1

يعود تاريخه إلى أكثر من 1500 سنة، وسعره قد يصل إلى مليون دولار.. “الجنبية” الخنجر الذي يرتديه اليمنيون

منذ أكثر من 1500 سنة لا تزال الجنبية، وهي خنجر مرصع برأس باهظ الثمن ومزين بالذهب أو الفضة، محتفظة برمزيتها التراثية وقيمتها التقليدية، و تتوارث صناعتها عبر الأجيال المتعاقبة في اليمن، فعلى الرغم من الحداثة فإن اليمنيين حافظوا على ارتداء الجنبية كشكل من أشكال الإكسسوار الرجالي.

والجنبية عبارة عن خنجر مقوس له مقبض مزخرف ويوضع في غمد على خاصرة الرجل، وقديماً كانت الجنابي (مفردها الجنبية) من أدوات المحاربين قبل أن تتطور بمرور الزمن وتصبح من أدوات اللباس والزينة للرجال مع الزي التقليدي اليمني.

يعود تاريخها لمئات السنين

يختلف المؤرخون في تحديد تاريخ ظهور الجنبية في اليمن، فهناك من المؤرخين من يعزو ظهورها إلى فترة تقارب 3 آلاف سنة قبل الميلاد، وذلك بعد العثور على دلائل تشبه هذه الخناجر في القبور، حيث قام بحملها السبئيون (سكان قدامى سكنوا اليمن)، أيام الدولة الحميرية، وهي آخر مملكة يمنية قبل ظهور الإسلام. 

في حين أنّ بعض المؤرخين يربطونها بفترة ظهور الإسلام، أي قبل 1500 سنة، كما تؤكد على ذلك بعض الشواهد التاريخية التي عثر فيها على نقوش للجنبية اليمنية.

سلاحٌ للدفاع عن النفس ولطلب النجدة أيضاً

يحمل الخنجر اليمني دلالات ومعاني اجتماعية كثيرة، ترسخت عبر حقب طويلة من الزمن جعلت من هذا السلاح الذي يضعه اليمنى على خاصرته أداة اجتماعية، لها أدوار وظيفية تفوق التلويح بقوة وسطوة صاحبها.

ففضلاً عن كونه سلاحاً شخصياً للدفاع عن النفس في حالة التعرّض لهجومٍ، فإنّه قد يكون وسيلةً لإعلان الضعف والهوان، أو طلب السلام وليس الحرب، وذلك بالتلويح به أمام الخصم بحركة معينة، تعني الرضوخ وقبول المحاكمة على النزال، وذلك وفق التقاليد والأحكام القبلية اليمنية. 

الجنبية
الجنبية سلاح للدفاع عن النفس أو للإعلان عن الاستسلام / شتر ستوك

كما أنّ تنكيسها أمام وجهاء القبيلة في العرف القبلي المتواتر تعني طلب النجدة والنصرة، وحسب الأعراف والعادات اليمنية لا يلجأ المرء إلى مثل تلك الحركة، المعروفة بـ “التنكيف”، إلا في الملمات والنوازل الكبرى كالاعتداء أو الإغارة.

أنواع الجنابي 

تتعدد أنواع الجنابي والخناجر، ولعلّ أشهرها هو الصيفاني، الذي يصنع من قرن وحيد القرن، وجنبية الكرك التي تصنع من قرون الجواميس، أما ما يُصنع من الوعل فهو المصوعي، وهذه هي الأنواع الثلاثة له، لكن أغلاها هو الصيفاني من وحيد القرن.

الجنبية
أنواع الجنبية/ شتر ستوك

وسبب ارتفاع سعر الصيفاني يعود لندرة وحيد القرن، وحيد القرن منقرض في اليمن منذ سنين طويلة، هذا يعني أنّ حصولك الآن على جنبية الصيفاني سيكون عمرها على الأقل 40 سنة، وهناك سبب آخر يسهم في رفع سعره إلى هذا الحد، وهو أن صيد وحيد القرن محظور الآن في مختلف أنحاء العالم.

ومنذ حظر تجارة قرون وحيد القرن لجأ اليمنيون إلى استخدام قرون حيوانات أخرى في صنع مقابض الجنابي، بما في ذلك قرون الوعل والجاموس.

وصل سعرها لمليون دولار

 قيمة الجنبية تتوقف على أمرين اثنين: عمرها التاريخي، وشكلها الفني، فكلّما كانت قديمة، وشكلها الفني متقناً زاد ثمنها، ووفقاً لهذين المعيارين قد يصل سعر الجنبية إلى أكثر من مليون دولار، وهو ما حدث مع الشيخ ناجي بن عبد العزيز الشايف، الذي اشترى جنبية بمليون دولار أمريكي، كأغلى جنبية في العالم، والتي يصل عمرها إلى ألف عام.

الجنبية
قد يصل سعر الجنبية إلى مليون دولار /شتر ستوك

وهناك روايات تتداولها الأوساط الشعبية في اليمن عن جنبية الإمام يحيى بن حميد الدين، وهو قائد الحركة الوطنية اليمنية ضد آخر وجود عثماني في اليمن، والذي تولى الحكم في الفترة ما بين سنوات 1911 و1948، والتي وصلت إلى شيخ قبيلة حاشد، المرحوم عبد الله بن حسين الأحمر، والتي يبلغ ثمنها أكثر من مليون دولار، كونها تعد أشهر الجنابي في اليمن، لأنها تم تناقلها بين ثلاثة ملوك لليمن، قبل أن يستقر بها المقام الآن في عهدة الشيخ صادق الأحمر.

المصدر: موقع عربي بوست




عَشْرُ عبر لتجديد التأسي برسول الله عليه الصلاة والسلام في ذكرى مولده

بعيداً عن الخوض في نقاش مشروعية الاحتفاء بذكرى مولد رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن أبلغ ما قد نجدد به هذه الذكرى هو تجديد التأسي به عليه الصلاة والسلام، باستخلاص عبر من تذكّر سيرته وكلامه صلى الله عليه والسلام، ومنها:

سعيه نحو حرية إنسانية: في ذكرى رسول الله عليه الصلاة والسلام ننهل من موكب النور الذي قاده إلى الحرية بمعناها الإنساني، تلك الحرية التي غايتها الارتقاء نحو الكمال الإنساني، والتخلص من الدني الحيواني، تلك الحرية التي منتهاها ألّا أحد يستعبد أحداً، أو يمنعه من بلوغ الحق، أو يسقف له الرشد بذاته، مثل ما قاله فرعون الذي طغى، في قول الله عز وجل على لسانه “قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ”.

إعلان عالمي لحقوق الإنسان في خطبة الوداع: في ذكرى رسول الله عليه الصلاة والسلام نتذكر كلماته الجامعة المانعة- وكل كلامه جوامع للكلم- “أوتيت جوامع الكلم”، وها هو يخطب في الناس خطبة الوداع ليعلن عن أصلنا الإنساني: “يا أيها الناسُ، إنَّ ربَّكم واحدٌ، وإنَّ أباكم واحدٌ، ألا لا فضلَ لعربيٍّ على عَجَميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأحمرَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أحمرَ إلا بالتقوى، إنَّ أكرمَكم عند اللهِ أتقاكُم، ألا هل بلَّغتُ؟ قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: فيُبَلِّغُ الشاهدُ الغائبَ”.

قيم أصيلة للحوار وأخلاقه: في ذكرى رسول الله عليه الصلاة والسلام نستلهم قيماً قائدة للفعل الإنساني، ومنظِّمة للحياة الجماعية، ومرشدة للقرارات السديدة، نستلهم قيمَ الحوار وحسن الاستماع إلى الآخر، ومن هذا الحوار تعلمنا بهدي الوحي الكريم، الذي كان يتنزل عليه صلى الله عليه وسلم، كيف ننطلق مع المخالف لنبني الاقتناع بالحوار “قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ”، وقيمة التواضع حتى وإن وصل إلى تجريم الذات ومخاطبة المخالف باللين “قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ”.

تسلّح بالأمل المتجدد فلا يتسع الأمر إلا إذا ضاق: في ذكرى رسول الله صلى الله عليه والسلام، نشحن بقيمة الأمل التي قد تنسينا غفلتنا رحابته ووجوده، ولو ضاقت الدنيا علينا وتكالب الأعداء والخصوم والظالمون: “كان الرجلُ قبلَكم يؤْخَذُ فيُحْفَرُ لَهُ في الأرْضِ، فيُجْعَلُ فيه، فيُجاءُ بالمنشارِ فيوضَعُ على رأسِهِ، فيُشَقُّ اثنتينِ، ما يصُدُّهُ ذلِكَ عن دينِهِ، ويُمَشَّطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دونَ لحمِهِ منْ عَظْمٍ أو عصَبٍ، ما يصُدُّه ذلكَ عن دينِهِ، واللهِ ليُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأمرَ حتى يسيرَ الراكِبُ مِنْ صنعاءَ إلى حضرَ موتَ، لا يخافُ إلَّا اللهَ والذئبَ على غنَمِهِ، ولكنَّكم تستعجِلونَ”.

تناغُم بين واجبات الذات وواجبات الموضوع: في ذكرى رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة إلى التناغم والتوازن بين واجبات الذات وواجبات الموضوع، وخيرية الذات وخيرية الموضوع: “خيرُكم خيرُكم لأهلِه، وأنا خيرُكم لأهلي”.

مقصد النفع للغير: في ذكرى رسول الله عليه الصلاة والسلام ننفض الغبار عن السجن الذي تعيشه ذواتنا مع ذواتنا، لنرتقي إلى أن تكون ذواتنا مسخرة لذواتنا ولغيرنا هداية للعالمين: “مَن دعا إلى هُدًى كان له من الأجرِ مِثْلُ أَجْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ لم يَنْتَقِصْ من أجورِهم شيئاً، ومَن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثمِ مِثْلُ آثامِ مَنِ اتَّبَعَهُ لا يَنْقُصُ من آثامِهِم شيء”، وإشاعة للخير: “إنْ قامَتِ الساعةُ وفي يدِ أحدِكمْ فَسِيلةٌ فإنِ استطاعَ ألّا تقومَ حتى يَغرِسَها فلْيغرِسْهَا”.

تعظيم أمانات الناس: في ذكرى رسول الله عليه الصلاة والسلام نتعلم قيمة تعظيم أمانات الناس: “قلتُ: يا رسولَ اللهِ ألا تستعملُني؟ قال: فضرب بيدِه على منكبي. ثم قال (يا أبا ذرٍّ إنك ضعيفٌ، وإنها أمانةٌ، وإنها يومَ القيامةِ خزيٌ وندامةٌ، إلا من أخذها بحقِّها وأدَّى الذي عليهِ فيها”، وتبرّأ ممن خان هذه الأمانة “من غشَّ فليس منا”.

توقير الصحابة والقرون الفاضلة: في ذكرى رسول الله عليه الصلاة والسلام نذكر صحابته الكرام، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فنجدد توقيرنا لهم: “خيرُ القرونِ قَرْنِي ثم الذين يَلُونَهم ثم الذين يلُونَهم”.

ارتقاء في التأسي به حتى يأتينا اليقين: لأن الارتقاء في مدارج السالكين دربه، بحاجة إلى أن تكون ذكرى رسول الله عليه الصلاة والسلام في كل وقت وحين، لأن بها تصح العبادة ويصح التقرب وتتوثق العرى ويكون الطريق يقيناً إلى الله تعالى كدحاً واجتهاداً وجهاداً وتحرياً لما صح من سنته، لا خمولاً ولا كسلاً ولا تمنياً على الله بالأماني دون عمل: “قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ”.

لا تحقرن من المعروف شيئاً: في ذكرى رسول الله عليه الصلاة والسلام نتعلم ألّا نحقر من المعروف شيئاً، ومن هذا المعروف أن أخط هذه السطور القليلة في ذكراه، ونسأل الله قبول الأعمال وصدقها “اللهمَّ، صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما صلَّيْتَ على آلِ إبراهيمَ إنك حميدٌ مجيدٌ، اللهمَّ بارِكْ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما بارَكْتَ على آلِ إبراهيمَ إنك حميدٌ مجيدٌ”.

أحمد بو عشرين

المصدر: موقع عربي بوست




“المشروب الشيطاني” و”نبيذ المسلمين” و”الشاذلية”… الاحتفال بالقهوة في يومها العالمي

لا يمل عشاق القهوة من التغزل بها كل صباح، والتوقف عند رائحتها، وشمّها قبل الرشفة الأولى، فهي التي تعلن بداية اليوم بشكل رسمي، وتحفز الحواس باتجاهها. وهي رفيقة العمل، وجلسات الأصدقاء، والأقرب إلى روائح الأمهات ومطابخهن، وهي التي فتحت المقاهي في كل العالم، وجمعت حولها السياسيين والأدباء والمعارضين. 

كثيرة هي القصص المرتبطة بالقهوة، في هذا التقرير يورد رصيف22 لكم أغربها.

قصة أول فنجان قهوة في العالم

النزاع حول أول حبة بن يدور بين اليمن وأثيوبيا، القصة الأثيوبية تقول إن راعياً اسمه “كالدي” أو “خالدي” لاحظ أن الماعز في قطيعه يتغير سلوكها كلما أكلت من هذه الحبّات البنية الخضراء، فقرّر تذوقها عملاً بقاعدة أن ما تأكله الحيوانات لا يضر البشر.

