1

تخلق أساطير.. لماذا أظهرت هوليوود مجرمة الحرب ”جولدا مائير” كبطلة؟

مع قرب حلول الذكرى الـ50 لحرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 بين إسرائيل ضد مصر وسوريا، روجت هوليوود لفيلم حول شخصية رئيسة الوزراء الإسرائيلية الراحلة، جولدا مائير، محاطة بالأساطير تحت اسم “جولدا”، في دراما سياسية جديدة من بطولة الممثلة البريطانية الشهيرة، هيلين ميرين.

الفيلم الذي يسلط الضوء على حرب 6 أكتوبر 1973، وكيف أدارتها مائير خلال 19 يوما، وصفته صحف أميركية بأنه يهدف إلى “إعادة تأهيل صورة جولدا مائير”، وينتمي لفنون “محاولات خلق أساطير دعائية”.

خطورته أنه يدفع بالسردية الإسرائيلية لـ”حرب أكتوبر” عبر دور العرض الأميركية في محاولة لتلميع مائير وإظهار تعاطف مع دولة الاحتلال إزاء “العدوان” العربي عليها في يوم مقدس هو “يوم كيبور”.

ودون أن يحاول بيان أن مصر وسوريا كانتا تسعيان لاستعادة أراضيهما المحتلة لا العدوان على إسرائيل، فضلا عن أن المعارك كانت تدور على أرض مصر وسوريا لا الداخل الفلسطيني المحتل.

ووصف نقاد الفيلم بأنه من نوعية الأفلام الدعائية التي تسعى إلى تقديم رؤية خاصة بصناعة سينمائية، لكنها تخالف ما ثبت من حقائق التاريخ ووقائعه، هدفها تجاوز الحقائق على الأرض، وصناعة أوهام موازية وفرضها بقوة الدراما والإعلام.

قصة وهمية

تدور قصة الفيلم حول تصورات وهمية تستهدف تصوير “مائير” باعتبارها “سيدة حديدية” صمدت في مواجهة “العدوان” المصري السوري على أراضي بلادها، رغم أنها معارك لتحرير أرض تحتلها إسرائيل، ودارت في سيناء والجولان “لا الداخل المحتل”

الفيلم من إخراج المخرج الإسرائيلي جاي ناتيف، الحائز على جائزة الأوسكار عن فيلمه القصير “Skin” لعام 2018، وبدأ عرضه بدور السينما في جميع أنحاء الولايات المتحدة أواخر أغسطس/آب 2023.

https://www.youtube.com/embed/Fy008gWLCGo?si=tQBZbLuyGZBP_4SX

تدور أحداثه خلال الحرب التي استمرت ثلاثة أسابيع، والتي انتصرت فيها مصر على قوات الاحتلال بعبور قناة السويس، ويركز على صناعة القرار الذي اتخذته مائير خلال الحرب، وعلاقتها المعقدة مع وزير الخارجية الأميركي، هنري كيسنجر.

يركز الفيلم على فترة محددة في حياة مائير، وتحديدا قبل حرب أكتوبر بيوم وطوال أيام الحرب حتى وقف إطلاق النار، وصولا لتوقيع اتفاقية السلام، ثم وفاتها بعد ذلك.

كتب قصته، البريطاني نيكولاس مارتن، الذي شوه في أحداثه السينمائية العديد من الحقائق التاريخية، بل وحاول أن ينسب السلام بين مصر وإسرائيل إلى مائير لا الرئيس المصري الراحل أنور السادات، الذي زار القدس لهذا الغرض.

وبدلا من أن يُظهر أن مائير رفضت استغلال الفرص المختلفة لتحقيق “السلام” بين إسرائيل ومصر في السنوات التي سبقت الحرب، كما أوضح مقال نشرته “وكالة التلغراف اليهودية” حول الفيلم في 25 أغسطس 2023، ادعى الفيلم أن السلام الإسرائيلي المصري عام 1979 “كان نتيجة لما فعلته مائير!”.

وقال مؤلف الفيلم للتلفزيون الألماني الرسمي في 3 سبتمبر/أيلول 2023 إنه ركز على “حرب يوم الغفران” لأنه شعر أن “كل تجارب حياة مائير ظهرت في تلك اللحظة”، وأنها كانت الشخصية الوحيدة القادرة على قيادة البلاد، وفق زعمه.

ووصفت صحيفة “نيويورك بوست” في 24 أغسطس 2023 الفيلم بأنه “رديء يتضمن أسوأ سيرة ذاتية لمائير”، و”مكتوب بشكل سيئ ويفتقر تماما إلى البصيرة”.

وشددت على أنه “فيلم رخيص وفقير”، حاول منتجوه إخفاء عيوبه بمكياج ضخم لبطلة الفيلم التي مثلت دور مائير (1898-1978).

وكتب الناقد بيتر برادشو في صحيفة “الغارديان” في 20 فبراير/شباط 2023: “كفيلم حرب، إنه ممل، وكدراما مؤثرة سياسية فإنها باهتة”.

ووصف شخصية مائير في الفيلم بأنها “سطحية”، مقدرا أن أهم ما فيه هو “محادثات مائير الخاصة مع (السياسي اليهودي ووزير الخارجية الأميركي في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون) كيسنجر لتقديم الدعم وإنقاذ إسرائيل بعد الهزيمة”.

وتظهر في الفيلم وهي تتحدث هاتفيا مع كيسنجر (مثل دوره الممثل الأميركي ييف شرايبر)، وتناقش معه شروط وقف إطلاق النار، “من موقع قوة مع أنها مهزومة!”.

يحذرها كيسنجر، خلال الاتصال، من الدور والتأثير القوي للاتحاد السوفيتي في الحرب، فترد عليه بقصة عن اعتداء “القوزاق” –مسلمين- عليهم في الاتحاد السوفيتي القديم وضربهم لهم وهم سُكارى، بإثبات أنه بغض النظر عما يحدث، فإنها لم تعد تخشى الروس.

وتقول له: “أنا لست تلك الفتاة الصغيرة التي تختبئ في القبو (من اعتداء السوفييت على اليهود)”، ويزعم المؤلف أن “خوفها من المذابح ساعد في تشكيل شخصيتها القوية”. 

سقطات الفيلم

رغم أن مائير مجرمة حرب وشاركت في قتل مئات الجنود العرب بسياساتها، حاول الفيلم أن يركز على “إنسانيتها” الزائفة.

“يتخطى الفيلم درس التاريخ الأوسع، ويركز على إنسانيتها أثناء خوضها حرب يوم الغفران”، كما تقول صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” في 24 أغسطس/ 2023، بل ويربط شعورها بصدمة الهزيمة في الحرب، أنه بدون هذا الشعور “لم يكن سيكون هناك حافز للسلام”.

ولا يتناول فيلم “جولدا” الانتقادات الموجهة على نطاق واسع في إسرائيل والغرب بأن مائير كانت بإمكانها تجنب الحرب تماما على مدى الأشهر التي سبقت الهجمات.

وعلى العكس، يحاول أن يظهرها بمظهر إنساني مبالغ فيه، بعد الهزيمة وشعورها بالمسؤولية عن مقتل إسرائيليين، حيث تُشاهد وهي تعصر يديها من الألم بقوة شديدة لدرجة أن “الدماء تسيل منها!”، وهي استعارة وتصوير مبالغ فيه، وصفته صحيفة “واشنطن بوست” في 23 سبتمبر 2023 بأنه “مشهد أخرق”.

وضمن هذه الإنسانية الزائفة، يحاول الفيلم إظهار أن مائير كانت حزينة لسفك دماء الجنود الإسرائيليين والعرب أيضا، عبر تصويرها وهي تشعر بخسارة الأرواح وهي حزينة.

ونقل موقع وكالة “التلغراف” اليهودية “جويش تليجرافيك إيجنسي” في 31 أغسطس 2023، عن المستشار القانوني لفريق التفاوض الفلسطيني في محادثات السلام مع إسرائيل في الفترة من 1999 إلى 2003، عمر الدجاني، قوله إن الفيلم “مدلس ومثير للغضب”.

وذكر أن “الفيلم لم يحاول أن يوضح للمشاهد أن مصر كانت تحاول استرجاع أراضيها المحتلة، والهجوم ضد إسرائيل كان يحدث على الأراضي المصرية المحتلة وفي نهاية المطاف، كان  السادات يحاول استعادة سيناء”.

وقال الدجاني إن “الرئيس السادات قدم مبادرات متكررة للتوصل إلى تسوية سلمية إذا وافقت إسرائيل على إعادة شبه جزيرة سيناء، التي استولت عليها خلال حرب الأيام الستة عام 1967 لكن مائير رفضت كل ذلك”.

بل وتعهدت بمنع أي مبادرة سلام تتطلب الاعتراف بالسيادة المصرية على سيناء، وفقا للمؤرخ الإسرائيلي ييجال كيبنيس، مؤلف كتاب “1973: الطريق إلى الحرب” والصادر عام 2012، حسبما أوضحت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” في 9 يونيو/ حزيران 2013.

وأظهرت الوثائق التي جرى نشرها عام 2013 أن مائير عرضت التنازل عن “معظم سيناء”، ولكن دون العودة بشكل كامل إلى حدود ما قبل عام 1967، وهو ما رفضته مصر في اتصالات عبر القنوات الخلفية مع كيسنجر.

