب والسلطة، مرجع سابق.

(31) Thompson, Ideology and Modern Culture, 53.

(32) Ibid, 53.

(33) محمد عجلان، “مفهوم الأيديولوجيا بين ماركس ولينين”، منوعات، 17 يناير/كانون الثاني 2017، (تاريخ الدخول: 15 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3QGBHWQ.

(34) Thompson, Ideology and Modern Culture, 55.

(35) فاركلوف، تحليل الخطاب، مرجع سابق، ص 125.

(36) المرجع السابق، ص 35-36.

(37) Thompson, Ideology and Modern Culture, 8.

(38) Ibid, 58.

(39) فان دايك، السلطة والخطاب، مرجع سابق، ص 157.

(40) فاركلوف، تحليل الخطاب، مرجع سابق، ص 151-152.

(41) المرجع السابق، ص 157.

(42) Thompson, Ideology and Modern Culture, 60.

(43) ملفين ديفلير، ساندرا بول-روكيتش، نظريات وسائل الإعلام، ترجمة كمال عبد الرؤوف، ط 4 (القاهرة، الدار الدولية للاستثمارات الثقافية، 2002)، ص 353.

(44) “تاريخ إسرائيل أكثر من 3000 سنة”، إسرائيل تتكلم بالعربية، @IsraelArabic، 24 يوليو/تموز 2022، (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3nroDdd.

(45) فان دايك، السلطة والخطاب، مرجع سابق، ص 476.

(46) روني شالوم، “اسحقوهم سحقًا!”، @Ronnyshalom، 6 أغسطس/آب 2022، (تاريخ الدخول: 24 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3we9aOT.

(47) “في مثل هذا اليوم”، إسرائيل تتكلم بالعربية، @IsraelArabic، 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، (تاريخ الدخول: 24 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3IV9v0x.

(48) “على الذين ينتحلون اسمًا رومانيًّا دخيلًا على المنطقة…”، ليفي، @lyfy59906109، 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، (تاريخ الدخول: 24 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3klONN2.

(49) “بالأرقام.. حصيلة 66 ساعة من العدوان الإسرائيلي على غزة”، الخليج الجديد، 8 أغسطس/آب 2022، (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3JaBXf2.

(50) “خلال عملية الفجر الصادق”، @AvichayAdraee، 16 أغسطس/آب 2022، (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3ksj7FJ.

(51) “الجهاد الإسلامي ضد أطفال غزة، هل هذا جهاد؟”، kedar_mordechai@، 7 أغسطس/آب 2022، (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3ZTuCqf.

(52) عبد الله الغذامي، ثقافة تويتر: حرية التعبير أو مسؤولية التعبير، ط 1 (المغرب، المركز الثقافي العربي، 2016)، ص 105.

(53) “إنجازات عظيمة لقواتنا المسلحة الباسلة”، Ronnyshalom@، 7 أغسطس/آب 2022، (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3QRcRna.

(54) “أبناء إسماعيل هنية”، @dredycohen، 12 مايو/أيار 2021، (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3QLmHHl.

(55) Hananya Naftali, “The Palestinian propaganda…,” @HananyaNaftali, June 8, 2022, “accessed January 25, 2023”. https://bit.ly/3kuepYc.

(56) “نحن شعب لا يعرف الانكسار”، أفيخاي أدرعي، @AvichayAdraee، 8 أغسطس/آب 2022، (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3IWG0vf.

(57) “مؤشر العنصرية والتحريض 2021: تضاعف العنصرية والتحريض ضد الفلسطينيين والعرب خلال العام 2021″، المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي، 17 يناير/كانون الثاني 2022، (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3WEVZRS.

(58) Adi Kuntsman, Rebecca Stein, Digital Militarism: Israel’s Occupation in the Social Media Age, (Stanford, California: Stanford University Press, 2015), 95.

(59) Ibid, 92-95.

(60) Rebecca Stein, Screen Shots: State Violence on Camera in Israel and Palestine, (Stanford, California: Stanford University Press, 2021), 136.

(61) “اسحقوهم سحقًا!”، روني شالوم، @Ronnyshalom، 6 أغسطس/آب 2022، (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3we9aOT.

(62) ابن منظور، لسان العرب، (بيروت، دار صادر، د.ت)، ج 11، ص 81-82.

(63) فوكو، نظام الخطاب، مرجع سابق، ص 23.

(64) “صدى سوشال: انتهاكات ميتا الأعلى منذ بداية العام…فيسبوك وإنستغرام تسكت الفلسطينيين”، 28 ديسمبر/كانون الأول 2022، (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3WMfzfd.

(65) المرجع السابق.

(66) Noble, Algorithms of Oppression, 4.

(67) فان دايك، الخطاب والسلطة، مرجع سابق، ص 437-444.




الممر بين الهند والشرق الأوسط: طريق حرير جديد أم دبلوماسية مصطنعة؟

إن سعي الولايات المتحدة للتغلب على الصين من خلال ممر العبور الجديد “الممر بين الهند والشرق الأوسط” يترك القوى الإقليمية تتنافس من أجل النفوذ. ولكن هل سيتم استخدامه فعلًا؟

كان وزير النقل الإسرائيلي السابق، يسرائيل كاتس، مليئًا بالأمل والتفاؤل عندما كشف عن خطته الطموحة لربط الدولة الواقعة في شرق البحر الأبيض المتوسط بالشرق الأوسط الكبير.

وقال كاتس للصحفيين في سنة 2017: “أريد إحياء خط سكة حديد الحجاز”، مستشهدًا بخط السكك الحديدية الذي بنته الإمبراطورية العثمانية منذ قرن من الزمان والذي يربط مدينة حيفا الساحلية الفلسطينية بدمشق وعمَّان والمدينة المنورة؛ حيث قال حينها: “هذا ليس حلمًا”.

وبعد مرور 6 سنوات، تم طرح هذه الخطط مرة أخرى، وإن كان على نطاق أوسع هذه المرة؛ ففي قمة مجموعة العشرين في نيودلهي، قالت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إنهما يؤيدان خطة لبناء ممر اقتصادي يربط الهند بالشرق الأوسط وأوروبا.

ويهدف خط النقل، الذي يطلق عليه اسم الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، إلى إنشاء خطوط شحن جديدة بين الهند والإمارات العربية المتحدة ونظام سكك حديدية للشحن يمر عبر الإمارات والمملكة العربية السعودية والأردن و”إسرائيل”، ومن هناك يمكن شحن البضائع إلى أوروبا.

ووصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين المشروع بأنه “ليس أقل من تاريخي”، مضيفة أنه سيخفض وقت العبور بين الهند وأوروبا بنسبة 40 بالمئة.

وأضافت: “سيكون هذا الرابط المباشر الأكبر حتى الآن بين الهند والخليج العربي وأوروبا”.

وذهب وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح إلى أبعد من ذلك، واصفًا الممر، الذي يقال إنه سيشمل كابلات الكهرباء وخطوط أنابيب الهيدروجين النظيف، بأنه “يعادل طريق الحرير وطريق التوابل”.

وفي حين أن منطقة الشرق الأوسط ليست غريبة على الإعلان عن مشاريع البنية التحتية الضخمة، فإن العديد منها يفشل عادة عندما تصطدم بالواقع الاقتصادي والجيوسياسي.

لذا فإن تعليقات كاتس، الذي عاد الآن كوزير للمواصلات في حكومة بنيامين نتنياهو، تؤكد كيف أن بعض هذه الخطط تدور حول المنطقة لسنوات دون أن تتحقق.

فالمشروع – الذي تم طرحه على مدى عقود – ويسعى لمد 2117 كيلومترًا من خطوط السكك الحديدية التي تربط الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي لم يتحقق بالكامل على الإطلاق، لكن البعض يقول إن “الممر” سيكون مختلفًا.

وفي حين أن ممر العبور ربما كان أشبه بحلم بعيد المنال قبل عقد من الزمن فقط، فإن تتويجًا لاتفاقيات أبراهام – جنبًا إلى جنب مع تحولات إعادة التشكيل السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط، حيث اكتسب لاعبون جدد مثل الصين والهند بسرعة مستويات جديدة من القدرة على الحركة والتنقل والنفوذ – خلق مخاطر كبيرة لنجاح مثل هذا المشروع.

وقال جيس ماركس، وهو زميل غير مقيم في العلاقات بين الصين والشرق الأوسط في مركز ستيمسون للأبحاث ومستشار سابق في مكتب وزير الدفاع، لموقع ميدل إيست آي: “بالنسبة للولايات المتحدة، يهدف “الممر” إلى التحقق من علاقات الصين العميقة مع المنطقة”، مضيفًا أن البيت الأبيض يستيقظ على حقيقة أن الصين متورطة بالكامل في الشرق الأوسط، وهذا هو الرد من إدارة بايدن.

وبينما تتطلع واشنطن إلى طمأنة شركائها العرب التقليديين بشأن قدرتها على البقاء بينما يستعدون لمواجهة بكين، فإن الجهات الفاعلة الأخرى في هذه المجموعة الضخمة تجلب طموحاتها ومخاوفها الخاصة، وتتوجّس من هذا المشروع.

تعمل دول الخليج الغنية بالطاقة على إعادة تشكيل اقتصاداتها المعتمدة على الوقود الأحفوري. ومن ناحية أخرى؛ يأتي نفوذ الصين المتنامي في وقت تتطلع فيه الهند، وهي واحدة من أقرب حلفاء “إسرائيل”، إلى فرض نفسها على الساحة العالمية، باعتبارها قوة اقتصادية ومركزًا للجنوب العالمي.