لاحظ الراعي أن طاقته ازدادت وتركيزه ارتفع، فأخذ بعض هذه الحبوب إلى أحد الأديرة القريبة حيث رفض الراهب تجربتها ورماها في الموقد، ففاحت رائحة القهوة المحمصة السحرية في العالم للمرة الأولى، ما جلب بقية الرهبان الذين أصروا على تذوقها، فأضافوا الماء للحبوب الساخنة ليبردوها، ومن هنا كان أول فنجان قهوة في العالم. 

القصة الأثيوبية تقول بأن راعياً لاحظ أن الماعز يتغير مزاجها كلما أكلت من هذه الحبوب، فأخذ بعضها إلى دير قريب حيث رماها الراهب في النار رفضاً لها، ففاحت رائحة القهوة المحمصة لأول مرة في العالم

أما القصة الثانية فتقول إن زارعها وصانعها الأول أبو الحسن الشاذلي صاحب أحد الطرق الصوفية من قرية موكا في اليمن، وأنه بعد أن نفي وداهمه الجوع، وجد حبات لنبات يشبه الكرز، فتذوقه فوجده مراً وقاسياً، فوضعه على النار ليقلل من قسوته وكان هذا أول فنجان قهوة عرفه العالم، وهي القصة التي تفسر تسميتها بالشاذلية في بعض مناطق اليمن والجزيرة العربية.

قصة الحبات السبع غير المحمصة

بغض النظر عمن اكتشفها، لكن زراعتها الأولى بدأت من اليمن، إلا أن زرّاعها احتفظوا بسر زراعتها سراً، ولم يكونوا يبيعوها إلا محمصة خوفاً من أن يقوم التجار ببيع بذورها وإعادة زراعتها.

كانت أول عملية تحميص وتحضير للقهوة في عام 1414 ميلادي، ومن اليمن وصلت إلى مكة، لكن تاجراً هندياً يقال إن اسمه “بابا بودان” كان يستورد هذه الحبوب من الجزيرة العربية تمكن من تهريب 7 حبات غير محمصة في موسم الحج، فأخذها إلى بلاده، وحاول زراعتها في الهند ونجح، ومن هناك انتشرت زراعة القهوة في كل العالم.  

كانت اليمن لقرون المركز الرئيسي لإنتاج وتصدير القهوة في العالم، ونتيجة انتشارها بين الصوفيين وسميت بنبيذ المسلمين بالإضافة إلى اسمها الأول الشاذلية، فاعتُبِرت مشروباً إسلامياً لأن الصوفيين كانوا يشربونها قبيل التعبد.

قصص تحريمها من رجال الدين والسياسيين

أول مقهى في العالم ظهر في مكة، وتم إصدار فتاوى من مختلف الشيوخ حينها انتقلت من مكة إلى أماكن مختلفة بتحريم القهوة، تحديداً في عام 1511 ميلادي، وذلك بسبب تأثيرها على الجسم ومقارنتها بالكحول، إلا أن فتاوى إباحتها غلبت في النهاية، وقد ساهم إقبال الصوفيين عليها ورفضهم لفتاوى تحريمها في هذا الأمر.  

أينما انتشر الإسلام انتشرت القهوة، ويمكن القول إن رائحتها الساحرة عُرفت في العالم مع بداية القرن الخامس عشر، فوصلت إلى مصر وبلاد الشام. أما في عهد العثمانيين فقد تم توثيق افتتاح أول مقهى واسمه “كيفا خان” في العام 1554 ميلادي بعد أن كان مشايخ السلطنة قد حرموها ، وتم افتتاحه على يد سوريين أحدهما من حلب والآخر من دمشق.

لكن لاحقاً وفي عهد مراد الرابع قام هذا السلطان بتحريم القهوة بعد أن وصلته أخبار تجمع معارضيه واالمتمردين على السلطنة فيها، فكان يقطع رأس من يشربها.

في أوروبا، وكما هي عادة المستشرقين، كتب هؤلاء عن عن مشروب غريب ذو لون أسود داكن مر الطعم يشربه الناس في الشرق، وظل هذا الغموض محيطاً بفنجان القهوة حتى حلول القرن السابع عشر، حيث دخلت إلى فينيسيا في عام 1615 ميلادي، ومن هناك انتشرت وأصبحت الموضة الجديدة في القارة العجوز.

وكما هي العادة، حاربها رجال الدين والكنيسة في البداية، مطلقين عليها اسم “الاختراع الشيطاني المر”، وقد أثارت جدلاً كبيراً إلى أن تدخل البابا كليمنت الثامن، الذي قرر أن يتذوق القهوة بنفسه قبل أن يتخذ القرار النهائي بخصوصها، وبعد أن شعر بالرضا عند شربه أول رشفه، منح المشروب موافقة بابوية.

أصبحت بيوت القهوة بسرعة مراكز الأنشطة الاجتماعية وأماكن التواصل في المدن الكبرى، في إنجلترا والنمسا وفرنسا وألمانيا، وارتبطت اجتماعات الثوار بالمقاهي قبيل الثورة الفرنسية إلى الحد الذي صارت فيه الشرطة تهاجم المقاهي وملأتها بالمخبرين.

قصة قهوة أمريكانو

بعد انتشار القهوة، وبعد أن أصبحت تحصيلاً حاصلاً وواقعاً لا مفر منه، لم تعد الحكومات تحارب المقاهي ولا المؤسسات الدينية تحرمها، وبالتالي انتشرت وصفة خاصة في كل بلد في العالم بهذا المشروب، فمن القهوة العربية، إلى التركية، إلى الفرنسية، إلى الاسبرسو، إلى الأمريكية فالأمريكانو. 

لكن بماذا تختلف الأولى عن الثانية؟

كان الجندي الأمريكي يطلب إضافة الماء الساخن إلى الاسبرسو لتخفيف حدتها، خلال الوجود الأمريكي هناك في نهاية الحرب العالمية الثانية، فأسماها الطليان أميريكانو للسخرية من الذائقة الناعمة 

في نهاية الحرب العالمية الثانية وأثناء تواجد بعض الجنود الأمريكيين في إيطاليا، وجدوا أن قهوة الاسبرسو ثقيلة جداً بالمقارنة بالقهوة الأمريكية المفلترة، فكانوا يطلبون من المقاهي فنجان اسبرسو بعد أن يطلبوا من النادل يضيف الماء الساخن.

الإيطاليون الذين وجدوا في الأمر إهانة لقهوتهم الشهيرة، وضعوا الماء الساخن فوق الاسبرسو، لكن ليس قبل أن يضيفوا أيضاً بعض السخرية، فأسموها “أمريكانو” أي الأمريكية لدفع تهمة إفساد مذاق الاسبرسو عن أنفسهم، واليوم إذا ذهبت إلى مقهى وطلبت أميريكانو فالوصفة هي “شوت اسبرسو + 2 شوت ماء ساخن”.

أصناف القهوة الأربعة في العالم

غالبية محصول القهوة في العالم يأتي مما يسمى “حزام البن” وهي الدول الموجودة على أو حول خط الاستواء بين مداري السرطان والجدي.

هناك أربعة أنواع مميزة من حبوب القهوة: الأرابيكا “أي العربية”، الروبوستا، الليبيريكا، والإكسيلسا. لكل منها نكهة وخصائص مختلفة تعتمد بالأساس على اختلاف المنطقة والتربة والمناخ وطرق المعالجة. فإن كنتم من عشاق القهوة، سيتيح لكم هذا الشرح التعرف إلى خصائص كل نوع، وربما سؤال النادل في المرة القادمة عن نوع قهوتكم. 

أول مقهى في العالم كان في مكة، وأول مقهى في السلطنة العثمانية تم افتتاحه من قبل سوريين اثنين، أحدهما من دمشق والثاني من حلب 

أرابيكا

تتميز حبوب أرابيكا بنكهة ألطف وأحلىمن باقي الأصناف، مع نكهات تشمل الفواكه والتوت والزهور، وأحياناً مع تداخل روائح مثل الشوكولاتة والمكسرات، وذلك حسب الصنف وظروف الزراعة الخاصة. تحتوي حبوب العربية عادة على نسبة أقل من الكافيين مقارنة بحبوب الروبوستا، مما يجعلها الخيار الأفضل لمن يرغبون بقهوة لطيفة، وهي تشكل 75٪ من محصول القهوة العالمي.

روبوستا

تتميز حبوب الروبوستا بنكهة أقوى مع من الأرابيكا مع مذاقات أرضية وخشبية أكثر مرارة وحموضة. وتحتوي هذه الحبوب عادة على نسبة أعلى من الكافيين مقارنة بحبوب الأرابيكا، مما يمنح عشاقها نكهة أكثر حدة،  تُستخدم الروبوستا في خلطات الاسبرسو والقهوة الفورية، لأنها تنتج رغوة أكثر سماكة، ولديها قابلية أفضل للذوبان، مما يجعلها مثالية للكابتشينو والمشروبات الأخرى التي تحتوي على اسبرسو.

تنمو حبوب الروبوستا في مناطق في إفريقيا وإندونيسيا، وبعض مناطق فيتنام.

ليبيريكا

تنتشر زراعتها في غرب أفريقيا وتحديداً في ليبيريا التي تنسب إليها، وهذا النوع أقل شيوعاً بكثير من حبوب الأربيكا والروبوستا، إذ تشكل بالكاد 2% من محصول القهوة العالمي، وتوصف بأنها تحتوي خليط نكهات فواكه وزهور وتوابل، ونظراً لأنها حادة المذاق وقوية، فقد لا تكون محببة لدى جميع عشاق القهوة.

حبوب الإكسيلسا لها نكهة حامضة وفاكهية، ويتم تشبيهها في بعض الأحيان بمزيج من الكرز الحامض، والتوت الداكن، والحمضيات الخفيفة. وتُستخدم في الخلطات لإضافة تعقيد إلى ملامح النكهة، لكنها عموماً تحتوي على محتوى أقل من الكافيين من حبوب الروبوستا والأرابيكا.

إكسيليا

البعض يصنفها بأنها نوع من أنواع الليبيركا وليست صنفاً قائماً بذاته، تُزرع هذه الحبوب في جنوب شرق آسيا، وتحديداً في فيتنام والفلبين. توصف بأنها مسببة للارتباك،  وشديدة الحموضة أكثر من المرورة. 

المصدر: موقع رصيف 22




الأغنية الشعبية الفلسطينية: دورٌ بارز في حفظ الهوية الفلسطينية

الأغاني الشعبية الفلسطينية شاركت تاريخياً في تجسيد صور المعاناة التي مرّت وما تزال تمرّ على فلسطين. وهي أيضاً في نظر الكثيرين فعل مقاومة خاص.

تُعَد الأغنية الشعبية واحدة من أهم عناصر التراث الفلسطيني التي لعبت دوراً هاماً في الحفاظ على الهوية الفلسطينية. وبطبيعة الحال، فإن ما قدمه التراث الغنائي الفلسطيني على المستوى الشعبي يحكي الكثير عن فلسطين وشعبها وتاريخها.

وتلعب الموسيقى دوراً أساسياً في الثقافة الفلسطينية، لانغراسها في التجمعات السياسية والمناسبات الاجتماعية. وللمعلومية، فإن الفولكلور الشعبي الفلسطيني يزخر بالإبداعات الشعرية والحرفية والموسيقية ومختلف أساليب التعبير. ويضاف إلى هذا الفولكلور أساليب العيش واللباس وألوان الدبكات والرقصات والعادات والتقاليد.

الأغنية الشعبية: خصائصها وأنواعها ومراحلها

سعى الكثير من الأكاديميين لتعريف الأغنية الشعبية الفلسطينية وتحديد الخصائص التي تعرّفنا بها. وبحسب الباحث إحسان الديك، فإنّ الأغنية الشعبية من أكثر فنون الأدب الشعبي شيوعاً وأهمية، فهي “تؤدى باللحن والكلمة معاً”. كما أنها، حالها حال الأدب كلّه، تعبّر عن “اللاشعور الجمعي للشعب واهتماماته وخلجاته النفسية، ويرتبط بالفطرة ويترك في كلّ جيل أثره”.

ووضع الدكتور أحمد مرسي خصائص عدّة للأغنية الشعبية الفلسطينية. ومن هذه الخصائص أن تكون الأغنية تكون شائعة، وأن يتم تناقلها عن طريق الرواية الشفوية. كما أن هذه الأغنية لا بدّ وأن تتّسم بالمرونة مما يساعدها على الديمومة. وإلى جانب ذلك، فإنّ أسماء الذين ألّفوا هذه الأغاني تكون مجهولة، عدا المحترفين الذين يكتب لهم مؤلفون أغاني ومواويل خاصة بهم.

وهناك أنواعٌ كثيرة للأغنية الشعبية الفلسطينية، منها الموّال بأنواعه البغدادي والأعرج والنعماني. وتختلف طبيعة الموّال وتسميته بحسب عدد الأبيات وتنويع القوافي. ويندرج في إطار الأغاني الشعبية أغاني الأعياد والاحتفالات الدينية، بالإضافة إلى أغاني الحب والغزل والأفراح والختان والميلاد.

وتشمل القائمة أيضاً أغاني الحرب والحماسة والحثّ على القتال. كما تمتاز الأغنية الشعبية الفلسطينية بتلوّن مقاصدها، فبعضها يتناول الجانب السياسي والبعض الآخر للرثاء أو منادمة الشراب أو سرد الحكايات.

