1

«الدبلوماسية الاقتصادية»… هل تدفع مسار العلاقات المصرية – الإيرانية؟

اجتماع ثانٍ في شرم الشيخ بعد أيام من لقاء وزيري الخارجية بنيويورك

خطت مصر وإيران خطوة جديدة باتجاه التقارب بينهما، ما يمهد السبيل أمام رفع العلاقات الدبلوماسية؛ إذ التقى وزير الاقتصاد الإيراني مع وزير المالية المصري، بعد أيام من لقاء بين وزيري خارجية البلدين على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ما عدّه مراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، «تسريعاً لوتيرة تطوير العلاقات بين القاهرة وطهران عبر الدبلوماسية الاقتصادية»، متوقعين أن تشهد الأسابيع المقبلة «إجراءات أكبر» نحو استئناف العلاقات بين البلدين.

فعلى هامش اجتماع البنك الآسيوي للبنية التحتية الذي تستضيفه مدينة شرم الشيخ المصرية حالياً، التقى وزير الاقتصاد الإيراني سيد إحسان خاندوزي، مع وزير المالية المصري محمد معيط، حيث استعرضا تطورات العلاقات الثنائية والتجارية. وأكد خاندوزي أن «إيران مستعدة لتطوير التعاون في مجال الأعمال المصرفية والبنية التحتية الآسيوية، (من خلال) بنك التنمية الاقتصادية، البنك المشترك بين مصر وإيران، وشركة (مصر وإيران للنسيج)، وشركة الشحن المشتركة، وأيضاً هناك أولوية لنقل التكنولوجيا الصيدلانية والمعدات الطبية».

واقترح خاندوزي في تصريحات نقلتها وكالة «مهر» الإيرانية للأنباء تشكيل لجنة مشتركة بين نائب وزير الاقتصاد في إيران، ونائب وزير المالية المصري لمواصلة التواصل ومتابعة المشاريع التي تمت مناقشتها.

بدوره، أكد وزير المالية المصري استعداد بلاده لتنفيذ المقترحات التي تقدم بها نظيره الإيراني، وقال إن «مصر ترى أنه من المهم توسيع وتطوير العلاقات مع إيران». وأوضح أنه يمكن أن يتعاون البلدان في مجال السياحة وتشجيع الاستثمار من خلال الاتفاقيات والمذكرات الجمركية وتخفيض التعريفات والضرائب والتعاون في الإنتاج المشترك.

وكان وزير الخارجية المصري سامح شكري، التقى (الأربعاء) الماضي نظيره الإيراني حسين أمير عبداللهيان، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث بحثا سبل تطوير العلاقات بين البلدين. تناول اللقاء العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تطويرها، حسب بيان للخارجية المصرية.

وتعقيباً على اللقاء، قال الرئيس الإيراني في مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، إن المسؤولين في بلاده أبلغوا مصر أنه «لا توجد مشكلة في إقامة العلاقات»، مشيراً إلى أن اجتماع وزيري خارجية إيران ومصر، يمكن أن يكون خطوة لبدء تطوير العلاقات بين البلدين.

وفي مايو (أيار) الماضي، وجّه رئيسي، وزارة الخارجية باتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيز العلاقات مع مصر، وكان البلدان قطعا العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 1979، واستؤنفت العلاقات من جديد بعد ذلك بـ11 عاماً، لكن على مستوى القائم بالأعمال ومكاتب المصالح.

وعدّ السفير حسين هريدي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، تكرار اللقاءات الوزارية المصرية – الإيرانية في فترة وجيزة بمثابة «استكشاف مصري للرؤية الإيرانية لآفاق التعاون التجاري والاقتصادي»، مشيراً إلى أن ذلك «يبشر بحدوث انفراجة وشيكة في العلاقات الرسمية بين البلدين». وأشار هريدي لـ«الشرق الأوسط» إلى وجود مسارين منفصلين في العلاقات المصرية – الإيرانية؛ أحدهما المسار السياسي والأمني، مشيراً إلى أنه «لا يرتبط بالمسار الاقتصادي».

ولفت الدبلوماسي المصري السابق إلى أن التعاون الاقتصادي «يمكن أن يكون أيسر في التنفيذ»، بما يسهم في تعزيز الإرادة السياسية التي باتت «واضحة لدى البلدين لتحريك العلاقات وبدء صفحة جديدة».

وأقرت الحكومة المصرية، خلال مارس (آذار) الماضي، حزمة تيسيرات لتسهيل حركة السياحة الأجنبية الوافدة، تضمنت قراراً بتسهيل دخول السياح الإيرانيين إلى البلاد عند الوصول إلى المطارات في جنوب سيناء، ضمن ضوابط تضمنت حصول السياح الإيرانيين على التأشيرة من خلال مجموعات سياحية، وعبر شركات تنسق مسبقاً الرحلة مع الجانب المصري.

ورحبت إيران في حينه بتلك الخطوة، معلنة استعدادها لتسيير رحلات سياحية إلى مصر، وتحدث مسؤولون إيرانيون أكثر من مرة عن تدشين خطوط طيران مباشرة مع مصر، إلا أن السلطات المصرية لم تفصح رسمياً عن أي معلومات في هذا الشأن.

من جانبه، رأى السفير رخا أحمد حسن مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، أن العلاقات بين القاهرة وطهران «وصلت إلى مرحلة عالية من التطور السياسي» بلقاء وزيري خارجية البلدين في نيويورك، مشيراً إلى أن العلاقات الثنائية «تجاوزت فعلياً مرحلة الاستكشاف». وتوقع حسن لـ«الشرق الأوسط» أن تشهد العلاقات المصرية – الإيرانية خلال الأسابيع أو الأشهر القليلة المقبلة «إجراءات أكبر» نحو استئناف العلاقات بين البلدين، منوّهاً في هذا الصدد بالعديد من تصريحات المسؤولين الإيرانيين المرحبة بعودة العلاقات مع القاهرة.

أسامة السعيد

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




ماذا يحدث في حالة «إغلاق» الحكومة الأميركية؟

أوضح تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أن الولايات المتحدة على مسافة أيام من الإغلاق الحكومي الـ22 خلال الـ50 عاماً الماضية، وكشف التالي:

لماذا يحدث الإغلاق؟ وماذا يعني بالنسبة للأميركيين؟

يقترب الموعد النهائي للكونغرس لتمرير ميزانية جديدة لمواصلة تمويل الوكالات الحكومية، وهو منتصف ليل السبت المقبل. ودون التوصل إلى اتفاق، ستتوقف بعض الإدارات الرئيسية عن العمل بداية من يوم الأحد.

ما هو الإغلاق؟

تعتمد الكثير من الوكالات الحكومية الفيدرالية على التمويل السنوي الذي يوافق عليه الكونغرس.

وفي كل عام، تقدم هذه الوكالات طلباتها التي يتعين على الكونغرس إقرارها، كما يجب على الرئيس التوقيع على ميزانية السنة المالية الجديدة.

ومع اقتراب الموعد النهائي، عادة ما يتفق المشرعون من كلا الحزبين على تمويل مؤقت يستند إلى طلبات العام المنصرم.

ويسمى ذلك «الاتفاق المستمر»، وهو السبيل لضمان استمرارية عمل الوكالات دون توقف لحين اعتماد الميزانية الجديدة.

وفي حالة عدم التوصل إلى اتفاق بحلول بداية السنة المالية يوم 1 أكتوبر (تشرين الأول)، يتم في هذه الحالة إيقاف جميع الوظائف غير الأساسية.

لماذا لا يوجد اتفاق هذه المرة؟

يسيطر الجمهوريون على مجلس النواب في الكونغرس، وهناك خلاف عميق داخل الحزب بشأن خطط الإنفاق. ويطالب اليمين بتخفيضات حادة، كما يسعى لوقف تمويل الحرب في أوكرانيا.

ويجب أن تجري الموافقة على أي ميزانية لمجلس النواب في مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، ثم يُوَقَّع عليها من قبل الرئيس جو بايدن.

ما الذي يتوقف عن العمل في حالة الإغلاق؟

في حالة عدم التوصل إلى اتفاق هذا الأسبوع، ستشهد الولايات المتحدة أول إغلاق لها منذ أوائل عام 2019.

هنا، تقدم كل وكالة خطتها للإغلاق، وتتحدد الأنشطة الحكومية التي ستتوقف، وعدد الأشخاص الذين سيشملهم التغيير بحيث يكونون في إجازة غير مدفوعة الأجر بشكل مؤقت. فعلى سبيل المثال، تشمل هذه المجموعة عمليات إصدار بطاقات الضمان الاجتماعي، ووقف عمليات التفتيش على الأغذية، وكذلك إغلاق المتنزهات.

كما سيؤثر الإغلاق أيضاً على عمليات استرداد الضرائب والأنشطة الإدارية المتعلقة بذلك مثل الرهن العقاري.

الأنشطة التي لا تتأثر بالإغلاق؟

لا تتأثر الأنشطة التي تندرج تحت مظلة «الخدمات الأساسية» وهي المرتبطة بالسلامة العامة، حيث يطلب من العاملين الحضور دون أجر. كذلك حماية الحدود، والرعاية في المستشفيات، ومراقبة الحركة الجوية، وإنفاذ القانون، وصيانة شبكة الكهرباء.

ماذا عن المكاتب المركزية للحكومة؟

لرئيس الولايات المتحدة دخل مضمون. كذلك الكونغرس، فقد جرت الموافقة على مشروع قانون تمويله.

أما في ما يخص وزارة العدل، فهي من بين المتضررين بحيث يجري إيقاف الكثير من المحامين والقضاة في أثناء فترة الإغلاق. ويعمل آخرون دون أجر.

وفي السياق نفسه، تستمر عمليات التحقيقات الجنائية بشكل طبيعي، بينما تتأثر القضايا المدنية.

ما مدى شيوع الإغلاق في الولايات المتحدة؟

هو أمر شائع إلى حد ما، ففي عهد دونالد ترمب حدث 3 مرات من بينها الأطول في تاريخ أميركا، ووصل إلى 36 يوماً وانتهى في يناير (كانون الثاني) 2019. وكان سبب هذا الإغلاق الخلافات حول تمويل الجدار على حدود المكسيك.

الإغلاق الحكومي مسألة تتفرد بها السياسة الأميركية بشكل خاص. فوفق النظام الأميركي، يتعين على مختلف أفرع الحكومة التوصل إلى اتفاق بشأن خطط الإنفاق قبل تشريعها.

في معظم البلدان، يكون التصويت على الميزانية بمثابة تصويت على الثقة بالحكومة نفسها، على عكس الولايات المتحدة التي تضم حكومتها فروعاً متعددة ومتساوية.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




جزر المحيط الهادي… ساحة حامية للصراع بين واشنطن وبكين

انطلقت اليوم (الاثنين) قمة الولايات المتحدة مع دول جزر المحيط الهادي، في وقت تشتد فيه المنافسة بين واشنطن وبكين في جنوب المحيط الهادي، حيث تسعى كل واحدة منهما إلى تعزيز نفوذها في دول هذه المنطقة التي تتمتع بموقع استراتيجي بالغ الأهمية.

موقع استراتيجي يزيد الاستقطاب

تقع دول جُزر المحيط الهادي بين الولايات المتحدة والصين وأستراليا، وتتمتع بأهمية استراتيجية أمنية دفاعية. لقد حافظت الولايات المتحدة منذ فترة طويلة على نفوذها ووجودها العسكري في منطقة المحيط الهادي. في المقابل، وعلى مدى العقد الماضي، ركّزت الصين على تعزيز علاقاتها في هذه المنطقة من خلال زيادة المساعدات والتنمية والدبلوماسية والتعاون الأمني، وفق تقرير سابق لصحيفة «الغارديان» البريطانية.

لا تشكل جزر المحيط الهادي كتلة واحدة، بل هي منطقة متنوعة تتكون من كثير من البلدان والثقافات. وتختلف بلدان المنطقة من حيث الحجم، بدءاً من بابوا غينيا الجديدة التي يزيد عدد سكانها على 10 ملايين نسمة، إلى دول مثل ناورو وتوفالو، حيث يقترب عدد السكان من 10 آلاف نسمة.

على الرغم من صغر مساحة هذه الدول، تتمتع كل دولة بصوت متساو في الأمم المتحدة. كما تسيطر على مصايد الأسماك ومعادن قاع البحر على مساحة من المحيط أكبر بثلاث مرات من مساحة الولايات المتحدة القارية. وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية في أي صراع يتعلق بالصين، وفق تقرير سابق لصحيفة «واشنطن بوست».

وقال الأمين العام لمنتدى جزر المحيط الهادي، هنري بونا، في مناسبة أقيمت في نيويورك الأسبوع الماضي، إن منطقة جزر المحيط الهادي انتقلت من فترة الإهمال الاستراتيجي قبل عقد من الزمن فقط لتصبح موضع اهتمام ومنافسة و«تلاعب» اليوم، في إشارة إلى التنافس الجيوسياسي على النفوذ في المنطقة بين الولايات المتحدة والصين.

وتتعدد أنظمة الحكم في هذه المنطقة، من دول هي جمهوريات، وديمقراطيات برلمانية، ونظام ملكي في دولة وحيدة هي «تونغا». ثلاث دول فقط من جزر المحيط الهادي لديها جيوش. من هذا المنطلق، فإن الولايات المتحدة ستركز لفهم ومعالجة الاحتياجات المحددة لكل من هذه الدول في قمة الاثنين، على تنظيم اجتماعات ثنائية بين الجانب الأميركي وكل من قادة هذه الدول، وفق ما أفاد به «معهد الولايات المتحدة للسلام» الفيدرالي في تقرير له صدر الخميس.

صعود النفوذ الصيني

أفاد تقرير صدر في سبتمبر (أيلول) عن مؤسسة «فردريش إيبرت» الألمانية للدراسات السياسية، أن الاهتمام الدبلوماسي الغربي تلاشى بمنطقة المحيط الهادي بعد الحرب الباردة، وفي فترة ما بعد 11 سبتمبر 2001، وبدأت المصالح الصينية وقتذاك في النمو بالمنطقة حيث دعمت الصين مجموعة من الاقتصادات النامية من خلال مبادرة «الحزام والطريق»، من خلال تقديم قروض للبنى التحتية منخفضة الفائدة لهذه الدول التي تعاني من ضعف البنى التحتية. وقد سمح ذلك بتوسيع النفوذ الصيني في المحيط الهادي.

وقد أثارت القروض المقدمة من الصين لهذه الدول مخاوف دبلوماسية؛ لأن هذه القروض تجلب معها النفوذ الصيني، وفق تقرير «فردريش إيبرت»، حيث إن خبراء يرجحون أن تستخدم الصين نفوذها المتزايد في المحيط الهادي لزيادة عزل تايوان عن الدعم الدبلوماسي الذي تتلقاه من المنطقة. إذ يعترف كثير من دول المحيط الهادي (جزر مارشال، وناورو، وبالاو، وتوفالو) بتايوان بوصفها دولة ذات سيادة. وبالتالي فإن التواصل الصيني ومناورات التنمية يمكن أن يساعد ذلك بكين في تقليل الدعم الإقليمي لاستقلال تايوان.

وتمكنت الصين بالفعل من أن تنتزع اعتراف عدد من دول جزر المحيط الهندي بتايوان لصالح بكين، وهو مطلب صيني أساسي. وحصلت بكين على وصول موسع لأسطول الصيد الخاص بها، وفق تقرير «واشنطن بوست».

وفقاً لأرقام الحكومة الصينية، توسعت تجارة بكين مع المنطقة، ومعظمها من تجارة المأكولات البحرية والأخشاب والمعادن لتصل إلى 5.3 مليار دولار في عام 2021، من 153 مليون دولار فقط في عام 1992.