مبادرة الحزام والطريق 2.0

وصف بعض المحللين “الممر” بأنه بديل تدعمه الولايات المتحدة لمبادرة “الحزام والطريق” الصينية.

وقد وقعت 17 دولة في الشرق الأوسط و52 دولة في أفريقيا على مبادرة الحزام والطريق، وهو مشروع ضخم للبنية التحتية يسعى إلى ربط الصين ببقية العالم من خلال سلسلة من الشبكات البرية والبحرية والرقمية.

ومنذ الكشف عنها لأول مرة في سنة 2013؛ ساعدت مبادرة “الحزام والطريق” في تمويل طفرة في البنية التحتية الأفريقية، مما سمح للدول المتعطشة للائتمان ببناء مشاريع الطاقة الكهرومائية والمطارات والطرق والسكك الحديدية. لكن المبادرة تعرضت أيضًا لانتقادات بسبب اعتمادها الكبير على العمالة الصينية وإيقاعها في شرك الدول النامية بمستويات ديون مرتفعة للغاية، ويقول البعض إن هذا سمح لبكين بالاستيلاء على الأصول الإستراتيجية للدول الفقيرة.

وفي الشهر الماضي، انتقد الرئيس الأمريكي جو بايدن مشروع البنية التحتية الرئيسي في بكين ووصفه بأنه فخ “مشنقة وديون”.

وتواجه مبادرة الحزام والطريق أيضًا تحديات خطيرة؛ فقد انخفضت استثمارات الصين الخارجية خلال فترة وباء كوفيد 19، واستمرت المشاكل الاقتصادية المحلية في البلاد في إعاقتها. ومن حيث الإنفاق، بلغ نشاط مبادرة الحزام والطريق ذروته تقريبًا في سنة 2017، وهو يتقلص منذ ذلك الحين.

ونأت العديد من الدول الأوروبية بنفسها عن مبادرة الحزام والطريق، حيث أشارت التقارير إلى أن إيطاليا تبحث عن مخرج. وفي الوقت نفسه، في الشرق الأوسط، لم تتحقق التوقعات بأن مبادرة الحزام والطريق قادرة على إحياء الآفاق الاقتصادية لدول المشرق مثل لبنان وسوريا والأردن.

لكن كان هناك تفاوت في مدى الاستجابة والبناء والاستثمار في هذه المبادرة؛ حيث تكتسب مبادرة الحزام والطريق زخمًا في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، وذلك وفقًا لمعهد الحزام والطريق والحوكمة العالمية بجامعة فودان، خاصة وأن الصين تتطلع إلى الاستيلاء على المعادن الاستراتيجية، كما ضاعفت بكين استثماراتها وأعمال البناء في دول الشرق الأوسط الغنية بالطاقة.

ويقول ماركس: “هذا هو مبادرة الحزام والطريق 2.0″، مضيفًا: “إن نموذج دبلوماسية فخ الديون الذي يحب الجميع الحديث عنه ليس له صلة بمنطقة الخليج. وقد ركزت الصين صفقاتها على البلدان التي يمكنها فيها بالفعل الحصول على عائد على أموالها، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والعراق“.

احتلت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة المرتبتين الأولى والثالثة من حيث حجم البناء لمشاريع مبادرة الحزام والطريق في النصف الأول من سنة 2023، حيث حققتا 3.8 مليارات دولار و1.2 مليار دولار على التوالي، وساهمت تنزانيا بحوالي 2.8 مليار دولار.

رد إستراتيجي

على مدى العقد الماضي؛ برزت الصين كأكبر عميل لنفط دول الخليج، وتحولت تجارة الطاقة المزدهرة إلى علاقة اقتصادية أكثر نضجًا.

وكانت المملكة العربية السعودية، صاحبة أكبر اقتصاد في المنطقة، في طليعة هذا التحول؛ ففي حزيران/يونيو الماضي، وقّعت شركة “باوشان للحديد والصلب” الصينية اتفاقية بقيمة 4 مليارات دولار لبناء مصنع للصلب في السعودية، وهو جزء صغير من الصفقات البالغة قيمتها 50 مليار دولار التي التزم بها البلدان خلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الرياض في كانون الأول/ديسمبر 2022.

وكان موقع “ميدل إيست آي” قد ذكر سابقًا أن رجال الأعمال الصينيين يتدفقون على المملكة الغنية بالنفط، متجاهلين مخاوف حقوق الإنسان والشكوك الغربية حول جدوى المشاريع الضخمة مثل مشروع نيوم.

في بعض مجالات التعاون المقترحة، هناك مشاريع قيد التنفيذ بالفعل ويبدو أنها توقعت مخطط “الممر”؛ فخلال هذا الأسبوع، تم الإعلان عن محطة هبوط في الإمارات لكابل ألياف ضوئية، كمقترح يهدف في النهاية إلى ربط الهند بأوروبا والذي سيمر عبر السعودية و”إسرائيل”.

ومن بين داعمي هذا المشروع صندوق استثمار إسرائيلي كبير، وتشمل المنظمات المشاركة شركات اتصالات في السعودية والإمارات وهيئة الربط الكهربائي لدول مجلس التعاون الخليجي، وهي شركة خاصة مملوكة بشكل مشترك لدول مجلس التعاون الخليجي الست.

ومع نمو العلاقات الاقتصادية، تشق الصين طريقها إلى مجالات أكثر حساسية، مما يثير أجراس الإنذار في واشنطن.

كما أفرط الحكام المستبدون في جميع أنحاء الخليج في استخدام التكنولوجيا الصينية، مثل شبكة الجيل الخامس من هواوي؛ وتقول بكين إنها تريد شراء النفط والغاز من الخليج باليوان، وهي خطوة قد تقوض هيمنة الدولار على التجارة العالمية.

وفي الوقت نفسه؛ أفادت تقارير أن الرياض تدرس عرضًا صينيًا لبناء محطة للطاقة النووية. وتعتقد الولايات المتحدة أن الصين تقوم ببناء منشأة عسكرية بجوار المملكة العربية السعودية، في ميناء بالقرب من أبو ظبي في الإمارات العربية المتحدة.

وجاء أكبر إنجاز دبلوماسي للصين في آذار/مارس الماضي، عندما توسطت في اتفاق بين السعودية وإيران لتطبيع العلاقات. وبحسب ما ورد قال مدير وكالة المخابرات المركزية بيل بيرنز لولي العهد الأمير محمد بن سلمان إن الولايات المتحدة “صُدمت” من هذا التقارب.

لذلك؛، في حين يتم وصف “الممر” بانتظام على أنه رد على مبادرة الحزام والطريق، يرى ديفيد ساترفيلد، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الذي يعمل في الشرق الأوسط، أن الممر يسعى إلى تقديم أكثر من مجرد بديل اقتصادي للصين.

وقال ساترفيلد، مدير معهد بيكر للسياسة العامة بجامعة رايس، لموقع ميدل إيست آي: “لدى الصين هدف إستراتيجي يتمثل في قلب النظام العالمي القائم على الولايات المتحدة. وتحاول إدارة بايدن التوصل إلى رد استراتيجي لمواجهة ذلك”، موضحًا: “الحل أدخل الهند في اللعبة”.

العلاقات مع الهند ما وراء النفط

وفي حين سعت واشنطن إلى طمأنة شركائها العرب التقليديين بشأن قدرتها على البقاء بينما يستعدون لمواجهة بكين، فإن كيانات أخرى – تضم المملكة العربية السعودية و”إسرائيل” والإمارات العربية المتحدة والهند – جلبت أهدافها الخاصة إلى “الممر”.

لقد كان القادة في عواصم الخليج يرسمون مسارًا مستقلاً عن الولايات المتحدة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية والاقتصادية.

ودُعيت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة للانضمام إلى البريكس، وهو نادي الدول الناشئة الذي يضم روسيا والصين خصمي الولايات المتحدة، ولكن أيضًا الهند.

وبينما تتقرب دول الخليج من بكين، فإنها تعمل أيضًا على بناء علاقات مع منافستها الآسيوية. وتأتي الهند في المركز الثاني بعد الصين كأكبر مشتري لنفطها، وأصبحت للتو أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان.

وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة على وجه الخصوص من أكبر المؤيدين لإدراج الهند في “الممر” حسبما قال الخبراء لموقع “ميدل إيست آي”.

وقال بايدن خلال إطلاق مشروع الممر مخاطبًا الرئيس الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان: “أريد أن أقول شكرًا، شكرًا، شكرًا.. لا أعتقد أننا سنكون هنا بدونك”.

وفي العام الماضي، وقعت الإمارات والهند اتفاقية تجارة حرة واتفقتا على تسوية التجارة الثنائية بالروبية، والتي بلغت مستوى قياسيا بلغ 84 مليار دولار في آذار/مارس.

وقال ساشين شاتورفيدي، المدير العام لنظام البحوث والمعلومات للدول النامية، إن الممر سيساعد في تسهيل طرق جديدة للتجارة والاستثمار، خاصة في أماكن مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والأردن و”إسرائيل”، التي تربطها مصالح تجارية هندية. تتزايد.

وأضاف شاتورفيدي: “في هذه المرحلة، تبلغ التجارة مع الإمارات 84 مليار دولار والاستثمار 15 مليار دولار. ومع المملكة العربية السعودية، تبلغ واردات الهند 42 مليار دولار وصادراتها 11 مليار دولار؛ ومع الأردن، تبلغ التجارة الهندية 3 مليارات دولار”.

