1

اتصالات سرية.. هل تصمد إندونيسا أمام الضغوط للتطبيع مع إسرائيل؟

رغم غياب علاقات ديبلوماسية واقتصارها على تعاملات تجارية وسياحية وأمنية بين إسرائيل وإندونيسيا، إلا أن هذه الدولة المسلمة، تواجه محاذير داخلية صعبة تحول دون ركوب جاكرتا قطار التطبيع مع الكيان الإسرائيلي.

ففي وقت تصف فيه صحف إندونيسية ذهاب جاكرتا لتطبيع العلاقات مع تل أبيب في الوقت الراهن قبل نيل فلسطين استقلالها بأنه بمثابة “انتحار سياسي”، إلا أن إثارة الحديث عنه بين الفينة والأخرى يبدو أمرا معتادا.

إندونيسيا وإسرائيل

وأمام ذلك، أفاد تقرير لصحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، بأن تل أبيب تجري من وراء الكواليس اتصالات سرية مع مسؤولين مهمين في إندونيسيا بخصوص تطبيع العلاقات، وفق تقرير لها نشر بتاريخ 6 سبتمبر/أيلول 2023.

وذكر التقرير أن انتخابات هامة ستجرى في إندونيسيا خلال فبراير/شباط 2024، لاختيار رئيس وبرلمان جديدين، ونتائجها ستحسم إن كانت ستطبع علاقاتها مع إسرائيل.

ولا توجد حاليا علاقات دبلوماسية رسمية بين إسرائيل وإندونيسيا، بل توجد قنوات اتصال مباشرة مع عدة جهات إندونيسية معنية بتعزيز العلاقات، كما توجد بين الطرفين علاقات تجارية وسياحية وتعاون أمني.

وأضاف التقرير أن الأميركيين يعملون من وراء الكواليس لإقناع الإندونيسيين بتطبيع علاقاتهم مع إسرائيل، لافتا إلى أن هناك نقاشا في إسرائيل حول ما إذا كانت إندونيسيا ستطبع العلاقات  قبل السعودية، أو ستفضل التوجه لهذا التطبيع في أعقاب السعودية.

في حين أن “هناك من يأمل بتحركات من جانب جاكرتا تؤدي إلى دفء العلاقات بين الطرفين، وأن هناك مسؤولين إسرائيليين يعبرون عن شكوكهم حيال هذه القضية ويعتقدون أن الإندونيسيين غير مستعدين لذلك”، وفق الصحيفة.

ونقلت الصحيفة العبرية عن مسؤول إسرائيلي (لم تسمه) أن إندونيسيا تخشى من مظاهرات واحتجاجات شعبية، ولذلك ستنتظر أن تفعل قبلها السعودية، موضحا أنه مع التركيبة الحكومية الحالية سيكون من الصعب للغاية دفع الإندونيسيين إلى اتخاذ مثل هذه الخطوة.

ويعود تاريخ مأزق السياسة الخارجية بين إندونيسيا وإسرائيل إلى أربعينيات القرن العشرين.

وفي الواقع فإن إندونيسيا تدعم حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وكانت من أنصار القضية الفلسطينية، ولهذا لم تقم بعد علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

وفي أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان في العالم والبالغ عددهم 280 مليون نسمة، يكاد يكون دعم الدولة الفلسطينية عالميا.

رفض حكومي

ويسترشد الرافضون للتطبيع مع إسرائيل، من ديباجة الدستور الإندونيسي التي تمنع حاملي جوازات السفر الإسرائيلية – حتى لو كانوا فلسطينيين – من زيارة إندونيسيا منذ إعلان الدولة اليهودية استقلالها عام 1948.

أما رسميا، فكثيرا ما أعرب الرئيس الإندونيسي الحالي، جوكو ويدودو، مرارا وتكرارا عن دعمه لإقامة دولة فلسطينية حرة وفقا لما ينص عليه الدستور.

وناضلت إندونيسيا باستمرار من أجل استقلال فلسطين ونددت بوحشية إسرائيل.

وانضم العديد من الأفراد والجماعات إلى العمل الإنساني لمساعدة الفلسطينيين، بما في ذلك إنشاء المستشفيات في الأراضي المحتلة.

ومن الأمثلة الصارخة على التشدد حيال الموقف من فلسطين، رفض الرئيس ويدودو في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عرضا بشكل علني بتقديم واشنطن لإندونيسيا ما يصل إلى 2 مليار دولار كمساعدات تنموية إذا وافقت على الاعتراف رسميا بإسرائيل وفتح علاقات دبلوماسية معها.

لكن ردت جاكرتا بأنها لن تقبل عرض ترمب إلا إذا اعترف بفلسطين كدولة حرة.

ويكاد يكون الموقف من التطبيع بين إندونيسيا وإسرائيل محل نقاش عميق.

إلا أن الجميع متفق على أن الخطوات نحو هذا الأمر الحساس، يجب أن تكون مدروسة نظرا لصلابة الموقف الشعبي الرافض للفكرة قبل حصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة واستعادة أرضهم المحتلة.

فلا يخفى في المشهد السياسي إندونيسيا من وجود آراء متباينة حول الموقف من التطبيع ومدى أهمية ذلك في حضور هذا البلد بالساحة العالمية.

مواقف حاسمة

لكن رغم ذلك، هناك من يرى أن الفكرة شبه “مستحيلة في الوقت الراهن” ومن أبرز علامات ذلك؛ هو رفض جاكرتا إبداء اللين بشأن حضور رياضيين إسرائيليين لبطولات مقامة على أراضيها.

فضلا عن رفض استضافة بطولات بسبب نزول منتخبات إسرائيل بقوائم الدول المشاركة فيها، رغم أن هذا يحرم إندونيسيا من فوائد اقتصادية وسياحية كبيرة من عوائد تلك البطولات.

لكن مرد ذلك، كما تقول صحف محلية إندونيسية، لوجود كتلة صلبة داخل أروقة الحكم تعارض التطبيع، علاوة على وجود قاعدة شعبية دينية عريضة ترفض التطبيع.

ولهذا فإن الحكومة كانت مضطرة لاتخاذ قرار حاسم بمنع الرياضيين الإسرائيليين من الدخول لإندونيسيا للمشاركة في بطولات عالمية.

إذ تدرك جاكرتا أن هناك قوة فعالة للرياضة في تعزيز الاندماج بين الشعوب، ومن هناك تحاول إسرائيل تحقيق خرق في المجتمع الإندونيسي الذي يعطي أهمية كبير لاستضافة دوريات وبطولات عالمية في أكثر من صعيد رياضي.

فبينما يشتهر شعب جزيرة بالي الإندونيسية بالتسامح وكرم الضيافة، فقد رفض حاكمها وايان كوستر في أبريل/نيسان 2023 مشاركة الفريق الإسرائيلي في دورة الألعاب العالمية الشاطئية (النسخة الثانية) لعام 2023، التي كان مقررا إقامتها من 5 إلى 12 أغسطس من العام المذكور.

وقال حينها كوستر لصحيفة “جاكرتا بوست” إن الرياضيين الإسرائيليين غير مرحب بهم، مستشهدا بديباجة دستور البلاد التي تدعو إلى الإلغاء العالمي للاستعمار ودعم قيام الدولة الفلسطينية.

إلا أن المدينة الإندونيسية أعلنت الانسحاب من تنظيم دورة الألعاب العالمية الشاطئية؛ وأرجعت ذلك لكون الحكومة الإندونيسية لم تفرج عن الميزانية المخصصة للألعاب، دون أن تشير صراحة إلى رفض مشاركة اللاعبين الإسرائيليين بالبطولة.

وحينها خرجت متظاهرون إندونيسيون وقاموا بإغلاق طريق مركزي في جاكرتا، ورفعوا الأعلام البيضاء وهتفوا: “الله أكبر” و”إسرائيل، أخرجي من بطولة العالم”.

وكانت الجماعات الإسلامية التي نظمت احتجاجات بجاكرتا في مارس/آذار 2023، أحرقت خلالها الأعلام الإسرائيلية ورفعت لافتات كتب عليها “إسرائيل عدوة الإسلام”.

ورفضت إسرائيل آنذاك إخضاع رياضييها لشروط خاصة طرحها وزير الشباب والرياضة الإندونيسي، ديتو أريوتيجو، في محاولة اللحظة الأخيرة لإنقاذ الألعاب العالمية، مثل اللعب في ملاعب فارغة، أو عدم رفع العلم الإسرائيلي وعدم أداء النشيد الوطني الإسرائيلي المحظور في إندونيسيا.

لكن انسحاب إندونيسيا من هذه البطولة حرمها من استضافة بالي وجزيرتين أخريين لكأس العالم تحت 20 عاما 2023 كانت مقررة في مايو/أيار من العام المذكور.

وعقب ذلك ذكرت مواقع محلية، أن هذا سيؤثر مستقبلا على استضافة البلاد لأحداث رياضية دولية أخرى، بما في ذلك كأس العالم 2034 أو الألعاب الأولمبية 2036.

وغالبا ما يلقى الموقف المتشدد تجاه إسرائيل استحسان الناخبين المسلمين المحافظين هناك، وهم الكتلة الأكثر أهمية في أي انتخابات وطنية.

وذكرت مجلة الأخبار الإندونيسية “تيمبو” في وقت لاحق أن الرئيسة الإندونيسية السابقة، ميجاواتي سوكارنوبوتري، التي ترأس حاليا حزب النضال الديمقراطي الإندونيسي الحاكم – والذي يمثله كوستر – أمرته بحظر الرياضيين الإسرائيليين حتى يتمكن الحزب من تسجيل نقاط في الفترة التي تسبق الانتخابات المقبلة.

إذ يحظى التحرك لمنع الرياضيين الإسرائيليين من المشاركة في الأحداث الرياضية في إندونيسيا بدعم من مجلس العلماء، وهو أعلى هيئة لعلماء المسلمين في البلاد، بالإضافة إلى جبهة المدافعين عن الإسلام القوية، وهي منظمة إسلامية تمثل مجموعة ضغط وتتمتع بحضور بارز على وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها من المنظمات.

انتحار سياسي

وتقول صحيفة “جاكرتا بوست” في تقرير لها نشر في أبريل 2023، إن إسرائيل كثفت جهودها لإقناع إندونيسيا بالتوقيع على اتفاقيات “أبراهام” للتطبيع والتي بدأت تل أبيب توقيعها عام 2020 مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان.

وتضيف أن مثل هذه الاتفاقيات من شأنها أن تعرض جاكرتا لخطر الفوضى السياسية الكبيرة، كون سياستها الخارجية طويلة الأمد متمثلة في دعم استقلال فلسطين.

وصرح وزير تنسيق الشؤون السياسية والقانونية والأمنية، محفوظ إم دي، أخيرا بالقول: “ليس لدى إندونيسيا علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وسيظل الأمر كذلك حتى تتحرر فلسطين”.

وضمن هذه الجزئية تصف الصحيفة هذه السياسة بـ”الكسولة كونها تهدر فرصة إندونيسيا للعب دور في التفاوض على حل الدولتين، الذي تؤيده”.

وهناك في إندونيسيا من يدفع لتفتح الحكومة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، ويبرر هؤلاء مثل نائب الرئيس السابق يوسف كالا بقوله “إن ذلك يمكن جاكرتا من العمل كوسيط بين إسرائيل وفلسطين”.

لكن هناك من يرد على هذه الدعوة بالقول، بالنسبة للمسلمين الإندونيسيين، المعتدلين والمحافظين على حد سواء، طالما أن الشعب الفلسطيني مضطهد من قبل الإسرائيليين، فإنهم لن يؤيدوا فتح علاقات مع إسرائيل، وفق ما ذكر تقرير لصحيفة “جاكرتا بوست” في 24 أغسطس/آب 2022.

وتضيف الصحيفة، أنه ليس من الواضح لماذا أثار كالا، رجل الأعمال والسياسي ورئيس مجلس المساجد الإندونيسي (DMI) والصليب الأحمر الإندونيسي (PMI)، هذه القضية الحساسة سياسيا في هذه اللحظة.

وراحت تقول: “ربما يحظى كالا بدعم حكومي، رغم أن الرئيس ويدودو لن يقبل الفكرة أبدا، لأن قول أي شيء جيد عن إسرائيل سيكون انتحارا سياسيا”.

كما أنه “من غير المتصور تقريبا أن تفكر الحكومة الحالية في فتح علاقة رسمية مع إسرائيل، إذ أنه حتى الآن تمر العلاقات التجارية والدفاعية بين البلدين عبر طرف ثالث”.

وزادت بالقول إن “فكرة كالا عن إسرائيل تستحق الدعم، لكن إندونيسيا لا يمكنها فتح علاقات دبلوماسية مع إسرائيل إلا بعد إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وهو أمر شبه مستحيل حتى الآن”.

وزار كالا الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل وأكد أنه التقى بمسؤولين إسرائيليين وفلسطينيين بصفته الشخصية.

وسبق أن التقى بصفته نائبا للرئيس، برئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2018.

إندونيسيا عنيدة

وكان الرئيس الرابع لإندونيسيا، عبد الرحمن جوس دور وحيد، من أشد المؤيدين لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ولم يتردد أبدا في إظهار موقفه.

وتواصل وحيد مع القادة الإسرائيليين، ومن بينهم شمعون بيريز، وبصفته رئيسا سابقا لأكبر منظمة إسلامية في البلاد “نهضة العلماء”، كان بإمكان وحيد تجنب أي رد فعل عنيف من الجماعات المناهضة لإسرائيل، لكنه ما زال غير قادر على تحقيق فكرته.

وضمن هذا الإطار، يقول الخبير في الشؤون الإندونيسية، جيورا اليراز، خلال مقابلة مع قناة “كان” العبرية في 21 مارس/آذار 2023 إن “إندونيسيا مقارنة مع دول عربية أكثر عنادا بكل العوامل المرتبطة بالاتصال السياسي”.

ومضى يقول: “الشارع هناك يشتعل حول كل ما يجري في إسرائيل والضفة وغزة. يوجد هناك جهات إسلامية ناشطة جدا، كما أن طبيعة النظام الذي يتمتع بخط ديموقراطي، يتيح للمجال العام أن يكون مشتعلا”.

وتوجد علاقات تجارية غير رسمية بين إسرائيل وإندونيسيا، ويشير موقع مكتب التجارة إسرائيل-إندونيسيا إلى أن “المواطنين الإسرائيليين لن يكونوا قادرين على الحصول على تأشيرات سياحة للأفراد، إنما تأشيرات تجارية لإندونيسيا فقط. يوجد عدد من وكالات السفر القادرة على توفير تأشيرة سياحية جماعية للإسرائيليين”.

ومن صور الممانعة الداخلية للتطبيع مع إسرائيل، دعت جمعيات إسلامية في إندونيسيا في 10 فبراير/شباط 2022 إلى إغلاق المعرض الأول للهولوكوست في البلاد، متهمة إياه بأنه “جزء من محاولة لتطبيع علاقات البلاد مع إسرائيل”.

وجرى إطلاق المعرض في اليوم الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، في 27 يناير/ كانون الثاني 2022، داخل الكنيس اليهودي الوحيد في إندونيسيا والواقع في مقاطعة شمال سولاويزي.

وسبق أن زارت بعثة إسرائيلية تضم مستثمرين، وخبراء تكنولوجيين ومسؤولين تجاريين في يوليو/تموز 2022 إندونيسيا.

وذكرت وقتها صحيفة “إسرائيل هيوم” أن هدف الزيارة كان التعرف على إمكانات هذه الدولة للعلاقات مع إسرائيل، عن طريق الاستثمارات، والمشاريع والشركات الناشئة ومبادرات التأثير الاجتماعي.
تحميل

 المصادر:

1 تقرير: إسرائيل تجري اتصالات سرية مع أندونيسيا
2 Ban on Israelis could see Indonesia lose World Beach Games
3 الأرجنتين تطلب استضافة كأس العالم تحت 20 عاما بدلا من إندونيسيا والفيفا يرحب
4 Diplomatic ties with Israel unimaginable for Indonesian Muslims

المصدر: صحيفة الاستقلال التركية




صفقة سرية.. ماذا وراء التسليح الأميركي الإسرائيلي لقوات أمن سلطة عباس؟

بشرط استخدامها ضد المقاومة الفلسطينية، زود جيش الاحتلال الإسرائيلي، سلطة محمود عباس بـ 1500 قطعة سلاح، ضمنها بنادق إم 16 تعمل بالليزر.

وكشفت إذاعة جيش الاحتلال 13 سبتمبر/أيلول 2023 أن إسرائيل سمحت بتزويد السلطة بهذه الأسلحة بشرط استخدامها ضد مقاتلي حركتي المقاومة الإسلامية حماس والجهاد الإسلامي.

“دورون كادوش” المراسل العسكري لإذاعة “چالاتس” العسكرية الإسرائيلية كشف تفاصيل الصفقة، مؤكدا أن شرط إسرائيل “أن تُظهر السلطة قدرة على ضرب المقاومة، تحديدا في جنين (شمال الضفة الغربية) وأن تكثف التعاون الأمني”.

صحيفة “هآرتس” العبرية كشفت أيضا في 13 سبتمبر 2023 نقلا عن مصادر فلسطينية وإسرائيلية أنه “جرى توفير مركبات مدرعة أميركية للسلطة بموافقة إسرائيل”.

أكدت نقل هذا السلاح من قواعد أميركية في الأردن، عبر معبر اللنبي، بموافقة إسرائيلية، وجرى تسليمه لـ “الأمن العام ومكافحة التجسس والشرطة” الفلسطينية في الضفة الغربية التي انتعشت فيها المقاومة ضد الاحتلال.

وقالت مصادر سياسية في تل أبيب لموقع “نيوز 1” العبري 13 سبتمبر 2023 إن إدارة الرئيس جو بايدن مارست ضغوطاً كبيرة على إسرائيل للموافقة على هذه الخطوة.

وبينت أنه كان على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الموافقة نظراً لقرب لقائه مع بايدن في نيويورك، وحتى لا تتهمه الإدارة الأميركية بإضعاف السلطة الفلسطينية. 

فور الإعلان عن هذه التفاصيل، انقسم الإسرائيليون بين فريق مؤيد لتسليح السلطة الفلسطينية وتقويتها كي تتصدي للمقاومة التي تقودها فصائل إسلامية في الضفة الغربية، وتسعي لنقل تجربة غزة لرام الله، ورجحوا أنه اتفاق سري جرى تسريبه.

فيما صرخ فريق آخر، يقوده اليمين اليهودي المتطرف الذي يمثله عدة وزراء في حكومة بنيامين نتنياهو وهددوا بإسقاط الحكومة.

خرج نتنياهو لينفي توريد سلاح للسلطة الفلسطينية، كما نفت ذلك الحكومة الأميركية التي قيل إنها هي التي وردت هذه الأسلحة، ضمن قرارات قمتي العقبة وشرم الشيخ، فبراير/شباط ومارس/آذار 2023، للتصدي للمقاومة.

وقال مسؤولون أمنيون فلسطينيون إن السلطة طلبت الأسلحة والمعدات بالفعل منذ أكثر من عام، لكن إسرائيل رفضت في الماضي، ثم سمحت عقب توصيات اتفاقي العقبة وشرم الشيخ، ونفى بعضهم وصول سلاح جديد لهم.

تفاصيل السلاح

لم تكن الصفقة، وفق وسائل الإعلام العبرية، تقتصر على نقل معدات عسكرية تشمل أسلحة وعدة عربات مدرعة إلى السلطة لدعم أجهزتها الأمنية في مواجهة المقاومة المتصاعدة ضد الاحتلال في الضفة فقط، وكانت إسرائيل على علم بها.

مصادر فلسطينية مطلعة قالت لصحيفة “القدس” المحلية، في 13 سبتمبر 2023 إن “الشحنة جرت بموافقة إسرائيل، وبمساعدة الأردن”.

وستستخدمها عدة فروع تابعة لقوات أمن السلطة الفلسطينية، في محاولة لاستعادة السيطرة على مناطق في الضفة الغربية أصبحت بؤراً لنشاطات مسلحة ضد الاحتلال.

صحيفة “يسرائيل هيوم” نقلت 12 سبتمبر 2023 عن مصادر فلسطينية أنه تم تزويد أجهزة أمن عباس أيضا بوسائل تكنولوجية متقدمة لتحسين قدراتها الاستخبارية.

أكدت تدريب “وحدة إلكترونية فلسطينية خاصة”، لمكافحة المحتوى المؤيد للمقاومة، واختراق التنظيمات خاصة في جنين ونابلس، بحسب مصدر فلسطيني تحدث لـ “يسرائيل هيوم”.

وقال المصدر إن هذا يمكن أن يسهل مهام قوات الأمن التابعة للسلطة، ويمنحها الأدوات اللازمة لتتبع المسلحين واعتقالهم.

وتابع: “تهدف هذه الإجراءات إلى تعزيز السلطة في حربها ضد حماس والجهاد وفصائل المقاومة في الضفة الغربية”.

الصحيفة أشارت إلى أن “المعدات الجديدة ستسمح للأجهزة الأمنية بتنفيذ عمليات تجسس وجمع معلومات استخباراتية، عبر اختراق الهواتف المحمولة التابعة لشركات الخلوي الفلسطيني.

وسيدرب خبراء أردنيون وأميركيون أعضاء الوحدة السيبرانية في السلطة، على كيفية استخدام الأجهزة، في مقر الأمن الوطني الفلسطيني (بيتونيا) لأن الوحدتين التكنولوجيتين المتوفرتين لدى أمن عباس حاليا غير كافيتين وضعيفتان مهنيا.

وكانت هذه التقنيات ممنوعة على الفلسطينيين في السابق بقرار إسرائيلي، خوفًا من استخدام الأجهزة الأمنية لها في كشف عملاء الشاباك (جهاز الأمن العام)”.

وخلال الشهور الـ 18 الماضية، نشر مقاومون شبكة متطورة من الكاميرات في مدينتي جنين ونابلس، مما سمح لهم بمراقبة تحركات قوات جيش الاحتلال وأمن السلطة على مدار الساعة، لذلك ستعمل المعدات الجديدة على اقتحام هذا النوع من أنظمة الكاميرات أيضًا.

وكان نتنياهو ووزير جيشه يوآف غالانت كشفا، وهما ينفيان توريد أسلحة جديدة للسلطة الفلسطينية، أنه تم بالفعل إدخال 10 مدرعات أميركية لها كانت قد وافقت عليها الحكومة السابقة.

صفقة سرية

إثر الكشف عن صفقة مد السلطة الفلسطينية بأسلحة أميركية بموافقة إسرائيل ومصر والأردن للتصدي للمقاومة، هدد وزيران متطرفان نتنياهو بعواقب وخيمة، بحسب صحيفة “يديعوت أحرونوت” 14 سبتمبر 2023.

الوزيران اليمينيان بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير زعما أن هذه الخطوة جرت من دون علمهما، واتهما نتنياهو بالتخطيط لوضع أسس حكومة بديلة مع زعيم حزب “أبيض – أزرق” ووزير الجيش السابق “بيني غانتس”.

مكتب وزير المالية سموتريتش قال إن تسليم الأسلحة إلى السلطة الفلسطينية وخطوات التسوية بشأن ما يسمى “الإصلاح القضائي” في مقر إقامة رئيس الدولة الإسرائيلية هما “بمثابة دُفعة (من نتنياهو) إلى بيني غانتس لتأليف حكومة معه تسعى لإحياء اتفاق أوسلو للسلام.

وقال وزير الأمن القومي بن غفير في بيان صادر عنه، مخاطباً نتنياهو: “إذا كانت نيتك محاولة تأليف حكومة أوسلو 2، فيُرجى تبليغ وزرائك والجمهور لكي نتمكن من التصرف وفقاً لذلك”.

لكن نتنياهو رد نافيا تسليم أسلحة للسلطة الفلسطينية، ثم أقر بتسليم مركبات مدرعة، قائلا إنه جرى الاتفاق عليها مع الحكومة السابقة (حكومة نفتالي بينت – يائير لابيد) في يناير/كانون الثاني 2022، عندما كان غانتس وزيراً للجيش.

كما نفى وزير الجيش الحالي يوآف غالانت تسليم أسلحة إلى السلطة الفلسطينية خلال توليه المنصب.

لكن مكتبه، اعترف أنه جرى نقل 10 مدرعات أميركية للسلطة الفلسطينية، وسيتم في المستقبل نقل وسائل لتفريق المظاهرات، من أجل السماح لقوات عباس بالتحكم في جنين ونابلس.

أيضا نفت إدارة بايدن أنها أرسلت أسلحة أو ذخيرة إلى قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية.

كما نفى المتحدث باسم الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، طلال دويكات، التقارير الإعلامية عن حصولهم على معدات أمنية عبر إسرائيل.

لكنه أكد أن للسلطة الفلسطينية الحق في الحصول على أي معدات تحتاجها للقيام بعملها الطبيعي، بحسب موقع “ميديا لاين” الأميركي 13 سبتمبر 2023.

ويبدو أن الصفقة كانت “سرية” باتفاق خاص بين مصر والاردن وأمريكا وحكومة نتنياهو والسلطة الفلسطينية، لكن مصادر في اليمين الإسرائيلي المتطرف داخل الحكومة سربتها للصحف.

“مسؤول أمني” إسرائيلي قال ​​في حديث مع القناة 12 العبرية: “لا يوجد شيء اسمه عدم إدخال أسلحة للسلطة، من المستحيل الإمساك بالعصا من كلا الطرفين، فلا يُعقل أن تطلب منهم العمل ضد منظمات المقاومة ثم لا تزودهم بالأدوات والذخيرة”.

قال إن المنظومة الأمنية للاحتلال لا تدعم ​​هذه الخطوة فحسب، بل تفكر أيضًا في اتخاذ وسائل مساعدة إضافية للسلطة.

وأشار إلى أن الـ 8 مدرعات التي نقلها الأميركان وبموافقة إسرائيلية إلى السلطة الفلسطينية، تهدف للسماح لأجهزة الأخيرة بالعمل في نابلس وجنين تحت النار وفقا لمصلحة إسرائيل، وبطلب أميركي يصعب رفضه.

وأوضح “يارون أبرهام” محلل الشؤون السياسية في القناة (12 N) أن أحد محاضر جلسة للجنة الخارجية والأمن في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) التي كشفت عقب الخلاف الإسرائيلي الداخلي حول نقل المعدات جاء فيها على لسان المسؤولين: “السلطة في رام الله حيوية لنا ونحن بحاجة إليها، وممنوع أن نسمح لها بالانهيار”.

ايضاً اقتبس أبرهام من محضر لجلسة كابينت سابقة جاء فيه: “في ظل عدم وجود تغيير في تقديرات إسرائيل، سنعمل على منع انهيار السلطة في رام الله”.

سبب القلق

سر القلق الصهيوني من تزويد السلطة الفلسطينية بأي أسلحة أو مدرعات جديدة هو الخوف من أن يسيطر المقاومون من حماس والجهاد على هذه المعدات والزحف بها نحو المستوطنات القريبة وتنفيذ عمليات.

الكاتب الصهيوني “جوناثان بولارد” لخص في مقال نشره بصحيفة اليمين المتطرف “إسرائيل هيوم” 12 سبتمبر 2023 المخاوف من نقل سلاح ومدرعات لمساعدة السلطة الفلسطينية، بتأكيده على خطورة استيلاء حماس عليها.

وأردف: “إذا جرى اختطاف واحدة أو أكثر من هذه المركبات المدرعة المنقولة من قبل هؤلاء الذين يرتدون الزي الرسمي للشرطة الفلسطينية ويعتنقون فكر المقاومة، واستخدامها لاقتحام مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية، حينها ستحدث مذبحة بحق مواطنينا في المستوطنات”.

قال أيضا: “لنفترض أن السلطة الفلسطينية كانت تحاول اقتحام منطقة يقطنها مقاومون بقوتها المدرعة الجديدة وجرى الاستيلاء على واحدة منها من جانب المقاومين وتوجهت لضرب المستوطنات”.

زعم أن “كل الأسلحة التي قدمتها إسرائيل للسلطة الفلسطينية تحولت في نهاية المطاف ضدنا، ومن المحتمل أن يحدث نفس الشيء مع هذه المدرعات”.

وبين أن عدد المقاومين “الذين يخدمون في قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية ارتفع بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية”.

عضو لجنة الخارجية والأمن، في الكنيست “داني دانون” قال أيضا لصحف عبرية: “لا يجوز الوثوق بالسلطة الفلسطينية في أي شيء، ومن الواضح لنا أنه إذا مر مسدس أو رصاصة، فلا نعرف إلى أين سينتهي به المطاف”.

وتابع: “لقد شهدنا محدودية قدرة السلطة على مكافحة المقاومة بالضفة، وكانت هناك حالات كثيرة نفذ فيها عناصر من الشرطة الفلسطينية عمليات، ولهذا نقول إننا لن نعتمد إلا على أنفسنا”.

وتصاعدت العمليات الفلسطينية خلال العام الأخير ضد الاحتلال في مدينتي نابلس وجنين شمال الضفة الغربية، في وقت تتهم إسرائيل عباس بمشاركة قواته بتنفيذ بعضها أو عدم سيطرتهم على السلاح الخاصة بهم ووقوعه في أيدي المقاومية.

سر التسليح

حين عُقدت قمتا “العقبة” في الأردن 26 فبراير 2023، ثم “شرم الشيخ” في 19 مارس 2023 كان هدفهما المعلن هو بحث الاعتداءات الإسرائيلية على مدن الضفة الغربية، وما يسمي “تصاعد العنف (أي المقاومة) هناك”.

لكن هدفهما الفعلي كما ظهر من تصريحات الإسرائيليين والأميركان كان تصفية الفدائيين الإسلاميين من حماس والجهاد في نابلس وجنين عن طريق دعم سلطة رام الله بسلاح أقوى، وبمباركة مصر والأردن وأميركا وإسرائيل.

كان هدف القمتين الواضح هو بحث تطبيق خطة جديدة للجنرال الأميركي “مايك فينزل” الخاصة بتجفيف بيئة المقاومة عبر عمل عسكري ضد الشباب المقاوم، بدلا من خطة “دايتون” للتنسيق الأمني فقط بين الاحتلال وإسرائيل.

وشجع وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على “قبول وتنفيذ الخطة الأمنية” التي صاغها المنسق الأمني مايك فينزل، حسبما أفاد موقع “أكسيوس” الأميركي في فبراير 2023.

لكن قيل إن عباس تردد في قبول الخطة التي وضعتها إدارة بايدن لمحاربة المقاومة في الضفة الغربية، عبر إنشاء قوة فلسطينية خاصة لمحاربة المقاومة خشية أن تظهره كمقاول لإسرائيل لقمع شعبه، واقترح دعم أكبر لقواته عسكريا.

والسبب أنه “يخشى أن تؤدي حرب السلطة الفلسطينية ضد الجماعات المسلحة في الضفة الغربية، إلى إثارة غضب الشارع وتقود إلى حرب أهلية من شأنها زعزعة استقرار حكمه”، بحسب موقع “نيوز 1” الإسرائيلي 13 سبتمبر 2023.

وقد أشارت مصادر لصحيفة “جيروزاليم بوست” 12 سبتمبر 2023 أن الجانب الأميركي تفهم مطالب السلطة بهذا الشأن وعمل على تزويدها بالمعدات اللازمة سواء مدرعات أو أسلحة آلية حديثة بالليزر لاستخدامها في المداهمات والاشتباكات مع الخلايا المسلحة.

وقد أوضح “دورون كادوش” مراسل إذاعة “چالاتس” أن تزويد السلطة بالسلاح هو ترجمة لاجتماعي “العقبة” و”شرم الشيخ”، بمشاركة مصر والأردن.

إذ جاءت الموافقة على نقل السلاح للسلطة عقب قمتي العقبة وشرم، بعد حوار أجري مع منسق العمليات الإسرائيلي في الضفة.

وقال مسؤولون أمنيون إسرائيليون للإذاعة العبرية إن هذه خطوة ضمن سلسلة خطوات إضافية يجري دراستها لصالح تقوية السلطة الفلسطينية، لكن بموجب شرطين.

الأول، أن تُظهر السلطة “إنجازات عملية” ضد المقاومين في الضفة، وخاصة في جنين، والثاني أن تعمل على تقوية التنسيق الأمني.

وذكر مسؤولون أمنيون إسرائيليون لصحيفة “هآرتس” 13 سبتمبر 2023 أن “تقديم الدعم المادي للسلطة الفلسطينية في مصلحتنا” لأنه “يعد أيضًا المفتاح المحتمل للتطبيع مع المملكة العربية السعودية”.

وقد أشار لهذا الصحفي الإسرائيلي في موقع أكسيوس، باراك ريفيد، مؤكدا أن بلينكن قال في مقابلة مع بودكاست Pod Save The World إن قادة السعودية أخبروه أنه “من المهم بالنسبة لهم أن يكون لأي اتفاق تطبيع مع إسرائيل تأثير على الفلسطينيين”.

وقال الصحفي الإسرائيلي إن بلينكن أوضح هذه الأمور ليبين أن وجود “مكون فلسطيني” في اتفاق التطبيع مع إسرائيل ليس طموحا أميركيا فحسب، بل مطلب سعودي أيضا”.

وأضاف أن “الصراع حول توريد المركبات المدرعة لأجهزة الأمن الفلسطينية يبين مدى صعوبة أو استحالة تقديم الحكومة الإسرائيلية الحالية تنازلات من هذا النوع للسعودية”، ومن ثم تسهيلها التطبيع.

إسماعيل يوسف

المصدر: صحيفة ااستقلال التركية




تضم قبور الصحابة وشاهدة على تاريخ ليبيا.. قصة مدينة درنة المنكوبة

تعرضت مدينة درنة، “عروس ليبيا” و”درة البحر المتوسط”، كما وصفها الرحالة الدانماركي “كنود هولومبو” في كتابه “رحلة في الصحراء الليبية” إلى إعصار مدمر أحالها إلى ركام.

ففي 10 سبتمبر/ أيلول 2023، ضرب إعصار “دانيال” شرق وشمال ليبيا، ودمر ربع درنة تقريبا، لتصبح المدينة في خبر كان بحسب وسائل إعلام محلية ودولية. 

وفي 13 سبتمبر أعلنت حكومة الوحدة الوطنية، أن عدد القتلى في درنه تجاوز 6 آلاف شخص، في ظل تقديرات بأن نحو 10 آلاف آخرين ما زالوا في عداد المفقودين بينما تقل احتمالات العثور على ناجين.

وفتحت تلك النكبة التساؤلات عن درنة وتاريخها العريق وخصوصيتها الجغرافية والدينية الفريدة.

حاضرة الشرق

درنة تقع على الشريط الساحلي الشمالي الليبي بين البحر المتوسط والطرف الشرقي للجبل الأخضر، وهي إحدى مناطق الغابات والزراعة القليلة في البلد الصحراوي الممتد.

قال في وصفها الرحالة الدانماركي “كنود هولومبو” إن “درنة تمتلك أصفى وأنقى وأطيب المياه في إفريقيا الشمالية كلها، وأراضيها مغطاة ببساط كثيف من الحشائش والأعشاب وتتألق فيها الأزهار الجميلة”.

فيما ذكرها علي فهمي خشيم، أحد رموز الفكر والأدب الليبي، في كتابه “قراءات ليبية”، عندما تحدث عن معناها، وقال: “أما دارنس، فهي مدينة درنة الحالية، وهي كلمة ليبية أيضا تعني (بين الجبال) أو (وسط الجبال)، كما هو موقعها”.

يصل عدد سكانها زهاء مئة ألف نسمة وتشتهر بمناظرها الطبيعية الخلابة ووديانها الخضراء.

شيدت المدينة على طول وادي درنة، وهو نهر سريع الزوال يجف غالبية أيام السنة، وعلى مدار التاريخ تعرضت المدينة لكوارث وأضرار متكررة بسبب الفيضانات.

وكان هذا هو السبب الرئيس لبناء سدي أبومنصور ودرنة في أعلى المدينة، للسيطرة على تآكل التربة ومنع الفيضانات.

وكلا السدين دمرته عاصفة البحر الأبيض المتوسط ​​”دانيال” الأخيرة، وتسبب في تضاعف الكارثة، وموت آلاف البشر.

مقر إستراتيجي

عرفت درنة ذات يوم بأنها من أهم موانئ البحر المتوسط ​​في العالم القديم لليونانيين والرومان.

ولذلك فإن المدينة موطن لأشخاص من أصول مختلطة، ففي عام 1493 جرى توطين الأندلسيين المطرودين من إسبانيا في موقع المستوطنة القديمة بالمدينة.

وخلال العصر العثماني، كانت مقرا إستراتيجيا للجيش العثماني في الشمال الإفريقي، وأصبحت واحدة من أغنى المناطق في الأقاليم التابعة للدولة آنذالك.

وباتت المدينة غنية بالموارد وقتها اعتمادا على الهجوم على السفن الصليبية في البحر المتوسط.

كان عام 1800 مشهودا في تاريخ المدينة، حيث فشلت قوة فرنسية في إسقاط درنة، التي حققت انتصارا قويا على فرقة من جيش نابليون. 

لكن عام 1805، شهدت المدينة معركة درنة الشهيرة، وهي أول انتصار يحققه جيش الولايات المتحدة على أرض أجنبية بعد استقلالها عن بريطانيا.

ووقعت هذه الحرب بسبب الهجمات على السفن الأميركية في المتوسط، ومطالبتها من قبل الليبيين بدفع أتاوات مقابل السماح لها بالملاحة. 

مدينة الصحابة

وكتب أستاذ الأخلاق السياسية في قطر محمد مختار الشنقيطي، عبر حسابه بمنصة “إكس” يرثي المدينة عقب الإعصار المميت، قائلا: “درنة الليبية، مدينة القرآن الكريم، ومدفن الصحابة، ومأوى المقاومة، نزل بها إعصار دانيال، فهد أركانها، ودمر عمرانها، ومسح معالمها”.

وأضاف: “رحل أهلها معا بالآلاف شهداء عند ربهم، يشكون الضيم السياسي، والإهمال في التخطيط الحضري. درنة تستغيث فهل من مغيث؟!”.

وتضم درنة جامع الصحابة وقبور 73 صحابيا دخلوا المدينة للدفاع عنها ضد غزو الروم في الثلث الأخير من القرن الأول الهجري.

ومن أشهر الصحابة المدفونين في “درنه” الصحابي الجليل زهير بن قيس البلوي، وقد شهد فتح مصر تحت لواء عمرو بن العاص ثم استخلفه عقبة بن نافع على القيروان.

وقد قتل في مدينة درنة رفقة 70 من أصحابه وهم يقاتلون جيشا من الروم، ودفنوا هناك وأصبحت مقابرهم مزارا لأهل ليبيا وكثير من المسلمين. 

ومع ذلك ترتبط “درنة” أيضا بالتاريخ المسيحي، حيث يعتقد أن “مرقس” شخصية مهمة عند أتباع الديانة المسيحية، كان يختبئ في وديانها، ليكتب الإنجيل المعروف باسمه.

وعندما شهد حوض البحر الأبيض المتوسط في القرن الأول الميلادي الأحداث الدامية، باضطهاد الرومان واليهود للمسيحيين في كل مستعمرات الإمبراطورية الرومانية، لم تكن درنة بعيدة عن ذلك، كما توحي الآثار داخل الأودية الساحلية، التي تكاد لا تخلو من نقوش ترجع إلى تلك الحقبة. 

تاريخ من الكوارث

وفي 12 سبتمبر 2023، تحدث المؤرخ الليبي فرج داود الدرناوي، لوكالة “الأناضول” التركية الرسمية، عن تاريخ الكوارث الطبيعية التي حلت بـ “درنة”. 

وقال: “وادي درنة هو أشهر واد في ليبيا وأبرز معالم المدينة إلا أنه في ذات الوقت يشكل مصدر خطر دائم على السكان لكونه سبق أن تسبب في كوارث مشابهة لما يعيشه السكان اليوم جراء إعصار دانيال”.

وتحدث عن عام 1941، عندما حدث فيضان كبير في وادي درنة وضرب المدينة وجرف من قوته دبابات وآليات حربية ألمانية إلى البحر.

وأضاف الدرناوي: كان ذلك أثناء الحرب العالمية الثانية، لذلك لم يتحدث أحد عن الأضرار البشرية التي وقعت آنذاك مع الجزم أنها كانت كبيرة.

كما تحدث عن عام 1959، حيث ضرب فيضان كبير آخر المدينة، بسبب ارتفاع مستوى المياه في الوادي، وأوقع قتلى ومصابين بالمئات ودمر العديد من المنازل. 

وأتبع أن من شدة قوته حركت المياه المندفعة الصخرة الكبيرة في درنة، المعروفة بصنب الزيت، إلى مسافة كبيرة من منطقة عين البلاد حتى وسط المدينة.

وسجل المؤرخ الليبي فيضانات أخرى بسبب وادي درنة وقعت بين عامي 1968 و1969 لكنها لم تسجل أضرارا كبيرة وقتها. 

درنة والقذافي 

بالانتقال من الكوارث الطبيعية إلى السياسية، فقد عاشت المدينة أياما عصيبة خلال فترة حكم العقيد معمر القذافي (1969 إلى 2011). 

كانت المدينة توصف بأنها أكبر المدن الليبية ذات الطبيعة الإسلامية، ومعقلا قويا للمعارضة الإسلامية المناهضة للقذافي.

وفي عام 1995 عاد إلى درنة مجموعة من المقاتلين الليبيين الذين شاركوا في محاربة الغزو السوفيتي لأفغانستان.

وأعلنوا رسميا عن تأسيس الجماعة الليبية المقاتلة، والتي تسعى إلى إسقاط نظام العقيد المخلوع معمر القذافي.

تسبب ذلك في حملة أمنية قمعية شنها القذافي على المدينة، وصل إلى قصفها بالطائرات، واستهداف المدنيين. 

وجرى اعتقال عدد كبير من أهالي المدينة وسيقوا إلى سجن “بوسليم” المركزي بالعاصمة طرابلس، وتم تعذيبهم وارتكبت بحقهم انتهاكات واسعة. 

لكن في عام 1996 ارتبطت المدينة بواحدة من أسوأ المذابح في تاريخ ليبيا الحديث، وكانت داخل سجن “بوسليم”، حيث حادثة القتل الجماعي التي ارتكبتها قوات الأمن الليبية بحق سجناء درنة لاحتجاجهم على سوء الأوضاع. 

وقتل في المذبحة قرابة 1300 معتقل من أهالي درنة، رغم أنه كان جاريا التفاوض معهم، بواسطة عبد الله السنوسي صهر معمر القذافي ورئيس مخابراته آنذاك. 

لذلك لم يكن غريبا الدور الذي لعبته المدينة في اندلاع ثورة فبراير/شباط 2011 وإسقاط معمر القذافي.

وكانت درنة من أوائل المدن التي تحررت من قبضة نظام القذافي ودعمت الثورة في باقي مناطق الشرق الليبي.

دواد علي

المصدر: صحيفة الاستقلال التركية