رئيس وزراء جزر سليمان ماناسيه سوغافاري ورئيس الحكومة الصينية لي تشيانغ يصفقان بينما يتبادل مسؤولو البلدين الوثائق الموقعة على اتفاق في قاعة الشعب الكبرى في بكين الاثنين 10 يوليو 2023 (رويترز)

ولكن أكثر ما يقلق المراقبين الغربيين، وفق تقرير «فردريش إيبرت»، هو إمكانية استفادة بكين من نفوذها المتنامي في جزر المحيط الهادي لزيادة انتشار الجيش الصيني. ويخشى بعض القادة العسكريين الغربيين من أن يؤدي النفوذ الصيني المتزايد في المنطقة إلى بناء المزيد من القواعد العسكرية الصينية في الخارج مما يهدد بعزل أستراليا، وقطع خطوط الإمداد من الخارج عنها، في حين أن كانبيرا هي حليف حيوي للولايات المتحدة في المحيط الهادي.

ففي مارس (آذار) الماضي، أعلن رئيس ميكرونيزيا آنذاك ديفيد بانويلو، أن بكين انخرطت في حرب سياسية للسيطرة على البنية التحتية الاستراتيجية لبلاده، والتي تقع على مسافة قريبة من قاعدة عسكرية أميركية رئيسية في غوام، وفق تقرير لـ«واشنطن بوست».

وفي عام 2022، وقعت جزر سليمان اتفاقية أمنية مع الصين، مما أثار قلقاً دولياً بشأن إمكانية بناء بكين أول قاعدة عسكرية لها في المنطقة.

علما دولتي جزر سليمان والصين يرفرفان بالقرب من بوابة تيانانمن في بكين بالصين في 11 يوليو 2023 (رويترز)

الرد الأميركي

عززت الولايات المتحدة دبلوماسيتها في منطقة المحيط الهادي في مواجهة الصين، واستضافت قمة تاريخية لزعماء منطقة المحيط الهادي وجولات سريعة لكبار المسؤولين، بما في ذلك نائبة الرئيس كامالا هاريس، وتعهدت بتقديم مزيد من المساعدات. وفي فبراير (شباط)، أعادت الولايات المتحدة فتح سفارتها في جزر سليمان بعد غياب دام 30 عاماً. كما قامت أستراليا، التي اتُهمت بإهمال علاقتها مع دول المحيط الهادي، بحملة دبلوماسية وسط مخاوف من تنامي النفوذ الصيني في المنطقة، وفق صحيفة «الغارديان».

قررت الولايات المتحدة في مايو (أيار) 2023 إجراء أول زيارة لرئيس أميركي إلى بابوا غينيا الجديدة، إلا أن الرئيس الأميركي جو بايدن قرر إلغاء الزيارة المخططة إلى منطقة المحيطين الهندي والهادي بما فيها إلى بابوا غينيا الجديدة، بالإضافة إلى إلغاء زيارة إلى أستراليا للاجتماع مع زملائه قادة الشراكة الرباعية (الولايات المتحدة والهند وأستراليا واليابان)، حتى يتمكن من التركيز على محادثات الحد من الديون في واشنطن، وفق تقرير صدر الأحد عن وكالة «أسوشييتد برس».

ودعا الرئيس الأميركي بالمقابل زعماء دول جزر المحيط الهادي إلى البيت الأبيض يومي 25 و26 سبتمبر الحالي – وهي القمة الثانية من نوعها خلال عامين – لمناقشة «الأولويات الإقليمية المشتركة»، مثل أزمة المناخ وتغير المناخ والنمو الاقتصادي، وفق «واشنطن بوست».

ووقعت الولايات المتحدة في مايو الماضي اتفاقية عسكرية مع بابوا غينيا الجديدة، سمحت بنشر قوات وسفن أميركية في ستة موانئ ومطارات رئيسية في الدولة الواقعة في منطقة المحيط الهادي، بما في ذلك في المرافق في العاصمة بورت مورسبي. وحصلت واشنطن بموجب الاتفاقية على «الوصول دون عوائق» إلى المواقع «للتجهيز المسبق للمعدات والإمدادات والمواد»، وبات بإمكانها «الاستخدام الحصري» لبعض المناطق، حيث يمكن تنفيذ التطوير و«أنشطة البناء»، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

وكان زعماء الجزر قد شعروا بالغضب في الماضي عندما قلل الرئيس الأميركي آنذاك دونالد ترمب ورئيس الوزراء الأسترالي آنذاك سكوت موريسون من آثار تغير المناخ، الذي تعده دول جزر المحيط الهادي تهديداً وجودياً بسبب ارتفاع منسوب مياه البحر. وقد تعهد الرئيس بايدن وسكوت موريسون، ورئيس الوزراء الأسترالي الحالي أنتوني ألبانيز، بالتزامات جديدة للحد من انبعاثات الكربون. كما غطت اتفاقية البيت الأبيض العام الماضي قضايا التنمية والأمن، والوعد ببناء بعض السفارات الأميركية الجديدة. وتم افتتاح سفارات أميركية جديدة في جزر سليمان في فبراير (شباط)، تلاه في مايو في تونغا. وقد انهارت محاولة الصين السابقة لإبرام معاهدة أمنية مع دولة فيجي، بسبب ما وصفه بعض المسؤولين الإقليميين بمحاولات بكين للتعجيل بتنفيذها، وفق «واشنطن بوست».

من جهتها، تفوقت أستراليا على الصين على اعتبار أنها «المصدر الرئيسي للقروض الثنائية لمنطقة المحيط الهادي»، وفقاً لبيانات عام 2022 الصادرة عن «معهد لووي» (مقره في سيدني بأستراليا). وقد انخفض حجم التمويل التنموي الذي قدمته الصين للمنطقة منذ عام 2016، وفقاً للبيانات، التي قال المعهد إنها «لا تتعارض مع التصورات الأخيرة بأن الصين سعت إلى (زيادة انخراطها) مع دول جزر المحيط الهادي»، حيث يبدو أن الصين تركز على تعزيز التعاون الأمني، كما كانت الحال مع الصفقة مع جزر سليمان، وزيادة الأنشطة التجارية مع دول جزر المحيط الهادي.

وفي قمة «منتدى جزر المحيط الهادي» بين الولايات المتحدة ودول جزر المحيط الهادي العام الماضي، كشف البيت الأبيض عن استراتيجيته، وهي الخطوط العريضة لخطته لمساعدة قادة المنطقة في القضايا الملحة، مثل تغير المناخ والأمن البحري وحماية المنطقة من الصيد الجائر. وتعهدت الإدارة الأميركية بأن تضيف الولايات المتحدة 810 ملايين دولار مساعدات جديدة لدول جزر المحيط الهادي على مدى العقد المقبل، بما في ذلك 130 مليون دولار للجهود الرامية إلى إحباط آثار تغير المناخ، وفق «أسوشييتد برس».

انطلاق القمة

انطلقت قمة «منتدى جزر المحيط الهادي» بين الولايات المتحدة ودول المحيط الهادي الإثنين. وأعلن الرئيس الأميركي جو بايدن اعتراف الولايات المتحدة رسميا بجزر كوك ونيوي في المحيط الهادي، الاثنين، خلال استضافته قادة المنطقة، في مسعى للحد من نفوذ الصين. وأكد بايدن أن واشنطن تعترف بهما بوصفهما دولتين «مستقلتين ولهما سيادة»، وستقيم علاقات دبلوماسية معهما، مشيراً إلى أن الخطوة ستساهم في دعم «منطقة المحيطين الهندي والهادي حرة ومنفتحة». وأضاف في بيان أن تاريخ ومستقبل جزر المحيط الهادي والولايات المتحدة «مرتبطان بشكل لا ينفض، والاعتراف بجزر كوك ونيوي وإقامة العلاقات الدبلوماسية لن يؤدي إلى تعزيز العلاقات فحسب، بل سيساعد في ضمان أن يكون مستقبلنا المشترك أكثر أمنا وازدهارا»، وفق ما أفادت الاثنين وكالة «رويترز» للأنباء.

وتستمر القمة حتى الثلاثاء، وهي تعقد للمرة الثانية، وتركز بشكل كبير على تأثيرات التغير المناخي، إلا أن الصين كانت محور النقاشات بشكل كبير وسط تزايد المخاوف الأميركية بشأن النفوذ العسكري والاقتصادي المتنامي للصين، والقلق المتزايد بشأن البرنامج النووي لكوريا الشمالية.

وكانت السكرتيرة الصحافية للبيت الأبيض، كارين جان بيير، قالت إن بايدن سيستخدم القمة لتعزيز «العلاقات مع جزر المحيط الهادي ومناقشة كيفية مواجهة التحديات العالمية المعقدة، مثل معالجة التهديد الوجودي المتمثل في تغير المناخ، وتعزيز النمو الاقتصادي، وتعزيز التنمية المستدامة».

الرئيس الأميركي جو بايدن متوسطاً قادة من دول جزر المحيط الهادي عقب قمة «منتدى جزر المحيط الهادي» في الرواق الجنوبي للبيت الأبيض في العاصمة الأميركية واشنطن في 25 سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)

ويضم المنتدى أستراليا وجزر كوك وميكرونيزيا وفيجي وبولينيزيا الفرنسية وكيريباتي وناورو وكاليدونيا الجديدة ونيوزيلندا ونيوي وبالاو وبابوا غينيا الجديدة وجمهورية جزر مارشال وساموا وجزر سليمان وتونغا وتوفالو وفانواتو.

وسيستضيف وزير الخارجية أنتوني بلينكن والمندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد الزعماء في وزارة الخارجية الأميركية لتناول العشاء.

ومن المقرر أن يستضيف جون كيري المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص للمناخ، وسامانثا باور، مديرة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، زعماء دول جزر المحيط الهادي يوم الثلاثاء لإجراء محادثات بشأن المناخ مع أعضاء المجتمع الخيري. ويخطط الزعماء أيضاً للقاء أعضاء الكونغرس. وستستضيف وزيرة الخزانة جانيت يلين اجتماع مائدة مستديرة مع قادة وأعضاء مجتمع الأعمال.

سافرت باور الشهر الماضي إلى فيجي لافتتاح مهمة جديدة للوكالة الأميركية للتنمية الدولية ستتولى إدارة برامج الوكالة في تسع دول جزر في المحيط الهادي: فيجي، وكيريباتي، وناورو، وساموا، وتونغا، وتوفالو، وجمهورية جزر مارشال، وولايات ميكرونيزيا الموحدة، وبالاو. وفتحت الولايات المتحدة هذا العام سفارتين في جزر سليمان وتونغا، وهي في طريقها لفتح سفارة في فانواتو أوائل العام المقبل.

وقال البيت الأبيض إن معظم أعضاء المنتدى المؤلف من 18 عضواً يرسلون كبار مسؤوليهم المنتخبين أو وزير خارجيتهم إلى القمة.

ووفق وكالة «رويترز» للأنباء، شعرت الإدارة «بخيبة أمل كبيرة» لأن رئيس وزراء جزر سليمان ماناسيه سوغافاري، الذي كان في نيويورك الأسبوع الماضي لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، اختار عدم الاستمرار في حضور قمة البيت الأبيض، وفقاً لمسؤول في الإدارة الأميركية. وكانت جزر سليمان في 10 يوليو (تموز) الماضي وقعت مع الصين اتفاقا بشأن التعاون الشرطي في إطار رفع مستوى العلاقات بينهما إلى «شراكة استراتيجية شاملة»، وذلك بعد أربع سنوات من تحويل الدولة الواقعة في المحيط الهادي علاقاتها من تايوان إلى الصين.

شادي عبد الساتر

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




فساد مستشر… كيف تنهب الإدارة الذاتية أهالي حي الشيخ مقصود والأشرفية؟

يضيق الخناق على سكان أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب نتيجة الحصار الجزئي الذي تفرضه الفرقة الرابعة التابعة لقوات النظام السوري، والفساد المستشري في مؤسسات الإدارة التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (pyd)، لأسباب تتعلق بتحكم شخصيات مقربة من قادة “وحدات الحماية” الذراع العسكرية للحزب، في قطاعات العمل الإغاثي والاقتصادي، وهيمنتهم على قطاعات العمل كافة، وأنشطة التهريب والتحكم بالأسواق والتوريد والاتجار بالسلع الأساسية.

فساد إداري

كشفت محادثات مسربة لمسؤولة في هيئة الاقتصاد بأحياء الشيخ مقصود والأشرفية (الواقعة تحت سيطرة وحدات حماية الشعب الكردية) بحلب، بريفان عبدو، مع مدير لجنة التموين، رشيد محمد، مدى الفساد الذي تعاني منه قطاعات العمل الإداري فيما يسمى بـ”الإدارة الذاتية” بحلب، وبدا واضحًا حجم عمليات السرقة المنظمة وسياسة التضييق التي تتبعها هيئات الإدارة على الأهالي.

كما جرى تداول تسريبات ومعلومات أخرى تتحدث عن الفساد، بكثافة خلال الأيام القليلة الماضية، وقد أثارت سخطًا واسعًا في الأوساط الشعبية التي تعاني أصلًا من الغلاء وعدم تناسب الأجور مع متطلبات المعيشة المكلفة للغاية.

طلبت المسؤولة في هيئة الاقتصاد في المحادثات المسربة من مدير لجنة التموين التابعة لبلدية الشعب، أن يخصص لها جزءًا من المصادرات التي يجري جمعها في أثناء عمليات الدهم التي تنفذها اللجنة في الأسواق، ومن ضمن المواد التي طلبتها بريفان عبدو، تبغ ومعسل نرجيلة، ليرد عليها مسؤول اللجنة، أنه من الصعب تخصيص كميات كبيرة، خوفًا من انكشاف أمره أمام مسؤولين آخرين في البلدية ولجنة التموين.

ووعدها بأن “يحسب حسابها” بكميات محدودة من المصادرات، وبشكل يومي، على أن يبقى الأمر سريًا فيما بينهما تلبية لرغبة مسؤولة هيئة الاقتصاد التي وعدت رشيد بترقيته ليتسلم منصبًا في الإدارة المالية في حال حفظ أسرار الفساد المشترك، ومن بينها قضية اختلاس عندما كانا في لجنة مشتريات.

قال رشيد حمو (ناشط في حي الشيخ مقصود بحلب) لموقع “نون بوست”: “الأوضاع في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية لم تعد تطاق بسبب الفساد والمحسوبية في مؤسسات الإدارة الذاتية، والتسريبات المتداولة عن رئيسة هيئة الاقتصاد والمسؤول في لجنة التموين جزء لا يذكر من الفساد المستشري داخل الأحياء المكتظة بالسكان، فهناك قرابة 400 ألف سوري يعيشون كرهائن داخل الأحياء التي يديرها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وذراعه العسكرية بحلب”.

يضيف حمو “سرق مسؤولو الإدارة وأشخاص محسوبون عليهم يعرفهم أبناء الأحياء، كميات ضخمة من المواد الإغاثية المخصصة لمتضرري الزلزال وباعوها في الأسواق بعدما خزنوها في مستودعاتهم، بالإضافة إلى السرقات الحاصلة في إدارة الكومينات (الكومين إدارة مصغرة تدير مجموعة من الناس في الحي أو القرية، ومسؤول الكومين في يده التحكم بالأنشطة والفاعليات الثقافية والصحية والاجتماعية والصناعية والاقتصادية والزراعية والأمنية، وهو مسؤول عن عمليات بيع وتوزيع الغاز والإغاثة والخبز والسكر والمواد التموينية الأخرى) للخبز والمحروقات والمواد التموينية، والتلاعب بالأسعار وعمليات ملاحقة المهربات التي لا تطال إلا المغضوب عليهم من الإدارة.

