أسأل طفلي أسبوعياً عن موضوع خطبة الجمعة، فتارة يجيبني بأن خطيب الجامع تحدث عن الأمانة وعدم السرقة، ومرات أخرى يقول إنه تناول الطلاق وبر الوالدين والإيمان والرضا بالقضاء والقدر.
خطر على ذهني أن أسأله ذات مرة عن قضايا الوعي البيئي، فقلت له: “هل تحدثت خطبة الجمعة عن البيئة اليوم؟ بمعنى أنه يجب علينا المحافظة على البيئة وعدم تدميرها؟”، فكان الجواب أنه قلما يستمع إلى تلك الموضوعات المختصة بالوعي البيئي، أو ربما لم يستمع إليها يوماً في المسجد.
من هذا المنطلق يحكي معتز مختار وهو مخرج تلفزيوني لرصيف22: “تتعدد موضوعات وقضايا خطبة الجمعة ما بين فضل الاستغفار، وعقوبة تارك الصلاة، وكيفية الابتعاد عن ارتكاب المعاصي. لكنني ألاحظ ابتعادها كلياً عن القضايا البيئية، فهي غير مدرجة باستمرارية كبقية الموضوعات الأخرى”.
هل تحدثت خطبة الجمعة عن البيئة اليوم؟
جهل بأهمية القضايا البيئية
في إطار هذا السياق، توضح آمنة نصير، أستاذة الفلسفة والعقيدة في كلية الدراسات الإسلامية في جامعة الأزهر سابقاً لرصيف22: “من وجهة نظري، يعتبر عدم الاهتمام بقضية التغير المناخي حولنا وعدم إدراجها ضمن خطبة الجمعة الأسبوعية بتوازن واستمرارية، جهلاً بأهمية البيئة المحيطة بنا وقيمتها لحماية الإنسان، وقد تحدثت عن تلك القضية منذ عشر سنوات في كتاب بعنوان ‘الإسلام وحماية البيئة’، وأشرت إلى أن البيئة إذا أضر الإنسان بها وأخل بتوازنها، أضرّت به بدورها. ويضم الكتاب فصولاً عديدة، كتنظيم الإسلام لقوانين حماية البيئة وتوزيع ثرواتها”.
أما عن الزاوية الخاصة بضرورة إدراج قضية الوعي البيئي ضمن خطبة الجمعة الأسبوعية، توضح نصير: “لا بد أن تبذل وزارة الأوقاف جهوداً لتجديد الخطاب الديني، عن طريق تغيير الموضوعات التقليدية المعتادة، وإدراج الوعي البيئي وإعطائه أولوية بقدر تلك الموضوعات بل بقدر مضاعف، إضافة إلى تنبيه أئمة المساجد حول أهمية التحدث عن الشؤون البيئية بشكل مكثف وتفصيلي دون إيجاز أو تقليل من شأن القضية”.
وختمت حديثها قائلة: “إذا نبعت مفاهيم الحفاظ على البيئة ومواردها من دور العبادة التي يرتادها المصلون، فإن ذلك يساعد بشكل كبير على جعل مفهوم الاستدامة البيئية أسلوب حياة لهم”.
“الإيكوثيولوجيا” أو اللاهوت البيئي
يعرّف بأنه نوع من الدراسات التي تجمع بين العلوم البيئية ودراسة الكائنات الحية والبيئة الحيوية المحيطة بها، وبين الدين. ويبحث أصحاب هذا الفكر عن كيفية المحافظة على البيئة بأسرها، وكيف تلعب المعتقدات الدينية دوراً بارزاً في فهم الأشخاص والمجتمعات للبيئة وسلوكيات الأفراد تجاهها.
ولا تقتصر قضايا الإيكوثيولوجيا على استكشاف تلك العلاقة الوثيقة بين الدين والطبيعة، بل تمتد لتشمل إدارة النظام البيئي بشكل عام وطرح الحلول الممكنة، من أجل تحقيق مفهوم الاستدامة البيئية والحفاظ على كوكب الأرض.
وفي إطار هذا المفهوم، يشير بلال حجازي، المستشار الإعلامي لمفتي طرابلس والشمال في لبنان، إلى أن التركيز ضمن خطبة الجمعة على الوعي البيئي، سيكون داعماً للحفاظ على البيئة وتوازنها، وتغيير سلوكيات الأفراد الخاطئة التي تضر بالبيئة بشكل عام.
ويتابع: “إلى جانب ذلك، فإن خطبة الجمعة تعتبر فرصة عظيمة لنشر الوعي البيئي، فيمكن للخطباء التركيز على مجموعة متنوعة من القضايا البيئية أثناء الخطبة، مثل المحافظة على الموارد الطبيعية كالماء والهواء والتربة، وطرق الحد من الاستهلاك والنفايات الضارة، وإبراز أهمية وتبني مفهوم إعادة التدوير، وتشجيع أفراد المجتمع على الانخراط في أنشطة بيئية مثل التشجير، ودعم التبرع للجمعيات البيئية”.
وعن الأساليب التي يمكن لإدارة المساجد اتباعها للتوعية البيئية إضافة إلى خطبة الجمعة، يقول حجازي: “يمكن تثقيف المصلين حول البيئة عن طريق تنظيم ندوات وورش عمل من أجل التحدث عن ضرورة المحافظة على البيئة وتوازنها، وتوزيع الكتيبات الخاصة بذلك، وإبراز أنماط الوسائل التي يمكن من خلالها حماية البيئة”.
عدم إدراج قضايا البيئة ضمن خطبة الجمعة الأسبوعية بتوازن واستمرارية، يعتبر جهلاً بأهمية البيئة.
ويضيف: “من الممكن أيضاً أن نجعل التغيير ينبع من داخل المساجد، مثل تكريس مفهوم الاستدامة البيئية في أذهان المصلين، عن طريق استخدام الطاقة النظيفة المتجددة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتوليد الكهرباء، وترشيد استخدام المياه داخل المساجد من خلال وضع ملصقات تشجع على عدم الإسراف في استعمال الماء. كل هذه الأساليب داعمة إضافة إلى خطبة الجمعة”.
الخطبة الخضراء
تشرح نهاد عواد، منسقة الحملات والتواصل العالمي ضمن التحالف البيئي “أمّة لأجل الأرض“، لرصيف22 حول مفهوم الخطبة الخضراء بالقول: “نسعى لأن نروج بين إدارات المساجد لمفهوم الخطبة الخضراء، بمعنى أن تتحدث الخطبة عن ضرورة المحافظة على البيئة، ومدى تأثير ذلك على الكائنات الحية والتنوع البيولوجي”.
وتتابع: “الخطاب الديني عبر الإمام هو واجب ديني، وخطبة الإمام هي أداة تواصل قوية، فإذا أعطى فتوى بسيطة كمثال ضمن الخطبة عن حرمة الأذى والضرر بالموارد الطبيعية، أو عن أهمية العمل الجاد على مواجهة التغير المناخي أو منع استخدام الوقود الأحفوري، سيكون ذلك داعماً نحو تغيير وتعديل السلوكيات البشرية الخاطئة تجاه البيئة. الإمام لديه القدرة على إلزام المصلين بذلك عن طريق الربط بين مسؤولياتهم تجاه الخالق والبيئة في آن واحد، وهو أمر بدوره يعمل على إعادة التوازن البيئي ويحافظ على التنوع البيولوجي”.
تضيف المتحدثة أن مؤسسة “أمة لأجل الأرض” أصدرت تقريراً عن أهمية جعل المساجد خضراء، بالتعاون مع مركز عصام فارس في الجامعة الأمريكية في بيروت، تناول عشر دراسات حالة لجوامع موزعة في مختلف أنحاء العالم، مثل جامع الاستقلال في جاكرتا، وجامع النظامية في جوهانسبورغ، والجامع الأموي في سوريا، وجامع الأزهر الشريف في القاهرة، وجامع غلاسكو المركزي، وذلك تزامناً مع مؤتمر المناخ كوب26.
وأبرز هذا التقرير أهمية جعل المساجد خضراء، سواء عن طريق الخطب الأسبوعية، أو استخدام الطاقة النظيفة للعمل على توفير الطاقة الكهربائية وخفض الانبعاثات الكربونية.
وتكمل: “أطلقنا كذلك نموذجاً للخطبة الخضراء في شهر رمضان للعام الفائت 2022، وتناولت هذه الخطبة آثار التغيرات المناخية على البيئة المحيطة بنا بوجه عام، من جفاف وندرة مياه الأمطار وتقلبات الطقس من ارتفاع وانخفاض درجات الحرارة بشكل غير مسبوق، وهي ظواهر تسببت بالكثير من الخسائر البيئية كالفيضانات وتلف المحاصيل الزراعية. وهدفنا لأن يكون محتوى الخطبة دافعاً للمصلين نحو ضرورة اتباع خطوات جذرية من أجل إنقاذ البيئة”.
خطبة الجمعة فرصة عظيمة لنشر الوعي البيئي، فيمكن للخطباء التركيز على مجموعة متنوعة من القضايا البيئية أثناء الخطبة، مثل المحافظة على الموارد الطبيعية كالماء والهواء والتربة، وطرق الحد من الاستهلاك والنفايات الضارة، وإبراز أهمية إعادة التدوير
كما أشارت الخطبة وفق المتحدثة إلى ضرورة منع الوقود الأحفوري، كخطوة جذرية من أجل الحد من آثار التغيرات المناخية، وتناولت كذلك ضرورة توعية المصلين بالحفاظ على البيئة المحيطة بهم وعدم استنزاف مواردها الطبيعية. وتضيف: “سنستمر بنشر هذه الخطبة خلال شهر رمضان في الأعوام المقبلة أيضاً”.
ومن الأمثلة عن الخطبة الخضراء، ما تحدث عنه فراس حسين بلوط، مدير قسم الشؤون البيئية في دار فتوى مدينة طرابلس اللبنانية في رمضان الفائت، إذ قال: “دورنا في التعامل مع البيئة دور تعبدي، ليس فقط جمالياً، والغذاء الروحي لا يكتمل إلا بالتفكر في خلق الله سبحانه وتعالى، والبيئة عندما تكون نظيفة، فهذا جزء من العقيدة يقربنا من الله، وشهر رمضان فسحة إيمانية ومعراج حقيقي لمزيد من الغذاء الروحي، وتالياً ينعكس ذلك على السلوك البيئي للإنسان بالمحافظة على البيئة وتوازنها، فهذا الشهر عندما نستثمره بطريقة صحيحة، سيكون قادراً على إنتاج جيل يُحسن التعامل مع الشجر والثمر والحجر والبشر أنفسهم، وبذلك نحافظ على البيئة بأسرها”.
وتختم عواد: “عندنا مثل لبناني يقول ‘إيد لوحدها ما بتزقف’، فيجب أن تكون هناك علاقة تكاملية بين المؤسسات الدينية والمدنية والبيئية، لتشجيع الأفراد والمجتمعات للمحافظة على البيئة، عن طريق عمل ورش تثقيفية داخل دور العبادة كالمساجد والكنائس، بتمويل من مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات البيئية. فإذا طبق هذا المفهوم بجدية وحزم داخل دور العبادة، سيكون ذلك أسلوب حياة خارج محيط المسجد أيضاً، وتالياً يمكن أن تستعيد البيئة توازنها بشكل طبيعي”.
أيار عبد الكريم أحمد
المصدر: موقع رصيف 22
تحقيق.. شركات إسرائيلية تُطور أداة تجسس “مجنونة”
|
“نحن نعيش تحت المراقبة” باتت هذه حقيقة معترف بها عالميًا بشأن هذا العصر الرقمي؛ حيث تعرف شركات التكنولوجيا والإعلانية كل شيء تقريبًا عنا: أين نحن، وماذا نشتري، والتطبيقات التي ننزلها وكيف نستخدمها، وتاريخ بحثنا ومشترياتنا السابقة، وحتى ميولنا الجنسية والأنشطة التي نمارسها؛ لكن هناك شيء واحد فقط لا يستطيع المعلنون أن يصلوا إليه: وهو هويتنا، فمن المفترض أن يكون عالم الإعلانات والبيانات الذي يقف وراءه مجهولاً للعموم.
كلنا قرأنا منشور أحد الأصدقاء الذي عاد للتو من الإجازة، وبعد ساعات قليلة يظهر على شاشتنا إعلان عن فندق، ويلاحقنا مثله لأيام، يتابعنا عبر المواقع ووسائل التواصل الاجتماعي؛ لكن القليل منا لديه فكرة كيف أو لماذا يحدث هذا.
كلما فتحنا تطبيقًا أو موقعًا إلكترونيًا على هاتفنا، دون أن نلاحظ ذلك، تحدث عملية سريعة من المفاوضات الجماعية، وينشأ سوق معقد وقوي يجسد اقتصاد الإنترنت بأكمله: في جزء من الثانية – أو جزء صغير من اللحظة التي تنقضي حتى تفتح الصفحة التي نريدها – تحدث عملية تقديم العطاءات التلقائية بين مئات الآلاف من المعلنين المختلفين؛ حيث إنهم يقاتلون من أجل تقديم الإعلان لنا بالضبط في هذه اللحظة بالذات، وكلما كانت المعلومات التي يمتلكها المعلنون عنا أكثر دقة، وكلما كانت البيانات مجزأة ومستهدفة، زاد احتمال نقرنا فعليًا؛ وبالتالي يرتفع سعر الإعلان.
لكن البعض لديه القدرة على استغلال هذا الجزء من الثانية لأداء مهمة أكثر ضررًا: إرسال إعلان مميز إلى الأشخاص؛ حيث يبدو بريئًا ولكنه يحتوي على برامج تجسس متقدمة. على الرغم من أن الإعلان يبدو عاديًا تمامًا، إلا أنه في الواقع سلاح إلكتروني قادر على التسلل إلى الهاتف أو الكمبيوتر.