ويحاول الفيلم إدانة مصر وسوريا لأنهما هاجما إسرائيل بشكل مفاجئ في “يوم الغفران” الذي يعد أقدس أيام التقويم اليهودي، فيما لم يكن الجيش الإسرائيلي مستعدا للحرب وأقل عددا، ويزعم أن “إسرائيل فازت بالحرب في نهاية المطاف”.

لكن “النصر جاء بتكلفة باهظة”، حيث قُـتل قرابة 2800 جندي إسرائيلي فضلا عن إصابة ما لا يقل عن 8 آلاف آخرين، وفق مزاعم الفيلم.

“مائير” فلسطينية

ولدت جولدا مابوفيتش مائير في الثالث من مايو/ أيار 1898 في كييف الأوكرانية التي كانت آنذاك تحت حكم الإمبراطورية الروسية، وفي عام 1906 هاجرت مع أفراد عائلتها إلى مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن الأميركية.

نشأت في ميلووكي قبل أن تهاجر إلى إسرائيل، وشغلت منصب رئيسة الوزراء خلال الفترة 1969 وحتى 1974، وتوفيت عام 1978

وفي حوار سابق لها اعترفت أنها عمليا “فلسطينية” وأنها كانت تحمل جواز السفر الفلسطيني في الفترة بين عام 1931 و1948.

وهاجم نقاد ونشطاء عرب الفيلم مستغربين تلميعه مائير، وأوردوا فيديوهات لها وهي تقول إنها “فلسطينية لا إسرائيلية عقب وصولها فلسطين وقبل أن تشتهر”.

في حوار مع “التلفزيون الألماني” في 3 سبتمبر/أيلول 2023 كشف المؤلف نيكولاس مارتن أنه حصل أثناء كتابة السيناريو من رئيس أرشيف الدولة الإسرائيلية، حجاي تسوريف، على معلومة مفادها أن إسرائيل أقامت نظام تنصت مكلف للغاية على خطوط القيادة المصرية بين قناة السويس والقاهرة.

وقال مارتن إنه “بفضل هذا النظام الذي ضم جهازا متطورا للغاية، جرى إبلاغ رئيسة الوزراء مائير في ذاك الوقت أنه سيكون لديها إشعار مسبق قبل شن المصريين أي هجوم بـ72 ساعة على الأقل، شريطة استمرار عمل الجهاز”. 

وأضاف أن رئيس الأمن العسكري في الاستخبارات العسكرية في ذلك الوقت كان مقتنعا تماما بأنه لا يوجد أي احتمال لشن حرب، لدرجة أنه لم يقم حتى بتشغيل نظام التنصت، ولهذا السبب يعتقد مارتن أنه “من الظلم إلقاء اللوم على مائير”.

ويصفها المؤلف مارتن بأنها “المرأة التي كسرت الحواجز وعززت مناصرة القضية الصهيونية، وكانت القائدة المتفانية التي تتحلى بروح الدعابة”، رغم أنه يعترف بأنه رغم مرور أعوام كثيرة، مازال الإسرائيليون يوبخون أفراد عائلة مائير في الأماكن العامة عن فشلها كرئيسة للوزراء.

ومع هذا اعترف مخرج الفيلم جاي ناتيف لموقع “Deadline” في 21 أغسطس 2023 أن الفيلم يرصد “هزيمة إسرائيل فعلا، فالجميع يعلم ذلك جيدا، إنها حرب السقوط، فالجميع فقدوا اتزانهم وعلى رأسهم (السياسي والعسكري) موشيه ديان البطل الخارق في إسرائيل الذي تلقى صفعة في هذه الحرب”.

ونشرت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” في 8 سبتمبر 2023 وثائق وشهادات من الأرشيف الإسرائيلي وبعض وثائق ملفات لجنة “أجرانات” التي تولت التحقيق في نتائج حرب أكتوبر 1973.

ومن بين الوثائق التي تم نشرها اعترافات رئيسة حكومة إسرائيل أثناء الحرب مائير، التي أقرت أمام أعضاء لجنة “أجرانات” بفشلها في قراءة معلومات استخباراتية تنذر بالحرب.

وقالت إنه “كان عليها أن تتخذ قرارا باستدعاء جيش الاحتياط بخلاف توصيات الاستخبارات”، واعترفت مائير أن قرار الرئيس السادات بطرد الخبراء الروس من مصر عشية الحرب بدا غير منطقي وأسهم في تشويش أفكارها وقبولها التقديرات التي استبعدت هجوما مصريا.

وأضافت أنها “لم تجرؤ” على مجابهة قائد الجيش ورئيس الاستخبارات العسكرية اللذين نفيا احتمال نشوب الحرب في 1973، مؤكدة أن أيا منهما “لم يطالب بتجنيد الاحتياط”.

وتابعت: “طالما قالوا لي إن إسرائيل ستتلقى إنذارا مبكرا بشأن أي هجوم عربي عليها، وقد كرسنا أموالا طائلة بالاستخبارات لهذا الغرض، ومع ذلك فشلنا”.

وبعد فترة وجيزة من الحرب، جرى تشكيل لجنة “أجرانات” للتحقيق والوقوف حيال الجهة المسؤولة عن الفشل في عدم توقع الهجوم المصري-السوري المفاجئ ومن ثم الرد عليه. 

وبعد عشرة أيام من نشر اللجنة تقريرها، قدمت مائير استقالتها فيما ظلت معظم تفاصيل التحقيق غير معلومة لسنوات.

وقبل عام من وفاتها، شاركت في الحدث التاريخي الذي تمثل بزيارة السادات إلى إسرائيل كأول زعيم عربي حيث ألقى خطابا أمام الكنيست في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 1977 دعا فيه إلى ما سماه “تحقيق السلام”. 

واتسم اللقاء الذي جمعها مع السادات بـ”الحميمية”، وأشادت فيه بشجاعته وبعد نظره، ومازحته بأنه كان يُطلق عليها دائما لقب “السيدة العجوز”.

المراجع:

1 Zooming in on Yom Kippur War, ‘Golda’ aims to rehabilitate Golda Meir’s image
2 ‘Golda’ Filmmaker Guy Nattiv On Why The Time Is Right For A Biopic About Israel’s Only Female Prime Minister – Crew Call Podcast
3 Not your standard biopic, ‘Golda’ is a gritty warning about the cost of victory
4 “غولدا”.. فيلم عن سيرة “سيدة إسرائيل الحديدية” المثيرة للجدل
5 إسرائيل ترفع السرية عن جميع ملفات حرب يوم الغفران، تقريبا

المصدر: صحيفة الاستقلال التركية




“تحييد أميركي وتعزيز اقتصادي”.. هذه أسباب منح الصين الأقمار الصناعية لمصر

أصبحت مصر أول دولة إفريقية لديها القدرة على تجميع ودمج واختبار الأقمار الصناعية (AIT)، بعد تسليم نموذجين من الأقمار الصناعية بتمويل من الصين، لمشروع القمر الصناعي “مصر سات 2”.

وطرح هذا التمويل والتسليم للنموذجين تساؤلات حول الأسباب التي دفعت الحكومة الصينية لمساعدة القاهرة في هذا المشروع.

السياق التاريخي

وقال موقع “جيوبوليتيكال مونيتور” الكندي إن “بكين والقاهرة وقعتا في يناير/كانون الثاني 2019، منحة بقيمة 72 مليون دولار لبرنامج الفضاء المصري”.

وأضاف أنه “في الأعوام التالية، تعاون المهندسون المصريون والصينيون في تشغيل القمر الصناعي، بما في ذلك محطة التحكم الأرضية”.

وأعلنت القاهرة أنه من المقرر إطلاق القمر الصناعي “مصر سات 2” من الصين في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وأفاد الموقع بأن القمر الصناعي “سيخضع للاختبار النهائي في الصين قبل إطلاقه، وهو مصمم ليكون عمره خمس سنوات من تاريخ إطلاقه”.

والجدير بالذكر أن السفير بكين لدى القاهرة، لياو لي تشيانغ، سلط الضوء على أهمية المشروع من خلال الإشارة إليه على أنه يحقق ما أسماها بـ”الأولويات الأربع”.

الأولوية الأولى، هي أن مصر تُعد من الدول التي لها تعاون مهم في مجال الأقمار الصناعية مع الصين في إطار مبادرة “الحزام والطريق”.

والثانية، أن الصين ستساعد مصر في إنشاء مركز شامل لتجميع الأقمار الصناعية واختبارها، حيث سيتعاون العلماء والمهندسون من كلتا الدولتين على تجميع واختبار قمر “مصر سات 2”.

أما الأولوية الثالثة فهي أن الصين ستدعم بناء فريق الطيران المصري، وستوفر التدريب المشترك لخبراء الطيران المصريين.

وأخيرا، عند اكتمال المشروع، ستصبح مصر أول دولة إفريقية تتمتع بقدرات كاملة على تجميع الأقمار الصناعية واختبارها.

وأورد “جيوبوليتيكال مونيتور” مصالح الطرفين من التعاون في هذا المشروع.

فمن جانب مصر، صرح مسؤولون أن القمر الصناعي سيستخدم لتحديد أنواع المحاصيل الزراعية وتوزعيها في القطر المصري طبقا لطبيعة التربة والأجواء.

هذا فضلا عن التخطيط العمراني، ومتابعة تغييرات الشواطئ خاصة في السواحل الشمالية للبلاد، ومنطقة الدلتا، وتتبع مصادر المياه ومسارات الأنهار، وكشف التعدي على الأراضي المملوكة للدولة.