وقد اختارت هيئة أبو ظبي للاستثمار، التي تبلغ قيمتها 850 مليار دولار، ولاية غوجارات الهندية لتكون مكانًا لمكتبها الخارجي الثاني. والآن، تقول وزارة الاستثمار السعودية إنها تريد مكتبًا في الهند أيضًا.

ويقول ساترفيلد إن الممر هو نتيجة لتقارب المصالح بين الولايات المتحدة ودول الخليج بشأن الهند.

وقال لموقع ميدل إيست آي: “تحظى نيودلهي بمستوى غير عادي من الاهتمام في واشنطن بسبب التوترات مع الصين”، مضيفًا: “إحدى أولويات السياسة في الشرق الأوسط هي توسيع العلاقات بين شركاء واشنطن التقليديين في الخليج العربي والهند إلى ما وراء النفط”.

مزيد من التكامل مع الهند

والإمارات والهند جزء من مبادرة “مجموعة آي 2 يو 2″ للتعاون في مجال الطاقة النظيفة والأمن الغذائي، والتي تدعمها الولايات المتحدة وتشمل “إسرائيل”.

واعتبارًا من سنة 2017، أصبحت الهند و”إسرائيل” “شريكين إستراتيجيين”، يتعاونان في التكنولوجيا والبرامج العسكرية والزراعية.

وفي وقت سابق من هذا العام، استحوذت مجموعة “أداني غروب” الهندية على 70 بالمئة من ميناء حيفا في صفقة تم إبرامها لجذب الهند إلى الشرق الأوسط وأوروبا، ومساعدة “إسرائيل” على الاندماج بشكل أعمق في الشرق الأوسط والشرق الأقصى.

وإذا تحقق مشروع الممر فإنه يمكن أن يعزز دور حيفا كمركز تجاري في شرق البحر الأبيض المتوسط، وهي منطقة إستراتيجية حيث قدمت نيودلهي مبادرات.

وزار رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي اليونان قبيل قمة مجموعة العشرين. وبعد الرحلة، تمت دعوة الهند للانضمام إلى اليونان وقبرص و”إسرائيل” في شراكة تهدف إلى إقامة روابط أوثق في مجال الطاقة.

كل هذا يروق لآذان واشنطن التي تتطلع إلى زيادة روابط الهند مع الغرب وسط التوترات مع الصين.

يقول ساترفيلد إن الممر جزء من رؤية أوسع في واشنطن “لإزالة مخاطر” التصنيع والتجارة بعيدًا عن بكين.

وقال لموقع ميدل إيست آي: “تم تصميم الممر للهند لتكون نقطة إمداد مهمة للغرب، على عكس الصين؛ حيث تمتلك الهند كل المقومات اللازمة لتحقيق ذلك: أكبر عدد من السكان في العالم، وتكاليف العمالة الرخيصة والتكنولوجيا”.

ووصف شاتورفيدي المشروع بأنه مهم بالنسبة للهند، لأنه يوفر وصولاً فعالاً من حيث التكلفة لجميع البلدان الشريكة المشاركة في الممر، وأضاف في تصريحات لموقع “ميدل إيست آي”: “لم تظهر بعد تفاصيل الجزء المالي للعامة، لكنني أعتقد أن المهارات والهندسة والمدخلات الخاصة بالمعرفة ستكون موجودة بالتأكيد”، مشيرًا إلى أن الهند زادت أيضًا من مواردها المالية. الإنفاق الرأسمالي بأكثر من الضعف بين 2020 و2024.

هل يمكن أن تكون مصر أحد الخاسرين؟

خارج نطاق العاصمة واشنطن، هناك آخرون أكثر حذرًا بشأن آفاق الممر؛ حيث قال بيتر فرانكوبان، خبير طرق التجارة العالمية في جامعة أكسفورد،لموقع ميدل إيست آي: “يبدو الممر وكأنه مزيج من الوعود والمثالية والبحث عن سرد”.

وأضاف: “إن الشرق الأوسط يرتبط دائمًا بأوروبا وسيظل دائمًا متصلاً بها؛ لكن فكرة ربط الهند بالبحر الأبيض المتوسط بطرق لا تبدو بالفعل أكثر من دبلوماسية منجزة ببرنامج “باور بوينت” (دبلوماسية مصطنعة) أكثر من أي شيء جديد وجوهري”، على حد وصف فرانكوبان، مؤلف كتاب “طرق الحرير: تاريخ جديد للعالم”.

أسرع طريق بحري اليوم لعبور البضائع بين آسيا وأوروبا هو قناة السويس. ويمر منه حوالي 12% من التجارة العالمية، أو حوالي ثلث إجمالي حركة الحاويات العالمية، عبر الممر المائي الذي يبلغ طوله 118 ميلًا.

وبينما تم إغلاق القناة في 2021 عندما جنحت سفينة حاويات، يقول خبراء اللوجستيات لموقع ميدل إيست آي، إن الممر المائي الذي صنعه الإنسان منذ 150 عامًا ظل صامدًا بشكل جيد على مر السنين.

ويقول البعض إنه إذا دخل الممر حيز التنفيذ فإنه قد يستنزف حركة البضائع عبر قناة السويس، مما يحرم الحكومة المصرية التي تعاني من ضائقة مالية من مصدر رئيسي للإيرادات الأجنبية.

ويراهن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشكل كبير على مشاريع البنية التحتية، وكانت توسعة قناة السويس سنة 2015 محور برنامجه الاقتصادي؛ حيث شهدت القناة زيادة في السفن والحمولة. وفي 2019 سجلت 18483 سفينة، وبحلول نهاية السنة المالية 2023، قفز هذا العدد إلى 25887.

وفي الوقت الذي تعاني فيه من ارتفاع معدلات التضخم ونقص العملة الأجنبية، قامت القاهرة برفع رسوم العبور عبر القناة. وارتفعت الإيرادات بنحو 35 في المئة هذا العام مقارنة بالعام الماضي لتصل إلى 9.4 مليارات دولار وهي نقطة مضيئة نادرة للاقتصاد المصري المحاصر.

وقال ماركس، من مركز ستيمسون، لموقع “ميدل إيست آي”: “إذا تحقق الممر وأصبح طريقاً بديلاً، فقد تخسر مصر من التحول في الممرات التجارية”.

حوالي نصف الحمولة التي تمر عبر قناة السويس تأتي من حركة الحاويات، وتشكل الناقلات التي تنقل النفط الخام والوقود، إلى جانب سفن الغاز الطبيعي المسال، حوالي 30 بالمئة.

الممر ” كخيار آخر”

كما تم اقتراحه، فإن الممر ليس مصممًا لنقل النفط الخام والوقود، وهما الواردات الرئيسية لأوروبا من الخليج، كما يقول الخبراء لموقع ميدل إيست آي.

وقال هوارد شاتز، وهو خبير اقتصادي كبير في مركز أبحاث راند، لموقع ميدل إيست آي: “ستستمر مصر في الحصول على هذه الحركة؛ إن حدسي يخبرني أن الصين لن ترغب في استخدام ممر السكك الحديدية هذا الذي تدعمه الولايات المتحدة”.

يقول شاتز إنه في حين أن إيرادات مصر يمكن أن تتأثر إذا تحقق الممر، فمن غير المرجح أن يكون ذلك بمثابة ناقوس الموت لقناة السويس، والتي ستظل خيارًا رخيصًا وموثوقًا للبضائع السائبة الثقيلة، حتى لو كان الممر أسرع.

وأضاف: “من وجهة نظر لوجستية، تكمن قيمة الممر في خلق المزيد من الاستمرار لسلاسل التوريد العالمية. والطرق الجديدة هي بالتأكيد شيء جيد”.

وتنمو التجارة بين الاتحاد الأوروبي والهند أيضًا، حيث كان الاتحاد ثاني أكبر وجهة للصادرات الهندية في سنة 2021، لكن المنتجات الرئيسية للهند هي الديزل والوقود والملابس والهواتف الذكية.

في الوقت الحالي، يشكك شاتز في أن هذا الممر من شأنه أن يجعل الهند مركزًا أكثر جاذبية للتكنولوجيات الحساسة بعيدًا عن الصين.

وقال شاتز لموقع ميدل إيست آي: “إن الرقائق وأشباه الموصلات هي منتجات عالية القيمة ومنخفضة الوزن. وتميل للنقل جوًّا، وليس بالسكك الحديدية، ولا أرى أن الممر وحده سيقنع الشركات بنقل إنتاجها إلى الهند”.

وقال بيتر ساند، كبير المحللين في شركة زينيتا لبيانات الشحن، إنه إذا أصبح الممر المدعوم من الولايات المتحدة يؤتي ثماره، فسيكون “خيارًا إضافيًا يمكن الاستفادة منه، للبعض، وليس للجميع”.

محمد بن سلمان يعتبرها “صفقة كبيرة”

بعد أسبوع من الإعلان عن مشروع الممر، أثنى ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان على المشروع، في أول مقابلة له مع قناة تلفزيونية أمريكية في 2019.

وقال لشبكة فوكس نيوز: “هذا المشروع سيختصر وقت نقل البضائع من الهند إلى أوروبا بمقدار 3 إلى 6 أيام.. سوف يقلل الوقت ويوفر المال، كما أنه أكثر أمانًا وكفاءة”.

وأضاف: “والأمر لا يتعلق فقط بنقل البضائع وبناء السكك الحديدية والموانئ. إنه يتعلق بربط الشبكات وشبكات الطاقة وكابلات البيانات وغيرها من الأشياء التي ستفيد أوروبا والشرق الأوسط والهند… إنه أمر كبير بالنسبة لنا ولأوروبا والهند”.