في الماضي؛ كان يُعتقد أن أجهزة استخبارات الدولة فقط هي التي تمتلك هذه القدرة، حيث تستغل عالم الإعلانات الرقمية، الذي من المفترض أن يكون مجهول الهوية تمامًا، لتجاوز آليات الأمان الخاصة بشركة آبل وغوغل ومايكروسوفت وتثبيت برامج تجسس متقدمة على أجهزتنا.
ويقول مصدر مطلع على هذه التكنولوجيا: “يمكن لهذه القدرات أن تحول أي إعلان إلى نوع من السلاح الرقمي”.
وقد بدأت التكنولوجيا الجديدة أيضًا في الانتشار إلى سوق الدفاع التجاري؛ حيث اكتشف تحقيق أجرته مجلة هاآرتس ومكتب التحقيق الوطني والأمن السيبراني التابع للصحيفة أنه في ظل جائحة الفيروس التاجي – عندما تم تطوير ونشر أدوات معينة لتتبع انتشار الفيروس – ظهرت صناعة تجسس إلكترونية جديدة ومثيرة للقلق في إسرائيل، وطوّرت عدد من الشركات الإسرائيلية تقنيات قادرة على استغلال الإعلانات لجمع البيانات ومراقبة المواطنين؛ حيث يمكن مراقبة مئات الآلاف – إن لم يكن الملايين – من الأشخاص بهذه الطريقة.
ويكشف التحقيق، الذي يستند إلى مقابلات مع أكثر من 15 مصدرًا من الصناعات السيبرانية والأمنية والدفاعية الهجومية الإسرائيلية، أن مجموعة صغيرة من نخبة الشركات قد نقلت هذه التقنيات إلى مستوى أعلى: فقد ابتكرت تكنولوجيا تستخدم الإعلانات لأغراض هجومية وتثبيت برامج التجسس. وبينما تتنافس ملايين الإعلانات على الحق في اختراق شاشاتنا، تبيع الشركات الإسرائيلية بشكل سري التكنولوجيا التي تحول هذه الإعلانات إلى أدوات مراقبة – أو حتى إلى أسلحة قادرة على اختراق أجهزة الكمبيوتر أو الهواتف الخاصة بنا.
إحدى هذه الشركات هي “إنساينت”، التي يتم الإعلان عن وجودها في هذا التقرير لأول مرة، وكما يوحي اسمها، فهي تمتلك قدرات جنونية، وفقًا لمصادر في هذه الصناعة. وتأسست الشركة على يد عدد من رجال الأعمال المعروفين في مجالات الاستخبارات السيبرانية والرقمية الهجومية، وهي مملوكة لأعضاء سابقين رفيعي المستوى في مؤسسة الدفاع، بما في ذلك الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي، داني أرديتي. ويكشف التحقيق أن الشركة طورت تقنية تستغل الإعلانات للتتبع والتجسس، وليس من قبيل الصدفة أن تقوم الشركة بتسمية منتجها باسم “شيرلوك”.
ونجح موظفو الشركة في الحصول على تصريح من وزارة الدفاع لبيع التكنولوجيا الخاصة بهم على مستوى العالم؛ حيث باعت “إنساينت” بالفعل التكنولوجيا إلى دولة غير ديمقراطية.
ووفقًا لنتائج التحقيق، فإن هذه هي الحالة الأولى في العالم التي يتم فيها بيع نظام من هذا النوع كتقنية، وليس كخدمة. وقامت شركة إسرائيلية أخرى، وهي “رايزون”، بتطوير منتج مماثل وحصلت هذه السنة على موافقة من حيث المبدأ لبيعه لعملائها في الدول الغربية، على الرغم من أن هذا لم يحدث بعد من الناحية العملية.
لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أنه لا توجد حاليًا أي دفاعات ضد هذه التقنيات، وليس من الواضح ما إذا كان من الممكن حظرها على الإطلاق. على مر السنين، منعت شركات التكنولوجيا مثل آبل وغوغل مئات الاختراقات التي تمكنت من خلالها برامج التجسس مثل بيغاسوس من التسلل إلى الأجهزة. وفي هذا الأسبوع فقط؛ تم استغلال المحفظة الرقمية لشركة أبل لإرسال رسالة إلى أجهزة آيفون الخاصة بالمستخدمين تحتوي على صورة تحتوي على رمز ضار، وعلى خلفية ذلك تم حظر هذا الخرق الأمني. ولكن حتى أذكى الدفاعات وأكثرها تقدمًا لدى آبل وغوغل و مايكروسوفت تفتقر حاليًا إلى القدرة على درء هذا النوع من الاختراق. فحتى اليوم، كانت أنظمتهم الإعلانية، التي تحتوي على عدد لا يحصى من آليات الدفاع، تعتبر آمنة تمامًا.
ويكشف هذا التحقيق عن التكنولوجيا التي تتجاوز قيود الأمان والخصوصية التي تفرضها آبل وغوغل، وتتسلل إلى الهواتف من خلال الاستخدام المتطور للمعلومات الإعلانية وكيفية تحول الإعلانات إلى أدوات حرب في ساحة المعركة الرقمية. تكشف القصة عن العلاقة الخطيرة بين عالم التجسس والسوق الخاصة، وتقدم مثالًا مناسبًا لما يشار إليه باسم “رأسمالية المراقبة”: وهو كيف تستغل الدول المعلومات التي يتم جمعها لأغراض تجارية لأغراض استخباراتية وتحولها – من خلال التعاون مع رواد الأعمال الإسرائيليين في مجال التكنولوجيا الفائقة – إلى منتج أمني، يمكن أن يصبح سلاحًا يستهدف المواطنين العاديين.
في البداية كانت هناك شعارات. ففي سنة 1994؛ اشترت شركة “آي تي أند تي” أول إعلان على الإنترنت من موقع “هوت وايرد”، ويسأل ذلك الموظف الذكي الذي عمل لصالح تلك الشركة، “هل سبق لك أن نقرت بالفأرة هنا؟”ويجيب على سؤاله بحزم “سوف تفعل”. ووفقا للمعلومات التي جمعها الموقع للمعلنين الجدد، فإن ما يقارب من نصف أولئك الذين شاهدوا الإعلان جعلوا النبوءة تتحقق ذاتيًّا.
بعد مرور ثلاثين سنة؛ ما زلنا ننقر على تلك الإعلانات، لكن عالم الإعلان الرقمي تغير تمامًا. اليوم؛ لا تتسم الإعلانات التي نراها على هواتفنا الذكية بطابع عشوائي على الإطلاق: فهي تعرف الكثير عنا ويمكنها، على سبيل المثال، تحديد موقعنا الجغرافي وحتى الشارع، ومطابقة المعلومات مع سجل البحث الخاص بنا.
لقد أصبح الإعلان الرقمي اقتصادًا ضخمًا تبلغ قيمته مئات الملايين من الدولارات وآلاف الشركات وعشرات الآلاف من أنواع الخدمات لجمع البيانات وتحليلها وتقسيمها وتحسينها من أجل استهداف المستخدمين. ويشار إليه مجتمِعًا باسم “تكنولوجيا الإعلان”، وهو اقتصاد ثانوي ضخم نشأ أيضًا حول الإعلان الرقمي للأجهزة المحمولة والتطبيقات التي تعمل عليها؛ حيث يتنافس المعلنون على وقت شاشاتنا من خلال عمليات العطاءات المعقدة والآلية التي تغذيها بياناتنا وتستنير بها.
والجدير بالذكر أننا نمثل المنتج المجاني وعمليات تبادل الإعلانات (التي تسمى منصات جانب الطلب) وأسواق البيانات الإعلانية التي تقف خلفها هي المكان الذي يتم فيه بيع المنتج الذي نمثله كسلعة.
لكن كل هذه المعلومات من البيانات لا تخدم مصالح المعلنين فقط. فقبل بضع سنوات؛ اكتشف الناس أن البيانات التي تم جمعها للإعلان والاحتياجات التجارية يمكن استخدامها أيضًا لأغراض أخرى، وأن هذه التبادلات يمكن استخدامها أيضًا للتتبع الجغرافي ومراقبة موقعنا. ويسمى هذا المجال غير المعروف باسم (الإعلان الاستخباراتي) والذي يهدف إلى تحويل البيانات والمعلومات المجمعة لأغراض دعائية إلى معلومات استخباراتية.
يوضح أحد الأشخاص العاملين في صناعة الإعلان الاستخباراتي في إشارة إلى الشركتين اللتين تعمل أنظمة التشغيل الخاصة بهما على تشغيل معظم الهواتف الذكية: “بمعنى ما، أنشأت شركتا غوغل و آبل سوقًا للتجسس”، وأضاف قائلًا “لقد كانوا يأملون فقط ألا يفهم الناس أن المعلومات التي يجمعها المعلنون يمكن أن تكون أيضًا بمثابة ذهب استخباراتي. هناك طريقة أخرى للتفكير في الأمر وهي أن آبل وغوغل هما بحد ذاتهما من إحدى شركات التجسس. هناك ببساطة بعض الذين يعرفون كيفية استغلال ذلك”.
هذه ليست محاولة لاختراق جهاز من الباب الخلفي، ولكن للسماح لشيء ما بالدخول إليه بذكاء من خلال النافذة الأمامية، وهي نافذة مفتوحة على مصراعيها بفضل عالم الإعلانات الذي يدعم اقتصاد الإنترنت بأكمله.
على ضوء حساسيتها المحتملة، من المفترض أن تكون المعلومات الإعلانية، وخاصة المعلومات المتعلقة بهواتفنا الذكية، مجهولة المصدر؛ حيث يحتوي كل هاتف ذكي على رقم تعريف إعلاني فريد، والذي يبدو من المستحيل مطابقته مع رقم هاتفنا أو اسمنا. الهدف واضح: منع استخدام بيانات الإعلان للتجسس على الأشخاص، وعدم السماح للمعلنين باستغلال معلوماتنا الخاصة. ويحظر قانون الخصوصية الرقمية في الاتحاد الأوروبي، والمعروف باسم اللائحة العامة لحماية البيانات، ذلك بشكل واضح.
ولكن حتى المعلومات المجهولة المتوافقة مع قوانين الخصوصية هذه يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة من منظور استخباراتي. فعلى سبيل المثال؛ بمساعدة تكنولوجيا الإعلان، من الممكن وضع علامة رقمية على جميع الهواتف المحمولة الخاصة بالأشخاص الذين مروا عبر مطار معين في وقت محدد، ويمكن استخدام هذه الأداة الإعلانية البسيطة، على سبيل المثال، لإجراء تتبع الاتصال ومراقبة سلاسل العدوى أثناء الجائحة. أولًا؛ يتم جمع كافة معرفات الإعلانات الخاصة بالأجهزة التي كانت موجودة في المطار. إنها عملية بسيطة: في كل مرة نلتقط فيها هاتفنا ونفتح تطبيقًا يعرض الإعلانات، يرسل الهاتف مكان تواجدنا إلى المعلنين من أجل تحسين فعالية الإعلانات التي يرسلونها إلينا. يؤدي تحديد موقع هذه المعرفات إلى إنشاء قائمة بالأشخاص الذين كانوا في المطار في وقت معين. قد لا يعرف المعلنون أسماء هؤلاء الأشخاص، ولكن يمكن تصنيفهم كجزء من الجمهور المستهدف، والذي يمكن استهدافه بشكل مستمر من خلال قصفهم بوابل من الإعلانات، التي من خلالها يمكن تتبع تحركاتهم في جميع أنحاء العالم.
هذه هي الطريقة التي ظهرت بها إلى حيز الوجود صناعة جديدة من الإعلانات الاستخباراتية، في ظل أزمة فيروس كورونا؛ حيث عرضت شركة أسسها “إريك بانون”، أحد رواد الهجوم السيبراني في إسرائيل، على جهاز الأمن الشاباك خدمة مراقبة تعتمد على الإعلانات. وكما ذكر “جور مجيدو” في صحيفة “ذا ماركر” العبرية؛ كان الهدف هو إجراء هندسة عكسية للمعلومات حول المستخدمين في شبكات الإعلانات الكبيرة لأغراض استخباراتية. وفي هذه الحالة، كان الهدف هو المشاركة في مراقبة جماعية لتتبع انتشار الجائحة.
تُعرف هذه الشركة باسم “أنتلوس” ويسمى منتجها “أدهوك”، الذي يُسوق لوكالات إنفاذ القانون والعملاء من رجال الأعمال على حد السواء. ولا تعتبر منتجات الشركة ذات صلة بالأمن وبالتالي لا تخضع للتنظيم، وتجدر الإشارة إلى أن هناك صناعة كاملة من الشركات المماثلة.
بشكل عام؛ لا تخضع المراقبة الجغرافية المجهولة عبر الإعلانات حاليًا لإشراف وزارة الدفاع لأنها تعتمد فقط على معلومات الملكية التي يمكن الحصول عليها تجاريًا. ومع ذلك؛ يمكن أيضًا استخدام هذه التقنيات لأهداف أمنية، مثل مراقبة الأهداف المشتبه بها، حتى دون معرفة معلومات شخصية عنها. ويمكن للمرء أن يتخيل، على سبيل المثال، حملة إعلانية موجهة نحو جمهور من العلماء النوويين من أصل إيراني الذين تتراوح أعمارهم بين 35 و65 عامًا والذين مروا عبر مطار طهران خلال السنة الماضية. وبعد تحديد هوية هؤلاء الأفراد وتلقي الإعلانات الأولى، يمكن الاستمرار في استهدافهم بمرور الوقت؛ وبالتالي، يمكن لهذه لتكنولوجيا تحديد أين سافروا ومتى.