موظفات هيئة الاقتصاد في الشيخ مقصود

وأشار حمو إلى أن “التعاون والتستر بين الموظفين والمسؤولين الفاسدين في الإدارة يعد جزءًا من ظاهرة الفساد، مسؤولو الإدارة وعسكر الوحدات يتعاونون لحماية بعضهم البعض على حساب الناس، وهناك عدة آليات وأساليب يتم استخدامها لتحقيق ذلك الغرض، كالابتزاز والتهديد لإجبار الموظفين الصغار المشتركين في عمليات السرقة والاختلاس على عدم كشف المعلومات المتعلقة بالفساد، يمكن أن يشمل ذلك التهديد بالفصل من العمل أو حتى الخطر المباشر على السلامة الشخصية من خلال تقارير كيدية تقدم للجهاز الأمني، إضافة إلى الرشاوى والمكافآت، إذ يتم تقديم رشى ومكافآت مالية أو عينية للمشاركة في التستر، ويُمكن أن تشمل هذه المكافآت منح الوظائف المرموقة أو ترقيات، ومثالها الوعد الذي قدمته مسؤولة هيئة الاقتصاد لمسؤول لجنة التموين بأنها ستسهل وصوله إلى وظيفة في الإدارة المالية، ويعني الانتقال إلى هذه الوظيفة، بالضرورة، زيادة أكبر في عمليات الاختلاس”.

ورشات خياطة في حي الشيخ مقصود بحلب

وأوضح حمو أن الشخصيات النافذة والفاسدة، تمتلك النفوذ والتأثير الذي يمنع ملاحقتهم أمنيًا وقضائيًا، مضيفًا “الدعم القادم من قيادة قسد شرق سوريا إلى أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بحلب كبير، لكن لا يصل منه إلى الناس إلا كميات قليلة، أقل من 20%، وتستحوذ دائرة ضيقة من مسؤولي الإدارة والعسكر على 80% تقريبًا من الدعم المالي والعيني، المستفيدون فئة قليلة ويضاف إليهم فئة محسوبة على الإدارة وذراعها العسكرية، فمن رضيت عنه قيادة الوحدات وكان أحد أفراد عائلته عنصرًا في القوات الأمنية أو العسكرية، أو موظفًا في واحدة من الدوائر الخدمية، سيكون في مأمن وسيصله ضعف مستحقاته من المواد الإغاثية على سبيل المثال”.

سرقة المساعدات وحرمان المناهضين

يتداول الأهالي الكثير من الشائعات والمعلومات والاتهامات عن شخصيات تعمل في مؤسسات الإدارة وبلدية الشعب ومسؤولي الكومينات، تتمحور الاتهامات الموجهة لمسؤولي الإدارة ومن خلفهم عسكر الوحدات حول عمليات الاختلاس وسرقة الإغاثة وبيعها في أسواق الأحياء، وحرمان عائلات رفضت إشراك فتياتها في الأنشطة الحزبية ومنعتهن من الالتحاق بأنشطة وفعاليات تنظمها الشبيبة الثورية (تنظيم يتبع قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وهو مسؤول عن عمليات التجنيد واستقطاب الشبان والشابات وإدماجهم في الأنشطة الحزبية والثقافية والعسكرية) المسؤولة عن عمليات التجنيد في صفوف وحدات حماية المرأة.

ومن أشهر الأسماء المتداولة على قائمة الشخصيات المتنفذة والفاسدة في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية: عارف محمد، وهو مسؤول كومين نشتمان في الشيخ مقصود، ومسؤولات في هيئة الاقتصاد والبلدية أشهرهن المسؤولة مزكين وجيلو بلكور، وآخرين مسؤولين عن عمليات توزيع الإغاثة.

وقالت مصادر متطابقة في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بحلب لموقع “نون بوست”: “مستودعات الإدارة والوحدات الكردية وذراعهم الأمنية (الأسايش) وضعت يدها على المساعدات التي دخلت الأحياء بعد وقوع زلزال 6 فبراير/شباط، وما تم تسليمه للسكان لا يساوي 20% من الكميات الكبيرة التي جرى تخزينها، وهي عادة ما يتم توزيعها على مراحل على مقربين وقادة في التنظيم العسكري والأسايش، بغرض استقطاب مجندين جدد، كما يتم طرح القسم الأكبر من المساعدات المخصصة لمتضرري الزلزال في الأسواق، فيمكن بسهولة مشاهدة سلع المساعدات في دكاكين الأحياء تباع على بسطات في شوارع الشيخ مقصود والأشرفية”.

الفساد في قطاع الإنشاءات والبلدية

تعد قضية السجن المركزي الذي تبنيه الإدارة في المنطقة الواقعة بين السكن الشبابي ومنطقة الشقيف على أطراف حي الشيخ مقصود شمال المدينة حلب، القضية الأكثر تداولًا بين سكان الأحياء بعدما أشيعت معلومات تتحدث عن تورط عدد من مسؤولي الإدارة وعسكر الوحدات بسرقة مخصصات المشروع، وإنهاء المراحل الأولى من المشروع بشكل غير مطابق للمواصفات المطلوبة، بالإضافة إلى المعلومات التي تتحدث عن الهدف من بناء السجن، ومحاولة تعزيز القبضة الأمنية من الإدارة الذاتية واعتقال كل من يخالفها.

السكن الشبابي بحلب: مقرات ومعسكرات أمنية وسجون

وفي سياق الحديث عن الفساد في قطاع الإنشاءات وعمليات الاستيلاء على عقارات ومبان تعود ملكيتها لمعارضين ومهجرين من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، تبرز قضية الإنشاءات المخالفة التي تعتبر قطاعًا استثماريًا جاذبًا للمتنفذين في التنظيم الكردي بعدما أصبحت مناطق سيطرتهم في قلب مدينة حلب منطقة جذب للسكان الباحثين عن خدمات أفضل، ومستوى معيشة وفرص عمل لا تتوافر عادة في باقي الأحياء التي يسيطر عليها النظام السوري في المدينة، وبالتالي خلق الجذب السكاني حاجة ملحة للإسكان، وارتفع سوق الإيجارات وأصبح معه التوسع في عمليات البناء نشاطًا مربحًا.

كذلك أعيد تأهيل الكثير من المنازل والشقق التي تعود ملكيتها إلى مهجرين في الأحياء كي يتم تأجيرها، لكن المشكلة تكمن في المواصفات الفنية التي تبنى على أساسها الأبنية الحديثة التي عادة ما تكون غير متطابقة في ظل التغافل المقصود من بلدية الشعب التي تعتبر شريكة في مثل هذه المشاريع الربحية عبر شخصيات نافذة فيها.

تتنوع استثمارات مسؤولي الإدارة الذاتية التابعة للحزب وذراعيه في الأحياء الخاضعة لسيطرتهم، وفي ريفها شمالًا، فمعظم المطاعم والمنتزهات وصالات الألعاب ترجع ملكيتها في الظل للمسؤولين، ويديرها أشخاص مقربون منهم

وبسبب الفساد في قطاع الإنشاءات كان حي الشيخ مقصود بداية العام 2023 على موعد مع مجزرة راح ضحيتها العشرات بانهيار بناء سكني، حين قتل 17 مدنيًا بانهيار بناء سكني في شارع معروف الخاضع لسيطرة وحدات حماية الشعب الكردية بحلب.

المبنى السكني المنهار مؤلف من 5 طبقات، وتسكنه 7 عائلات قتل معظم أفرادها تحت الأنقاض، ونجا عدد قليل بسبب الانهيار الكلي للمبنى، والمتعهد الذي قام بإنشاء البناء المنهار هو محمد فوزي (أبو عارف)، وهو نفسه مالك البناء، ولد 1964 في قرية كوليان بريف منطقة عفرين ويقيم في حي الشيخ مقصود بحلب، وأنشأ البناء السكني عام 2018، وهو بناء مخالف.

حي الشيخ مقصود في حلب

فوزي هو مسؤول سابق في بلدية الشعب التابعة لوحدات الحماية بحلب، ولديه سجل حافل بالفساد، والبناء السكني المنهار ليس الوحيد الذي يملكه فوزي في حي الشيخ مقصود، حيث استفاد من علاقاته بوحدات الحماية بالاستثمار بالعقارات في الفترة ما بعد العام 2018، أي بعد سيطرة المعارضة السورية على منطقة عفرين، حين توجهت أعداد كبيرة من أبناء المنطقة النازحين نحو الأحياء الكردية بحلب، فزاد الطلب على السكن وارتفعت أسعار الإيجارات، وبات القطاع مربحًا للكثير من المتعهدين والتجار المحسوبين على وحدات الحماية.

تتنوع استثمارات مسؤولي الإدارة الذاتية التابعة للحزب وذراعيه (الأمني والعسكري) في الأحياء الخاضعة لسيطرتهم في مدينة حلب، وفي ريفها شمالًا (مناطق الشهباء)، فمعظم المطاعم والمنتزهات وصالات الألعاب ترجع ملكيتها في الظل للمسؤولين، ويديرها أشخاص مقربون منهم، ويتحكم هؤلاء في شبكات الإنترنت وأسطول الصهاريج الذي يغطي التجمعات السكنية التي لا تصلها مياه شرب كافية.

يستفيد هؤلاء من عمليات التهريب بين أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب ومناطق سيطرة الحزب في الريف الشمالي (مناطق الشهباء)، وغالبًا ما يقصد الشباب في مناطق النظام ممن هم في سن الخدمة العسكرية الإلزامية الأحياء الواقعة تحت السيطرة الكردية للهرب من التجنيد، ولأغراض أخرى كالعمل في ورشات الخياطة المنتشرة بكثرة، أو بهدف الانطلاق منها نحو الشمال حيث تسيطر الفصائل المعارضة ومنها نحو تركيا.

خالد الخطيب

المصدر: موقع نون بوست




الساحل الأفريقي: من يحل محل فرنسا؟

في 23 آب/أغسطس؛ توفي زعيم ميليشيا فاغنر الروسية، يفغيني بريجوزين، عندما تحطمت طائرته في طريقها من موسكو إلى سانت بطرسبرغ؛ حيث أثارت وفاة الأوليغارشي عددًا من التساؤلات حول مستقبل مجموعة فاغنر، وخاصة أنشطتها في أفريقيا.

وجاءت وفاة بريجوزين في وقت مضطرب بشكل خاص بالنسبة للقارة الأفريقية، وخاصة مع الانقلاب الأخير في النيجر، والذي أعقب الانقلابات الأخرى في دول الساحل في السنوات الأخيرة، وخاصة في مالي وبوركينا فاسو.

ويُنظر إلى مجموعة فاغنر بشكل متزايد على أنها الذراع العسكري القوي للكرملين في منطقة الساحل ووسط أفريقيا، كجزء من إستراتيجية تزيد – بشكل غير مباشر – من وجود روسيا وقوتها في القارة.

وفي الوقت نفسه؛ يبدو أن الجهات الفاعلة التقليدية غير الأفريقية في المنطقة، وخاصة فرنسا، بدأت تفقد تدريجيَّا موطئ قدمها داخل هذه البلدان، وهو أمر أساسي للأمن الإقليمي.

ما الذي يحدث حقًّا؟ هل هذا تحول جيوسياسي دائم ولا رجعة فيه لميزان القوى في أفريقيا؟ تُـرى هل هذه نهاية سياسة فرنسا في أفريقيا أم أنها مجرد تحول نحو نظام متعدد الأقطاب؟ وهل يمكن أن تكون هذه فرصة للدول والمؤسسات الأفريقية لتأخذ زمام المبادرة في إدارة القضايا الأمنية، وخاصة في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل؟

القوى الأمنية في أفريقيا

وبعيدًا عن اختفاء بريغوجين ــ وهو ما لا يعني بأي حال من الأحوال نهاية مجموعة فاغنر، نظرًا لفائدتها للكرملين ــ فإن إلقاء نظرة على توازن القوى الجديد بين الجهات الفاعلة الخارجية في أفريقيا يشكل خطوة أولى مثيرة للاهتمام.

منذ عام 2013 على الأقل والتدخل الفرنسي في مالي – الذي أطلق عليه عملية “سيرفال” – وتلعب فرنسا دورًا مهمًا كقوة أمنية في إفريقيا، فقد حظيت عملية “سيرفال” بالقبول على نطاق واسع واعتراف بشرعيتها، سواء من قبل المجتمع الدولي أو من قبل الجهات الفاعلة الأفريقية نفسها، بدءًا من دولة مالي.

من ناحية أخرى، فإن عملية “برخان”، وهي توسيع عملية مالي إلى أربع دول أخرى في منطقة الساحل – بوركينا فاسو والنيجر وموريتانيا وتشاد (التي تسمى مجتمعة مجموعة الخمس في الساحل) – اختبرت صلابة وتماسك وجود السياسة الفرنسية على مدى السنوات الثماني من انطلاقتها.

وانتهاءً في عام 2022، لم تحقق “برخان” النتائج المرجوة؛ وهي تعزيز أمن منطقة الساحل ودولها الرئيسية، وذلك من خلال القتال العسكري ضد الجماعات الإسلامية المسلحة؛ بل على العكس من ذلك، فق\ أدى الانسحاب العسكري من مالي، وبوركينا فاسو ــ وربما الآن من النيجر ــ إلى خسارة النفوذ الفرنسي في البلدان التي كان نفوذها فيها قويًّا تاريخيًّا.

وتميل وسائل الإعلام والسياسيون الفرنسيون إلى إرجاع أسباب هذا الانسحاب إلى أنشطة مجموعة فاغنر في المنطقة فقط، ولكن هناك عوامل أخرى أثرت في اللعبة.

الأول يتعلق بتوجه السياسة الفرنسية في أفريقيا على مدى السنوات العشرين الماضية؛ فلقد أدى انفتاح أفريقيا على العولمة إلى توازن جديد للقوى في العديد من بلدان القارة، وخاصة في البلدان الأفريقية الناطقة بالفرنسية.

وقد مكن وصول لاعبين سياسيين واقتصاديين جدد مثل الصين والهند وتركيا وروسيا من تطوير منافسة حقيقية مع فرنسا، التي من الواضح أنها لم تعد تمتلك الوسائل اللازمة لتحقيق طموحاتها في القارة.

الأزمات السياسية الكبرى

أما العامل الثاني، وهو نتيجة مباشرة للعامل الأول، فيتعلق بإعادة تعريف سياسة فرنسا في أفريقيا ذاتها. وكانت هذه السياسة تميل، تحت ضغط المنافسة من جانب القوى الأجنبية في أفريقيا الناطقة بالفرنسية، إلى الاعتماد على النفوذ العسكري الفرنسي، وهو ما يتطلب الالتزام بنجاحات عسكرية فرنسية ملموسة وملحوظة مع مرور الوقت.

ومع ذلك، فإن هذه السياسة – بشكل عام – لم تلبِّ التوقعات والوسائل اللوجستية التي استثمرتها باريس؛ حيث تباطأت وتيرة نشاط الجماعات المسلحة في منطقة الساحل لبعض الوقت، خاصة في عام 2013، لكنها أعادت ترسيخ نفسها في نهاية المطاف في المناطق التي كان الوجود العسكري الفرنسي فيها أقل وضوحًا.

والأخطر من ذلك أن مالي وبوركينا فاسو – والآن النيجر – شككت في الوجود الفرنسي في بلدانها، وخاصة من خلال المطالبة بانسحاب الجنود الفرنسيين؛ وهذا وضع غير مسبوق بالنسبة لفرنسا، التي أصبحت منذ إنهاء الاستعمار معتادة تمامًا على التعاون الذي لا جدال فيه في المسائل الدفاعية.

العامل الثالث في هذه الأزمة الجيوسياسية يكمن في التطور الداخلي للعديد من دول الساحل؛ حيث تشهد مالي وبوركينا فاسو والنيجر اليوم أزمات سياسية كبرى، تتسم بخصائص مختلفة ولكنها متشابهة: رفض النخب الحاكمة السابقة التي تعتبر “موالية لفرنسا” بشكل مفرط؛ والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية المستمرة على الرغم من البرامج الكبيرة للمساعدات التنموية (التزم الاتحاد الأوروبي وحده بتقديم أكثر من 4 مليارات يورو من المساعدات لدول مجموعة الساحل الخمس بين عامي 2014 و2020)؛ وزيادة انعدام الأمن الإقليمي (خاصة في منطقة الحدود الثلاث بين مالي وبوركينا فاسو وكذلك النيجر)، مما يشكك في قدرة هذه الدول على حماية مواطنيها.