وبحسب بعض المراجع، فإنّ الأغنية الشعبية الفلسطينية مرّت بثلاث مراحل وهي الكلاسيكية والرومانسية والواقعية. وتمحورت المرحلة الكلاسيكية حول “مفاهيم طبقة الإقطاع السائدة” في مرحلة ما قبل وقوع نكبة فلسطين. فالدين هو محورها، والقضاء والقدر والقبول التام إلى حد القناعة هو أقصى ما تقدمه هذه الأغاني لطبقة الفلاحين والفقراء والحرفيين. ومن أغاني تلك المرحلة:

يا زارع الوِد هو الود شجرة قُل
وسواقي الوداد نزحت وماءها قَل
أيام بناكل عسل وأيـام بناكل خَل
أيام ننام ع السرير وأيام ننام ع التّل
أيـام نلبس حـرير وأيـام نلبس فـل
أيام بتحكم على أولاد الكـرام تنذل

أما المرحلة الرومانسية فقد ظهرت مع نشوء البرجوازية الجديدة في فلسطين ما قبل النكبة. وفي هذه المرحلة الجديدة، وجد الشعراء وناظمو الأغاني الشعبية في الرومانسية منفذاً للطاقة الشعبية التي تدفقت في مناخ أوسع وأشمل. بيد أن هذا المنفذ لم يتجاوز الهوامش البرجوازية التي سادت تلك المرحلة. ومن أغاني هذه المرحلة:

مـن بعــد هشيـم العظـام لـيش التقطـيب
بتقطّبوني يا ناس وأنا أصلي كنت طـبيب
فتّـشت بالجسـم لقـيت جـرح بـلا تقطـيب
كل ما أخيّط دوايره يفلت مني ولا يطيب”

أما المرحلة الثالثة وهي الواقعية، فقد جاءت نتيجة لحتميّة تطور الصراع الوطني في فلسطين في مطلع القرن العشرين وبداية الثورات الوطنية الشعبية ضد الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية. ومن أغاني هذه المرحلة:

مهما طال عتم الليل بتجليه شمس الحريّة
مهما طال الليل وطال وغطى سواده ع الأطلال
عنّا في الوطن أبطال بتعيد شمـس الحريــة
لأجـل الزيتونة والتوت وأشجار المندلينا
بدنا نحارب حتى نموت أو ترجع فلسطينا

الأغنية الشعبية والتأريخ حتى النكبة

لا يمكن تحديد بدايات الأغنية الشعبية الفلسطينية. وقد تعود البدايات إلى العهد الكنعاني أو الفرعوني. وتطوّرت هذه الأغنية بمفرداتها، وفقاً لمحمد البوجي، أستاذ الأدب العربي والشعبي الفلسطيني في جامعة الأزهر بغزة، منذ ظهور القضية الفلسطينية بداية القرن العشرين. وللمعلومية فإنّ هذا التطور ما زال متواصلاً حتى الآن.

ويشمل ذلك مرحلة الاحتلال البريطاني والنكبة وانطلاقة الثورات والانتفاضات الشعبية. وشكلت جميع هذه الأغاني جزءاً مهماً في تراث الفن الفلسطيني. وكانت تحمّس مشاعر الجماهير بشكل مستمر ضد المحتل.

ووفقاً لدراسة أجرتها الباحثة بنان صلاح الدين بعنوان “البعد الوطني في الأغنية الشعبية الفلسطينية 1917 – 1948″، فإنّ الأغنية الشعبية بدأت تطوّر مفرداتها لرفض الانتداب البريطاني ومقاومة مخططاته. وجاء ذلك منذ الإعلان عن وعد بلفور عام 1917. وثمة عتابا شهيرة من ذلك الوقت يجيء في آخرها:

بلفور وعدك مش على حساب
الضحايا المقتولين
يا حلالي يا مالي

واستمرت تطّور لغة الأغنية الشعبية الفلسطينية مع هبّة البراق التي شهدتها القدس في عام 1929. ومن أبرز الأغاني التي ظهرت حينذاك الأغنية التي أرّخت لإعدام الثوار الثلاثة فؤاد حجازي، عطا الزير، ومحمد جمجوم. وكتب هذه الأغنية الشاعر الشعبي نوح إبراهيم عام 1930 وغنّتها فرقة العاشقين بعد ذلك في الثمانينات. وبمرور الزمن، صارت هذه الأغنية من أبرز الأغاني الشعبية الفلسطينية.

وتابعت الأغنية الشعبية تكيّفها مع تطورات القضية الفلسطينية، لا سيّما الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936. وحاولت الأغاني تأريخ المعارك التي وقعت حينذاك، خصوصاً معارك بلعا وترشيحا وجبع وبني نعيم وغيرها. وواصلت الأغنية الشعبية مواكبة هذا التاريخ بأدق تفاصيله، حتى جاءت نكبة 1948. ومن الأمثلة الأغاني التي جاءت لسرد أحداث معركتي باب الواد والقسطل.

وبعد النكبة، ركزت الأغنية الشعبية اهتمامها على وصف معاناة اللاجئين الفلسطينيين وتأريخ مأساتهم. وتهكّمت بعض الأغاني على ما كانت تقدمه لهم المنظمات الدولية لهم، لا سيّما الصليب الأحمر ووكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا“. ومن تلك الأغاني:

الصليب الأحمر كبّوا طحيناته ضيّع الوطن يفضح خَوَاته
الصليب الأحمر كبّوا سردينه ضيّع الوطن الله يحرق دينه

وتقول أغنية دلعونا أخرى:

دشّرنا كروم العنب والتين وجينا ع ريحا نشحد طحين
دشّرنا بلاد العنب واللوز وجينا ع ريحا نشحد (زيت) كيكوز*

وثمة أغنية عن وكالة الأونروا تقول:

بيقولوا عنّا مهجّرين وبيعدّونا مساكين
بسلموا النفر كيلو طحين صدقة من الاستعمار
بنروح مركز التموين بنلاقي الناس مصطفين
عشان شوية طحين يا للمصيبة والعار

واستمرت الأغنية الشعبية بعد ذلك تحكي عن حنين اللاجئين لوطنهم ومعاناتهم في بلاد الاغتراب واللجوء.

ومن الأغاني الشعبية الفلسطينية الراسخة أغنيتان هما جفرا وهي يالربع ويا ظريف الطول، اللتان خصّص الباحث حسين سليم العطاري كتاباً للحديث عنهما.

المقاومة بالغناء: ربط الحاضر بالماضي

يرى الكاتب أشرف الحساني أنّ تراث الأغنية الفلسطينية لم يقتصر على التوثيق والأرشفة والتأريخ، بل ظلّت أصواته وموسيقاه تُحاكي زخم تموّجات الواقع الفلسطينيّ وما شهده من تحوّلاتٍ وتبدّلات. واخترقت الأغنية الطابع الروتيني لحياة الناس وعبّرت عن جروحهم ومآسيهم في نقد الاحتلال الإسرائيلي.

وبحسب الحساني، فإنّ الأغنية الشعبية وسّعت مفهوم المُقاومة الفلسطينيّة، وأضحت وسيلة للتعبير والنقد. ومنذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، باتت أغني المقاومة تلقى رواجاً وقبولاً كبيراً في الشارع العربي، كما أنها باتت اللون السائد للأغنية الشعبية الفلسطينية.

وهنا، لا بدّ من الإشارة لأهمية الحفاظ على التراث الفلسطيني ومن ضمنه الأغنية الشعبية الفلسطينية، سيّما وأنّه التراث يلعب دوراً مباشراً في مواجهة محاولات فصل الهوية الفلسطينية الحالية عن ماضيها. وبالتالي، فإنّ أي عمليّة استرجاع للتراث وزرعه في الحاضر والمُعاش الفلسطيني، يصبّ في ترسيخ الهوية الوطنية الفلسطينية.

وبطبيعة الحال، فإنّ الفلسطينيين يستحضرون تراثهم أكثر من غيرهم لأسبابٍ مختلفة. ويأتي على رأس هذه الأسباب تباين الظروف الاجتماعية والسياسية والتاريخية التي يعيشها الفلسطينيون في مختلف المناطق التي يعيشون فيها. وبحسب مجلّة رمّان الثقافية، فإنّ محاولات الفلسطينيين المتواصلة لاستحضار التراث الغنائي الفلسطيني ما هي إلا وسيلة للتأكيد على الهوية الثقافية للشعب الفلسطيني.

وهنا لا بد من الإشارة إلى وجود تجارب جماعية متعدّدة قام بها الفلسطينيون لإحياء تراثهم الفني والغنائي والموسيقي. ومن الفرق التي برزت بشكلٍ كبير فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية وفرقة الحنّونة وفرقة العاشقين وفرقة ديرتنا للفنون الشعبية وفرقة أصايل وفرقة جفرا.

أما التجارب الفردية الكثيرة يمكن أن نذكر منها تجربة عبد الله حداد وريم كيلاني وأمل مرقس وريم بنا وسناء موسى ودلال أبو آمنة.

إلى جانب هذه الجهود في إحياء التراث، ثمة جهودٌ أخرى من أجل الحفاظ على التراث، ومبادرات لتوثيق الأغنية الشعبية الفلسطينية، مثل “مركز الفن الشعبي”. وبدأ هذا المركز عمله التوثيقي منذ عام 1994.

وفي نهاية المطاف، يمكن القول إن الأغاني الشعبية الفلسطينية شاركت تاريخياً في تجسيد صور المعاناة التي مرّت وما تزال تمرّ على فلسطين. كما أنها ساهمت بشكل خاص في توثيق الأحداث التاريخية. وهي أيضاً في نظر الكثيرين فعل مقاومة خاص، يرسخ الهوية الوطنية الفلسطينية عبر ربط حاضرها بماضيها أمام المحاولات الكثيرة لفصل هذا الحاضر عن ماضيه.

يوسف شرقاوي

المصدر: موقع fanack.com




الجزائر توسع نطاق تعلم اللغة الإنكليزية “مع انحسار نفوذ فرنسا”

نشرت وكالة “اسوشيتتد برس” تقريرا بعنوان “الجزائر توسع نطاق تعلم اللغة الإنكليزية مع انحسار نفوذ فرنسا”، قالت فيه إنه بعد مرور أكثر من عام على إطلاق الجزائر برنامجا تجريبيا لتدريس اللغة الإنكليزية في المدارس الابتدائية، تشيد البلاد بالبرنامج باعتباره ناجحا وتوسعه في خطوة تعكس التحول اللغوي المتزايد الجاري في المستعمرات الفرنسية السابقة في جميع أنحاء أفريقيا.

وبحسب التقرير سيشارك الطلاب العائدون إلى الفصول الدراسية للصفين الثالث والرابع هذا الخريف في فصلين للغة الإنكليزية مدة كل منهما 45 دقيقة كل أسبوع حيث تنشئ البلاد برامج جديدة لتدريب المعلمين في الجامعات وتتطلع إلى المزيد من التغييرات التحويلية في السنوات المقبلة. بالإضافة إلى ذلك، تعمل البلاد على تعزيز إنفاذ القانون الموجود مسبقًا ضد المدارس الخاصة التي تعمل باللغة الفرنسية بشكل أساسي.

وقال وزير التربية والتعليم عبد الكريم بلعابد الأسبوع الماضي، إن “تعليم اللغة الإنكليزية هو خيار استراتيجي في سياسة التعليم الجديدة للبلاد”، مشيداً بهذه الخطوة باعتبارها نجاحاً هائلاً.

عدد الناطقين بالفرنسية في الجزائر يفوق عدد المتحدثين بها في جميع الدول باستثناء فرنسا نفسها وجمهورية الكونغو الديمقراطية. ويتحدث بها ما يقرب من 15 مليونًا من أصل 44 مليون نسمة في البلاد

ومثلما يلفت التقرير فاللغة الإنكليزية هي اللغة الأكثر انتشارًا في العالم، وتمثل غالبية المحتوى على الإنترنت وتظل لغة مشتركة في الأعمال والعلوم. ومع تراجع النفوذ الاقتصادي والسياسي لفرنسا في جميع أنحاء أفريقيا، أصبحت الجزائر من بين قائمة أطول من البلدان التي تتحول تدريجياً نحو اللغة الإنكليزية كلغة أجنبية رئيسية.

وينوه التقرير إلى أن عدد الناطقين بالفرنسية في الجزائر يفوق عدد المتحدثين بها في جميع الدول باستثناء فرنسا نفسها وجمهورية الكونغو الديمقراطية. ويتحدث بها ما يقرب من 15 مليونًا من أصل 44 مليون نسمة في البلاد، وفقًا للمنظمة الدولية للغة الفرنسية. ويعتبر مسؤولوها دروس اللغة الإنكليزية بمثابة تحول عملي وليس سياسيا، مشيرين إلى أهمية اللغة في المجالات العلمية والتقنية.

لكن، كما يشير التقرير، فإن الأسئلة حول وضع اللغة الفرنسية في المجتمع الجزائري كانت مستقطبة منذ فترة طويلة، كما يعترف المعلمون ومسؤولو سياسة التعليم السابقون. وينقل عن مدير المدرسة الثانوية المتقاعد محمد أرزقي فردي قوله إنه كان على الجزائر أن تبدأ التحول إلى اللغة الإنكليزية منذ عقود.
ويشير التقرير إلى أن المبادرة الحالية أطلقها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي تولى السلطة في عام 2019. وحاول الزعماء السابقون أيضًا توسيع نطاق اللغة الإنكليزية لكنهم فشلوا في التغلب على النخب المتعلمة بالفرنسية والتي طالما سيطرت على السلطة في البلاد.