في الواقع؛ ما بدأ كتتبع جماعي للاتصالات توسع بسرعة ليشمل مجالات إضافية للأمن الداخلي. فعلى سبيل المثال – ووفقًا للوثائق التي حصلت عليها صحيفة هاآرتس – تقدم “شركة كوب ويبز” الإسرائيلية، المتخصصة في الاستخبارات مفتوحة المصدر، تكنولوجيا مدنية يمكنها تحديد موقع جهاز محمول. وتبرز الشركة قدراتها من خلال استهداف أحد الإيرانيين، حيث يمكن رؤية كيف يتتبع البرنامج تحركات الهدف في الشارع.
يسلط مثال إيران الضوء على القيمة الاستخباراتية الفريدة التي تمتلكها صناعة الإعلان الاستخباراتي: فبينما تعتمد معظم أنواع المعلومات الاستخبارية الرقمية والسيبرانية الهجومية على الوصول المباشر إلى المعلومات والشبكات والبنى التحتية – البيانات التي من المفترض أن تمتلكها الدولة فقط – يعتمد الإعلان الاستخباراتي على المعلومات التي تعتبر مفتوحة، ويمكن العثور عليها من مصادر تعتبر تجارية. وفي هذه الحالة؛ يتم دمجهم معًا لتلبية الاحتياجات الاستخباراتية.
يمكن الحصول على المعلومات من قواعد البيانات الخاصة المختلفة – على سبيل المثال تلك المرتبطة بالمعلنين أو منصات جانب الطلب – أو من خلال طرق أكثر إبداعًا. فمن أجل العثور على موقع شخص ما، على سبيل المثال، لا تحتاج إلى أي شيء أكثر من المعلومات التي يمكن الوصول إليها من خلال تبادل الإعلانات الخلوية.
ووفقًا لمصادر في الصناعة، فإن اسم اللعبة في مجال الذكاء الاستخباراتي هو الاندماج، أو المطابقة المتبادلة لعدد كبير من مصادر المعلومات. وحتى مجرد المشاركة في عملية تقديم العطاءات يمكن أن يوفر معلومات جغرافية للمعلن؛ سواء كان معلنًا حقيقيًا أو معلنًا تستخدمه شركات استخباراتية.
ويقول مصدر في الصناعة: “من أجل الحصول على معلومات استخباراتية باستخدام الإعلان، ينبغي توفير بنية تحتية إعلانية ضخمة، ويجب أن تكون متصلًا بطريقة أو بأخرى بأنظمة الإعلانات المختلفة حتى تتمكن من تنفيذ ما لا تريد أبل وغوغل مطلقًا أن تكون قادرًا على القيام به: وهو تتبع الأشخاص أو استخدام الملفات الشخصية الإعلانية بحثًا عن العدوى”.
لهذا السبب؛ ترتبط الشركات في هذا المجال بشكل عام بشركات إعلانية. وفي بعض الحالات؛ يقومون فعليًا بتشغيل شركة إعلانية خاصة بهم أو يعملون مع واحدة منها، مما يوفر غطاءً لنشاطهم الاستخباراتي والوصول إلى المعلومات التي يحتاجون إليها.
يُظهر التحقيق أن هناك عددًا من الشركات الإسرائيلية التي تقدم معلومات من هذا النوع للعديد من أنواع العملاء المختلفة. وإحدى هذه الشركات هي “رايزون”، والتي تعتبر رائدة في هذا المجال وقد صاغت بالفعل مصطلح الإعلان الاستخباراتي. ويطلق على منتجها، اسم “إيكو”، الذي لا يخضع لإشراف الدولة لأنه يستخدم أيضًا معلومات تعتبر مفتوحة. يباع هذا المنتج لجهات خاصة، لكن هيئة إسرائيلية رسمية أبدت أيضًا اهتمامًا بشرائه بغرض محاولة مراقبة الفلسطينيين في إسرائيل.
يوضح أحد الأشخاص العاملين في صناعة الإعلان الاستخباراتي: “بمعنى ما، أنشأت غوغل وآبل سوقًا للتجسس. لقد كانوا يأملون فقط ألا يفهم الناس أن المعلومات التي يجمعها المعلنون يمكن أن تكون أيضًا بمثابة ذهب استخباراتي”.
تقدم الشركات الأخرى منتجات أقل تقدمًا؛ حيث تقوم إحداها، التي تعرف باسم “بسايتفول”، بتسويق قدراتها للعاملين في عالم الإعلان الخاص. ووفقًا لمصادر في هذا المجال، يعتمد نشاط الشركة على مطابقة بيانات التصفح والمصادر الأخرى للمعلومات المتاحة تجاريًّا والتي يمكن شراؤها أو استخراجها أو استخلاصها بطريقة أخرى من الويب. وقد تم الاستحواذ على الشركة من قبل شركة إلكترونية أخرى، هي “كوغنايت”، التي تقدم خدمات مماثلة، ولكن للدول والقوات المسلحة. بمعنى آخر؛ نفس المعلومات ونفس التقنيات، ولكن مع استخدامات مختلفة: أحدهما تجاري والآخر استخباراتي.
لكن بعض الشركات لا تستخدم الإعلانات لأغراض المراقبة فقط، ويذهبون إلى أبعد من ذلك، حيث يقومون بإنشاء أدوات تستخدم الإعلانات لاختراق الهواتف وأجهزة الكمبيوتر.
كيف يعمل ذلك؟ يتم تجميع ملف تعريف إعلاني للجمهور المستهدف. بعد ذلك، يتم إنشاء حملة إعلانية مصممة خصيصًا للجمهور، ويتم ملؤها بالإعلانات، مما يسمح بالمراقبة الجغرافية الجماعية. بعد ذلك، يتم وضع برامج التجسس أو البرامج الضارة في الحملة.
وبمساعدة أحد المعلنين أو البنية التحتية للإعلان؛ يتم تحميل الإعلان المستهدف إلى تبادل الإعلانات وتبدأ المزايدة، حتى يتلقى الهدف الإعلان وتتسلل التعليمات البرمجية الضارة إلى الجهاز.
وتقول مصادر في الصناعة إنه كان من الواضح لهم منذ البداية أن التكنولوجيا سوف تصبح بسرعة منحدرًا كبيرًا، ويقول أحد هذه المصادر: “يعد “الذكاء الإعلاني” مجالًا مشروعًا، طالما ظل ضمن نطاق التتبع العام، وأولئك الذين يحولونها إلى سلاح يلعبون بالنار. كل ما هو مطلوب هو لغط واحد، وحالة إساءة واحدة، حتى يتم حرق التكنولوجيا بأكملها”.
لقد انخرطت الجهات الحكومية وعمالقة التكنولوجيا منذ فترة طويلة في لعبة القط والفأر. فقبل خمسة عشر سنة؛ عندما تحولنا جميعًا إلى الهواتف المحمولة، فقدت أجهزة الاستخبارات القدرة على التنصت على الناس عبر الخطوط الأرضية، وأصبحت الأجهزة المحمولة أكثر ذكاءً، والأهم من ذلك، أكثر تشفيرًا.
وعلى الرغم من أن شركات “أبل” و”غوغل” و”ميتا” تتعاون عادةً مع الطلبات القانونية التي تقدمها الهيئات الأمنية للحصول على المعلومات، خاصة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلا أنها لا تسمح لهم بالوصول الكامل إلى مكالماتنا أو أجهزتنا. وهناك سبب فني وسياسي لذلك: من الناحية الفنية، يعمل التشفير الشامل ولا يمكن اختراقه. ومن الناحية السياسية، لا ترغب شركات التكنولوجيا الكبرى في السماح للدول باستخدام هواتفنا للمراقبة، حتى لو كان ذلك قانونيًا، خاصة في ضوء الحالات التي تم فيها إساءة استخدام المراقبة لاستهداف الصحفيين ومنتقدي الحكومة ونشطاء حقوق الإنسان.
لكن هيئات الاستخبارات في العالم تتوق رغم ذلك للوصول إلى أجهزتنا، وقد قدمت الصناعة السيبرانية الهجومية لفترة طويلة مجموعة من الحلول على وجه التحديد للبلدان غير القادرة على تطوير هذه القدرات بمفردها. فلقد بدأت منذ ما يزيد قليلًا عن عقد من الزمن مع القرصنة والمراقبة عبر الشبكات الخلوية، واستمرت في شكل خروقات عبر الإنترنت اللاسلكي (واي فاي)، وتقدمت إلى المتصفحات وتطبيقات الهواتف الذكية والرسائل النصية الموبوءة بالبرامج الضارة.
إن القدرات الأكثر تقدمًا، والتي تم الإبلاغ عنها في السنوات الأخيرة والتي أثارت انتقادات شديدة، هي تلك التي طورتها شركات إسرائيلية مثل “إن إس أو” و”كانديرو”. وبمساعدة برامج التجسس الخاصة بها، وأشهرها برنامج “بيغاسوس” التابع لشركة “إن إس أو”، يمكن اختراق أجهزة مثل أيفون عبر عمليات استغلال بدون نقرات. وبعبارة أخرى؛ يتم إصابة جهاز الشخص دون علمه بذلك أو حتى اتخاذ أي إجراء.
تقوم برامج التجسس مثل “بيغاسوس” باختراق الهواتف الذكية من خلال استغلال الثغرات الأمنية في نظام تشغيل أيفون، لكننا نتحدث عن شيء مختلف هنا، فهذه ليست محاولة لاختراق جهاز عبر الباب الخلفي، ولكن للسماح لشيء ما بالدخول إليه بذكاء من خلال النافذة الأمامية، وهي نافذة مفتوحة على مصراعيها بفضل عالم الإعلانات الذي يدعم اقتصاد الإنترنت بأكمله.
في الواقع؛ تخلق هذه التقنية “ناقلًا” جديدًا في الجهاز لأولئك القادرين على تطوير برامج التجسس بأنفسهم، أو للعملاء الحاليين لشركات مثل “إن إس أو”. وإذا كانت “بيغاسوس”، كما يقول البعض، هي القنبلة النووية للعصر الرقمي، فيمكن تشبيه هذه القدرات الجديدة بالصاروخ الموجه الذي يُطلق عليه “الرأس الحربي النووي الرقمي”.
ولسبب وجيه؛ حاولت عدد من شركات الإنترنت الإسرائيلية في السنوات الأخيرة تطوير التكنولوجيا الهجومية التي تستغل الإعلانات ليس فقط للمراقبة ولكن أيضًا للإصابة ببرامج التجسس. وفي الواقع؛ شهدت السنوات الخمس الماضية سباق تسلح في الصناعة السيبرانية، شاركت فيه شركات مثل “كانديرو”، “باراغون” “نيميسيس”، “كوادريم”، وشركة “إن إس أو” نفسها.
ووفقًا للمصادر، أنشأت “إن إس أو” أيضًا منتجًا مسيئًا، يسمى “ترومان” يستخدم الإعلانات. ومع ذلك، مثل معظم هذه الشركات، لم تتمكن “إن إس أو” من الحصول على تصريح لبيع البرنامج؛ فقط “إنساينت” تمكنت من بيع منتجها.
تأسست “إنساينت” في سنة 2019 من قبل مجموعتين من رواد الأعمال. الأولى المؤلفة من رواد الأعمال السيبرانيين المخضرمين، ومن بينهم آرييل آيزن وروي ليمكين وداني أرديتي، والذين توصلوا إلى الاستثمار اللازم. ويعرف الثلاثة كمسوقين لشركات مثل “إن إس أو” (في الماضي) و”باراغون” (حاليًا) في أوروبا الغربية وآسيا، ويتمتعون بعلاقات ممتازة مع أجهزة المخابرات والأمن في إسرائيل وكذلك في تلك الأجزاء من العالم.
وتألفت المجموعة الثانية من رواد أعمال شباب، بعضهم لديه خلفية في الوحدات السيبرانية العسكرية الإسرائيلية، والذين قدموا الفكرة. وقبل تأسيس “إنساينت”، قاموا بتأسيس شركة متخصصة في تكنولوجيا الإعلانات، والتي باعوها منذ عدة سنوات.
وبالاعتماد على الخبرة التي اكتسبتها المجموعة الأخيرة في مؤسسة الدفاع الإسرائيلية وفي صناعة الإعلان، قاموا بتطوير أداة “شيرلوك”، وهي أداة تستغل نظام الإعلانات لاختراق أجهزة الكمبيوتر والأجهزة الخلوية.
ولتسويق المنتج؛ قامت الشركة بدراسة إمكانية التعاون مع شركات إلكترونية هجومية أخرى؛ حيث عرضت وثيقة “كانديرو” التسويقية لسنة 2019، والتي تم الكشف عنها في سنة 2020 بواسطة أميتاي زيف في صحيفة “ذا ماركر” العبرية؛ حيث عرض برنامج “شيرلوك” لعميل محتمل إلى جانب برنامج التجسس للكمبيوتر الشخصي الخاص بالشركة.
وأظهرت الوثيقة أن هذه القدرة كانت مكلفة للغاية: فاستخدام “شيرلوك” للفيروس سيكلف العميل 6 ملايين يورو إضافية (6.7 مليون دولار).
وكشفت الوثيقة أيضًا أن “شيرلوك” يمكنه اختراق أجهزة الكمبيوتر التي تعمل بنظام ويندوز بالإضافة إلى أجهزة آيفون وأندرويد. وحتى الآن؛ تخصصت شركات مختلفة في اختراق الأجهزة المختلفة، وبينما ركزت “كانديرو” على أجهزة الكمبيوتر الشخصية، في حين تمكنت “إن إس أو” من اختراق أجهزة آيفون، وكان منافسوها متخصصين في أجهزة أندرويد. ولكن مع هذا النظام، كما تظهر الوثائق، يمكن اختراق كل جهاز بشكل فعال.