وتعرضت العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية للتوتر عندما تعهد بايدن بجعل الأمير منبوذًا فيما يتعلق بحقوق الإنسان، واختلف الجانبان أيضًا بشأن سياسة الطاقة، حيث رفضت الرياض دعوة واشنطن لها لضخ المزيد من النفط لكبح الأسعار المتزايدة.

ولكن في حفل إطلاق مشروع الممر لمجموعة العشرين؛ اختار بايدن هذه المرة مصافحة ولي العهد بطريقة محترمة، عكس ما حدث أثناء زيارته للمملكة العام الماضي.

ويقوم كبار المسؤولين في البيت الأبيض الآن برحلات مكوكية بين الرياض وواشنطن لإقناع السعودية بتطبيع العلاقات مع “إسرائيل”.

وقال يوئيل غوزانسكي، خبير شؤون الخليج في معهد دراسات الأمن القومي ومقره تل أبيب، والعضو السابق في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، لموقع “ميدل إيست آي”: “يصل هذا الممر إلى أوروبا عبر المرور من إسرائيل”.

وأضاف أن الممر يسير جنبًا إلى جنب مع التطبيع، ولكن حتى لو لم يحدث ذلك، فإن “إسرائيل” والسعودية لا تزالان مرتبطتين بالسكك الحديدية. وليس هناك الكثير من الاستثمارات الإسرائيلية المطلوبة. بالنسبة لـ “إسرائيل”، فإن الممر هو كل شيء في الاتجاه الصعودي”.

ومع ذلك، هناك شيء واحد مؤكد: التمويل الخليجي سيكون حاسمًا لنجاح الممر.

وقال فرانكوبان، مؤلف كتاب “طرق الحرير” إنه سيندهش إذا مولت أموال الضرائب الأمريكية المشروع، وأضاف: “كما رأينا في السنوات الأخيرة، فإن شعار “أمريكا أولًا” يعني إعادة الوظائف إلى الولايات المتحدة، وليس المساعدة في خلقها في أجزاء أخرى من العالم”.

ولم يقدم الطرفان في مذكرة التفاهم أي التزامات مالية ملزمة، إلا أنهما اتفقا على الاجتماع خلال 60 يومًا للتوصل إلى جدول زمني للمشروع.

لكن البيت الأبيض قال إن السعودية تعهدت بمبلغ 20 مليار دولار لدعم خطة البنية التحتية الجديدة.

وتستثمر دول الخليج بالفعل ثرواتها النفطية في مشاريع البنية التحتية في محاولة لتقليل اعتماد اقتصاداتها على الوقود الأحفوري. وترى الرياض وأبو ظبي مستقبلاً كمراكز لوجستية عالمية تكمل استقلالهما الجديد في عالم متعدد الأقطاب.

وقال وزير الاقتصاد الإماراتي عبد الله بن طوق المري يوم الجمعة إن العالم يتغير، ونحن نعمل على إعادة هندسة وإعادة تصميم سلاسل التوريد.

كعكة محمد بن سلمان

في العام الماضي فقط؛ تعهد المسؤولون في السعودية ببناء 4971 ميلًا من السكك الحديدية الجديدة، ويقول محللون إن واشنطن ربما تراهن على أنها لن تمانع في إضافة مسار إضافي.

وقال روبرت موجيلنيكي، وهو باحث مقيم كبير في معهد دول الخليج العربية، لموقع “ميدل إيست آي”: “إن وجودنا في مركز خط السكك الحديدية المؤدي إلى الهند وأوروبا يضرب الكثير من العصافير بحجر واحد بالنسبة لمحمد بن سلمان ومحمد بن زايد”، في إشارة إلى قادة السعودية والإمارات.

والعديد من مكونات الخطة التي تدعمها الولايات المتحدة موجودة بالفعل؛ حيث كان ميناء جبل علي الإماراتي مركزًا للتوزيع في المنطقة منذ عقود، وترتبط السعودية والإمارات ببعض خطوط السكك الحديدية، ويمتد الخط الشمالي الجنوبي للسعودية حتى الحدود الأردنية.

وقال بريم كومار، المستشار السابق للرئيس أوباما والذي يقود الآن أنشطة الشرق الأوسط لشركة الاستشارات العالمية “أولبرايت ستونبريدج غروب”، لموقع “ميدل إيست آي”: “لن يتم تطوير السكك الحديدية من الصفر”.

لكن توسيع الشبكة في السعودية قد يكون أمرًا صعبًا، لأنها يجب أن تمر عبر تضاريس صحراوية صعبة وعرضة للعواصف الرملية والحرارة الحارقة.

وأظهر ولي العهد السعودي استعداده للمقامرة بثروات المملكة النفطية في مشاريع ضخمة لا تكون عوائدها الاقتصادية مضمونة على الإطلاق، فهو يقوم ببناء مدينة مستقبلية ضخمة بتكلفة 500 مليار دولار على طول ساحل البحر الأحمر ومركز جديد للمدينة في العاصمة الرياض.

وأكد محمد بن سلمان أن 27 بالمئة من التجارة العالمية تمر حول السعودية.

وقال كومار: “في الوقت الحالي، السعودية لا تستفيد من ذلك.. هذه هي فرصة السعوديين للحصول على قطعة من تلك الكعكة”.

وتحاول المملكة منذ أكثر من عقد توسيع شبكة السكك الحديدية الخاصة بها. ويقول المحللون إن المزيد من المسار سيكون حاسمًا إذا كانت جادة في تطوير صناعة التعدين المحلية، وتقول الحكومة إن 1.3 تريليون دولار من المعادن مدفونة داخل ترابها.

وقال رميح الرميح، نائب وزير النقل السعودي، في سنة 2014 عندما كان رئيسًا للسعودية: “ستصبح المعادن الركيزة الثالثة للاقتصاد بعد النفط والبتروكيماويات، ولا توجد طريقة يمكن لصناعة المعادن أن توجد بدون السكك الحديدية”.

الأردن و”إسرائيل”

ميناء حيفا مملوك بالفعل لمجموعة أداني الهندية، ويقدر المسؤولون الإسرائيليون أنهم يحتاجون فقط إلى 200 كيلومتر إضافي من المسار لنقل قطار يغادر السعودية إلى محطته الأخيرة في “إسرائيل” عبر الأردن.

ولم توقع “إسرائيل” ولا الأردن على مذكرة التفاهم الخاصة بالممر.

وقام الأردن بتطبيع العلاقات مع “إسرائيل” منذ عقود؛ لكن الاتفاقيات مع تل أبيب غالبًا ما تثير ردود فعل عنيفة في الشارع. في سنة 2016، اندلعت الاحتجاجات في الأردن بعد توقيع عمّان صفقة لاستيراد الغاز الإسرائيلي، لكن الصفقة تمت في النهاية.

المصدرون الأردنيون، الذين أخبر العديد منهم موقع “ميدل إيست آي: سرًا أنهم سيستخدمون خطًا للسكك الحديدية إلى حيفا، يرسلون منتجاتهم عبر طريق أطول إلى مدينة العقبة الساحلية الجنوبية لتصديرها إلى الخارج.

لكن وفقًا لكومار، الذي شغل منصب مدير الشؤون الإسرائيلية والفلسطينية والمصرية في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، فإن الملك عبد الله الثاني، الذي يمارس سلطة شبه مطلقة في الأردن، سيكون قادرًا على دفع خط السكة الحديد والتغلب على أي عقبات على غرار رد فعل عنيف في الشارع، مضيفًا: “ستكون هناك حوافز كافية من السعودية لجعل هذا المشروع في مصلحة الأردن”.

وتحاول الحكومة الأردنية التي تعاني من ضائقة مالية إصلاح العلاقات مع الرياض بعد أن كشفت عن مؤامرة مزعومة للإطاحة بالملك عبد الله الثاني يقول البعض إنها كانت مدعومة من ولي العهد السعودي.

ومن شأن الصفقة أن تعزز مكانة عمّان في الولايات المتحدة، التي تعد المانح الرئيسي للمساعدات الخارجية للأردن.

ولكن في ظل شكوك الاقتصاديين والخبراء السياسيين المتحمسين، لم يتم الحديث كثيرًا عن الكيفية التي ستؤثر بها هذه التطورات بشدة على السعي الفلسطيني لتقرير المصير.

وفي حين خلقت اتفاقيات إبراهيم البيئة السياسية لدفع التطبيع الإسرائيلي مع جزء كبير من العالم العربي، فإن كتلة “إي تو يو تو” ومشروع الممر، لم يتطرقا لقضية الدولة الفلسطينية المستقلة.

وقد شبه علماء مثل شاري بلونسكي من جامعة كوين ماري، شراء ميناء حيفا بأنه “نقل إسرائيل إلى الخارج” حيث يتم محو الفلسطينيين بذريعة التجارة والتوريق وسلاسل التوريد المتغيرة.

البديل لدى أردوغان

وفي حين أن المشروع لم يبدأ بعد، فقد بدأ بالفعل في إثارة غضب القوى الإقليمية الأخرى التي ترى نفسها بمثابة جسور طبيعية بين الشرق والغرب؛ حيث قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: “لا يمكن أن يكون هناك ممر بدون تركيا”.

وفي شهر أيار/مايو، كشف أردوغان ونظيره العراقي رئيس الوزراء محمد شياع السوداني عن خططهما الخاصة لإنشاء ممر بري وسكك حديدية يمتد من محافظة البصرة العراقية إلى الحدود التركية، والذي من شأنه أن ينقل البضائع إلى أوروبا.