إنجاز كبير

في المقابل، فإن نقل القمر الصناعي هذا يمثل إنجازا كبيرا للصين، وفق الموقع الكندي.

حيث إنها المرة الأولى التي تجري فيها الصين اختبارا شاملا لقمر صناعي كامل خارج البلاد، وتنفذ بنجاح مشروع تعاون عبر الأقمار الصناعية في دولة أجنبية لأول مرة.

كما وقعت وكالة الفضاء المصرية مذكرة تفاهم مع مؤسسة “LASAC” للاستشعار عن بعد الصينية، هذا بالإضافة إلى أن وكالة الفضاء السعودية أجرت مناقشات مع الشركات الصينية أيضا.

ووفق “جيويوليتيكال مونيتور”، فإن “الصين تستثمر في بناء مواقع إطلاق جديدة، حيث تشهد فترة من دخول الشركات المملوكة للدولة وشركات القطاع الخاص إلى مجال الأقمار الصناعية”.

وتمتلك بكين حاليا أكثر من 700 قمر صناعي عامل في المدار، نصفها تقريبا يستخدمها الجيش لمراقبة القوات الأميركية على مستوى العالم، حسب الموقع الكندي.

بالإضافة إلى ذلك، يتكون نظام “بيدو” الصيني -وهو بديل لنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) الذي تديره الولايات المتحدة- من أكثر من 30 قمرا صناعيا.

والجدير بالذكر أن الجهات الفاعلة الحكومية والخاصة العاملة في قطاع الفضاء بالصين، قد حددت خططا لأكثر من 70 عملية إطلاق عام 2023، مما يدل على التوسع المستمر في أنشطة الفضاء في البلاد، وفق الموقع.

وأشار إلى أن “مصر تحتل المرتبة الثالثة بين أكبر الدول المتلقية للمساعدات العسكرية الأميركية على مستوى العالم، بعد أوكرانيا وإسرائيل”.

وفي الوقت نفسه، برزت مصر كشريك مهم في الشرق الأوسط في مبادرة الحزام والطريق الصينية، حيث اجتذبت استثمارات صينية كبيرة في السنوات الأخيرة.

وأضاف الموقع الكندي أنه “يوجد أكثر من 1500 شركة صينية تعمل في مصر، تركز على قطاعات مختلفة مثل تكنولوجيا المعلومات، وتوفير الكهرباء، والاتصالات، والنقل”.

علاوة على ذلك، أقامت الصين ومصر شراكة شاملة، بمحفظة تعاون إجمالية تبلغ حوالي 1.7 مليار دولار.

وهذا التمويل مخصص لمختلف قطاعات التنمية، بما في ذلك الكهرباء والرعاية الصحية والتعليم والتدريب المهني وغيرها.

التشابكات الجيوسياسية

ويرى الموقع أن دولا مثل باكستان ومصر، تميل إلى زيادة الاعتماد على الصين في بنيتها التحتية الرقمية، وربما تميل إلى دمج الإنترنت عبر الأقمار الصناعية الصينية في شبكاتها.

وأرجع ذلك إلى أن “البنية التحتية الرقمية لهذه الدول تعتمد بالفعل بشكل كبير على الأصول الصينية، بما في ذلك الكابلات البحرية، وخطوط الألياف الضوئية، وشبكات الجيل الخامس والمحطات الأرضية للأقمار الصناعية”.

بالإضافة إلى ذلك، فإن “النفوذ القوي للاقتصاد الصيني في مختلف اقتصادات العالم، يمنح بكين القدرة على ثني هذه الدول عن الاعتماد على الخدمات الأميركية”، وفق “جيوبوليتيكال مونيتور”.

وتابع: “وفي الوقت نفسه، تتطلع الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وروسيا وتايوان، إلى تطوير مجموعاتها الخاصة عبر الأقمار الصناعية”.

فعلى سبيل المثال، دعت وكالة الفضاء الروسية “روسكوزموس” كلا من الجزائر ومصر للمشاركة في بناء محطة فضائية روسية.

وقال الموقع إن “سباق الفضاء الأخير يهدف إلى توفير إنترنت عبر الأقمار الصناعية لأغراض صناعية وتجارية، فضلا عن أن توفير نقل أسرع للبيانات يمكن أن يكون أمرا بالغ الأهمية من الناحية التكتيكية”.

ويأتي ذلك “في خضم فوز مصر باستضافة وكالة الفضاء الإفريقية، الأمر الذي يمكن أن يعزز اهتمام الصين بالقاهرة في الأنشطة المتعلقة بالفضاء”.

الدول الناشئة

ويذكر الخبراء أن “إستراتيجية الصين تتمثل في التركيز على الدول الناشئة، التي تواجه قيودا في التمويل، وتستهدف الدول التي ليس لديها أي أقمار صناعية في المدار”.

وحسب الموقع، فإن الأقمار الصناعية الصينية تُعد جذابة للدول النامية بسبب قدرتها على تحمل التكاليف، حيث تقدم بكين المساعدة المالية لصفقات الأقمار الصناعية، إلى جانب فوائد إضافية مثل نقل التكنولوجيا والتدريب.

وتركز بكين أيضا على ممر المعلومات الفضائي، الذي يمَكّن الدول المشاركة من الوصول إلى قدرات إطلاق الأقمار الصناعية والفضاء، وتعزيز إدارة مواردها، والتنبؤ بالطقس، والاستجابة للكوارث، والاتصال بالإنترنت، وتقليل الاعتماد على الأقمار الصناعية الأميركية.

وأوضح الموقع أن “بكين تهتم حاليا ببناء شبكات الأقمار الصناعية للاستشعار عن بعد في القارة الإفريقية، والتي تسمح لها بدعم التكامل اللوجستي بين الدول الشريكة في مبادرة الحزام والطريق”.

وفي هذا السياق، لعبت الصين دورا حاسما في إطلاق أول قمرين صناعيين للاتصالات في نيجيريا عامي 2007 و2011 على التوالي.

بالإضافة إلى ذلك، كانت بكين مسؤولة عن نشر أول قمر صناعي للاتصالات في الجزائر عام 2017.

وفي عام 2018، أصبحت تونس أول دولة خارج الصين تستضيف محطة استقبال أرضية لنظام “بيدو” للملاحة عبر الأقمار الصناعية، وفق “جيوبوليتيكال مونيتور”.

علاوة على ذلك، ساعدت الصين إثيوبيا والسودان في إطلاق أول أقمار صناعية لهما على الإطلاق في عام 2019.

ومن هذا المنطلق، تتوافق مِنَح الأقمار الصناعية المصرية مع طموح الصين لتوسيع وجودها في مجال الفضاء، والخدمات القائمة على الأقمار الصناعية، مع دعم مبادرة الحزام والطريق، وتعزيز مصالحها الإستراتيجية في إفريقيا.

وبالتالي، يساهم ذلك في إعداد بكين لتشكيل المشهد العالمي للاتصالات، والتواصل عبر الأقمار الصناعية، وفق الموقع الكندي.

وختم بالقول: “يعكس حضور بكين المتزايد في صناعة الأقمار الصناعية أيضا تركيزها الإستراتيجي على البلدان الناشئة، التي تتمتع بنفوذ محدود للتفاوض أو التحكم في اتجاه المشاريع”.

 المصادر:

1 Why Is China Giving Satellites To Egypt?

المصدر: صحيفة الاستقلال التركية




بعد فشلها في بريكس.. هل تنجح الجزائر بالانضمام لمنظمة شنغهاي للتعاون؟

بعد رفض طلب انضمامها لـ”بريكس”، تسارع الجزائر الخطى للالتحاق بمنظمة “شنغهاي للتعاون” على أمل أن يحظى طلبها بالقبول.

وفي 29 أغسطس/آب 2023، أعلن وزير الخارجية، أحمد عطاف، أن الجزائر تعتزم الانضمام لتكتل شنغهاي، وأنها مشاركة في البنك التابع للمنظمة.

وقال عطاف، في ندوة صحفية، إن “الجزائر ماضية في خياراتها وتعتزم الانضمام لتكتل شنغهاي ونحن مشاركون في البنك التابع للمنظمة”.

وتأسست المنظمة المذكورة عام 1996 بوصفها تكتلا إقليميا أوراسيا باسم “خماسية شنغهاي”، يضم الصين وكازاخستان وقرغيزستان وروسيا وطاجيكستان.

ولاحقا بعد انضمام أوزبكستان والهند وباكستان ثم إيران، أصبحت المنظمة تضم نصف سكان الأرض.

اقتصاد منغلق

ويأتي تصريح الوزير عطاف بخصوص عزم الجزائر الانضمام إلى “منظمة شنغهاي للتعاون” بعد نحو أسبوع على إعلان قائمة الدول الجديدة المنضمة إلى مجموعة “بريكس” والتي لم تتضمن الجزائر.

ففي 24 أغسطس 2023، أعلن رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا الاتفاق على انضمام كل من السعودية والإمارات ومصر وإيران وإثيوبيا والأرجنتين إلى بريكس، مع استبعاد الجزائر وهو ما شكل “مفاجأة غير متوقعة”.

فما أسباب ودوافع الجزائر للانضمام إلى هذه المنظمة الآسيوية؟ وهل هي ردة فعل على عدم قبول طلب انضمامها إلى “بريكس”؟ 

الوزير الأسبق للصناعة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، عبد القادر سماري، قال إن “الجزائر الموجودة في عدة فضاءات على غرار منظمة الأمم المتحدة، الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية تبحث اليوم عن منظمات تستطيع من خلالها أن تكون لها مكانة في المجالات المتعددة، خاصة المتعلقة بالتنمية”.