ويوضح دونشا أو كيرهيل، الذي يرأس مختبر أمن التكنولوجيا التابع لمنظمة العفو الدولية، الوحدة التكنولوجية التابعة لمنظمة حقوق الإنسان، أن “هذا تطور جديد خطير للغاية”، مضيفًا: “قد تسمح القدرة الموصوفة للمهاجمين باستهداف الأفراد بناءً على الخصائص الديموغرافية والسلوكية التي تجمعها شبكات الإعلانات وبالتالي استهداف أشخاص من مجموعة عرقية معينة أو إعادة استهداف الأفراد الذين زاروا موقعًا إعلاميًا مستقلًا ينتقد الحكومة”.
وعلى الرغم من المخاوف؛ تم بيع منتج “إنساينت” بشكل قانوني وبترخيص من دولة إسرائيل؛ حيث حصلت الشركة في البداية على موافقة واسعة نسبيًا من وزارة الدفاع، على الأقل فيما يتعلق بالأسلحة الإلكترونية الحساسة. وبهذه الموافقة، تمكنت “إنساينت” من إكمال صفقة رئيسية واحدة على الأقل.
ولكن بعد ذلك تم تخفيض التصريح بشكل كبير؛ حيث تقول مصادر في الصناعة إن التغيير في السياسة كان مرتبطًا بثلاثة مخاوف حقيقية: الخوف من تسرب القدرات، والخوف من الغضب الأمريكي، والخوف من غضب عمالقة التكنولوجيا، الذين هم على أي حال في طريق الحرب ضد إسرائيل في مجال صناعة الإنترنت (فيسبوك وأبل، على سبيل المثال، يقاضيان شركة “إن إس أو”).
تم تقليص ترخيص شركة “إنساينت”؛ ولكن من الممكن الآن بيع “شيرلوك” كمنتج عسكري هجومي ــ وإن كان ذلك في ظل ظروف مقيدة للغاية وللدول الغربية فقط. وحتى لتقديمها إلى عميل محتمل في الغرب، يجب الحصول على تصريح محدد من وزارة الدفاع، ولا يتم منحه دائمًا.
إن حالة “إنساينت” وامتداد هذه التكنولوجيا إلى سوق الدفاع العام، هي قصة إسرائيلية كلاسيكية: روح تكنولوجية متطورة لريادة الأعمال تتحدى – وتستغل – آليات الرقابة التي تقادمت والتي لا تستطيع مواكبة العالم الذي لا يحبّذ الرغبة في تقنيات التجسس الرقمي المتقدمة. ويشعر العاملون في الصناعة بالقلق من أن القدرة على تقييد استخدام هذه التقنيات التي يحتمل أن تكون خطرة تتضاءل بسرعة. وبعضهم مقتنع بأن الصناعة قد خرجت عن نطاق السيطرة بالفعل.
منذ عدة سنوات؛ يقوم رجال الأعمال في هذا المجال باختبار المسؤولين عن الإشراف عليهم في وزارة الدفاع، وهناك جدل يدور حول مسألة ما إذا كانت تقنية “الذكاء الإعلاني” التي يعتمد الكثير منها على مصادر المعلومات المفتوحة، هي تقنية مدنية أم عسكرية.
حتى الآن، لم تكن الشركات التي عرفت نفسها على أنها تعمل فقط على أساس المصادر المفتوحة، للعملاء المدنيين، خاضعة لأي إشراف من الدولة. وفي المقابل؛ كانت الشركات السيبرانية تخضع لرقابة مشددة من قبل وزارة الدفاع.
ومع ذلك؛ فإن الحدود ليست واضحة دائمًا والقيود لم تنجح دائمًا. فعلى سبيل المثال؛ بعد رفض تصريح شركة “إن إس أو” بتصدير منتجها في هذا المجال، ومُنع موظفو الشركة من مجرد إخبار العملاء المحتملين عن وجودها، قامت الشركة بدراسة إمكانية دمج التكنولوجيا داخل شركة “بيغاسوس”، وربما قامت شركات أخرى بمحاولات مماثلة.
القيود المفروضة على التصريح الممنوح لشركة “إنساينت” لم توقف الشركة أو منافسيها. وفي الأشهر التي تلت تقييد نشاطها، أجرت الشركة محادثات مع شركات الإنترنت الهجومية التي تم رفض الترخيص لها. إحدى الأفكار التي تمت مناقشتها كانت توحيد الجهود والتغلب على العقبة التنظيمية: إذا لم تسمح إسرائيل ببيع منتج من هذا النوع كنظام مستقل، فربما تسمح بتجميع القدرات مع برامج التجسس التي تمت الموافقة عليها بالفعل للتصدير. وأجريت محادثات في هذا السياق مع “كانديرو” و”باراغون” و”نيمسيس”، وتم تقديم طلب ملموس إلى وزارة الدفاع يتضمن منتجًا متكاملًا. هذه هي خلفية ظهور “شيرلوك” في وثيقة “كانديرو” التسويقية، لكن هذه التحركات فشلت أيضًا في الحصول على موافقة الدولة.
لكن، ومع مرور الوقت، أدركت المؤسسة الأمنية بشكل متزايد أنه لم يعد من الممكن إبقاء القطة في الحقيبة. لقد فقدت الدولة – التي سمحت لصناعة “الذكاء الإعلاني” المتقدمة بشكل متزايد بالعمل بناءً على بيانات الملكية المفتوحة فقط – القدرة على كبح جماح السوق الهجومية التي حاولت الركوب على ظهرها.
وبناءً على ذلك؛ وبمجرد تقديم الأمر إلى “إنساينت” لتجنب مزاعم المحسوبية، قررت وزارة الدفاع هذا العام منح ترخيص لشركة “رايزون” أيضًا لبيع منتج قرصنة نشط.
وتوضح حالة “رايزون” مدى عدوانية سباق التسلح الذي كان يجري في هذا المجال؛ فلسنوات امتنعت شركة “رايزون” عن إنشاء أي منتج ضار واقتصرت على المعلومات الاستخبارية القائمة على التتبع الجغرافي عبر الشبكة الخلوية ومراقبة الاتصالات غير المشفرة. بمعنى آخر؛ حتى لو كان من المستحيل تتبع شخص ما وربما الاستماع إلى محادثة أو رؤية الرسائل، فمن الممكن معرفة من يتحدث مع من وأين ومتى، وهي قدرات تخضع للرقابة وتعتمد على جمع البيانات التي تعتبر حساسة وغير مفتوحة.
ومع ذلك، واستجابة لظهور السوق وطلب العملاء المتعطشين للقدرات الجديدة، طورت الشركة، بالإضافة إلى منتج المراقبة الجغرافية “إيكو”، أداة هجومية تمكن من الإصابة ببرامج التجسس القائمة على الإعلانات. وعلى الرغم من أنها كانت من أوائل الشركات التي قدمت الطلب، إلا أن وزارة الدفاع منحت الإذن من حيث المبدأ ببيع المنتج هذا العام فقط.
ويفكر البعض في إسرائيل الآن في إمكانية وضع مجال المعلومات الاستخبارية مفتوحة المصدر والقائمة على الإعلانات بالكامل تحت إشراف وزارة الدفاع. وفي الأشهر الأخيرة، جرت محادثات حول مراجعة الأنظمة التي تحكم هذا المجال.
سبب آخر للتغيير المحتمل في السياسة في هذا المجال المحدد ينبع من الاستجابة لتغيير أكثر شمولًا من قبل وزارة الدفاع. فبعد سنوات من الترويج لهذه الصناعة كجزء مما يسمى بالدبلوماسية السيبرانية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أصبحت الآن على خلاف مع الدولة.
قبل أقل من سنتين بقليل؛ قررت إسرائيل الإذعان للضغوط الأمريكية لكبح جماح الصناعة السيبرانية الهجومية. ومن قائمة تضم أكثر من 100 دولة عميلة محتملة، أصبح من المسموح الآن تصدير الأسلحة السيبرانية إلى ما يقل قليلا عن 40 دولة، معظمها في الغرب. ونتيجة لذلك، عدد من الشركات الإسرائيلية التي تستمد رزقها من عملاء في أجزاء أخرى أقل ديمقراطية من العالم أغلقت أبوابها.
نجحت هذه الخطوة جزئيًا في تهدئة المجال، ولكن كان لها آثار إشكالية على صناعة الأسلحة السيبرانية المحلية، فقد تم إغلاق الشركات وتم تحفيز العشرات من الإسرائيليين للانتقال إلى أوروبا والولايات المتحدة؛ حيث بدأت صناعة السيبرانية الهجومية المزدهرة في الظهور لحساب إسرائيل، وقد حاول الباحثون عن الكفاءات اصطياد أفضل المتسللين الإسرائيليين، ولكن أيضًا إلى آسيا، بعيدًا عن الهيئات التنظيمية الإسرائيلية. إحدى هذه الشركات هي شركة “ديفينس برايم”، التي يوجد مقرها في الولايات المتحدة ولكنها مملوكة لإسرائيليين؛ فقد جندت هذه الشركة موظفين إلكترونيين إسرائيليين هذا العام، بما في ذلك من مؤسسة الدفاع نفسها.
ومن الآثار الأخرى غير المقصودة الناجمة عن الأزمة التنظيمية على الإنترنت أن الشركات الأخرى بدأت في تغيير نموذج أعمالها وتحولت إلى المتاجرة ليس في برامج التجسس، بل في “برامج الاستغلال” (الحيل الفعلية المستخدمة لاختراق الأجهزة) ونقاط الضعف. فلديهم بنوك بها العديد من الخروقات جاهزة للبيع لشركات مثل “إن إس أو” وغيرها، والتي تحتاجها برامج التجسس من أجل الاستمرار في إصابة الأجهزة، حتى بعد أن تم حظر الخروقات السابقة بواسطة “أبل” أو “غوغل”. وهناك عدد من الشركات تقدم مثل هذه المنتجات وتعمل من سنغافورة وإيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة، وتوظف كبار الإسرائيليين في مناصب عليا في هذا المجال.
وتشعر المؤسسة الأمنية بقلق حقيقي من أن هذه القدرات التكنولوجية سيتم بيعها أيضًا من قبل شركات أجنبية لا تخضع للرقابة على الإطلاق. وبناءً على ذلك، وعلى أمل إبقاء المجال الجديد في إسرائيل، وتحت الإشراف، تقرر هذا العام محاولة تنظيم الصناعة، وذلك أيضًا بهدف محاولة استرضاء شركات الإنترنت المحلية الغاضبة من الأزمة التي شهدها مجالها المربح على مدى أكثر من عام؛ وتحديدًا الـ 20 شهرًا الماضية.
ومن المعروف منذ زمن طويل أن الدول لديها قدرات مراقبة ويمكنها استخدامها ضد مواطنيها، حتى في عصر الهواتف الذكية المشفرة. وفي السنوات الأخيرة، أدرك عامة الناس أن البلدان غير الغربية ــ في أفريقيا وآسيا وأميركا الوسطى والعالم العربي ــ تمتلك أيضًا هذه القدرات، ليس لأنها كانت قادرة على تطويرها بشكل مستقل، بل لأنها اكتسبتها في القطاع الخاص الدولي، سوق الأسلحة الرقمية.
وهذه القدرات، التي أنشأتها شركات إسرائيلية إلى حد كبير، كان المقصود منها في الأصل منع الإرهاب والجرائم الخطيرة، ويجري إساءة استخدامها أيضًا، خاصة من قبل الدول غير الليبرالية وغير الديمقراطية التي ليس لديها خبرة كبيرة في التعامل مع مثل هذه التقنيات المتقدمة. وكما هي الحال مع الأسلحة، فإلى جانب السوق القانونية المنظمة، تتشكل أيضًا أسواق أكثر قتامة وأقل خضوعًا للإشراف، والتي من خلالها تباع التكنولوجيات – سواء كانت أسلحة أو أسلحة رقمية – إلى دول مشبوهة تحظر حتى إسرائيل البيع لها، وربما حتى إلى هيئات خاصة. وتحذر مصادر في الصناعة من أنه هذه المرة أيضًا، كما حدث مع الهجمات السيبرانية، من المحتمل أن تكون هناك عواقب مماثلة.
تلقت صحيفة “هآرتس” الردود التالية من الشركات المذكورة في هذا المقال، والتي طلب منها جميعها التعليق:
ذكرت شركة “إنساينت”: “إن “إنساينت” هي شركة إسرائيلية تعمل مع الالتزام الكامل والمطلق بالقانون الإسرائيلي وتوجيهاته التنظيمية الصارمة”.
صرحت “رايزون”: “في السنوات الأخيرة، تركز الجزء الأكبر من نشاط “رايزون” على مجالين رئيسيين، وهما: تحليل البيانات الضخمة والحلول الواسعة في مجال الدفاع السيبراني لمجموعة من العملاء في إسرائيل وعلى المستوى الدولي، من بينهم الحكومات والعملاء التجاريون. وباعتبارها شركة خاصة، تلتزم “مجموعة رايزون” بالسرية ولا تشير إلى منتجاتها أو عملائها بشكل فردي”.
صرحت شركة “كوب.ويبس”: “تفخر الشركة بدعم عملائنا في مجال إنفاذ القانون الذين يتصدون ليلًا ونهارًا لحمايتنا من مجموعة واسعة من التهديدات العالمية: تمويل الإرهاب، والهجمات الإلكترونية، واستغلال الأطفال، وجرائم العنف، وتهريب الأسلحة، والاتجار بالبشر. وتستفيد هذه التهديدات من أساليب الاتصال المحلية والدولية التي تقوض القدرة على التعرف عليها والتعامل معها، وتتطلب تكنولوجيا متقدمة للتعامل مع قضايا مثل الذكاء المفتوح وتحليل البيانات الضخمة. لا تعلق شركة “كوب.ويبس” على العلاقات التجارية مع العملاء. ومن ناحية الخصوصية، نود أن نشير إلى أننا نعمل فقط وفقًا للقانون ونحرص بشدة على الالتزام باللوائح الصارمة مثل اللائحة العامة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي”.
اختارت وزارة الدفاع و “إن إس أو” و”كانديرو” و”باراغون” و”إيه دي هوك” و”بي سايتفول” و”كوغنايت”، عدم الرد على هذا التقرير.
البرادعي وآخرون يتحدثون عن مستقبل بدون السيسي.. ماذا يجري في مصر؟
|
تحدثت شخصيات سياسية وازنة في مصر عن مستقبل البلاد في غياب رئيس النظام الحالي عبد الفتاح السيسي، وذلك مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في البلاد.
نائب الرئيس المصري الأسبق الدكتور محمد البرادعي، تحدث عن “مستقبل قريب” ينتظر بلاده دون ذكر مصير السيسي، مثيرا الكثير من الجدل بشأن دلالات حديثه، وحول ما إذا كان طرحه هو الحل الأمثل للأزمة المصرية.
رئيس وكالة الطاقة الذرية الأسبق، كتب السبت الماضي على صحفته على موقع إكس (تويتر سابقا)، عن “مستقبل قريب”، جاء فيه “توافق وطني تفصيلي جاد بين القوى الرئيسية في البلاد المدنية، والعسكرية، والليبرالية، والإسلامية، على ركائز نظام سياسي واقتصادي قائم على الحرية والعدالة الاجتماعية”.
وأوضح أن هذه الرؤى سيتم تنفيذها “خلال فترة انتقالية محددة بمشاركة الجميع، تكون الأولوية فيها إعادة بناء المؤسسات”.
“حديث غامض”
تغريدة البرادعي، رآها البعض غامضة ولم تحدد وسيلة تنفيذ أفكاره المطروحة، ولا النظام أو الجهة التي ستقوم على تحقيقها، ووضع النظام القائم الآن منها، وهل هو داخل تلك المعادلة أم خارجها؟ وهل حصل على إشارة من جهة داخلية أو خارجية أو دولة ما تؤيد أو تدعم دعوته؟
وكان البرادعي قد استبق ذلك الحديث بالقول إن أحوال المصريين “ليست على ما يرام في الكثير من الأمور الداخلية والخارجية”، مؤكدا أن “هناك حاجة ماسة إلى توافق وطني جاد ومفصل بين شركاء الوطن مبني على الحقيقة والعلم وبعيد عن الشعارات على شكل المستقبل وأهدافه وآليات الوصول إليه”.
وفي الوقت الذي تساءل فيه البعض حول احتمال أن يكون ما طرحه الرجل أحد رموز ثورة يناير 2011، مجرد أمنيات رفعت سقف الطموحات لدى البعض عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أتبع البرادعي تغريدته المثيرة للجدل بأخرى.
وقال في تغريدة جديدة: “أملي أن أرى بلدنا تواكب مسيرة التقدم بعد عقود طويلة من الاستبداد وغياب الحكم الرشيد والتخلف عن ركب الحضارة”، موضحا أن دوره يقتصر على “إبداء الرأي وتقديم المشورة لكل أبناء الوطن”، ومؤكدا أن “التغيير يأتي بالعمل الجماعي السلمي المنظم”.
“نصيحة بدراوي”
وفي سياق التصريحات المثيرة للجدل قال الأمين العام السابق للحزب الوطني المنحل حسام بدراوي، إن النظام الحالي يكرر نفس لغة نظام مبارك، ولكن بفارق واحد، هو أن هناك مساحة للتعبير عن الرأي سابقا حتى داخل الحزب الوطني.
وأضاف بدراوي لقناة “بي بي سي” الجمعة الماضي، أن الإصلاح يجب أن يأتي من داخل النظام، والخيوط حاليا فـي يد السيسي، وهو في اختبار صعب جدا أمام التاريخ، وهو من في يده نقل السلطة.
وأكد أنه “إذا لم يرشح السيسي نفسه لفترة ثالثة فسيدخل التاريخ”، لافتا إلى أن مصر دولة مركزية، وأن من سيرشح نفسه في الانتخابات يجب أن تكون لديه خلفية سياسية كبيرة، وتنظيم قوي، واتفاق مع القوات المسلحة.
“اختيار جاد”
وفي هذا الإطار، أثار المتحدث باسم “التيار الحر” الليبرالي المعارض، عماد جاد، الشارع السياسي المصري بأطيافه بقوله إن رئيس أركان الجيش المصري الأسبق الفريق محمود حجازي، هو الرئيس الأمثل لمصر في المرحلة القادمة.
جاد في بيان له بعنوان “نداء من أجل الوطن”، دعا لمرحلة انتقالية يقودها أحد أبناء مؤسسات الدولة، مضيفا: “لا نريد قفزة في الهواء، ولا نريد انتخابات هزلية، ولا نريد مرشحين هواة من خارج دولاب الدولة”.
“تزايد الفجوة”
وعلى الجانب الآخر، أعلنت الحركة المدنية الديمقراطية في مصر التي تضم 12 حزبا وبعض الشخصيات المؤثرة في المشهد المصري، رغبتها بعدم ترشح السيسي، مؤكدة أن البلاد لن تحتمل فترة رئاسية ثالثة له، محذرة من التأخر في فتح مسار آمن للتغيير يضع مصر على شفا الانفجار.
وتتزايد الفجوة بين النظام والمعارضة في الداخل وخاصة التيار الليبرالي بعد حكم محكمة الجنح الاقتصادية في القاهرة، السبت الماضي، بحبس الأمين العام لمجلس أمناء التيار الحر هشام قاسم (64 عاما)، 6 أشهر، مع تغريمه 20 ألف جنيه.
كما كشف المرشح الرئاسي المحتمل أحمد الطنطاوي، الذي يعده البعض المنافس الوحيد للسيسي، أن هاتفه تحت المراقبة الأمنية منذ أيلول/ سبتمبر 2021، بجانب ما طال أعضاء حملته الانتخابية من تضييق.
“وضع قاس”
وتعيش مصر منذ العام 2013، أزمة سياسية طاحنة، إثر انقلاب قائد الجيش حينها عبد الفتاح السيسي، على أول تجربة مدنية ديمقراطية بعد ثورة يناير 2011، بالإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي، وسجنه.
وتولى السيسي حكم مصر مدتين رئاسيتين الأولى 4 سنوات من 2014، وحتى 2018، والثانية منذ ذلك التاريخ، وحتى نيسان/ أبريل المقبل، لمدة 6 سنوات، وفي طريقه للترشح لفترة رئاسية ثالثة بعد تعديلات دستورية أقرها عام 2019، وتمنحه حكم البلاد حتى 2030.
خمسة أشخاص أعلنوا الترشح لمنافسة السيسي، حتى الآن، على رئاسة الجمهورية، وهم رئيس حزب “الوفد” عبد السند يمامة، وعضو الحزب فؤاد بدراوي، ورئيس حزب “الشعب” حازم عمر، ورئيس حزب “السلام” أحمد الفضالي، والبرلماني السابق أحمد الطنطاوي.
“تحول داعمي السيسي”
ويرى عضو “الحركة المدنية الديمقراطية” سمير عليش، في حديثه لـ”عربي21″، أن “هناك تحولا واضحا من داعمي السيسي، الخارجيين، بقيادة أمريكية”.
المتحدث الرسمي السابق باسم “الجبهة الوطنية للتغيير”، قال على سبيل المثال إن “خطاب البرادعي، ما هو إلا طرح لفكرة يمكن أن تجتمع عليها الأكثرية كسبيل للخروج من نفق مظلم أدخلنا فيه النظام العسكري بقيادة السيسي”.
وأشار إلى ضرورة أن يحدث ذلك “دون صدام كامل معه عبر تأسيس نظام سياسي جديد مبني على شعارات 25 يناير 2011، من الحرية والعدالة الاجتماعية”.
“نوع من التخدير”
من جانبه، قال القيادي في جماعة الإخوان المسلمين والبرلماني المصري السابق الدكتور جمال حشمت: “لم نعد نثق فيما يُقال ونحن محاصرون كأبناء مصر، وهناك من يتخذ القرار لنا ويصرح، ولا ندري ماذا يحدث؟”، مضيفا أنه “لذلك هناك قرارات تم اتخاذها منذ فترة والعمل قائم بها”.
حشمت، وفي حديثه لـ”عربي21″، أشار إلى “قول المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، إن أمريكا ستفعل كل ما بوسعها لمنع ديمقراطية حقيقية في الشرق الأوسط”، مضيفا: “وقد عاصرنا هذا منذ انقلاب يوليو 1952”.
وتساءل السياسي المصري، “من نصدق؟ هل البرادعي صاحب الأثر في الانقلاب العسكري عام 2013، أم نعوم تشومسكي؟”.
وختم حديثه بالتأكيد على أن “أي كلام بلا حراك صار نوعا من التخدير الذي نستمع له لا نرفض الجيد منه، لكن لن ننسج منه أحلاما لمستقبل مصر الحقيقي الذي يحتاج لجهد وعرق وصبر وإخلاص”.
“رقص في مسرح العسكر”
وفي قراءته لحديث البرادعي، قال رئيس المكتب السياسي للمجلس الثوري المصري الدكتور عمرو عادل لـ”عربي21″: “من الطرائف الموجودة فيمن يسمون أنفسهم النخبة أنهم يخلطون عمدا أو خطأ بين ما يأملون حدوثه وبين الواقع”.
السياسي المصري، أضاف: “كما أنهم يمتلكون قدرة هائلة على صناعة عالم مواز ليس له علاقة بالواقع، هذا إن أحسنا الظن، أما إذا أسأنا الظن فهم يحاولون وضع أنفسهم بالمنطقة الآمنة سواء كانت ملاصقة لأصحاب القوة العساكر، أو التي تبتعد عن الصدام معهم أو التي تساعدهم لإحكام السيطرة”.
وأرجع عادل السبب إلى أنه “لا يمكنه الانسحاب من على خشبة المسرح، فبدلا من الخروج من التاريخ فهو يحوله إلى مسرح عبثي”، مضيفا أن “البرادعي والكثير مثله يعيشون في أوهام النموذج الذي يرسمه العساكر”.
وأكد السياسي المصري المعارض من الخارج أن “السلطة تعني القوة؛ سواء قوة السلاح، أو قوة المؤسسات، أو قوة القانون، أو قوة الجماهير الكاسحة، ومؤسسات المجتمع المدني”.
وأوضح أنه “لا توجد أي من هذه الأدوات إلا وسيطر عليها العساكر باستثناء الجماهير، ولا يوجد ما يدعوهم للتخلي عنها”، ويعتقد أنها “فقط مناورة لكسب الوقت، وإعادة الساعة إلى عام 2013”.
ويعتقد ضابط الجيش المصري السابق، أن “المؤسسة العسكرية فقدت الآن كل احترام لها من قطاع واسع من الشعب، ولو حدث كما يقول البرادعي -وأشك في ذلك- فهو عمل تكتيكي من العساكر لضبط المجال العام، وتقليل حدة الغضب لدى الجماهير”.
ويرى القيادي بالمجلس الثوري المصري، أن “الحل الآن هو تأجيج غضب الجماهير، وليس الصعود على المسرح لإنقاذ العساكر بحركات مسرحية تحمل الكوميديا السوداء التي ابتلينا بها من نخب لا تعرف شيئا إلا الرقص في مسارح العساكر”.
“أهلا به لو يقدر”
وفي قراءته لدلالات حديث البرادعي، تساءل السياسي المصري، مجدي حمدان موسى: “أين يسكن البرادعي؟”، مجيبا بقوله إنه “يسكن جنيف في سويسرا، بعيدا عن الأرض المصرية وعن المواطن والشارع المصري، وبالتالي تكون رؤيته من خلال مواقع التواصل الاجتماعي”.
ولذا يستبعد تماما عضو المكتب السياسي والهيئة العليا بحزب “المحافظين”، وعضو “الحوار الوطني”، في حديثه لـ”عربي21″، أن “يكون للبرادعي وضع قائم في المنحنى السياسي بالحياة السياسية المصرية”.
وبشأن حديث البرادعي عن توافق وطني يجمع المدنيين، والعسكريين، والليبراليين، والإسلاميين، تعجب موسى، من تلك الخلطة، وتساءل مجددا: “كيف يمكن لتلك الجبهات أن تجتمع رغم حالة الاختلال الأيديولوجي بينها؟”.
وتابع تساؤلاته: “كيف يجتمع المدني مع العسكري، والليبرالي مع الإسلامي في أيديولوجية واحدة؟”، مؤكدا أنه “لم يحدث في التاريخ ولن يحدث لاحقا”، مضيفا أن “الليبرالي يعكس مفاهيم مختلفة عن الإسلامي، والعسكري لا ينتمي للمنظمات المدنية ولا ينتمي للمدنية”.
وبشأن حديث البرادعي عن “نظام سياسي واقتصادي قائم على الحرية والعدالة الاجتماعية”، أكد موسى، أن “هذا جزء أساسي في الدستور المصري، فهناك الباب الثالث بالكامل بعنوان الحريات للصحافة والمواطن والحياة الشخصية وإبداء الرأي وغيرها”.
وعاد السياسي المصري يتساءل: “هل الرئاسة الحالية أو القادمة قادرة على تطبيق هذا الأمر؟”، مؤكدا أنه لا يقدر القول إن “هناك نظاما سياسيا واقتصاديا قائما على الحرية والعدالة الاجتماعية بمصر لأنه غير موجود تماما”.
بل يرى أن “النظام الحالي يتعامل بالعصا لكل من يبدي رأيا مخالفا، والجزرة، مثل ما أصدره السبت الماضي من قرارات ثمانية تدشن لحزمة مساعدات”.
وعن قراءته لمعقولية تنفيذ أفكار البرادعي تلك بالجمع بين العسكر والإسلاميين بعد ما وقع من حمامات دم راح ضحيتها الآلاف خاصة في مجزرتي رابعة والنهضة، لا يعتقد موسى، أبدا أن “يكون هناك توافق بين العسكريين والإسلاميين في الوضع الحالي”.
وختم حديثه بالقول: “لا توجد عقلانية والأجواء السياسية مختلفة عن 25 يناير 2011، وعن 30 يونيو 2013، وإذا كان البرادعي قادرا على تنفيذ هذه النقاط فأهلا به، لكن غير ذلك للأسف فهي غير موجودة على الأرض، ولن تنفذ لاختلافات كثيرة في الـ10 سنوات الماضية”.
المصدر: موقع عربي 21
بعد كارثة درنة.. سدود أخرى حول العالم تمثل قنابل موقوتة
|
نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، مقالا للمديرين المشاركين لمنظمة الأنهار الدولية، جوش كليم وإيزابيلا وينكلر، قالا فيه إن انهيار سدين في ليبيا، والذي أطلق العنان لمياه الفيضانات الغزيرة التي خلفت ما لا يقل عن آلاف الضحايا والمفقودين، كان من الممكن منعه رغم أنه كان متوقعا.
وذكر المقال الذي ترجمته “عربي21”, “أن سدي درنة لن يكونا آخر السدود الكبيرة التي تنهار إلا إذا قمنا بإزالة وإصلاح بعض الهياكل القديمة والمتقادمة التي تجاوزت تاريخ انتهاء صلاحيتها منذ فترة طويلة”.
وأضاف: “مثل العديد من السدود حول العالم، تم بناء سدود وادي درنة في ليبيا في السبعينيات خلال عصر ذروة بناء السدود العالمية، حيث تم إنشاء 1000 سد كبير كل عام. والآن تصل معظم هذه السدود إلى نهاية عمرها الافتراضي”.
وأشار المقال، “إلى أن التفاصيل لا تزال تتكشف، لكن يبدو أن انهيار سدي ليبيا قد نتج عن سوء الصيانة، وضعف مراقبة الخزانات التي غمرتها عاصفة ممطرة ضخمة”.
وتابع، “صدرت تحذيرات حاسمة العام الماضي بشأن تدهور حالة السدين والإصلاحات اللازمة لتجنب مثل هذا السيناريو، ولكن لم يتم اتخاذ أي إجراء”.
وبحسب المقال، فإن كوارث مماثلة تنتظر الحدوث في جميع أنحاء العالم. ويكمن الخطر الأكبر في الهند والصين، حيث بدأت السدود الضخمة البالغ عددها 28 ألف سدا والتي بنيت في منتصف القرن العشرين بالتقادم.
ويبلغ عمر سد مولابيريار في ولاية كيرالا بالهند أكثر من 100 عام، وهو متضرر بشكل واضح ويقع في منطقة معرضة للزلازل. وسيؤدي انهياره إلى الإضرار بـ 3.5 مليون شخص في اتجاه مجرى النهر.
أما في الولايات المتحدة، ثاني أكبر دولة في بناء السدود بعد الصين، فيذكر كاتبا المقال أن متوسط عمر السدود يبلغ 65 عاما، وهناك ما يقدر بنحو 2200 هيكل معرضة بشدة لخطر الانهيار. ويخصص قانون البنية التحتية الأخير 3 مليارات دولار لصيانة بعضها، ولكن لا تزال هناك آلاف السدود التي لا تتحمل الحكومة الفيدرالية المسؤولية عنها، وسوف يتكلف إصلاحها ما يقدر بنحو 76 مليار دولار.
وأردف كاتبا المقال، أن المخاطر الناجمة عن السدود القديمة تمثل مصدر قلق خاص في مواجهة تغير المناخ، حيث تم تصميم السدود لتحمل أسوأ الظروف كما يمكن تخيلها وقت البناء، ولكن ما كان يُنظر إليه ذات يوم على أنه أحداث مناخية تحدث مرة واحدة كل قرن بدأ يحدث بانتظام متزايد، ما يعرض السدود لخطر كبير إما بالفشل أو إضعاف بنيتها بشكل كبير.
ويضيف المقال الذي كتبه مختصان بالمياه والسدود، أن قبل الكارثة في ليبيا، كان الطقس القاسي الذي تفاقم بسبب تغير المناخ يؤثر بالفعل على هذه الهياكل حيث دمرت الأمطار الغزيرة سد أوروفيل القديم في كاليفورنيا في عام 2017، ما أدى إلى عمليات إجلاء جماعية وسط مخاوف من حدوث تسربات كبيرة خارجة عن السيطرة.
كما دمرت قطعة من نهر جليدي في الهيمالايا سدا وألحقت أضرارا بآخر في شمال الهند في عام 2021، ما أسفر عن مقتل العشرات، حيث أصبح ذوبان الأنهار الجليدية بسرعة نتيجة لارتفاع درجات الحرارة الآن خطرا كبيرا على سلامة السدود والمجتمعات التي تعيش في اتجاه مجرى النهر.
وكان النهج الافتراضي هو إصلاح السدود القديمة عند الحاجة، ومراقبة مستويات الخزانات ومحاولة توقع هطول الأمطار وزيادة التدفقات من المنبع، وفق المقال.
ويذكر كاتبا المقال على سبيل المثال سد كاريبا الواقع على نهر زامبيزي في جنوب أفريقيا، والذي يخضع لإصلاحات واسعة النطاق لمنع انهياره بعد أن تبين أن مجرى النهر تحته قد تعرض للضعف الشديد.
وتقدر تكلفة الإصلاحات المطلوبة لإبقاء السد قائما حوالي 300 مليون دولار، رغم انخفاض إنتاج الطاقة الكهرومائية أصلا بسبب الجفاف.
ويرى المقال أن مثل هذه المشاريع تعمل في الأساس على سد الشقوق، وغالبا ما تكون أكثر تكلفة بكثير على المدى الطويل من إزالة السدود التي عفا عليها الزمن.
وفي حين أن بعض السدود القديمة لا تزال توفر مياه الشرب وتساعد المزارعين في ري حقولهم، فإن العديد من السدود التي تم بناؤها للطاقة الكهرومائية لا تولد سوى جزء صغير من الكهرباء التي كانت تنتجها في السابق بسبب تراكم الرواسب خلف جدرانها.
كما أدى الجفاف المتزايد المرتبط بتغير المناخ إلى شل توليد الطاقة الكهرومائية في جميع أنحاء العالم، مما أدى إلى تقنين الطاقة وانقطاع التيار الكهربائي في الولايات المتحدة والصين والبرازيل.
ويقول الكاتبان، إن حقيقة تزايد صعوبة تبرير وجود العديد من السدود هي أحد الأسباب وراء وجود حركة متنامية، تقودها غالبا الشعوب الأصلية وغيرها من السكان المهمشين، لإزالتها.
ومن الجدير بالذكر أن إزالة أربعة سدود على نهر كلاماث على طول الحدود بين ولاية أوريغون وكاليفورنيا، والتي من المقرر أن تكتمل في العام المقبل، سيكون أكبر جهد من نوعه في التاريخ.
ويضيف المقال، أن وتيرة إزالة السدود وترميم الأنهار في أوروبا تتسارع، حيث تعد أنهار القارة من بين أكثر الأنهار تقطعا في العالم، وقد شهدت انخفاضا كبيرا في التنوع البيولوجي للمياه العذبة.
ورجح المقال أن يؤدي مشروع ترميم نهر ميوز في هولندا، والذي يتضمن استعادة سهوله الفيضية لمعالجة الفيضانات والجفاف، إلى تقليل الفيضانات الشديدة من مرة كل قرن إلى مرة كل 250 عاما.
وختم المختصان بالسدود والأنهار مقالهما المشترك بالإشارة، إلى أن كارثة السد المأساوية في ليبيا تعتبر بمثابة إنذار للسدود القديمة الأخرى في جميع أنحاء العالم، وإن أفضل أداة هي إزالتها تماما.
يمر في وسط بلدة حوارة شارع رئيسي ضخم يصل بين مدن فلسطينية كبيرة، مثل نابلس ورام الله، ولكنه بالتزامن مع ذلك يصل بين أهم المستوطنات الإسرائيلية في شمال الضفة الغربية المحتلة ووسطها.
في ثمانينيات القرن الماضي افتتح الاحتلال الإسرائيلي شارعا لمستوطنيه يخترق بلدة حوارة كي يسهل عليهم التنقل بين المستوطنات، ومع مرور الوقت أصبحت البلدة مرتعاً لهم لينفذوا اعتداءاتهم اليومية بحماية ومراقبة قوات الاحتلال دون تحريك ساكن، بل إنها تشاركهم في الكثير من الأحيان.
تحولت البلدة إلى سوق تجاري للمستوطنين، ينزلون من مركباتهم ويبتاعون الخضار والبضاعة من المحال التجارية الفلسطينية التي إن اعترض أصحابها، فالجنود موجودون لعقابهم وإغلاق محالهم بمزيد من الظلم، في مشهد يشبه كثيرا ما كان يحدث في كل الدول المستعمرة.
ولكن منذ عدة أشهر تغيرت المعادلة؛ فأصبح المستوطنون الآن يحاولون تجنب دخول البلدة والسير في شوارعها، فعدة عمليات فدائية أوقعت أكثر من خمسة قتلى منهم كانت كفيلة بقلب المشهد.
ردع مباشر غلاة المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية يجدون في بلدة حوارة مركزا لانطلاق اعتداءاتهم ورشق المركبات الفلسطينية بالحجارة، ولكنهم فوجئوا بأنها المكان الأخطر عليهم حاليا بعد أن ظنوا أنهم سيطروا عليها مع الوجود الدائم لقوات الاحتلال.
وربما كانت العملية الفدائية الأخيرة التي قتل فيها شاب فلسطيني مستوطنين اثنين أثناء غسل مركبتهما في مغسلة مركبات فلسطينية محلية داخل البلدة قبل شهر؛ هي الشعرة التي قصمت ظهر البعير وجعلت المستوطنين يفكرون ألف مرة قبل دخولها، بحسب مراقبين.
الكاتب والمحلل محمد القيق قال لـ”عربي21″ إن حوارة هي الموقع الجغرافي الذي يتداخل فيه المستوطنون والفلسطينيون من مسافة صفر بين راجل وراكب، والتي فيها السوق التجاري وممر المستوطنات ومدن شمال الضفة الفلسطينية إلى الوسط.
ويرى أنها أصبحت هدفا للمقاومين يختارونها لأسباب عدة؛ أهمها التواري الأمني السريع وتصعيب مهمة اعتقالهم نظرا للكثافة السكانية الكبيرة المزدحمة على الشارع الرئيسي، وكثرة وجود مركبات المستوطنين وسيرها ببطء، ما يعطي أولوية لهذه المنطقة، حيث إن الإصابة حتمية ومباشرة والعملية ناجحة مسبقاً.
قرب البلدة الكبير من مركز مدينة نابلس وتفرعها لعدة طرق يجعل خيارات المقاومين أسهل وأكثر؛ خلافا لهدف آخر على شارع التفافي طويل دون وجود تجمعات سكنية فلسطينية، ووجود حواجز إسرائيلية عسكرية كبيرة وسهولة التعقب عبر الكاميرات وسرعة السيارات على الشوارع الالتفافية ما سيضعف نجاح هذه العملية، بحسب قول القيق.
وأضاف: “العمليات المتتالية في حوارة هي رسالة رفض لسياسة الاحتلال بتحويل الفلسطينيين لعبيد يعملون على خدمة المستوطنين سواء في غسل مركباتهم أو إصلاحها أو تعزيز صورة الإسرائيلي أنه الذي يصول ويجول والفلسطيني يخدمه وهذا سيعزز الاستيطان”.
العمليات في هذه المواقع الجغرافية الحساسة تحقق أهدافا أخرى منها طرد المستوطنين وهدر أمنهم واستنزافهم وتعزيز كرامة الفلسطينيين وهيبتهم، وقطع الطريق على مشاريع الترويض في كل المجالات التي تمارسها “إسرائيل”، كما يقول القيق.
وتابع: “المستوطن الذي كان يعربد ويتبجح ويحرق ويقتل بات يكتب في هذه المنطقة حين يمر منها (ادعوا لنا أن نمر سالمين)، وهذا حققته المقاومة في إطار الردع المباشر”.
فشل الترويض تمتد حوارة على مساحة 8 آلاف دونم، ولكن المنطقة المتاحة لبناء المنازل لا تتجاوز الألف دونم فقط حيث إن الأغلبية الساحقة من أراضيها مصنفة على أنها ضمن أراضي “ج” الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية وفقا لاتفاقية أوسلو الموقعة مع السلطة.
استولت مستوطنتا “يتسهار” و”براخا” على أكثر من 1100 دونم من أراضي حوارة، ويقطنهما مستوطنون متشددون يرفضون الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية، ويعملون بالتالي على محاولة طردهم باستخدام وسائل ترهيب مختلفة.
هجمات المستوطنين الذين يحميهم الجيش الإسرائيلي تكاد لا تتوقف على أهالي البلدة، بما في ذلك إحراق المنازل والمنشآت والمحاصيل الزراعية وسرقة الثمار والاعتداء على الأهالي بمن فيهم الأطفال والنساء والشيوخ.
الباحث في الشأن الإسرائيلي معتصم سمارة قال لـ”عربي21″ إن بلدة حوارة مثلت منذ سنوات عديدة شريان الحياة بين عدة مدن فلسطينية، وكانت مثالا لما أسماه الاحتلال السلام الاقتصادي الذي كان يراد تسويقه للفلسطينيين، حيث كان المستوطنون يتجولون فيها ويشترون بضاعتهم وهم من سكان المستوطنات المقامة على أراضي حوارة، وأشهرها “يتسهار” التي يسكن فيها غلاة المستوطنين المتطرفين.
مؤخرا تبدلت الصورة وأصبحت البلدة في الإعلام الإسرائيلي رمزا للعمليات التي تنفذها المقاومة الفلسطينية ضد المستوطنين، لا يجدون طريقا آخر إلا عبر المرور منها وبالتالي كانوا هدفا سهلا أمام المقاومين.
وأوضح أن البلدة مهمة جدا للمستوطنين لأنها تربط بين مستوطنات “يتسهار” و”إيتمار” في جنوب نابلس والشمال “شافي شمرون” و”أفني حيفتس” وغيرها، فمن أراد من المستوطنين الذهاب إلى مستوطنات مقامة على أراضي سلفيت أو رام الله فلا بديل له إلا الشارع الرئيسي الذي يمر من حوارة. والآن يقوم الاحتلال بشق طريق جديد يقضم أراضيها فقط لاستخدام المستوطنين، إذ يلتف حول البلدة لتأمين المستوطنين لتجاوز الاحتكاك مع الفلسطينيين.
وأشار إلى أن التواجد الكثيف داخل الشارع الرئيسي بمسافة ثلاثة كيلومترات مع وجود أكثر من سبع تجمعات للجيش الإسرائيلي عدا عن الحواجز الممتدة على طول البلدة التي يتم إيقاف المارة عبرها، لأن الاحتلال يراها نقطة هامة جدا أمنيا وتحتاج السيطرة عليها إلى كل هذا الجهد بالإضافة لزراعة عشرات آلات المراقبة على الشارع نفسه في محاولة للسيطرة على الوضع الأمني.
أفشلت حوارة مخططات السلام الاقتصادي كما غيرها من القرى والبلدات الفلسطينية، وأصبحت تعتبر واحدة من بؤر المقاومة الشرسة التي لا يجد الاحتلال أمامها أمناً لمستوطنيه.
فيحاء شلش
المصدر: موقع عربي 21
ماسك يخطط لفرض اشتراك شهري مقابل استخدام «إكس»
|
قال الملياردير الأميركي إيلون ماسك إن جميع مستخدمي منصة «إكس» (تويتر سابقا)، قد يضطرون إلى دفع اشتراك شهري مقابل استخدامها.
جاء ذلك اجتماع مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ناقشا خلاله سبل الاستفادة من فوائد التقدم السريع في مجال الذكاء الاصطناعي مع الحد من مخاطره على المجتمع.
وقال الملياردير الذي اشترى منصة «إكس» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «دفع الأموال مقابل استخدام المنصة هو الطريقة الوحيدة لمواجهة الروبوتات والحسابات المزيفة».
وأضاف: «إننا نتجه نحو الحصول على دفعة شهرية صغيرة مقابل استخدام إكس».
ومنذ استحواذه على «تويتر» العام الماضي، سعى ماسك إلى تحفيز المستخدمين على الدفع مقابل الحصول على خدمة محسنة. وتسمى هذه الخدمة المحسنة الآن «إكس بريميوم X Premium».
ومع ذلك، لا يزال بإمكان مستخدمي «إكس» العاديين حالياً استخدام المنصة مجاناً.
اشترى ماسك منصة «إكس» في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
وتبلغ تكلفة «إكس بريميوم» حالياً 8 دولارات شهرياً في الولايات المتحدة. ويختلف السعر حسب البلد الذي يوجد فيه المشترك.
وقال أغنى شخص في العالم إنه يبحث الآن عن خيارات أرخص للمستخدمين العاديين.
وأضاف: «سنتوصل في الواقع إلى أسعار أقل بكثير للمستخدمين العاديين، نريد فقط أن نفرض مبلغا صغيرا من المال».
وتابع ماسك: «من وجهة نظري، هذا هو الدفاع الوحيد ضد جيوش ضخمة من الروبوتات المستخدمة على المنصة».
وأشار الخبراء إلى أن هذا الإجراء قد يتسبب في فقدان عدد كبير من مستخدمي «إكس»، وهذا بدوره يمكن أن يؤدي إلى انخفاض عائدات الإعلانات، التي تمثل حالياً الغالبية العظمى من دخل الشركة.
وخلال اجتماعهما، حث نتنياهو ماسك على تحقيق التوازن بين حماية حرية التعبير ومكافحة خطاب الكراهية على «إكس».
جاء ذلك بعد الجدل على مدى أسابيع حول المحتوى المعادي للسامية على «إكس».
وهاجم ماسك هذا الشهر رابطة مكافحة التشهير متهما المنظمة غير الربحية التي تعمل على مكافحة معاداة السامية بأنها السبب الرئيسي في انخفاض عائدات الإعلانات الأميركية على «إكس» 60 بالمائة، دون تقديم أدلة على ذلك.
وقال نتنياهو: «آمل أن تجدوا، ضمن حدود التعديل الأول للدستور الأميركي، القدرة ليس فقط على وقف معاداة السامية… ولكن أي كراهية جماعية لشعب ما».
ورد ماسك بالقول إنه ضد معاداة السامية وضد أي شيء «يروج للكراهية والصراع»، مكررا تصريحاته السابقة بأن «إكس» لا تروج لخطاب الكراهية.
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
صفقة أموال إيران… تحسن طفيف للريال بعد الإفراج الأميركي عن 6 مليارات دولار
|
أصبح ما يقرب من 6 مليارات دولارات أخرى من الأرصدة الإيرانية المفرج عنها في الخارج، في متناول الحكومة الإيرانية، التي تواجه أزمة في النقد الأجنبي بفعل العقوبات الأميركية المشددة منذ 2018، والتي أفرزت أزمات اقتصادية في مقدمتها ارتفاع متواصل لأسعار السلع والخدمات في البلاد.
الأموال المفرج عنها كانت مجمدة في كوريا الجنوبية. وأعلن محافظ البنك المركزي الإيراني، محمد رضا فرزين، أمس الاثنين، أنه قد جرى بالفعل تحويل 5 مليارات و573 مليوناً و492 ألف يورو (5.96 مليارات دولار) إلى حسابات 6 بنوك إيرانية في الدوحة، وفق التلفزيون الإيراني.
وجاء الإفراج عن هذه الأموال، بينما قيمة الأرصدة الإيرانية المجمدة في كوريا الجنوبية، الناتجة عن عوائد تصدير النفط، كانت تبلغ 7 مليارات دولار قبل أعوام، لكن طهران خسرت منها مليار دولار، بسبب تراجع قيمة العملة الكورية (وون) أمام الدولار، وفق ما كشف محافظ البنك المركزي الإيراني، في وقت سابق، في منشور على “إنستغرام” قائلاً: “للأسف قرابة 7 مليارات دولارات من مواردنا المالية قد أودعت لدى بنوك كوريا الجنوبية قبل سنوات بالوون من دون أي عائد ربحي”، مضيفاً أن بلاده خسرت مليار دولار من المبلغ المذكور بسبب تراجع قيمة الوون أمام الدولار خلال السنوات الأخيرة.
10 مليارات دولار في الطريق
من جهته، كشف رئيس غرفة التجارة الإيرانية الصينية، مجيد رضا حريري، الاثنين، في حديث مع إذاعة الاقتصاد الإيرانية، عن قرب بدء مفاوضات لتحويل 10 مليارات دولار أخرى من الأموال الإيرانية في الخارج خلال الأيام المقبلة.
وقال حريري إن البنك المركزي الإيراني، تزامنا مع بدء العقوبات على البلاد عام 2009 قام بتحويل 22 مليار يورو من احتياطاته في الخارج إلى الصين “لكي تبقى بعيدة عن الألاعيب السياسية للدول الأكثر خطرا” عليها.
وتابع أنه “من 23 مليار دولار من احتياطيات إيران في الخارج تم الإفراج عن ستة مليارات دولار من كوريا الجنوبية، وستجري خلال الأيام المقبلة مفاوضات لتحويل 10 مليارات دولار أخرى”.
وعن الأموال الإيرانية في الخارج، قال عضو غرفة تجارة إيران، إنها “تشمل احتياطيات البنك المركزي الإيراني بالنقد الأجنبي، فضلا عن عوائد تصدير النفط والغاز وبقية السلع”، مشيرا إلى أن الأرصدة الإيرانية في الصين من احتياطيات البنك المركزي الإيراني “لا يمكن صرفها مرة أخرى”.
وهذه ليست المرة الأولى التي يُفرج فيها عن أموال إيران المجمدة في الخارج في إطار صفقات تبادل السجناء، ففي عام 2016 أيضا، أفرجت الولايات المتحدة عن 1.7 مليار دولار، كان جزءاً من المدفوعات الإيرانية وأرباحها إبان الحكم الملكي لقاء صفقات شراء أسلحة أميركية ألغيت بعد الثورة.
وتحول ملف الأرصدة المجمدة، خلال السنوات الأخيرة، إلى عنوان تفاوضي على طاولة المباحثات الأميركية الإيرانية، سواء في المفاوضات الرامية إلى إحياء الاتفاق النووي المبرم عام 2015، أو المباحثات الجارية بشأن تبادل السجناء، والتي تشترط فيها طهران الإفراج عن مليارات الدولارات مقابل الموافقة على صفقة التبادل.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني، أمس، في مؤتمره الصحافي رداً على سؤال بشأن حجم الأرصدة الإيرانية المجمدة في الخارج، أن إيران “لم تعد لها أرصدة مجمدة في دول أخرى”، مشيراً إلى أنه “في اليابان كانت لدينا مبالغ، استخدمنا معظمها وتمكنا من الاستفادة منها لتأمين حاجات البلاد وما بقي ليس مبلغاً يذكر، ولا نواجه مشكلة في الوصول إليها”.
وتابع كنعاني أن “ثمة أرصدة في تركيا أيضاً، في متناولنا بشكل نسبي، ولوجود علاقات طيبة بين البلدين لا نواجه قيوداً جادة في استخدامها”، مضيفاً أنّ “جزءاً من الأرصدة في العراق أيضاً قد أفرج عنه ونقل إلى حسابات موثوقة، فيما الأموال المتبقية نتوقع أنّ التعاون بشأنها سيستمر في ظل العلاقات البناءة بين البلدين”.
وكان محافظ البنك المركزي الإيراني قد كشف لأول مرة، في 14 يونيو/حزيران الماضي، أن بلاده تمتلك أرصدة بالنقد الأجنبي في دول مختلفة تقدر بأكثر من 100 مليار دولار، من دون الإفصاح عن أسماء تلك الدول وحجم الأموال المجمدة في كل دولة.
وجهات استخدام الأرصدة المفرج عنها
والسؤال البارز بعد الإفراج الأميركي عن الأرصدة الإيرانية في كوريا الجنوبية، هو تأثير ضخ هذه الأموال في الاقتصاد الإيراني المتأزم.
وفي السياق، يقول الخبير الإيراني محمد حسين أنصاري فرد، لـ”العربي الجديد” إن الستة مليارات دولار المفرج عنها “مبلغ كبير وجدير بالاهتمام، يعادل 350 ألف مليار تومان بالعملة الإيرانية”، مشيراً إلى أن الإفراج عن تلك الأرصدة جاء في وقت سجلت إيران خلال الفترة الأخيرة أعلى صادرات نفط بلغت مليوناً و500 ألف برميل يومياً.
,يرى أنصاري فرد أنّ “أقل تأثير سيكون نفسياً على السوق”، لافتا إلى أن أسواق إيران والدول الأخرى التي تتعرض للعقوبات الأميركية “تتأثر بتوقعات تضخمية” مستمرة، غير أن الإفراج عن هذه الأموال من شأنه أن “يقمع هذه التوقعات التضخمية ويعطي أفقا أفضل وأكثر وضوحا للاقتصاد الإيراني”.
وعن وجهة صرف الأرصدة المفرج عنها، يوضح أن “المواد الغذائية تستحوذ على أكبر حصة من الواردات الإيرانية التي تبلغ 50 مليار دولار سنوياً، وخاصة زيوت الطعام والمواد الأولية للأعلاف الحيوانية وفول الصويا وحبوب الذرة والشعير”، مشيرا إلى أن المليارات الستة تغطي “جزءاً كبيراً” من احتياجات إيران الاستيرادية التي لا تشملها العقوبات، كما تستخدم الأرصدة الإيرانية في العراق واليابان للغرض نفسه.
شراء الأغذية والأدوية
وأكدت الإدارة الأميركية أن إيران يمكنها فقط استخدام الأموال لشراء الأغذية والأدوية والسلع الإنسانية، معلنة أنها ستشرف على طريقة صرفها، مع التهديد بأنها ستوقف العملية إذا ما استخدمتها طهران لأغراض غير إنسانية.
غير أن الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي قال، الجمعة الماضي، وفق وكالة “مهر” الإيرانية، إن هذه الأرصدة “تعود للجمهورية الإسلامية الإيرانية وأنها ستصرف لتأمين الاحتياجات حسب التشخيص، ولإيران حرية القرار بشأن طريقة استخدامها”، مؤكدا أن “السلع الإنسانية تعني كل ما يحتاجه الناس والحكومة ستقرر ما هي حاجات الناس”.
بدوره، قال وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، الجمعة، في تصريحات أوردتها وكالة “إيسنا” شبه الرسمية، إن بلاده يمكنها من خلال هذه الأموال “شراء سلع غير محظورة”، نافيا صحة ما وصفه ناشطون بأن الإفراج عن الأموال جاء على طريقة “النفط مقابل الغذاء” الذي طبق مع العراق في تسعينيات القرن الماضي، على خلفية العقوبات الأميركية الشديدة التي تعرضت لها بغداد.
وفي مقابل تأكيد محللين أهمية الإفراج عن هذه الأموال للاقتصاد الإيراني، قلل رئيس كونفدرالية صادرات إيران، محمد لاهوتي، في مؤتمر صحافي، من أهمية المبلغ المفرج عنه، قائلا: “لا أعتقد أن هذا المبلغ سيكون له تأثير في مختلف المجالات.. فهو ليس رقماً كبيراً”. غير أن لاهوتي أكد في الوقت ذاته أن هذه الموارد المالية المفرج عنها “ستساعد في توفير النقد الأجنبي”.
وتأمل الحكومة الإيرانية، أن تساعدها تلك الأموال في ضبط سوق العملات الأجنبية، وتزيد من دورها في تنظيم هذا السوق ورفع قيمة الريال الإيراني.
ويتوقع مراقبون أن يتراجع سعر صرف الدولار، إذ تحسن سعر العملة الوطنية بشكل طفيف بعد الإعلان عن الإفراج عن المليارات الستة، مسجلة 495 ألف ريال للدولار الواحد.
صابر غل عنبري
المصدر: صحيفة العربي الجديد
سلطات شرق ليبيا تطلب من الصحافيين مغادرة درنة
|
أكد وزير في حكومة شرق ليبيا، اليوم الثلاثاء، لوكالة رويترز، أن السلطات طلبت من الصحافيين درنة المنكوبة جراء ما شهدته من سيول وفيضانات، في وقت تشهد فيه المدينة انقطاعاً في شبكة الاتصالات منذ الفجر.
ووفقاً لشهادات متطابقة من مواطنين وصحافيين تحدثوا لـ”العربي الجديد”، فإن أجهزة أمن في المدينة، تابعة لوزارة الداخلية في الحكومة المكلفة من مجلس النواب، طلبت من الصحافيين مغادرة درنة، وأمهلتهم حتى الساعة 12 من ظهر اليوم.
وكانت الحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب قد أعلنت، أمس الاثنين، إقالة المجلس البلدي لدرنة بالكامل وإحالة أعضائه إلى التحقيق، وذلك عقب تظاهرات غاضبة خرجت في المدينة للمطالبة بمحاسبة المسؤولين.
وكان المئات قد احتجوا في مدينة درنة تعبيراً عن غضبهم من السلطات، وطالبوا بمحاسبة المسؤولين بعد أسبوع من مقتل الآلاف من سكان المدينة في سيول وفيضانات أتت على أحياء بأكملها، ومنهم رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح.
وفي وقت لاحق من مساء الاثنين، قال مدير مكتب عميد بلدية درنة، عبد المنعم الغيثي، إن محتجين غاضبين أضرموا النار في منزله.
ويمثل احتجاج الاثنين أول تظاهرة كبيرة منذ وقوع السيول الجارفة والفيضانات التي اجتاحت درنة على أثر انهيار سدين خلال عاصفة قوية. وهتف المحتجون مطالبين برحيل صالح وتحقيق الوحدة الوطنية في بلد ممزق سياسياً بسبب الصراع والفوضى منذ ما يزيد على عشر سنوات.
ووفقاً لمصادر محلية من داخل درنة، فقد اعتُقل عدد من المشاركين في تظاهرة الأمس أمام مسجد الصحابة، وجرى التحقيق معهم لساعات، قبل إطلاق سراح بعضهم صباح اليوم.
وبحسب أحد المصادر التي تحدثت لـ”العربي الجديد”، فإن المعتقلين عددهم ستة من أهالي المدينة الذين كانوا أول من دعوا سكان المدينة للتظاهر، مشيراً إلى أن أربعة من بين المعتقلين الستة أطلق سراحهم بعد توقيعهم تعهدات بعدم تنظيم أي نشاط احتجاجي قبل أخذ موافقة السلطات الأمنية في المدينة، فيما ينتظر الإفراج عن البقية.
وقال المصدر نفسه، وهو مسؤول مقرب من بلدية المدينة، إن “غرفة الطوارئ الخاصة في المدينة أنشأت مركزاً إعلامياً يتولى بشكل حصري إذاعة ونشر أخبار الإنقاذ والإغاثات داخل درنة، بتبعية مباشرة لشعبة الإعلام الحربي التابعة لقيادة الجيش (قيادة خليفة حفتر). كما طلبت من المتطوعين ضرورة التسجيل ضمن الفرق والمجموعات التابعة لغرفة الطوارئ”، مشيراً إلى مناقشة الغرفة سبل طلب القادمين من مناطق غرب وجنوب البلاد بالمغادرة إلى مناطقهم، بحجة انتهاء أعمالهم في توصيل المساعدات الإنسانية، وضرورة تنظيم وحصر العمل في فرق خاصة منخرطة ضمن غرفة الطوارئ في المدينة.
وأرجع المصدر نفسه الذي غادر درنة ظهر اليوم قطع الاتصالات عن المدينة إلى رغبة الحكومة في الحد من نقل الناشطين للوضع وحجم الضرر المتزايد وعجز السلطات عن تطويق الأزمة، وحصر الحصول على الأخبار والمواد المصورة والمرئية في المركز الإعلامي الذي دشن أخيراً.
ولم يتحدد بعد العدد الإجمالي للقتلى، إذ لا يزال الآلاف في عداد المفقودين. وظهر تفاوت كبير في الأعداد التي أعلنها مسؤولون، لكن منظمة الصحة العالمية أكدت مقتل 3922 شخصاً.
وسعى صالح، الأسبوع الماضي، إلى صرف اللوم عن السلطات، ووصف الفيضان بأنه كارثة طبيعية لم يسبق لها مثيل، وقال إنه ينبغي عدم التركيز الآن على ما كان يمكن القيام به.
لكن المتابعين لفتوا الانتباه إلى تحذيرات سابقة، منها ما ورد في بحث أكاديمي نشره العام الماضي متخصص في علوم المياه أوضح احتمال تعرض المدينة للفيضانات والحاجة الملحة لصيانة السدود التي تحميها.
تقع درنة في شرق ليبيا الواقع تحت سيطرة القائد العسكري خليفة حفتر، والذي تشرف عليه حكومة تشكلت بالتوازي مع الإدارة المعترف بها دولياً في طرابلس في الغرب.
المصدر: صحيفة العربي الجديد
“تايمز أوف إسرائيل”: نجل عباس شارك مع وفد فلسطيني في “مباحثات التطبيع” مع السعودية
|
كشفت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، اليوم الجمعة، أن ياسر عباس، نجل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، شارك في “مباحثات التطبيع” التي تقودها واشنطن مع السعودية، رفقة وفد فلسطيني زار الرياض، الأسبوع الماضي.
وقالت الصحيفة إن الوفد الفلسطيني ضمّ وزير الشؤون المدنية في السلطة الفلسطينية حسين الشيخ، ورئيس المخابرات العامة الفلسطينية ماجد فرج، والمستشار الدبلوماسي لرئيس السلطة الفلسطينية مجدي الخالدي.
ونقلت الصحيفة الإسرائيلية عن مصدرين مطلعين، لم تسمهما، أن الوفد الفلسطيني أجرى مباحثات مع كبار المسؤولين السعوديين، بمن فيهم وزير الخارجية فيصل بن فرحان، إلى جانب مباحثات أخرى مع وفد أميركي.
واختارت السلطة الفلسطينية والسعودية وأميركا عدم إصدار بيانات أو صور عن الاجتماع، وهو ما سمح، بحسب الصحيفة، في إبقاء نجل عباس “تحت الرادار”.
وياسر عباس (62 عاماً) هو رجل أعمال برز خلال الفترة الأخيرة بعد مشاركته أكثر من مرة في الاجتماعات الرسمية مع والده، وكان يتم إرساله بشكل دوري إلى الخارج بصفة مبعوث خاص للرئيس الفلسطيني.
ووفقاً للصحيفة، فقد أكد المسؤولون السعوديون خلال لقائهم وفد السلطة الفلسطينية أنهم “لن يتخلوا” عن القضية الفلسطينية أثناء انخراطهم في مفاوضات مع الولايات المتحدة حول اتفاق تطبيع محتمل مع إسرائيل.
وطرح وفد السلطة الفلسطينية سلسلة من الإجراءات التي يود أن تراعيها السعودية في نص اتفاق التطبيع مع إسرائيل.
وأوضح المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة أن محادثات أخرى سيتم عقدها، الأسبوع القادم، بين مسؤولين أميركيين وإسرائيليين وفلسطينيين وسعوديين، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
وكشفت الصحيفة، نقلاً عن المسؤولين، عن أن السعودية أوضحت للسلطة الفلسطينية أنها مستعدة للخروج عن موقفها العلني الرافض لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، بسبب غياب أي مؤشرات واضحة لتطبيق حلّ الدولتين.
المصدر: صحيفة العربي الجديد
قلق أمني إسرائيلي حيال مشروع التطبيع مع السعودية عشية لقاء نتنياهو وبايدن
|
قالت القناة 12 الإسرائيلية، مساء الاثنين، إن المستوى الأمني الإسرائيلي قلق حيال مناقشة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مسألة التطبيع مع السعودية مع الرئيس الأميركي جو بايدن، الأربعاء، على هامش انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، دون اطلاع كبار المسؤولين الأمنيين على تفاصيل الاتفاق المحتمل.
وتعتبر قضية التطبيع بين إسرائيل والسعودية في إطار اتفاق تشارك فيه الولايات المتحدة أيضاً، على رأس القضايا التي سيبحثها الزعيمان، وقد تكون الأهم بالنسبة لنتنياهو.
وغادر نتنياهو إلى الولايات المتحدة ليل الأحد، دون عقد جلسة مع كبار المسؤولين الأمنيين للتباحث في شرط السعودية الحصول على برنامج نووي مدني يشمل تخصيباً ذاتياً لليورانيوم.
وذكرت ذات القناة أن المسؤولين الأمنيين متخوفون من أن “لا يقوم رئيس الحكومة (نتنياهو) بمشاركة الجهات ذات الصلة بتفاصيل الاتفاق”، وأنهم “غير راضين بتاتاً وينتقدون خطوة نتنياهو، لعدم قيامه بالدعوة الى جلسة بمشاركة الجيش الإسرائيلي والشاباك والموساد ولجنة الطاقة النووية، من أجل بحث الإسقاطات المحتملة للاتفاق، في حين كان يتوجب عليه القيام بذلك”.
من جانبه، طمأن رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي الجهات الأمنية، بأن جميع الجهات ذات الصلة ستكون مطّلعة على الأمور.
وأضافت القناة أنه في ظل النفي الأميركي لتوقف المحادثات مع السعودية بشأن التطبيع مع إسرائيل، أشار مسؤولون مطّلعون على التفاصيل، لم تسمهم، إلى تخوفات كبيرة من عدم عرض موقف إسرائيلي واضح في هذا السياق، حين يستمع نتنياهو لبايدن حول التفاهمات خلال لقائهما المشترك.
وتساءلت القناة إن كان نتنياهو مستعدا -من أجل تحقيق السلام مع السعودية- للمس بمصلحة أمنية إسرائيلية عليا من خلال الموافقة على تخصيب السعودية لليورانيوم بشكل مستقل، مضيفة أن كبار المسؤولين الأمنيين يعارضون ذلك، وأن نتنياهو نفسه يقول في الغرف المغلقة، إنه لن يمنح الضوء الأخضر لخطوة كهذه.
“تنازلات كبيرة”
من جانبه، قال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في تصريحات للتلفزيون الرسمي أمس الاثنين، إنه “لا يوجد حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني بدون دولة فلسطينية مستقلة”، مشدداً على أهمية إعادة حل الدولتين إلى الواجهة، ما قد يحمل رسالة إلى الجانب الإسرائيلي بأن اتفاقية التطبيع يجب أن تشمل القضية الفلسطينية.
وذكرت تقارير إسرائيلية، في الأسابيع الأخيرة، أن الإدارة الأميركية أكدت للحكومة الإسرائيلية أنه سيتوجب عليها تقديم “تنازلات كبيرة” للفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، كجزء من أي اتفاقية تطبيع مستقبلية مع المملكة العربية السعودية، يتم توقيعها برعاية أميركية.
وفي وقت سابق من الشهر الجاري، قال رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي، خلال المؤتمر السنوي الذي ينظمه “معهد سياسة مكافحة الإرهاب” في جامعة رايخمان، إنه تحدث مطوّلاً مع الفلسطينيين بشأن التطبيع الإسرائيلي مع السعودية.
وأوضح هنغبي أن “هناك ثماراً لحوارنا معهم، لأول مرة منذ اتفاقيات كامب ديفيد”، مضيفاً: “طلبنا منهم (أي الفلسطينيين) عدم تفويت هذه الفرصة، وأن يكونوا جزءًا من الحوار، وأن يساهموا في نجاحه، وأن يستفيدوا منه أيضًا. نحن نؤيد بشدة أن يكون هناك مكوّن فلسطيني مهم في هذا الاتفاق، باستثناء خطوات من شأنها أن تضر بأمن إسرائيل، ولكن كل ما هو دون ذلك، نحن على استعداد لمناقشته”.
بالمقابل تعارض عدة جهات في حكومة الاحتلال تقديم ما تعتبره “تنازلات” للفلسطينيين، وتهدد بحل الحكومة في حال حدث ذلك.