وقال فردي: “لقد فقدنا الكثير من الوقت”. “كان ينبغي علينا إدخال اللغة الإنكليزية في المدارس الابتدائية عندما طرح الرئيس (عبد العزيز) بوتفليقة إصلاحاته بعد وصوله إلى السلطة في عام 1999. لكن في ذلك الوقت، كانت اللوبيات الناطقة بالفرنسية في الجزائر تتمتع بسلطة كبيرة في اتخاذ القرار في المؤسسات”.

ويلفت التقرير إلى أن التوسع في تعلم اللغة الإنكليزية يأتي مع تصاعد التوترات بين فرنسا والجزائر، وأن البلدين يشتركان في المصالح الأمنية بشأن الاضطرابات السياسية التي تشكل غرب أفريقيا المعاصرة. ومع ذلك، ففي السنوات الأخيرة، اختلف البلدان مرارًا وتكرارًا حول الهجرة وتسليم المجرمين وكيفية إحياء كل دولة لذكرى الاستعمار والحرب الوحشية التي أدت إلى استقلال الجزائر في عام 1962.

وبحسب التقرير تخطط الجزائر لتوسيع برنامجها الحالي إلى الصف الخامس السنة المقبلة. وستواصل تعليم الطلاب باللغة الفرنسية لمدة ثلاث ساعات كل أسبوع في المدارس الابتدائية.

وعندما بدأ تعلم اللغة الإنكليزية العام الماضي، أكد المسؤولون الجزائريون التزامهم باللغة الفرنسية وقالوا إنهم سيستمرون في تدريسها على نطاق واسع. لكن في تصريحاته هذا الأسبوع في بداية العام الدراسي، قال كمال بداري، وزير التعليم العالي الجزائري، إن توسيع البرنامج يهدف إلى تمكين طلاب المدارس الابتدائية من تلقي دورات تقنية في وقت لاحق باللغة الإنكليزية – وليس الفرنسية.

التوسع في تعلم اللغة الإنكليزية يأتي مع تصاعد التوترات بين فرنسا والجزائر.. ويشعر البعض بالقلق بشأن كيفية تنفيذ الجزائر لمثل هذا التحول وإعلان النصر مبكراً

وفي المقابل يؤكد التقرير أنه على الرغم من أن قليلين يشككون في أهمية اللغة الإنكليزية، إلا أن البعض يشعر بالقلق بشأن كيفية تنفيذ الجزائر لمثل هذا التحول والحذر من إعلان النصر في وقت مبكر جدًا. ويعتقد أحمد تيسا، المستشار السابق لوزارة التعليم الجزائرية، أن جعل الطلاب يتقنون اللغة الإنكليزية لا يمكن أن يحدث إلا بشكل تدريجي ومن المرجح أن يتطلب أكثر من مجرد إضافة فصول دراسية.

وأضاف: “نحن بحاجة إلى العودة إلى الأساسيات”. “هذه ليست مهمة صغيرة.”

ويخلص التقرير إلى أنه بغض النظر عن مدى سرعة تحول المدارس إلى اللغة الإنكليزية، فإن علامات التراجع ضد اللغة الفرنسية واضحة في أماكن أخرى.

ويذكر أن السلطات الجزائرية قامت ببطء باستبدال اللغة الفرنسية باللغة الإنكليزية في التسميات الرسمية لمختلف الوزارات الحكومية. وفي رحلته العام الماضي إلى الجزائر العاصمة، طلب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من البلاد تقديم ملاحظات من على المنبر تشير إلى عنوانه والتاريخ باللغتين الإنكليزية والعربية، إحدى اللغتين الرسميتين في الجزائر إلى جانب الأمازيغية الأصلية.

المصدر: وكالة أسوشييتيد برس




فرص تحقيق سلام دائم في ناغورنو-كاراباخ

أذربيجان تسعى لترجمة سياسية لانتصارها العسكري

تغيرت مجريات الصراع في ناغورنو-كاراباخ بطريقة وسرعة غير متوقعتين. وبعد ما يقرب من ثلاثة عقود، استعادت أذربيجان سيادتها على كاراباخ، بانتصار مطلق. وألقى أرمن ناغورنو-كاراباخ أسلحتهم واستسلموا لأذربيجان، وأعلنوا أنه لن يكون هناك وجود لجمهورية كاراباخ بعد الآن.

وانتشرت مزاعم عن تصرفات سيئة يمارسها الأذربيجانيون في المنطقة دفعت بالأرمن إلى الفرار من كاراباخ. وبالفعل، غادر أكثر من نصف السكان الأرمن والبالغ عددهم 120 ألفا، كما أن عددا أكبر بكثير في طريقهم للمغادرة. إلا أن ما دفعهم للمغادرة كان في الواقع خوفهم مما سيحصل لهم إن ظلوا هناك، وليس بسبب التجاوزات التي تعرضوا لها.

ويخشى الأرمن انتقام الأذربيجانيين منهم بسبب معاملتهم السيئة خلال فترة احتلالهم للأراضي الأذربيجانية، بما في ذلك كاراباخ، على مدى العقود الثلاثة الماضية. وقال نيكول باشينيان، رئيس وزراء أرمينيا، إن بلاده ستعتني بالأرمن الفارين من كاراباخ. إلا أن هذا سيفرض عبئا إضافيا على بلد مضطرب بالفعل.

وبالعودة إلى تسعينات القرن العشرين، شهدت كاراباخ، أثناء الحرب الأولى، تحركات جماهيرية ضخمة، كانت في أغلبها نتيجة للتطهير العرقي والفظائع التي ارتكبها الأرمن في كاراباخ. ووفقا لبيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فر 684 ألف أذربيجاني من كاراباخ إلى أذربيجان. وكانت المذبحة التي وقعت في بلدة خوجالي في كاراباخ يوم 26 فبراير/شباط 1992، حيث قُتل أكثر من 600 مدني أذربيجاني، بمثابة رسالة إلى الأذربيجانيين في المنطقة للمغادرة.

وغادر 185 ألف شخص أذربيجاني يعيشون في أرمينيا إلى أذربيجان، كما فر 299 ألف أرمني يعيشون في أذربيجان إلى أرمينيا. وليس هناك تعداد واضح لسكان كاراباخ الأرمن المنحدرين أصلا من تلك المنطقة أو لأولئك الذين استقروا فيها بعد احتلالها من قبل الأرمن في تسعينات القرن الماضي.

بالعودة إلى تسعينات القرن العشرين، شهدت كاراباخ، أثناء الحرب الأولى، تحركات جماهيرية ضخمة، كانت في أغلبها نتيجة للتطهير العرقي والفظائع التي ارتكبها الأرمن في كاراباخ

وبعد الانتصار، قدمت أذربيجان دعوة للأرمن للبقاء في منطقة كاراباخ إذا أرادوا ذلك، وذلك كمواطنين متساوين في دولة أذربيجان. وأكدت السلطات الأذربيجانية لهم أنه لن يُضايق أي شخص منهم بسبب جنسيته الأرمينية، ولكن أولئك الذين ارتكبوا جرائم حرب ضد المدنيين في الماضي سيتعرضون للمحاسبة. ولهذا السبب، ألقي القبض على روبن فاردانيان، الرئيس السابق لحكومة ناغورنو-كاراباخ الانفصالية، ومن المتوقع أن يمثل أمام المحكمة قريبا.

وفي ظل المشاكل الدولية العميقة المتجذرة في التاريخ، والحماسة الوطنية، والتنافس الجيوسياسي، والقضايا المتشابكة، فإن الصعوبات التي تواجهها المنطقة ضخمة للغاية. إذ يتوجب على أذربيجان، بعد انتصارها في الحرب، أن تسعى لتحقيق السلام الدائم الآن. ويتوقع الأذربيجانيون أن يكون الرئيس علييف قادرا على ختم النصر العسكري باتفاق دبلوماسي واضح ومستدام.

أما على الجانب الأرميني، فيقف القوميون المتشددون كالطاشناق في مواجهة باشينيان، الشخص الوطني والواقعي في الوقت ذاته؛ إذ يدرك رئيس الوزراء الأرميني مدى عمق المشاكل التي تعاني منها بلاده ويحاول حلها باتخاذ قرارات صعبة. فهل يستطيع باشينيان النجاة من هذه التحديات المتعددة؟ ففي مجتمع تعتبر فيه الانقلابات والهجمات العنيفة والاغتيالات السياسية أمرا شائعا، فإن خطر حدوث أي شيء في أي وقت يظل قائما.

AFPAFPلاجئون في شاحنة بعد عبور الحدود بالقرب من كورنيدزور في 28 سبتمبر 2023

وتعاني أرمينيا حاليا من انهيار اقتصادي؛ فهي دولة غير ساحلية تفتقر إلى الموارد الطبيعية والصناعة، مما يدفع المستثمرين الأجانب إلى تجنبها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن حدودها المشتركة مع جارتيها تركيا وأذربيجان مغلقة تماما، وهي بالتالي مستبعدة من مشاريع التجارة الدولية ونقل الطاقة في منطقة القوقاز.

وإلى جانب ذلك، يشهد عدد السكان في أرمينيا انخفاضا مع رحيل الأرمن، بحثا عن حياة أفضل، وغالبا نحو الغرب. ولكي تستعيد أرمينيا نشاطها، فإنها بحاجة إلى تطبيع علاقاتها مع دول الجوار، وفتح الحدود مما يسمح بمرور الأشخاص والبضائع بحرية وبشكل كامل.

أما بالنسبة للعلاقات مع الجهات الإقليمية والجيوسياسية الأوسع؛ فإن لروسيا تاريخيا مكانة مهمة لا جدال فيها في حياة الأرمن، إذ شكلت سياساتها تأثيرا كبيرا على مصيرهم عبر القرون.

لكن رئيس الوزراء باشينيان كان يغازل الغرب، كما كان على خلاف مع روسيا، وهو ليس بالأمر الجيد. إذ إن لروسيا مؤيدين داخل أرمينيا، فضلا عن القاعدة العسكرية رقم 102 في غيومري، على بعد 120 كيلومترا من يريفان، وألفي كيلومتر من قوات حفظ السلام في كاراباخ.

بالنسبة للعلاقات مع الجهات الإقليمية والجيوسياسية الأوسع؛ فإن لروسيا تاريخيا مكانة مهمة لا جدال فيها في حياة الأرمن، إذ شكلت سياساتها تأثيرا كبيرا على مصيرهم عبر القرون

وهناك أيضا معاهدة الصداقة التي وُقعت عام 1997 بين أرمينيا وروسيا، والتي تتضمن بنودا بشأن المساعدة المتبادلة في حالة وجود تهديد عسكري لأي من الطرفين وتسمح لحرس الحدود الروسي بتسيير دوريات على حدود أرمينيا مع تركيا وإيران.

ويرى كثيرون أن ما حدث في كاراباخ لم يكن ليحدث لو لم ترغب روسيا في ذلك. ورغم مبالغتها في تقدير الإمكانيات الروسية، إلا أن هذه الرؤية تحمل قدرا كبيرا من الحقيقة. إذ من غير المرجح أن يتخلى الروس عن موقعهم في كاراباخ أو أن يتراجعوا عن تأثيرهم على مجريات الأحداث هناك، فربما ألقت الحرب في أوكرانيا بظلالها على روسيا قليلا، إلا أنها لم تشل قدرتها تماما، وخاصة في المناطق التي تعتبرها باحتها الخلفية والمناطق القريبة منها. وعلى أية حال، وفي ظل هذه الظروف، فإن معظم الأرمن المشككين في روسيا لن يتمنوا رحيلها، على الأقل في الوقت الحالي.

علاقة استراتيجية بين تركيا وأذربيجان

وشهدت العلاقات التركية الأرمينية تطورات مهمة في الفترة الأخيرة. ولكن، على الرغم من عدم وجود ارتباط رسمي بين القضيتين، فلا يمكن النظر إلى التطورات السياسية على هذه الجبهة بشكل منفصل عن العلاقة الاستراتيجية الخاصة بين تركيا وأذربيجان، إذ إن تركيا تحرص جاهدة على عدم التصرف بشكل منفرد وإزعاج أذربيجان.

وكانت الجهات الفاعلة الدولية في الغرب، بما في ذلك فرنسا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، كانت قد سعت جاهدة إلى إيجاد حل لمشكلة كاراباخ لمدة ثلاثة عقود، لكنها لم تنجح. ومن الغريب أنه وعلى الرغم من الاعتراف الرسمي للأمم المتحدة والمجتمع الدولي بأن ناغورنو-كاراباخ أرض أذربيجانية محتلة، إلا أن جميع جهودهم لحل مشكلتها باءت بالفشل، ولهذا عدة أسباب، فإلى جانب سياسة روسيا المتمثلة في تأليب الأرمن والأذربيجانيين ضد بعضهم البعض، كانت فرنسا والولايات المتحدة تميلان تقليديا إلى أرمينيا، ويرجع ذلك أساسا إلى وجود جاليات أرمينية قوية سياسيا واقتصاديا في هاتين الدولتين.

كما أن المجتمع الدولي لم ينجح في جهوده المزعومة لأن هدفه الرئيس لم يكن فعليا إنهاء احتلال كاراباخ واستعادة الشرعية الدولية، بل كان هدفه جعل الوضع القائم شرعيا ودائما، وإسكات أذربيجان عن طريق تقديم مغريات مختلفة.