وقال بيلغاي دومان، منسق الدراسات العراقية في مركز الأبحاث أورسام ومقره أنقرة، لموقع “ميدل إيست آي”، إن تركيا تدعم مشروع طريق التنمية في العراق في محاولة لتحسين العلاقات التجارية مع الخليج.

وعطلت الحرب في سوريا شريان تركيا الرئيسي إلى الخليج. وبسبب القتال، بدأت الصادرات التركية في العبور جنوبًا عبر ميناء حيفا الإسرائيلي والأردن.

وقال دومان إن العراق هو بوابة تركيا إلى الشرق الأوسط، ويرى العراق أيضًا أن أسهل طريقة للوصول إلى أوروبا هي تركيا.

وتقول تركيا إن الإمارات وقطر تدعمان الاقتراح، لكن من غير الواضح ما إذا كان المستثمرون سيدعمون قطارًا فائق السرعة بقيمة 17 مليار دولار في العراق نظرًا لعدم الاستقرار السياسي والمخاوف الأمنية. ويقول محللون إنه من غير المرجح أن تقوم حكومة بغداد التي تعاني من ضائقة مالية بتمويل المشروع.

ويستطيع الزعماء من واشنطن إلى الرياض وأنقرة أن يعرضوا نسختهم من خط السكة الحديد الحجازي في القرن الحادي والعشرين؛ حيث يقول فرانكوبان إن الاختبار الحقيقي لطرق التجارة المضاربة هذه سيأتي من السوق.

وأضاف فرانكوبان: “إن التجارة التي يتم دفعها من أعلى إلى أسفل لا تعمل بشكل جيد، فالحكومات بجميع أنواعها تميل إلى أن تكون ضعيفة في اتخاذ القرارات التجارية طويلة الأجل، وأولئك الذين يصنعون ويشترون ويبيعون السلع يميلون إلى أن يكونوا أفضل بكثير في ربط النقاط”.

سين ماثيوز

المصدر: ميدل إيست آي




الشيخوخة في السعودية: هل تشتري أموال النفط طول العمر؟

يُقال إن الأغنياء يحلمون بالعودة إلى أيام الشباب، وإن الشباب يحلمون بمستقبل يكونون فيه أغنياء، والحقيقة التي لا تغيب عن هؤلاء جميعًا هي أنهم سيكبرون ويموتون، لكن الأغنياء يعتقدون أن بإمكانهم شراء المزيد من الوقت عن طريق درء أمراض الشيخوخة التي تدفعنا حتمًا إلى القبر، فهل بإمكانهم إعادة الزمن إلى الوراء أم أن هؤلاء المليارديرات ينفقون أموالهم بإسراف؟

قبل 10 سنوات، وتحديدًا في 18 سبتمبر/ أيلول 2013، أعلن لاري بيج، أحد مؤسسي شركة جوجل، إنشاء شركة كاليكو (Calico) للبحث والتطوير في مجال التكنولوجيا الحيوية، وتمويلها بسخاء بهدف رسم خريطة لعملية الشيخوخة وإطالة العمر الصحي بضعة عقود إضافية على الأقل، ورغم الضجة التي أحاطت بإطلاق الشركة، تساءلت مجلة “تايم“: “هل تستطيع جوجل حل مشكلة الموت؟”، وظلت كيفية تحقيقها لهدفها طويل الأجل بمثابة لغز.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2020، تشكلت شركة طموحة جديدة متخصصة في أبحاث مكافحة الشيخوخة تسمى Altos Labs، كأحدث رهان لوادي السيليكون على “تحقيق خلود البشر”، من بين أبرز مستثمريها الملياردير الروسي يوري ميلنر، والمؤسس والرئيس التنفيذي السابق لشركة أمازون الملياردير جيف بيزوس، ولم تكن هذه المرة الأولى التي يلقي فيها مليارديرات وادي السيليكون ثرواتهم في مشكلة الشيخوخة، لكن دون أي نتائج تُذكر بعد.

كذلك فعل المؤسس المشارك لشركة باي بال (PayPal) الملياردير بيتر ثيل، الذي أنفق الملايين على أبحاث مكافحة الشيخوخة في مسعى للعثور على “مفتاح الحياة الأبدية”، ويمول أبحاث إطالة العمر من خلال مؤسسته غير الربحية Breakout Labs، التي تهدف إلى دعم الباحثين والمؤسسات الناشئة في مجال التكنولوجيا الحيوية، ومع ذلك لم يتحول الموت من لغز إلى مشكلة قابلة للحل حتى الآن كما يعتقد.

رغم أن سكان المملكة من الشباب نسبيًّا، حيث يبلغ متوسط العمر حوالي 31 عامًا، إلا أنها تشهد معدلات إصابة عالية بالسمنة والسكري

واقعيًّا، يتعلق الأمر بزيادة العمر الصحي للإنسان، وليس العمر الافتراضي، وتلك فكرة تجذب الأغنياء عمومًا للاستثمار في أبحاثها، وينطبق الأمر على الدول كما الأفراد، فبعد أن مكّنت الثروات النفطية الهائلة السعودية من دخول عالم الرياضات العالمية والسيارات الكهربائية والشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا، تحاول المملكة التي تمتلك من المال أكثر ممّا يملكه جميع من سبق ذكرهم، إثبات أنه ربما يمكن للمال أن يشتري كل شيء، إذ تنفق بسخاء لتحقيق هدفها التالي الأكثر طموحًا: إطالة عمر الإنسان.

لماذا الشيخوخة؟

مع وصول محمد بن سلمان إلى ولاية العهد عام 2015، دخلت شيخوخة السكان في السعودية مرحلة جديدة مع اقترابها من الوصول إلى أعلى معدلاتها على الإطلاق، إذ توقعت الأمم المتحدة حينها أن يصل عدد سكان المملكة إلى حوالي 37.6 مليون نسمة عام 2025، و45 مليون نسمة بحلول عام 2050 (بعد أن كان 3.1 ملايين نسمة فقط عام 1950)، بينهم نحو 25% ممّن تناهز أعمارهم الـ 60 عامًا فما فوق.

نسبة السكان الذين تتجاوز أعمارهم الـ 60 عامًا في السعودية – المصدر: الأمم المتحدة

قدَّرت دراسة نُشرت عام 2015 عبر موقع مؤسسة النقد العربي تحت عنوان “شيخوخة السكان في المملكة”، أنه من المتوقع أن يبلغ إجمالي سكان السعودية عام 2050 ما مقداره 40 مليون نسمة، لكن مع اقتراب سكان البلد الخليجي من 37 مليون نسمة عام 2023، مقارنة بـ 24 مليون نسمة قبل 10 سنوات، يبدو أن الرقم سيلامس حاجزًا غير متوقع بعد 27 عامًا من الآن.

تظهر الدراسات السكانية أن أعداد من هم في الـ 60 من عمرهم فما فوق سيزداد بشكل كبير خلال العقود القليلة المقبلة، وقد تصل نسبتهم إلى 8% (2.9 مليون) عام 2025، ويتخطى عددهم حاجز 10 ملايين بحلول عام 2050، ومن المتوقع أن يصل عدد السكان الذين يبلغون 80 عامًا فما فوق إلى 3% تقريبًا من إجمالي السكان في الفترة نفسها (أكثر من مليون نسمة)، وتصل النسبة إلى 4% من إجمالي عدد السكان (1.6 مليون) بحلول عام 2050.

يخشى ابن سلمان، الحاكم الفعلي للمملكة، أن يشيخ سكان المملكة بمعدل متسارع، وأن يشكّل ذلك تحديًا على المدى البعيد ويهدد مستقبل البلاد

في الأساس، يعاني الأشخاص في الدولة الخليجية من “أمراض الثراء” الناجمة عن الأنظمة الغذائية الدسمة وقلة ممارسة الرياضة، ويتقدم عدد كبير من السعوديين في العمر بيولوجيًّا أسرع ممّا هم عليه زمنيًّا، ويقول مسؤولو الصحة العامة السعوديون، بحسب دراسة أُجريت عام 2019 في “المجلة الطبية السعودية”، إن ازدهار البلاد أدّى إلى معدلات عالية من الهشاشة (الضعف الجسدي) أو التدهور الفسيولوجي، ما يتطلب حاجة ملحّة لوضع برامج الوقاية والسيطرة.

رغم أن سكان المملكة من الشباب نسبيًّا، حيث يبلغ متوسط العمر حوالي 31 عامًا، إلا أنها تشهد معدلات إصابة عالية بالسمنة والسكري، ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، تحتل السعودية المرتبة السابعة عالميًّا من حيث معدل مرض السكري، حوالي 7 ملايين من سكانها مصابون بهذا الداء، وحوالي 3 ملايين يعانون من مقدماته.

تدخل بذلك المملكة في غمار عصر جديد لا عهد لها به بشأن حجم شيخوخة سكانها، حيث تغيّر هيكل أعمار سكان المملكة لأسباب يعزوها الخبراء إلى 3 عوامل، أولها انخفاض معدل الخصوبة ما أدّى إلى ظهور أعداد أقل من صغار السن، وثانيها الحركة التصاعدية في متوسط العمر المتوقع، انتهاءً بالتقلبات في معدلات الولادة والوفاة، ما نتج عنه نقص في فئة الشباب قابله توسع في فئة المسنين.