وهذا الوضع في المنطقة ليس جديدًا،؛ فقد استمر لسنوات عديدة. لكن التتابع السريع للانقلابات في الآونة الأخيرة يثير تساؤلات حول هشاشة الأجهزة السياسية في الدول المعنية، فضلًا عن قدرة نخبها العسكرية على الاستيلاء على السلطة مع الاعتماد سياسيًّا على رفض الوجود الفرنسي وصناع القرار التقليديين.

وفي هذا الصدد؛ ربما كانت خدمات مجموعة فاغنر – وأبرزها على صعيد الدعاية وحرب المعلومات – مفيدة في حالات معينة، حتى لو كان علينا أن نبقى حذرين بشأن مدى تأثير هذا التأثير في زعزعة الاستقرار السياسي لتلك الدول.

الانتهازية الروسية في أفريقيا؟

هذه العوامل تجعل من الممكن أن نفهم جزئيًا الفشل الحالي لسياسة فرنسا الإفريقية، وهو فشل لا يُعزى إلى حكومة معينة، بل إلى ديناميكية هيكلية كامنة طويلة المدى أثرت على اتجاهها منذ بداية القرن الحادي والعشرين.

إن هذا الوضع الفعلي للانسحاب القسري – رغم أننا لا يتعين علينا بالضرورة أن نعتقد أنه نهائي – يترك المجال أمام جهات فاعلة أخرى ترغب في ملء فراغ السلطة الذي خلفه رحيل فرنسا.

الناس يلوحون للجنود الفرنسيين في المركبات المدرعة في عاصمة مالي باماكو، المنتشرة كجزء من عملية سيرفال، 15 كانون الثاني/ يناير 2013

يمكن للولايات المتحدة أن تستفيد من هذا الوضع الجديد من خلال مراجعة وجودها وتعاونها في منطقة الساحل لأنها لا تتلقى انتقادات – على عكس باريس – لوجودها الذي يظل متحفظًا إلى حد ما (ولكنه ضروري، لا سيما فيما يتعلق بالموارد اللوجستية والاستخبارات العسكرية).

ومن الواضح أن روسيا سارعت إلى ملء الفراغ الذي تركه الجيش الفرنسي من أجل اكتساب نفوذ أكبر في مجموعة الساحل الخمس، خاصة على المستويين السياسي والعسكري.

وتكمن قوة روسيا هنا في قدرتها على استغلال وسائل النفوذ والقتال غير المباشرة التي تخلت عنها القوى الغربية تدريجيًا – وخاصة فرنسا – لأنها كانت تعتبر ضارة للغاية: استخدام المرتزقة (كما كان الحال في ذروة سيطرة فرنسا الأفريقية)؛ ومراقبة المعلومات بين البلدان الأفريقية الناطقة بالفرنسية؛ ونشر الدعاية لإضفاء الشرعية على الجهات السياسية الفاعلة أو نزع الشرعية عنها.

لقد كانت “الحرب المعلوماتية” – على وجه الخصوص – سلاحًا استخدمته فاغنر بشكل جيد من أجل توليد رأي مناهض للغرب ومعادٍ لفرنسا داخل العديد من دول منطقة الساحل وغرب أفريقيا ووسط أفريقيا.

لكن هذا الوجود الروسي، من خلال مجموعة فاغنر وأيضًا الشركات العسكرية الأخرى التي تسيطر عليها موسكو – مثل “سيوا للخدمات الأمنية” و”مجموعة موران الأمنية” – يظل في الوقت الحالي محفوفًا بالمخاطر ولا يمكن مقارنته بأكثر من نصف قرن من السياسة الفرنسية في أفريقيا.

ولم تنشر روسيا حتى الآن أي عمليات عسكرية واسعة النطاق في القارة، كما أنها لا تمتلك بنية تحتية وحضورًا يضاهي تلك الموجودة تحت سيطرة فرنسا.

ولا تزال سياسة التعاون والتنمية التي تنتهجها روسيا في القارة غير محددة على المدى الطويل، كما أن اختراقها للنخب السياسية الأفريقية لم يصبح هيكليَّا بعد كما كان الحال مع أفريقيا الفرنسية.

وبدلًا من ذلك، فإن هذا الوجود يجعل من الممكن شن حرب غير مباشرة ضد المصالح الغربية في القارة من خلال إضعاف مصادر قوة الجهات الخارجية التقليدية.

وعلى هذا النحو، فإن فرنسا تتأثر بشكل خاص، وسوف يستغرق الأمر سنوات عديدة لاستعادة نفوذها في القارة، على المستوى السياسي والعسكري والثقافي والاقتصادي.

الاستجابة الأفريقية للتحديات الأمنية

ولكن بعيدًا عن القضايا الجيوسياسية، فإن الجهات الفاعلة الأفريقية هي التي تجد نفسها في وضع غير مسبوق بالنسبة لمستقبل أمنها؛ حيث إن الحاجة إلى استجابة أفريقية للتحديات الأمنية الأفريقية أمر ملح.

تاريخيًّا؛ لم يحدث هذا بسبب التوصيف الأولي لمنظمة الوحدة الأفريقية، التي تأسست في سنة 1963؛ حيث ولم تكن منظمة الوحدة الأفريقية تتمتع بسلطات قانونية للتدخل سياسيًّا أو عسكريًّا في شؤون الدول التي تم إنهاء الاستعمار فيها حديثًا.

تمت معالجة هذه المشكلة في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من خلال الإصلاح التنظيمي. فمنذ سنة 2002، تضمن القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي الاعتراف بـ”حق التدخل” في شؤون الدول الأعضاء في حالة وقوع جرائم حرب، والإبادة الجماعية، وما إلى ذلك.

واعتمد الاتحاد الأفريقي أيضًا هيكلًا أفريقيًا للسلام والأمن يتضمن، من بين أمور أخرى، مجلسًا أمنيًا بالإضافة إلى قوة احتياطية أفريقية؛ ومع ذلك، فإن القضايا السياسية تعني أن هذا الأخير لم يبدأ العمل على الإطلاق.

وبالتالي فإن توسيع التعاون الأمني المعزز مع الجهات الفاعلة الخارجية مثل فرنسا أو الأمم المتحدة كان مفضلًا كلما كانت هناك حاجة لقوة تدخل سريع.

وفي منطقة الساحل؛ كان هذا الاعتماد على الجهات الخارجية واضحًا بشكل خاص. ففي سنة 2013؛ تدخلت فرنسا في مالي بناء على طلب دولة غير قادرة بمفردها على صد تقدم قوات التحالف المكونة من حركة تحرير أزواد والجماعات المسلحة المختلفة.

ويشير إنشاء مجموعة الساحل الخمس في سنة 2014 إلى أن دول الساحل تتولى أخيرًا مسؤولية أمنها الإقليمي، لكن لم يتغير سوى القليل في الممارسة العملية حيث كانت المنظمة لا تزال تعتمد بشكل كامل على النظام العسكري الفرنسي المرتبط بعملية “برخان”.

وعلى نطاق أوسع؛ تظل مسألة تمويل هياكل الأمن الجماعي الأفريقية مثيرة للمشاكل. على سبيل المثال؛ تعتمد ميزانية مجموعة دول الساحل الخمس إلى حد كبير على المساعدات الخارجية، وخاصة من الاتحاد الأوروبي.

ويبدو أن الانقلاب الأخير في النيجر يُظهِر رد فعل جديداً من جانب بلدان المنطقة، وخاصة في إطار المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)؛ ففي آب/ أغسطس الماضي، أعلنت المنظمة الإقليمية أنها تعتزم حشد قوة تدخل لإعادة رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم.

ولم يحدث هذا التدخل حتى الآن وسيتطلب القيام بذلك مساهمة بشرية ولوجستية ومالية كبيرة من دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا.

الضرورة المطلقة

يبدو الوضع الحالي في منطقة الساحل مثيرًا للقلق بشكل خاص، لكنه مع ذلك يوفر الفرصة لتحديد موقع جديد للمؤسسات الأمنية الأفريقية، على المستويين الإقليمي والقاري.

ويأخذ الفراغ الجيوسياسي في التزايد، وسوف تحتاج إلى استجابة سريعة واستثمارات كبيرة من كافة الأنواع لضمان قدرة الدول الأفريقية على أداء مهامها السيادية والدفاع عن مصالحها وحمايتها، كما أنه يؤثر على توزيع السلطة على الجهات الخارجية.

ويتعين على فرنسا أن تعيد النظر في سياستها الأفريقية من خلال تنويع وسائل عملها ــ وليس الاكتفاء بالاعتماد على الأدوات العسكرية وحدها ــ، ومن خلال تنفيذ علاقات أكثر مساواة وتوازناً مع شركائها في القارة. وبدون ذلك؛ ليس هناك شك في أن الجهات الفاعلة الأخرى، مثل روسيا، سوف تستغل هذه الأزمة لكسب النفوذ والقوة في القارة.

ويتعين على الدول الأفريقية، وخاصة تلك الموجودة في منطقة الساحل، أن تفهم مدى إلحاحية تولي مسؤولية أمنها بشكل جماعي، وإلا فإنهم يخاطرون بإحالة مشاكلهم من الباطن مرة أخرى إلى جهات فاعلة أجنبية، عامة أو خاصة، لديها مصالح وأهداف مختلفة.

جوليان دوران دي سنكتيس

المصدر: ميدل إيست آي البريطاني

ترجمة موقع نون بوست




لماذا تغازل القوى الكبرى موريتانيا؟

في 28 تموز/ يوليو، التقى الرئيس الصيني شي جين بينغ بنظيره الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مدينة تشنغدو الصينية. وكان لقاء شي مع الغزواني هو الثاني له في غضون ثمانية أشهر، حيث التقى الزعيمان في قمة الصينية العربية في العاصمة السعودية الرياض في التاسع من شهر كانون الأول/ ديسمبر 2022. وبعد اجتماعهما، وقّعت الصين اتفاقية تعاون شملت قطاعات الزراعة والصيد البحري والطاقة المتجددة ومنحت 21 مليون دولار لتخفيف عبء الديون عن موريتانيا.

يبدو أن لقاء شي مع الغزواني كان لقاءً روتينيا بطبيعته. انضمت موريتانيا إلى مبادرة الحزام والطريق في سنة 2018، وقامت الصين في الوقت نفسه بتحديث علاقاتها مع دولة بوروندي، التي انضمت إلى مبادرة الحزام والطريق في العام نفسه، بطريقة مماثلة.

لكن توقيت تقرّب الصين من موريتانيا كان لافتا للنظر. فقد حدث ذلك بعد ساعات فقط من قيام الجنرال عبد الرحمن تشياني بانقلاب ضد الرئيس محمد بازوم في النيجر. وأعقب ذلك زيارة وزيرة التنمية الألمانية سفينيا شولز في 14 آب/ أغسطس إلى وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في العاصمة الموريتانية نواكشوط. وكانت زيارة شولز بمثابة اعتراف ضمنيّ بكيفية احتضان موريتانيا، البلد الذي يبلغ عدد سكانه 4.6 مليون نسمة، لحوالي 100 ألف لاجئ من البلدان المجاورة.

تؤكد هذه الاجتماعات مكانة موريتانيا باعتبارها المعقل الوحيد للاستقرار السياسي النسبي في منطقة الساحل، التي تتكون من أنظمة يقودها المجلس العسكري في مالي وبوركينا فاسو وتشاد والنيجر، وتلخّص تصاعد المنافسة الجيوستراتيجية في موريتانيا التي غالبًا ما يتم التغاضي عنها. في الواقع، تدور هذه المنافسة حول احتياطيات موريتانيا من الغاز الطبيعي وإمكانات الطاقة المتجددة التي توفرها تضاريسها الصحراوية الشاسعة، ناهيك عن موقعها الاستراتيجي على ساحل المحيط الأطلسي.

يعكس تودد الصين لموريتانيا مبادرات موازية من قبل قوى كبرى وقوى إقليمية أخرى في الشرق الأوسط. وتمتد هذه الجهود من مبادرات مكافحة الإرهاب إلى تطوير الهيدروجين الأخضر، ومن المرجح أن تتكثف إذا قررت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا التدخل عسكريًا في النيجر.

بعد استقلالها عن فرنسا في تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1960، أصبح المسار السياسي في موريتانيا يتخبّط بقوة في حلقة مفرغة من انعدام الاستقرار وانتهاكات حقوق الإنسان في منطقة الساحل. وانضمت موريتانيا إلى المغرب في حرب الصحراء الغربية 1975-1991 ضدّ جبهة البوليساريو الانفصالية الصحراوية. وقد أدى هذا التدخل، الذي تزامن مع ضمّ المغرب للصحراء الغربية في المسيرة الخضراء، إلى هزيمة كارثية للقوات الموريتانية.

بينما كانت موريتانيا تستعد للانسحاب من الصراع، نظّم العقيد مصطفى ولد محمد السالك انقلابًا ضد أول رئيس لموريتانيا بعد الاستعمار، المختار ولد داداه، في تموز/ يوليو سنة 1978. وبعد أقل من سنة، تمّت الإطاحة بالسالك في انقلاب ثانٍ لقبوله وقف إطلاق النار من جانب واحد مع جبهة البوليساريو وتأجيج التوترات العنصرية بين الموريتانيين السود في المنطقة الجنوبية والمغاربة العرب في المنطقة الشمالية.

صعود وسقوط السالك السريع حدّد نغمة المسار السياسي في موريتانيا على امتداد العقود الثلاثة المقبلة. وقد شهدت موريتانيا انقلابات في السنوات 1980 و1984 و2005 و2008، ونجت من محاولات انقلابية خطيرة في سنتي 1981 و2003. واستمر العنف الطائفي بين السكان العرب الموري البربر المهيمنين والأقلية الأفريقية السوداء، ما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من الموريتانيين السود إلى السنغال في نيسان/ أبريل 1989.

رغم انضمام موريتانيا إلى برنامج الشراكة للحوار المتوسطي التابع لحلف الناتو في سنة 1995، إلا أن سلسلة الانقلابات التي شهدتها أدت إلى تقييد التعاون مع الدول الغربية.

اكتسبت موريتانيا أيضًا سمعة سيئة عالميًا لاستمرار استعباد سكانها السود على يد الأسياد العرب. واستمرت هذه الممارسة حتى بعد إلغاء موريتانيا للعبودية في سنة 1981 وحظرها لاحقًا في سنة 2007. وقد حذّر تقرير صادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في أيار/ مايو 2016 من أن الوكالة الحكومية الرائدة في مجال مكافحة الفقر “تكافل” تبنت “نهجًا غير صارم” في معالجة عواقب العبودية. وذهبت منظمة العمل الدولية إلى أبعد من ذلك، حيث ذكرت في حزيران/ يونيو 2017 أن العبودية مستمرة “على نطاق واسع رغم المناقشات العديدة”.

رغم تاريخها الحافل بالانقلابات واستمرار العبودية، كانت حملة مكافحة الإرهاب والتحول الديمقراطي في موريتانيا من بين قصص النجاح القليلة في منطقة الساحل. منذ أن اختطف مقاتلو تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ضابط الشرطة إيلي ولد مختار في بلدة عادل باجيرو الحدودية بين موريتانيا ومالي في كانون الأول/ ديسمبر 2011، لم تشهد موريتانيا أي هجمات إرهابية.

كان قانون مكافحة الإرهاب الصادر في تموز/ يوليو سنة 2010، الذي سمح لوحدات صحراوية متنقلة مدربة على القتال وتسمى مجموعات التدخل الخاصة بمهاجمة الإرهابيين، سببا في إضعاف المتشددين على الحدود الشمالية للبلاد. وقد شجّعت اتصالات الأئمة التي وافقت عليها الدولة مع المجتمعات السلفية التي تمجد “تقليد التسامح الإسلامي” المتطرفين المحتملين على الاندماج في المجتمع الموريتاني. وقد أشادت الأمم المتحدة بجهود العالمات الإسلاميات، مثل زينب منت معطا، في إقناع زوجات وأخوات وأمهات المعتقلين السلفيين بالتخلي عن آرائهم المتطرفة.