AFPAFPينتظر اللاجئون الأرمن في ساحة وسط مدينة غوريس قبل أن يتم إجلاؤهم في مدن أرمنية مختلفة، مع استمرار النزوح الجماعي من ناغورنو كاراباخ، في 29 سبتمبر 2023

إلا أن هذه الدول عادت مجددا لتكون في طليعة الجهود الدولية لحل هذا النزاع؛ إذ استضاف الاتحاد الأوروبي مؤخرا مفاوضات بين الجانبين في بروكسل. واعتبرت قضية اختيار الأرمن للبقاء في كاراباخ أو مغادرتها، بالإضافة إلى ضمان سلامة الأشخاص الذين يختارون البقاء فيها، قضيتين أساسيتين للنقاش، فيما لم تلق الاقتراحات بشأن نشر مراقبين دوليين في كاراباخ قبولا جيدا لدى الأذربيجانيين.

ومن المتوقع أن يلتقي الرئيس الأذربيجاني علييف ورئيس الوزراء الأرميني باشينيان يوم 5 أكتوبر/تشرين الأول في غرناطة، بمناسبة قمة المجموعة السياسية الأوروبية. ولن يكون متوقعا أن يوقعا أي اتفاق في الوقت الحالي، إلا أن المحادثات بينهما ستمهد الطريق نحو اتفاق مستقبلي.

ومن الممكن التوصل إلى اتفاق سلام دائم بين البلدين، يؤكد سلامة أراضيهما داخل حدود معترف بها، ولكن هذا الأمر يتطلب مساهمة جادة من كلا الطرفين.

عمر أونهون – دبلوماسي تركي وسفير أنقرة السابق في دمشق

المصدر: موقع المجلة




ورود وهتافات إيرانية تستقبل الاتحاد في أصفهان

وصلت بعثة فريق الاتحاد السعودي إلى مدينة أصفهان الإيرانية، وسط استقبال جماهيري لأنصار المنافس سباهان، والذين رددوا اسم فريقهم فور نزول لاعبي الاتحاد من الحافلة وهم في طريقهم إلى مقر إقامتهم.

وسيلتقي الفريقان، الاثنين، ضمن الجولة الثانية من منافسات دور المجموعات في دوري أبطال آسيا.

وفضل البرتغالي نونو سانتو، مدرب الاتحاد، مغادرة اللاعبين قبل 48 ساعة من انطلاق المباراة التي ستجمعهما، وذلك للتأقلم على أجواء المدينة، وإعداد مخططه التكتيكي على ملعب نقش جهان الذي سيستضيف المباراة.

واستُقبلت بعثة الفريق السعودي لدى وصولها إلى المطار بالورود، وتقدم أنمار الحائلي، رئيس النادي، بعثة الفريق، إلى جانب أبرز اللاعبين تقدمهم عبد الرزاق حمد الله وأنغولو كانتي ورومارينهو وعبد الله معيوف وحسن كادش وعمر هوساوي وصالح العمري.

وكان الاتحاد دشن مبارياته في دور المجموعات بدوري أبطال آسيا، بفوز مريح على حساب أجمك الأوزبكي 3/1 في الجولة الأولى، خلال المباراة التي أقيمت على ملعب الأمير عبد الله الفيصل بجدة.

ويتطلع الاتحاد لبداية قوية بالبطولة القارية التي سيبحث عن لقبها الغائب عن خزائن النادي لقرابة الـ18 عاماً، في الوقت الذي تضم مجموعته إلى جانب سباهان وأجمك، فريق القوة الجوية العراقي، في الوقت الذي يتصدر فيه الفريق السعودي ترتيب المجموعة الثالثة بـ3 نقاط.

وعادت مباريات الأندية السعودية ونظيرتها الإيرانية إلى ملاعب البلدين، بعد أن توقفت بقرار من الاتحاد الآسيوي لكرة القدم عام 2016.

وكان الاتحاد الآسيوي لكرة القدم أعلن مطلع الشهر الحالي، أن عودة مواجهات الأندية والمنتخبات السعودية مع نظيرتها الإيرانية، ستقام على أساس نظام الذهاب والإياب، وإغلاق مرحلة خوض المواجهات على «ملاعب محايدة»، وذلك بعد الاتفاق الذي تم بين الاتحادين السعودي والإيراني.

ووفقاً لقرار صادر في 2016 عن لجنة المسابقات والمكتب التنفيذي في الاتحاد الآسيوي، كانت المباريات تقام على ملاعب محايدة.

وأعلن «الآسيوي»، ترحيبه بهذه الخطوة التاريخية، التي تعكس التزام الاتحادين السعودي والإيراني لكرة القدم بتوطيد العلاقات داخل مجتمع كرة القدم في كلا البلدين، بشكل يسمح للأندية باستضافة المباريات على ملاعبها، وزيارة ملعب الفريق المقابل في المباريات الخارجية، مما يزيد من مستوى التفاعل وخبرة المتعة للجماهير واللاعبين.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




الانتخابات الأميركية بين المناظرات والعزل وتهم الفساد

في خضم موسم انتخابي حام، انهمك الجمهوريون في مناظرتهم، فيما تخبط الديمقراطيون في مستنقع اختلافاتهم بعد اتهامات بالفساد بحق أحد أبرز الأعضاء الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، السيناتور بوب مينينديز.

وكأن هذا لم يكن كافياً لإفقاد الديمقراطيين توازنهم، فعمد الجمهوريون إلى افتتاح إجراءات عزل الرئيس الأميركي جو بايدن رسمياً في مجلس النواب، في ظل استطلاعات رأي أظهرت تراجعه بعشر نقاط أمام ترمب، في وقت شنّ فيه الرئيس السابق هجوماً حاداً على بايدن في حدث انتخابي في ولاية ميشيغان.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين الشرق والشرق الأوسط، جدوى المناظرات الرئاسية في غياب المرشح الجمهوري الأبرز عنها، وأسباب تراجع بايدن في استطلاعات الرأي، إضافة إلى تأثير إجراءات عزله واتهام أحد حلفائه بالفساد على أدائه.

تلاسن حاد بين المرشحين الجمهوريين في المناظرة الثانية في 27 سبتمبر 2023 (رويترز)

«دراما» المناظرة الجمهورية:

انتقدت المستشارة السياسية رينيه كار التلاسن الحاد في المناظرة الجمهورية الثانية، فعدّت أن الجزء الأكبر منها «كان مجرّد مواقف صادمة لإظهار جانب درامي»، وقالت كار: «إن المشاركة في المناظرة هي فرصة للأميركيين لكي يطلعوا على أفكار المرشحين وبرامجهم الانتخابية المحتملة، لكن بسبب تركيزهم على الحصول على تغريدة بارزة أو عنوان لافت لزيادة عدد المتابعين بدلاً من إظهار جوهر المحتوى والإثبات بأنهم الأفضل بين المرشحين، فإنهم يختارون العناوين المثيرة للجدل بدلاً من التحدث عن القضايا الحقيقية التي نهتم بها بالفعل من أجل التصويت لهم».

ويوافق مدير تحرير الموقع الإلكتروني «رو ستوري» ديف ليفينثال مع مقاربة كار، مشيراً إلى أن متابع المناظرة «لم يتمكن من سماع أي شيء على الإطلاق»، بسبب التلاسن الحاد بين المرشحين. وأضاف ليفينثال: «إن المرشحين أصبحوا يائسين، فهم يتخلفون عن دونالد ترمب بفارق كبير في الاستطلاعات؛ لذا فهم يتصرفون بطريقة يائسة في هذه المرحلة».

أمّا جاي أوليفر مقدّم البرامج السياسية في «إل آي نيوز راديو» فقد أشار إلى عدم صدور أي موقف مهم خلال المناظرة بسبب إصرار المرشحين على التنافس، فقال: «لم يتم طرح أي أمر ذي أهمية أو أي محاولة للتطرق إلى المواضيع التي تهم الشعب الأميركي، أو إلى السياسات الحالية التي يجب أن تتغير». واعتبر أوليفر أن الفائز الحقيقي في المناظرة هو إما دونالد ترمب وإما جو بايدن.

وعلى الرغم من ردود الفعل السلبية على أداء المرشحين في المناظرة الثانية مقارنة بالأولى، فإن ليفينثال أشار إلى نقطة اختلاف جوهرية، قائلاً: «الأمر الوحيد المختلف الذي رأيناه في هذه المناظرة هو أن بعض المرشحين على المنصة كانوا مستعدين لمهاجمة دونالد ترمب، في مستوى لم نره منذ شهر في المناظرة الأولى، وهذا ما قام به (حاكم ولاية فلوريدا) رون ديسانتيس».

استطلاعات الرأي:

لا تزال استطلاعات الرأي تشير إلى تقدم بارز لترمب على منافسيه الجمهوريين؛ اذ يدعمه 58 في المائة من الناخبين الجمهوريين مقابل 15 في المائة لأقرب منافسيه رون ديسانتيس، أي بفارق 43 نقطة، بحسب مجموعة استطلاعات وطنية.

لكن كار تحذر من الثقة بهذه الاستطلاعات فتقول: «لا يمكننا الاعتماد عليها كلياً؛ لأنها منحازة، وذلك بسبب المنهجية للمشاركة في استطلاع الرأي. كما أن مصير ترمب غير واضح: هل سيتم سجنه أم لا؟ هناك العديد الذين لم يقرروا درجة ولائهم له».

ويقول أوليفر إن «استطلاعات الرأي لا تعكس سوى لحظة زمنية محددة. والأمر يعود إلى يوم الانتخاب الفعلي أو قبل ذلك بقليل، حين يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم».

أما ليفينثال فيشير إلى أن استطلاعات الرأي المهمة هي الاستطلاعات على صعيد الولايات، وليست الاستطلاعات الوطنية، ويفسر قائلاً: «إذا كنا سننظر إلى نتائج استطلاعات الرأي، فأنصح بالاهتمام ليس بالاستطلاعات الوطنية حالياً، حيث يتم سؤال الناخبين: هل تدعمون جو بايدن أم دونالد ترمب؟ أم هل تدعمون رون ديسانتيس أم تيم سكوت على دونالد ترمب؟ بل يجب الاهتمام باستطلاعات الرأي التي تجرى في ولايات الانتخابات التمهيدية الأولى؛ لأن الناخبين في هذه الولايات سيمتلكون أول فرصة للتأثير على الانتخابات بشكل رسمي، وتحديد مرشح الحزب الجمهوري».

ميشيغان «مسرح المواجهة»:

وقد ساهمت استطلاعات الرأي هذه إلى حد كبير في قرار ترمب عدم المشاركة في المناظرات؛ إذ إنه يتعامل مع السباق الانتخابي على أنه سباق بينه وبين الرئيس الحالي جو بايدن، وخير دليل على ذلك توجهه إلى ولاية ميشيغان للمشاركة في حدث انتخابي بالتزامن مع موعد المناظرة الثانية، ويتحدث أوليفر عن أهمية هذه الولاية التي فاز فيها ترمب عام 2016، ثم انتزعها بايدن في عام 2020، فيقول: «أعتقد أن أهمية هذه الولاية ستعتمد على ما سيحصل في إضراب عمال السيارات، وهذا ما يفسر زيارة جو بايدن ودونالد ترمب، هذه مسألة مهمة جداً، مع تأثير الإضراب الهائل على الاقتصاد الذي قد يصل إلى 5.6 مليار خلال 10 أيام، هذا أمر ينذر بالخطر خصوصاً في اقتصاد متزعزعٍ أصلاً».

وتشير كار إلى أهمية قضايا مثل قضية إضراب عمال السيارات بالنسبة للناخب الأميركي، مقارنة باهتمامه بقضايا مثل مشاكل ترمب القضائية: وتقول: «لدينا الكثير من الأدلة التي تظهر أن الأميركيين لا يهتمون كثيراً بالوضع القانوني للمرشحين، بل باحتياجاته الخاصة وبالوسائل التي يمكنه أن يستخدمها لحماية نفسه وسبل عيشه».

إجراءات العزل و«فضيحة» مينينديز

وبالتزامن مع المناظرة، افتتح الجمهوريون جلسة الاستماع الأولى في إجراءات عزل بايدن، في وقت يتخبط فيه الديمقراطيون في تداعيات ما بات يعرف بـ«فضيحة مينينديز» ويقول أوليفر إن هذه الأحداث تدل على الانقسامات العميقة في البلاد، «فإجراءات العزل انطلقت اليوم رغم أن هناك حاجة للمزيد من الأدلة»، بالإضافة إلى «دونالد ترمب وقضاياه القانونية»، والتركيز على قضية مينينديز، وأضاف أوليفر: «يجب أن نزيل هذه القضايا كي نصل إلى جوهر الأمور، وإلى المشاكل الحقيقية التي تشمل 330 مليون أميركي حالياً في هذه البلاد».

وتفسر كار سبب التركيز على قضايا من هذا النوع فتقول: «غالباً ما تتم الاستعانة بالمراوغات في السياسة الأميركية لإبعاد اهتمام الناس عن المشاكل الرئيسية». وتعتبر كار أن سبب التنقل من قضية إلى أخرى بسرعة في الولايات المتحدة يعود إلى «مسألة فترة الانتباه القصيرة جداً»، مضيفة: «المستخدم العادي لـ(تيك توك) يمكن أن يركز اهتمامه لفترة 13 ثانية بينما السمكة تستطيع أن تقوم بذلك لفترة 15 ثانية. إذاً إن كانت فترة تركيزنا تقل عن فترة تركيز السمكة فهذا يفسر سبب نسيان الأمور وتخطيها بسرعة».

أما ليفينثال فقد تحدث عن تداعيات قضية مينينديز على الحزب الديمقراطي، مشيراً إلى أنها تؤثر بشكل سلبي على أداء مجلس الشيوخ، وعلى الديمقراطيين في الانتخابات، خاصة مع بروز مرشحين ديمقراطيين طرحوا اسمهم بديلاً لمينينديز في ولاية نيوجرسي الزرقاء، الأمر الذي قد يؤثر على «آراء بعض الناخبين، وخصوصاً المستقلين المترددين بدعم حزب مقابل الآخر».