تغيرات هيكل الأعمار في السعودية – المصدر: الأمم المتحدة

الارتفاع الملحوظ لمعدلات شيخوخة السكان وصل إلى الحد الذي تشكّلُ فيه هذه الظاهرة الجديدة نسبيًّا تحديًا يهدد الاقتصاد السعودي، إذ سيرتفع الإنفاق الحكومي على كبار السن، خاصة نفقات الرعاية الصحية، كما سيرتفع عدد الأفراد المستفيدين من مزايا التقاعد بسبب زيادة عدد المسنين تزامنًا مع انخفاض أعداد العاملين، والذي قد يلعب دورًا في انخفاض معدلات النمو الاقتصادي وتراجع كل من الاستهلاك والاستثمار، بسبب إثقال كاهل الأسر بدفع نسبة أكبر من دخلها لصناديق التقاعد.

يخشى ابن سلمان، الحاكم الفعلي للمملكة، أن يشيخ سكان المملكة بمعدل متسارع، وأن يشكّل ذلك تحديًا على المدى البعيد، ويهدد مستقبل البلاد، فوفقًا لتقديرات الأمم المتحدة والفرضيات الموضحة أعلاه، قد يعاني الاقتصاد السعودي من تباطؤ في النمو بعد عام 2035 بسبب زيادة عدد المسنين، لكن الاقتصاد السعودي قد يحظى بنمو أعلى إذا تمَّ السماح لهذه الفئة العمرية بالعمل لمدة أطول، وهذا هو سبب ذهاب مجلس الشورى في مايو/ أيار 2014 إلى طرح اقتراح تمديد سنّ التقاعد للموظفين الحكوميين من 60 إلى 62 عامًا.

نتيجة لما سبق، دخلت المملكة السباق العالمي لاكتشاف علاج لإبطاء ومحاربة الشيخوخة، ورصدت مبالغ مالية ضخمة للأبحاث الطبية بتوجيهات من ولي العهد، ففي عام 2016، وخلال أول لقاء له للحديث عن “رؤية السعودية 2030″، سُئل عن تطلعاته لزيادة متوسط عمر السعوديين من 74 عامًا إلى 80 عامًا، فردَّ بقوله إن متوسط عمر 74 عامًا جيد، مشيرًا إلى سعي المملكة لإحراز تقدم في مجال الصحة، كونه أحد مؤشرات قياس جودة الحياة في أي دولة.

مكافحة الشيخوخة تبدأ من “هيفولوشن”

في حين يبدو أصحاب المليارات أقل حماسًا لحل مشكلة الفقر والحروب والمجاعة ووفيات الأطفال وإدمان المخدرات، ترصد السعودية مبالغ ضخمة لتطوير علاجات جديدة للشيخوخة، فقد خصّص ولي عهدها مليار دولار سنويًّا لأجلٍ غير مسمّى لتطوير علاجات جديدة للشيخوخة في محاولة لاكتشاف “ينبوع الشباب”، وذلك من خلال مؤسسة غير ربحية جديدة أُطلق عليها اسم مؤسسة “هيفولوشن” الخيرية.

تأسست “هيفولوشن” كمنظمة عالمية غير ربحية أواخر عام 2018، بموجب مرسوم ملكي سعودي برئاسة محمد بن سلمان، وتذكر على موقعها الإلكتروني أنها تقدم منحًا واستثمارات لتحفيز الأبحاث الأكاديمية وريادة الأعمال في مجال العلوم الصحية والشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا الحيوية، التي تعمل على تعزيز الجهود لإطالة عمر الإنسان الصحي وفهم عمليات الشيخوخة، من خلال مكافحة الأمراض المرتبطة بالعمر مثل مرض السكري أو أمراض القلب.

تهدف “هيفولوشن” -واسمها مزيج من كلمتَي Health بمعنى صحة، وEvolution بمعنى تطور- سدّ فجوات التمويل للبحث في إطالة عمر الإنسان، وإيجاد طرق لتمديد عدد السنوات التي يعيشها الناس في صحة جيدة، وقد أثار الإعلان عن هذا الاستثمار الضخم بالفعل حماس الباحثين، الذين يأملون أن تموّل المؤسسة دراسات بشرية واسعة النطاق على أدوية محتملة لمكافحة الشيخوخة.

يعتقد علماء إطالة العمر ومكافحة الشيخوخة، بما في ذلك القائمون على المؤسسة السعودية، أن الاستثمار في أبحاث مكافحة الشيخوخة من شأنه أن يحسّن حياة الناس في جميع أنحاء العالم، فهي السبب الرئيسي للإصابة بالعديد من الأمراض المزمنة، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان والزهايمر.

حتى ذلك الحين لم تصدر المؤسسة إعلانًا رسميًّا، ولم تكن الكثير من التفاصيل معروفة حول طبيعة عملها، لكن نطاق جهودها بدا واضحًا خلال العديد من المؤتمرات العلمية، ووقفَ مجتمع أبحاث الشيخوخة مبتهجًا، حيث لم يتوقع أحد أن السعودية ستصبح لاعبًا أساسيًّا في هذا المجال كما تقول مجلة “فوربس“.

وتتحدث بعض التقارير عن سعي السعودية لإحداث تأثير عالمي يتجاوز حدودها شيخوخة سكانها، إذ تتطلع إلى توسيع نفوذها حول العالم تحت قيادة ابن سلمان، ويمكن أن يتردد صدى مهمتها أيضًا في الداخل، فقد راهنَ ابن سلمان على تحسين نوعية الحياة لسكان غالبيتهم شباب، وبناء اقتصاد بعيدًا عن النفط.

منذ اللحظة الأولى، سعت “هيفولوشن” إلى تعيين نخبة من الشخصيات العلمية ومنحتهم ميزانيات سخية، بداية استعانت بالمستشار مايكل رينجل المعروف بأبحاث “إطالة العمر” لصياغة استراتيجية المنظمة، وفي مطلع عام 2019 أوكلت إليه مهمة ضمّ خبير تكنولوجيا إطالة العمر العالمي الأمريكي محمود خان لفريقها.

وافق خان البالغ من العمر 65 عامًا، وأصبح منذ عام 2020 الرئيس التنفيذي لـ “هيفولوشن”، وفي ربيع عام 2022 انضم إلى المؤسسة فيليب سييرا ككبير المسؤولين العلميين، بعد أن كان يدير قسم بيولوجيا الشيخوخة في المعهد الوطني للشيخوخة لأكثر من عقد من الزمن، وسبق أن وصف الشيخوخة بأنها “عامل الخطر الرئيسي لجميع الأمراض المزمنة”.

رئيس قسم المعلومات ويليام غرين (يسار) والرئيس التنفيذي محمود خان خلال حفل افتتاح مقر “هيفولوشن” الرئيسي في أمريكا الشمالية في بوسطن.

يضم مجلسها الاستشاري العلمي توماس راندو، الذي يدير مركز أبحاث الخلايا الجذعية في جامعة كاليفورنيا، بينما تولت منصب نائب خان الأميرة هيا بنت خالد آل سعود، بعدها أصبحت المؤسسة فكرة مبتكرة، العقل المدبّر لها محمد بن سلمان نفسه، يتولى خان إدارتها بالكامل وتساعده الأميرة هيا لضمان الامتثال لرؤية ولي العهد.

من بين أعضاء مجلس الإدارة أيضًا المستثمر والملياردير الأمريكي رون بيركل، ورجل الأعمال الروسي البريطاني يفغيني ليبيديف، الرئيس التنفيذي السابق لشركة داو دوبونت للكيماويات أندرو ليفيريس، الذي عُيّن مستشارًا خاصًّا في الشؤون ذات الأهمية الاستراتيجية لصندوق الاستثمارات العامة في السعودية في سبتمبر/ أيلول 2018.

بحسب وصف أنطونيو ريغالادو، محرر “MIT REVIEW”، أهم الدوريات العملية في العالم، الذي دعته المؤسسة لزيارة مقرها العالمي في العاصمة السعودية الرياض في صيف عام 2022، بعدما أصبحت جاهزة للخروج إلى الضوء، فإنه يبدو من الواضح أن “هيفولوشن” هي “نتاج عدة سنوات من العمل الشاق، ولديها فريق متمكّن للغاية”، وأن “هذه ليست فكرة مستوردة من طرف ثالث” حسب قوله.

ملايين الدولارات.. أين تذهب؟

منذ بدء عملياتها عام 2021، ركزت المؤسسة السعودية في الغالب على ترسيخ وجودها في مجالات الدراسة التي تعاني من نقص التمويل، وضخّت تمويلات بملايين الدولارات، ويتوقع القائمون عليها أن يصل هذا المبلغ إلى مليار دولار (المعلن عنه من قبل ولي العهد) خلال السنتَين إلى الأربع سنوات القادمة، وستكون المؤسسة قادرة على الحصول على حصص مالية في شركات التكنولوجيا الحيوية.

إذا تمكّن السعوديون من إنفاق هذا المبلغ، فقد يجعل ذلك من الدولة الخليجية أكبر مموّل لأبحاث مكافحة الشيخوخة، بالمقارنة ينفق المعهد الوطني الأمريكي للشيخوخة، الذي يدعم الأبحاث الأساسية حول بيولوجيا الشيخوخة، نحو 325 مليون دولار سنويًّا، في حين أن أقل من 10% فقط من ميزانية المعاهد الوطنية للصحة تموّل أبحاث إطالة العمر.