في أيلول/ سبتمبر سنة 2018، اتخذ النظام السياسي الموريتاني منعطفا غير متوقع نحو التحرير. شارك حزب المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة المعارض في الانتخابات التشريعية، بعد أن قاطع دورات التصويت السابقة. وأيّد الاتحاد الأفريقي مصداقية فوز حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم. والأمر الأكثر إثارةً للدهشة هو فوز الناشط المناهض للعبودية، بيرام الداه عبيدي، بمقعد في المجلس التشريعي. وقد ترشّح عبيدي لمنصب الرئاسة من السجن لكن فوزه في حملته سهّل إطلاق سراحه في نهاية المطاف.

في حزيران/ يونيو 2019، فاز مرشّح الجبهة الوطنية الغزواني في الانتخابات الرئاسية الموريتانية بنسبة 52 بالمئة من الأصوات، وجاء عبيدي في المركز الثاني بنسبة 18.6 في المائة. ورغم المخاوف بشأن حملات القمع التي شنها الجيش على المتظاهرين بعد الانتخابات، أشادت فرنسا بانتصار الغزواني ووصفته بأنه “لحظة ديمقراطية تاريخية”، وأشاد الاتحاد الأوروبي “بأجواء السلام والهدوء التي أحاطت بالحملة الانتخابية”.

إن تحول موريتانيا إلى ملاذ آمن في منطقة الساحل المضطربة جعلها في مرمى منافسات القوى الخارجية. ورغم انضمام موريتانيا إلى برنامج الشراكة للحوار المتوسطي التابع لحلف الناتو في سنة 1995، إلا أن سلسلة الانقلابات التي شهدتها أدت إلى تقييد التعاون مع الدول الغربية. وفي أعقاب انقلاب آب/ أغسطس 2008 الذي أوصل سلف الغزواني، محمد ولد عبد العزيز، إلى السلطة، سارعت الولايات المتحدة وفرنسا إلى قطع جميع المساعدات غير الإنسانية عن موريتانيا.

في تشرين الأول/أكتوبر 2009، التقى عزيز بالرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وكبار رجال الأعمال في باريس، فتحسّنت العلاقات بين موريتانيا والغرب. كانت هذه أخبارًا مرحّبًا بها للشركات الغربية، مثل شركة تعدين الذهب الكندية “ريد باك ماينينغ” وشركة تعدين اليورانيوم الأسترالية “مورشيسون يونايتد” التي حافظت على مصالحها التجارية في موريتانيا بعد الانقلاب.

من المقرر أن تصبح موريتانيا مصدرًا للغاز بالنسبة لأوروبا بحلول نهاية 2023

ومع تحسن الوضع الأمني في موريتانيا وتحول نظامها السياسي إلى شبه ديمقراطي، تعزّزت علاقاتها مع حلف شمال الأطلسي بشكل كبير. قام حلف شمال الأطلسي بتدريب أفراد عسكريين موريتانيين وأنشأ أربعة مراكز لإدارة الأزمات في البلاد، مما ساعد في قدرته على مكافحة التهديدات الأمنية والصحة العامة. وفي كانون الثاني/يناير 2021، أصبح الغزواني أول رئيس موريتاني يزور مقر الناتو. استقبل الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ الغزواني بترحيب حار، حيث أشاد بموريتانيا ووصفها بأنها “قائدة في مجموعة الساحل الخمس” ضد الإرهاب وتعهد بتعميق التعاون الأمني على الحدود.

أثارت دعوة موريتانيا لحضور قمة مدريد في حزيران/يونيو 2022، باعتبارها شريكًا من خارج الناتو، تكهّنات بإمكانية إنشاء قاعدة لحلف شمال الأطلسي على ساحلها الأطلسي ذو القيمة الاستراتيجية. وتوسيع التعاون الأمني بين الناتو وموريتانيا مدفوع أيضًا برغبة الدول الأوروبية في التقليل من تدفقات الهجرة غير الشرعية من منطقة الساحل. وتعد موريتانيا طريق عبور شهير للمهاجرين الأفارقة الذين يسعون إلى دخول أوروبا عبر جزر الكناري.

في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، أبرمت إسبانيا اتفاقًا لتقديم المساعدة اللوجستية لجهود موريتانيا لكبح جماح المهاجرين غير الشرعيين. والتعليق الأخير لتعاون المفوضية الأوروبية في مجال الهجرة مع النيجر يزيد من أهمية موريتانيا في هذا المجال.

مع سعي الدول الأوروبية للبحث عن موردين للطاقة البديلة، اكتسبت موريتانيا أهمية استراتيجية جديدة. ومن المقرر أن تصبح موريتانيا مصدرًا للغاز بالنسبة لأوروبا بحلول نهاية 2023 مع اكتمال المرحلة الأولى من المشروع الكبير “تورتو أحميم”، بقيادة شركة “بريتيش بتروليوم” وشركة “كوزموس إنرجي”.

يمكن لموريتانيا أيضًا أن تضع نفسها بسهولة كمركز للطاقة المتجددة في غرب إفريقيا، حيث تتوفر لها 700 ألف كيلومتر مربع (270 ألف ميل مربع) من الأراضي المتاحة لبناء الألواح الشمسية وتوربينات الرياح. وفي آذار/مارس 2023، وقّعت شركة “كونجونكتا”الألمانية لتطوير المشاريع مذكرة تفاهم مع شركة “إنفينيتي” المصرية لتوفير الطاقة وشركة “مَصْدَر” الإماراتية لمشروع الهيدروجين الأخضر بقيمة 34 مليار دولار في موريتانيا، حيث يمكن أن يؤدي هذا المشروع إلى إنتاج ما يصل إلى 8 ملايين طن متري من الهيدروجين الأخضر سنويًا.

سجل موريتانيا الحافل بانتهاكات حقوق الإنسان والعلاقات المدنية العسكرية المتوترة يجعل استقرارها على المدى الطويل مسألة مفتوحة، إلا أنها أصبحت وجهة جذّابة لاستثمارات القوى الخارجية في منطقة مضطربة – خاصة بعد انقلاب النيجر.

وبما أن موريتانيا يمكن أن تعرقل سلاح روسيا الطاقي الذي تستخدمه ضد أوروبا ومنح الناتو موطئ قدم بجوار عمليات مجموعة فاغنر في مالي، فقد قام الكرملين بتوسيع تعاملاته مع نواكشوط. ;على الرغم من أن العلاقات الدبلوماسية الروسية مع موريتانيا كان يقودها تقليديًا نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، إلا أن وزير الخارجية نفسه، سيرغي لافروف، قام بزيارة تاريخية إلى نواكشوط في شباط/فبراير 2023.

كان لقاء لافروف مع الغزواني يهدف رسميًا إلى تحسين ظروف عمل الصيادين الروس في المنطقة الاقتصادية الخالصة لموريتانيا. لكن لافروف عرض أيضًا دعم موريتانيا في مكافحة الإرهاب في خليج غينيا. تنظر مجموعة فاغنر إلى غرب أفريقيا الساحلي باعتباره جبهة رئيسية للتوسع، حيث روجت للدعاية المناهضة لفرنسا في ساحل العاج وأرسلت وفدًا إلى سيراليون.

من الممكن أن تؤدي الروابط الأمنية الوثيقة بين روسيا وموريتانيا إلى تعزيز جهود التوعية التي تبذلها مجموعة فاغنر في هذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية. ويؤكد اقتراح لافروف بتدريب الأطباء الموريتانيين استعداده لتجاوز سجل تصويت موريتانيا المؤيد لأوكرانيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة وتعزيز القوة الناعمة لروسيا.

تعتبر استثمارات الصين في موريتانيا أكثر تكاملًا مع المصالح الأوروبية. وفي كانون الأول/ ديسمبر 2016، منحت الحكومة الموريتانية عقدًا بقيمة 325 مليون دولار لشركة “بولي تكنولوجيز” الصينية لتطوير ميناء ندياغو على ضفاف نهر السنغال. ويَعد مشروع ندياغو بأن يكون مركزًا لصادرات الطاقة إلى أوروبا ويربط موريتانيا بالسنغال، وهي دولة مستهدفة رئيسية لمشروعات الغاز الألمانية في أفريقيا. مع ذلك، يشعر صناع السياسات الغربيون بالقلق إزاء مزاعم الفساد التي انتشرت حول مشروع ميناء ندياجو منذ بدايته، فضلًا عن انتهاكات شركة “بولي تكنولوجيز” للعقوبات الأمريكية ضد برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني.

تمتد سياسة موريتانيا الخارجية متعددة الاتجاهات إلى مشاركتها في الشرق الأوسط. أدى الدور الحاسم الذي لعبه الملك السعودي السابق فيصل بن عبد العزيز آل سعود في التوسط من أجل ذوبان الجليد بين موريتانيا والمغرب سنة 1969 وتدفق العلماء الإسلاميين الموريتانيين على مدى عقود إلى مكة والحجاز إلى إنشاء أسس متينة للتعاون بين موريتانيا والمملكة العربية السعودية.

وبناءً على ذلك، نشرت موريتانيا 500 جندي لمساعدة السعودية خلال التدخل العسكري للسعودية سنة 2015 ضد المتمردين الحوثيين المتحالفين مع إيران في اليمن وقطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر بعد الحصار الذي فرضته المملكة والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر سنة 2017.

قدرة الغزواني على المزاوجة بين الملف الدبلوماسي المتصاعد لموريتانيا والنمو الاقتصادي على المدى الطويل والتدابير الفعالة لمكافحة الإرهاب، ستحدد ما إذا كان بإمكانها تجنب الانجراف في سيل الانقلابات في غرب أفريقيا.

ردّت المملكة العربية السعودية الجميل بإطلاق مشاريع استثمارية، مثل منح قرض بقيمة 100 مليون دولار لتزويد مدينة كيفة بالمياه الصالحة للشرب من نهر السنغال، وإبرام اتفاقية تدريب عسكري مع موريتانيا في كانون الثاني/يناير 2017. وتعهدت الإمارات العربية المتحدة باستثمار قيمته 2 مليار دولار تم التوصل إليه خلال زيارة الغزواني إلى أبو ظبي في شباط/فبراير 2020، وهو ما يعادل 40 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لموريتانيا، وكان هذا المبلغ عنصرًا أساسيًا في مبادرة الغزواني للرعاية الاجتماعية والبنية التحتية بعنوان “الأولويات”.

سمح تحسن العلاقات الإقليمية منذ “اتفاق العلا” في كانون الثاني/يناير 2021، الذي أنهى الحصار المفروض على قطر، لموريتانيا بتعميق روابطها مع خصومها السابقين. وفي نيسان/أبريل 2023، استحوذت شركة “قطر للطاقة” على حصة 40 بالمئة في منطقة التنقيب البحرية “سي 10” في موريتانيا التي تحتوي على احتياطيات نفطية كبيرة. بناءً على زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في شباط/فبراير 2018 إلى نواكشوط وعقود من المساعدة التنموية لموريتانيا، افتتحت تركيا وموريتانيا ما يسمى بـ “بيت التجارة” لتعزيز العلاقات التجارية في أيار/ مايو2023.

ومع أن سجل موريتانيا الحافل بانتهاكات حقوق الإنسان والعلاقات المدنية العسكرية المتوترة يجعل استقرارها على المدى الطويل مسألة مفتوحة، إلا أنها أصبحت وجهة جذّابة لاستثمارات القوى الخارجية في منطقة مضطربة – خاصة بعد انقلاب النيجر.

وتتجلى جهود موريتانيا لتكون بمثابة جسر بين المجالس العسكرية وجيرانها في دعمها إعادة مالي إلى مجموعة الساحل الخمس ودورها الرئيسي في خط نقل الطاقة عبر الساحل المقترح بقيمة 900 مليون دولار الذي سيمر عبر بوركينا فاسو. ومن الممكن أن تعمل دول بوركينا فاسو والنيجر ومالي على تعزيز مكانتها الدبلوماسية بينما تدرس المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا إمكانية التدخل في النيجر.

إن قدرة الغزواني على المزاوجة بين الملف الدبلوماسي المتصاعد لموريتانيا والنمو الاقتصادي على المدى الطويل والتدابير الفعالة لمكافحة الإرهاب، ستحدد ما إذا كان بإمكانها تجنب الانجراف في سيل الانقلابات في غرب أفريقيا.

صمويل راماني

المصدر: فورين بوليسي

ترجمة موقع نون بوست




انقلاب النيجر: نكسة الإليزيه الجديدة… والتباين الفرنسي- الأميركي

يزداد الوضع تأزما بعد نحو شهر على انقلاب النيجر واستمرار السباق بين الخيار الدبلوماسي والتدخل العسكري. وقد شكل هذا الانقلاب ضربة جديدة لفرنسا وتهديدا لمصالح الغرب في منطقة الساحل المتمتعة بموقع جيوسياسي حساس يفصل بين فضائين مختلفين تماما، هما شمال أفريقيا، وأفريقيا جنوب الصحراء.

ويلقي الخلاف الأميركي- الفرنسي بظلاله على التدخل المحتمل من قبل “المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا” (إيكواس) الذي تدعمه باريس ولا تتحمس له واشنطن؛ إذ ترى الولايات المتحدة أن ذلك سيقوض نفوذ الغرب لصالح روسيا، ويمكن أن يدفع إلى اندلاع حرب إقليمية واسعة في ظل دعم بوركينا فاسو ومالي لانقلابيي النيجر.

الإحباط الفرنسي ومسلسل الفشل في الساحل

تواجه باريس بعد انقلاب السادس والعشرين من يوليو/تموز الماضي، والإطاحة بالرئيس الشرعي محمد بازوم، وضعا استثنائيا؛ حيث إنها بالفعل أزمة مفصلية بالنسبة للوجود الفرنسي في القارة السمراء، ونكسة دبلوماسية جديدة لدائرة صنع القرار في قصر الإليزيه، إذ بعد باماكو في مالي، وبعد واغادوغو في بوركينا فاسو، تشهد نيامي عاصمة النيجر تطورات متسارعة.

منذ 2021، لم يعد هناك سفير فرنسي في باماكو، وقد تم رفض السفير الفرنسي الذي اقترحته باريس على المجلس العسكري في بوركينا فاسو، لذلك ربما لن يكون هناك بعد الآن سفير لفرنسا في واغادوغو، وأخيرا أُنذر السفير الفرنسي في النيجر لمغادرة البلاد، ورفضت باريس الانصياع له لعدم اعترافها بشرعية المجلس العسكري.

يدل هذا السياق على سوء تقدير فرنسي في عدم توقع حدوث الانقلاب، إما نتيجة مكابرة وثقة زائدة بالنفس، وإما بسبب عدم القيام بجهد استباقي نظرا لتراجع مستوى الخبرة والإحاطة من الناحية السياسية والاجتماعية في معرفة البلدان وآليات تطورها وقواها الكامنة، ولفشل في طريقة إدارة ما سمي “الحرب ضد الإرهاب” في الساحل. والغريب أنه بعد الانكفاء من مالي وبوركينا فاسو والاستناد إلى النيجر مع حضور عسكري فرنسي كبير، كان هناك فشل غير متوقع في الترقب والرصد.

أما في ما يتعلق بمستوى تحديد مسؤولية التقصير والنكسة، فيمكن التأكيد على أن الإليزيه هو الذي يحدد السياسة الأفريقية في الجمهورية الخامسة، وتأتي المشكلة من أعلى الهرم -رئيس الجمهورية- الذي يمنحه الدستور حصرية القرار في السياسة الخارجية والدفاع، لأنهما من الشؤون السيادية، حيث إن عدم الاستماع الجيد وعدم التفاعل مع الدبلوماسيين في وزارة الخارجية وعلى الأرض، وكذلك مع العسكريين وقيادتهم ومع الأجهزة الأمنية، يجعل الإليزيه مسؤولا عن النكسة الحالية وعن الخروج من الساحل.

