1

المجتمع يدفع نحو السكوت

التحرّش: جرائم متمادية تمرّ دون شكوى

لا تمثّل الأرقام المسجّلة لحالات التحرّش المتزايدة في لبنان سوى جزء صغير من مجمل الحوادث الفعلية، إذ لا يجري الإبلاغ عن التحرّش الجنسي بشكل كافٍ، لأسباب عديدة، منها خوف الضحايا من انتقام المتحرّشين بهم إذا أبلغوا عنهم، أو لعدم ثقة بعض الأفراد في المؤسسات المسؤولة عن التعامل مع بلاغات التحرّش. وقد يخشون ألّا تؤخذ شكاواهم على محمل الجدّ أو أن يُتعامَل مع مخاوفهم بشكل سيّئ. ومن الممكن أن يساهم وصم الضحايا من قبل المجتمع في إحجامهم عن الإبلاغ أيضاً. فكيف يمكن معالجة هذا النقص في الإبلاغ وافتقار البيئة الآمنة والداعمة للضحايا للتقدّم دون خوف من العواقب مع إنشاء آليات إبلاغ واضحة، ومن المسؤول عن عدم تفعيل تشريعات عقابية ملائمة للتحرّش؟


رغم إقرار قانون «تجريم التحرّش الجنسي وتأهيل ضحاياه» الرقم 205/2020، الذي عرّف التحرّش الجنسي في مادته الأولى على أنه «أي سلوك سيّئ متكرّر خارج عن المألوف، غير مرغوب فيه من الضحية، ذي مدلول جنسي يشكّل انتهاكاً للجسد أو للخصوصية أو للمشاعر يقع على الضحيّة في أي مكانٍ وُجِدَت، عبر أقوال أو أفعال أو إشارات أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية وبأي وسيلة تمّ التحرّش بما في ذلك الوسائل الإلكترونية». فإنه لا يلحظ الضوابط المختلفة التي تحكم المجتمع اللبناني بمختلف بيئاته. فمن الصعب، في هذا المجتمع المتعدد الثقافات، تحديد شكل التحرّش، وكيفية تصنيف سلوك ما على أنه تحرّش. فإن ما يُعدّ تحرّشاً في بيئة ما، لا يتعدى كونه تودّداً في بيئة أخرى. وحتى في مكان العمل الواحد، قد نشهد وجود امرأتين إحداهما محافظة وتعتقد أن أي كلمة «لطيفة» هي تحرّش لفظي يفترض التصدّي له، بينما لا تعدُّ الأخرى الملامسة الجسدية تحرّشاً. فكيف يمكن أن يُحدَّد التحرّش قانونياً؟ وكيف يمكن أن تُثبت الضحية تعرّضها له؟ أم أن قانون تجريم التحرّش الجنسي وُضع لإرضاء المجتمع الدولي فحسب؟

«وحوش» العائلة

نشأت يارا في عائلة تشهد اختلاطاً غير منضبط بين الذكور والإناث كأبناء العم وبنات العم، وأبناء الخال وبنات الخالة، كانت تنام داخل غرفة واحدة دون الفصل بينهم في منزل جدها لأمها أو أبيها، فكان ذلك «فرصة لأولاد أخوالي وأعمامي الذين يكبرونني بسنوات ليمرروا أيديهم فوق جسمي…». تقول يارا إنها كانت تُبقي عينيها مغمّضتين خوفاً من أن «يخنقوها» في حال علموا أنها اكتشفت أمرهم. «كنت أبلغ من العمر حينها ستّ سنوات، ولا أعلم من أين جاءتني تلك الأفكار لكنني أبقيت الأمر سرّاً حتى اليوم» خوفاً من وصمة العار الاجتماعية المحيطة بجرائم الاستغلال الجنسي للأطفال، التي تُعدّ «من أهم الأسباب التي يستغلها الجاني للإفلات من العقاب، خاصة في جرائم «زنا المحارم» عندما يتم التستّر على الجناة من قبل أفراد الأسرة نفسها» (راجع «القوس»، 4 آب 2023، «التحرش والاعتداء الجنسي… تكتّم مؤذٍ»). 34 سنة مرّت ولا تزال يارا تشعر بغضب كبير وتستحضر مشاعر الخوف والانتهاك كلما اضطرّت للقائهم في الاجتماعات والزيارات العائلية.
وحول ردود الفعل المختلفة لضحايا التحرّش، تقول الاختصاصية في علم النفس العيادي والمعالجة النفسية، نسرين الموسوي، إن تأثيرات صدمة التحرّش فردية، ولا تنتهي بالضرورة بعد الحادث فوراً أو عندما تتحدّث الضحية عن الحادثة. ففي الوقت الذي قد يعاني بعض الأفراد من انخفاض في الأعراض أو من ضيق بعد الإفصاح عن تفاصيل حادثة التحرّش، قد يستمر البعض الآخر في مواجهة تأثيراته لفترة ممتدة ويُطوِّر بما يُعرف بـ«اضطراب ما بعد الصدمة»، وقد تحتاج هذه الحالات إلى تدخّل مهني لعلاجها. فقد تنشط الصدمة مجدداً بسبب مثيرات وإزعاجات (Triggers) متنوّعة يمكن أن تُثير مشاعر وأفكاراً وأحاسيس جسمية متعلّقة بالصدمة. يشكّل إذاً لقاء الأقارب، في حالة يارا، عاملاً مثيراً لحادثة التحرّش المتكرر الذي عانته. وفي بعض الحالات، قد يعاني الأشخاص الذين تعرضوا للتحرّش من الاكتئاب الحاد والانعزال والانسحاب من التفاعلات الاجتماعية، وقد تظهر عليهم أعراض جسمية مثل الصداع ومشاكل المعدة واضطرابات النوم وسلوكيات إيذاء الذات وصولاً إلى أفكار انتحارية. في المقابل، يظهر العديد من الأفراد مناعة نفسية ملحوظة (Resilience) ويمكن أن يتعافوا مع مرور الوقت. وقد يشمل الشفاء نمواً شخصياً، وزيادة الوعي الذاتي رغم التعرّض للصدمة.

أساتذة متحرّشون

لم تعرف لمى (25 عاماً)، معنى «المساحة الشخصية» ولا الحدود الخاصة بها التي يفترض ألّا ينتهكها أو يستغلها أحد. فهي تنتمي إلى مجتمع محافظ، لكنها تربّت في بيئة «على البركة» حيث اعتادت أن يحتضنها أولاد أعمامها وأن يقبّلوا كتفها أو رأسها تودّداً، حتى ظنّت أن تودّد «الدكتور» أي أستاذ المادة في سنتها الجامعية الأولى وتربيته على كتفها أمر مشابه لتودّد أقاربها. إلى أن احتاجت إلى دروس تقوية في المادة، فتطوّع «الأستاذ الدكتور» لمساعدتها. جرى اللقاء الأوّل والأخير، في كافتيريا بالقرب من الحرم الجامعي، لم يمضِ نصف ساعة حتى قال لها: «عجقه كثير هون، خلّينا نروح لعندي عالبيت بتركزي أكثر». تستشيط لمى غضباً متذكّرة كيف أنها كانت ضعيفة ولم تكن تملك صوتاً حينها، ولم تدرك ماذا عليها فعله فهي لم تسمع تحذيراً من أهلها بكيفية التصرف في مثل هذه المواقف… وأن طاعة أستاذها واجبة. «كان منزله بعيداً… بدأ بشرح الدرس بطريقة طبيعية، ثم أمسك يدي طالباً مني الوقوف، ثم شدّني وأجلسني بالقرب منه…»، تفاصيل مؤلمة ترويها لمى متأثرة بصعوبة رغم مرور سبع سنوات على الحادثة التي لم تخبر أهلها عنها. «كل يوم بوعى أكتر كيف استغلني واتحرّش فيني بطريقة مسمّة» تتمنّى لمى لو أنها رفعت الصوت عالياً لفضح هذا المتحرّش وحماية أخريات من أفعاله، لكنها تخشى ما قد يقوله البعض: «راحت بإرادتها معه، الحق عليها».
تنصّ المادة الأولى من القانون 205/2020، على أنّه يُعدّ «أيضاً تحرشاً جنسياً كلّ فعل أو مسعى ولو كان غير متكرر يستخدم أي نوع من الضغط النفسي أو المعنوي أو المادي أو العنصري يهدف فعلياً للحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية يستفيد منها الفاعل أو الغير».
أما أيمن (اسم مستعار)، الذي ألحقوه أهله بمخيّم صيفي تربوي في سن الـ13، ليصبح الطالب المحبّب لدى المربّي المسؤول. فيقول أيمن (32 عاماً): «كان يحدّق بي كثيراً ويمسكني من خدودي ويقرّب عليي كتير ويقول لي: يسلملي الشاب المهذّب الطيّوب». قبل سنوات، ضُبط هذا المسؤول مع طالب في وضع مخلّ. «حمدت الله أنني لم أبقَ في المخيّم لظروف مادية، يمكن كنت رح كون إحدى ضحاياه بوقتها».
تنصّ المادة 2 – ج، من القانون 205/2020، على أن يعاقب بالحبس من سنتين إلى أربع سنوات وبالغرامة «إذا كان الجاني ممّن له سلطة مادية أو معنوية أو وظيفية أو تعليمية على المجنيّ عليه. وإذا استخدم الجاني الضغط الشديد النفسي أو المعنوي أو المادي في ارتكاب الجرم للحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية».

مساواة في التحرّش؟

«نادراً ما يُنظر إلى النساء على أنهنّ مفترسات، لكنهن كذلك» يقول وسام (34 عاماً). فالأمر السائد أن الرجال فقط يتحرشون بالنساء، بينما الواقع يشهد أن النساء أيضاً يتحرّشن بالرجال. يعاني وسام من سلوكيات مديرته في العمل ويصفها بالـ«متحرّشة»، إذ تحرص عند الحديث معه على أن تحدّق به طويلاً برَيْبة، وأن تضع يدها على كتفه أو أن تدنو من رأسه أثناء عمله على مكتبه. بات وسام غير مرتاح في عمله، ويفكّر جدّياً بتركه، ويقول: «زملائي الشباب بيقولولي نيّالك، بس أنا متزوج ومحافظ وما بيناسبني هيدا الوضع». كما ينتقد زملاؤه «رجولته» عندما يمتعض من سلوكيات المديرة، ما يسبّب له حرجاً.
أمّا لينا (27 عاماً)، فتعاني تحرشاً لفظياً من زميلها في العمل، إذ لا ينفكّ يخبرها بأن «عطرها رائع»، واختيار ملابسها مناسب، كما يقترح عليها تسريحات شعر مختلفة، ويُطلق نكات إيحائية، حتى باتت تطلق عليه لقب «سايكو». تقول لينا إنه حتى اليوم لم يقترب منها جسدياً كما فعل مع زميلاتها الأخريات اللواتي سمحن له بذلك «عندهن ياها عادي، وفي منهن محجّبات وبيرضوا، وبيقولوا عنّي معقّدة ومكَبْرة الموضوع». مضيفةً أنها لن تسكت في حال تطوّر الأمر إلى تحرّش جسدي.
تنصّ المادة 2 – ب، من القانون 205/2020، على أن يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وبالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا كانت جريمة التحرّش حاصلة في إطار علاقة العمل.

تختلف سمات المتحرِّش ولا ترتبط بالضرورة بأي مرض عقلي معيّن

تستشهد لينا بمدوّنة قواعد السلوك لمنع التحرّش الجنسي في مناسبات منظمة الأمم المتحدة، متسائلة عن السبب الذي يمنع وجود آليات قانونية فعلية للوقاية من التحرّش في أماكن العمل، مثل منع:
 

– إبداء تعليقات جنسية بشأن المظهر أو الملبس أو أجزاء الجسم.
– التحديق بطريقة ذات إيحاء جنسي.
– اللمس غير المرغوب فيه، بما في ذلك القرص أو التربيت أو المسح أو الاحتكاك عمداً بالأشخاص.