في مقابلة صحفية، قال خان إن هذه الأموال ستذهب في البداية إلى الأبحاث، تمامًا كما فعل آخرون، مشيرًا إلى تقسيم الاستثمارات بالتساوي تقريبًا بين الشركات الناشئة لمكافحة الشيخوخة، لكنه يخطط أيضًا للذهاب أبعد من ذلك من خلال دعم الدراسات السريرية على البشر باستخدام الأدوية التي يمكن أن تؤخّر الشيخوخة، بما في ذلك الأدوية التي انتهت صلاحيتها أو لم يتم تسويقها من قبل.

وزعت “هيفولوشن” بالفعل أكثر من 20 منحة للباحثين الأكاديميين العاملين في مجالات بيولوجيا الشيخوخة، ودراسة مسبّبات الأمراض المرتبطة بالعمر، بما في ذلك المستفيدون في مستشفى ماساتشوستس العام (ثاني أكبر مستشفى في الولايات المتحدة)، ومستشفى بريغهام والنساء (ثاني أكبر مستشفى تعليمي في كلية الطب بجامعة هارفارد)، وكلية الطب بجامعة بوسطن.

استضافت السعودية قمة “خارطة الطريق لإطالة العمر الصحي” في فبراير/ شباط 2023

وبينما بدأت المؤسسة في تقديم المنح البحثية، لن تعلن رسميًّا عن المشاريع الأولى التي ستدعمها في مجال التكنولوجيا الحيوية إلا في وقت لاحق من هذا العام، إذ يتنافس حوالي 390 عالمًا وباحثًا للحصول على ما بين 20 إلى 30 منحة في جولة التمويل الأخيرة للمؤسسة، ويقول خان إنها حددت بالفعل أكثر من 150 شركة كمرشحين محتملين للاستثمار.

رغم عدم وضوح كيفية إنفاق الأموال السعودية، تشير مجلة MIT Technology Review إلى أن أحد الاحتمالات يتضمن تمويل المؤسسة لجائزة إكس (XPRIZE) -وهي منظمة غير ربحية تنظم مسابقات فنية رفيعة المستوى تهدف إلى تشجيع التطور التكنولوجي لصالح البشرية- بقيمة 100 مليون دولار لتكنولوجيا مكافحة الشيخوخة، ويتوقع أن تستفيد المنظمة بشكل كبير من التمويل على المدى الطويل.

هل يشتري المال السعودي طول العمر؟

تواصل المؤسسة تمددها حول العالم، فقد سُجّلت ككيان غير ربحي في الولايات المتحدة وشركة ذات مسؤولية محدودة، وافتتحت قبل أيام قليلة مقرها الرئيسي في بوسطن كقاعدة لعملياتها في أمريكا الشمالية، الذي سيقوده كبير مسؤولي الاستثمار بيل غرين، وسيكون لها مراكز في وأوروبا وآسيا.

تقول صحيفة “وول ستريت جورنال” إن خطط المملكة لتمويل مجال طبي “غير متوقع” تتضاءل ميزانياته مقارنة بالأبحاث المتعلقة بأمراض مثل السرطان، تثير الترقب والتردد بشأن سياسات البلاد، كما تثير الزيادة الكبيرة في التمويل العالمي المتاح للأبحاث المتعلقة ببيولوجيا طول العمر، والذي يأتي الآن بشكل رئيسي من المعهد الوطني الأمريكي للشيخوخة (AFAR)، ضجة بين العلماء الذين يدرسون الشيخوخة.

وتواجه “هيفولوشن” في الوقت الحالي تحديًا أكبر يتمثل في كيفية إنفاق أموالها في مجال لا يزال صغيرًا نسبيًّا، وفي عالم ينظر فيه الكثيرون إلى أفعال المملكة بعين الريبة، وهو ما انعكس على موقف بعض المؤسسات والباحثين الذين كانوا مترددين في قبول المال السعودي، وإقامة علاقات مع نظام يواجه اتهامات بتكميم أفواه المعارضة في الداخل والخارج.

تستخدم المملكة ثروتها للتستُّر على انتهاكات حقوق الإنسان وتعزيز صورتها العالمية، ومن الممكن أن يواجه مشروع “هيفولوشن” انتقادات مماثلة

في حين قد يشكّل مصدر التمويل معضلة لبعض العلماء ورجال الأعمال بسبب سجل المملكة الحقوقي، حصل آخرون على ملايين الدولارات لأبحاثهم، وكان الاتحاد الأمريكي لأبحاث الشيخوخة، وهو منظمة غير ربحية تمثل باحثين في علم الشيخوخة، إحدى المجموعات التي قررت أن قبول الأموال السعودية لن يمثل مشكلة، وتلقت تمويلًا بقيمة 7.76 ملايين دولار من مؤسسة “هيفولوشن”، بالإضافة إلى تقديم 18 منحة لمدة 3 سنوات تبلغ قيمة كل منها 375 ألف دولار أمريكي، بإجمالي 6.75 ملايين دولار للباحثين الجدد في البيولوجيا.

حتى الآن، هناك دلائل على أن الباحثين لديهم مخاوف بشأن قبول الأموال السعودية، لكن هذا لم يمنع “هيفولوشن” من التوصُّل إلى اتفاق مبدئي لتمويل اختبار عقار ميتفورمين (Metformin) لمرض السكري على عدة آلاف من كبار السن، ومن المتوقع أن تبدأ التجارب السريرية على البشر خلال السنوات القليلة المقبلة بمجرد وصول الأموال السعودية.

وُصفت هذه التجربة، المعروفة باسم TAME، أي استهداف الشيخوخة بالميتفورمين، بأنها أول دراسة لعقار لإبطاء الشيخوخة لدى البشر، حيث يُزعم أن الدواء يغيّر عملية الشيخوخة داخل الخلايا، وأظهرت الدراسات الأولية للميتفورمين أن مرضى السكري الذين يتناولونه يعيشون لفترة أطول من المتوقع، بل أطول من الأشخاص الأصحّاء.

حظيَ نير بارزيلاي، الباحث في كلية ألبرت أينشتاين لبحوث الشيخوخة في نيويورك، والذي أعلن عام 2014 اكتشاف جين بشري يطيل عمر الإنسان ويحافظ على صحته مع التقدم في العمر، بالاهتمام لجهوده في إقناع إدارة الغذاء والدواء الأمريكية بالسماح بإجراء الدراسة الأولى من نوعها، وحاول جمع 55 مليون دولار لإجراء تجربة TAME لعدة سنوات، لكنها واجهت صعوبة في العثور على التمويل لدعم اكتشافها.

بعد سنوات، عاد الأمل إلى بارزيلاي، الذي أعلن في أبريل/ نيسان 2022 أن مؤسسة “هيفولوشن” وافقت على تمويل أبحاثه، ليكون هذا الاتفاق بمثابة تأييد لـ”فرضية الشيخوخة”، التي لا يمكن قياسها بسهولة، ولا حتى تعتبرها الجهات التنظيمية مرضًا، وهذا يعني أن الهدف من تجربة TAME هو معرفة ما إذا كان تناول الميتفورمين يمكن أن يؤخّر ظهور مجموعة من الأمراض المرتبطة بالعمر، بما في ذلك السرطان ومرض الزهايمر.

يريد السعوديون أن يعيشوا حياة أطول وأكثر صحة.

ومع ذلك، يشير موقع “غزمودو” إلى أن أموال النفط السعودية حتى لو ساهمت في اكتشاف ينبوع الشباب، أو بالأحرى موّلته، فستظل السعودية بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد لمحو تاريخها المثير للجدل، الذي شوّهه سجلّها الدموي في مجال حقوق الإنسان.

ويشير توقيت المشروع في عام 2018 إلى أن “هيفولوشن” ونشاطها قد يكونان جزءًا من تلميع سمعة المملكة وولي عهدها، التي تراجعت في أكتوبر/ تشرين الأول 2018 بسبب اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، على يد فرقة اغتيال تقول الولايات المتحدة إنها تصرفت بناءً على أوامر من الأمير الشاب.

كذلك، أثارت عمليات ضخّ أموال النفط السعودية الأخيرة في كل شيء من العقارات إلى شركات التكنولوجيا إلى الرياضات العالمية، اتهامات بأن المملكة تستخدم ثروتها للتستُّر على انتهاكات حقوق الإنسان وتعزيز صورتها العالمية، ومن الممكن أن يواجه مشروع “هيفولوشن” انتقادات مماثلة.

يبذل المسؤولون التنفيذيون في “هيفولوشن” قصارى جهدهم للإشارة إلى أنه رغم تمويلها من قبل العائلة المالكة، إلا أنها “منظمة غير ربحية وليست ذراعًا للحكومة السعودية”، ومع ذلك يشعر البعض بالقلق من أن العلماء الذين يريدون فقط تمويل أبحاثهم، يمكن أن “يوفروا غطاءً لحكومة متورطة في سلوك غير أخلاقي”، كما يقول المدير التنفيذي لمنظمة علماء من أجل المسؤولية العالمية، ستيوارت باركينسون.

هناك أيضًا بعض المخاوف من أن المشهد السياسي الداخلي في المملكة، والتحولات في اللعبة السعودية الكبرى في الشرق الأوسط، أو التغيير الحاد في ميول ابن سلمان الشخصية، يمكن أن ينتهي إلى وقف التمويل السخي بشكل غير متوقع، في حين يبقى السؤال الرئيسي الذي يطرحه العلماء هو ما إذا كان الممولون سيسمحون بإجراء أبحاث مستقلة وغير متحيزة.