وفي 4 سبتمبر/أيلول 2023، رأى سماري، في تصريح لموقع يومية “الشعب” المحلية، أن انضمام الجزائر سيفيد منظمة شنغهاي، بحكم أن الجزائر بوابة أساسية من بوابات إفريقيا في إطار موقعها الجغرافي والإستراتيجي.

وأضاف أن “الجزائر ستستفيد بانضمامها إلى منظمة شنغهاي للتعاون، أولا من تجارب هذه الدول، خاصة في البنى التحتية، علما أن هناك تحولا كبيرا في منطقة آسيا وآسيا الوسطى سواء من حيث البنى التحتية، أو عدد السكان المتنامي”.

وتابع أن الجزائر ستستفيد من تنويع علاقاتها واقتصادها، خاصة أن هذه الدول لها علاقات إستراتيجية مع الدولة المغربية على غرار روسيا والصين.

وعلى سبيل المثال، تعد الصين من الشركاء الاقتصاديين الأساسيين ليس فقط بالنسبة الجزائر، بل لدول إفريقيا، خاصة في المستقبل، حيث تتصدر اليوم المشهد الاقتصادي والتجاري، وفق سماري.

تحول اقتصادي

من جهته، قال المستشار في التنمية الاقتصادية والرئيس السابق لغرفة التجارة والصناعة لولاية المدية (جنوب العاصمة) عبدالرحمن هادف، إن الجزائر ماضية في مشروع تحول اقتصادي شامل يرتكز على إعادة تنظيم الشأن الاقتصادي فيما يتعلق بنموذج النمو والانفتاح على الشراكات وعلى الاندماج في سلاسل القيم الدولية.

وأضاف هادف، في حديث لـ”الاستقلال”، أنه بناء على مشروع التحول الاقتصادي الشامل أصبح من الضروري على الجزائر من الناحية الجيوسياسية أن تلتحق بتكتلات ومنظمات إقليمية ودولية على غرار “منظمة شنغهاي للتعاون”.

وأبرز أن الجزائر مع كل ما يجرى في المنظومة الاقتصادية العالمية تعمل على أخذ مكانتها في إطار ما يسمى اليوم بالجنوب الشامل.

وأفاد بأن انضمامها لـ “منظمة شنغهاي للتعاون” سيمكنها من استثمار تجارب دول مثل الصين وروسيا والهند وإيران في مختلف المجالات خاصة أن هذه الدول تشهد نسبة نمو وتنمية لا بأس بها في السنوات الأخيرة.

وأوضح أن الجزائر تعتزم استثمار الإمكانات الموجودة على مستوى هذه الدول لبعث شراكات خاصة فيما يتعلق بمصادر التمويل بالنسبة للمشاريع الكبرى المهيكلة من قبيل السكك الحديدية والمناجم والصناعات الثقيلة. 

وأردف أن انضمام الجزائر لهذه المنظمة سيمكنها من “الاستفادة من التجارب والخبرات التي راكمتها هذه الدول في مجالات الصناعة والفلاحة والتكنولوجيا الرقمية”.

وخلص هادف، إلى أنه اعتبارا لهذه المعطيات “أظن أن الشراكة مع دول منظمة شنغهاي للتعاون إيجابية ومفيدة لدولة مثل الجزائر”. 

أما الخبير الاقتصادي الجزائري سليمان ناصر، فيرى أن الجزائر تحاول الخروج من انعزالها الاقتصادي إن صح التعبير، مبينا أن اقتصادها شبه منغلق وليس منفتحا بشكل كبير على العالم ولذا تحاول أن تنفتح تدريجيا.  

وأضاف ناصر، في حديث لـ”الاستقلال”، أن عدم الانفتاح الكبير أدى إلى غياب تحرير الاقتصاد وإلى تخلف العديد من القطاعات ومن بينها القطاع المالي والمصرفي.

وتابع أن الجزائر تحاول أن تُنوع شركاءها الاقتصاديين سواء في إفريقيا من خلال الانفتاح على السوق الإفريقية بحكم الانتماء والموقع أم مع أوروبا بحكم الشراكة القديمة مع الاتحاد الأوروبي التي جرى توقيعها منذ سنة 2005.

سيناريو “بريكس”

وأمام الرغبة الجزائرية، تثار تخوفات من تكرار سيناريو رفض طلب الانضمام إلى منظمة “بريكس” وبالتالي يطرح سؤال: ما المطلوب لضمان انضمام الجزائر إلى منظمة شنغهاي للتعاون؟

المستشار في التنمية الاقتصادية عبدالرحمن هادف، قال إن الرهانات التي تواجه الجزائر من أجل الانضمام إلى هكذا منظمة هي “الإسراع في إصلاح مناخ الأعمال والمنظومة الاقتصادية بصفة عامة من خلال أطر قانونية جديدة محفزة ومواكبة لما ما هو معمول به على المستوى العالمي”.

وأضاف هادف، في حديث لـ”الاستقلال”، أن الجزائر مطالبة اليوم بتعزيز قدراتها الانتاجية وتثمين كل المقومات من أجل تحسين بيئة الاستثمار التي تعد من أهم محركات التنمية وفي الوقت نفسه تحسين المنظومة المالية والبنكية.

وتابع أن المطلوب أيضا العمل على تحسين كل ما يتعلق بالتجارة الخارجية من خلال تعزيز الانفتاح والعمل على تناسق السياسات بين مختلف القطاعات خاصة في مجالات الصناعة والفلاحة والسياحة.

وأكد هادف، أنه أصبح من الضروري أن تعمل الجزائر على تحسين قدراتها الإنتاجية في مجالات عدة لتعزيز أداء الاقتصاد الوطني.

وخلص إلى أن ربح هذه الرهانات سيسمح للجزائر بأن تكون في أفضل الظروف من أجل استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وإبرام شراكات ذات قيمة مضافة عالية.

وأمام تفاؤل عبد الرحمن هادف، بخصوص انضمام الجزائر لمنظمة شنغهاي للتعاون، قال الخبير الاقتصادي الجزائري سليمان ناصر، “في رأيي الشخصي أعتقد أن الوقت الحالي غير مناسب”.

وضع مختلف

وأضاف ناصر، في حديث لـ”الاستقلال”، أنه “ربما تكون احتمالات الرفض قوية أكثر من بريكس لأن هذه المنظمة آسيوية وليس فيها أي بلد إفريقي، فهي تقريبا منظمة إقليمية أكثر منها دولية”.  

وسجل أن الجزائر بعيدة من حيث الجغرافية والأهداف عن هذه المنظمة التي تركز أكثر على الأمن الإقليمي والتنسيق وبعد ذلك التنمية الاقتصادية فيما بينها أو في إقليم وجودها في قارة آسيا.

ومنذ تأسيس منظمة شنغهاي، كان التعاون الأمني إحدى المهام الرئيسة لها ولا تزال على قمة أولوياتها وهدفا رئيسا في المستقبل.

إذ تصرح المنظمة بأنها تعمل على مكافحة الإرهاب ومواجهة التطرف والحركات الانفصالية، والتصدي لتجارة الأسلحة والمخدرات.

ورأى ناصر، أنه “حتى لا تتكرر قصة “البريكس” من الأفضل أن تنشغل الجزائر حاليا ببناء اقتصادها وتنويعه والخروج من اقتصاد الريع المعتمد على صادرات النفط والغاز”.

وأكد على ضرورة تنويع الصادرات خارج المحروقات التي لا تزال هامشية حيث لا تتجاوز 7 مليارات دولار حسب أرقام 2022″، مبينا أن صادرات النفط والغاز مازالت تستحوذ على أزيد من 90 بالمئة من الصادرات الجزائرية.

وشدد على ضرورة رفع معدلات النمو ورفع الناتج الداخلي الخام الذي ما زال أقل من 200 مليار دولار حسب أرقام 2022، مشيرا إلى أن هناك بلدانا إفريقية تحقق معدلات نمو عالية لذا جرى قبول طلب انضمامها في هذه المنظمات من قبيل دولة إثيوبيا.

وخلص ناصر، إلى أنه من الأفضل أن تتجه الجزائر إلى تحسين كل هذه المؤشرات الاقتصادية ثم بعد ذلك تدخل معززة مكرمة ومرحب بها أكثر من الناحية الاقتصادية في مثل هكذا منظمات.

ونبه إلى ضرورة اختيار الجزائر المنظمات الملائمة، قائلا: “أعتقد أن منظمة شنغهاي ليست مجالها وليست إقليمها، ولذلك فاحتمالات الرفض ستكون كبيرة أكثر من حالة بريكس”.