إذ يغلب الطابع العقابي على القانون 205/2020، و«لا يشتمل على آليات وموجبات الوقاية من التحرّش الجنسي في أماكن محددة يكثر فيها كأماكن العمل، فمن المفيد هنا التفكير في كيفيّة تطويره لهذه الناحية، والاسترشاد بتجارب تشريعيّة عدة» كما أوضح الأستاذ المحاضر في القانون الجزائي وحقوق الإنسان والقاضي السابق، زياد مكنّا، في مقابلة مع «القوس» (راجع «تشديد العقوبة وتأهيل الضحايا»، 4 آب 2023).
وحول الأثر النفسي، تشير الموسوي إلى أن التحرّش في مكان العمل يؤدي إلى انخفاض إنتاجية الفرد وبالتالي انخفاض الرضا عن عمله، وانخفاض الشعور بالانتماء إلى المؤسسة وزيادة التغيّب عن العمل، وقد يواجه الضحايا أيضاً صعوبة في التركيز على المهام، ما يؤثر على تقدّمهم المهني، ويرفع معدل الدوران الوظيفي. كذلك يمكن أن يؤدي التحرّش إلى توتر العلاقات الشخصية والمهنية. وقد يجد الضحايا صعوبة في الثقة بالآخرين وبتكوين علاقات جديدة، وقد ينعزل البعض عن العالم الاجتماعي والمهني خوفاً من تكرّر حادثة التحرّش.
وتلفت الموسوي إلى أن المسؤولية، إضافة إلى ضعف القوانين، تقع على عاتق أصحاب العمل القادرين على وضع سياسات وقواعد سلوك تعالج وتمنع التحرّش في مؤسساتهم، أو تؤمّن بيئة مشجّعة وداعمة للضحايا لتقديم الدعم من محترفين مثل استشاريين أو اختصاصيين نفسيين لمساعدتهم في التعامل مع التأثيرات النفسية للتحرّش من أجل رفاهية الضحية وثقافة العمل العامة.

الاستعداد للمرافعة

تُقدّم شكوى التحرّش، كأي شكوى جزائية أخرى، أمام النيابة العامة الاستئنافية، وتتطلّب إثباتاً لوجود التحرّش لتأخذ مجراها بشكل سليم، من دون وجود تدخّل لاختصاصيين نفسيين أو لأي إحالة لمختصّين بقضايا التحرّش لمتابعة الضحية، التي قد لا تكون، مثل كثير من الأشخاص، على دراية بالإجراءات المناسبة للإبلاغ عن التحرّش، خاصة في أماكن العمل أو المؤسسات التي لا تتوفر فيها هذه المعلومات بسهولة. وقد يقوم بعض الأفراد بتقليل تجاربهم أو تطبيعها، وإقناع أنفسهم بأن ما مرّوا به ليس خطيراً بما يكفي لتبرير الإبلاغ عنه. كما قد لا تكون، في بعض الحالات، لدى الضحايا أدلة ملموسة على التحرّش، ما يجعل من الصعب إثبات ادّعاءاتهم.
في هذا الصّدد تؤكد الاختصاصية في علم النفس العيادي، نسرين الموسوي، أهمية الدعم النفسي والعاطفي للضحية لتمكينها من رفع الصوت ضد المتحرّش ومقاضاته، وذلك لأسباب عدة، تذكر منها:
1- تعزيز الشفافية والثقة: يمكن للضحية أن تجد دعماً نفسياً وعاطفياً من خلال الأصدقاء والأهل، وهذا يساعدها على بناء الثقة للتحدث عن تجربتها والتحدث عن التحرّش بمفردها أو أمام الجهات القانونية.
2- التأهيل للمرافعة القانونية: يساعد الدعم النفسي على تجهيز الضحية للمقاضاة، إذ يمكن أن يشمل التعريف بإجراءات المحكمة والقوانين المتعلقة بالتحرّش. يمكّن ذلك الضحية من الاستعداد للمرافعة والشهادة داخل المحكمة.
3- تعزيز الشعور بالدعم: تشعر الضحية بالأمان والدعم عندما تعرف أن هناك أشخاصاً يقفون إلى جانبها ويساعدونها على مواجهة التحديات… وقد يكون الدعم النفسي جزءاً من عملية الشفاء والتعافي، إذ يساعد في معالجة الصدمة والضغوط النفسية.

لباس المرأة هو السبب

عندما نتحدث عن التحرّش الجنسي في العالم العربي، يعني أن الفتاة هي المسبّب الرئيسي لهذا الاعتداء، وتبدأ التحليلات: ماذا ترتدي؟ لماذا كانت تسير في هذا الشارع أو ذاك؟ ألا تعلم بأن عليها مراعاة غرائز الرجال؟ (راجع «القوس»، 27 آب 2022، «ظاهرة طعن المتحرّشين»).
ترى الموسوي، أن هذا الطرح هو مشكلة كبيرة في مجتمعنا العربي ومرفوض لأسباب عدة، منها:
– اتهام الضحية: أي تحميل مسؤولية التحرّش للضحية بدلاً من المتحرّش. بينما في الواقع، يتعلّق التحرّش بأفعال المتحرّش واختياراته، وليس بمظهر الضحية أو ملابسها.
– الموافقة والحدود: إذ يكمن جوهر هذه المسألة في أهمية احترام الحدود الشخصية ووجوب الموافقة من الطرفين. بغضّ النظر عن كيفية ارتداء شخص ما أو مظهره، لا يمكن تبرير التحرّش أبداً. فللجميع حق الشعور بالأمان والاحترام وحرية اختيار اللباس.
– تعزيز الصور النمطية: إذ يمكن أن تعزّز هذه الفكرة الصور النمطية الضارّة التي تلوم النساء على أفعال الآخرين. من المهم التصدّي لهذا التنميط ووضع المسؤولية حيث يفترض أن تكون، وهي على المتحرش.
– العوامل الثقافية والاجتماعية: التحرّش هو مسألة معقّدة تتأثر بالعوامل الثقافية والاجتماعية والفردية، وأن تبسيطها للملابس أو المظهر يُبسّط آثارها السلبية ويمنعنا من معالجة جذور المشكلة بفعالية.
من المهم أن نفهم أن التحرّش هو انتهاك لحقوق الإنسان، ويجب ألا يُبرّر بل أن يُعالَج سلوك المتحرّش، وأن تُعزّز التوعية على الموافقة والاحترام.

بدأ الدكتور بشرح الدرس بطريقة طبيعية ثم أمسك يدي وشدّني وأجلسني بالقرب منه

اتّهامات كاذبة

هناك العديد من الأسباب التي يمكن أن تدفع بعض الأشخاص، بغضّ النظر عن جنسهم، إلى توجيه اتّهامات كاذبة بالتحرّش، وقد تتضمّن، وفق الموسوي، ما يلي:

• نوايا سيّئة: قد تكون للأفراد دوافع شخصية أو سيّئة للقيام باتهامات كاذبة، مثل الانتقام أو تحقيق أهداف شخصية.
• حماية الذات: قد يلجأ بعض الأشخاص إلى الاتهامات الكاذبة لحماية سمعتهم أو لتجنّب التعامل مع عواقب محتملة.
• اضطرابات نفسية: في بعض الحالات، قد تكون هناك اضطرابات نفسية تؤثر على تصرفات الأفراد وتدفعهم للافتراء على أفراد آخرين.
• ضغوط اجتماعية: قد يعيش بعض الأفراد تحت ضغوط اجتماعية تدفعهم لاتهام الآخرين بالتحرّش دون وجود أدلة.
من المهم جداً فهم أن الاتّهامات الكاذبة بالتحرش تضرّ بجميع الأطراف المعنية، بمن في ذلك الأشخاص المتّهمون بالتحرش بشكل غير مبرر والضحايا الحقيقيون الذين يمكن أن تُقلّل هذه الاتّهامات من مصداقية رواياتهم.

سمات المتحرّش

قد يظهر المتحرّشون مجموعة متنوعة من السمات أو الصفات، ولكن قد تتضمّن السمات الشائعة ما يلي:
• العدوانية: يظهر المتحرّشون في كثير من الأحيان سلوكاً عدوانياً أو عدائياً تجاه أهدافهم.
• نقص التعاطف: قد يظهرون قليلاً أو لا يظهرون أي تعاطف مع مشاعر أو رفاهية ضحاياهم.
• مشاكل في التحكم: يمكن أن تكون لدى بعض المتحرشين رغبة قوية بالسيطرة والسلطة على ضحاياهم.
• سلوك تلاعبي: يمكن أن يستخدم المتحرشون التلاعب والخداع أو الإكراه لتحقيق أهدافهم.
• الهوَس: في بعض الحالات، قد ينصبّ المتحرشون على أهدافهم، غالباً بمستوى هوَس غير صحّي.
• عدم الأمان: قد يدفع العوَز الشخصي أحياناً المتحرشين إلى استهداف الآخرين.
• الغضب أو الاستياء: قد تسهم مشاعر الغضب أو الاستياء تجاه الضحية في التحرش.
يمكن أن تختلف سمات المتحرّش بشكل كبير، ولا ترتبط بالضرورة بأي مرض عقلي معيّن. فالأفراد الذين يشاركون في التحرّش ليسوا بالضرورة مصابين نفسياً؛ قد يكون سلوكهم ناتجاً عن مجموعة متنوعة من العوامل، بما في ذلك القضايا الشخصية والديناميات الاجتماعية، أو نقص في فهم الحدود.

جنان الخطيب *

عندما تلمس شيئاً ما، تترك وراءك أثراً من خلايا الجلد. وباستخدام تقنيات جنائية متطورة أصبح الخبراء الجنائيون قادرين على جمع وتحليل الكميات الضئيلة من الحمض النووي المتواجدة في هذه الخلايا ومعرفة صاحبها. لذلك، من الضروري في حالات التحرّش الجسدي (كملامسة الضحية في مناطق حساسة) أن تُرفع الأدلة «الحمض النووي للّمس -DNA Touch » فوراً عن جسد الضحية -ولا سيّما أن هذا النوع من الأدلة يُعدّ هشّاً للغاية وسهل التلوّث- وإرسالها إلى المختبر للفحص. تُعدّ هذه التقنية أداة حيوية لتوثيق التحرّش وبناء مقاضاة فعّالة في المحكمة. (راجع «القوس»، 26 شباط 2022، «500 مليون خلية»).
من جهة أخرى، يمكن للتحقيق الجنائي الرقمي (Digital Forensics) أن يساعد في حالات التحرّش الإلكتروني من خلال جمع وتحليل الأدلة الرقمية مثل الرسائل النصّية ورسائل البريد الإلكتروني والصور ومقاطع الفيديو ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي وتحديد عناوين IP وسجلّات الأجهزة لتحديد الجاني وتوثيق التحرّش لمنع الإفلات من العقاب.

* محقّقة جنائية محلّفة من القضاء اللبناني
ومتخصّصة في علوم الأدلة الجنائية

الكاتبة: بشرى زهوة

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار




دليل التحقيقات العلمية في شكـاوى التعذيب… كشف المستور

ليس التعذيب غير أخلاقي أو غير إنساني فحسب، بل إنه غير فعّال أيضًا، إذ لا يوفر معلومات موثوقة ودقيقة لحلّ القضية أو لإعادة تركيب مسرح الجريمة وغالبًا ما يتسبب بإدلاء الضحية باعترافات كاذبة أو إعطائه معلومات خاطئة (راجع «القوس»، 24 حزيران 2023، «التعذيب يضلّل التحقيق»).  تلعب التحقيقات الجنائية المهنية دورًا حيويًا في مناهضة التعذيب. أولًا من خلال جمع الأدلة والتحقيق في الحقائق، وتجنّب اللجوء للضغط لانتزاع الاعترافات. وثانيًا، من خلال توفير الأدلة التي يمكن استخدامها في مقاضاة الجناة وردع جرائم التعذيب المستقبلية


قد يتردد ضحايا التعذيب في التقدّم والإبلاغ عن الإساءة، أو قد يتّخذ الجناة خطوات لإخفاء جرائمهم، ما يجعل التحقيق الجنائي في هذه قضايا صعبًا. ومع ذلك، من خلال تحديد أسباب الجروح وتفاصيلها (التي قد تكون قد حجبت بفعل عامل الشفاء الطبيعي أو الطبّي)، ومن خلال التحقيق الدقيق واستخدام التقنيات الجنائية المناسبة من الممكن جمع الأدلة التي قد تُستخدم لمقاضاة مرتكبي التعذيب.  

تختلف العلامات التي يمكن العثور عليها على جسد ضحية التعذيب اعتمادًا على الأساليب المستخدمة، علماً أن ليس كل ضحايا التعذيب ستظهر لديهم علامات مرئية بشكل واضح على أجسادهم فبعض أساليب التعذيب، مثل التعذيب النفسي، لا تترك آثارًا جسدية. ومع ذلك، فإن بعض العلامات الجسدية الشائعة تشمل ما سنتناوله في شرح الصور.

الرضوض والكدمات 

بقع زرقاء أو أرجوانية أو حمراء تظهر على الجسم بسبب تسرّب الدم من الأوعية الدموية التالفة. يمكن أن تحدث بسبب الصدمة القوية، مثل اللكمات أو الركلات أو الضربات بجسم صلب. قد تظهر في أي مكان على الجسم، لكنها أكثر شيوعًا في الوجه والرأس والجذع. يمكن أن يشير شكلها إلى اتّجاه الاصطدام، ويشير لونها إلى المدة التي مضت على حدوث الإصابة. مع التئام الرضوض، يتغيّر لونها م

آثار الكسور

علامات على كسور العظام ناجمة عن تطبيق القوة بشكل متعمّد. باعتماد أساليب متنوعة من التعذيب، كضرب الضحية بأجسام صلبة، أو ركل أو دهس عظامه، أو إسقاط أشياء ثقيلة عليه، أو تعذيبه في وضعية تضع ضغطًا على عظامه. يمكن رؤية آثار الكسور على الأشعة السينية وتقنيات التصوير الطبية الأخرى. كما يمكن للطبيب أن يشعر بها أثناء الفحص البدني.

الجروح

 يمكن أن تحدث الجروح بسبب الأجسام الحادة، مثل السكاكين أو الشفرات أو الزجاج المكسور. غالبًا ما يكون لهذه العلامات نمط مميز، مثل سلسلة من الجروح المتوازية أو العميقة. قد تكون علامات الجروح الناجمة عن السكّين أو الأشياء الحادة سطحية (تؤثر على الطبقة العلوية من الجلد فقط) أو عميقة (تؤثر على طبقات أعمق من الجلد والأنسجة). قد تكون علامات هذه الجروح حمراء ومتورمة ونازفة، كما قد تكون متقشرة. 

علامات الربط

 يمكن لكل من أدوات الخنق (مثل الحبال والعصي أو الأسلاك) واليدين، أن تترك آثارًا لكدمات منفردة على الرقبة أو حولها تظهر كخطوط حمراء، أو كدمات حول الأطراف. تقدّم المعاينة الجنائية فحصًا تفصيليًا فيما يتعلق بمسار وعمق وعرض الحبل أو السلك أو المواد التي استُخدمت لأغراض الخنق أو الشنق.

الحروق

يمكن أن تحدث الحروق بسبب الحرارة أو المواد الكيميائية أو الكهرباء. غالبًا ما توجد علامات الحروق على مناطق من الجسم مخفية عن الأنظار، مثل الظهر والأرداف والفخذين. لدى علامات الحروق نمط مميز، مثل نمط «البرق» الناتج عن الصعق بالكهرباء أو نمط «الرشّ» الناتج عن السوائل الساخنة أو البخار أو الحرق بالسجائر. عادةً ما تكون علامات الحروق حمراء ومتقرحة ومتورمة، كما قد تكون متفحّمة أو سوداء.

السحجات Abrasion

إصابات في الطبقة العليا من الجلد، ناتجة عن الخدش أو الاحتكاك بسطح خشن. وهي نوع شائع من الإصابات في التعذيب، إذ يمكن أن تنتج عن مجموعة متنوعة من الأساليب، مثل الجَلد أو الضرب بأشياء كالأحزمة أو العصي أو الكابلات، كذلك جرّ الضحية على سطح خشن، أو ربط يديه أو قدميه خلف ظهره وإجباره على المشي أو الزحف، وغيرها. 

علامات الاعتداء الجنسي

 قد يكون لدى ضحايا الاعتداء الجنسي مجموعة متنوعة من العلامات على أجسادهم، بما في ذلك الكدمات والجروح والتمزقات. قد تظهر أيضًا عليهم علامات تدل على الإصابة بأمراض منقولة بالاتصال الجنسي.

تعذيب مصطنع

قد يحدث بعض الأشخاص جروحًا على أجسادهم بحجة اتهام أشخاص آخرين بالإساءة وسوء المعاملة وباستخدام أساليب التعذيب. هنا يأتي دور المعاينة الجنائية الدقيقة التي تظهر في هذه الحالة أن الآثار والعلامات الموجودة على جسد المدّعي ما هي إلا جروح سطحية وغير مؤلمة ويمكن للضحية المزعومة الوصول إليها وافتعالها.

عمر الجروح

من الأساسي تحديد عمر الجروح والآثار والأذيات على جسد ضحية التعذيب بالإضافة إلى تقييم ما إذا كانت الإصابات متعددة أو محدثة بواسطة أكثر من جانٍ واحد. كذلك من الضروري تحديدها وفق التسلسل الزمني لوقوعها مع الأخذ في الاعتبار أن المدة الزمنية لالتئام الجروح تعتمد على عمر الضحية، وحجم الجرح وطبيعته، والأداة المسببة، وعوامل أخرى. 

جنان الخطيب

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار




الكونغو برازافيل… «دولة غنية» ينهش الفقر شعبها

تبرز دولة الكونغو برازافيل من بين الدول الأفريقية التي يعاني شعبها من أوضاع اقتصادية سيئة وفقر شديد، كما ترزح الدولة تحت عبء الديون، رغم كونها دولة نفطية وغنية بالموارد الطبيعية. ومع أن هذه البلاد سادس أكبر منتج للنفط في أفريقيا، يعاني حوالي نصف السكان من الفقر، كما أنها تصنف من بين أكثر الدول فساداً في العالم. إذ احتلت الكونغو، التي كانت تعرف قبل الاستقلال بـ«الكونغو الفرنسي»، ولاحقاً «جمهورية الكونغو»، المرتبة 165 من بين 180 دولة من حيث مستوى الفساد، وفقاً لتصنيف منظمة الشفافية الدولية في 2020. جاء ذلك رغم إعلان الرئيس دنيس ساسو نغيسو أخيراً اكتشاف رواسب نفطية جديدة من شأنها زيادة الإنتاج اليومي للجمهورية من 350 ألف برميل يومياً إلى 980 ألف برميل، ما يضاعف إيرادات الكونغو من قطاع النفط والغاز الطبيعي 3 مرات.

تقع جمهورية الكونغو في غرب وسط أفريقيا، وتحدّها الغابون والكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأنغولا. أما عاصمتها فهي مدينة برازافيل، ولذا يُشار إليها أحياناً باسم الكونغو – برازافيل، للتمييز بينها وبين الكونغو الديمقراطية، التي عاصمتها كينشاسا، التي عُرفت قبل الاستقلال بـ«الكونغو البلجيكي»، كما حملت لفترة اسم زائير. وتقدّر مساحة البلاد بـ342 ألف كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها ما يقرب من 5.5 مليون نسمة، وفقاً لإحصاءات عام 2021. وينتمي السكان إلى 3 مجموعات عرقية رئيسة، هي الكونغو (الباكونغو) والتيكي (الباتيكي) والمبوتشي، وتضم كل منها مجموعات فرعية. وينتمي نحو 45 في المائة من السكان إلى شعب الكونغو، وهؤلاء مزارعون يسكنون غرب وجنوب غربي برازافيل، بينما ينتمي نحو 20 في المائة إلى شعب التيكي ويسكنون شمال برازافيل، ويعيشون على صيد الحيوانات والأسماك. ويشكل المبوتشي نحو 10 في المائة من السكان وكانوا في السابق يعتمدون على صيد الأسماك، أمَّا اليوم فيعمل كثير منهم حرفيين وموظفين في الوظائف الحكومية في المدن.

تاريخياً، كانت الكونغو برازافيل مستعمرة فرنسية سابقة استقلت عام 1960، والفرنسية ما زالت هي اللغة الرسمية للبلاد. ولقد اكتُشف النفط الخام في ساحل الكونغو، واليوم يشكل النسبة الكبرى من الصادرات السنوية للبلاد. ثم بدأت مصفاة البترول في ميناء بوانت نوار بتكرير النفط عام 1976، مساهمة بـ55 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي، و85 في المائة من الصادرات، و80 في المائة من الموازنة، وفقاً لبنك التنمية الأفريقي. مع ذلك، ارتفعت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر المدقع الدولي بشكل طفيف من 52.0 في المائة عام 2021 إلى 52.5 في المائة عام 2022، وفق البنك الدولي. كذلك ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 6.2 في المائة عام 2022 (على أساس سنوي)، ما أدى إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي في البلاد. ويعد توفير وجبة أو وجبتين من الغلال الأساسية يومياً بمثابة حرب يخوضها أرباب الأسر.

على صعيد متصل، على الرغم من خصوبة أرض الكونغو وإمكاناتها الزراعية الكبيرة، فإنها تعتمد إلى حد كبير على الواردات التي تكلف ما يقرب من 700 مليار فرنك أفريقي سنوياً. وفي سياق حرمان الكونغوليين من احتياجاتهم الأساسية، يصل معدل الحصول على الكهرباء إلى 66 في المائة من السكان في المناطق الحضرية، مقارنة بـ15 في المائة فقط في المناطق الريفية. ثم إن الوصول إلى المياه النظيفة أقل من الإمكانات الهيدرولوجية للبلاد، حيث إن لدى 74 في المائة من السكان فقط إمكانية الوصول إلى مصادر للمياه النظيفة، في حين أن الوصول إلى المياه في المناطق الريفية أقل بنسبة تصل إلى 46 في المائة، أيضاً وفق البنك الدولي.

هذا، وفي عام 2021، بلغ حجم الدَّين الوطني لجمهورية الكونغو حوالي 107.92 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وقبله، عام 2019، أعادت الصين هيكلة دَين الكونغو، ما سمح للبلاد بالتوصل إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي حول التسهيل الائتماني الممدّد.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




دنيس ساسو نغيسو… الزعيم المخضرم للكونغو برازافيل يقاوم «عدوى الانقلابات»

سيتجاوز حكمه الـ40 سنة بنهاية ولايته عام 2026

يبدو أن على رئيس الكونغو برازافيل دينيس ساسو نغيسو أن «يتحسّس حكمه» في ظل عدوى الانقلابات التي تضرب أفريقيا حالياً، ونالت أخيراً من جارته الغابون. فبينما يتأهب نغيسو (79 سنة) لأن يتجاوز 40 سنة في السلطة مع نهاية ولايته الحالية عام 2026، تأتي شائعات الانقلاب لتلاحقه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أثناء وجوده خارج البلاد للمشاركة في نيويورك باجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. التكهنات التي ظهرت بالتزامن مع مغادرة نغيسو العاصمة الكونغولية برازافيل، التي زعمت سيطرة قوات من الجيش على مؤسسات الدولة، نفتها الحكومة ووصفتها بـ«الشائعات الخيالية»، وطالبت الرأي العام بالهدوء، والمواطنين بممارسة نشاطاتهم المعتادة.

قبل بضعة أيام، وحول الوضع في الكونغو برازافيل، كتب تييري مونغالا، وزير الإعلام، في منشور على صفحته الشخصية بمنصة «إكس» («تويتر» سابقاً): «تنفي الحكومة الشائعات، وتؤكد أنه لم يحدث انقلاب عسكري في برازافيل، وتطالب الرأي العام بالهدوء، والمواطنين بممارسة نشاطاتهم المعتادة». كذلك نشرت الرئاسة الكونغولية، في وقت لاحق، شريط فيديو للرئيس لدى وصوله إلى مقر البعثة الكونغولية للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الغابون، الجارة الغربية للكونغو برازافيل، كانت آخر محطة وصل إليها قطار الانقلابات العسكرية الأفريقية، يوم 30 أغسطس (آب) الماضي، بعد كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو وغينيا.

النشأة والمسيرة

ولد دينيس ساسو نغيسو عام 1943 في منطقة في وسط المستعمرة الفرنسية السابقة التي تتجاور مع الغابون وجمهورية أفريقيا الوسطى والكاميرون وجمهورية الكونغو الديمقراطية. وبحسب نغيسو، فإن والده كان زعيماً للقرية ويقود رابطة للصيادين. وهو، بعد إنهائه دراسته الثانوية في مدرسة لوبومو الثانوية المحلية عام 1961، كان ينوي العمل مدرساً، بيد أنه فشل في الالتحاق بكلية تخرج المعلمين في العاصمة برازافيل، لأن ذلك كان يحتاج إلى علاقات سياسية لم تتوفر لديه ولدى أسرته، فالتحق بالجيش الذي أرسله إلى الجزائر وفرنسا لتلقي الإعداد العسكري. وبعد مسيرة في السلك العسكري، عيّن ساسو نغيسو عام 1963 قائداً للقوات المسلحة في برازافيل، وبحلول أوائل السبعينات من القرن الماضي، كان قد ارتقى إلى رتبة عقيد.

الصعود إلى السلطة

خلال هذا الوقت، لعب ساسو نغيسو دوراً نشطاً في السياسة، إذ انضم إلى حزب العمل الكونغولي الذي اعتنق الآيديولوجية الماركسية اللينينية وأصبح الحزب الحاكم والوحيد في البلاد في عام 1970. وغدا ساسو نغيسو مقرّباً من الرئيس اليساري الراحل ماريان نغوابي الذي تولّى الحكم بين عامي 1968 و1977، وعيّنه الرئيس وزيراً للدفاع عام 1975. غير أنه، بعد اغتيال نغوابي عام 1977، وعلى الرغم من نفوذ ساسو نغيسو الكبير داخل الجيش والحزب الحاكم، وصل يواكيم يومبي أوبانغو، منافسه داخل الحزب، إلى السلطة… بينما عيّن ساسو نغيسو نائباً أول لرئيس الجمهورية. ومع هذا، في ضوء فشل يومبي أوبانغو في فرض سيطرته على الجيش والحزب، أجبرته اللجنة العسكرية للحزب على الاستقالة في فبراير (شباط) 1979، وفي الشهر التالي نصّبت ساسو نغيسو رئيساً للجمهورية ورئيساً للحزب.

استقرار نسبي ثم سقوط وحرب

تمتعت البلاد في البداية بفترة من الاستقرار النسبي في عهد الرئيس الجديد، وأعاد الحزب انتخابه للرئاسة في عام 1984، ومرة ثالثة في عام 1989. وخلال تلك الفترة نجح ساسو نغيسو في التخلص من منافسيه وخصومه السياسيين في الحزب والجيش، ونجح في تقوية دعائم حكمه مستفيداً من اكتشاف احتياطات النفط في بلاده، ورواج الآيديولوجيا الماركسية في بلاده والقارة الأفريقية بمساندة الاتحاد السوفياتي والصين له. وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من التوجه اليساري للبلاد، ساعدته الاستثمارات الفرنسية في مجال النفط على تحقيق استقرار اقتصادي لا بأس له. غير أن انخفاض أسعار النفط في الثمانينات أدى إلى تعثر الاقتصاد الكونغولي، ما نجم عنه تآكل شعبية ساسو نغيسو وتزايد السخط الشعبي، وبالفعل، تصاعدت المطالبة بالديمقراطية وتنامت الاحتجاجات الشعبية، كما أجهض الرئيس انقلاباً عسكرياً ضد حكمه عام 1987، وتبنّى سياسات عنفية وقمعية ضد خصومه.

ومن ثم، وسط الأوضاع الاقتصادية السيئة وتراجع شعبية الرئيس، تخلى الحزب الحاكم رسمياً عن سياساته الماركسية اللينينية عام 1990. وهذه الخطوة ما كانت تبشر بالخير لساسو نغيسو، إذ تلاها إجراء أول انتخابات متعددة الأحزاب في البلاد خلال أغسطس 1992. وجرى إقصاء ساسو نغيسو في الجولة الأولى من التصويت بعدما حل ثالثاً، وانتُخب باسكال ليسوبا من حزب الاتحاد الأفريقي للتنمية الاجتماعية رئيساً.

عودة جديدة… بالقوة على الأثر، شكّل حزب ساسو نغيسو تحالف معارضة نظّم احتجاجات وعصياناً مدنياً ضد إدارة ليسوبا. ثم في عام 1993، اشتبكت الميليشيات الداعمة لساسو نغيسو مع القوات الحكومية، واستمر العنف المتصاعد في العام التالي وسقط جراءه عدد كبير من الضحايا. وبعد فترة هدوء نسبي عاد العنف ليستعر بين الجانبين في الأشهر التي سبقت الانتخابات الرئاسية والتشريعية عام 1997، ما أدى إلى اندلاع حرب أهلية طالت لمدة سنتين، سقط فيها آلاف القتلى ونزح مئات الآلاف.

وبعد الحرب، في خريف عام 1997، أُجبر ليسوبا على مغادرة البلاد، وأُعلن ساسو نغيسو رئيساً للبلاد مرة أخرى. وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار خلال عام 1999، واجه الرئيس العائد أعمال عنف لبعض الوقت في بعض مناطق البلاد. وبالإضافة إلى ذلك، واجه مشكلات اقتصادية مستمرة ومزاعم بالفساد داخل الحكومة.

انتخابات … بلا منافسين

أعيد انتخاب ساسو نغيسو عام 2002 في انتخابات شابها الجدل. وقاطع بعض مرشحي المعارضة السباق الانتخابي، زاعمين أن الإصلاح الديمقراطي لا يزال غائباً وأن الانتخابات لن تكون حرة ونزيهة. ونتيجة لذلك، لم يواجه الرئيس أي منافسة حقيقية، في حين شككت المعارضة في شرعية فوزه الساحق. وبعدها أعيد انتخابه في ظروف مشابهة عام 2009، ومجدداً، قاطع مرشحو المعارضة الأساسيون الانتخابات، وأُعيد انتخاب ساسو نغيسو بفارق كبير. لكن، على الرغم من ادعاء المعارضة وبعض المنظمات وقوع حوادث تزوير وترهيب، اعتبر المراقبون الدوليون من الاتحاد الأفريقي أن الانتخابات كانت حرة ونزيهة.

تعديل الدستور

من جهة ثانية، على الرغم من أن الدستور يمنع ساسو نغيسو من الترشح لولاية أخرى للرئاسة، اتُّخِذت خطوات للتغلب على هذا القيد. وجرى طرح اقتراح لتعديل الدستور لإلغاء حدود الولاية ورفع الحد الأقصى لسن المرشح الرئاسي – وهي من التغييرات التي من شأنها السماح للرئيس بالترشح لفترة رئاسية أخرى – للاستفتاء في أكتوبر (تشرين الأول) 2015. ومرة أخرى، قاطعت المعارضة الاستفتاء في حين ذكرت السلطات الرسمية أن 3 أرباع الناخبين المسجلين أدلوا بأصواتهم، بنسبة تأييد للتعديلات المقترحة وصلت إلى 92 في المائة.

وبعد التعديلات، رُشّح ساسو نغيسو مرشحاً رسمياً عن حزب العمل الحاكم في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 20 مارس (آذار) 2016، وسط انقطاع للاتصالات، ما أثار انتقادات شديدة. ومن ثم، أعلن فوز الرئيس بالانتخابات، وادعى المسؤولون أنه فاز بحوالي 60 في المائة من الأصوات، الأمر الذي اعترضت عليه المعارضة، وأدى إلى نشوب أعمال عنف احتوتها السلطات الأمنية. وفي انتخابات مارس 2021، أُعيد انتخابه، وورد رسمياً أنه حصل على أكثر من 88 في المائة من الأصوات، وهذا على الرغم من تكرار الظروف نفسها التي حدثت عام 2016، حين قاطعت المعارضة الرئيسة الانتخابات، وعُطّلت خدمة الإنترنت في البلاد، وكانت النتيجة محل نزاع، وسط تكرار المزاعم بتزوير الانتخابات.

في هذا السياق، كتب فافا تامبا، الباحث الكونغولي في الشؤون الأفريقية، في مقال نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعد انتخابات عام 2021، إن ساسو نغيسو «حريص على إجراء الانتخابات الشكلية لأنها تمنحه شكلاً من الشرعية، حتى لو كانت مزوّرة ومعيبة بشكل صارخ وتشبه ارتداء الإمبراطور لملابسه الجديدة».

وتابع أن ساسو نغيسو «أمير الحرب الذي أطاح باسكال ليسوبا، المنتخب ديمقراطياً، ليعيد تنصيب نفسه رئيساً عبر حرب أهلية خلّفت آلافاً من القتلى وظلت جرحاً مفتوحاً في البلاد، يريد سلطة غير محدودة طوال حياته. إلا أنه يريد أيضاً الحصول على موافقة من القوى الدولية على ذلك».

اتهامات بالفساد

ما يستحق الذكر أن ساسو نغيسو اتهم عدة مرات بالاختلاس وإساءة استخدام الأموال العامة وغسل الأموال. وفي مايو (أيار) 2009، أعلنت محكمة فرنسية إجراء تحقيق في ما إذا كان الرئيس الكونغولي، ومعه زعيمان أفريقيان هما عمر بونغو رئيس الغابون (آنذاك)، وتيودورو أوبيانغ نغويما مباسوغو رئيس غينيا الاستوائية، نهبوا خزائن دولهم لشراء منازل وسيارات فاخرة في فرنسا.

أيضاً، اتُّهم نجل ساسو نغيسو، دينيس كريستيل، وكان وقتها عضواً في المجلس التشريعي الوطني ووزير التعاون الدولي في الحكومة، بتلقي 50 مليون دولار أميركي من الخزانة الوطنية بشكل فاسد. وكذلك اتُّهمت ابنته كلوديا ليمبومبا، عضو المجلس التشريعي الوطني ورئيسة مكتب الاتصالات الرئاسية، باستخدام 20 مليون دولار من أموال الحكومة لشراء شقة في أبراج ترمب في مدينة نيويورك، واتُّهمت ابنة ثانية هي جوليان بغسل الأموال.

وفي هذا الإطار، يتهم الباحث الكونغولي تامبا القوى الغربية بالصمت حيال الفساد وتزوير الانتخابات في برازافيل، لافتاً إلى أن نصف الشعب يعيش في فقر مدقع، رغم غنى وثراء البلاد. ويعدّ تامبا أن الدولة محكومة بالفساد، وأن أي معارضة حقيقية «يُصار إلى قمعها بالقوة، ويجري استهداف المعارضين بالسجن والنفي وغيرهما من أشكال العنف». كذلك يرى تامبا أن الكونغو لم تتخلص بعد من الاستعمار بسبب حكم ساسو نغيسو وعائلته، مشيراً إلى أنه «بحلول نهاية عام 2026، سيكون ساسو نغيسو قد أمضى في السلطة فترة أطول من فترة حكم جوزيف ستالين وديكتاتور جمهورية أفريقيا الوسطى جان بيديل بوكاسا مجتمعين». ومن ثم، يضيف أنه «منذ عهد الاتحاد السوفياتي، لم تكن الكونغو برازافيل، الدولة التي يبلغ عدد سكانها 5.5 مليون نسمة، ومتوسط العمر فيها 17 سنة، ديمقراطية أو جمهورية من الناحية الليبرالية. بل يحكمها ساسو بقبضة من حديد».

ثم يشير إلى الحالة الاقتصادية السيئة المزمنة التي تعيشها البلاد حيث «يمضي موظفو الخدمة المدنية شهوراً من دون أجور ومعاشات تقاعدية. وتمر على المستشفيات أشهر من دون توفير الأدوية الأساسية».

أزمة انتقال السلطة في أفريقيا

أخيراً، ترى أماني الطويل، الباحثة المصرية في الشؤون الأفريقية، في حالة الرئيس ساسو نغيسو في الكونغو برازافيل، «تمثيلاً لمأساة كثير من الدول الأفريقية في ما يتعلق بالتحايل على عملية انتقال السلطة بشكل قانوني، وذلك عبر انتخابات شكلية مزورة والفساد واضطهاد المعارضين والمنافسين وإقصائهم أو عن طريق العنف المتمثل في الحروب الأهلية أو الانقلابات العسكرية». وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، رأت الطويل أن سيطرة رؤساء على السلطة بشكل غير قانوني يساهم في انعدام الاستقرار والأمن، وقد يؤدي إلى مزيد من الانقلابات العسكرية والحروب في أنحاء مختلفة من القارة. وتابعت: «على الاتحاد الأفريقي والقوى والمنظمات الدولية تبني مقاربات جديدة فاعلة تدعم عمليات تحوّل حقيقي للديمقراطية في القارة، والكفّ عن غض الطرف عن الانتخابات المزوّرة والفساد بكل أشكاله… لأن انعدام الأمن والاستقرار في أفريقيا يهدد الأمن العالمي».

تامر الهلالي

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




عدد المهاجرين القتلى والمفقودين في المتوسط زاد 3 مرات هذا الصيف

أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة الجمعة أنّ “البحر المتوسط بات مقبرة للأطفال”، وأن عدد المهاجرين الذين قضوا أو فقدوا خلال عبورهم هذا البحر في صيف 2023 ازداد ثلاث مرات مقارنة بالفترة نفسها من العام 2022، في خضم مفاوضات أوروبية بشأن قضية الهجرة.

وسُجّل غرق “ما لا يقل عن 990 شخصًا بينهم أطفال” في المنطقة الوسطى من البحر المتوسط بين حزيران/يونيو وآب/أغسطس 2023 “أي أكثر بثلاث مرات” مما كان عليه العدد في الفترة نفسها من 2022 عندما “قضى ما لا يقل عن 334 شخصا”.

ومنذ كانون الثاني/يناير 2023 توفي ما لا يقل عن 289 طفلا خلال عمليات عبور البحر، بحسب ما أفاد منسق اليونيسف في إيطاليا نيكولو ديل أرسيبريتي خلال مؤتمر صحافي في روما الجمعة.

وأوضحت اليونيسف أن 11600 “قاصر غير مصحوبين” حاولوا التوجه إلى إيطاليا بين كانون الثاني/يناير ومنتصف أيلول/سبتمبر 2023 في مراكب صغيرة أي بزيادة بنسبة 60 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي حين بلغ عددهم 7200.

وقالت رجينيا دي دومينيسيس منسقة هذه المسألة لدى اليونسيف إن “البحر المتوسط بات مقبرة للأطفال. الحصيلة المأساوية للأطفال الذين يموتون خلال سعيهم للحصول على الأمن والملجأ في أوروبا، أتت نتيجة الخيارات السياسية ونظام هجرة فاشل”.

وقالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين الخميس خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي مكرس للأزمة في المتوسط إن أكثر من 2500 مهاجر قضوا أو فقدوا بين الأول من كانون الثاني/يناير و24 أيلول/سبتمبر 2023 بزيادة نسبتها 50 بالمئة على سنة.

– تحديد العمر –

وأعادت صور الوافدين إلى جزيرة لامبيدوسا الإيطالية الصغيرة في منتصف أيلول/سبتمبر التركيز على قضية التعاون الأوروبي في إدارة تدفقات الهجرة.

وأثار وصول 8500 شخص إلى الجزيرة خلال ثلاثة أيام، أي أكثر من إجمالي عدد سكانها، أزمة محلية في لامبيدوسا وعاصفة سياسية في إيطاليا التي كثفت منذ ذلك الحين إجراءات الطوارئ والمراقبة.

ووافقت الحكومة الإيطالية برئاسة جورجيا ميلوني مساء الأربعاء على مشروع مرسوم يجيز وضع القاصرين غير المرافقين الذين تزيد أعمارهم عن 16 عاما لمدة أقصاها 90 يوما في أماكن مخصصة في مراكز استقبال للبالغين، وإخضاعهم لفحوص طبية لتحديد أعمارهم.

وما زال يتعين موافقة البرلمان على هذا المشروع، حيث تتمتع حكومة جورجيا ميلوني المحافظة بالأغلبية المطلقة. ويسمح النص باجراء قياسات وفحوص طبية ومنها الشعاعية لتحديد أعمارهم.

وحذرت ميلوني على صفحتها على فيسبوك، قائلةً “مع هذه القواعد الجديدة لن يكون من الممكن بعد اليوم الكذب بشأن العمر الحقيقي”.

واعتبر المتحدث باسم اليونيسف في إيطاليا أندريا ياكوميني الخميس أنه قرار “مقلق”.

– حرب وعنف وفقر –

على الساحة الأوروبية، أعاد الوضع في البحر الأبيض المتوسط إطلاق المناقشات في بروكسل حول ميثاق الهجرة الذي يشكل موضوع خلاف منذ قدّمته المفوضية الأوروبية في العام 2020.

وينص مشروع الإصلاح الأوروبي خصوصاً على تعزيز الحدود الخارجية وعلى آلية تضامن بين الدول السبع والعشرين في مجال التكفّل بملفّات طالبي اللجوء.

ومن المقرر أن يجتمع زعماء الدول المتوسطية التسع الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يوم الجمعة المقبل في مالطا للاتفاق بشأن هذه القضية.

واعتبرت رجينيا دي دومينيسيس أنّ “اعتماد استجابة على مستوى أوروبا لدعم الأطفال والأسر”، أمر “ضروري جداً لمنع معاناة المزيد من الأطفال”.

وأكدت اليونيسف أنّ “الحرب والصراعات والعنف والفقر” عوامل تدفع الأطفال “إلى الفرار من أوطانهم وحدهم”. ولفتت إلى أن مَن بلغوا الشواطئ الأوروبية تعرّضوا لمخاطر الغرق في البحر، و”الاستغلال والانتهاكات في كل مرحلة”، ليتم “احتجازهم” لدى وصولهم أولاً في مراكز، قبل نقلهم إلى مباني إيواء “مغلقة عادة”.

وأحصت المنظمة وجود 21 ألفًا و700 طفل غير مصحوبين بذويهم في هذه المراكز في إيطاليا، مقارنة مع 17700 طفل العام الماضي.

وفي هذا الإطار، اعتبر المتحدث باسم يونيسيف أندريا ياكوميني أن قرار إيطاليا بشأن القاصرين “مقلق”، مضيفاً “لا يمكننا وضعهم مع البالغين”.

المصدر: وكالة أ.ف.ب




عبر اللغة العبرية ومنهاج تعليمي محرّف.. إسرائيل تسعى لإخضاع المقدسيين 

مع بداية كل عام دراسي، تكثّف إسرائيل محاولاتها لفرض منهاجها التعليمي على المدارس الفلسطينية في مدينة القدس الشرقية المحتلة.
غير أن العام الدراسي الحالي، الذي بدأ في وقت سابق من سبتمبر/ أيلول الجاري، يبدأ مختلفاً، مع تخصيص حكومة الاحتلال المزيد من الميزانيات لتعليم اللغة العبرية وتنظيم أنشطة لا منهجية بالعبرية في المدينة.
وبلغ عدد سكان القدس بشطريها الشرقي والغربي 965 ألف نسمة، بينهم 375 ألف فلسطيني، أي حوالي 38.8% من السكان، بحسب دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، في وسط 2022.
ومن بين الفلسطينيين، بلغت نسب مَن هم دون 34 عاماً كما يلي: ما دون 14 سنة 36%، 14-19 سنة 12%، 20-24 سنة 10%، 25-29 سنة 8%، 30-34 سنة 6%.
ويشكو الفلسطينيون من أن حكومة الاحتلال تعمل على إخضاع شباب المدينة عبر تعليم العبرية، كخطوة نحو “دمج” المجتمع المقدسي في المجتمع الإسرائيلي.

تعيد إسرائيل طباعة المنهاج الدراسي الفلسطيني مع شطب كل ما يشير إلى الرواية والهوية الفلسطينيتين منه، ومحاولة فرضه على المدارس

رواية غير حقيقية

رئيس مؤسسة فيصل الحسيني (خاصة) عبد القادر الحسيني قال لـ “الأناضول”: “من الواضح أن الإسرائيليين بعد كل هذه السنوات فشلوا في أن يقلّلوا من عددنا، أو أن يسيطروا علينا ثقافياً، وبالتالي فإنهم بدأوا بتغيير مسارهم باتجاه محاولة دمج الفلسطينيين المقدسيين”.
وتابع أن “هذا يحتاج إلى عمل كثير في مجال الثقافة وغسيل الأدمغة، وهذا ما تفعله إسرائيل بدءاً بطرح رواية مختلفة عن روايتنا الحقيقية (بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة) ومحاولة فرضها على مدارسنا”.
ويقول المقدسيون إنه إضافة إلى محاولة فرض المنهاج التعليمي الإسرائيلي على المدارس في القدس، تعيد إسرائيل طباعة المنهاج الدراسي الفلسطيني مع شطب كل ما يشير إلى الرواية والهوية الفلسطينيتين منه، ومحاولة فرضه على المدارس.
وترفض غالبية المدارس في المدينة توزيع هذه الكتب، ويطلق عليها الفلسطينيون اسم “المنهاج المحرّف” .
وخلال الأشهر الماضية، وجّهت كل من بلدية الاحتلال في القدس ودائرة المعارف الإسرائيلية تهديدات إلى إدارات مدارس في المدينة بسحب تراخيص عملها، في حال وزّعت كتب المنهاج التعليمي الفلسطيني على الطلاب.
ومستنكراً، قال الحسيني: “يأتون برواية معادية لنا، ولا تحكي تاريخنا الحقيقي، وإنما تحكي عن تاريخ مزيف، ويحاولون فرضها علينا”.
وأضاف: “في المدارس الحكومية التابعة لإسرائيل، أدخلت حوالي 24 من أصل 100 مدرسة مساق المنهاج الإسرائيلي “الباجروت”، وهناك أيضاً 8 مدارس خاصة معظمها صغيرة أدخلت هذا المنهاج”.
الحسيني استدرك: “ولكن معظم المدارس، بما فيها تلك التي تدار من قِبل الاحتلال الإسرائيلي، تعّلم المنهاج التعليمي الفلسطيني التوجيهي”.

أسرلة التعليم

ولا تخفي إسرائيل سعيها إلى فرض المنهاج الإسرائيلي على المدارس قي القدس الشرقية كخطوة نحو “الاندماج في المجتمع الإسرائيلي”.
وفي اجتماع للجنة البرلمانية لبرامج التعليم بالقدس الشرقية، في يوليو/ تموز الماضي، قال عضو الكنيست من حزب “هناك مستقبل” موشيه طور باز: “إذا قامت اللجنة بتشجيع هذا الاقتراح (فرض المنهاج الإسرائيلي)، فإن معظم سكان القدس الشرقية سيسعدون بتعلّم المنهاج الإسرائيلي والاندماج بشكل ملائم في المجتمع الإسرائيلي”.
وفي نهاية أغسطس/آب الماضي، أقرّت الحكومة خطة خمسية للسنوات 2024 وحتى 2028 بقيمة 3.2 مليار شيكل (843 مليون دولار) لأسرلة التعليم، وتنفيذ مشاريع استيطانية بالقدس الشرقية.
وتخصص الخطة ما لا يقل عن 800 مليون شيكل (209 ملايين دولار) لفرض المنهاج التعليمي الإسرائيلي وبرامج اللغة العبرية في المدينة، بحسب نص الخطة التي اطلعت عليها “الأناضول”.
وآنذاك، اعتبر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أنه من خلال الخطة “نغّير وجه القدس”، مضيفاً: “نحن نعزّز الحكم في القدس، نحن نوحّد القدس”.
وبموازاة ذلك، ازدادت بشكل ملحوظ في القدس الشرقية مراكز تعليم اللغة العبرية، وتم مؤخراً افتتاح مركز إسرائيلي لدراسات التكنولوجيا المتقدمة في وسط المدينة.
ويدرس القسم الأكبر من الطلاب الفلسطينيين في المدينة بالجامعات الفلسطينية في الضفة الغربية، أو الجامعات خارج الأراضي الفلسطينية وقسم أقل في الجامعات والمعاهد الإسرائيلية.
ولكن إسرائيل تشجع هؤلاء الطلاب على الدراسة في جامعاتها ومعاهدها، وتعتبر أن الطريق لذلك يبدأ بدراسة المنهاج الإسرائيلي في المدارس.

القوة العاملة الرئيسية

“بعد فشل طردنا من المدينة، فإنهم يلجأون إلى محاولة الاحتواء والدمج”، كما أضاف الحسيني.
وأردف: “ديمغرافية القدس الغربية هي في غالبيتها من اليهود المتدينين الذين لا يعملون في الكثير من الوظائف، ونحن في القدس الشرقية، القوة العاملة الرئيسية في المستقبل، وبالتالي من الممكن أن الإسرائيليين وجدوا أن من الضروري دمجنا شريطة أن نبقى في أدنى السلم الاقتصادي والاجتماعي”.
الحسيني تابع أنه “من أجل ذلك نلاحظ أن هناك تعليم لغة عبرية، ومحاولة فرض المنهاج”.
وقال الائتلاف الأهلي لحقوق الفلسطينيين في القدس (مؤسسة أهلية)، في بيان مؤخراً: “جزء كبير من ميزانية الخطة، حوالي 800 مليون شيكل، يذهب الى أسرلة وتهويد التعليم، حيث ربط دعم التعليم بتطبيق نظام التعليم الإسرائيلي من خلال زيادة عدد المدارس التي تستخدم نظام “الباجروت” وتدريس المنهاج الاسرائيلي وزيادة عدد الطلبة الذين يدرسون ضمن المنهاج الإسرائيلي”.

وجّهت كل من بلدية الاحتلال في القدس ودائرة المعارف الإسرائيلية تهديدات إلى إدارات مدارس في المدينة بسحب تراخيص عملها، في حال وزّعت كتب المنهاج التعليمي الفلسطيني على الطلاب

أما الحسيني فشدد على أن “هذه السياسة الإسرائيلية مبنية على أساس أمني، فحتى إدارة التعليم الإسرائيلية يديرها أناس مع خلفيات أمنية، وهي لن تجلب لا استقرار ولا سلام ولا هدوء، وإنما الكبت الشديد الذي سيولد في لحظة معينة الانفجار”.

قلب الدولة الفلسطينية

وعبَّرت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مراراً عن قلقها من تصاعد الاتجاه الوطني لدى الشباب الفلسطيني في القدس الشرقية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالاعتداءات على المسجد الأقصى.
وفي خطب الجمعة، يدعو خطباء المساجد الأهالي إلى الامتناع عن إرسال أبنائهم إلى المدارس التي تعلم المنهاج الإسرائيلي، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي يحذر نشطاء من هذا المنهاج.
وقال الحسيني: “لدينا مدارسنا ومؤسساتنا ومراكزنا، صحيح أنها تعاني بشكل كبير، ولكنها الضمانة الوحيدة لكي نحافظ على هويتنا وعلى روايتنا وعلى وجودنا وعلى طموحنا بأن نكون جزءاً لا يتجزأ وقلب الدولة الفلسطينية”.

الحسيني: السياسة الإسرائيلية مبنية على أساس أمني، فحتى إدارة التعليم الإسرائيلية يديرها أناس مع خلفيات أمنية، وهي لن تجلب لا استقرار ولا سلام ولا هدوء

وزاد بأنه “إذا كان الإسرائيلي يريد أن يعمل الشيء الصحيح، فمن المفترض أنه بدلاً من محاولة احتواء الفلسطيني بالقدس أن يحترم طموح الفلسطيني، فنحن نريد استقلالنا وأن نكون جزءاً من الدولة الفلسطينية”.
الحسيني أردف: “طالما أن هناك مخاوف، فهذا يعني أن هناك وعياً، وهذا ما نعبّر عنه من خلال الرسائل، بأن على الناس أن يكونوا معتدّين بثقافتهم ومتمسكين بحقهم في الحرية والاستقلال، فلقمة العيش مهمة، ولكن من حقك أيضاً أن تحصل على استقلالك”.
وتزعم إسرائيل أن القدس، بشطريها الشرقي والغربي، عاصمةً لها، بينما يتمسك الفلسطينيون بالقدس الشرقية عاصمةً لدولتهم المأمولة، استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية، التي لا تعترف باحتلال إسرائيل للمدينة عام 1967 ولا بضمّها إليها في 1981.

المصدر: وكالة الأناضول




للوسط العربي في إسرائيل: هبوا لعصيان مدني في وجه دولة عنصرية لا تراكم فيها مواطنين

حوالي 2000 مواطن عربي قتلوا منذ بداية العام 2000 في دولة إسرائيل. غالبيتهم الساحقة على يد عصابات الجريمة المنظمة في المجتمع العربي الفلسطيني. في الدولة، التي كلها أذرع أمن وتمتد على مساحة جغرافية صغيرة نسبياً، نشاهد ظاهرة واضحة ومدمرة: نفس هذه الدولة، مع الأجهزة الأمنية والشرطية، يمكنها توفير الأمن لمعظم مواطنيها اليهود الذين يشكلون 80 في المئة من إجمالي سكانها، وتحرم المجتمع العربي من الأمن، الذي يشكل 20 في المئة من إجمالي سكانها.
منذ سنوات، يناضل جميع زعماء المجتمع العربي في إسرائيل لتقوم الدولة بدورها الأساسي والأهم – توفير الأمن لجميع المواطنين ومكافحة الجريمة المنظمة الآخذة في الازدياد. المجتمع العربي الفلسطيني استخدم جميع الوسائل القانونية لزيادة الوعي وتحدي الجريمة فيه. خلال سنوات، أغلقنا الشوارع ونظمنا اعتصامات احتجاج وإضرابات والتظاهر في عدة أماكن، طرحنا الموضوع في وسائل الإعلام، وكل أعضاء الكنيست طرحوا الموضوع للنقاش في الكنيست ولجانها، وتم عقد عشرات الجلسات مع قيادة الشرطة. وكل ذلك لم يؤد إلى استئصال الجريمة، بل ازدادت قوة منظمات الجريمة في المجتمع العربي.
بعد تقويض جميع الادعاءات المستخفة والعنصرية التي استهدفت تبرير عجز الشرطة بذريعة الثقافة الفاسدة وعدم التعاون من السكان العرب وغير ذلك، نقف في هذه الأثناء أمام صراع وهمي: تبادل الاتهامات بين “الشاباك” والشرطة حول من هو المسؤول منهما عن الوضع البائس الذي وصلنا إليه، والذي تسيطر فيه عصابات الجريمة على كل جزء جيد في المجتمع العربي وتدمره. في الوقت نفسه، لم نسمع عن قادة كبار في “الشاباك” أو في الشرطة أقيلوا من وظائفهم بسبب الكارثة التي تسببوا بها في أعقاب السياسة العنصرية والتمييز بين الدم اليهودي والدم العربي.
عدم رغبة الشرطة وأجهزة الأمن والحكومات المختلفة في استئصال الجريمة في المجتمع العربي – الفلسطيني في إسرائيل، لا يترك أمامنا أي خيار عدا التوجه إلى النضال بوسائل أخرى. علينا البدء في الانتظام لقيادة عصيان مدني لإنقاذ حياتنا ومستقبلنا ومستقبل أولادنا. هذا العصيان يشمل نشاطات جماهيرية غير عنيفة تهدف إلى إحداث التغيير في سياسة الشرطة والحكومة في قضية مكافحة الجريمة المنظمة في المجتمع العربي.
بدون أدنى شك، الأغلبية اليهودية في الدولة التي لا تواجه تحدياً مشابهاً، قد يبدو هذا الأمر سخيفاً لها، ولكن الأقلية الفلسطينية في 2023، التي حُرمت من جزء كبير من الحقوق وهي تتعرض للتمييز في كل مجالات الحياة، في الدولة اليهودية والديمقراطية، أصبحت مضطرة للكفاح من أجل حق أساسي، وهو فوق كل قانون – الحق في الحياة.
السبب الرئيسي للحاجة إلى عصيان مدني من أجل النضال على حق أساسي هو عنصرية الشرطة وأجهزة الأمن والمستوى السياسي في الدولة اليهودية. لو أنه كان لحياة المواطن العربي نفس الأهمية في نظر الشرطة ومتخذي القرارات كما هي الحال بالنسبة للمواطن اليهودي، لما وصلنا إلى الوضع الخطير الذي وصل إليه المجتمع العربي في السنوات الأخيرة. لذلك، فإن جزءاً من النضال من أجل الحق في الحياة بأمان هو مكافحة العنصرية التي تلون أجهزة ومؤسسات الدولة اليهودية.
لقد حان الوقت لتغيير المرحلة وإعداد المجتمع لعصيان مدني طويل المدى. لن يكون هذا سهلاً، لكنه سيكون بداية طريق جديدة في العلاقات بين الأقلية الفلسطينية ودولة إسرائيل.
سامي أبو شحادة

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية




الغارديان: طالما تمسك بايدن بالترشح لانتخابات 2024 فعلى العالم التحضير لكارثة ترامب 2

نشرت صحيفة “الغارديان” مقالا للمعلق تيموثي غارتون آش قال فيه إنه ظل يسأل خلال الشهرين اللذين قضاهما في الولايات المتحدة هذا الصيف كل صحافي وأكاديمي ومحلل يقابله سؤالا واحدا بسيطا: “من سيكون الرئيس القادم للولايات المتحدة؟” وكان الرد عادة هو نفسه. في البداية كان هناك تردد واضح، ثم يقولون: “حسنا، ربما جو بايدن، ولكن…”.

وقال آش إن ما أعقب كلمة “لكن” كان عبارة عن قائمة طويلة من المخاوف، تتعلق جزئيا باتجاهات أعمق ولكن بشكل أساسي حول مدى كبر سن الرئيس البالغ من العمر 80 عاما وضعفه. وفي كثير من الأحيان، كانت تنتهي المحادثة بالقول إنه سيكون من الأفضل أن يتنحى بايدن جانبا، للسماح لمرشح أصغر سنا بقلب ورقة العمر ضد دونالد ترامب البالغ من العمر 77 عاما.

معلقون: سيكون من الأفضل أن يتنحى بايدن جانبا، للسماح لمرشح أصغر سنا بقلب ورقة العمر ضد دونالد ترامب

وأضاف الكاتب أن بايدن كان رئيسا جيدا للولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن الانسحاب من أفغانستان كان فوضويا، إلا أنه تعامل مع جائحة كوفيد بشكل جيد ويتعامل مع الحرب في أوكرانيا بشكل جيد إلى حد ما. وهو يرأس اقتصادا نابضا بالحياة بشكل ملحوظ، حيث يعمل الإنفاق العام على غرار الصفقة الجديدة على تسريع التحول الأخضر وخلق فرص العمل. ولكن إذا تعثر – جسديا أو عقليا أو سياسيا – خلال الماراثون المرهق الذي تمثله حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وسمح لترامب بالعودة، فإن هذا هو الشيء الوحيد الذي سيتذكره بايدن.

وأشار غارتون آش في مقاله إلى أن استطلاعا للرأي أجرته شبكة إن بي سي مؤخرا، أظهر أن ترامب وبايدن متقاربان، إذ سجل كل منهما 46%. إن أي عامل من بين عدد من العوامل التي لا علاقة لها بشخصيات وأداء المرشحين قد يرجح كفة مثل هذه الانتخابات المتقاربة. وفي البيئة الإعلامية شديدة الاستقطاب في البلاد، فإن العديد من الناخبين الجمهوريين لا يرون ببساطة أن الاقتصاد في حالة جيدة. وسيضيف الذكاء الاصطناعي إلى الاحتمال المرتفع بالفعل لنشر معلومات مضللة، مع حرص فلاديمير بوتين بالتأكيد على قلب الموازين لصالح ترامب. ومن المرجح أن تحصل مبادرات مرشح حزب ثالث، مثل مبادرة الوسط حسنة النية حزب “No Labels” والحملة البيئية التقدمية التي يقودها الناشط الفكري كورنيل ويست، على أصوات من الديمقراطيين أكثر من أصوات الجمهوريين.

الأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للديمقراطيين هو أن هناك اتجاها نحو تحول الناخبين السود واللاتينيين وغيرهم من غير البيض من الديمقراطيين إلى الجمهوريين

وأكد أن الأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للديمقراطيين هو أن هناك اتجاها نحو تحول الناخبين السود واللاتينيين وغيرهم من غير البيض من الديمقراطيين إلى الجمهوريين، وخاصة من بايدن إلى ترامب. هناك تفسيرات اجتماعية وتاريخية لذلك، فضلا عن الجاذبية الغريبة لترامب نفسه، ولكن ليس هناك شك في أن عمر بايدن وضعفه يلعبان دورا.

وذكر أنه في استطلاع للرأي أجري مؤخرا، قال ثلاثة من كل أربعة أمريكيين إن بايدن كبير جدا بحيث يجب أن لا يسمح له بفترة ولاية ثانية (يكون عمره في نهايتها 86 عاما). وأعرب نصف الذين شملهم الاستطلاع عن نفس القلق بشأن ترامب. وأضاف آش أنه تحدث إلى أربعة أفراد رأوا بايدن عن كثب في الأشهر الأخيرة. قالوا إنه بخير عقليا، لكن شيخوخته واضحة. وعلق أحدهم على الطريقة التي يتلاشى بها صوته أحيانا إلى أن يصبح غير مسموع تقريبا في نهاية الجملة.

وقال آش إنه سيتم الكشف عن كل هذا بلا رحمة في التغطية الإعلامية لحملة الانتخابات الرئاسية على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع. لقد لعب سقوط المرشح الرئاسي الجمهوري بوب دول من منصة التجمع الانتخابي دورا في هزيمته في عام 1996. وكان دول صغيرا بالمقارنة يبلغ من العمر 73 عاما، في بيئة إعلامية أكثر هدوءا.

وأوضح كاتب المقال أن بايدن يأتي بعبء آخر. فنظرا لعمره، سيتم تركيز اهتمام غير عادي على نائبته، التي قد تضطر إلى شغل المقعد الساخن. لكن نائبة الرئيس، كامالا هاريس، لا تمثل رصيدا انتخابيا عظيما، ولا تكاد تكون مقنعة بأن تشغل منصب “زعيمة محتملة للعالم الحر”. على الرغم من الحماس الأولي، فقد بدت هامشية بالنسبة للرئاسة، ولديها معدل تأييد أقل حتى من معدل تأييد بايدن، ولم يكن لها أي بصمة تقريبا على المسرح العالمي.

وأضاف الكاتب أن لدى ترامب، بطبيعة الحال، أعباء ضخمة أيضا ــ وفي المقام الأول، الدعاوى القضائية المتعددة التي تستهلك الكثير من وقته وتمويل حملته. إذا كان جاك سميث، المدعي العام في القضية المركزية المتعلقة بالاحتيال المحتمل في الانتخابات الرئاسية لعام 2020، فعالا كما يتصور البعض، فقد يكون ترامب في السجن عندما يصوت الأمريكيون في تشرين الثاني/ نوفمبر العام المقبل. ومع ذلك، فمن المثير للدهشة بالنسبة لأي شخص من خارج البلاد أن هناك القليل من الأدلة التي تشير إلى أن هذه الملاحقات القضائية قد أضرت حتى الآن بشكل خطير بآفاقه الانتخابية.

من المثير للدهشة بالنسبة لأي شخص من خارج البلاد أن هناك القليل من الأدلة التي تشير إلى أن هذه الملاحقات القضائية قد أضرت حتى الآن بشكل خطير بآفاق ترامب الانتخابية

واستدرك قائلا إن من الواضح أن هناك أيضا مخاطر مرتبطة بتنحي بايدن في هذه المرحلة المتأخرة. فقد أعرب بعض المراقبين عن قلقهم من أن ائتلاف الحزب الديمقراطي متعدد الألوان الهش يمكن أن يمزق نفسه إذا طلب منه العثور على مرشح جديد. واختلف معه عضو سابق في الكونغرس، مشيرا إلى التأثير التأديبي لتهديد ترامب. من المؤكد أن هناك متنافسين ذوي مصداقية من جيل الشباب، مثل حاكم ولاية بنسلفانيا، جوش شابيرو (الذي يمكن أن يكون أول رئيس يهودي)، أو حاكمة ميشيغان، غريتشن ويتمر (التي يمكن أن تكون أول رئيسة)، أو حاكم ولاية كاليفورنيا ، غافين نيوسوم.

وأكد الكاتب أن مثل أولئك المرشحين لن يقلبوا ورقة العمر ضد ترامب فحسب، ولكنهم سيجددون صورة الولايات المتحدة في العالم. في هذه اللحظة، ينظر الناس في الخارج بدهشة على ما يبدو لنا وكأنه حكومة شيوخ في واشنطن. بايدن يقترب من 81 عاما، وترامب 77 عاما. زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل 81 عاما، يتجمد لمدة نصف دقيقة مثل جهاز كمبيوتر قديم مع اتصال سيء بالإنترنت. رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي، التي تترشح مرة أخرى عن عمر يناهز 83 عاما. وهو ما لا يمكن تصديقه ويجب أن يتغير.

ويقول آش إنه مع ذلك، هناك شيء واحد واضح: الشخص الوحيد الذي يمكنه اتخاذ هذا القرار هو بايدن، مع زوجته جيل. وإذا حدث ذلك، فمن الأفضل أن يتم بسرعة، حتى يتمكن المرشحون الأصغر سنا من الإعلان عن أنفسهم، وجمع الأموال الكافية وتنظيم الحملات الوطنية، وبعد ذلك يمكن اختيار واحد منهم واختيار مرشح موثوق به لمنصب نائب الرئيس. وقال أحد المراقبين للسياسة الأمريكية منذ فترة طويلة: “لا بد أن يكون ذلك قبل عيد الشكر”. وهذا على بعد أقل من شهرين.

عند هذه النقطة، ربما يتساءل بعض القراء الأمريكيين: “من هذا البريطاني الذي يخبرنا بما يتعين علينا أن نفعله؟” كل ما أود قوله ردا على ذلك هو: “آسف، لكن هذه الانتخابات لن تحدد مستقبلك فقط.”

وأشار الكاتب إلى أن هناك مجموعة من الانتخابات المثيرة للاهتمام مقبلة على هذا الجانب من الأطلسي: انتخابات بولندية حاسمة الشهر المقبل، والتي قد تحدد مستقبل الديمقراطية الهشة؛ انتخابات البرلمان الأوروبي في حزيران/ يونيو المقبل، والتي قد تشهد تحولا حادا نحو اليمين الشعبوي. والانتخابات العامة البريطانية، والتي قد تشهد عودة المملكة المتحدة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي إلى شيء يقارب التعقل. وربما حتى الانتخابات الرئاسية الأوكرانية. لن تكون أي من هذه الانتخابات الأوروبية ذات أهمية بالنسبة لأوروبا مثل الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة.

رئاسة ترامب ثانية ستكون بمثابة كارثة للولايات المتحدة ولأوكرانيا، وحالة طوارئ لأوروبا، وأزمة للغرب

ويخلص إلى أن رئاسة ترامب ثانية ستكون بمثابة كارثة بالنسبة للولايات المتحدة. كما أنها ستكون بمثابة كارثة بالنسبة لأوكرانيا، وحالة طوارئ لأوروبا، وأزمة للغرب. إذا تنحى بايدن الآن، فسوف يكرمه الديمقراطيون في كل مكان، في حين يستطيع الديمقراطيون الأمريكيون اختيار مرشح أصغر سنا للتغلب على ترامب ــ وربما حتى إلهام العالم مرة أخرى بشعور من الديناميكية الأمريكية.

المصدر: صحيفة الغارديان البريطانية

ترجمة: صحيفة القدس العربي




بوتين يعيّن «الأشيب» قائدا لـ «فاغنر» في أوكرانيا… ويشيد بسجناء سابقين قتلوا على الجبهة

التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس الجمعة، مع أندريه تروشيف، أحد أبرز القادة السابقين في مجموعة فاغنر العسكرية الخاصة، لبحث إمكانية مشاركة «الوحدات التطوعية» في حرب أوكرانيا. وكلفه بوتين بتشكيل وحدات جديدة من المتطوعين للقتال في الجبهة.
وظهر بوتين على التلفزيون الرسمي خلال اجتماع في الكرملين مع تروشيف المعروف بالاسم الحركي (سيدوي) أو الأشيب ذي الشعر الرمادي.
وخلال الاجتماع مع أندريه تروشيف ونائب وزير الدفاع يونس بك يفكوروف، مساء الخميس، أصدر بوتين القرار. وقال بوتين إنهما تحدثا عن كيفية «تنفيذ الوحدات التطوعية مهمات قتالية مختلفة، لا سيما في منطقة العملية العسكرية الخاصة بالطبع». وأضاف بوتين مخاطبا تروشيف: «أنت نفسك تقاتل في واحدة من هذه الوحدات منذ أكثر من عام، أنت تعلم ماهية الأمر وكيف يتم، وتعرف المشكلات التي يتعين حلها بشكل عاجل حتى تسير الأعمال القتالية بأفضل الطرق وأكثرها نجاحا».
وبدا أن اجتماع بوتين في الكرملين يشير إلى أن من تبقوا في فاغنر سيخضعون لإشراف تروشيف ويفكوروف.
ورأى بوتين الجمعة أن المحكومين الذين تم تجنيدهم في السجون وقتلوا بالآلاف على الجبهة في أوكرانيا، «سددوا» دينهم للمجتمع.
وقال بوتين خلال استقباله في الكرملين جنودا روسا تميزوا، وفق موسكو، خلال القتال في أوكرانيا، «لقد ماتوا. نحن جميعا بشر، كل منا يمكن ان يرتكب أخطاء، لقد فعلوا ذلك. بذلوا حياتهم من أجل وطنهم وسددوا دينهم الى أقصى حد».
واضاف «سنبذل كل ما في وسعنا لمساعدة عائلاتهم».
وتم تجنيد عشرات آلاف المعتقلين في السجون الروسية للقتال على الجبهة، مقابل وعد بالإفراج عنهم، بعد بدء الهجوم على أوكرانيا في شباط/فبراير 2022. وقامت مجموعة فاغنر الروسية بهذا التجنيد ومثلها الجيش النظامي.
وستبدأ روسيا موجة أخرى من التجنيد الإجباري في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر، لكن الجيش أكد مجددا أن الجنود الجدد لن يتم نقلهم إلى ساحة الحرب.
وسيتم استدعاء الجنود للخدمة العسكرية الأساسية لمدة 12 شهرا، لكن لن يتم نشرهم في منطقة الحرب، طبقا لما ذكره الأدميرال فلاديمير زيمليانسكي، المسؤول عن التجنيد في هيئة الأركان العامة. وأضاف أن «هناك ما يكفي من المتطوعين الذين يقومون بالخدمة العسكرية ويؤدون المهام المناسبة» في أوكرانيا.
ولم يعط زيمليانسكي أرقاما ًمحددة حول عدد المجندين الذين سيتم استدعاؤهم، هذه المرة، خلال التجنيد في الخريف. وعادة ما يبلغ عدد المجندين حوالى 120 ألفا. وفي الربيع، تم استدعاء 147 ألف شخص.

المصدر: صحيفة القدس العربي




نيويورك تايمز: تحقيق يكشف عن العملية السرية للإمارات لدعم حميدتي من تشاد

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريراً أعده كل من اريك شميدت وديكلان وولش وكريستوفر كوتيل قالوا فيه إن دولة الإمارات العربية المتحدة تدعو علناً لتسوية سلمية في السودان، ولكنها تقوم سراً بتغذية الحرب.

فمن قاعدة بعيدة في تشاد، تقوم أبو ظبي بنقل الأسلحة، وتقدم العناية الطبية لجانب من الصراع المتصاعد في السودان.

 ونقلت الصحيفة عن مسؤولين قولهم إن الإمارات تقوم، وتحت ستار إنقاذ اللاجئين الهاربين من الحرب، بإدارة عملية سرية متقنة لدعم أحد أطراف الحرب وتقديم العناية الطبية للمقاتلين الجرحى، ونقل الحالات الخطيرة جواً لواحدة من مستشفياتها، وذلك حسب دزينة من المسؤولين الحاليين والسابقين من الولايات المتحدة وأوروبا والدول الأفريقية.

وتدار العملية من قاعدة عسكرية ومستشفى بعيدة عن الحدود السودانية في تشاد، حيث تهبط طائرات شحن تجاري من الإمارات، وبشكل شبه يومي، في القاعدة، ومنذ حزيران/يونيو، وذلك حسب صور التقطتها الأقمار الاصطناعية والمسؤولون الذين طلبوا عدم الكشف عن هويتهم.

 وتعلق الصحيفة بأن هذا مثال آخر عن محاولة الإمارات، الدولة الحليفة والمهمة للولايات المتحدة في الخليج، استخدام ثروتها وترسانتها العسكرية للعب دور مهم، وأحياناً دور عراب السلطة في أفريقيا.

وفي السودان، فإن الأدلة كلها تشير إلى دعم قوات “الدعم السريع”، القوة شبه العسكرية المرتبطة بجماعة فاغنر الروسية المتهمة بارتكاب جرائم. وتخوض قوات “الدعم السريع” حرباً ضد الجيش النظامي في نزاع خلف  5.000 قتيل، وشرد أكثر من أربعة ملايين شخص.

ويؤكد الإماراتيون أن عمليتهم على الحدود هي إنسانية بحتة.

يقول سودانيون إن تدخل الإمارات في بلادهم ازداوجية شنيعة، فمن جهة تتحدث عن السلام وتغذّي الحرب، وتزعم من جهة أخرى أنها تساعد اللاجئين، وتعالج الجنود

ومن بداية وصول الطائرات إلى بلدة أم جراس التشادية، نشرت وكالة الأنباء الرسمية صوراً عن مستشفى ميداني حديث ولامع، حيث قالت إنه عالج أكثر من 6.000 مريض، منذ تموز/يوليو.

وأظهرت لقطات فيديو المسؤولين الإماراتيين وهم يقدمون رزم المساعدة خارج البيوت المبنية من القش في القرى المجاورة، أو يتبرعون بالأغنام أو يعمرون المدارس. بل وقاموا بتنظيم مسابقة هجن. والهدف هو دعم اللاجئين السوادنيين الذين فر معظمهم من العنف الطائفي بمنطقة دار فور.

لكن عدد اللاجئين الذين سجلوا في أم جراس، منذ بداية الحرب، لم يتجاوز 250 لاجئاً، وفقاً لوكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. فالعملية الطارئة لمساعدة اللاجئين تبعد عن البلد مئات الأميال جنوباً، أو مسافة يومين بالسيارة عبر الصحراء، حيث ازدحم 420.000 لاجئ سوداني وصلوا إلى معسكرات ممتدة، ووسط ظروف يائسة. وفي الحقيقة تقوم الإمارات باستخدام الدعم الإنساني كستار لمساعدة زعيم “الدعم السريع” محمد حمدان دقلو، حميدتي. وهو زعيم ميليشيا سابق في دار فور بسمعة تتسم بالقسوة وعلاقات طويلة مع الإمارات. وقال مسؤول أمريكي بارز: “ينظر الإماراتيون لحميدتي باعتباره رجلهم” و “شاهدنا هذا في أماكن أخرى، يختارون رجلاً ويدعمونه طوال الوقت”.

وكلاعب مهم في أفريقيا، وقع الإماراتيون عقوداً تجارية بمليارات الدولارات لتطوير مناجم في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأرصدة الكربون في ليبريا وتطوير موانئ في الصومال والسودان وتنزانيا.

ففي شرق ليبيا، سلحت الإمارات أمير الحرب خليفة حفتر، في خرق لحظر تصدير السلاح الذي فرضته الأمم المتحدة.

 وقدمت المسيرات القتالية لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في مرحلة حرجة من حربه مع ثوار التيغراي، عام 2020، ما حرف ميزان الحرب لصالحه. وكانت الإمارات تدفع للسلام في السودان، وكعضو في الرباعية المكونة من الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية، فهي تحاول التوصل لحل تفاوضي، لكن الأسلحة الإماراتية تغذي الحرب. واستخدم المقاتلون التابعون لحميدتي، في الأسابيع الماضية، صواريخ كورنيت، المضادة للدبابات، والتي حصلوا عليها من الإمارات، وقاموا باستهداف قاعدة محصنة لسلاح المدرعات في العاصمة، حسب مسؤولين سودانيين وأمريكيين. ولم ترد وزارة الخارجية الإماراتية على قائمة من الأسئلة، لكنها نفت سابقاً تقديم دعم لطرف في الحرب السودانية.

وتعلق الصحيفة بأن العملية السرية في السودان أغضبت الأمريكيين الذين يشعرون بعدم ارتياح من علاقات أبو ظبي القريبة من روسيا والصين.

واستقبل حاكم الإمارات 5.000 جندي أمريكي في دولته البترولية، لكن دعمه لحميدتي  يجعله في صف داعم أجنبي آخر، وهو مرتزقة فاغنر الروسية.

وتشير الصحيفة إلى تقرير غير منشور لمحققي الأمم المتحدة قدم لمجلس الأمن الدولي، وحصلت عليه “نيويورك تايمز”، ويفصل الطريقة التي حصل فيها حميدتي على  صواريخ أرض– جو من قواعد في جمهورية أفريقيا الوسطى، في نيسان/أبريل وأيار/مايو. وقدمت فاغنر الصواريخ، حسب مسؤول في الأمم المتحدة. واستخدمت لإسقاط عدد من المقاتلات السودانية حسب مسؤولين سودانيين. ولم ترد قوات الدعم السريع على أسئلة الصحيفة، لكنها أنكرت سابقاً أي صلة مع فاغنر.

وقال متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي، معلقاً على سؤال حول نشاطات الإمارات في أم جراس، إن الإمارات عبّرت عن قلقها “لكل اللاعبين الخارجيين الذين يشك بتزويدهم أي جانب في الحرب السودانية، بمن فيهم الإمارات”. ويرى النقاد السودانيون أن تدخل الإمارات هو ازداوجية شنيعة، فمن جهة تتحدث عن السلام وتغذي الحرب، وتزعم من جهة أخرى أنها تساعد اللاجئين، وتعالج الجنود الذين أجبروهم على الفرار.

محلل سابق في “سي آي إيه”: عمل الإماراتيون أكثر من أي طرف آخر على مساعدة الدعم السريع وإطالة أمد النزاع.. والدعم يتم بدون بصمات

وقال حسام محجوب، مؤسس “بكرة”، وهي شركة إعلامية سودانية مستقلة: “هذا يجعلني غاضباً ومحبطاً”، و”قد شاهدنا هذا من قبل في دول مثل ليبيا واليمن، حيث تقول الإمارات إنها تريد السلام والاستقرار، تعمل كل شيء للعمل ضده”.

 وبدأت العملية في أم جراس منتصف حزيران/يونيو، وبعد شهرين على بدء الحرب. وفي ذلك الوقت، التقى الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي الزعيم الإماراتي بن زايد، في واحد من قصوره في أبو ظبي، وعاد ديبي إلى انجامينا بقرض 1.5 مليار، مع أن ميزانية تشاد السنوية هي 1.8 مليار دولار، وبوعود بتزويده بعربات عسكرية سلمت في آب/أغسطس.

وبعد يوم، بدأت طائرات الشحن التجاري تتدفق على أم جراس، وهي واحة صغيرة تسكنها مجموعة من الناس، ولديها مدرج طويل على غير العادة. وحددت الصحيفة عدداً من الطائرات إلى أم جراس، منذ أيار/مايو. وولد إدريس ديبي، والد الرئيس الحالي في أم جراس، كان عادة يستقبل الزعماء الأجانب فيها، أثناء فترة حكمه التي استمرت 30 عاماً، وبنى مطاراً عسكرياً قربها، وبأطول مدرج في البلاد.

وفي تموز/يوليو، عندما نشر موقعٌ لمتابعة حركة الطيران “جيرجون” تقريراً عن حركة غير عادية للطيران الإماراتي في أم جراس، أعلنت الإمارات عن افتتاح مستشفى بـ 50 سريراً على حافة المدرج، وتبع ذلك إعلانات عن الجهود الإنسانية لأبو ظبي. و”حجر أساس جديد في سجل عطاء الإمارات الناصع”. وكانت هناك إشارات عن معارضة محلية للقاعدة الإماراتية بين العشائر في المنطقة، وقال أحد زعماء القبائل: “هذا ليس مستشفى مدنياً”، مضيفاً أن الإمارات تدعم “الدعم السريع” بمساعدات لوجيستية، ثم حرق العلم الإماراتي.

 ولم تكن الاتهامات بدون أساس، فقد قال الممرضون الأفارقة إن جزءاً من المستشفى خصص لمعالجة الجرحى من “الدعم السريع” الذين تم نقل المصابين منهم بإصابات خطيرة جواً للعلاج في مستشفى زايد العسكري.

إلى جانب أن مطار أم جراس توسعت حركته ليصبح مطاراً عسكرياً نشطاً ولا تتناسب مع احتياجات مستشفى صغير. وتم إنشاء أماكن ومواقع جديدة لوقف الطائرات وخزانات للوقود. وتم فتح مساحات جديدة بطريقة تعطي صورة إنشاء أماكن لوقف الطائرات. ومعظم الطائرات التي هبطت في أم جراس التي  نقلت الأسلحة للإمارات في مناطق نزاع أخرى. فطائرة اليوشين المسجلة فلاي سكاي، والتي يقول محققو الأمم المتحدة إنها متهمة بنقل الأسلحة جواً إلى ليبيا وإثيوبيا. وتقول الصحيفة إن تحليل أشكال عمليات إنشاء القاعدة الجوية تشبه عملية إنشاء قاعدة المسيرات التي بنتها الإمارات في الخادم، شرق ليبيا عام 2016.

ومن أم جراس يتم نقل الأسلحة مسافة 150 ميلاً إلى زروق، في شمال دار فور، وهي قاعدة حميدتي، حسب مسؤولين سودانيين وتشاديين وفي الأمم المتحدة. وقال زعيم قبيلة سوداني إن قوات “الدعم السريع” تحدثت معه في الصيف للتأكد من مرور آمن للقوافل العسكرية إلى زروق.

وتتم توسعة القاعدة الجوية في تشاد بشكل مستمر، حيث حصلت الصحيفة على صور للأقمار الاصطناعية، التقطت في آب/أغسطس. وقال كاميرون هدسون، المحلل السابق في “سي آي إيه”: “لقد عمل الإماراتيون أكثر من أي طرف آخر على مساعدة الدعم السريع وإطالة أمد النزاع”، مضيفاً أن الدعم “يتم بدون بصمات، وهذا مقصود”.

وبدأت العلاقة الإماراتية مع حميدتي في حرب اليمن، حيث أغدقت عليه، عام 2018، الأموال لإرسال مقاتليه إلى اليمن، وساعدته هذه الحملة على إثراء نفسه وتعزيز قوة “الدعم السريع” داخل السودان، ومع بنائه إمبراطورية مالية ومناجم ذهب ونقل عائداتها إلى دبي، حيث يدير شقيقه الأصغر القوني حمدان دقلو شركات لإدارة مصالح العائلة.

وتساءل الكثير من المحللين الغربيين عن سبب زيادة الإمارات مساعدتها لـ “الدعم السريع”، رغم الأدلة المتزايدة عن الجرائم والانتهاكات. ومثل بقية دول الخليج، ترى الإمارات في السودان مصدراً للغذاء، ومركزاً لتعزيز مصالحها في البحر الأحمر، حيث وقعت على اتفاقية بـ 6 مليارات دولار لبناء ميناء جديد على البحر الأحمر. وهناك التنافسات الإقليمية، فالتوتر في تصاعد بين مصر، التي تدعم الجيش، والإمارات والسعودية التي تقود الجهود الدبلوماسية.

المصدر: صحيفة نيويورك تايمز الأميركية

ترجمة: صحيفة القدس العربي