رنا أبتر

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




كلاوديا شاينباوم تخوض معركة لتصبح أول امرأة ويهودية على رأس المكسيك

بين انقسام حزبها اليساري واتفاق اليمين على جبهة واسعة موحّدة

هذا التحول «الأنثوي» الجذري في المشهد السياسي للمكسيك؛ كبرى الدول الناطقة باللغة الإسبانية في العالم، وثاني كبرى دول العالم اللاتينية، هو ثمرة مَخاض طويل تبوّأت خلاله النساء مناصب بارزة… من رئاسة «المحكمة العليا» إلى المناصفة في الحقائب الوزارية، والمقاعد في البرلمان، وحاكمية الولايات والبلديات الكبرى.

javascript:false

وقد تزامن هذا التحوّل في المكسيك مع تراجع شعبية القيادات السياسية البارزة، غالباً تحت وطأة الفضائح والفساد، وأسهمت في تسريع إيقاعه الإصلاحات التشريعية التي أقرّها البرلمان في السنوات الأخيرة.

غير أن «الذكورية» الجارفة في المجتمع المكسيكي، الذي تشكّل العصابات الإجرامية فيه خامس مصدر لفرص العمل، تُملي الحذر والترقب لمعرفة المآل الأخير لهذا التحوّل الذي تقوده امرأتان على طرفيْ نقيض في كل شيء تقريباً.

صراع المرأتين

عندما صدرت نتائج الاستطلاعات الأولى داخل حزب «مورينا (حزب النهضة الوطنية)» الحاكم، وأظهرت تقدم كلاوديا شاينباوم على منافسيها، أعلنت الرئيسة السابقة لحكومة العاصمة الاتحادية مكسيكو سيتي بأنه لا مجال لتضييع دقيقة واحدة في الحملة الانتخابات الرئاسية المقبلة، قبل أن تتسلّم، في اليوم التالي، من الرئيس لوبيز أوبرادور مقاليد التنظيم السياسي اليساري الذي أسّسه وقاده منذ ثلاثة عقود.

وكانت تحركات شاينباوم الأولى في اتجاه منافسيها داخل الحزب للاستماع إلى مطالبهم، ومحاولة احتوائهم، ورصّ الصفوف وراءها في حملة يُنتظر أن تكون على جانب كبير من القسوة. وحقاً نجحت السياسية الطَّموح في استقطاب معظمهم، باستثناء منافِسها الرئيس، وزير الخارجية السابق مارسيلو إيبرارد الذي حلّ في المرتبة الثانية واتهمها بتزوير الاستطلاع ونتائجه، ليقرر بعد ذلك تشكيل جبهته الخاصة داخل الحزب ويفتح معركة ضدها.

ولكن على الرغم من ذلك، لا يشكُّ أحد، اليوم، بأن كلاوديا شاينباوم أصبحت هي الوريثة الشرعية للحركة السياسية التي أسّسها لوبيز أوبرادور، الذي صرّح أخيراً بأنه سيهجر العمل السياسي في نهاية ولايته، مطلع خريف العام المقبل، ويعتزل في مزرعته، بعدما يكون قد فتح الباب أمام أول امرأة لتتولى رئاسة الجمهورية في المكسيك.

من هي شاينباوم؟

تعرّضت كلاوديا شاينباوم، طوال تولّيها رئاسة حكومة العاصمة – وخصوصاً خلال حملة الانتخابات داخل الحزب الحاكم لاختيار المرشح لرئاسة الجمهورية – إلى انتقادات عدة تشكِّك في استقلاليتها عن لوبيز أوبرادور، وتأخذ عليها العمل والتحرك بتوجيهات مباشرة منه. وفي المقابل، دأبت هي في جميع ردودها على الانتقادات الموجَّهة إليها، على وضعها في خانة «الثقافة الذكورية» التي تَعتبر أن المرأة بحاجة دائماً لرجل يوجّه خطاها، ويُملي عليها القرارات التي يجب أن تتخذها.

إلا أن التحدّي السياسي الأكبر الذي يواجه شاينباوم في هذه المرحلة، ليس التعايش مع الظل الوارف للرئيس الذي ينفرد بـ«كاريزما» لم يعهدها المكسيكيون في العقود الماضية، بقدر ما هو إيجاد موقعها داخل الحركة اليسارية في أعقاب تسلمها القيادة منه.

أمر آخر لافت هو أن شاينباوم، وبخلاف منافسيها داخل الحزب من الذين تدرّجوا في أحزاب أخرى قبل الانضمام إليه، اقتصر انتماؤها السياسي، طوال ربع قرن، على الحزب الذي أسّسه لوبيز أوبرادور، وبعدها تدرّجت في كنفه حتى أصبحت أَشبه ما تكون بامتداد لأفكاره وأسلوب عمله.

شاينباوم كانت قد توّلت عدة حقائب في حكومة العاصمة التي رأسها لوبيز أوبرادور، في السنوات الخمس الأولى من هذا القرن، وهي التي نظمّت وقادت الإضراب الذي دام 48 يوماً في قلب العاصمة، بعد انتخابات عام 2006 الرئاسية، التي ندّدت المعارِضة اليسارية في حينه بتزويرها من أجل انتزاع الفوز من لوبيز أوبرادور الذي بايعته الحشود المؤيدة «رئيساً شرعياً». وما يُذكر أن الأخير يومذاك أعلن يومها تشكيل «حكومة» تولّت فيها شاينباوم الدفاع عن موارد المكسيك الوطنية، وفي طليعتها النفط؛ وهو أحد المحاور الرئيسة في خطاب لوبيز أوبرادور وحزبه.

في عام 2012، خاض آندريس مانويل لوبيز أوبرادور معركته الرئاسية الثانية، وأعلن، خلال حملتها، تكليف شاينباوم بحقيبة البيئة في حال فوزه، بيد أنه خسر رهانه مجدداً، ومن ثم، في حين عادت هي إلى نشاطها الأكاديمي باحثة في العلوم البيولوجية، انصرف الزعيم الخاسر إلى تأسيس حزب جديد أطلق عليه «حزب النهضة الوطنية» وعُرف بالأحرف الأولى من كلماته «مورينا».

وقد حصل اللقاء الأول بين شاينباوم ولوبيز أوبرادور، بعد فوز الأخير بمنصب رئيس حكومة العاصمة، وخصوصاً عندما اقترح عليه مُعاونوه تكليفها بحقيبة البيئة وخفض نسبة التلوث العالية في المدينة الضخمة (يسكنها أكثر من 10 ملايين نسمة، ويرتفع العدد مع ضواحيها لأكثر من 20 مليوناً)، وحتى ذلك الحين كان نشاطها السياسي مقصوراً على نشاطها ضمن الحركة النضالية الجامعية، في العاصمة المكسيكية أولاً، ثم في جامعة ستانفورد الأميركية الشهيرة في الولايات المتحدة لاحقاً.

مثقفة ويسارية وعالِمة يهودية

تتحدّر كلاوديا شاينباوم من أسرة يهودية ليتوانية هاجرت إلى المكسيك، وكان والداها يعملان في حقل البحوث العلمية والأكاديمية. وقد سارت ابنتهما على خطاهما، فتخصّصت في العلوم الفيزيائية، ونالت شهادة الدكتوراه عن أطروحة حول استخدام مَدافئ الحطب في المناطق الريفية، في جامعة مكسيكو الوطنية الحرة «أونام»، دون أن يؤثر نضالها الطلابي في تحصيلها العلمي، ثم تخصّصت في هندسة الطاقة، وسافرت إلى الولايات المتحدة حيث تابعت تحصيلها العلمي في كاليفورنيا، حيث برزت هناك أيضاً مناضلة في صفوف الحركة الطلابية.

تولّت منصباً استشارياً بارزاً في «الهيئة الوطنية لتوفير الطاقة»، وفي «الهيئة الفيدرالية للكهرباء». وعلى الصعيد العالمي كانت مستشارة للبنك الدولي ولـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، ثم إنها في تسعينات القرن الفائت شاركت في وضع المناهج التطبيقية التي قام عليها برنامج مكافحة التلوث في مكسيكو سيتي، ونظام الإنذار المبكر في حال الطوارئ البيئية. وفي عام 2007 انضمت إلى فريق الخبراء الحكوميين الدوليين، الذي شكّلته «الأمم المتحدة» حول تغيّر المناخ، وهو الفريق الذي نال لاحقاً «جائزة نوبل للسلام».

يقول لوبيز أوبرادور، في مذكراته بعنوان «هذا أنا»، إنه بعد الهزيمة التي لحقته في الانتخابات الرئاسية الثانية عام 2012 كان على وشك اعتزال النشاط السياسي، غير أنه عندما شاهد الحشود الغفيرة تُنادي بفوزه في قلب العاصمة طوال الإضراب الاحتجاجي الذي لعبت شاينباوم دوراً بارزاً في تنظيمه، قرّر مواصلة سعيه إلى الرئاسة الأولى، بينما عادت هي إلى التفرغ للبحث الأكاديمي، والابتعاد عن الدائرة الضيقة المحيطة به.

لكن الوضع تغيّر، إذ عندما قرر لوبيز أوبرادور أن يكون الحزب الجديد الذي أسّسه معقلاً للأفكار والطروحات اليسارية الحديثة – التي كانت شاينباوم تنادي بها منذ سنوات – عادت هي في دور القيادية البارزة إلى جانبه، وحصدت أول انتصار بارز لحزبه الجديد، عندما فازت في انتخابات مدينة تلالبان البلدية عام 2015.

مع هذا، لم تستمر في المنصب طويلاً، فقد استقالت منه بعد سنتين لمساعدة لوبيز أوبرادور في حملته الرئاسية الثالثة، وأيضاً لتحضير ترشيحها لحاكمية العاصمة التي فازت بها عام 2018، وأضحت أول امرأة منتخَبة تتولى هذا المنصب المهم.

يومذاك، قطفت كلاوديا شاينباوم أولى ثمار نضالها الاجتماعي والسياسي الطويل إلى جناب «راعيها» وحليفها لوبيز أوبرادور، الذي كان قد رسّخ النهج اليساري في حزبه حول ثلاثة محاور أساسية هي: مكافحة الفساد، والتقشّف في الإنفاق العام، وإحياء «المذهب الإنساني المكسيكي» الذي يعطي الأولوية للفقراء.

انتصار هذا النهج رسّخ موقع شاينباوم في واجهة المشهد السياسي اليساري المكسيكي الذي كان قد تعاقب على حاكمية العاصمة منذ أواخر القرن الماضي، حيث ترك بصماته لوبيز أوبرادور، ثم مارسيلو إيبرارد، وزير الخارجية السابق، ومنافِس شاينباوم أخيراً على ترشيح الحزب لانتخابات العام المقبل الرئاسية.

العاصمة… مهد اليسار المكسيكيفي

الحقيقة، تُعدّ العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي مهد اليسار المكسيكي الحديث، حيث تلاقت فيها الحركات الاحتجاجية، من جامعية وعمالية وزراعية، وتفاعلت وانصهرت، لتصبح الأساس الذي بنى عليه لوبيز أوبرادور مشروعه السياسي الذي أصبح اليوم في عهدة شاينباوم.

وبالنسبة لشاينباوم شخصياً، تميّزت فترة تولّيها حاكميتها للعاصمة الضخمة المترامية الأطراف، بإنجازات مشهودة في وسائل النقل العام، وآلاف المِنح الدراسية للطلاب الفقراء، وشبكة واسعة من الخدمات لحماية الأقليات ومراكز تعليمية في المناطق المهمَّشة والمحرومة. وكان لوبيز أوبرادور يردد أن وجود شاينباوم على رأس حكومة العاصمة «يبعث على الارتياح»، ويسمح له بالتفرّغ لإطفاء الحرائق في أماكن أخرى. لكن اللافت أن الملف الذي غاب حتى الآن عن العناوين الرئيسة لخطاب شاينباوم هو الإجرام المنظّم، الذي تضمّ عصاباته المسلَّحة ما يزيد عن 200 ألف عنصر متفرّغ لتهريب المخدرات والخطف والقتل والابتزاز، يهددون سلطة الدولة في معظم الولايات، وينشرون الرعب بين المواطنين، الذين يرى كثيرون منهم في هذه المنظمات فرصاً بديلة للعمالة التي يفتقدونها في السوق الشرعية.

وما تجدر الإشارة إليه، هنا، أنه مع بداية انحسار جائحة «كوفيد-19» في عام 2021، انهار أحد خطوط شبكة مترو الأنفاق في العاصمة، وأسفر الحادث عن مقتل 27 من العمال، وإصابة المئات. وحقاً كانت له تداعيات سياسية فورية دفعت شاينباوم ثمنها باستقالتها، إلى جانب إيبرارد الذي كان خط الشبكة قد دُشّن خلال فترة ولايته.

ذلك الحادث شكّل بداية معركة شرسة بين الاثنين داخل الحزب، حيث حاول كل منهما إلقاء اللوم على الآخر، وتحميله مسؤولية تلك الكارثة. وبعد ذلك تعرَّض الحزب لسلسلة من الهزائم على الصعيدين المحلي والوطني، ثم خسر الغالبية التي كان يتمتع بها في البرلمان، الأمر الذي حالَ دون المُضي في التعديلات الدستورية التي كان قد بدأها تنفيذاً لبرنامجه الانتخابي، بينما كان اللوم يلقى على شاينباوم، الوجه الأبرز للحزب (آنذاك) بعد الرئيس.