المصدر: صحيفة الاستقلال التركية




التضخم وانهيار العملة مستمرّان لا محالة

أعدت الجمعية اللبنانية لحقوق المكلفين ALDIC دراسة اكدت فيها ان من يطلع على مشروعي قانون موازنة عام 2023 وقانون موازنة عام 2024 المتزامنين في الطرح والتوقيت، ويتمعّن في مضمونهما، يكتشف بما لا يقبل الشك أن المشروعين هما بمثابة صورة مصغرة وأمينة لوضع وواقع السلطة التنفيذية التي سوف تتبناهما. أي عجز وتخبط وتمنيات وتدابير إصلاحية معدومة أو خجولة غير كافية ومعزولة عن الواقع وبعيدة كل البعد عن أي حلّ شامل وبرنامج متكامل واضح المعالم للخروج من الأزمة المستفحلة وإعادة توازن مفقود ورفد الخزينة بإيرادات مستدامة وذكية وليس كما هي الحال الآن، من حيث التخبط والولوج الحتمي إلى الضرائب غير المباشرة التنازلية، التي تطعن بمبدأ العدالة الضريبية والعقد الإجتماعي وتنذر بالإنهيار الكامل وزوال الدولة ومؤسساتها. وفي ما يلي ابرز ما جاء في الدراسة:

لا رؤية ولا خطة

بالفعل، إن مشروعي موازنتي 2023 و2024 شبيهان بالموازنات التي سبقتهما لناحية تجلّي رغبة المشترع في تأمين ايرادات لتغطية النفقات التشغيلية، خصوصاً للقطاع العام، ولكن بمعزل عن أي رؤية واضحة وخطة متكاملة أو برنامج إصلاحي يؤمن مقومات تنمية إقتصادية وإجتماعية مستدامة ومعالجات ناجعة وفعّالة لمكان الخلل في النظام المؤسساتي. ويُعتبر هذان المشروعان، بالصيغة التي أقرّا بها في مجلس الوزراء، اعترافاً غير مباشر بأن التضخم وانهيار العملة الوطنية مستمرّان لا محالة.

وقد جاءت هاتان الموازنتان تكريساً وتمدّيداً للسياسة المالية نفسها المعتمدة سابقاً، ومن دون قطع حساب، مما يكرّر المخالفات الدستورية التي كانت سائدة سابقاً ولا تزال.

 ومما لا شك فيه أن هذين المشروعين، على غرار سابقهما (أي مشروع موازنة 2022)، خالِيان من أي رؤية اقتصادية وبرنامج إصلاحي فعلي ومدروس يعيد الثقة إلى المواطن والمستثمر ويبلسم جراح شعبٍ نازفٍ وتائه. وعليه، يتضمن المشروعان مجموعة من التدابير الطارئة والجزئية وحوافز خجولة غير كافية ومعزولة عن أي حلّ شامل وبرنامج متكامل واضح المعالم، للخروج من الأزمة المستفحلة كما ومخالفات وتضارب فاضحٍ في بعض الأحيان مع نصوص قانونية أخرى مرعية، والأخطر: عدم قدرة أي منهما على إحداث التغيير المنشود أو أقله المباشرة به كما وتقاعس في التنفيذ وتجنب أي تدبير من شأنه الإزعاج أو الإرباك أو المواجهة… موازنات رفع عتب وتبرؤ من المسؤولية ليس إلا !!!

مفعول التضخم

إن فحوى الموازنة 2023 على سبيل المثال يتمثل بإعادة النظر بالشطور الضريبية والتزيلات الملازمة مع إعطاء الصلاحية لمجلس الوزراء (نتيجة للإعتراضات على تفويض وزير المالية كما كان مقترحاً أساساً) لمتابعة موضوع هذه التنزيلات والشطور وتعديلها عند الإقتضاء بشكل يواكب التضخم السلبي الذي يحصل في لبنان، وذلك استناداً إلى نسبة التضخم الصادرة عن إدارة الإحصاء المركزي بناءً على اقتراح وزير المالية.

بلا قطع حساب

إن مشروعي موازنتي 2023 و2024، اللذين أتيا دون فذلكة وقطع حساب ملازم أو تفسير وافٍ، لا يراعيان شروط صندوق النقد الدولي بضرورة أن تكون الموازنة إصلاحية، إنما يستهدفان الشعب مباشرة عبر رفع الضرائب غير المباشرة التنازلية والرسوم المتفرقة على السلع والخدمات بشكل شامل تقريباً، فيما يعفيان المصارف والنافذين، لغاية تاريخه، من المحاسبة وتطبيق القوانين المصرفية والتجارية النافذة، ويحميان مصالحهم ويحمّلان عبء تكاليف هاتين الموازنتين للمواطنين، لا سيما الموظفين وذوي الدخل المحدود والمتقاعدين التائهين دون دخل أو تعويض، مع العلم أن معظم الشعب اللبناني أو أكثريته الساحقة قد أصبح في حالة فقرٍ مدقع.

مراعاة الظروف

صحيح أن المشروعين الآنفي الذكر قد حاولا إلى حدٍ ما مراعاة الظروف الصعبة السائدة، وتجنب زيادة الضرائب المباشرة، في ظل ما يسود من حالة ركود وانكماش وتضخم مفرط، إلا أن ذلك قد أتى بمعزلٍ عن خطة تعاف عادلة وموضوعية متوافق عليها. وكل ذلك من دون إيجاد حلٍ نهائي لسعر الصرف في السوق المحلي وتقلب العملة وتهاوي قيمتها، ناهيك عن التضخم المفرط وموضوع الودائع المحجوزة إن لم نقل الضائعة والمنهوبة.

بكل صراحة، كان يُؤمل بنقلة نوعية وإصلاح فعلي في المالية العامة من خلال موازنة شفافة وشاملة وعصرية، سيما أن الظروف الإستثنائية الراهنة كانت تحتم موازنة إستثنائية جريئة وخلاقة، لا موازنات شبيهة إلى حد التطابق مع سابقاتها التي مهدت الطريق وسرّعتها للإنهيار الكبير الذي نشهد فصوله تباعاً منذ حين.

مهام الدولة الأساسية

هذا، ومن المفروض البحث مقدماً في الموازنة، وبالتالي في إصلاح المالية العامة، وبشكل أخص في مهام الدولة الأساسية؛ فعليها يقع واجب حماية الاقتصاد الوطني، وتأمين الحماية الإجتماعية، ونشر العلم والمعرفة، وزيادة الثروة وحسن توزيعها بشكل عادل. كذلك عليها إعادة الإعتبار لصدقيتها وثقة المواطنين والخارج بها، وهذا الأمر يُكرّس بإصلاحات تشمل إجراءات طارئة وسريعة لخفض العجز وطمأنة الدائنين وتثبيت النقد ومكافحة الفقر المتفشّي وإعادة إطلاق العجلة الإقتصادية، ومن شروط ذلك، تأمين الواردات وترشيد الإنفاق عبر تحديد الحاجات الفعلية وقواعد وآليات الجباية والإنفاق، فضلاً عن المراقبة الفعّالة. فالموازنة هي الأداة الأساسية للمالية العامة، هي وسيلة للتدخّل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بهدف تحقيق البرامج والوعود التي التزمتها السلطات السياسية والتي يقتضي كما وفي كل ديمقراطية تشاركية أن تُحاسب على أساسها.

عملياً، المطلوب اليوم قبل الغد، وبالتزامن مع تنفيذ أي برنامج إنقاذي، خفض تدريجي في نسبة العجز إلى الناتج المحلّي قبل تأمين توازن الموازنة على المدى المنظور والوصول إلى فائض أولي سريعاً، بالإضافة إلى تنفيذ رزمة إصلاحات هيكلية وبنيوية وقطاعية أضحت معلومة المضامين والتفاصيل.

وهذا يحتم أن يكون مجموع النشاط الاقتصادي والاجتماعي موجّهاً بصورة سليمة وشفافة من خلال الموازنة. لذا يتعين على أي موازنة، لهذه السنة أو للسنوات المقبلة، أن تكون وسيلة لإطلاق الإصلاح الفعلي ولتنفيذ خطة التنمية المستدامة.

بعض التناقضات

ومن جهة ثانية، وكمثال على التناقضات التي تعتريهما، يعتمد مشروع موازنة 2023 مثلاً (ومشروع موازنة 2024 شبيهاً له لهذه الناحية) على بعض التدابير الخجولة الآيلة إلى توسيع القاعدة الضريبية وزيادة معدّل الإمتثال من دون إعتماد ما يلزم من تدابير موازية لإصلاح النظام الضريبي ومراقبة حسن تنفيذ تلك التدابير لكي لا تبقى حبراً على ورق كما هو معتاد وذلك، لجعل هذا النظام أكثر عدالة ولتنويع الإيرادات. وكان من المتاح مثلاً، لو كانت نية التغيير والإمتثال والإلتزام فعلية وجادة، مكننة الإدارة الضريبية وتمكينها من خلال وسائل متطورة وحديثة لا سيما من خلال تفعيل إجراءات تطبيق القانون رقم 55 تاريخ 27/10/2016 لتبادل المعلومات الضريبية، بشكل يتلاءم مع ما هو مطلوب من قبل المنتدى العالمي للشفافية وفي المعاهدة المتعددة الأطراف (MAC)، بحيث تقوم الدولة ممثلة بوزارة المالية، من جهة وتمهيداً، بطلب التبادل غب الطلب في ما خص الحالات المشبوهة أو المشكوك فيها. ومن جهة ثانية، تطبيق ما تبقى من شروط وإلتزامات محددة في خطة العمل المتوافق عليها مع المنتدى للوصول إلى المرحلة الثالثة من تقويم الالتزام (Pier review) ليتسنى تلقي المعلومات العائدة للمقيمين في لبنان، عن طريق التبادل التلقائي السنوي للمعلومات (CRS وMCAA).