AFP

متظاهران في عاصمة النيجر نيامي يرفعان شعارا يطلب رحيل فرنسا في 2 سبتمبر

بالطبع، حاول الرئيس إيمانويل ماكرون أمام مؤتمر السفراء السنوي في 28 أغسطس/آب الماضي، تبرير التراجع بسبب التحريض على فرنسا واستهدافها من قبل قوى استعمارية جديدة قاصدا روسيا بالتحديد. لكن الوقائع تدل على أن المسألة أكثر تعقيدا وأن الفشل لم تتداركه فرنسا التي لم تعمل في الوقت المناسب على تغيير يتلاءم مع أفريقيا الواعدة التي لم تعد فضاء لحصد المكاسب فحسب، بل قارة شابة تطمح لاحتلال موقعها في التوازنات الدولية، خاصة أنها محور تنافسية دولية وإقليمية محمومة على الموارد والنفوذ.

وتزايدت في السنوات الأخيرة المشاعر المعادية لفرنسا في أفريقيا، بالإضافة إلى مناورات موسكو وغيرها من الخصوم أو المنافسين، لكنّ هناك أسبابا أعمق لخيبة الأمل من السياسة الفرنسية، إذ تتركز الانتقادات على سياسة المساعدات، وربط السياسة الاقتصادية بالفرنك الأفريقي. لكن القشة التي قصمت ظهر البعير تمثلت في النظرة إلى عملية “برخان” ضد الجهاديين التي استمرت من 2014 إلى 2022. 

وبالفعل ليس منطقيا أن تدوم عملية لمدة ثماني سنوات. وكل هذا كان له دوره في تأجيج السخط ضد فرنسا، لأنه بالرغم من النجاحات التكتيكية ضد الإرهاب، كان هناك خطأ استراتيجي في مقاربة الإحاطة بتطور الرأي العام والمؤسسات العسكرية. وكان وجود القواعد العسكرية الفرنسية موضع انتقادات واسعة لعدم ملاءمتها الواقع وإمكانية إقامة تعاون عسكري فعال من دون وجود يتم النظر إليه باعتباره “ثقيلا تكريسا للتوجه الاستعماري الجديد”. 

ومن المفارقات اللافتة أن أفريقيا تمثل 5 في المئة كحد أقصى من تجارة فرنسا الخارجية. لذا لا يتطلب الأمر إعادة تأسيس سياسة أفريقية جديدة لفرنسا، لأن السياسة القديمة بتراء ومحدودة، بل يستوجب الأمر بلورة وتنفيذ سياسة تتوافق فيها مصالح فرنسا الاقتصادية مع مصالحها السياسية، وأن لا تبتعد عن التطورات الجيواقتصادية في العالم. 

AFP

جنود من النيجر امام مقر القاعدة العسكرية الفرنسية في نيامي في 3 سبتمبر

بالنسبة للمتابعين والمعنيين، ظهر جليا أن تدخلات فرنسا لم تكن سوى امتداد فعلي للحقبة الاستعمارية؛ فرغم اختلاف الأزمنة والأنظمة والسياقات، واصلت فرنسا اعتماد استراتيجية عسكرية بحتة في التعامل مع المشكلات الموجودة في الساحل الأفريقي، واتضح كذلك خطأ التركيز على أولوية مواجهة “تمرد” الجماعات الإسلامية المسلحة، لأنه لم يأخذ بعين الاعتبار العوامل الاجتماعية والتنموية وخصوصيات كل بلد ووجود جماعات انفصالية ومتمردة في المناطق الرمادية.

التباين الفرنسي- الأميركي إزاء الانقلاب

للوهلة الأولى كان هناك رهان على تماسك غربي في مواجهة الوضع الجديد. لكن تبين في الأيام الأولى التي أعقبت الانقلاب، أنه على عكس فرنسا، تتجنب الولايات المتحدة الحديث عن الخيار العسكري. 
وعند لحظة وقوع الانقلاب، برز قلق في الدوائر الأميركية بشأن مصير النيجر، التي ينظر إليها بوصفها لاعبا أساسيا في الاستراتيجية الغربية ضد الجهاديين في منطقة الساحل، ولم تتردد الأوساط الأميركية في إبداء تخوفها في حال تفاقم الأمور من استهداف القوات الأميركية (حوالي 1100 جندي) ومن “توريط فرنسي لواشنطن” شبيه بما حدث في ليبيا عام 2011.

ومنذ البدايات برز التمايز الأميركي عن الموقف الفرنسي لجهة عدم وصف التمرد بالانقلاب، أو لجهة استمرار الاتصال والحوار مع الانقلابيين. واتضح جليا الحرص على عدم المس بالجهود التي بذلتها الولايات المتحدة على مدى عقد من الزمن في شراكتها مع النيجر التي تضم أهم قاعدة لوجستية أميركية يشمل نشاطها الساحل وغرب أفريقيا ولها صلة بمراقبة ومتابعة الوضع في شرق أفريقيا وخليج غينيا الحيوي للمصالح الأميركية، علما أن النيجر تملك ثروة هامة من اليورانيوم لكنها تتلقى مساعدة أميركية مالية وترتبط ببرامج تنمية مع واشنطن لأنها من أفقر البلدان في العالم حيث يعاني سبعة ملايين شخص من انعدام الأمن الغذائي. 

ومنذ إطلاق فرنسا عملية “سرفال” في مالي عام 2013 تحت عنوان مكافحة الإرهاب، كانت هناك حاجة لطلب الدعم السياسي الأميركي بالإضافة للدعم اللوجستي الأميركي، من خلال “القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا” (أفريكوم) التي تأسست في 2008 وكان مقرها شتوتغارت في ألمانيا. 

يجدر التذكير بأنه طوال الحرب الباردة السابقة بين الستينات والتسعينات من القرن الماضي، كانت الولايات المتحدة تمثل غطاء الحماية لتقاسم فرنسا وبريطانيا مناطق النفوذ في القارة السمراء. ومنذ ذلك التاريخ كان الهدف المشترك منع التمدد السوفياتي والاختراق الكوبي… وفي الحقبة الحديثة أصبح عنوان الاهتمام اقتصاديا بعد ترسيخ الوجود الصيني. وأخذ منذ بدايات الألفية الثالثة أبعادا أخرى مع الحرب ضد الإرهاب وتفاقم النزاعات الداخلية ومعارك النفوذ والموارد بين القوى الاستعمارية السابقة والقوى الجديدة الطامحة للحلول مكانها، وكل ذلك يبين أن تطور الوضع لكي تكون “أفريقيا للأفارقة” قولا وتطبيقا لا يزال بعيد المنال.

إزاء انقلاب النيجر قفز إلى السطح اختلاف باريس وواشنطن في المقاربة والمعالجة.  فبينما أعلنت فرنسا رفضها الشديد للانقلاب وما نتج عنه، بل وحشدت حلفاءها في المنطقة ضده، كان الموقف الأميركي أكثر تظاهرا بالهدوء والإصرار على استنفاد كل السبل من أجل حل دبلوماسي مع ميل للتعامل مع المجلس العسكري لأن ديمومة المصالح أهم من التمسك بالحكم الدستوري وذلك وفق منطق انتقائي تبرره الكثير من الدول النافذة لنفسها. 

وتمت ترجمة عدم الضغط الأميركي الجدي على الانقلابيين من خلال التصريحات المهادنة لوزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، وزيارة مساعدته فيكتوريا نولاند إلى النيجر واجتماعها مع قادة الانقلاب. وقيام واشنطن بتعيين سفيرة جديدة في النيجر، هي كاثلين فيتزجيبون، والتي وصلت إلى نيامي. 

وقد بررت واشنطن عدم توصيف إطاحة الجيش بالرئيس محمد بازوم بأنه “انقلاب”، لأن من شأن هذا التوصيف إنهاء المساعدات الأميركية الأمنية والتدريب، وهو ما قد يؤثر على وجود واشنطن تحت اسم مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء بوسط وغرب أفريقيا، ويفتح الباب لتمدد روسي محلها.
وللتذكير، تسارع الدعم الأميركي للنيجر ليصل إلى قرابة 500 مليون دولار منذ عام 2012 إلى عام 2021، وشمل من بين أمور متعددة إقامة قاعدة عسكرية للطيران المسيّر في ولاية أغاديز شمالي النيجر..

وفي المقابل، تدعم باريس توجه المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) للتدخل العسكري في النيجر، لكن الإدارة الأميركية لم تعلن ما إذا كانت ستوفر الخدمات اللوجستية لـ”إيكواس” بهدف تنفيذ ذلك، وكل هذا فرمل وأبطأ فرص التدخل العسكري الأفريقي. 

ومن الناحية السياسية تنظر واشنطن بحذر إلى إصرار باريس على دعم العودة إلى الحكومة الدستورية بأي ثمن. 
ويبدو أن واشنطن تتقاسم مع باريس الحرص على الإفراج عن محمد بازوم، ويبرز الفارق في عدم تركيز الولايات المتحدة على إعادته إلى السلطة، إذ تشير أوساط فرنسية إلى أن الجانب الأميركي له صلة قوية مع قائد الانقلابيين الجنرال عبد الرحمن تياني، ويضع ثقته في الجنرال موسى سالو بارمو، الذي تلقى تدريبا في الولايات المتحدة، وتم تعيينه مؤخرا رئيسا لأركان القوات المسلحة النيجرية.

وتركز واشنطن على تجنب أي احتمال لإجبار جيشها على الانسحاب من النيجر، ولا تربط وجودها بالوجود الفرنسي، لأن الانسحاب سيفقدها مكاسب استخباراتية حيوية لها ولحلفائها في منطقة الساحل، لذلك تؤكد الولايات المتحدة على أنه لا يوجد حل عسكري يعتبر مقبولا. وبينما تتناغم ألمانيا بشكل أو بآخر مع الموقف الفرنسي، تنحاز إيطاليا إلى الموقف الأميركي، وهذا الخلل في وحدة الموقف الأوروبي يصب لصالح الولايات المتحدة التي لا تكترث لكسوف دور فرنسا تحت حجتي عدم السماح بالمزيد من تمدد “فاغنر”، والمعركة ضد الجهاديين. 

ولا يخفى أيضا أن سعي الولايات المتحدة الأميركية لاحتواء الانقلابيين فيه محاولة لإبعاد الروس عن موقع أميركي حيوي في أفريقيا، وإبعاد شبح المواجهة بين الغرب وروسيا في أفريقيا، وذلك بدافع تركيز الاهتمام على الحرب الأوكرانية. 

وبعد الفشل الغربي في مواجهة الانقلابات المتكررة في منطقة الساحل (المرادف للفشل في مواجهة الإرهاب) يُبين الحدث النيجري والتباين الفرنسي- الأميركي، أن الأولوية لا تكمن في الدفاع عن الديمقراطية في المنطقة، بل عن استمرارية النفوذ وحماية المصالح ولو كان ذلك على حساب باريس.

خطار أبو دياب

المصدر: موقع المجلة




فرنسا واللعبة الجيوسياسية فائقة المخاطر في السودان

يشهد السودان منذ الخامس عشر من أبريل/نيسان الماضي صراعاً عنيفاً بين الجيش وقوات الدعم السريع، وبالرغم من الوساطة السعودية- الأميركية فليس هناك احترام كامل للهدنة بين الفريقين وليس هناك أفق لحل سياسي ينهي الاقتتال. ومع بروز عجز المجموعة الدولية بشكل عام، يتضح أن الاتحاد الأوروبي غير فاعل والدور الفرنسي شبه مغيب ومحدود إزاء لعبة جيوسياسية فائقة المخاطر تدور انطلاقا من السودان، علماً أن هذه اللعبة تشكل خطرا على الاستقرار الإقليمي، ويمكن أن تمس بمصالح فرنسا في أفريقيا حيث يتراجع نفوذها في أكثر من مكان.

يثير السودان اهتمام اللاعبين الإقليميين والدوليين بسبب موقعه الجيوسياسي المميز وموارده الكبيرة، وهو ثالث بلد أفريقي من حيث المساحة، ولذلك نلمس الصلات الخارجية مع طرفي النزاع والفئات الأخرى في الموزاييك السوداني الجهوي والقبلي والديني واللغوي.

لقد عانت هذه الدولة الواقعة في شمال شرقي أفريقيا من زعزعة الاستقرار المزمنة إذ شهدت حربين أهليتين وسلسلة من النزاعات الداخلية، كما هو الحال في دارفور وأثناء انفصال جنوب السودان في عام 2011. ودوماً كان لفرنسا مواقف حذرة مع عدم تسليمها قبل استقلال جنوب السودان بنظرية انقسام السودان بين الجنوب “الوثني والمسيحي” من جهة، والشمال العربي “المسلم” من جهة أخرى.

وحيال مآسي دارفور المجاورة لتشاد أبرز معاقل النفوذ الفرنسي في الساحل، تفادت باريس أن تصادق على أطروحة صراع الأفارقة والعرب، بل ركزت على البعد الإنساني لتطويق انتشار النزاع .

وخلال الحقبة المعاصرة، لم تكن العلاقات بين فرنسا والسودان حميمية أو غنية، باستثناء فترة قصيرة في ظل نظام الجنرال جعفر نميري (1969-1985). أما خلال فترة الحكم العسكري- الإسلامي (1989-2019)، فقد كان الموقف الفرنسي متحفظاً بالإجمال رغم قرار الخرطوم تسليم الإرهابي كارلوس إلى باريس يوم 1994. بيد أنه مع التحسن في المبادلات الاقتصادية والتجارية، زاد الاهتمام الفرنسي بالسودان والحرص على علاقة برغماتية وديناميكية في آن معاً.

Reuters

الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري (1969-1985)

ورحبت باريس كما غيرها من العواصم الغربية باحتجاجات 2019 التي تسببت في سقوط حكم الجنرال عمر البشير بعد ثلاثين عاما في السلطة، وحينها ساهم الجيش وقوات الدعم السريع في الإطاحة به. وكان ذلك من العوامل المعطلة للانتقال نحو الحكم المدني. وأتى الانقلاب العسكري في 2021 ليزيد من تعقيد الامور. ويؤخذ على الاتحاد الأوروبي كما باقي اللاعبين الغربيين عدم اتخاذ موقف حاسم ينقذ الانتقال الديمقراطي ويمنع الانزلاق نحو صراع الجنرالين.

Reuters

الرئيس السوداني السابق عمر البشير أثناء محاكمته في الخرطوم بتهم تتعلق بالفساد، 31 أغسطس 2019

المقاربة الفرنسية للصراع السوداني الحالي

يشترك السودان في حدوده مع سبع دول، وهو محور تقاطع مصالح وتطلعات متعددة، وأكثر ما تخشاه فرنسا من الانعكاسات الممكنة على الاستقرار الإقليمي إذا اشتد الصراع، وهذا يمكن أن يفيد منافسيها على الساحة الأفريقية، مثل زيادة نفوذ مجموعة فاغنر “الذراع الروسية”، الموجودة بالفعل في جمهورية أفريقيا الوسطى ومالي. والمعروف أن المجموعة الروسية شبه العسكرية، تعمل بواسطة شركاء لها في دارفور لاستخراج الذهب هناك، وبنت علاقة وثيقة مع قائد قوات الدعم السريع، بينما تحافظ موسكو على اتصالاتها مع الفريقين المتحاربين.

AFP

مظاهرة في مدينة باماكو لتأييد الرئيس الروسي فيلاديمير بوتين وللاحتفال بقرار فرنسا الانسحاب من مالي، 19 فبراير 2022

وتستند المقاربة الفرنسية على مصالحها في المحيط المباشر في الساحل، وكذلك في القرن الأفريقي حيث القاعدة العسكرية الفرنسية القديمة في جيبوتي.

وهناك البعد “الإنساني” ومخاطر “تدفق اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين”، حيث إن القتال بين المعسكرين أدى إلى إغراق السودان في أزمة إنسانية؛ ففي دارفور، اشتعل الجمر من تحت رماد صراع صنفته منظمة الأمم المتحدة بصراع “الإبادة” الذي أودى بحياة 300 ألف شخص في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

كل هذه العوامل تزيد من حدة المخاطر المترتبة على صراع البرهان وحميدتي، وتذكر بمراحل قديمة من الصراعات الدولية حول السودان، وخاصة معارك فشودة بين الفرنسيين والبريطانيين في 1898. ومن خلال عملية السيطرة على السودان في تلك الحقبة، حاولت بريطانيا خلق خط يربط بين مصر، التي احتلتها عام 1882، وجنوب أفريقيا. وفي المقابل، شكل السودان بالنسبة للفرنسيين خط الربط بين داكار، المطلة على المحيط الأطلسي، وجيبوتي الواقعة قبالة البحر الأحمر.

هذه المرة، تبدو فرنسا كما أوروبا مهمشة في اللعبة الجيوسياسية، بينما تبدو الولايات المتحدة الأميركية كما روسيا والصين في موقع الصدارة، دون التقليل من حجم ومصالح الأطراف الإقليمية المعنية بالصراع.

وتدرك باريس خطورة تفكيك السودان وانعكاساته المباشرة من مصر إلى تشاد وإثيوبيا. ومن دون شك، باريس محرجة لأن عدة أطراف إقليمية من حلفائها تدعم بقوة أحد طرفي النزاع. وأمام صراع جيوسياسي متعدد المناحي وملتبس في بعض جوانبه، تخشى الأوساط الفرنسية المتابعة من أن يصبح وضع السودان معقدا أكثر من وضع ليبيا، مع احتمال حدوث صراعات إقليمية أخرى مباشرة أو بالوكالة في منطقة موجودة على صفيح ساخن

خطار أبو دياب

المصدر: موقع المجلة




اقتصاد فرنسا وانقلاب الغابون… دومينو الخسائر

باريس ضيّعت اليورانيوم والذهب وتتفادى التفريط بالنفط والمنغنيز والخشب والألماس والأحجار الكريمة

أي لعنة تطارد المصالح الفرنسية في أفريقيا؟ تلك القارة التي ظل الاقتصاد الفرنسي يعتمد عليها في الحصول على المواد الأولية والثروات الطبيعية السطحية والباطنية المختلفة، لضمان تنافسيته مع الكبار الذين عززوا حضورهم الأفريقي، باسم نظام عالمي جديد قائم على صراع المصالح والثروات.

غداة كل انقلاب جديد في أفريقيا، يُطرح السؤال حول من يقف وراءه، وما حجم نقمة الحكام الجدد حيال المستعمر القديم، الذي يخسر تباعا محمياته أو مستعمراته التقليدية، ومصالحه الاقتصادية والجيوسياسية، وامتيازاته اللا المتناهية. فخلال ثلاث سنوات، شهدت أفريقيا جنوب الصحراء ثمانية إنقلابات قادها ضباط تخرج بعضهم في المدارس العسكرية الفرنسية. ويبدو أنهم عازمون على قطع شعرة معاوية مع باريس التي يتهمونها بإفساد الحكام ونهب الثورات وتفقير الشعوب. وعلى الرغم من الإدانة الدولية لاستيلاء العسكر على السلطة بالقوة وتعليق عضوية هذه الدول في منظمة الاتحاد الأفريقي، إلا أن الشارع الغاضب على حكامه الفاسدين يجهر بمعاداة الاستعمار القديم وإسقاط الأبوية الفرنسية (Paternalisme).

تتزعم النيجر “الغضب الأفريقي”، لتنضم إليها بوركينا فاسو ومالي وغينيا، ولا تعارضه شعوب أخرى داخل دول المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا “إيكواس” (ECOWAS). ما لا يُقال جهرا يُهمس به سرا، أن “الشعوب تريد تغيير العلاقات مع فرنسا وتفضل أن يتم ذلك بالطرق السلمية”.

وتعتبر منطقة غرب أفريقيا أقدم المستعمرات الفرنسية في القارة وأكثرها خيرات وثروات. تمتد من شمال السنغال إلى جنوب ساحل غينيا وتوفر لفرنسا ما تحتاجه من طاقة ومعادن ومنتجات زراعية وغيرها.

ويتوقع أن تشكل سوقا استهلاكية تقدر بـ 800 مليون نسمة عام 2050 وفق تقديرات “إيكواس”. ويمتد النفوذ الفرنسي جنوبا وسط القارة إلى البحيرات الكبرى والغابات الاستوائية، من تشاد إلى جمهورية الكونغو الديموقراطية على مساحة تتجاوز 3 ملايين كيلومتر مربع. وهي دول ذات دخل منخفض على الرغم من ثرواتها الطبيعية والمعدنية الهائلة.

قلق الرئيس

عبّر الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون، عن قلقه من توالي الانقلابات الأفريقية على طريقة الدومينو، واتساع رقعة الزيت، معتبرا أن الأسباب نفسها والحماسة نفسها موجودة في دول أخرى، وأن الوضعية غير مستقرة في معظم دول القارة؛ “أنا متخوف جدا من وباء الانقلابات” (Epidémies de Putschs)، قالها أمام حشد من السفراء المعتمدين في القارات الخمس. وهم بدورهم متخوفون من أن يتم طردهم وإهانتهم كما حصل في نيامي، عاصمة النيجر، بعد نزع الحصانة الديبلوماسية عن السفير الفرنسي، سيلفان إيت، وعمد الانقلابيون إلى ترحيله. لكن الرئيس حسم الأمر موضحا أن بلاده لن تتخلى عن القارة السمراء: “إذا أبدينا الضعف… فسنكون خارج اللعبة”، في إشارة مبطنة إلى أن قوى اقتصادية جديدة تتوسع في أفريقيا، قد تزاحم الشركات الفرنسية التي تعتمد في علاقاتها الاقتصادية على صنّاع القرار المحليين.

وأفاد تقرير للخزانة الفرنسية أن تجارة باريس مع أفريقيا جنوب الصحراء تبلغ 2 في المئة من مجموع المبادلات الخارجية الدولية، وتمثل 11 في المئة من ورادات الطاقة والنفط والغاز، و10 في المئة من المواد الزراعية، إضافة إلى أهم واردات المعادن المختلفة. وهي سوق للصادرات الصناعية والتجهيزات والمواد الالكترونية والكهربائية. وبلغت التجارة البينية نحو 27  مليار يورو عام 2022  منها 16 مليارا من الصادرات و11 مليارا من الواردات.

ويقدر مجموع  الاستثمارات الفرنسية المتراكمة جنوب الصحراء بنحو 60 مليار دولار، لتلي بذلك المملكة المتحدة البالغة استثماراتها 65 مليار دولار. وقال التقرير إن هذه الاستثمارات تضاعفت مرتين في عشر سنوات بين 2010-2020. وتحقق باريس فائض قيمة تجارية مع جل الدول الأفريقية خاصة في منطقة غرب أفريقيا التي تضم ساحل العاج والسنغال، أكبر شركائها التجاريين. وتعتقد باريس أن أخطارها الاقتصادية في القارة تفوق أي أخطار مماثلة في أي قارة أخرى.

وحققت فائضا تجاريا مع دول غرب أفريقيا بلغ 2,3 مليار يورو عام 2022، بحسب تقرير الخزانة الفرنسية، 38 في المئة منها مع السنغال بقيمة 877 مليون يورو، تليها ساحل العاج بفائض فرنسي 374 مليون يورو، ثم مالي بـ350 مليون يورو.

بعد انقلاب الغابون

مباشرة بعد انقلاب الغابون، اهتزت بورصة باريس بعد خسائر سجلتها أسهم شركة “إيراميت” بنسبة 15 في المئة. وهي تستحوذ على مناجم المنغنيز والنيكل بنسبة 90 في المئة عبر منجم “مواندا” الأكبر في العالم. وتملك فرنسا 81 شركة عاملة في الغابون في مجالات البترول والغاز والمنغنيز والخشب والمعادن الثمينة والألماس والذهب، حققت العام الماضي أرباحا بقيمة 3 مليارات يورو بحسب تقرير الخزانة الفرنسية، أهمها “بروم إند موريل” و”إيراميت” و”توتال إينيرجي” و”آر فرانس” و”إيفاج وكولاس” و”بوربون” و”آر ليكيد” و”سي. أم. إيه. سي. جي. أم.” و”ميريديام فاندز”.

EPA

وفقا لصحيفة “لوموند”، فإن “الانقلاب العسكري الجديد في الغابون قد لا يشبه مثيله في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وغينيا، لكنه يضع أمام فرنسا صعوبات جديدة ثقيلة ومكلفة، يرافقها تراجع عسكري في السنغال وساحل العاج”. حاولت باريس تهدئة لغة الإدانة في إسقاط نظام حكم علي بونغو، الذي ظل مثل أبيه الراحل، عمر بونغو، حليف فرنسا الأكثر وفاء في مجموع أفريقيا. لم نسمع هذه المرة لغة التهديد والتشبث بالرئيس الشرعي كما حدث في انقلاب النيجر التي اعتبرته قطيعة ودعت إلى الحرب والنزال.

لم يخف الاتحاد الأوروبي، على لسان جوزيف بوريل،  وجود خلل في العملية الانتخابية الرئاسية التي سبقت إطاحة الرئيس الذي كان يعاني مضاعفات صحية من جلطة دماغية سابقة، سمحت لزوجته الفرنسية بالتدخل في الشؤون السياسية. ولم يصدر الاتحاد أي تهديد ضد القادة الجدد، واعتبر ضمنيا أن الانقلاب “سلمي” ومن “داخل السرايا والقصر والعائلة” قاده الجنرال أوليغي نغيما، القائد الجديد للدولة، وهو قريب الرئيس المخلوع علي بونغو، وخريج الكلية العسكرية الملكية في مكناس بالمغرب، وعمل ملحقا عسكريا في الرباط ثم في دكار في السنغال. 

عكس الدول الأخرى، لم تشهد الغابون أي انقلاب في تاريخها منذ استقلالها عن فرنسا عام 1960. تنتمي الغابون إلى المجموعة الاقتصادية لوسط أفريقيا التي تشمل أنغولا، بوروندي، الكاميرون، جمهورية أفريقيا الوسطى، الكونغو، الكونغو الديموقراطية، الغابون، وغينيا الاستوائية. تأسست المجموعة عام 1983، وتعتبر الغابون من بين الأعلى دخلا بنحو 8600 دولار للفرد، وناتج إجمالي يقدر بـ22 مليار دولار، وعدد سكان يبلغ نحو 2,5 مليون نسمة. الغابون بلد مستقر يدعو إلى السلام والتعايش، يحكمه رئيس مسلم وشعب 80 في المئة منهم مسيحيون، له تجربة محترمة في الممارسة الديموقراطية المحلية قبل أن تصاب بالانحراف. لم يكن نظام الغابون السياسي أكثر فسادا من بقية الأنظمة الأخرى المدعومة من فرنسا، التي تربط ولاءها بحجم المصالح الممنوحة للشركات المقربة من قصر الإليزيه. لكن أهمية الغابون تكمن في سواحله على المحيط الأطلسي وغاباته غير المتناهية، بين الصحراء الكبرى شمالا وصحراء كلاهاري جنوبا، يعتمد في اقتصاده على النفط والغاز الذي يمثل 36 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، و70 في المئة من الصادرات، يليه المنغنيز 7 في المئة، ثم الخشب ثالث الثروات، وقد بلغت المبادلات التجارية معه 846 مليون يورو، منها 536 مليونا صادرات فرنسية و310 مليونا واردات غابونية. 

دومينو الخسائر

ربما أدركت باريس متأخرة، ومعها بروكسيل، أن الدومينو لعبة سقوط حقيقية ضد مصالح فرنسا الحيوية، وقد لا تتوقف في وسط القارة. وقد تكون الانقلابات المحتملة ضمن الدول الأكثر قربا من سياسة باريس في القارة. الخلاف ليس مع الحكام بل مع علاقتهم بالاستعمار القديم والتسبب في الفوارق الاجتماعية والفساد المالي مع الشركات الأجنبية. 

باريس، التي  ضيّعت اليورانيوم والذهب في منطقة الساحل، تتفادى حاليا التفريط بالنفط والمنغنيز والخشب والألماس والأحجار الكريمة، أو ما تبقى من كعكة عمرها قرن ونصف قرن كانت توازي ثلث خيرات القارة السمراء على مساحة تزيد على 10 مليون كيلومتر مربع، كانت تكفي أجور مئات الآلاف من الجنود والموظفين وراء البحار والباقي يُنقل إلى باريس لتغطية عجز الخزينة. 

التوقيت سيئ، والاقتصاد الفرنسي يمر بفترة عصيبة وصفها برونو لومير، وزير المالية، بـ”الأصعب والأقل يقينية” بسبب الحرب الروسية في أوكرانيا، والتغيرات المناخية، والحاجة إلى الانتقال إلى الطاقة الخضراء في ظل ارتفاع أسعار المحروقات، وتكلفة الإصلاحات الاجتماعية، وتحديات المديونية التي تقارب 120 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي والتشرذم السياسي الداخلي.

لا أحد في حلقة القرار الفرنسي كان يتوقع  تألب كل هذه الصعوبات الظرفية العالمية وتزامنها مع انقلابات قد تحرم الاقتصاد من أقوى عناصر تنافسيته، وهي مواد أولية رخيصة ودائمة، وصفقات تجارية واقتصادية بغطاء سياسي وابتزاز محلي يساعد في تقليص عجز الخزينة التي تطمح إلى بلوغ 4,4 في المئة من الناتج الإجمالي عام 2024. وتساهم القارة السمراء في النمو الاقتصادي السنوي بما بين ربع ونصف نقطة، وتمنح فرصا هائلة للشركات الفرنسية في الخارج، وقد لا يستطيع الاقتصاد الصمود طويلا إذا أزيحت فرنسا من أفريقيا. 

المستفيدون الجدد

كان الرئيس الصيني شي جين بينغ يصف الرئيس الغابوني المخلوع، علي بونغو، بصديق الصين القديم، والحقيقة أن العلاقات بين بكين وليبرفيل تطورت كثيرا في السنوات الأخيرة وانتقلت إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وحازت الصين امتيازات في مجال التنقيب واستخراج المنغنيز والأخشاب والنفط، كما حصلت على عقود عمل في مجال البنى التحتية، وأصبحت المزود الثاني بعد فرنسا والزبون الأول للخشب.

لكن خسائر فرنسا السياسية لا تنحصر فقط في الدول التي تشهد انقلابات أو عدم استقرار سياسيا، بل امتدت إلى شمال أفريقيا القريبة حيث تحصل الصين وروسيا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا على عقود عمل واستثمارات ضخمة بعشرات مليارات الدولارات، مما دفع الرئيس ماكرون إلى وصف العلاقات مع دول المغرب العربي بأنها ليست في المستوى الذي يجب أن تكون عليه. وهو يدرك أن الطريق نحو أوروبا يجب أن تمر أولا عبر البحر الأبيض المتوسط.

لا أحد في حلقة القرار الفرنسي كان يتوقع  تألب كل هذه الصعوبات الظرفية العالمية وتزامنها مع انقلابات قد تحرم الاقتصاد من أقوى عناصر تنافسيته، وهي مواد أولية رخيصة ودائمة، وصفقات تجارية واقتصادية بغطاء سياسي وابتزاز محلي يساعد في تقليص عجز الخزينة التي تطمح إلى بلوغ 4,4 في المئة من الناتج الإجمالي عام 2024. وتساهم القارة السمراء في النمو الاقتصادي السنوي بما بين ربع ونصف نقطة، وتمنح فرصا هائلة للشركات الفرنسية في الخارج، وقد لا يستطيع الاقتصاد الصمود طويلا إذا أزيحت فرنسا من أفريقيا. 

المستفيدون الجدد

كان الرئيس الصيني شي جين بينغ يصف الرئيس الغابوني المخلوع، علي بونغو، بصديق الصين القديم، والحقيقة أن العلاقات بين بكين وليبرفيل تطورت كثيرا في السنوات الأخيرة وانتقلت إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وحازت الصين امتيازات في مجال التنقيب واستخراج المنغنيز والأخشاب والنفط، كما حصلت على عقود عمل في مجال البنى التحتية، وأصبحت المزود الثاني بعد فرنسا والزبون الأول للخشب.

لكن خسائر فرنسا السياسية لا تنحصر فقط في الدول التي تشهد انقلابات أو عدم استقرار سياسيا، بل امتدت إلى شمال أفريقيا القريبة حيث تحصل الصين وروسيا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا على عقود عمل واستثمارات ضخمة بعشرات مليارات الدولارات، مما دفع الرئيس ماكرون إلى وصف العلاقات مع دول المغرب العربي بأنها ليست في المستوى الذي يجب أن تكون عليه. وهو يدرك أن الطريق نحو أوروبا يجب أن تمر أولا عبر البحر الأبيض المتوسط.

محمد الشرقي

المصدر: موقع المجلة




رفعوا علمها عقب انتصارات “قره باغ”.. لماذا تزود إسرائيل الأذريين بالسلاح؟

رغم المساندة العسكرية التركية المعروفة، يرفع الجيش والشعب الأذربيجاني الأعلام الإسرائيلية في العروض العسكرية والشوارع، ما يثير تساؤلات عن مدى دعم تل أبيب لباكو في حربها ضد أرمينيا بإقليم قره باغ.

ففي خريف عام 2020، حررت أذربيجان عدة مدن وقرى ومستوطنات من الاحتلال الأرميني خلال 44 يوما من الاشتباكات، وانتهت الحرب بوقف إطلاق النار بوساطة روسية، أعقبه إطلاق محادثات لتطبيع العلاقات.

وحققت أذربيجان هذا النصر بمساندة قوية من طائرات “بيرقدار” التركية المسيرة، لكن رفعت أعلام إسرائيل إلى جانب العلم التركي والأذربيجاني خلال سبتمبر/أيلول 2023 لتثيرر تساؤلات عن مدى حضور تل أبيب.

وفي 19 سبتمبر 2023، أعلنت وزارة الدفاع الأذربيجانية، في بيان، إطلاق عملية ضد الإرهاب “بهدف إرساء النظام الدستوري في إقليم قره باغ”.

وبعد يوم واحد، أعلنت الدفاع الأذربيجانية أن ممثلي السكان الأرمن في قرة باغ تقدموا بطلب عن طريق قوات حفظ السلام الروسية المتمركزة في المنطقة، تم بموجبه التوصل إلى اتفاق لوقف باكو عمليتها ضد الإرهاب في الإقليم.

كما جرى بموجبه كذلك تخلي المجموعات المسلحة الأرمنية غير القانونية والقوات المسلحة الأرمينية الموجودة في قره باغ عن سلاحها، وإخلاء مواقعها العسكرية.

اليهود والسلاح

خبراء وناشطون فسروا رفع أعلام إسرائيل خلال احتفال سكان العاصمة الأذربيجانية بالنصر في قره باغ، بقولهم إن السبب هو أن أذربيجان انتصرت في هذه المعركة واستعادت أرضها “بالسلاح الاسرائيلي”.

أشار لهذا الأمر أيضا الصحفي الفلسطيني المتابع للإعلام العبري أحمد دراوشة عبر تويتر، مؤكدا أن لإسرائيل “حصة” في انتصار أذربيجان الأخير في “قره باغ” لذا من الطبيعي أن يرفع بعض السكان أعلامها، وفق تقديره.

وبين أنه منذ بداية العام 2023، حطّت 15 طائرة نقل في مطار عوفدا العسكري جنوبي إسرائيل، من بين 100 رحلة منذ عام 2016 لشحن الأسلحة الإسرائيلية إلى أذربيجان.

رفع الأعلام الإسرائيلية في العاصمة باكو ذات الأغلبية المسلمة الشيعية، له علاقة بأمرين مهمين.

الأول، أن إسرائيل منذ أن أقامت علاقات دبلوماسية مبكرة مع أذربيجان عام 1992 وهي تركز على الجانب العسكري ومد الأذريين بالسلاح، مستغلة حاجتهم لتحرير أراضيهم التي احتلتها أرمينيا والانفصاليون في قره باغ.

وأن تركيز عين تل أبيب على أذربيجان، له علاقة بالسعي لاستغلال أراضيها الملاصقة لإيران كمركز تجسس على طهران وقاعدة عسكرية تنطلق منها لتنفيذ عمليات استخبارية لتدمير مصانعها الحربية وبرنامجها النووي.

الثاني، أن أذربيجان بها جالية يهودية ضخمة وجزء منهم هاجر لإسرائيل والباقون يشكلون قاعدة دعاية كبيرة لتل أبيب في البلاد.

هذه الجالية اليهودية الأخيرة المتبقية بالقوقاز، في أذربيجان، بالمنطقة المعروفة باسم كراسنايا سلوبودا (المدينة الحمراء) ساعدت على تقوية هذه العلاقات بين الطرفين.

وخلال لقائه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ديسمبر/كانون الأول 2016، أشاد الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف “بالدور الفعال للطائفة اليهودية التي تعيش في أذربيجان في تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين”، بحسب موقع الرئاسة الأذربيجانية.

كما ساعد بتطوير العلاقات، وجود يهود أوروبيين يعيشون في ذلك البلد، معظمهم في باكو، منذ أواخر القرن التاسع عشر، فضلا عن اهتمام تل أبيب بالوجود الديني والقومي في باكو عبر مجموعة “إسرائيل في أذربيجان” على تويتر.

العلاقات العسكرية

في 6 مارس/آذار 2023 كشف تحقيق أجرته صحيفة “هآرتس” العبرية، أنه على مدى السنوات السبع الماضية (من 2016 حتى 2023) هبطت 92 رحلة شحن تابعة لشركة طيران “سيلك واي” الأذربيجانية في قاعدة “عوفدا” الجوية.

و”عوفدا” هو المطار الوحيد في إسرائيل الذي يمكن من خلاله نقل السلاح الإسرائيلي للخارج، ما يشير إلى أنها رحلات لنقل سلاح لأذربيجان.

قالت إنه منذ شهر مارس 2023، جرى تسيير 11 رحلة جوية أخرى إلى أذربيجان، منها 5 رحلات في أسبوعين ليصل إجمالي الرحلات إلى 103 خلال 7 سنوات.

ووجد التحقيق أن عدد الرحلات الجوية ارتفع خلال فترات القتال ضد أرمينيا في قره باغ.

ورغم فرض إسرائيل رقابة عسكرية صارمة على صادراتها العسكرية، فقد كشفت وسائل إعلام عبررية وأجنبية بيع دولة الاحتلال لأذربيجان طائرات مسيرة عادية وأخرى انتحارية، وصواريخ باليستية، ومنظومات دفاع جوي، وتقنيات حرب إلكترونية.

وكان تقرير آخر لصحيفة “هآرتس” 13 سبتمبر 2023 أكد أن الصفقات قديمة وأن إسرائيل وأذربيجان وقعتا صفقة ضخمة عام 2011 بقيمة 1.6 مليار دولار.

وشملت بطارية من صواريخ باراك لاعتراض الطائرات والصواريخ، بالإضافة إلى طائرات بدون طيار من طراز Searcher وHeron من شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI).

ووفقا لتقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) لعام 2022، كانت أذربيجان ثاني أكبر وجهة لصادرات الأسلحة الإسرائيلية بين عامي 2018 و2022.

كما قال المعهد في 30 أبريل/نيسان 2021 إن صادرات إسرائيل الحربية لأذربيجان شكلت 17 بالمائة من إجمالي صادراتها من الأسلحة لذات العام.

وبين عامي 2016 و2020، اشترت أذربيجان 69 بالمائة من أسلحتها من إسرائيل، بحسب ذات المصدر.

وقد لعبت هذه الأسلحة، ولا سيما طائرات Harop الدقيقة بدون طيار وأنظمة اعتراض الصواريخ، دورا مهما في نجاح أذربيجان في حرب قره باغ عام 2020.

وفي هذه الحرب، قال مساعد رئيس أذربيجان، حكمت حاجييف، في مقابلة مع موقع “واللا” الإسرائيلي عام 2020، إن الجيش الأذربيجاني “يستخدم طائرات مسيرة هجومية إسرائيلية الصنع في المعارك”.

وقبل أسبوع من بدء أذربيجان عمليتها العسكرية الأخيرة لاستعادة “قره باغ” كشفت صحيفة “هآرتس” 13 سبتمبر 2023 أن “باكو” اختبرت صاروخا إسرائيليا متقدما، هو “صاروخ باراك-8″، كما زادت عدد رحلات شحن السلاح الإسرائيلي، مع تصاعد التوترات في إقليم قره باغ.

ووقعت أذربيجان عدة صفقات مع شركات صناعية عسكرية إسرائيلية بينها “سولتام” لإنتاج قذائف هاون، ومنصات لإطلاقها، وشركة “تاديران” لتزويدها بوسائل اتصال، وهيئة “رفائيل” للصناعات العسكرية ببيعها قذائف صاروخية.

كما أرسلت هيئة الصناعات العسكرية الإسرائيلية مائة دبابة من طراز “ميركافا” و30 طائرة حربية إلى أذربيجان. وأنشأت فيها خطا لإنتاج الطائرات بدون طيار، وأسلحة مضادة للطائرات، وأنظمة دفاع مضادة للصواريخ.

ووقع الجانبان اتفاقية بشأن مشروع مشترك لصنع طائرات صغيرة بدون طيار، تمتلك الصناعات العسكرية الإسرائيلية 51 بالمئة من أسهمه.

وافتتحت “ألتا سيستمز” أكبر شركة إسرائيلية متخصصة في المعدات الدفاعية الإلكترونية فرعا ضخما لها في باكو يمكنها من التقاط صور بالغة الدقة، في أسوأ الظروف الجوية، وإطلاق نظام قمر اصطناعي يمكنه الوصول إلى محطات مهمة جدا بالنسبة لإسرائيل، خاصة إيران المجاورة.

ويشير تقرير لموقع “إسرائيل ديفنس” 4 ديسمبر 2017 حول الشراكة العسكرية بين باكو وتل أبيب، وآثارها على الأمن الإقليمي أن “الدولة اليهودية تعد الآن واحدة من أقرب الشركاء العسكريين لأذربيجان”.

أوضحت أن إسرائيل “تعد واحدة من أقرب الشركاء العسكريين لأذربيجان، وتعد هدفا لصادرات الصناعة الدفاعية الإسرائيلية. 

ذكرت أن شركات الدفاع الإسرائيلية شاركت في تدريب القوات الخاصة ومهام الحراسة الشخصية لكبار المسؤولين في أذربيجان، وبناء أنظمة أمنية لمطار باكو.

كما عملت على تحديث معداتها العسكرية من الحقبة السوفيتية باعتقاد أن هذه الدولة “تعمل كمركز لعمليات جمع المعلومات الاستخبارية الإسرائيلية ضد إيران”.

قالت إنه نتيجة لمساهمة إسرائيل التي لا يمكن إنكارها في الجيش الأذربيجاني، ظهرت بعض المقالات والبيانات والتعليقات في وسائل الإعلام المحلية تشيد بالشراكة العسكرية الإسرائيلية الأذربيجانية.

ومقابل صفقات السلاح، أظهرت تقارير أن 65 بالمائة من واردات إسرائيل النفطية تأتي من أذربيجان، ويتم نقلها عبر خطوط الأنابيب من باكو إلى جورجيا وجنوب تركيا.

قاعدة ضد إيران

سر حرص تل أبيب على توطيد علاقات إستراتيجية مع أذربيجان ودعمها في حربها ضد أرمينيا هو السعي للاستفادة من حدودها العريضة التي تبلغ 700 كيلو متر مع إيران، عدو إسرائيل الأبرز.

واستغلال هذه الحدود، التي يصعب إحكام السيطرة عليها تماما، لتسريب الجواسيس لإيران لتنفيذ عمليات اغتيال وتخريب لمنشآت الجمهورية الإسلامية.

وكمثال على ذلك، شن الموساد (جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الخارجي) عام 2018 هجوما قرب طهران لسرقة الأرشيف النووي، ويعتقد أن عناصره مرّوا من أذربيجان عبر الحدود باتجاه إيران.

وتطمح إسرائيل في أن تصبح أذربيجان قاعدة متقدمة لها، وتسعى إلى إنشاء قواعد عسكرية ثابتة لها هناك تحل إشكاليات تقنية ولوجيستية، حال قررت شن هجمات جوية في قلب إيران.

وقد أشارت تقارير أجنبية أن أذربيجان سمحت للموساد بإنشاء قاعدة متقدمة على أرضها لمراقبة ما يحدث في إيران، كما أعدت مطارا مخصصا لمساعدة إسرائيل في حال قررت مهاجمة المواقع النووية الإيرانية. 

ففي أبريل 2012، نشرت مجلة “فورين بوليسي” الأميركية تقريرا أشارت فيه إلى أن “إسرائيل وجدت موطئ قدم لها في القواعد الجوية لأذربيجان، ما يقربها، من احتمال ضرب إيران انطلاقا من حدود هذا البلد”.

وعقب صدور تقرير “فورين بوليسي”، نشر موقع “ويكيليكس” برقية مصدرها البعثة الدبلوماسية الأميركية في باكو، ويعود تاريخها إلى 2009، موجهة إلى واشنطن بعنوان: “التعاون الأذربيجاني الإسرائيلي المكتوم”.

وجاء في الوثيقة التي نشرتها صحيفة “هآرتس” حينئذ عام 2012 أن “إسرائيل تستخدم أراضي أذربيجان للتجسس على إيران”.

وعام 2012 نشرت صحيفة “تايمز” البريطانية، تقريرا أوردت فيه شهادة لعميل إسرائيلي يدعى “شيمون”، أكد فيها أن وجود الاستخبارات الإسرائيلية في أذربيجان “هادئ لكنه جوهري وغرضه الاقتراب من إيران بشكل أكبر”.

وفي أبريل 2016، تحدث الخبير الأمني الإسرائيلي في صحيفة “معاريف”، يوسي ميلمان، عما وصفه بـ “العلاقة الغرامية” بين إسرائيل وحليفتها الشيعية (أذربيجان) في بلاد القوقاز، في ظل التعاون الأمني الاستخباري بينهما.

أكد أن هذا التحالف يزداد قوة وأهمية لأن أذربيجان دولة تطل على بحر قزوين، ولديها حدود مع إيران، كما تضم قاعدة كبيرة لجهاز الموساد، يستغل قربها الجغرافي من الجمهورية الإسلامية لتعقب ما يحصل داخلها من تطورات.

وفي تقرير نشرته حول رحلات نقل السلاح من تل أبيب إلى باكو، ذكرت صحيفة “هآرتس” 6 مارس 2023 أن “أذربيجان تعهدت لإسرائيل باستخدام مطاراتها عند الهجوم على منشآت إيران النووية”.

واتهمت إيران أذربيجان أكثر من مرة، خلال السنوات الماضية، بتقديم تسهيلات لجهاز الموساد، ولا سيما فيما يتعلق باغتيال علماء نوويين إيرانيين، وتوجه بعض المنفذين إلى أراضيها، قبل سفرهم إلى إسرائيل.

وقد أكد، أفيدان فريدمان، وهو حاخام أرثوذكسي في إسرائيل لموقع “بلقان سبوت” 24 أغسطس/آب 2023 أن “تل أبيب مصلحة راسخة في الحفاظ على علاقات جيدة مع باكو لأنها تشترك في الحدود مع طهران ولديها مصالح هناك تشمل مخاوف أمنية”.

المراجع:

1 Azerbaijan Tests Advanced Israeli Missile, Cargo Flights Spike, as Nagorno-Karabakh Tensions Mount
2 92 Flights From Israeli Base Reveal Arms Exports to Azerbaijan

إسماعيل يوسف

المصدر: صحيفة الاستقلال التركية