إذا افترضنا السيناريو الأسوأ، ربما تنتهي مساعي مليارات ابن سلمان بالطريقة نفسها التي انتهى إليها مليارديرات وادي السيليكون، بعد أن أهدروا الوقت الثمين الذي لديهم، وسبقهم أشخاص أقوياء منذ فجر الحضارة، بدءًا من الملك جلجامش الذي سعى إلى الخلود قبل آلاف السنين لكنه فشل، إلى المستكشف الإسباني بونس دي ليون الذي كان أكثر من ارتبط اسمه بالبحث عن ينبوع الشباب.

إسراء سيد

المصدر: موقع نون بوست




الوكالة اليهودية ووزارة الهجرة: كيف تسلم الغرباء أراضي أجدادنا؟

قبل أن تعلن قيام كيانها على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، وبعد أن نفّذت تطهيرها العرقي وأعلنت نفسها كيانًا قائمًا، عمل اليهود من مستعمرين ومحتلين على استقطاب يهود العالم إلى فلسطين، تحقيقًا لمخرجات مؤتمر بازل الصهيوني عام 1897 بإقامة دولة يهودية في فلسطين، وترجمة فعلية لوعد بلفور “شعبٌ بلا أرض لأرضٍ بلا شعب”. 

تعدّ الهجرة اليهودية العامل الرئيسي وحجر الأساس في العملية الاستيطانية، حيث تسخّر “إسرائيل” كل طاقتها من مؤسسات ولوبي صهيوني في الخارج لتستقدم اليهود من مختلف دول العالم إلى الأراضي المحتلة، تمنحهم الجنسية والعمل والسكن، وتتذرّع بـ”معاداة السامية” لاستقطابهم.

والمعادلة بين المستوطنات والهجرة علاقة تبادلية، فـ”إسرائيل” تستقدم اليهود لتبني المستوطنات، وتبني المستوطنات لتستوعب اليهود القادمين، المهم ألّا تظل المستوطنات فارغة، وألّا يبقى شبرٌ في الأرض الفلسطينية لم تطله يد الاستيطان. 

في هذا التقرير من ملف “وكلاء الاستيطان”، يسلط “نون بوست” الضوء على جسمَين أساسيَّين في العملية الاستيطانية والهجرة اليهودية: الوكالة اليهودية ووزارة الهجرة والاستيعاب، مؤسستان تشكّلان وكيلًا مهمًّا في الجانب البشري من المخططات الاستيطانية. 

الوكالة اليهودية 

في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897، بدأت الفكرة الأولى لإنشاء شركة يهودية تشكّل مؤسسة إنتاجية اقتصادية، وتطورت الفكرة حتى صارت هيئة سياسية تنفذ تخطيط المنظمة الصهيونية الخاصة بإنشاء “الوطن اليهودي”، فكانت فكرة الوكالة اليهودية قيد التطور.

بعد وعد بلفور عام 1917، وقبل أن يحل الانتداب البريطاني ضيفًا غير مرحّب به على فلسطين، عملت الوكالة اليهودية في أيام الانتداب كحكومة للمستوطنين الصهيونيين في فلسطين، ومارست نشاطها تحت حماية الانتداب بقصد إنشاء وطن قومي لليهود، بموجب المادة الرابعة من صكّ الانتداب البريطاني على فلسطين، الذي منح الوكالة اليهودية اعترافًا بأنها “هيئة عامة لغرض تقديم المشورة والتعاون” مع سلطات الانتداب (بريطانيا) من أجل إنشاء الوطن القومي اليهودي. 

بشكل رسمي، تأسّست الوكالة اليهودية رسميًّا عام 1922 أثناء سيطرة الانتداب البريطاني على فلسطين، أي قبل إقامة دولة الاحتلال بنحو 20 عامًا، وقد عملت الوكالة منذ ذلك الوقت على تيسير قنوات الاتصال بين اليهود في فلسطين والمجتمعات اليهودية حول العالم، وتسهيل إجراءات الهجرة إلى فلسطين، والسعي الحثيث لإقامة قوة عسكرية (لحماية المستوطنات) هي في واقع الأمر قاعدة عصابة الهاغاناه.

من أجل ذلك، انخرطت الوكالة في نشاطات سياسية واجتماعية واقتصادية عديدة منذ نشأتها، مثل جمع الأموال لصالح “إسرائيل”، وتشجيع واستيعاب المهاجرين بالشراكة مع الحكومة الإسرائيلية، وإدارة برامج التعليم وبناء الهوية اليهودية في الداخل والخارج، وقد نجحت الوكالة في إنشاء الجامعة العبرية في عهد المندوب البريطاني الصهيوني السابق هربرت صموئيل عام 1925.

تنص رسالة الوكالة كما يلي: “توفر الوكالة الإطار العالمي لـ”عليا” (بالعبرية تعني الصعود ويقصد بها أيضًا الهجرة اليهودية إلى أرض الميعاد)، وتضمن الأمان لليهود في العالم، وتقوي الهوية اليهودية، وتربط اليهود بـ”إسرائيل” وتربط بعضهم بعضًا، وتنقل صوت الشعب اليهودي إلى دولة “إسرائيل” للمساعدة في تشكيل مجتمعها”.

عام 1929، مع عقد المؤتمر الصهيوني الثاني، تقرر توسيع الوكالة اليهودية، وحددت أهدافها بزيادة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وشراء الأراضي الفلسطينية لتكون ملكية يهودية عامة تكفي لتمكين حركة الاستيطان، وتشجيع الاستيطان الزراعي المبني على العمل اليهودي، ونشر اللغة والتراث العبريَّين داخل فلسطين.

استمرت بعملها في مجال الهجرة اليهودية حتى بعد احتلال فلسطين عام 1948، واعترفت الكنيست بموجب قانون أصدرته عام 1952 بأن المنظمة الصهيونية – الوكالة اليهودية ذات صلاحيات لمتابعة عملها داخل “إسرائيل”، بهدف تحسين عمليات الهجرة واستيعاب المهاجرين الجدد في المستوطنات الإسرائيلية.

وأطلقت بعد نكسة 1967 فرعًا جديدًا لها للهجرة، للمساعدة في إنشاء المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتلاحقت التعديلات القانونية في الوكالة، وسمح قانون وضع الوكالة اليهودية الذي أقرّه الكنيست عام 1952، بمنح لواء الاستيطان التابع للمنظمة الصهيونية العالمية نفوذًا فيما يتعلق بالاستيطان وحيازة الأراضي، وإنشاء وتوسيع مشاريع التنمية في “إسرائيل” عام 2015. 

واستغلت الوكالة حروب المنطقة وتأزُّم الأوضاع السياسية الدولية، حتى أعلن مسؤولون في دولة الاحتلال عام 2016 أن الوكالة نقلت آخر يهود اليمن إلى “إسرائيل”، كما نقلت الوكالة ما يزيد عن 60 ألف يهودي في روسيا و40 ألف يهودي في أوكرانيا إلى “إسرائيل” مع بدء الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، فيما أعلنت عن وجود 200 ألف يهودي في أوكرانيا مؤهّلين للقدوم إلى دولة الاحتلال. 

وزارة الهجرة والاستيعاب 

بشكل علني، يقول وزير الهجرة والاستيعاب في حكومة الاحتلال، عوفير سوفير، إن “الهجرة إلى “إسرائيل” والاستيطان في مناطق ذات أولوية قومية هي صهيونية عملية، ويسعدني أن أعلن لكثير من المستوطنات في الضفة والجولان وفي المدن المختلطة عن امتيازات إضافية تساعد في تشجيع الهجرة اليهودية إلى هناك”.

كما يظهر اسمها، تشكّل وزارة الهجرة والاستيعاب وكيلًا استيطانيًّا في رفد المستوطنات بمستوطنيها، وكان لافتًا في حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة الأخيرة، أن الوزارة أعلنت عن معايير وامتيازات أفضلية للمشاريع الاستيطانية في الضفة الغربية ومدن الداخل الفلسطيني المحتل، أو ما يعرف بالمدن المختلطة.

تشكّل مدينة القدس هدفًا مهمًّا للوزارة كما بقية مؤسسات الاحتلال، وقد أعلنت وزارة الهجرة والاستيعاب بالإضافة إلى وزارة التعليم ووزارتَي الثقافة والرياضة في عام 2023، رصد 95 مليون شيكل من ميزانيتها (31.5 مليونًا في السنة وعلى مدار 3 سنوات) لتطبيق الخطة ومنح امتيازات وحوافز للمهاجرين.

وتهدف وزارة الاستيعاب من خلال خطتها الاستيطانية في القدس إلى “تقوية” مدينة القدس اقتصاديًّا وديموغرافيًّا، كما ستعمل جنبًا إلى جنب مع بلدية القدس على مساعدة المهاجرين المستوطنين بالقدس في التدريب المهني، والحصول على تراخيص عمل مناسبة تلائم مجالات عملهم ومهاراتهم.

وحسب بيانات وزارة الهجرة والاستيعاب الإسرائيلية والوكالة اليهودية، فقد انخفضت الهجرة إلى فلسطين بشكل حاد في النصف الأول من العام الجاري، حيث تراجعت نسبة استقدام اليهود بنحو 20% من أمريكا وأوروبا.

رغم كل محاولات مؤسسات الاحتلال لزيادة هجرة اليهود إلى فلسطين، إلا أن التوتر الأمني وتصاعد عمليات المقاومة الفلسطينية بالضفة الغربية، والأزمات الداخلية التي تعصف بالجبهة الداخلية الإسرائيلية، شكّلت وما زالت تشكّل عائقًا أمام إقناع اليهود بالقدوم والاستيطان في فلسطين.

نداء بسومي

المصدر: موقع نون بوست