تمويل العجز؟

وأخيراً وليس آخراً، تقتضي الإضاءة على عجز الموازنتين المرتقب من دون أي تفسير أو توضيح على كيفية تغطية هذا العجز وتمويله، علماً أن الدولة اللبنانية في حالة توقف غير منظم عن الدفع منذ آذار 2020 وغير قادرة على الإستدانة، لا من الداخل ولا من الخارج وذلك، قبل الإتفاق مع صندوق النقد الدولي البعيد المنال، كما أنه ليس في استطاعتها الإتكال على تمويل مصرف لبنان بعد موقف الحاكم الجديد بالإنابة الرافض لأي تمويل غير قانوني، مما يعني أن هذا العجز سيتم تمويله، إما عن طريق إستحداث إيرادات جديدة، وبالتالي ضرائب ورسوم إضافية تفرض على كاهل المواطن وتعيق مسار الإستثمار والنمو، أو عن طريق طبع العملة وزيادة الكتلة النقدية البالغة 58 تريليون ليرة تقريباً حالياً، مما قد يفاقم التضخم وانهيار العملة وزيادة الأسعار وإفقار المواطنين أكثر فأكثر، في غياب أي بوادر تحسن للنمو والحركة الإقتصادية الفعلية والمنتجة في المدى المنظور.

في تفصيل بعض المواد الضريبية لموازنة 2024

يتبين جلياً في الدراسة التي اعدتها الجمعية اللبنانية لحماية حقوق المكلفين أولاً بأول أن أرقام وإيرادات وبعض بنود موازنة العام 2024 مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بموازنة وتدابير العام 2023 وكأنه قد تم إقرارها من قبل مجلس النواب دون تعديل وهذا ما لم يحصل بعد ويبدو بعيد المنال؛ ناهيك عن كونه يمس بمبدأ فصل السلطات ويلزم مجلس النواب بنصوص وتدابير تشريعية لم يسبق له أن إطلع وصادق عليها.

أ‌- في الضريبة على القيمة المضافة (المادة 18)

تطرح المادة 18 من مشروع موازنة 2024 فرض ضريبة على كل شخص ينظم حفلة فنية أو ثقافية أو سواها، مع وجوب التسجيل في الضريبة على القيمة المضافة التي تفرض على المبالغ المحققة من تلك الحفلة. أتى هذا التدبير من دون دراسة مسبقة وتقديرية لتحديد النتائج المتوخاة منه والإنعكاسات المحتملة على الصعيدين الإقتصادي والإجتماعي كما ودراسة لأثر وقعها الإقتصادي (Impact economic study) أو دراستها من الناحية الإكتوارية أو دراسة جدواها الإقتصادية لجهة تضاربها مع نصوص أخرى مرعية الإجراء وما قد يستتبعه من التباس وسوء تطبيق. كما وأن هذه البنود تطرح في ظل غياب أية مراقبة للأسعار والتضخم.

ومن جهة أخرى وبحسب الأرقام، فمن المتوقع أن تزداد قيمة حاصلات ضريبة القيمة المضافة من 36 تريليوناً إلى 90 تريليون ليرة دون إعطاء أية إحصاءات ودراسات دقيقة بهذا الخصوص، إلا أنه في المقابل، سيزداد أيضاً التفاوت الحاصل بين الضرائب المباشرة التي باتت تشكل ثلث الإيرادات الإجمالية للموازنة والضرائب غير المباشرة التي تشكل ثلثي الإيرادات. وهذا ما من شأنه أن يزيد من التفاوت الإجتماعي واللاعدالة الضريبية.

ب‌- في اعتماد نظام خاص مبسّط لفرض الضريبة في بعض الحالات (المادة 19)

تنص المادة 19من مشروع موازنة 2024 على مبدأ اعتماد نظام خاص مبسط لإخضاع وفرض الضريبة على القيمة المضافة على من حقق، خلال فترة تتراوح بين فصل وأربعة فصول متتالية، رقم أعمال لا يتجاوز الـ5 مليارات ليرة (أي 56.2 ألف دولار). ويتم الاعتماد كأساس لفرض الضريبة نسبة من هامش الربح المحدد لنوع النشاط. ويستثنى من هذا التطبيق الأشخاص المترابطون مع اشخاص يتجاوز مجموع رقم أعمالهم مجتمعين 5 مليارات ليرة خلال الفترة ذاتها المذكورة آنفاً.

إن هذا النظام شبيه بما هو معتمد حالياً بالنسبة لمنتجي وتجار المجوهرات والصاغة، ما يدعونا للتساؤل من جهة أولى، عمّا إذا كانت هناك دراسة تفصيلية عن نتائج هذا التدبير بالنسبة للقطاعات المخصوصة وفعاليته. كما ونسأل من جهة أخرى عن التدابير المقترحة لتأمين حسن الإلتزام والإمتثال وتوسيع قاعدة المكلفين، إذ أنه في غياب ما تقدم، سوف يزيد الشرخ القائم بين المواطنين والمكلفين وسواهم من المكتومين ويضرب مبدأ المساواة الدستوري (الفقرة ج من المقدمة والمادة 7 من الدستور) ويحفز اللامواطنية الضريبية.

أما الفقرة الثالثة من المادة 19 والتي تنص على اعتبار الزيادة في الضريبة على القيمة المضافة – بما يفوق الـ 10% المفروضة على استهلاك المياه والكهرباء والاتصالات السلكية واللاسلكية – ايراد خزينة، يستوفى ويسدد حسب الأصول القانونية لاستيفاء وتسديد الضريبة على القيمة المضافة، فهي تضرب مبدأ التمييز بين الضرائب المباشرة الشمولية والضرائب غير المباشرة القائمة على المنفعة المقابلة.

ج- في استحداث رسم بدل خدمات سريعة وطارئة لدى الإدارات العامة (المادة 21).

بحسب المادة 21، يُستحدث رسم بدل خدمات سريعة وطارئة لدى الإدارات العامة يسمى بدل خدمات مأجورة، يستوفى من الراغبين في انجاز معاملاتهم لدى الادارات العامة بصورة سريعة أو الذين لديهم معاملات طارئة.

وهنا يقتضي عوضاً عن هذا التدبير تفعيل وتطبيق المكننة والحكومة الإلكترونية لتسريع المعاملات وتفادي حالات الفساد، عبر التعاطي المباشر بين الموظف العام والمواطن مع تدابير أخرى ملازمة ناجحة ومفيدة، كمكننة الإدارة ووضع آليات الحوسبة عن بعد لتلقي الطلبات ومعالجتها من خلال واجهات الكترونيّة.

د- في الإجازة للمكلفين تسديد الضرائب والرسوم والغرامات المتوجبة عليهم عن الفترات السابقة من حساباتهم المفتوحة بالعملة الأجنبية لدى المصارف العاملة في لبنان (المادة 22).

تنص المادة 22 من مشروع موازنة 2024 على الإجازة للمكلفين تسديد الضرائب والرسوم والغرامات المتوجبة عليهم عن الفترات السابقة من حساباتهم المفتوحة بالعملة الأجنبية لدى المصارف العاملة في لبنان، وذلك على أساس 40% من سعر الدولار الأميركي على منصة صيرفة.

هذه المادة تتماهى مع قرارات أخرى سابقة صادرة عن مصرف لبنان وتحمل الغاية والهدف نفسيهما، وأهمهما التعميمان الأساسيان رقم 150 و151 تاريخ 9/4/2020 وما تبعهما، والتي اعتمدت التمييز بين الأموال الخاضعة للضوابط والقيود غير القانونية (المسماة الأموال القديمة) وتلك التي تستفيد من الإستثناء وحرية السحب والتحويل والتداول والتصرف (المعرفة بالأموال الجديدة أو الـ Fresh) وهي بطبيعة الحال غير محقة وغير قانونية وغير شرعية وغير أصولية وقد جرى الطعن بها ولا يمكن الركون إليها أو الإعتداد بها.

مع العلم ان هذا التمييز بين الودائع مهما كان سببه أو الظروف المحيطة به يخالف أحكام الدستور والقوانين المرعية الإجراء، لا سيما منها مبدأ المساواة بين المواطنين المنصوص عليه في المادة 7 من الدستور والفقرة (ج) من المقدمة، التي تذكر بأن الجمهوريـة اللبنانيـة تقـوم على مجموعـة من المبادئ الديمقراطيـة الأساسية، ومن بينها العدالة الإجتماعية، ناهيك عن مخالفة المادة 15 والفقرة (و) من مقدمة الدستور، والتعدي الفاضح على حق الملكية الخاصة، إذ لا يحق للمشترع ولا للسلطة الناظمة أن تضعـف أو تراقـب كيفيـة التصرف بالوديعـة وتغييـر طبيعتهـا أو أن تميّـز الودائـع بين جديدة وقديمة أو نقدية ومجمدة أو كبيـرة وصغيـرة أو أن تقتطع من قيمتها، كون الوديعـة تشكـل ملكيـة والملكيـة في حمـى الدستـور والمواثيـق الدوليـة وتـعاد عيناً عند استحقاق أجلها.

وعليه، لا يمكن التساهل في التشريع لهذه الجهة وهضم الحقوق خلسةً وتكريس المخالفات وإبراء الذمم، بل يقتضي أن يكون أي تدبير مماثل مقترناً لزوماً بشرط إعادة هيكلة للدين العام والقطاع المصرفي (Bank Resolution Law) وبإصلاحات بنيويّة جدية وسريعة، تعيد الإنتظام للحياة المالية في لبنان، وتحافظ على نظامه الاقتصادي الحر الذي يكفل المبادرة الفرديّة والملكية الخاصة ويشكل سمة تنافسيّة له ما يسمح بإعادة الحقوق والودائع لأصحابها بأقرب وقت ممكن.