وبالفعل، تعرّضت شاينباوم، داخل الحزب وخارجه، لسيلٍ من الانتقادات المشكِّكة في قدراتها القيادية واستقلاليتها، بعدما كانت توصف بأنها «المفضَّلة» لدى الرئيس، لأنها تتماهى مع مواقفه، وأنه سيكون هو الحاكم الفعلي، في حال وصولها إلى الرئاسة. غير أنها كانت تصرّ دائماً على رفض تلك الاتهامات، بانيةً حملتها للفوز بترشيح الحزب لرئاسة الجمهورية على خطاب عنوانه الرئيس «إن الوقت قد أزف كي تصل المرأة إلى قمة الهرم السياسي في المكسيك».

ورغم المساعي التي أطلقتها لتعميق السياسات التي نهجها لوبيز أوبرادور، مثل الاهتمام المحوري بالفقراء، وتوسيع الخدمات الاجتماعية لهم، والرهان على تنمية المناطق المهمَّشة، والتقشف في الإنفاق العام، فإنها طرحت عناوين جديدة في برنامجها الانتخابي غابت عن سياسة الرئيس الحالي، مثل الانتقال إلى الطاقة النظيفة والمتجددة، وتنمية البحوث العلمية والتكنولوجية.

حقائق

بخلاف منافسيها داخل الحزب من الذين تدرّجوا في أحزاب أخرى، اقتصر انتماؤها السياسي على الحزب الذي أسّسه لوبيز أوبرادور.

سباق 2024 الرئاسي المكسيكي «اختبار» سياسي وثقافي

عندما استقالت كلاوديا شاينباوم من رئاسة حكومة العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، بعد حادثة شبكة مترو الأنفاق، كانت شعبيتها في أعلى مستوياتها. بَيْد أن المعركة التي تنتظرها راهناً داخل حزبها «مورينا» اليساري قد تكون أشرس من تلك التي تستعدّ لها ضد منافِستها مرشحة المعارضة اليمينية، إذ رفض خصمها ومنافِسها وزير الخارجية السابق مارسيلو إيبرارد نتائج الاستطلاع الداخلي، وقرّر تأسيس تيّاره الذاتي داخل الحزب، ومواصلة سعيه للترشح إلى الرئاسة، في مواجهة مفتوحة مع شاينباوم قد تشق صفوف اليسار.

وردّاً على ذلك، لإدراك شاينباوم أهمية وحدة الصف في الاستحقاق الرئاسي الذي من المنتظر أن تكون المنافسة فيه على أشُدّها بعد إعلان الأحزاب اليمينية المعارضة خوضه ضمن تحالف واسع موحّد، تعهّدت شاينباوم بإعطاء جميع منافسيها داخل الحزب مناصب في الحكومة، إذا فازت في انتخابات العام المقبل، بل إنها تركت الباب مفتوحاً، حتى أمام إيبرارد في حال قرر البقاء داخل «مورينا» بجانبها، إذ قالت، عند إعلان النتائج: «وحدة الصف أساسية، وأبواب الحزب لن توصَد أبداً».

مع هذا، ورغم أن إيبرارد، الذي يتمتع بتأييد لا يُستهان به داخل الحزب أعطاه 26 في المائة من الأصوات، لم يعلن خروجه من الحزب حتى الآن، بات من شِبه المؤكّد على أثر قراره تشكيل تياره الذاتي داخل الحركة، أن خطوته التالية ستكون الانفصال، وهو، بهذا الانفصال، يمهد، على الأرجح، لتحديد موقعه في المشهد السياسي؛ تأهباً لبداية حملة الانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وفي حين يرى بعض المراقبين أنه ليس مستبعَداً انضمام إيبرارد إلى التحالف اليميني المعارض، مقابل «ضمانات» بمستوى طموحاته، يرجّح آخرون أن يخوض المعركة الرئاسية بصفته مرشحاً ثالثاً في مواجهة شاينباوم، ومرشحة المعارضة اليمينية كسوتشيل غالفيز. وكان لوبيز أوبرادور قد علّق على هذا الاحتمال الأخير بقوله «إذا حصل ذلك، فستكون المعارضة هي الخاسر الأكبر»؛ إدراكاً منه أن إيبرارد يتمتع بشعبية واسعة بين الطبقة الوسطى.

من جهة ثانية، حرص لوبيز أوبرادور، منذ إعلان نتائج الاستطلاع الداخلي لاختيار مرشح الحزب في الانتخابات الرئاسية المقبلة، على حسم موقفه بشكل واضح، موصِداً بذلك الباب أمام محاولات الالتفاف على النتائج، وتكرار الاستطلاع، كما يطالب وزير خارجيته السابق، بل إنه قال صراحةً: «لقد أنهيت مهمتي، وسلّمت قيادة الحركة إلى شاينباوم الاستثنائية، صاحبة القناعات الراسخة والمبادئ النزيهة».

ولكن إذا كان الرئيس المودّع يعتبر أن مهمته انتهت بتسليمه القيادة إلى وريثته السياسية، فإن مهمة شاينباوم ما زالت في بدايتها لتسجل سابقة في التاريخ المكسيكي، وتصبح أول امرأة تصل إلى الرئاسة الأولى، وهي في حال وصولها – الذي ترجِّحه كل الاستطلاعات الحالية ما لم تحصل مفاجآت على الطريق الطويلة – سيكون تتويجاً لمرحلة مفصلية شهدت «اجتياحاً» نسائياً للمناصب العليا في المؤسسات السياسية والإدارية المكسيكية، داخل القطاعين العام والخاص. والواقع أن وصول المرأة إلى المناصب العليا في المكسيك بلغ حداً دفع كثيرين إلى التساؤل: متى سيَحين الوقت ليسلم الرجال هذه المناصب… كما تساءل أخيراً قائد الشرطة الوطنية عمر حرفوش، المرشح لرئاسة حكومة العاصمة.

شوقي الريس

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




قضاة لبنان يتأهبون للنزوح الجماعي

بحثاً عن العيش الكريم أمام خلفيتي الانسدادات السياسية والظروف الاستثنائية

لا تخلو البيانات الوزارية للحكومات اللبنانية، ولا خطاب القسم للرؤساء المتعاقبين على الحكم ولا حتى برامج وزراء العدل، من تخصيص بند أساسي يتعهّد بالعمل على «استقلالية القضاء وتكريسه سلطة مستقلة توازي السلطتين التشريعية والإجرائية». لكن الوعود شيء والواقع شيء آخر، فالقضاء اللبناني يعيش أسوأ مرحلة في تاريخه، لا يكفيه تدخّل السلطة السياسية الفاضح في عمله، ودورها في تعيين المقربين والأزلام في المواقع الحساسة، ليكونوا أبرز أدواتها للحكم ولتنفيذ القانون بصورة استنسابية، بل جاءت الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية لتصدّع المؤسسة وتنذر بانهيار هيكل العدالة على رؤوس الجميع.

لطالما كان المنصب القضائي حلماً يراود كلّ فتاة وشاب لبناني من حملة شهادة الإجازة في الحقوق، لكنه لم يعد كذلك اليوم، إذ يتوق معظم القضاة إلى الاستقالة «والنزوح الجماعي» إلى خارج البلاد، بحثاً عن حياة كريمة لهم ولأسرهم وأبنائهم.

الأسباب التي تحمل هؤلاء على ذلك كثيرة، منها أن القاضي لم يعد صاحب سلطة، بل يكاد بعضهم لا يحكم «باسم الشعب اللبناني» بل باسم المرجعية السياسية التي عيّنته في منصبه.

الأدلة على ذلك لا تعدّ ولا تحصى، يكفي الإشارة إلى تعطيل التحقيق في ملفّ انفجار مرفأ بيروت، وتقويض ملفات المصارف اللبنانية والبنك المركزي والحاكم السابق رياض سلامة، وعرقلة مسار التحقيق بأحداث الطيونة التي وقعت بين مسلحين من «حزب الله» وحركة «أمل» وآخرين من أبناء منطقة عين الرمانة، وقضايا الاغتيال والتصفيات السياسية… وآخرها مقتل المسؤول في حزب «القوات اللبنانية» إلياس الحصروني في بلدة عين إبل الجنوبية، والإعلان الصريح من الأجهزة الأمنية بأنها لم تعد قادرة على التقدّم بالتحقيق.

أزمة بنيوية

يعترف مصدر قضائي لبناني بارز بأن «مشكلة القضاء باتت بنيوية أكثر مما هي معنوية ومالية واقتصادية»، وأطلق صرخة تحذّر من «محاولات حثيثة لتدمير القضاء وهدم بنيان العدالة، بدل تعزيزها وحمايتها».

المصدر الذي طلب إغفال اسمه أبلغ «الشرق الأوسط» أن «الصورة سوداوية جداً، وإذا بقيت الأمور على حالها حتى نهاية العام الحالي سنشهد هجرة جماعية للقضاة ستفاجئ الجميع». وكشف عن أن «كل قاضٍ بدأ يبحث جدياً عن فرصة للمغادرة، والعشرات منهم أرسلوا ملفاتهم وسيَرهم الذاتية إلى مؤسسات حقوقية وجامعية ومحاكم عربية ودولية للالتحاق بها طلباً للعمل والحياة الكريمة، بدل انتظار راتب شهري في لبنان لا يتعدّى الـ500 دولار أميركي حالياً».

تتباين المواقف حيال التصعيد القضائي واللجوء إلى الاعتكاف، وترى مصادر سياسية أن أزمة الانهيار المالي وفقدان القضاة 90 في المائة من قيمة رواتبهم ينسحب أيضاً على النواب والوزراء. إلا أنّ المصدر القضائي رفض هذه المقاربة، وأكد أن «النواب والوزراء بمعظمهم رجال أعمال ومتمولون وأصحاب شركات، لا يتأثرون بالأزمة، بينما ليس لدى القاضي سوى راتبه الشهري». وأردف: «لا يجوز التشبيه بين السياسي الذي يستطيع العمل في التجارة وأي مجال آخر، بينما لا يملك القاضي أي دخل مالي غير الراتب». وشدد على أن «كلّ ما تبلّغه القضاة خلال انعقاد الجمعية العمومية قبل عشرة أيام، عبارة عن وعدٍ بتغطية المساعدات التعليمية لمدة خمسة أشهر كحدٍ أقصى، بالإضافة إلى وعد بالبحث عن شركة تأمين خاصّة للتعاقد معها، لتغطية النفقات الطبية والاستشفائية، لكنّ للأسف لا شيء مؤكد».

مرحلة اللاعودة

من جهته، يحاذر وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال القاضي هنري الخوري، وصول الأزمة القضائية إلى مرحلة اللاعودة، ويضع في أولوياته معالجة الأسباب التي أوصلت القضاة إلى هذه المرحلة من الاحتقان والتصعيد.

ويجزم مصدر بارز في وزارة العدل بأن الوزير «يفعّل لقاءاته واتصالاته برئيس الحكومة (نجيب ميقاتي) وبالمراجع القضائية لتبديد الهواجس التي تعتري الجسم القضائي». ويقول لـ«الشرق الأوسط»: إن الوزير الخوري «يتحسّس صعوبة ما يعانيه زملاؤه القضاة، يأخذ مطالبهم على محمل الجدّ ويبذل كل جهد لوصول القضاة إلى حقوقهم دون منّة من أحد».

ثم يشير إلى أن الخوري «توصل مع المعنيين إلى اتفاق إنجاز عدد من الأمور التي تريح القضاة، سواءً بما خصّ التقديمات الاجتماعية من استشفاء وتعليم، أو بما يخص التقديمات المنح المالية من صندوق تعاضد القضاة»، كاشفاً عن أن «الأزمة سمحت بالبحث عن مداخيل مالية لصندوق القضاة، وبالفعل، بدأت تحصيل هذه الإيرادات التي سيلمس القضاة نتائجها في وقت قريب».

وعود تنتظر التنفيذ

اليوم، لا أحد يحسد رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبّود، على منصبه. إذ إن الرجل الذي سعى لأشهر طويلة على إنهاء الاعتكاف السابق بتلبية جزء يسير من حقوق القضاة، عاد ليواجه أزمة مستجدّة برزت مع إعلان مفاجئ لأكثر من 100 قاضٍ توقفهم الفوري عن العمل حتى تتوفر مقومات الحياة الكريمة لهم. ويبدو أن القاضي عبّود لن يقبل هذه المرّة بالعودة إلى شلّ القضاء وتعطيله، فرسالته كانت واضحة للقضاة خلال الجمعية العمومية التي انعقدت في 18 سبتمبر (أيلول) الحالي؛ إذ كشف قاضٍ شارك في الاجتماع المغلق لـ«الشرق الأوسط» عن أن رئيس مجلس القضاء «بدا مقتنعاً جداً بأحقية مطالب القضاة المعنوية والمادية والاجتماعية وحتى اللوجيستية». وأشار القاضي (أيضاً طلب إغفال اسمه) إلى أن عبود «ذهب أبعد للقول إن وضع قصور العدل صعب ولا يحتمل، وإنه متفهّم لعمل القضاة بظروف صعبة جداً، بلا كهرباء ولا ماء ولا قرطاسيّة. ولكن من غير المقبول العودة إلى إقفال قصور العدل والمحاكم والدوائر القضائية وتعطيل مسار العدالة، فحقوق الناس مقدسة وهي أمانة في عنق كلّ قاضٍ».