ه- في استثناء بعض الضرائب من استيفائها بالليرة اللبنانية (المادة 23)

جاء في الفقرة الأولى من المادة 23 تعداداً لما يقتضي استيفاؤه بالليرة اللبنانية ولا سيما: الحصص التي تعود للدولة اللبنانية، الضرائب والرسوم، والبدلات عن كل أنواع الخدمات التي تقدمها الدولة. واذا اقتضت الضرورة معادلة الليرة اللبنانية بأي عملة أجنبية بالنسبة لبدلات بعض الخدمات، فيكون ذلك الزامياً وفقاً للتسعيرة التي يحددها مصرف لبنان.

ثم جاء في الفقرة الثانية من المادة المذكورة تعداداً لاستثناءات هذه الفقرة وهي عديدة، منها (على سبيل المثال): حصة الدولة من قطاع استخراج النفط والغاز، من ايرادات ألعاب الكازينو، وحصة الدولة بالعملات الأجنبية الناتجة عن الشراكة مع القطاع الخاص، الضرائب والرسوم المتوجبة على الايرادات والعائدات والفوائد العائدة الى مستحقيها بالعملات الأجنبية، إلخ…

والملفت أنه في تعداد هذه الأخيرة، وردت عبارة «رسم الاستهلاك الداخلي عند الاستيراد»، دون أن يصار إلى تسميته صراحةً أو أقله التوضيح أنه بمعظمه الضريبة على القيمة المضافة (VAT) عند الإستيراد. ويدعونا ذلك للتساؤل عما إذا كان هناك خطة لمكافحة التهرب والتهريب والزيادة غير المشروعة للأسعار.

أمّا عن الرسم المذكور، فنطرح السؤال عما إذا كان من الممكن تسديده عند إصدار الإعتماد أو الشروع في تطبيق آلية إعتماد نظام وتكنولوجيا قواعد البيانات المتسلسلة (Blockchain) لخفض إمكانيات التستر والتهرب وتعزيز الشفافية، بحيث يتم ربط الحواسيب في ما بينها مع قاعدة إحصائية متلازمة، مع إنشاء رابط إلكتروني بين وزارة المالية وسائر الإدارات.

و- في تسديد ضريبة الرواتب والأجور وكيفية احتسابها بالعملة الأجنبية (المادة 26)

نصّت المادة 26 من مشروع موازنة 2024 على أنه على رب العمل أن يقتطع الضريبة من الرواتب والأجور التي يدفعها إلى الأجير، وأن يؤدي المبالغ المقتطعة إلى الخزينة بالعملة ذاتها التي دفعت فيها تلك الرواتب والأجور كل ثلاثة أشهر، في موعد لا يتعدى الخامس عشر من الشهر الذي يلي فترة الثلاثة أشهر المعنية.

كما نصت المادة 26 في الفقرة الثانية منها على أنه من أجل احتساب الضريبة المتوجبة على الرواتب والأجور المدفوعة بالعملات الأجنبية وتسديدها، يتم تحويل الرواتب والأجور إلى الليرة اللبنانية على أساس 40% من سعر الصرف وفق منصة صيرفة بتاريخ استحقاقها، ثم يتم تحويل الضريبة المحتسبة إلى العملة الأجنبية التي دفعت فيها الرواتب والأجور على أساس سعر الصرف وفق منصة صيرفة.

ومن المثير للإهتمام والتوقف عنده هو أن المادة 26 الآنفة الذكر قد تطرّقت إلى سعر الصرف من جهة والتنزيلات والشطورالمحتسبة بالعملة الأجنبية من جهة أخرى، وذلك لتفادي الوقوع في الإشكاليات والإنتقادات، كما كانت الحال عند مناقشة وإقرار قانون الموازنة رقم 10 تاريخ 15/11/2022 والقرارين الصادرين لاحقاً عن وزير المالية رقم 686/1 و687/1 تاريخ 23/12/2022.

ز- في فرض رسم مقابل خدمة جمع النفايات الصلبة ومعالجتها ورسم استهلاك للحفاظ على البيئة (المادة 58)

نصت المادة 58 على فرض رسم جديد مقابل خدمة جمع النفايات الصلبة ومعالجتها كما ورسم استهلاك للحفاظ على البيئة، دون معالجة آلية تحصيل هذا الرسم والجهة المسؤولة عن استيفائه، ودون التطرّق إلى كيفية إنفاق حصيلة هذا الرسم، على وجه التحديد بيئياً.

مع الإشارة إلى أن سعر الصرف هنا متروك لتقدير الإدارة (أي وفق سعر الصرف المعتمد من قبلها لاحتساب الضريبة على القيمة المضافة) ويختلف بالتالي عن ذلك المعتمد سابقاً في هذا القانون على أساس صيرفة ما سيشكل إلتباساً ولبساً.

إضافة إلى ذلك، نصّت المادة عينها في هذا الخصوص على منح صلاحيات استثنائية للحكومة، تجيز للأخيرة تعديل قيمة هذه الرسوم وكيفية احتسابها وطريقة جبايتها بموجب مراسيم تتخذ في مجلس الوزراء، بناء على اقتراح وزيري المالية والبيئة المبني على اقتراح الهيئة الوطنية لادارة النفايات الصلبة، علماً أن منح هذه الصلاحية يشكل تجاوزاً للصلاحيات وحدّ السلطة بحيث يعود للمشرع وحده أمر تحديد أو تعديل الضرائب والرسوم وما هو ذات صلة بها، وذلك عملاً بأحكام المادتين81 و82 من الدستور اللبناني ومبدأ السيادة الشعبية والديمقراطية التمثيلية، ناهيك عن فتح الباب للإستنساب.

أرقام لا تحمل الكثير من المعاني الإصلاحية

خلاصة وتوصيات: 15 تدبيراً فورياً وطارئاً

اكدت دراسة الجمعية اللبنانية لحماية حقوق المكلفين عن موازنتي 2023 و2024 ما يعتري مشروعي قانون الموازنة العامة للعام 2023 وقانون الموازنة العامة للعام 2024 من شوائب ومخالفات وخلل بنيوي، بات من الضروري البحث في إصلاح المالية العامة، الذي يفرض بدوره مقدماً البحث في مهام الدولة الأساسية، في ما خص حماية الاقتصاد الوطني وتأمين الحماية الاجتماعية ونشر العلم والمعرفة وزيادة الثروة وحسن توزيعها بشكل عادل. وهذا كله بالطبع يشترط تأمين الواردات ومعرفة ما هي حاجات الدولة الفعلية إلى المال وكيفية جبايته وإنفاقه، وطبقاً لأية قواعد وضمن أية شروط وعملاً بأية آليات للمراقبة الفعّالة. وعليه، بات ملحاً اليوم التفكير جدّياً والسعي الدؤوب للانتقال من موازنة البنود، التي ما زال النظام اللبناني يعتمدها، إلى موازنة البرامج والاداء من خلال القانون التنظيمي (الموجود مشروعه في أدراج مجلس النواب منذ ما يقارب العقدين) والذي يعتمد تقسيماً وظائفياً وفق المهام التي تندرج ضمنها البرامج، للوصول إلى إحلال وتكريس مبدأ الصدقية وحسن الأداء على عمليتي إعداد وتنفيذ الموازنة، فضلاً عن موجب النتيجة والمساءلة. وهذا ما من شأنه أن يضفي على عملية التصويت الذي يجريها البرلمان على الموازنة معنى سياسياً حقيقياً، يقضي بمراقبة فعلية لأعمال الحكومة التي تفترض التثبت من تحقيق النتيجة، بدلاً من التصويت على الوسيلة الممنوحة لها، مع ما يستتبع ذلك من نتائج لجهة المساءلة السياسية السنوية وطرح الثقة بالحكومة المتقاعسة عن تنفيذ برنامجها ووعودها أو الوزير المقصّر في أداء مهامه وواجباته.

بالإضافة الى ذلك، يجدر ذكر بعض التدابير الضرورية الطارئة والفورية المقترحة لمعالجة الأوضاع وتفادي الأسوأ:

1- إعادة هيكلة الإدارة وتنقيتها من المنتفعين والمحاسيب وتفعيل عملها كما ونقل الفوائض من الموظفين من وزارات وإدارات ليست بحاجة إليهم، إلى وزارات وإدارات أخرى تعاني شغوراً ونقصاً في الكفاءات لا سيما وزارة الإقتصاد مصلحة حماية المستهلك، لتفعيل مراقبة الأسعار وفرض العقوبات على المخالفين. مع العلم أن الإصلاح في الإدارة العامة يسهم في التخفيف من العبء المالي، وبالتالي ترشيد الإنفاق وضبطه وتحديد الأولويات والحد من التوظيف المبطن والزبائنية وتقويم أداء الموظفين.

2- بدء العمل بتصنيف وظيفي للنفقات العمومية يهدف إلى تحسين الشفافية وتحليل أهداف الموازنة بصورة أوضح.

3 – إعتماد وإدارة سياسة سيولة واقعية وفعّالة (من خلال وحدة إدارة السيولة لدى وزارة المال CMD) كجزء أساسي من إدارة الإنفاق العام بهدف عدم تخطي ما هو معتمد في الموازنة، لناحية السيولة وتفادي الإقتراض غير المتوقع أو التدابير الضريبية المفاجئة خلال السنة المالية ما من شأنه تعطيل السياسات المالية.

4- ربط أي تدبير أو رصد إعتماد أو فرض ضريبة و/أو رسم بموجب إجراء دراسة وقع أثر إقتصادي (Impact economic study) أو دراسة إكتوارية أو دراسة جدوى إقتصادية (Feasibility study) أو إحصائيات حديثة موثقة.

5- تعديل وتطوير نظام الإعفاءات والحوافز الضريبية المعمول به راهناً وجعله أكثر عدلاً وفعالية. ومن هذا المنطلق إلغاء إعفاءات غير مجدية وغير عادلة على غرار الإعفاءت الممنوحة لمصارف الاعمال ومصارف التسليف المتوسط والطويل الاجل، كما وإعفاء التفرغ عن الأسهم الذي يسمح بعمليات وهمية للتهرب المقونن من الضريبة. بالمقابل، إستحداث إعفاءات مؤقتة وخاصة لتشجيع الأشخاص الطبيعيين والمعنويين لجهة المضي قدماً في بعض المشاريع الواعدة والحيوية التي تساعد على النمو و/أو التوظيف وذلك، في سياق سياسة ضريبية/إقتصادية/إجتماعية متكاملة ومتقدمة يتم تنفيذها على مراحل، كالصناعات التحويلية أو التجميعية أو الصناعات التكنولوجية والبرمجة المعلوماتية والمشاريع الصديقة للبيئة. كما ومن المقترح إقرار حوافز مالية وضريبية تحت الباب الثالث لبعض التوظيفات المالية في القطاعات المنتجة و/أو الواعدة لتحفيز النمو.

6- تأمين موارد ضريبية عن طريق تفعيل الإلتزام الضريبي ومكافحة التهرب والتهريب بشتى الوسائل المتاحة وتلك المقترحة (مع رصد إعتمادات لازمة لذلك) ومنها:

– تعميم الرقم الضريبي الموحّد لجميع المواطنين والمقيمين الأجانب على الأرض اللبنانية وربطه برقم الهوية أو جواز السفر أو الإقامة (للأجنبي المقيم).

– تطبيق قواعد الحكومة الرقمية (e-government) لتسريع المعاملات وتبسيطها وتفادي الرشوة والفساد.

– وضع الخوارزميات وآليات الحوسبة عن بعد لمعالجة البيانات الحسابيّة للمكلّفين من خلال واجهات الكترونيّة تسمح بكشف الثغرات وملاحقة المتهرّبين (artificial intelligence).

– إستعمال آلية Name and Shame التي أظهرت فاعليتها في العديد من البلدان.

– إعتماد نظام وتكنولوجيا قواعد البيانات المتسلسلة (Blockchain) لخفض إمكانيات التستر والتهرّب وتعزيز الشفافية، بحيث يتم ربط الحواسيب في ما بينها مع قاعدة إحصائية متلازمة.

– إنشاء رابط إلكتروني بين وزارة المالية وسائر الإدارات.

7- الإنتقال من نظام الضرائب النوعية (scheduled taxes) – الذي يتيح للعديد من الأشخاص تفادي التصريح عن إيرادات مخفية ومستترة وغير ملحوظة في المنظومة – إلى نظام الضريبة الموحدة على الدخل، وذلك من خلال سلّةٍ من الإجراءات يتم إقتراحها وإعتمادها بموجب قوانين خاصة.

8- إكمال الإجراءات المحددة في قانون الموازنة رقم 144 تاريخ 31/7/2019 بالنسبة للمسح الميداني الذي تجريه البلديات للمؤسسات التجارية والصناعية والتجارية الواقعة في نطاقها والمرخص لها وإفادة وزارة المالية بأسماء من المسجلين وغير المسجلين لدى وزارة المالية بإعتماد آلية عملية لذلك وتحفيز مالي للبلديات (بحيث يخصص لها نسبة من المبالغ المحصلة من المخالفين و/أو المتهربين)، بالإضافة إلى تدابير وإجراءات لمعاقبة المخلّين أو المتقاعسين.

9- إعتماد ما يسمى بالـ «Quotient familial»، بحيث يتم إجراء تخفيضات تبعاً للوضع العائلي فتؤخذ بالإعتبار أعباء المكلف العائلية الفعلية وليس بدل حسم مقطوع شامل ووحيد لجميع المكلفين والأفراد. فيقتضي الأخذ في الإعتبار حجم دخل كل مكلف وقدراته المالية وأعبائه العائلية.

10- تفادي فرض أو زيادة ضرائب إلا إذا كان ذلك ضروراً ومجدياً ومبرراً وغير مضرّ ولا يؤدي إلى نتائج عكسية، على أن تُعتبر هذه الضرائب استثنائية مبررة بحالة الضرورة القصوى والحاجة الاستثنائية تزول مع زوال الظروف الملازمة. ومن ضمن هذه الزيادات: رفع الضريبة على بعض القطاعات كالمصارف وشركات التأمين والوساطة الخاضعة لقانون تنظيم هيئات الضمان (المرسوم رقم 9812/1968 وتعديلاته) والمراهنات وألعاب الميسر، وتلك التي تستثمر مرافق أو أملاكاً عامة أو ثروة طبيعية أو تتمتع بإحتكارات أو أوضاع تفضيلية، كما وتلك التي استفادت على السواء من الإنهيار الإقتصادي وانتشار وباء كورونا ونتائجه والأزمة المالية وانفجار مرفأ بيروت، على ان يتم درس الحالات وتحديد مروحة ضريبية خاصة لتلك القطاعات بعناية ودقة.

11- إعتماد سياسة ضريبية تحفّز الإنتاج وتزيد العبء الضريبي على النشاطات التي لا تساهم في تأمين قيمة مضافة للإقتصاد أو إنتاجية مثال: المضاربات العقارية والمالية، الأراضي غير المستثمرة، العقارات الشاغرة (لدعم سياسة إسكانية وتأجيرية)، مع رفع ملازم لنسبة الضريبة المترتبة على النشاطات المضرّة للبيئة والصحة (تبغ، مقالع، إشغال الواجهات البحرية، وإلخ…).

12- مع مراعاة إقتراح تطبيق الضريبة الموحدة على الدخل أو تعديل المادة 53 من قانون ضريبة الدخل كمرحلة تمهيدية، نقترح زيادة نسبة الضريبة على إيرادات الأسهم والسندات المالية الأجنبية وفوائد حسابات الإدخار التي تؤول إلى المقيمين في لبنان من 10 إلى 25% بتعديل المادة 77 من قانون ضريبة الدخل إلا في حال أسبقية تكليفها من قبل دولة غير مرتبطة بلبنان بمعاهدة ضريبية لتفادي الإزدواج الضريبي، بحيث يتم الإبقاء عندها على النسبة الحالية العادية أي 10%. كما ويتم الإبقاء أيضاً على المعدّل المنخفض (10%) بالنسبة للإيرادات المماثلة الناتجة من الأرصدة والأموال المنقولة المودعة في لبنان أو الموظفة فيه.

13- فرض رسوم خاصة على أصحاب عمل و/أو كفلاء الخدم الأجانب (taxes patronales) تتراوح بين 80% و100% من البدل الشهري الفعلي المسدد للأجير. وإعتماد بالمقابل سياسة محفزة للبنانيين للخدمة المنزلية وقيادة السيارات ونواطير الأبنية تخضع كلها لشروط قانون العمل اللبناني (الحدّ الأدنى للأجور وساعات العمل والضمان الإجتماعي) مع منح كل صاحب عمل تنزيلاً سنوياً خاصاً إضافياً يُقتطع من وعائه (دخله) الخاضع للضريبة يتراوح بين 12 و18 مليون ليرة لبنانية.

14 – تخصيص برنامج ضمن الموازنة للإنفاق الإجتماعي (البطاقة الطبية، محاربة الفقر) وتحفيز خلق فرص عمل، وإلا إنشاء صندوق سيادي للغاية المرجوة، تحوّل إليه جميع الضرائب والرسوم الإضافية الآنفة الذكر لتخصيصها للإنفاق الإجتماعي والإستثماري في الميادين المحددة، وذلك كاستثاء لمبدأ الشيوع، بحيث تصبح هذه الضرائب والرسوم رسوماً تخصيصية (Taxes Affectées).

15- من ضمن هذه الضرائب التخصيصية نقترح تفعيل جباية الضريبة المترتبة على الأرباح التي حققها الأشخاص الطبيعيون والمعنويون، من خلال تسديد ديونهم للمصارف على السعر الرسمي وتحقيق مكسب تجلى بخسائر مقابلة بالنسبة للودائع المصرفية. مع التذكير بأن قانون ضريبة الدخل في مادته الرابعة الفقرة (د) التي نصت على أن « كل شخص حقيقي أو معنوي حصل على ربح من عمل يدر ريعاً غير خاضع لضريبة أخرى على الدخل يعدّ من جملة المكلفين بهذه الضريبة (أي بين 4 و25% للفرد و17% لشركات الأموال زائد 10% ضريبة توزيع). على أن تخصص هذه الإيرادات لرفد صندوق إعادة تسديد الودائع المزمع انشاؤه بموجب مشروع قانون إعادة التوازن للنظام المالي في لبنان.

*الجمعية اللبنانية لحقوق المكلفين ALDIC

المصدر: صحيفة نداء الوطن