ولفت القاضي إلى أن عبود «تمنّى على القضاة الذين توقفوا عن العمل التراجع عن قرارهم وتجنب توسيع دائرة الاعتكاف، ودعا القضاة ليكونوا على قدر قسمهم لأنهم وحدهم الضمانة الحقيقية لبقاء البلد».

تقويض القانون

ما يستحق الذكر، أنه لم يسبق لقضاة لبنان أن استنكفوا عن أداء رسالتهم ولا تخلّفوا عن إصدار الأحكام والقرارات القضائية. إلا أن الأزمة الراهنة قلبت الأمور رأساً على عقب، وبات الإضراب والاعتكاف السلاح الأخير الذي لا بدّ من اللجوء إليه. وهنا يرى القاضي غالب غانم، رئيس مجلس القضاء الأعلى السابق، أن «وضع القضاء اللبناني يتأثر سلباً بالوضع السائد في البلاد، وفي غياب أركان دولة القانون، فإن العاصفة التي تضرب لبنان تهدّد بتقويض القضاء حتى لو كانت إرادة القضاة حديدية».

غانم أعرب لـ«الشرق الأوسط» عن أسفه لـ«تمادي تدخلات السياسية بالسلطة القضائية، وكأنهم (السياسيون) يعتقدون أنهم يحققون مكاسب على أرض القضاء، إلّا أن أي تدخل في القضاء سيرتدّ سلباً على البلد ككل». وأضاف: «في السابق كانت التدخلات السياسية سريّة أو غير منظورة، أما اليوم فغدت حدود التدخل مباحة».

وتطرّق غانم إلى «إهمال متعمّد للمرفق القضائي»، وقال: «صحيح أن البلد منهار اقتصادياً ومن واجب القاضي أن يضحّي كغيره، لكن هناك حدّاً أدنى من الحقوق. نحن لا نطلب أن يكون وضع القاضي كما كان قبل الأزمة، إلا أننا نرى وجوب تأمين الحدّ الأدنى أقلّه في التقديمات الاستشفائية والتعليمية حتى يصمد القاضي ويواصل أداء رسالته»، داعياً السلطة السياسية إلى «النظر في وضع القضاء من زاوية خاصّة، حتى تبقى الإنتاجية القضائية قائمة».

استهداف القضاء

بموازاة الأزمة الاقتصادية، يعاني القضاء أزمة معنوية، عبر حملات تطاله عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً في الفترة التي رافقت مرحلة الاعتكاف الأخيرة وما تلاها. وهنا يلاحظ القاضي غانم «وجود نظرة عدائية من المجتمع تجاه القضاء، وهذا أمر خطير جداً… وحتى إذ كان هناك اعوجاج لدى بعض القضاة القلائل جداً، لماذا استهداف مؤسسة القضاء بشكل عام؟… لماذا التعاطي الإعلامي مع القضاء بشيء من السخرية والتهكّم، بما يرتدّ سلباً على الناس وملفاتهم؟».

الرئيس السابق للسلطة القضائية لا ينكر تأثر بعض القضاة بالتدخلات السياسية. ويوضح: «للأسف، بدل أن يأتي السياسيون إلى القضاء، ثمة قضاة يذهبون إلى أهل السياسة للتقرّب منهم، وهذا غير جائز… فبمجرد لمس السياسيين رفض القضاة لمطالبهم سيتوقف التدخل بعمل السلطة القضائية»، وبالتالي لا تتحوّل بعض الدوائر القضائية إلى دوائر سياسية».

وبينما لا يخفي غانم أن «عدم إقرار القوانين التي تكرّس استقلالية السلطة القضائية تؤثر سلباً على الواقع القضائي» فهو يأمل بأن «تحصر التشكيلات القضائية بيد مجلس القضاء الأعلى وحده، من دون الحاجة إلى مرسوم، فالقضاء قادر لوحده تولّي هذه المهمّة».

مرحلة سوداوية

على صعيد متصل، يعاني مرفق العدالة في لبنان من تدّني عدد القضاة بسبب إحالة العشرات منهم في السنوات الأخيرة على التقاعد، واستقالة البعض الآخر وتقديم بعضهم طلبات استيداع (العمل في الخارج مؤقتاً)، وإقفال الباب أمام امتحانات اختيار قضاة جدداً لمعهد الدروس القضائية.

أيضاً يعزو القاضي غانم أسباب النزف القضائي إلى «تحطّم المعنويات لدى الكثير من القضاة؛ ما دفع بأعداد منهم إلى طلب الاستيداع، والبعض إلى الاستقالة ومغادرة البلاد، وهذا يهدد وضع القضاء». ثم يختم: «إذا لم نذهب إلى حلول سريعة لأزمة القضاء سنكون أمام مرحلة سوداوية… انهيار القضاء له تداعيات خطيرة على الدولة والمؤسسات وعلى الشعب اللبناني ككل؛ ولذا لا بد من تحرّك سريع واجتراح الحلول حتى لا نصل إلى الأسوأ».

شرعة أخلاقية

من جانب آخر، لا يفصل المحامي الدكتور بول مرقص، رئيس مؤسسة «جوستيسيا» الحقوقية، بين أزمة القضاء والتفكك الذي يصيب مؤسسات الدولة في لبنان. ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «لا يمكن الحديث عن القضاء بمعزل عن حال البلد المترهلة أخلاقياً واقتصادياً ومالياً، إلا أنه يقتضي إيلاء فساد بعض القضاء اهتماماً خاصاً لأهمية موقعهم للفصل في الحقوق والحريات».

وفي انتقاد حاد للدولة «التي تخلّت عن حقوق القضاة»، يقول مرقص: «ما دامت رقاب الناس وحقوقهم في أيديهم (القضاة) لا يجوز تركهم عرضة للعوز والضغط السياسي عليهم». ويتابع: «الإصلاح يبدأ باعتماد القضاة شرعة أخلاقية يلتزمون بها افرادياً عند تبوء مناصب سياسية بعد تركهم القضاء، وذلك كي لا يسعوا إليها فيأتمروا بالسياسيين إبان عملهم القضائي، مروراً بتعديل مجلس النواب المادة الخامسة من قانون القضاء العدلي لجعل التشكيلات القضائية نافذة دون تدخل الحكومة، على اعتبار أن اقتراح قانون استقلال السلطة القضائية المطروح حالياً بصياغته الحالية هو معقد وغير قابل للإقرار».

الأيادي النظيفة

ختاماً، لا جدوى من الرهان على أهل السلطة لإصلاح الوضع القائم، ما دام أن الكارثة التي يعيشها لبنان هي نتاج السياسات التي اتبعوها على مدى العقود السابقة. ويشدد المحامي مرقص على أن «الحل في لبنان يكمن في القضاء على طريقة حملة الأيادي النظيفة في إيطاليا التي حاربت طبقة سياسية أكثر فساداً من لبنان ونجحت في ذلك». ويرى مرقص أن «الحل الثاني هو في تسلّم الجيش اللبناني للحكم، وهذا أمر غير ديمقراطي ولا يستقيم في بلد كلبنان». ثم يضيف: «المطلوب للوصول إلى ذلك تدعيم وضعية القضاة اجتماعياً، مقابل تقديمهم تضحيات تمليها عليهم رسالتهم أصلاً… والسؤال: من سواهم (القضاة) تقع عليهم مسؤولية مكافحة الفساد؟ من سواهم بإمكانه إخضاع السياسيين لحكم القانون؟ من سواهم يعطي الإشارات للأجهزة الأمنية؟… الحل يبدأ بالقضاء وينتهي بمعاقبة الفاسدين واسترداد أموال الفساد».

يحاذر وزير العدل هنري الخوري وصول الأزمة القضائية إلى مرحلة اللاعودة ويضع في أولوياته معالجة الأسباب

الاعتكاف القضائي: معالجات لا تبدّد الهواجس

> شهد القضاء اللبناني ثلاث مراحل من الاعتكاف الذي تعدّدت أسبابه:

الاعتكاف الأول تلى أول التشكيلات القضائية في السنة الأولى من عهد الرئيس ميشال عون؛ إذ أثارت تلك التشكيلات غضباً واسعاً في الأوساط القضائية؛ لكونها لم تراع الكفاءة والأقدمية للمعينين في المراكز الحساسة. وهذا الأمر حمل القضاة على إطلاق الصرخة والمطالبة بإقرار قانون استقلالية القضاء، ومنع التدخل السياسي في أداء القضاة، قبل أن تقع الكارثة الاقتصادية والمالية التي عصفت بالجسم القضائي وأثر سلباً على أدائه وإنتاجيته.

ذلك الاعتكاف بدأ في أواخر عام 2017، وعمّق الخلاف يومها بين السلطة القضائية ممثلة بمجلس القضاء الأعلى، وبين وزير العدل (آنذاك) سليم جريصاتي (المحسوب على الرئيس ميشال عون). وبلغ الخلاف ذروته بين الطرفين على خلفية قرار اعتكاف التزم به عدد كبير من القضاة، الذين توقفوا عن ممارسة مهامهم؛ احتجاجاً على ما أسموه «إمعان السلطة السياسية في ضرب استقلالية القضاء، ومحاولة إخضاعه عبر التدخل في عمله، والتضييق عليه مادياً ومعنوياً، وحرمان القضاة من بعض المكتسبات التي توفر لهم أماناً اجتماعياً».

يومذاك تسبب الاعتكاف بمواجهة غير مسبوقة بين جريصاتي ومجلس القضاء الأعلى؛ إذ اعتبر الوزير أن الاعتكاف يشكل تحدياً له ولعهد عون في بدايته. ووجّه حينها كتاباً إلى مجلس القضاء الأعلى دعاه فيه إلى «تنبيه القضاة من الاستمرار في الاعتكاف، وتحميلهم مسؤولية أجواء غير صحية تسود أروقة قصور العدل». واستدعى كتاب وزير العدل ردّاً سريعاً من مجلس القضاء، أعلن فيه الأخير أنه «لا يحق للوزير توجيه تعاميم وكتب إلى القضاة». وذكّر بأن «مجلس القضاء الأعلى لا يعدّ جهة تنفيذية لقرارات وزير العدل عملاً بمبدأ استقلالية السلطة القضائية، ومبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها، وبالتالي لا يجوز لأي سلطة أن تطغى بعملها على أي سلطة أخرى».

الاعتكاف الثاني كان منتصف العام الماضي. فمع تسارع وتيرة الأزمة الاقتصادية وانهيار سعر الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، أعلن قضاة لبنان على أثر انعقاد الجمعية العمومية، الدخول في اعتكاف شامل خالٍ من الاستثناءات، احتجاجاً على تدني رواتبهم التي فقدت 95 في المائة من قيمتها، وكذلك غياب التقديمات الطبيّة والاستشفائية والمنح المدرسية والجامعية.

وألحق هذا الاعتكاف ضرراً كبيراً بحقوق المتقاضين؛ إذ استعصى على آلاف الأشخاص التقدم بالشكاوى بسبب الإضراب ورفض أي مراجعة، كما تسبب الإضراب بتراكم آلاف الدعوى التي لم يبت فيها، وانسحبت أضراره على السجون ومراكز التوقيف التي غصّت بالسجناء في ظل التأخر بالبت بإخلاءات سبيلهم».

مرحلة الاعتكاف تلك، التي كانت الأطول والأقسى، انتهت بإقرار زيادة الرواتب بثلاثة أضعاف كما ورد في الموازنة العامة، ومساهمة صندوق تعاضد القضاة بدفع مساعدة مالية بـ(الفريش دولار) تراوحت بين 500 و1200 دولار للقاضي، بالإضافة إلى مساهمة الصندوق بإعطاء الأولوية للمساعدة المرضية.

أما الاعتكاف الثالث (الحالي) فبدأ يوم 1 سبتمبر (أيلول) الحالي مع إعلان 111 قاضياً في القضاء العدلي والإداري والمالي، توقفهم فجأة عن العمل احتجاجاً على أوضاعهم المالية والاجتماعية. وقال هؤلاء في بيان أصدروه: «في ظل عجز الدولة عن تغطية الاستشفاء والطبابة والتعليم، الخاص بالقضاة وعائلاتهم، وفي ظل انعدام ظروف العمل اللائقة بالكرامة البشرية في قصور العدل، وفي ظل ما وصل إليه وضع القضاء على جميع الصعد، نعلن التوقّف القسري عن العمل، وذلك الى حين توافر مقومات العيش والعمل بكرامة».

هذا القرار المفاجئ قابله هنري الخوري، وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال، بتحرك سريع؛ إذ دعا القضاة إلى الاجتماع به، وأكد أنه «بصدد تنفيذ مطالبهم أو أغلبها عبر اتصالات يجريها مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي ووزير المال يوسف الخليل والمراجع القضائية». أما رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود الذي بدا مستاءً من العودة إلى شلّ مرفق العدالة، فدعا القضاة إلى جمعية عمومية مغلقة عقدت في قصر العدل في بيروت، وطرح فيها القضاة مطالبهم وهواجسهم، وتعهّد عبود ببذل أقصى جهده بتبديد قلق القضاة وتحصيل حقوقهم، وتمنى عليهم الاستمرار في عملهم والتضحية من أجل الحفاظ على القضاء وهيبته. غير أن قضاة شاركوا في الجمعية العمومية، أكدوا لـ«الشرق الأوسط»، أن «المعتكفين ما زالوا على اعتكافهم»، وأن باقي القضاة «يراقبون ما ستؤول إليه مساعي وزير العدل ورئيس مجلس القضاء الأعلى وبعدها يبنى على الشيء مقتضاه».

يوسف دياب

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط