1

اتفاق أمني لدول الساحل.. ضربة لفرنسا وتهديد للتكتلات الإفريقية

وقّع قادة كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، السبت 16 سبتمبر/أيلول 2023، اتفاقًا للدفاع المشترك، تحت مسمى “تحالف دول الساحل”، تعهدوا فيه بمساعدة بعضهم البعض في حالة وقوع أي تمرد أو عدوان خارجي، والتصدي للجماعات المسلحة التي تنشط في منطقة الساحل غرب إفريقيا منذ سنوات.

قائد المجموعة العسكرية الحاكمة في مالي، أسيمي غويتا، قال في منشور على منصة “إكس”: “وقعت اليوم مع رئيسي دولتي بوركينا فاسو والنيجر ميثاق ليبتاكو – غورما المنشئ لتحالف دول الساحل والرامي إلى إنشاء هيكلية للدفاع المشترك والمساعدة المتبادلة لما فيه مصلحة شعوبنا”.

فيما أشار وزير الدفاع المالي عبد الله ديوب إلى أن “هذا التحالف سيكون مزيجًا من الجهود العسكرية والاقتصادية بين الدول الثلاثة”، وأضاف “أولويتنا هي مكافحة الإرهاب في البلدان الثلاثة”.

تدشين المجالس العسكرية التي تحكم البلدان الثلاثة لتلك الاتفاقية خطوة تحمل الكثير من الأبعاد والدلالات، وتضع الكيانات الإفريقية – لا سيما إيكواس والاتحاد الإفريقي – في مأزق حقيقي، كما أنها تعد ضربة جديدة للنفوذ الفرنسي المهلهل في إفريقيا وتمثل تحديًا حرجًا لإدارة إيمانويل ماكرون المأزومة إفريقيًا.

مواجهة الجماعات المسلحة

منذ نهايات عام 2011 ويعاني الشريط الحدودي الذي يربط مالي وبوركينا فاسو والنيجر المعروف باسم “منطقة ليبتاكو- غورما” من نشاط ملحوظ للجماعات المسلحة التي قامت بالمئات من أعمال العنف التي خلفت وراءها آلاف القتلى وفرغت خزائن البلاد للتصدي لها.

وعلى مدار العقد الأخير تعرضت بلدان الساحل إلى تهديدات مسلحة قوضت علميتي الأمن والاستقرار بها، ففي عام 2012 واجهت مالي تمردًا إرهابيًا في المناطق الشمالية، انتقلت عدواه بعد 3 سنوات إلى النيجر وبوركينا فاسو، الأمر الذي أدى إلى تأجج الصدامات والمواجهات بين جيوش تلك الدول والجماعات المسلحة المرتبطة في معظمها بتنظيمي القاعدة و”داعش”.

وتعرضت البيئة الأمنية لتلك البلدان إلى ضربات قاسية منذ عام 2013، حين بدأت بعثة الأمم المتحدة المنتشرة في مالي في الانسحاب، ما شجع الجماعات المسلحة على الانتشار والتمدد، ورغم اتفاق الجزائر الموقع بين الحكومة المالية و”تنسيقية حركات أزواد” (تحالف يضم جماعات تطالب بالاستقلال والحكم الذاتي) عام 2015، فإن المناوشات الأمنية المسلحة لم تتوقف.

وتنتشر في منطقة الساحل والصحراء عشرات الحركات المسلحة، منها المحلية والإقليمية والدولية، ومنها الإسلامية وغير الإسلامية، وذلك وفقًا لأيديولوجية كل جماعة وأهدافها العامة، ومن أبرز تلك الجماعات المصنفة على أنها جماعات إسلامية (بوكوحرام في نيجيريا، حركتا أنصار الدين ونصرة الإسلام والمسلمين في مالي، تنظيم القاعدة في بلاد المغرب، حركة الجهاد والتوحيد في غرب إفريقيا، تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى)، أما الجماعات غير الإسلامية فأبرزها (الحركة العربية والحركة الوطنية لتحرير أزواد في مالي، المجلس الأعلى لوحدة أزواد، مجموعات الحماية الذاتية في نيجيريا وبوركينا فاسو والنيجر)

وازدادت سخونة المشهد منذ عام 2020 حين بدأت موجة الانقلابات العسكرية تطل برأسها في وسط وغرب إفريقيا، حيث شهدت تلك المنطقة خلال السنوات الثلاثة الأخيرة 8 انقلابات، البداية كانت في مالي ثم بوركينا فاسو والنيجر، وصولًا إلى الغابون، وسط احتمالات أن تمتد إلى بلدان أخرى ضمن ما بات يُعرف بـ”حزام الانقلابات” في القارة السمراء.

ضربة جديدة لفرنسا

رغم تصريح وزير الدفاع المالي عبد الله ديوب بأن الهدف الأبرز من وراء هذا الاتفاق هو مواجهة الجماعات المسلحة، والتصدي للإرهاب في دول الساحل، فإن الرسالة الأكثر وضوحًا تستهدف فرنسا في المقام الأول، وذلك في ضوء المناوشات والسجال غير المتوقف بين باريس وعواصم تلك الدول خلال الآونة الأخيرة، خاصة بعد انقلابي النيجر والغابون.

ميثاق الدفاع المشترك ينص صراحة على أن “أي اعتداء على سيادة ووحدة أراضي طرف متعاقد أو أكثر يعتبر عدوانًا على الأطراف الأخرى وينشأ عنه واجب تقديم المساعدة، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة لاستعادة الأمن وضمانه”، وهو النص الذي يمكن قراءته في ضوء الرد على التهديدات الفرنسية الأخيرة بشأن احتمالية التدخل العسكري في النيجر لإطلاق سراح الرئيس المحتجز الموالي لباريس محمد بازوم.

ودخلت العلاقات بين فرنسا من جهة، ومالي وبوركينا فاسو والنيجر (وهم أعضاء في مجموعة الساحل الخمس، مع تشاد وموريتانيا، المشكلة عام 2017 برعاية فرنسية للتصدي للجماعات الإسلامية في المنطقة) من جهة أخرى، في نفق مظلم خلال السنوات الخمسة الأخيرة، كان من مخرجاتها إخراج القوات الفرنسية من بعض بلدان تلك الدول والمطالبة بمغادرة البعثة الدبلوماسية الفرنسية وإنهاء النفوذ الفرنسي بشكل شبه كامل.

وتمثل خطوة اتفاق الدفاع المشترك المدشنة من الثلاثي الإفريقي تحديًا مباشرًا وصريحًا لفرنسا واختبارًا حساسًا لنفوذها وحضورها داخل القارة، حيث صعدت باريس من خطابها ضد النيجر إثر الانقلاب العسكري الأخير وهددت بالتدخل المسلح إذا لم يستجب الانقلابيون للإملاءات الفرنسية التي كان على رأسها إطلاق سراح بازوم، إلا أن ردود فعل جنرالات مالي وبوركينا فاسو كانت صادمة للفرنسيين، حيث اعتبروا أن أي تدخل عسكري في النيجر هو بمثابة إعلان حرب علي الدولتين يستوجب التدخل فورًا، لتأتي تلك الاتفاقية لتشرعن هذا الموقف بشكل رسمي، ما يضع ماكرون في مأزق حقيقي.

اللافت هنا فيما يتعلق بالوجود الفرنسي داخل إفريقيا أن البلدان التي كانت تمثل الحديقة الخلفية للنفوذ الفرنسي، وتتعامل معها باريس بصفة المستعمر الذي يتحكم في كل شاردة وواردة في مستعمراته رغم حركات الاستقلال والتحرر، خرجت بشكل شبه كامل من العباءة الفرنسية رغم تعيين سلطات وأنظمة حاكمة موالية لفرنسا.

ووصل الرفض الشعبي للوجود الفرنسي حد تأييد ودعم الانقلابيين، لا لشيء إلا لأنهم خصوم للفرنسيين ويعملون عكس البوصلة الفرنسية، فالشارع هناك في تلك البلدان أكثر ميلًا لأنظمة انقلابية عسكرية عن أخرى مدنية مدعومة من باريس، ليبعث المزاج الشعبي الإفريقي لمستعمرات فرنسا القديمة رسالة مباشرة للمستعمر القديم الجديد برفض حضوره وبقائه في القارة حتى لو كان البديل سلطات انقلابية.

تهديد للكيانات الإفريقية

حاولت القارة الإفريقية قدر الإمكان خلال السنوات الماضية الحفاظ على حدود الاستقرار الدنيا، والتخندق تحت مسميات وكيانات تحقق التماسك وتفرض نوعًا من المؤسستية على المناخ العام، أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا، وعليه جاءت بعض التشكيلات الإقليمية التي تعزز هذا الهدف، فزاد حضور الاتحاد الإفريقي وبات لاعبًا مؤثرًا في القارة، كذلك دُشنت كيانات أخرى أكثر خصوصية جغرافية مثل المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس).

وعلى مدار السنوات العشرة الماضية لعبت تلك الكيانات والتكتلات دورًا كبيرًا في الحفاظ على الأمن والاستقرار، فتصدت لانقلابات وأفشلت حالات تمرد كثيرة، وبردت الكثير من الأجواء الساخنة التي كانت تنذر بنشوب مواجهات مسلحة بين دول، واستطاعت القيام بدور الوساطة في كثير من الملفات الحساسة.

لكن في المقابل هناك حزم من التحديات التي عرقلت بعضًا من تلك الجهود كعدم التزام بعض الدول بمخرجات تلك التكتلات والعزف المنفرد بعيدًا عنها، فضلًا عن تواضع أدوات الضغط المملوكة بأيدي تلك الكيانات وضعف قوتها في فرض كلمتها على الجميع، هذا بخلاف الأزمات المالية التي تواجهها وتقف حجر عثرة أمام تحركات عدة لها.

وفي الأيام الأخيرة دخلت “إيكواس”، المدعومة من فرنسا وبعض بلدان الغرب، في سجال حاد مع النيجر ومن قبلها تشاد ومالي بشأن الانقلابات العسكرية التي شهدتها، وصل إلى حد التلويح بالتدخل العسكري، إلا أنها فشلت في ترجمة وتنفيذ تلك التهديدات، الأمر الذي شجع على الانقلابات في بلدان أخرى مثل الغابون.

ومع اتفاق الدفاع المشترك الموقع بين الدول الثلاثة يضاف شرخ جديد إلى جدار العلاقات بين تلك البلدان وإيكواس، الأمر الذي يضع الأخيرة في مأزق حقيقي أمام شعوب القارة، فهذا الاتفاق بمثابة اختبار وتحد لقدرتها على فرض قرارتها والحفاظ على هيبتها التي بلا شك ستتعرض للكثير من التشويه بسبب هذا الصمود العسكري من ثلاثي تجمع الساحل المنقلب على المجموعة.

في ضوء ما سبق، فإن هذا الاتفاق الأمني المدشن مؤخرًا وإن كان مؤشرًا على تساقط الدومينو الفرنسي وبداية خريف إدارة ماكرون، إلا أنه يمثل شرخًا كبيرًا في جدار تماسك القارة الإفريقية، ويضع مشروع التخندق القاري أمام منعطف جديد، يشرعن الانقلابات ويمنحها التأييد الشعبي تحت ستار التخلص من الاستعمار.

عماد عنان

المصدر: موقع نون بوست




الأولوية للاقتصاد والأمن: توجهات السياسة الخارجية التركية في الفترة الرئاسية الحالية

تبحث الورقة توجهات السياسة الخارجية التركية في المدة الرئاسية الجديدة، الأخيرة دستوريًّا للرئيس أردوغان، وفق ثنائية الاستمرار والتغيير. وترى أن السياسة الخارجية الحالية هي إلى حدٍّ كبير امتداد للسياسات السابقة، بقيادة وزير خارجية قوي وملم بملفاتها المختلفة. كما تجد الورقة أن ثنائية الاقتصاد والأمن ما زالت البوصلة الرئيسة للسياسة الخارجية التركية في السنوات القليلة القادمة.


ثبَّت فوز الرئيس التركي بمدة رئاسية جديدة وتحالفه الحاكم بأغلبية البرلمان حالة الاستقرار السياسي الداخلي في البلاد، وجدَّد أوراق قوة أردوغان في ملفات السياسة الخارجية المتعددة والشائكة.

كانت أنقرة قد شهدت انعطافة مهمة في سياستها الخارجية في السنتين الأخيرتين؛ حيث بدأت مسارًا لتخفيض مستوى التوتر مع عدد من القوى الإقليمية التي شابت علاقاتها معها حالة من الخصومة والمواجهة غير المباشرة خلال العقد الفائت، وفي مقدمتها: الإمارات والسعودية ومصر، إضافة لخطوات باتجاه علاقة سياسية مع النظام السوري وعودة العلاقات الدبلوماسية مع “إسرائيل”.

تبحث الورقة توجهات السياسة الخارجية التركية في المدة الرئاسية الجديدة، الأخيرة دستوريًّا للرئيس أردوغان، وفق ثنائية الاستمرار والتغيير. وترى أن السياسة الخارجية الحالية هي إلى حدٍّ كبير امتداد للسياسات السابقة، بقيادة وزير خارجية قوي وملم بملفاتها المختلفة. كما تجد الورقة أن ثنائية الاقتصاد والأمن ما زالت البوصلة الرئيسة للسياسة الخارجية التركية في السنوات القليلة القادمة.

اعتماد القوة الناعمة

اتسمت السياسة الخارجية التركية في السنوات الأولى من حكم العدالة والتنمية بالانفتاح على الخارج واعتماد القوة الناعمة بشكل شبه حصري، في سعي من أنقرة لتخفيض مستوى التوتر مع دول الجوار وفتح آفاق التعاون معها، وهو ما جسدته نظريات أحمد داود أوغلو -الذي أصبح لاحقًا وزيرًا للخارجية- مثل العمق الإستراتيجي وتصفير المشاكل(1).

لم يثبت حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان على هذه الرؤية للسياسة الخارجية طيلة مدة حكمه، بل عدَّلها وعدَّل معها تعريفه لنفسه أكثر من مرة تأثرًا بالتطورات المحلية والإقليمية في المقام الأول. ففي سنواته الأولى قدم الحزب نفسه على أنه حزب ديمقراطي محافظ تشبهًا بالأحزاب المسيحية المحافظة في أوروبا وكانت أولوية سياسته الخارجية الانضمام للاتحاد الأوروبي والالتزام بشروط العضوية. في 2011، ومع الثورات العربية، اعتمدت أنقرة سياسة خارجية مبادِرة ومنخرطة في قضايا المنطقة وانتهج الحزب خطاب “الأمة” المعبِّر عن الهوية الجمعية للجغرافيا العثمانية. ومنذ الانقلاب الفاشل في 2016، بات الأمن القومي أولوية السياسة الخارجية التركية تحت شعار “المحلي والوطني” الذي رفعته حكومات أردوغان المتتالية(2).

مع استقالة داود أوغلو من رئاسة الحزب الحاكم والحكومة واستبدال بن علي يلدرم به، رفعت تركيا شعار “تكثير عدد الأصدقاء وتقليل عدد الخصوم” وسعت لتحسين علاقاتها مع عدد من القوى الإقليمية التي كانت في حالة خصومة أو تنافس معها، تأثرًا بعدد من الأزمات والتحديات الداخلية والخارجية، لكنها لم تلق تجاوبًا كافيًا منها(3).

تلاقت في السنتين الأخيرتين الإرادة السياسية في أنقرة وعدد من العواصم الفاعلة في المنطقة لتدوير زوايا الخلاف وبدء مرحلة من الحوار ثم التهدئة ثم التعاون لعدة أسباب في مقدمتها تراجع الأوضاع الاقتصادية في أكثر من بلد، وأولوية الانتخابات التركية في 2023، والرغبة في تهدئة تحديات السياسة الخارجية قبلها، وطي مختلف دول المنطقة صفحة الثورات العربية وما تلاها من تطورات، واستنزاف الملفات الخلافية في المنطقة القوى الإقليمية دون حسمها لصالح أحد طرفَيْ الاستقطاب، فضلًا عن الإدارة الأميركية الجديدة بقيادة جو بايدن ورغبتها في حلحلة الخلافات بين منظومة حلفائها في المنطقة.

وعليه، شهد العامان الأخيران تحسنًا ملحوظًا في علاقات تركيا بكل من الإمارات ومصر والسعودية و”إسرائيل”، وفتح علاقة سياسية مع النظام السوري وصلت لدرجة لقاء وزيري خارجية البلدين، فضلًا عن أطر للحوار مع خصوم تقليديين مثل اليونان وأرمينيا.

الوزير الجديد

دخل أردوغان وحزب العدالة والتنمية الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة في ظل اقتصاد مأزوم، وانتهجت الحكومة “اقتصاد الانتخابات” خلال السنة التي سبقتها(4)؛ ما أدى لتعمق الأزمة الاقتصادية وترك بصمته على تشكيلة الحكومة الجديدة وسياساتها.

اتسمت التشكيلة الحكومية الجديدة من جهة بنسبة التغيير العالية فيها إذ تغير 15 من أصل 17 وزيرًا إضافة لنائب الرئيس، ومن جهة ثانية باختيار شخصيات ناجحة وقوية في عدد كبير من الوزارات أوحت بمستوى تفويض أكبر ومركزية أقل من المعتاد في الحكومات السابق(5)، وفي مقدمة هذه الشخصيات القوية المعروفة وزيرا الخزانة والمالية، محمد شيمشك، والخارجية، هاكان فيدان.

قاد فيدان جهاز الاستخبارات التركي على مدى 13 عامًا متواصلة وهو أحد الشخصيات القليلة المقربة جدًّا من أردوغان ومحط ثقته حيث وصفه الأخير سابقًا بأنه “حافظ أسراره وأسرار الدولة”(6)، أي إنه شخصية قوية وموثوقة وملمَّة بملفات السياسة الخارجية.

كما كان فيدان، بصفته رئيس جهاز الاستخبارات، أحد المشاركين بشكل نظري وفعلي في رسم السياسة الخارجية لبلاده وتنفيذها في أكثر من قضية ومنطقة نزاع، ولاسيما في كل من سوريا وليبيا والعراق؛ ما يعني أن اختياره يرجِّح فكرة استمرار السياسات السابقة إلى حد كبير. كما أن هذا الاختيار يؤكد مدى أولوية الأمن القومي في صياغة توجهات السياسة الخارجية التركية في السنوات القادمة، وهو أمر ملموس منذ 2016 على أقل تقدير.

وأخيرًا، ذهبت بعض التقديرات إلى أن اختيار أردوغان لفيدان في منصب سياسي مهم وفاعل كوزارة الخارجية هو تمهيد لإعداده لرئاسة الحزب و/أو البلاد فيما بعد 2028 من باب أن المدة الرئاسية الحالية هي الأخيرة للرئيس التركي دستوريًّا.

أولويات المرحلة المقبلة

بالنظر لتشكيلة الحكومة الجديدة، وشخص وزير الخارجية، والسياسة الخارجية السابقة على الانتخابات، والأوضاع الداخلية والإقليمية الحالية، يمكن رصد الأولويات التالية للسياسة الخارجية التركية في المدة الرئاسية الحالية:

أولًا: الاقتصاد أولًا: يُظهر الاقتصاد التركي منذ سنوات مؤشرات سلبية مثل ارتفاع نسبة التضخم وغلاء الأسعار وتراجع قيمة الليرة، وهي مؤشرات فاقمتها الانتخابات الأخيرة. ولذلك وضعت الحكومة الجديدة معالجة الأوضاع الاقتصادية على رأس أولوياتها ووضعت كافة الملفات الأخرى في خدمة هذا الهدف، بما في ذلك السياسة الخارجية.

بعد إعلان النتائج مباشرة أرسل أردوغان نائبه، جودت يلماظ، ووزير الخزانة والمالية، محمد شيمشك، في جولة خليجية لتشجيع الاستثمارات الخارجية في تركيا(7). كما أكدت جولة أردوغان الخليجية، التي شملت السعودية وقطر والإمارات، في يوليو/تموز الفائت على نفس المعنى، وتصدر الاستثمار والملفات الاقتصادية الأخرى جدول أعمالها، كما وقَّعت تركيا مع الدول الثلاث مذكرات تفاهم واتفاقات اقتصادية عديدة(8).

ومع إعلان الخطة الاقتصادية متوسطة المدى(9)، أكد الوزير شيمشك على أن تحسن المؤشرات الاقتصادية سيبدأ العام المقبل فقط، مشددًا على أن الاستثمارات الخارجية أولوية للحكومة في المرحلة المقبلة كرافعة رئيسة لعملية إعادة هيكلة الاقتصاد ومعالجة مشاكله البنيوية(10).

ثانيًا: تهدئة الأزمات: تستمر أنقرة في السنوات القليلة المقبلة في سياسة التهدئة وتدوير زوايا الخلاف مع القوى الإقليمية المختلفة، ولاسيما مع المحور المواجه لها خلال العقد الفائت. وهي سياسة تخدم فكرة أولوية الاقتصاد، من حيث تخفيف العبء الاقتصادي والمالي لملفات السياسة الخارجية من جهة، وتقليل التحديات التي تواجهها من جهة ثانية، وتعزيز المناخ الاستثماري في البلاد بشكل عام من جهة ثالثة، فضلًا عن أن بعض الدول التي تسعى تركيا لتحسين علاقاتها بها تأتي في مقدمة من تعول على جذب استثماراتها مثل دول الخليج العربي.

ثالثًا: أولوية مكافحة الإرهاب: رغم ما سبق، إلا أن أولوية مكافحة الإرهاب وخصوصًا حزب العمال الكردستاني في كل من سوريا والعراق لم تتأثر مع الحكومة الجديدة، فقد استمرت العمليات العسكرية في العراق، واستهداف قيادات قوات سوريا الديمقراطية التي تتهمها أنقرة بالعلاقة العضوية مع العمال الكردستاني في سوريا(11)، ولم تتراجع تركيا عن التلويح بعملية عسكرية محتملة في الشمال السوري شرق نهر الفرات.

في جولته الخارجية على كل من العراق وإيران وروسيا بداية الشهر الجاري، جدَّد فيدان التأكيد على أولوية مكافحة الإرهاب في سياسة بلاده الخارجية، وطلب الدعم من الدول الثلاث في هذا المجال ولاسيما في سوريا، وطالب الحكومة العراقية بتصنيف العمال الكردستاني منظمة إرهابية(12)، فضلًا عن مطالبته النظام السوري بالتعاون مع بلاده في مكافحة الإرهاب.

رابعًا: التوازن النسبي: رغم الحرب الروسية-الأوكرانية، ما زالت أنقرة عازمة على سياسة خارجية مستقلة قدر الإمكان ومتوازنة نسبيًّا بين روسيا والغرب رغم عضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو). فما زالت على موقفها المندد بالاحتلال الروسي لأراض أوكرانية وغير معترِفة بشرعية ضمها شبه جزيرة القرم(13)، ورغم ذلك فهي على علاقة جيدة وتواصل مستمر مع موسكو بما يؤهلها للاستمرار في لعب دور الوسيط بينها وبين كييف.

وعليه، يمكن القول: إن تغيرًا جذريًّا لم يطرأ على انخراط تركيا في عدد من القضايا والنزاعات في المنطقة وموقفها منها ولاسيما ما تعده ضمن دوائر التأثير على أمنها القومي مثل ثروات شرق المتوسط والقضية القبرصية والأزمة الليبية والملف السوري. لكن هذا الثبات على الموقف لم يمنع تبدل الأسلوب والخطاب إلى حدٍّ كبير؛ حيث تراجع الخطاب الحاد والصفري السابق لصالح نبرة أكثر هدوءًا ومقاربات أقرب للتنسيق والتعاون مع الأطراف الأخرى، كما في التركيز على خطاب التنسيق والتعاون في ليبيا مع كل من مصر وروسيا.

بين روسيا والناتو

رغم عضويتها في حلف الناتو منذ 1952، تحاول تركيا في السنوات الأخيرة انتهاج سياسة متوازنة قدر الإمكان في علاقاتها مع كل من روسيا والحلف. من أهم أسباب ذلك تخلي السياسة الخارجية التركية عن منطق الحرب الباردة ومعادلاتها، وما تعده تنكرًا من حلفائها الغربيين لمصالحها الحيوية وأمنها القومي بما في ذلك دعم الولايات المتحدة الأميركية للفصائل الكردية في شمال سوريا ورفض عدد من الدول الغربية بيعها ما تحتاجه من أسلحة لاسيما المنظومات الدفاعية، وتطور العلاقات الاقتصادية والتجارية مع روسيا، والانخراط مع الأخيرة في عدة قضايا ونزاعات بما يعزز من أهمية التنسيق وعدم الصدام.

مثَّلت الحرب الروسية-الأوكرانية تحديًا كبيرًا لهذه السياسة بعدِّها مواجهة غير مباشرة بين روسيا وحلف الناتو، ورغم ذلك حرصت أنقرة على سياسة أقرب للحياد الإيجابي ومايزت موقفها عن باقي أعضاء الحلف. فرغم إدانتها الغزو الروسي للأراضي الأوكرانية، إلا أنها رفضت المشاركة في العقوبات الغربية على روسيا(14)، وأبقت على علاقاتها الجيدة مع الأخيرة واللقاءات مع مسؤوليها، ولعبت دور الوساطة بين موسكو وكييف وحققت بعض الاختراقات على هذا الصعيد مثل اتفاق تصدير الحبوب واتفاق تبادل الأسرى.

عرَّضت هذه السياسة تركيا لضغوط كبيرة من الولايات المتحدة وحلف الناتو خصوصًا مع امتناعها ابتداءً عن الموافقة على ضم كل من السويد وفنلندا للحلف، وقد تراجعت هذه الضغوط نسبيًّا مع الموافقة على ضم فنلندا في مارس/آذار الفائت وتحويل ملف السويد للبرلمان التركي مؤخرًا، إلا أنها لم تنته تمامًا(15).

تزامن هذا النقل خلال القمة الأخيرة للحلف في ليتوانيا مع تسليم تركيا الرئيس الأوكراني، فلودومير زيلينسكي، ضباط مجموعة آزوف، وحديث أردوغان عن إمكانية ضم كييف للناتو. نتج عن كل ذلك توتر في العلاقات التركية-الروسية؛ حيث انسحبت موسكو من اتفاق تصدير الحبوب، وفتشت سفينة تابعة لإحدى الشركات التركية في البحر الأسود بدعوى احتمال حملها أسلحة لأوكرانيا، فضلًا عن اتهامها تركيا بخرق اتفاق تبادل الأسرى(16).

وعليه، تبقى الحرب الروسية-الأوكرانية أحد أهم ملفات السياسة الخارجية التركية في المدة الرئاسية الجديدة، ضمن الأولويات التالية:

أولًا: العمل على تجنيب حوض البحر الأسود أي تصعيد أو صدام عسكري وخصوصًا بعد انسحاب روسيا من اتفاق تصدير الحبوب وتهديدها بتفتيش كل السفن المتجهة للموانئ التركية مقابل دعوة أوكرانيا للاستمرار بالعمل بالاتفاق بدون ضمانات روسية(17). خلال القمة الأخيرة التي جمعت الرئيسين، الروسي والتركي، في سوتشي، عرض أردوغان على بوتين مقترحات أعدتها بلاده بالتعاون مع الأمم المتحدة لإقناع روسيا بالعودة للاتفاق، وهو الأمر الذي لا ترفضه الأخيرة من حيث المبدأ، ولكن تشترط له رفع العقوبات الغربية عنها(18).

ثانيًا: تجنب التورط في الحرب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، والاستمرار في موقف “الحياد الإيجابي” الذي انتهجته حتى اللحظة، بمعنى التوازن قدر الإمكان في المواقف بين الجانبين. ومن ذلك التأكيد على أن صفقات السلاح التركية لأوكرانيا متعلقة بالقطاع الخاص وليست سياسة حكومية رسمية ضد موسكو، والإقرار بأحقية التحفظات الروسية على اتفاق تصدير الحبوب ودعوة كييف لـ”تليين موقفها” تجاه موسكو واتخاذ خطوات متوازية مع خطوات الأخيرة(19)، وعدم التجاوب مع دعوة كييف للاستمرار في اتفاق تصدير الحبوب بدون موسكو.

ثالثًا: الإصرار على الحل السياسي وتأكيد دور الوساطة. ما زال الموقف التركي يؤكد على أن الحرب الدائرة ليست في صالح أحد(20)، وأن اتفاقًا سياسيًّا عادلًا هو الحل الوحيد للخروج من الأزمة بشكل يرضي جميع الأطراف، ويدعو للقاء بين الرئيسين، بوتين وزيلينسكي، في تركيا للتفاوض على ذلك، ويرى أن اتفاق تصدير الحبوب يمكن أن يشكل أرضية لذلك ونموذجًا قابلًا للتكرار ولذلك يسميه أردوغان “جسر السلام”(21).

الملف السوري

سبقت الانتخاباتِ الأخيرةَ في تركيا تطوراتٌ مهمة على صعيد العلاقة مع النظام، تمثلت بتطوير القناة الاستخباراتية بين الجانبين وصولًا للقاء جمع وزيري خارجية البلدين ثم تشكيل إطار رباعي يضم إليهما روسيا وإيران(22)، مع عدم استبعاد المسؤولين الأتراك فكرة عقد لقاء بين أردوغان والأسد(23).

مؤخرًا، تراجعَ حضورُ ملف العلاقات مع النظام بشكل ملحوظ، تأثرًا بتراجع أهميته بعد انقضاء الاستحقاق الانتخابي، وانشغال روسيا بتطورات الحرب في أوكرانيا، والفتور في العلاقات التركية-الروسية في الأسابيع الأخيرة، ومماطلة النظام وتمنعه(24).

ما زالت أنقرة تنظر للعلاقات مع النظام السوري من زاوية المصالح المتحصلة أو المأمولة منها في مجالين: مكافحة العمال الكردستاني وامتداداته السورية في الشمال السوري، وعودة/إعادة اللاجئين السوريين للمنطقة. في جولته الأخيرة، غابت فكرة اللقاء مع الأسد عن تصريحات وزير الخارجية، فيدان، لصالح التركيز على “توقعات تركيا من الحكومة السورية” والمتمثلة بدعم فكرة عودة آمنة وطوعية وكريمة للسوريين المقيمين في تركيا، وعدم التسبب بموجات جديدة من اللجوء، والتعاون مع تركيا في مكافحة الإرهاب وخصوصًا حزب العمال الكردستاني(25). ما يعني أن تركيا تريد من النظام السوري ضمانات بخفض التصعيد في الشمال وضمان إنشاء منطقة آمنة قابلة للعيش بالنسبة للسوريين المقيمين على أراضيها، وكذلك التعاون والتنسيق في مواجهة قوات سوريا الديمقراطية، وقد كرر فيدان مطالبة بلاده بالدعم في هذا التوجه في كل من موسكو وطهران وبغداد.

من جهة ثانية، ما زالت مواجهة قوات سوريا الديمقراطية في منطقة شرق الفرات أولوية بالنسبة لأنقرة، من حيث التلويح بعملية عسكرية جديدة هناك، واستمرار استهداف قياداتها الميدانية، ودعم الهبَّة العشائرية ضدها مؤخرًا(26)، ومطالبة روسيا بدعم جهودها في هذا الإ

خلاصة

في الخلاصة، تعد السياسة الخارجية التركية في المدة الرئاسية الجديدة في خطوطها العامة امتدادًا لها في السنتين الأخيرتين، لاسيما أن وزير الخارجية الحالي من الدائرة الضيقة المقربة من الرئيس التركي ومن الشخصيات المشاركة في صياغتها في السنوات الأخيرة تخطيطًا وتنفيذًا.

ولذلك سيستمر الاقتصاد والأمن -ولاسيما مكافحة الإرهاب- على رأس أولويات السياسة الخارجية لتركيا في السنوات القليلة المقبلة، مع أهمية خاصة للحرب الروسية-الأوكرانية وانعكاساتها على تركيا اقتصاديًّا وإستراتيجيًّا وكذلك على صعيد العلاقات مع كل من روسيا والولايات المتحدة الأميركية وحلف شمال الأطلسي. كما أثبتت الشهور القليلة الأخيرة أن مسار التهدئة وتطوير العلاقات مع دول المنطقة لم يكن تكتيكًا مؤقتًا مرتبطًا بالانتخابات فقط، وإنما هو مسار طويل الأمد مبني على قناعة لدى صانع القرار في أنقرة.

طالما لم تصل الحرب الروسية-الأوكرانية لحالة انخراط رسمية وكاملة من حلف الناتو فيها، فإن أنقرة ستبقى قادرة على موازنة موقفها وعلاقاتها نسبيًّا مع كل من موسكو وبروكسل كما تفعل حاليًّا، بينما سيكون أي تطور للحرب بهذا الاتجاه تحديًا صعبًا وغير مسبوق لموقفها إذ ستضيق أمامها مساحات المناورة وستزداد الضغوط عليها من الجانبين.

وسيحتفظ الملف السوري بأهميته وأولويته في المرحلة المقبلة، وتحديدًا من زاويتَيْ مكافحة المنظمات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني والتي تصنفها أنقرة منظمات إرهابية وانفصالية، وعودة/إعادة السوريين المقيمين على الأراضي التركية إلى منطقة آمنة وجاذبة للعيش في الشمال السوري. ليس من المتوقع حصول خطوات سياسية متقدمة تجاه النظام السوري في المدى القريب، لكن تحسن العلاقات التركية-الروسية والمصالح التي تبحث عنها أنقرة في الملف السوري يمكن أن تدفعا نحو خطوات من هذا القبيل في المدى المتوسط.

ومع ثبات تركيا على مواقفها في قضايا ذات أولوية وعلاقة بالأمن القومي مثل شرق المتوسط والقضية القبرصية، فإن أسلوب التعبير عن هذه المواقف بات أقل توترًا في الفترة الحالية، مع فتح قنوات التواصل والحوار وتراجع لغة التهديد إلى حد كبير. كما سترجح تركيا مسار التنسيق والتعاون مع القوى الإقليمية الأخرى في قضايا المنطقة وفي مقدمتها الليبية.

د. سعيد الحاج

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

مراجع

  1. أحمد داود أوغلو، العمق الإستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية، الطبعة العاشرة، (مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، 2010)، ص 170.
  2. برهان الدين دوران، حزب العدالة والتنمية وشيفرات التحول الأيديولوجي، مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية (سيتا)، 19 مارس/آذار 2018، (تاريخ الدخول: 15 8 سبتمبر/أيلول 2023): https://bit.ly/3wUZ6cN
  3. انظر مثلًا: سعيد الحاج، اتجاهات السياسة الخارجية التركية بعد رحيل داود أوغلو، إضاءات، 23 مايو/أيار 2016، (تاريخ الدخول: 8 سبتمبر/أيلول 2023): https://goo.gl/T4ed8d
  4.  13 maddede Erdoğan’ın seçim ekonomisi hamleleri, medyaskope, 11 Ekim 2023, (Access date: 8 September 2023): https://bit.ly/3mwT1Df
  5. 15 وزيرًا جديدًا.. إلى أي مدى تكشف تشكيلة حكومة أردوغان عن سياساته الجديدة؟، الجزيرة نت، 4 يونيو/حزيران 2023، (تاريخ الدخول: 8 سبتمبر/أيلول 2023): https://t.ly/NESMS
  6. حقيبة الخارجية في عهدة “حارس أسرار أردوغان”.. هل يتغير النهج التركي في الملف الليبي؟، بوابة الوسط، 5 يونيو/حزيران 2023، (تاريخ الدخول: 8 سبتمبر/أيلول 2023): https://t.ly/N1eNb
  7.  زيارة عمل.. نائب الرئيس التركي ووزير المالية يغادران إلى الإمارات، الخليج الجديد، 21 يونيو/حزيران 2023، (تاريخ الدخول: 8 سبتمبر/أيلول 2023): https://t.ly/hgDNu
  8. أردوغان يختتم جولة الخليج بزيارة الإمارات محملًا بصفقات اقتصادية كبيرة، العربي الجديد، 19 يوليو/تموز 2023، (تاريخ الدخول: 8 سبتمبر/أيلول 2023): https://t.ly/qCteY
  9. برنامج تركيا الاقتصادي متوسط المدى يدخل حيز التنفيذ، تركيا الآن، 7 سبتمبر/أيلول 2023، (تاريخ الدخول: 8 سبتمبر/أيلول 2023): https://t.ly/ytLwo
  10. تركيا: التمويل الخارجي سيدعم نجاح البرنامج الاقتصادي متوسط المدى، يني شفق، 8 سبتمبر/أيلول 2023، (تاريخ الدخول: 8 سبتمبر/أيلول 2023): https://t.ly/WjD2Q
  11. المخابرات التركية تحيد قيادية في تنظيم “بي كا كا” الإرهابي، وكالة الأناضول للأنباء، 19 أغسطس/آب 2023، (تاريخ الدخول: 8 سبتمبر/أيلول 2023): https://t.ly/Rm4AV
  12. وزير الخارجية التركي يدعو العراق لتصنيف “العمال الكردستاني” كتنظيم إرهابي، العربي الجديد، 22 أغسطس/آب 2023، (تاريخ الدخول: 8 سبتمبر/أيلول 2023): https://t.ly/Zd_m4
  13. أردوغان: نتمسك بموقفنا الداعم لوحدة الأراضي الأوكرانية، وكالة الأناضول للأنباء، 23 أغسطس/آب 2023، (تاريخ الدخول: 8 سبتمبر/أيلول 2023): https://t.ly/ZN9oO
  14. تركيا: نتعرض لضغوط غربية لفرض عقوبات على روسيا، الميادين، 29 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 8 سبتمبر/أيلول 2023): https://t.ly/VL_ld
  15. مصادر غربية: واشنطن تهدد تركيا بفرض عقوبات بسبب روسيا، ترك برس، 18 أغسطس/آب 2023، (تاريخ الدخول: 8 سبتمبر/أيلول 2023): https://t.ly/N7Ig1
  16. روسيا تتهم تركيا بانتهاك اتفاقيات تبادل الأسرى مع أوكرانيا، الجزيرة مباشر، 8 يوليو/تموز 2023، (تاريخ الدخول: 8 سبتمبر/أيلول 2023): https://t.ly/fla_Y  
  17. موسكو تحذر كييف من تنفيذ اتفاق الحبوب بمفردها وتعلن انتهاء الضمانات الأمنية، الجزيرة نت، 18 يوليو/تموز 2023، (تاريخ الدخول: 8 سبتمبر/أيلول 2023): https://t.ly/rKJyK
  18. اتفاق تصدير الحبوب الأوكرانية: روسيا تشترط وتركيا تقدم “اقتراحات جديدة”، عرب 48، 4 سبتمبر/أيلول 2023، (تاريخ الدخول: 8 سبتمبر/أيلول 2023): https://t.ly/iKrHF
  19. أردوغان يدعو أوكرانيا لتخفيف موقفها بشأن اتفاق الحبوب، الشرق، 4 سبتمبر/أيلول 2023، (تاريخ الدخول: 8 سبتمبر/أيلول 2023): https://t.ly/DuHIK
  20. أهم القرارات المتخذة خلال لقاء الرئيس التركي أردوغان بنظيره الروسي بوتين، نيو ترك بوست، 4 سبتمبر/أيلول 2023، (تاريخ الدخول: 8 سبتمبر/أيلول 2023): https://t.ly/Y2gAj
  21. أردوغان: اتفاق شحن الحبوب بمثابة “جسر السلام”، وكالة الأناضول للأنباء، 2 أغسطس/آب 2023، (تاريخ الدخول: 8 سبتمبر/أيلول 2023): https://t.ly/3oF7z
  22.  سعيًا لتطبيع علاقات أنقرة ودمشق: اجتماع رباعي لنواب وزراء خارجية روسيا وتركيا وسوريا وإيران في موسكو، الجزيرة نت، 3 أبريل/نيسان 2023، (تاريخ الدخول: 8 سبتمبر/أيلول 2023): https://t.ly/SDnAm
  23. أردوغان: قد ألتقي الأسد في الوقت المناسب، الجزيرة نت، 6 أكتوبر/تشرين الأول 2022، (تاريخ الدخول: 8 سبتمبر/أيلول 2023): https://t.ly/3Uy11
  24. الأسد يرفض لقاء أردوغان.. ويتساءل: “هل نلتقي لنشرب المرطبات مثلًا؟”، CNN عربي، 9 أغسطس/آب 2023، (تاريخ الدخول: 8سبتمبر/أيلول 2023): https://t.ly/CfZXF
  25. عبد اللهيان وفيدان يبحثان تطوير العلاقات الثنائية والتعاون الإقليمي، العربي الجديد، 3 سبتمبر/أيلول 2023، (تاريخ الدخول: 4 سبتمبر/أيلول 2023): https://t.ly/_NfC8
  26. فيدان: ينبغي إنهاء قمع “واي بي جي” للعرب في سوريا، وكالة الأناضول للأنباء، 6 سبتمبر/أيلول 2023، (تاريخ الدخول: 8 سبتمبر/أيلول 2023): https://t.ly/Zajyq



تحديات السياسة الفرنسية في المنطقة المغاربية

تتساءل هذه الورقة عن التحديات التي أصبحت تواجه سياسة فرنسا في المنطقة المغاربية، وكيف سيتمكن الرئيس، إيمانويل ماكرون، من تجاوز هذه التحديات وإصلاح علاقاته المتأزمة مع الدول المغاربية لاسيما المغرب والجزائر


في السنوات الأخيرة، دخلت العلاقات الفرنسية المغاربية حقبة من عدم اليقين، تميزت بظهور أزمات وتحديات جديدة ومختلفة وسط بيئة جيوسياسية متغيرة. أحد العوامل الرئيسية التي أسهمت في حالة عدم اليقين هذه هو المشهد السياسي المتغير باستمرار في فرنسا والدول المغاربية.

وهذا سيجعل من الصعب على فرنسا الحفاظ على مكانتها السابقة وتقوية علاقاتها بدول المنطقة والحفاظ على مصالحها وبناء شراكات مستقرة.

نتساءل في هذه الورقة عن التحديات التي أصبحت تواجه سياسة فرنسا في المنطقة المغاربية، وكيف سيتمكن الرئيس، إيمانويل ماكرون، من تجاوز هذه التحديات وإصلاح علاقاته المتأزمة مع الدول المغاربية لاسيما المغرب والجزائر.

أولًا: أزمات مركبة مع الجزائر والمغرب

تمر علاقة فرنسا مع البلدان المغاربية في الآونة الأخيرة بمرحلة حرجة وفي سياق غير عادي من الأزمات المركبة والمتكررة. فقد توقف الحوار السياسي مع المغرب؛ لدرجة أن كلا البلدين غير قادرين على جدولة أية زيارات لقادة البلدين أو أي مسؤولين رسميين. كما وصل انعدام الثقة مع الجزائر إلى درجة أن الزيارة التي طال انتظارها للرئيس الجزائري قد تم تأجيلها لأجل غير مسمى. ويمكن رصد بعض الديناميات المفيدة في هذا السياق:

أ) الصعود والهبوط غير المتناهي في العلاقات مع الجزائر

على الرغم من وجود العديد من التراكمات في العلاقات بين باريس والجزائر؛ حيث تتداخل القضايا المعقدة من الماضي والقضايا الخلافية من الحاضر، إلا أن الجانبين، الفرنسي والجزائري، يتبادلان من وقت لآخر رسائل تُظهر الرغبة في تجاوز الأزمات التي تحدث بين البلدين.

كما تفيد بعض الإشارات من الجانبين باتجاه البلدين نحو حل القضايا الخلافية وتعزيز العلاقات ونحو إقامة “شراكة إستراتيجية” لم تتضح بعد ملامحها بشكل كبير، بسبب ثقل الملفات العالقة وعلى رأسها ملف الذاكرة وصعوبات تتعلق بالتعاون العسكري والإستراتيجي.

كان هناك الكثير من التشنج في العلاقات في أعقاب الأزمة الدبلوماسية الحادة لعام 2021 التي كانت من جراء انتقاد الرئيس ماكرون الصادم للطبقة الحاكمة في الجزائر، والذي ذكر فيه أن “النظام السياسي العسكري الجزائري تم إنشاؤه على ريع الذاكرة”، وعلى “تاريخ رسمي قائم على كراهية فرنسا” و”إنكار وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار” وتم على إثرها استدعاء سفير الجزائر لدى باريس لمدة ثلاثة أشهر(1).

ونظرًا لأهمية ملف الذاكرة والماضي الاستعماري، فقد كان هذا الملف في صلب مبادرات الرئيس ماكرون تجاه الجزائر، بدءًا من اعترافه، عام 2017، بـ”الجرائم ضد الإنسانية”، وصولًا لتطبيع العلاقات بناء على تقرير المؤرخ، بنجامين ستورا، لكن هذه الإجراءات أثارت ردود فعل باردة من الجزائر، التي تطالب باعتذار رسمي، وتسليم الأرشيف، واستعادة جماجم قادة الثورة، وتعويض ضحايا التجارب النووية.

في وقت كانت فيه العلاقات بين الجزائر وباريس تتأرجح بين التوتر والتهدئة، سيتم استدعاء سفير الجزائر في باريس للتشاور على خلفية اتهام فرنسا بتنظيم عملية تهريب سرية وغير قانونية للصحفية، أميرة بوراوي.

وكمؤشر على انعدام الثقة، ترى الجزائر في التصريحات الأخيرة لسفير فرنسا السابق في الجزائر، كزافييه درينكور، ورئيس الوزراء السابق، إدوارد فيليب، اللذين دعيا إلى التنديد بالمعاهدة الفرنسية-الجزائرية لعام 1968 التي تمنح امتيازات خاصة للمهاجرين الجزائريين، رغبة “شبه رسمية” في نسف أي تقارب بين البلدين.

كما أن قضية عزف المقطع الثالث من النشيد الوطني الجزائري المعادي لفرنسا مرة أخرى، والتي جاءت بعد قيام الرئيس، عبد المجيد تبون، بزيارة رسمية إلى موسكو، حدثت في وقت كان من المنتظر أن يزور فيه باريس وتم تأجيلها عدة مرات. كما يتم الحديث مؤخرًا عن مبادرات من أجل تفعيل مشروع قانون تجريم الاستعمار، للرد على المواقف الفرنسية من مقطع النشيد ومن اتفاقية الهجرة(2).

وما قامت به فرنسا من مبادرات غير كاف في نظر الجزائر. ومع كل أزمة صغيرة أو كبيرة بين البلدين يتجدد طرح إشكاليات الإرث الاستعماري من جديد، وهي قضية أصبحت تنسف أية خطوات نحو التقارب وتهدد مكانة فرنسا ومصالحها مع الجزائر.

ب) نحو مزيد من التعقيد في العلاقات مع المغرب

أصبح من الواضح من وجهة نظر الرباط أن الكفة الفرنسية أصبحت تميل أكثر تجاه الجزائر وذلك في ضوء الخلافات التي أدت إلى شبه قطيعة بين الرباط وباريس، وذلك راجع لعدة تراكمات. وعلى الرغم من حساسية ملفات التأشيرات وبرنامج بيغاسوس التجسسي وإدانة البرلمان الأوروبي، إلا أن الأمر يشير إلى وجود قضايا خلافية أخرى أشد عمقًا خاصة مع وصول الرئيس ماكرون للحكم، من أبرزها:

أولًا: تراجع مكانة فرنسا كالشريك الأهم بالنسبة للمغرب: ومع أنه في السنوات الأولى لحكم ماكرون تطورت العلاقات الاقتصادية والاستثمارات بوتيرة سريعة في مجالات رئيسية مثل الصناعة والنقل والسياحة والخدمات، لكن بعد ذلك انخفضت مكانة فرنسا كأول شريك تجاري واقتصادي إلى المركز الثاني لصالح إسبانيا.

ثانيًا: تزامن وصول الرئيس ماكرون إلى الرئاسة مع عودة المغرب بقوة إلى الساحة الإفريقية؛ حيث ارتقى بسرعة في قائمة الدول الأكثر استثمارًا في القارة الإفريقية بدون تنسيق مع فرنسا، لاسيما في المناطق التي يوجد بها نفوذ فرنسي تقليدي، مثل غرب إفريقيا.

ثالثًا: رصد بعض مؤشرات الامتعاض الفرنسي إزاء توقيع المغرب للاتفاق الثلاثي مع إسرائيل والولايات المتحدة، في أغسطس/آب 2020، وهو امتعاض لا يمكن اعتباره رد فعل تجاه تطبيع المغرب علاقاته مع إسرائيل، بل يمكن فهمه في سياق ملفين حساسين يرتبط أولهما بتداعيات اعتراف الولايات المتحدة بشكل صريح بسيادة المغرب على الصحراء على الصعيد الأوروبي؛ إذ كانت الرباط تنتظر من حليفتها التاريخية دعمًا صريحًا يشكِّل دفعة حاسمة في إحداث تحول مشابه في الموقف الأوروبي، لكن باريس لم تقدم أية إشارات إيجابية تتجاوب مع انتظارات المغرب، على غرار إسبانيا وألمانيا، بل على العكس فقد توالت الإشارات الفرنسية السلبية في هذا الخصوص، ومنها تخصيص البرلمان الفرنسي جلسة مناقشة موضوع “الصحراء الغربية”، بحضور ممثلين عن جبهة البوليساريو(3).

ثانيهما: اتجاه المغرب نحو بناء تحالف أمني وإستراتيجي جديد مع إسرائيل، بالإضافة إلى تعميق الشراكة مع الولايات المتحدة بعيدًا عن فرنسا، عبر اتفاقيات إستراتيجية ومناورات عسكرية مشتركة واقتناء أسلحة إستراتيجية، وصولًا إلى تطوير الصناعات العسكرية.

رابعًا: في مقابل البرود الفرنسي تجاه المغرب، من الواضح أن ماكرون كان عازمًا على إعادة بناء وتطوير علاقته مع الجزائر في شتى المجالات، فخلال زيارته للجزائر التقى إيمانويل ماكرون بعبد المجيد تبون وبرؤساء أركان القوات المسلحة والمخابرات، وهي سابقة منذ استقلال الجزائر، وقد ركز الاجتماع على برنامج دفاعي وأمن مشترك. بالإضافة إلى ذلك، قررت الدولتان إنشاء “مجلس أعلى للتعاون” على مستوى رئاسات الجمهورية. وتعتبر الرباط هذا الاتفاق بمنزلة ميثاق أمني للعمل المشترك على المستوى الإقليمي، وخاصة في منطقة الساحل، تنضاف إلى زيارة رئيس أركان الجيش الجزائري إلى باريس، في يناير/كانون الثاني 2023. بالتالي من الواضح أن الأمر لم يعد يقتصر على أن فرنسا لا تسير على خطى الولايات المتحدة في الاعتراف بمغربية الصحراء، ولكنها تختار التعاون بنشاط مع الجزائر، التي قطعت علاقاتها مع المغرب وتعارض بشدة الرباط بشأن قضية الصحراء(4).

وربما أصبح يتأكد لدى صنَّاع القرار بالمغرب انحياز فرنسا الواضح للجزائر وحرصها على استمرار نزاع الصحراء في حين توحي للمغرب بخلاف ذلك، على اعتبار أنها أكبر مستفيد من الوضع على الصعيدين، الجيوسياسي والاقتصادي.

وفي الوقت الذي كانت تسير فيه علاقات باريس بالجزائر باتجاه التحسن وأنه لا شيء يوحي بعكس ذلك باستثناء تأجيل زيارة الرئيس الجزائري لباريس، تبدو العلاقة مع الرباط مركبة وتسير نحو مزيد من التعقيد، والدليل على ذلك تجاهل المغرب حتى الآن المساعدة التي عرضتها فرنسا بشأن الزلزال الذي ضرب عدة مناطق بالمغرب، في الثامن من سبتمبر/أيلول 2023، في وقت وافقت على مساعدات من أربع دول وصفتها بالصديقة، وهي: إسبانيا والمملكة المتحدة إضافة إلى قطر والإمارات، التي تربطها علاقات دبلوماسية متميزة مع الرباط، بالرغم من الزيارة الخاصة التي قام بها العاهل المغربي في الأيام الأخيرة لفرنسا وتواصله المحتمل عبر الهاتف مع الرئيس ماكرون(5). وهو ما يشير إلى أن السياسة الفرنسية ما زالت تواجه اختبارًا حقيقيًّا في علاقاتها بدول المنطقة.

لكن من الواضح أنه بالنسبة لماكرون ووزيرة خارجيته، لا يبدو أن الخلافات بين باريس والعواصم المغاربية قد وصلت إلى مستويات اليقظة التي تتطلب استجوابًا عميقًا للخيارات الفرنسية في المنطقة(6). بالتالي، فهذا التجاهل أصبح يسهم بدوره في تعميق أزمات فرنسا مع الدول المغاربية.

ثانيًا: غياب سياسة واضحة وشاملة

خلافًا للاعتقاد السائد، يتضح أن فرنسا لم يكن لديها سياسة شاملة وموحدة تجاه الدول المغاربية تؤخذ في الاعتبار في بعدها الإقليمي. وبدلًا من ذلك، مارست سياسات ثنائية مع كل دولة دون اهتمام كبير بالروابط التي أقيمت مع تلك المنطقة منذ استقلالها(7)؛ حيث لا يوجد في الوزارات ولا في الرئاسة هيكل واحد مخصص للمنطقة التي يطلق عليها المغرب الكبير.

بل إن تلك المصلحة تندرج في المجال الذي تغطيه مديرية شمال إفريقيا والشرق الأوسط التابعة لوزارة الخارجية الفرنسية، والتي تبدأ في الغرب بالمغرب (وليس موريتانيا الملحقة بمديرية إفريقيا) وتصل إلى إيران ودول الخليج ومصر. في هذا السياق فهي تدخل ضمن “السياسة العربية لفرنسا”، التي تشير إلى السياسة التي وضعها الجنرال ديغول بعد حرب الجزائر(8).

هذه السياسة أصبح من الصعب في الوقت الراهن تحديد توجهاتها وحتى فهم مغزاها لما تحتويه من تعقيدات ومفارقات وعدم فهم كبير.

وبشكل عام، من الواضح أن المنطقة المغاربية لا تحظى بالمكانة الصحيحة التي تستحقها في سياسة الرئيس ماكرون التي لا تزال تتخبط من أجل تحديد أهدافها ورسم سياسة معقولة ومتماسكة تجاه دول المنطقة، فهذه العلاقات إن لم تكن معقدة (بالنسبة للجزائر)، فإنها غير مقروءة بشكل صحيح وصريح (بالنسبة للمغرب)، أو يميزها العديد من التناقضات والمفارقات (بالنسبة لتونس وليبيا). في حين أن أسلافه ربما نظروا إلى روابط فرنسا مع المنطقة على أنها علاقة شاملة، فقد عمل الرئيس الحالي على تطوير علاقات شخصية وذاتية أدت به في النهاية لتكوين علاقات يطبعها عدم فهم كبير وتتخللها أزمات مركبة وإشكالية.

ثالثًا: تحديات جديدة

 من المتوقع أن تكون الفترة المقبلة أشد خطورة بالنسبة للدولة الفرنسية وللرئيس الفرنسي في علاقاته مع دول المنطقة المغاربية؛ حيث سيتعين عليه مواجهة مجموعة من التحديات غير المألوفة التي ستشكِّل مطبات صعبة بالنسبة للسياسة الفرنسية من ضمنها:

1. بلورة سياسة جديدة: لم يعد مفهوم “السياسة العربية” واقعيًّا أو ذا معنى بالنسبة للمنطقة المغاربية، على اعتبار أن العالم العربي ينقسم إلى عدة مجموعات جيوسياسية فرعية، بالتالي فإن ادعاء “سياسة عربية” واحدة لم يكن ولم يعد ذا صلة أو ملامسة للواقع السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي لمنطقة ذات خصائص مميزة ثقافيًّا وإثنيًّا وسياسيًّا وأمنيًّا، وتعتبر امتدادًا طبيعيًّا لفرنسا من نواحٍ عديدة، لكن إلى أي حدٍّ ستتمكن فرنسا من بلورة سياسة مغاربية واحدة، وشاملة بما فيه الكفاية للتعامل مع التحولات التي تعرفها المنطقة؟

 2. مواجهة تطلعات مغاربية جديدة: لا يبدو أن ما تنتظره الدول المغاربية من المستعمر السابق أصبح يتوقف عند ملفات بعينها، رغم وجود بعض الملفات التي تحظى بالأولوية لدى كل دولة، بقدر ما يتعلق الأمر بتصورات جديدة لحاضر ومستقبل تلك العلاقات والمكانة التي يمكن لفرنسا أن تحتلها ضمنها.

لقد أصبح من الواضح أن فرنسا باتت تصطدم في الواقع بتطلعات جديدة للبلدان المغاربية، وخاصة من الجزائر والمغرب، والتي تجاوزت السياسة التقليدية التي اعتادت فرنسا على إدارة سياستها بها. وهو ما أصبح يفرض عليها تقديم بعض التنازلات إن هي أرادت الاستمرار والحفاظ على بعض مصالحها في المنطقة.

بالتالي، فإن أية سياسة فرنسية مستقبلية يجب أن تحاول التوفيق بشكل دقيق بين محاولة التمسك بالوضع التفضيلي الذي تتمتع به في الجزائر والمغرب وتونس استنادًا إلى النخب التقليدية والمصالح المرتبطة تاريخيًّا بفرنسا، ومواجهة التحديات التي تفرضها توجهات النخب الجديدة التي تميل إلى تغيير نسق العلاقات مع المستعمر السابق نحو الاستقلال التام والشامل تجاهه.

فعلى مدى العقدين الأخيرين، يمكن ملاحظة تحولات في مواقف العديد من النخب المغاربية، التي باتت تفكر خارج المربع التقليدي الذي يضع بلدانها كمنطقة نفوذ تقليدية لفرنسا، وتتشكل سواء من نخب ذات المرجعية العربية الإسلامية أو الوطنية المحلية أو حتى الأنجلوسكسونية.

من هذا المنطلق تمر فرنسا بتحد صعب؛ لاسيما منذ اندلاع “الربيع العربي”، فالمنطقة التي ألِفها العديد من صنَّاع القرار الفرنسيين، لم تعد موجودة، ولم يتلاش محاوروها المألوفون فحسب، بل أضحت المجتمعات نفسها في تطور كامل، فقد دخلت المنطقة على إثر ذلك حقبة “ما بعد الاستعمار “post-Postcoloniale(9).

3. تراجع الفرنكفونية: دعا الرئيس ماكرون إلى إعادة احتلال فرنسا لتأثيرها اللغوي المفقود، بسبب تراجعها الكبير في المنطقة المغاربية(10) وبالنظر إلى مدى تأثر الفرنسيين بالقضايا المتعلقة بمكانتهم الثقافية، فقد أصبحت الأزمات أو النزاعات حول المصالح تترجم من طرف المسؤولين إلى قرارات استبدال أو تخفيض مرتبة اللغة الفرنسية في التدريس أو الحياة العامة وتعزز مكانة اللغة العربية والأمازيغية والإنكليزية.

وإذا كان تراجع اللغة الفرنسية في كثير من الأحيان بسبب التوترات بين باريس والعواصم المغاربية، فإن التوجه نحو لغات أخرى وطنية وأجنبية ليس مدفوعًا بالرغبة في تصفية الحسابات فقط، ولكن يفسره السعي الذي يذكِّر إلى حد ما برؤية جيل قادة الاستقلال للفرنسية أداةً للتحديث والانفتاح على العالم والتي لم تعد كذلك بالنسبة للجيل الحالي.

4. خسارة السوق المغاربي تدريجيًّا: بينما كانت فرنسا تنظر لأزماتها مع الدول المغاربية بنوع من التجاهل، فقد بدأت تخسر تدريجيًّا حصتها في السوق المغاربية لصالح منافسين جدد كانوا يتحينون اللحظة المناسبة للنزول بثقلهم.

فلم تعد باريس الشريك الرئيسي لأي بلد في المنطقة المغاربية، وهي سابقة توضح مدى تراجع نفوذ فرنسا اقتصاديًّا في المنطقة. لقد فقدت فرنسا مكانتها كأكبر شريك تجاري للجزائر منذ عدة سنوات، بسبب قرار الجزائر تنويع شركائها والتركيز على دول مثل تركيا والصين. كما خسرت المركز الأول لصالح إسبانيا في حالة المغرب، وأصبحت إيطاليا الشريك التجاري الأول لتونس بدل فرنسا. كما أن موريتانيا منذ سنوات فضَّلت إسبانيا شريكًا تجاريًّا أوروبيًّا بينما لم تكن فرنسا أبدًا الشريك الرئيسي لليبيا(11).

فبعد أن كانت الشريك التجاري الرئيسي لهذه البلدان منذ استقلالها، بدأت تفقد هذه المكانة تدريجيًّا؛ حيث يبدو أن الشراكة الاقتصادية القديمة بين باريس والرباط قد وصلت إلى نهايتها، فقد أصبحت إسبانيا الشريك التجاري الرئيسي، بينما حلَّت الولايات المتحدة محل المستثمر الأجنبي الأول في المملكة لأول مرة(12).

إذا كان من الواضح أن فرنسا تتراجع في السوق المغربية، فإنها لم تنجح في تحقيق اختراق حقيقي في السوق الجزائرية؛ حيث يعهد بجميع الصفقات المتعلقة باستثمارات البناء أو البنية التحتية والنقل إلى شركات تركية أو صينية، بينما على جانب الطاقة تعد إيطاليا شريك الجزائر الأوروبي الرئيسي من خلال شركة إيني(13). وبالتالي، يبدو أن التوازن التقليدي الذي كانت تلعبه فرنسا بين الجزائر والمغرب وتونس أصبح الآن يهدد مصالحها الاقتصادية في المنطقة.

5. الصمود أمام تزايد الاستقطاب والمنافسة الدولية: في سعيها الوثيق للحفاظ على موقعها في المنطقة أو على الأقل تقليل خسائرها الإستراتيجية، تبدو فرنسا تحت ضغط أكبر، خاصة إذا ذهبت بمفردها في غياب أي تنسيق أو تشاور مع الشركاء وفي ظل المنافسة الشرسة من قوى أوروبية كإسبانيا وإيطاليا وألمانيا وقوى جديدة في المنطقة؛ حيث إن النفوذ المتزايد لروسيا والصين وتركيا لهو نتيجة مباشرة لاندحار إستراتيجي لفرنسا.

وفي الوقت نفسه، تساهم المشاعر المعادية للفرنسيين وسياسة الاستثمار الضخمة التي تنتهجها الصين والقوة الذكية التركية، في فقدان النفوذ الفرنسي في قارة اعتُبرت لفترة طويلة حكرًا على باريس.

من ناحية ثانية، فحقيقة أن المغرب والجزائر يضعان نفسيهما بشكل متزايد كلاعبين رئيسيين في القارة الإفريقية، تعطي الانطباع بعدم انسجام فرنسا التام مع الديناميات الناشئة في المنطقة؛ حيث إنها أصبحت تواجه نوعًا من المنافسة مع قوى محلية، مع المغرب من ناحية، كمركز اقتصادي لإفريقيا وشريك إستراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة، وهو ما يعني أن فرنسا أصبحت شريكًا ثانويًّا للمغرب لاسيما في المجالين السياسي والعسكري.

ومن جهة أخرى، فإن الجزائر تواصل منع الطائرات الفرنسية العسكرية من التحليق فوق مجالها الجوي، في وقت تعزز علاقاتها مع موسكو عسكريًّا وإستراتيجيًّا واقتصاديًّا وتطمح للانضمام لمجموعة البريكس.

إن فرنسا كقوة دولية لها دورها المحوري والمؤسس في الاتحاد الأوروبي، وكعضو دائم في مجلس الأمن، وكقوة نووية، لم يعد باستطاعتها أن تكون بمفردها لاعبًا كبيرًا في إفريقيا في ظل توالي الانقلابات العسكرية التي وضعت مصالحها ونفوذها على المحك، دون التنسيق مع القوى المحلية لاسيما منها القوى المغاربية أو الانطلاق من أرضية أوروبية مشتركة، كما أن التخلي عن المنطقة لصالح القوى المتنافسة سيكون خطأ إستراتيجيًّا.

6. مواجهة تحديات أمنية في منطقة رخوة: نظرًا لاستمرار التصعيد بين الجزائر والمغرب، بالإضافة إلى ليبيا، التي تعيش حالة اضطراب وعدم استقرار منذ عقد، وتونس التي تغرق في أزمة سياسية واقتصادية؛ باعتبارها معبرًا نحو إفريقيا وبالنظر لقربها من دول الساحل والصحراء التي أصبحت منطقة غير مستقرة أمنيًّا لاسيما بعد الانقلاب العسكري الذي شهدته النيجر؛ باعتبارها من أخطر البؤر التي تحتضن الجماعات الإرهابية، يرجح أن تكون هذه المنطقة مجالًا مفتوحًا للمزيد من التهديدات والاستقطاب والمزيد من صراع النفوذ، على اعتبار أن أي تهديد للأمن في الجنوب ستكون له تداعيات مباشرة في الشمال.

إن التحدي الأمني سيعتمد في المستقبل على قدرة فرنسا على تجديد نهجها ورؤيتها وتوقعها للتطورات الإقليمية التي أصبحت تفلت منها بعمق شيئًا فشيئًا، بعد أن كانت في السابق مألوفة لديها.

7. إدارة لعبة التوازن بين المغرب والجزائر: يبدو أن باريس فشلت في الحفاظ على علاقات متوازنة بين الرباط والجزائر في وقت يشهد فيه العالم تحولات جيوسياسية أعادت تشكيل التوازنات في المنطقة. فلم تتمكن باريس من التعامل مع تداعيات اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء، ولم يتضح بعد ما إذا كانت باريس ستكون جزءًا من الحل أم ستسهم في تعقيد مشكلة ابتليت بها المنطقة منذ ما يقرب من خمسة عقود.

ومن المتوقع، والحالة هذه، أن تكون الأشهر المتبقية من عام 2023 صعبة بالنسبة لإيمانويل ماكرون؛ حيث سيتعين عليه إظهار توازن دقيق بين الدولتين، وكيف يمكنه إرضاء إحداهما دون تنفير الأخرى. لقد كان هذا التحدي أقل حدة في عهد الرئيسين، فرانسوا هولاند ونيكولا ساركوزي. ففي عهديهما، لم يصل التوتر بين الدولتين إلى هذه المرحلة الحرجة؛ حيث قطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع الرباط في صيف 2021، ولم يسبق لباريس أن واجهت تناقضات بهذه الحدة في علاقتها مع البلدين(14).

وعلى الرغم من انحيازها التقليدي نسبيًّا إلى الطرح المغربي حول قضية الصحراء، دفعت أزمة الطاقة العالمية من بين عوامل أخرى الرئيس إيمانويل ماكرون إلى اختيار تفضيل تعزيز العلاقات مع الجزائر، تزامنًا مع سعى الرباط إلى حل هذا الملف بشكل نهائي، مدفوعة بدينامية المواقف المؤيدة للخطة المغربية لحل النزاع. وكما فعلت مع دول أوروبية أخرى (إسبانيا وألمانيا وغيرها)، تضغط الدبلوماسية المغربية على باريس “للخروج من المنطقة الرمادية”، وتقديم الدعم بوضوح للمغرب(15).

المعضلة هي أن أي تحول فرنسي في هذا الاتجاه سيكون له تأثير عكسي يتمثل في إغضاب الجزائر، التي تشهد علاقتها مع باريس فترات من الصعود والهبوط؛ حيث بات من الواضح أن الرئيس الفرنسي، أصبح منخرطًا بشكل كامل في سياسة المصالحة مع الجزائر، والتي لا تزال نتائجها غير مؤكدة؛ حيث بات من شبه المؤكد أنه لا يمكنه التراجع إلى الوراء أي المراهنة على المغرب بدل الجزائر، إلا في حالة ما إذا أقر بفشل سياسته الجزائرية.

في الماضي، ربما كان وقتها بإمكان رئيس الدولة الفرنسي الحفاظ على شكل من التوازن بين الرباط والجزائر في الوقت نفسه(16)، لكن على الرغم من بعض مؤشرات التهدئة من الجانبين، الجزائري والمغربي، لاسيما في وقت الكوارث الطبيعية كحرائق الغابات والزلزال، فالتوتر يتزايد بينهما بشأن قضية الصحراء والتطبيع مع إسرائيل وأمور أخرى؛ حيث ما زال احتمال نشوب صراعات جديدة بينهما في أية لحظة محتملًا. بالتالي فالوضع بالنسبة للرئيس الفرنسي أشبه بالمشي على قشر البيض. لكن إلى متى سيواصل الرئيس ماكرون لعب دور الموازن، وهو يعلم أنه يجب عليه استعادة العلاقات مع المغرب والجزائر في الوقت نفسه أو المخاطرة بفقدان إحداهما أو كلتيهما وفقدان مكانته بشكل دائم في منطقة كانت تعتبر إلى وقت قريب مجالًا حيويًّا لفرنسا؟

لقد أصبح من اللازم على الرئيس الفرنسي التوقف عن تحديد العلاقات بين المغرب وفرنسا في ضوء العلاقات مع الجزائر أو العكس، والعمل على بلورة سياسة شاملة واضحة ومتماسكة تجاه المنطقة وإيجاد نقط توازن جديدة، لكن هذا التمرين أيضًا يبقى محفوفًا بالعديد من المخاطر.

خاتمة

بدأ عام 2023 بشكل سيء بالنسبة لفرنسا في علاقاتها بالدول المغاربية، فقد أضحت تخسر المنطقة جيوسياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا وأمنيًّا، وهي المنطقة التي طالما اعتبرتها مجالًا حيويًّا لمجرد أنها كانت من بين مستعمراتها السابقة. ومن الواضح أن الجزائر والمغرب دولتان قد بلغتا مستويات من الاستقلالية التي لا يمكن تجاهلها، لدرجة أنهما أصبحتا لاعبين محوريين في المنطقة وتمكنتا من إقامة علاقات إستراتيجية قوية ومتنوعة مع شركاء جدد بعيدًا عن التأثير الضعيف المتزايد لباريس.

رغم ذلك، ما زال الرئيس الفرنسي يراهن على عودة العلاقات الفرنسية-المغربية لنسقها المعتاد، وتحقيق المصالحة مع الجزائر، وهذه الرهانات إن لم تكن متناقضة فقد أصبحت شبه مستحيلة في الظرفية الحالية؛ ذلك أن الأزمات السياسية التي تعرفها العلاقات الثنائية بشكل متكرر، أصبحت تشير بوضوح إلى فقدان فرنسا بشكل تدريجي لمكانتها السابقة، لاسيما أمام التحديات الجديدة التي طفت على سطح علاقاتها بعد سنوات من التجاهل وعدم استيعاب التحولات التي شهدتها دول المنطقة في علاقاتها مع المستعمر القديم.

إن تراجع النفوذ الفرنسي في إفريقيا وفي المنطقة المغاربية، التي تعتبر تاريخيًّا حصنًا قويًّا لمصالح باريس الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية، أصبح اختبارًا حقيقيًّا لسياسة باريس الخارجية واختبارًا لنفوذها الدولي وعلامة بارزة على تراجع مكانة فرنسا في العالم.

مصطفى جالي

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات




منحة الزواج في ليبيا… ازدياد حالات الطلاق وعقود قران للقاصرات

استغل ليبيون في شرق البلاد وغربها منحة الزواج التي أقرتها حكومة الوحدة الوطنية، من أجل الحصول على قيمتها التي تزيد عن 8 آلاف دولار أميركي للطرفين، ما أسفر عن تزايد لحالات الطلاق وحتى إبرام عقود قران للقاصرات.

– تخشى الموظفة الليبية في محكمة طبرق (شرق طرابلس) سليمة أبو بكر، من انفجار جديد في أعداد حالات الطلاق بين دفعات الليبيين ممن ينتظرون دورهم للحصول على منحة تيسير الزواج، والتي أُقرت حتى يتسنى للراغبين في عقد قرانهم تغطية نفقاتهم بعد الحصول على مبلغ 40 ألف دينار ليبي (8297 دولارا أميركيا)، مقسمة على الطرفين بالتساوي، وكان الشرط الوحيد في البداية أن يقدم الشاب ما يثبت إقدامه على الزواج فقط، كما تقول لـ”العربي الجديد”.

وتتابع أبو بكر التي تعمل في الإدارة المعنية بكتابة المحاضر أن أكثر من 40 ملفا شهريا لحالات طلاق تسجل في المحكمة، منذ إقرار المنحة في 12 أغسطس/آب من عام 2021 عبر وزارة الشباب في حكومة الوحدة الوطنية، مفسرة ذلك بعدم تقييد الاستفادة من المنحة التي ينظم إجراءاتها صندوق تيسير الزواج بأي شروط في البداية، ما أسهم في تصاعد حالات الطلاق الناجمة عن زواج صوري أو متسرع من أجل الحصول على المبلغ المالي.

أخطاء تنظيمية بعد إقرار منحة تيسير الزواج

بلغ عدد المستفيدين من منحة تيسير الزواج 50 ألف ليبي وليبية، إذ صرف المليار دينار الأول المخصص لها في 5 سبتمبر/أيلول عام 2021 وتلاه مليار ثان، وما زال 42 ألفا ينتظرون دورهم للحصول عليها لدى صرف المليار الثالث الذي ينتظر موافقة مجلس النواب الليبي، بحسب تأكيد مديرة إدارة شؤون الزواج في الصندوق نسرين بن نوبه لـ”العربي الجديد”.

لكن الطلب الكبير على المنحة، كان يقف خلفه أشخاص سعوا إلى “المصلحة المادية”، وفق ما رصدته أبو بكر، ما أسفر عن تصاعد حالات الطلاق عقب القرار، بخاصة بين القصر من مواليد عام 2008.

وهو ما يؤكده قاض قابله معد التحقيق في فبراير/شباط 2023 داخل ردهات محكمة طبرق، وطلب عدم ذكر اسمه لأن القضاة ممنوعون من التصريح لوسائل الإعلام، موضحا أن الأرقام الموثقة لديهم في سجلات المحكمة ودفاتر كاتبي المحاضر، تفوق 60 حالة طلاق شهريا، وهذه أعداد ظهرت في البلاد منذ تفعيل منحة الزواج وتستمر آثارها على مستوى جميع المدن الليبية.

تسببت منحة الزواج بتفاقم الطلاق خاصة بين القاصرات

والتقت سهولة شروط التقدم على المنحة بأوضاع معيشية صعبة شجعت على استغلالها بحثا عن المال، بحسب ما جاء في كتاب أصدره المستشار محمد الحافي، رئيس المحكمة العليا والمجلس الأعلى للقضاء، في 15 سبتمبر عام 2021 والموجه إلى رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ينتقد فيها قرار منحة الزواج، محذرا من أن “المقبلين على إبرام عقود الزواج من الشباب بشكل منقطع النظير، ليس من أجل تحقيق الأغراض التي ابتغاها الشرع الإسلامي ومقاصده، بل إن النية المبيتة قد تكون للحصول على العشرين ألف دينار المقررة لكل طرف”، وفق ما نص عليه الكتاب الذي اطلع عليه “العربي الجديد”.

الحافي
تحذير المجلس الأعلى للقضاء من تكدس طلبات الطلاق في المحاكم بسبب منحة الزواج (العربي الجديد)

ويقدر شاكر ياسين محمد، العضو في إدارة المحاماة العامة (حكومية تنوب عن المواطنين دون مقابل) بطبرق، من خلال عمله، التصاعد في حالات الطلاق المسجلة في المحاكم الليبية عام 2021 بنسبة تتراوح بين 30 و40% من إجمالي حالات الزواج، مقارنة بسنوات سابقة، وسجلت 7476 حالة طلاق عام 2019، وكانت 9425 حالة عام 2018، بينما سُجلت 10852 حالة طلاق عام 2017، بعد أن كانت 8743 عام 2016، بحسب آخر إحصائية على مستوى البلاد أعلنت في “المؤتمر العلمي الأول للطلاق في ليبيا.. الأسباب والحلول” والذي عقد في 7 و8 مارس/آذر 2020.

من هي الفئات التي أساءت استغلال المنحة؟

رصدت المحامية منال الساكر، التي تعمل في مكتبها الخاص بطبرق، الفئات التي استغلت قرار المنحة بغرض الحصول على المال، أولها القصّر من النساء والرجال، وبالرغم من أن أعدادهم كانت كبيرة إلا أنهم حصلوا على إذن قضائي للزواج، والغالبية من هؤلاء أحجموا عن الاستمرار في الحياة الزوجية والاكتفاء بما في أيديهم من أموال، وهناك فئة أخرى ممن هم في سن الزواج القانونية، لكنهم لجأوا للطلاق بعد الحصول على منحة الزواج وانتهى الأمر بينهما بتقاسم المال وكل ذهب في حال سبيله، بخاصة أنه لم تسنّ أي شروط بشأن السن لدى إقرار منحة الزواج في بدايتها، وهو ما أعطى الأريحية للمحكمة لتوافق على عقد القران بوجود إذن القضاء الذي يأخذ بعين الاعتبار موافقة ولي الأمر على تزويج القاصر أو القاصرة، إذ إن القانون الليبي رقم 10 الصادر عام 1984 والمعدل عام 2015 نص على أن تكون سن الزواج القانونية 18 عاما للذكر والأنثى، ومن هم دون هذه السن يحتاجون إذنا قضائيا وموافقة ولي الأمر، حسبما تقول الساكر لـ”العربي الجديد”.

وتقرّ بن نوبه بأن عام 2021 الذي أُقرت خلاله المنحة سجل تزايدا كبيرا في عقود الزواج التي وصل عددها إلى 133 ألفا، من بينهم 50 ألف ذكر وأنثى حاصلين على منحة الزواج، منها 940 حالة زواج لفتيات قاصرات، بينما كان متوسط حالات الزواج في ليبيا سابقا 40 ألف حالة سنويا.

وصل عدد عقود الزواج المسجلة عقب قرار المنحة إلى 133 ألفاً

لكن على مستوى مدينة بنغازي، ثاني أكبر المدن الليبية والتي يسيطر عليها اللواء المتقاعد خليفة حفتر، تكشف الإحصائيات عن تصاعد في عدد حالات زواج القاصرات المسجلة في عام 2021، إذ بلغت حينها 3581 حالة، من أصل 9873 عقد زواج جديد، بينما كان عدد العقود 1125 عقدا عام 2020، و740 عام 2019، و854 عقدا في 2018، بحسب بيانات حصل عليه “العربي الجديد” من رئيس المؤتمر العلمي الأول للطلاق في ليبيا عبد الجليل الفزاني، وجرى جمعها عبر سجلات محاكم جنوب وشمال وشرق بنغازي الابتدائية في 6 مارس/آذار 2022.

وتعزو بن نوبه هذا الارتفاع في تزويج القاصرات إلى عدم تحديد أي شروط للمتقدمين لدى صرف المليار الأول، لكن عقب رصد القفزات في حالات الزواج تداركت إدارة الصندوق الأمر، وأقروا ضوابط أهمها أن يكون المتقدم للمنحة قد بلغ 25 عاما للزوج و18 عاما للزوجة، وألا يزيد فرق العمر بين الزوجين عن 15 عاما، لكنها تعود وتحمل المسؤولية لأولياء الأمور والقضاة الذين أعطوا الإذن لزواج القاصرات، موضحة أنهم في صندوق تيسير الزواج مهمتهم دعم استكمال الزواج فقط.

 https://infogram.com/_/iR4mysAa6nHgv8IYSU8h?parent_url=https%3A%2F%2Fwww.alaraby.co.uk%2Finvestigations%2F%25D9%2585%25D9%2586%25D8%25AD%25D8%25A9-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25B2%25D9%2588%25D8%25A7%25D8%25AC-%25D9%2581%25D9%258A-%25D9%2584%25D9%258A%25D8%25A8%25D9%258A%25D8%25A7-%25D8%25A7%25D8%25B2%25D8%25AF%25D9%258A%25D8%25A7%25D8%25AF-%25D8%25AD%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25AA-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25B7%25D9%2584%25D8%25A7%25D9%2582-%25D9%2588%25D8%25B9%25D9%2582%25D9%2588%25D8%25AF-%25D9%2582%25D8%25B1%25D8%25A7%25D9%2586-%25D9%2584%25D9%2584%25D9%2582%25D8%25A7%25D8%25B5%25D8%25B1%25D8%25A7%25D8%25AA&src=embed#async_embed

من جهته، يوضح عضو المجلس الأعلى للقضاء في ليبيا المستشار سعد المصراتي لـ”العربي الجديد” أن القانون رقم 10 لعام 1984 يحدد سن الزواج للذكر والأنثى بعمر 18 عاما، وهناك “سلطة تقديرية للقاضي” تخوله بمنح إذن قضائي بعقد القرآن لمن تقل أعمارهم عن 18، لكنه يحمّل المسؤولية لولي الأمر في تزويج ابنته القاصر التي تفتقر للكفاءة الجسمانية أو الذهنية، كما يحمل المسؤولية لبعض القضاة إذا خالفوا الشروط والضوابط المنظمة لعملية الزواج لأية أغراض أو أهواء شخصية.

وتلقي الساكر أيضا بجزء كبير من المسؤولية على أولياء الأمور الذين مارسوا سلوكا انتهازيا، فكانت التبعات الاجتماعية والمادية كبيرة على الطرفين، بخاصة في حالات القصّر من الجنسين الذين حصلوا على إذن الزواج من أجل عقد قرانهم والتقدم إلى المنحة والتي لم تكن من نصيبهم، ما دفعهم إلى إنهاء زواجهم.

ويبدي أستاذ علم الاجتماع في جامعة طبرق الحكومية عبد الفتاح بالعيد هودج قلقه من الاستهتار بموضوع الزواج، حتى أصبح التعامل مع الأمر ماديا بحتا منذ إقرار المنحة، بعيدا عن أسس وقواعد والهدف الشرعي من الزواج، بل وتعدى حتى العادات والتقاليد المعمول بها في المجتمع الليبي، إذ شهد المجتمع الليبي طفرة عام 2021 على مستوى عدد حالات الزواج المسجلة، لدرجة أنه كان من الصعب والطريف، على حد وصفه، إيجاد مأذون لعقد القران في فترة تقديم الطلبات للمنحة، وذلك لكثرة المقبلين على عقد قرانهم في ذلك الوقت، لتنتج عن تلك الطفرة زيادة في الطلاق الذي بات يؤرق المجتمع الليبي، الذي يسجل حالة طلاق من بين كل 3 حالات زواج.

تحايل للحصول على المال

يستغرب عبد الباسط ألطيف، أمين مكتب السجل المدني في طبرق من تكرر مشهد قدوم ولي الأمر حاملا معه حكم طلاق لابنته التي لم يمض على زواجها سوى فترة بسيطة، مستذكرا قصة أب زوّج اثنتين من بناته ثم حضر بعد مدة قصيرة جدا ومعه حكم طلاق البنتين، علما أن كلتيهما حصلتا على مبلغ المنحة عقب عقد قرانهما وفقا لما رواه الوالد.

والمثير أنه ليس من المعقول أن يكون السبب عدم التوافق مع زوجيهما، والحديث لألطيف، كون الزواج والطلاق كان للبنتين في ذات الفترة “ومن الواضح أنه جرى ترتيب الزواج بهدف الاستفادة من مبلغ المنحة، وغيرهما كثيرات ممن كانت أعمارهن أقل من 14 عاما”. 

تسجيل أعداد كبيرة في عقود الزواج خلال العام 2021
زيادة كبيرة في عقود الزواج خلال عام 2021 (Getty)

أما القصة الأغرب على حد وصفه، فهي صدمة رجل كان يتردد على السجل للحصول على بعض المستندات، وفوجئ بأن ابنه مقيد في السجل “متزوج”، ليجد أن ابنه عقد صفقة زواج من فتاة بهدف الحصول على المنحة، ولم يعتزم إشهار ذلك لوجود نية مسبقة بإنهاء هذا الزواج عقب حصول الطرفين على مبلغ المال، ما يؤكد أن هناك اتفاقات جرت بين بعض الأسر على استلام المال، وكأن الطرفين في فترة خطوبة تنتهي بعدم التراضي والانفصال، وأضاف ألطيف لـ”العربي الجديد” أن هذا القرار تسبب بما لا يدع مجالا للشك في ارتفاع عدد حالات الطلاق. لكنه لا ينفي حقيقة أن هناك بعض المواطنين استفادوا منه واستطاعوا تكوين أسر.

ويعدّ السجل المدني طرفا مهما، ومنه تبدأ الإجراءات الورقية وتثبيت العقد ليحصل المقبل على الزواج بعد عقد القران على ما يسمى ورقة وضع عائلة ورقم قيد للتقدم إلى منحة الزواج. ويقرّ أمين السجل المدني ألطيف بوقوع أخطاء إدارية أسهمت في تفاقم تبعات المنحة منها إسناد المهام في السجل لأشخاص غير مؤهلين من المتعاونين في فترة الضغط التي أعقبت الإعلان عن المنحة، ما تسبب بحدوث تجاوزات تمثلت بإعداد وثيقة سجل مدني رغم أن المستندات المطلوبة كانت ناقصة، وعقب اكتشاف هذه الأخطاء لاحقا تم إيقاف معاملاتهم ولم يمنحوا قيد عائلة وتم استثناؤهم من المنحة. وهذا كله كان نتيجة إقبال المواطنين على التسجيل وإلحاحهم على إتمام إجراءاتهم ليتقدموا للمنحة.

وتكشف بن نوبه وقوع محاولات تحايل عبر إدخال أرقام وطنية غير صحيحة لقبول الطلب، لكنها تؤكد أنه جرى اكتشافها عن طريق نيابة الأحوال المدنية.

ورغم ما واجهه المجتمع الليبي من تداعيات سلبية للمنحة، لكن ذلك لا ينفي حقيقة استفادة مواطنين ومن بينهم المراسل الصحافي امقرب المجبري، والذي عبر عن سعادته بمبلغ المنحة التي شكلت فارقا في حياته، مؤكدا لـ”العربي الجديد” أن تفاهم الطرفين المقبلين على الزواج بصرف هذه المنحة بالكيفية التي تخدم مستقبلهما، هو عامل نجاح قوي يساعد على بناء أسرة ناجحة.

خالد محمود فضل الله

المصدر: صحيفة العربي الجديد




سدود ليبيا… عشوائية التصميم تهدر المياه النادرة

يحٌمل رئيس قسم الجيوفيزياء بكلية العلوم في جامعة طرابلس، محمد البوعيشي، المسؤولين عن عدم إجراء دراسات جيولوجية دقيقة قبل إقامة السدود المائية في ليبيا، النتائج المترتبة عن مشكلة تسرب المياه المستمر في منطقة الجبل الأخضر شرقي ليبيا، إذ أقيمت السدود على كهوف وصخور جيرية بالمنطقة دون تحديد مناطق الطبقات والفوالق والكسور، كما غيبت اللجان المختصة بدراسة الصخور كما يقول لـ”العربي الجديد”، مؤكدا وجود أخطاء كثيرة ومتكررة في تصميمات السدود الليبية ما يهدد الأمن المائي للبلاد.

وتم إنشاء 18 سداً مائياً شرق وغرب ووسط ليبيا في العقود الثلاثة الماضية بحسب ما أوضحه مدير عام الهيئة العامة للمياه المهدي المجبري والذي قال لـ”العربي الجديد”: “التصميمات التي وضعت قبل إنشاء السدود كانت ترمي لتوفير 375 مليون متر مكعب من الماء، بينما كميات المياه المحتجزة سنوياً لا تتجاوز 65 مليون متر مكعب بعدد 18 سدا أهمها سهل الجفارة وكل هذا بسبب الأخطاء التصميمية ما أسفر عن حجز كميات بسيطة من تلك المستهدفة والتي صمم السد وتكلف ماليا على أساس تحقيقها”، وهو ما يكشف عن إهدار كبير في بلد يحتاج إلى قطرة من معدل هطول الأمطار الذي يصل إلى 2.5 مليار متر مكعب سنويا وفقا لما قاله الأستاذ بقسم التربة والمياه في كلية الزراعة بجامعة طرابلس الدكتور سعد الدين الغرياني، والذي أضاف في إفادة لـ”العربي الجديد”: “نسبة ما تحجزه السدود تعد بسيطة جدا، بالمقارنة مع نسبة هطول الأمطار سنويا”.

وتقع ليبيا ضمن المنطقة العربية التي تعتبر من أكثر المناطق فقراً في موارد المياه في العالم، وتتجاوز ليبيا مع 12 دولة عربية أخرى خط الفقر المائي الحاد إذ يقدّر نصيب الفرد في ليبيا بحوالي 120 متراً مكعباً في السنة لكل فرد، وذلك وفقاً للتقرير العالمي لتنمية المياه لعام 2015 في حين أن حد الفقر العالمي يقدّر بألف متر مكعب في السنة لكل فرد بحسب ما جاء في بحث سياسات إدارة الموارد المائية في ليبيا الصادر عن المنظمة الليبية للسياسات والاستراتيجيات في مايو/أيار من عام 2017.

أسباب التسريب

صممت السدود في ليبيا بطريقة عشوائية، ولاسيما بالمنطقة الشرقية، بحسب ما شرحه أستاذ الجيولوجيا بجامعة عمر المختار مهند الشلوي لـ”العربي الجديد”، والذي قال إن الفوالق والشقوق في الأرض التي تقام عليها السدود، نتج عنها تسرب للمياه المحتجزة، كما حدث في سد مدينة درنة الواقعة شمال شرق ليبيا والذي تمت إقامته في العام 1986 على أرض بواطنها كهوف وفجوات، علما أن المنطقة غير مؤهلة لإقامة سد مائي لانجرافات التربة، مما تسبب في تسرب المياه المستمر منذ إنشاء السد حتى الآن، متسائلاً في الوقت ذاته: “أين الدراسات الجيولوجية لطبقات الأرض في المنطقة وكذلك الدراسات الطبوغرافية والجيوتكتونية لخواص الصخور؟ّ!، النتيحة واضحة حاليا”، غير أن مدير الإدارة العامة للسدود بالهيئة العامة للمياة المهندس عمر المغربي يقول لـ”العربي الجديد” إن التسرب لا يتعدى 5 كيلومترات، والمياه المتسربة من السد تذهب إلى مخزون المياه الجوفية، مضيفا أن مُشكلة السدود حالياً، تقتصر على نقص الأموال المطلوبة لصيانتها، فضلاً عن الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي الذي يعوق عملية نقل المياه من أسفل إلى أعلى عبر المضخات الغاطسة كما يعوق عمل أجهزة قياس عمق المياه.

وتحتاج بعض السدود إلى 10 ملايين دينار ليبي (ما يعادل 7.27 ملايين دولار) لإجراء عمليات الصيانة السنوية، لكن المخصصات المالية لا تتعدى نصف مليون دينار (364 ألف دولار) حسب المغربي، لكن المهدي المجبري كشف أن الموازنة المالية المخصصة لصيانة السدود، لم تصرف منذ خمس سنوات بسبب الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها البلاد، بعد أن بلغت ميزانية صيانة وتشغيل السدود 500 مليون دينار (ما يعادل 363 مليون دولار) بحسب آخر موازنة صرفتها الهيئة العامة للمياه في العام 2012 وفق إفادة المجبري.

مخاوف من استمرار تغييب الدراسات المتخصصة

يعرف السد بأنه إنشاء هندسي يقام فوق واد، أو منخفض بهدف حجز المياه، وتنقسم السدود إلى نوعين الأول الخرسانية والثاني الترابية أو الركامية وسدود ليبيا من هذا النوع، بحسب الأكاديمي الشلوي، والذي حذر من أن هيئة الموارد المائية لديها مشاريع سدود جديدة بدون دراسات كافية في تكرار للسيناريو السابق كما يقول، وهو ما يؤكده رئيس قسم الجيوفيزياء بجامعة طرابلس الدكتور محمد البوعيشي بالقول: “إن دول العالم المتقدم تأخذ استشارة الجيوفيزيائي في عمليات إنشاء ناطحات السحاب والأبراج، وفي ليبيا يتم تغييبه في مشاريع استراتيجية، مثل إقامة السدود”، محملا هيئة المياه مسؤولية الدراسات الميدانية، لكن مدير إدارة الإعلام بهيئة الموارد المائية سليمان عبود يقول إن الوضع الاقتصادي الحالي يعيق أي إجراء من شأنه إجراء دراسات بحثية، إذ تحتاج إلى أموال غير متوفرة.

وأنشئت السدود في ليبيا من أجل التحكم في الفيضانات وإمداد المناطق الزراعية بالمياه، مثل سد وادي المجنيين الواقع جنوب طرابلس، الذي أنشئ لحماية ضواحي طرابلس من الفيضان، وسد وادي الوشكة الذي تم إنشاؤه في عام 1996 على بعد 29 كيلومترا جنوب غرب بلدة سوكنة الواقعة جنوبي ليبيا، إلى جانب تخزين المياه بحسب عبود، والذي أشار إلى تعدد وجهات النظر حول تقييم السدود، خاصة أنها أسهمت بشكل كبير في تغدية خزان المياه الجوفية، وإمداد المناطق الزراعية بالمياه كما يقول. 

انخفاض المخزون المائي

يعتدي مواطنون على مياه السدود الليبية في مناطق مختلفة لري أراضيهم الزراعية، ومنهم من يقوم بوضع مضخة مياه، لشفط الماء من الوادي الذي تخزن فيه السدود المياه ويعمد إلى نقلها عبر شاحنات وفق ما قاله المواطن علي بن إسماعيل الذي يحصل على المياه من سد وادي كعام (140 كيلومتراً إلى الشرق من مدينة طرابلس) للاستفادة منها في ري أرضه الزراعية، قائلا لـ”العربي الجديد”: “نقص المياه بمنطقة وادي كعام جعلني أقوم بذلك، إلى جانب أن المياه تحبس في الوادي، ولا يستفاد منها منذ العام 2011 بسب غياب مؤسسات الدولة”.
وتبلغ الطاقة التصميمية الاستيعابية لسد وادي كعام 111 مليون متر مكعب من الماء بينما بلغ متوسط المخزون السنوي 13 مليون متر مكعب في عام 2017 وفقاً لتقرير الهيئة العامة للمياه الحكومية الصادر في عام 2017.

ويطاول الاعتداء سد وادي غان بالهيرة (منطقة زراعية) الواقعة شمال غريان بـ 14 كيلومتراً وجنوب منطقة الرقيعات بشعبية الجبل الغربي بليبيا، للحصول على المياه بحسب تأكيد الفلاح حسن أبو القاسم والذي يعيش في منطقة الرقيعات، ويبرر أبو القاسم في إفادته اعتداء المواطنين على مياه السدود، بأنه من أجل الحصول على مياه للشرب واستخدام لتك المياه النادرة في عمليات الري الزراعية للحفاظ على مخزون آبارهم الجوفية من النضوب.

خزان المياه الجوفية

تعتبر ليبيا بلدا محدود الموارد الطبيعية بشكل كبير، إذ تشكل الصحراء القاحلة 90% من مساحتها المقدرة بنحو 1.8 مليون كيلومتر مربع، بحسب دراسة “الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي” الصادرة في العام 2011 عن مجلس التخطيط العام الذي كان يتبع الجهاز التشريعي للدولة في السابق، ويتبع حاليا المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني.

وتتوزع المـوارد المائية المتاحة في ليبيا بين 95 بالمائة مياها جوفية، 2.30 % مياها سطحية و0.90 % مياها محلاة 0.66 % مياه صرف، ويعتمد 95% من السكان في ليبيا على المياه الجوفية والتي تشكل المصدر الأساسي للمياه المستعملة في قطاعات وأنشطة مختلفة أهمها الزراعة والري والاستخدامات المنزلية والصناعية والاقتصادية والصحية، وتبلغ التغذية السنوية للمياه الجوفية في حدود 250 مليون متر مكعب، بينما يقدر الاستهلاك مليار متر مكعب وفقا لدراسة استشرافية تناولت الوضع المائي في ليبيا في عام 2025، وصدرت عن وزارة التخطيط الليبية، مطلع العام 2010.

وتشير الدراسة ذاتها إلى أن حصة الفرد من المياه المتجددة تعتبر من أقل دول العالم، وتوقعت أن حصة الفرد من المياه المتجددة ستنخفض من 80 مترا مكعبا لسنة 2005، إلى 40 مترا مكعبا في 2020، وقدرت الحد الأقصى من المياه الجوفية والسطحية بحوالي 4000 مليون متر مكعب في السنة، وبينت الدراسة أن نسبة المياه غير التقليدية، سواء كانت تحلية أو مياه صرف صحي معالجة، تقدر بحوالي 1000 مليون متر مكعب في السنة، مشيرة إلى أن نسبة المياه الجوفية غير المتجددة تقدر بـ 3000 مليون متر مكعب، فيما تقدر نسبة المياه الجوفية المتجددة بـ 650 مليون متر مكعب، فيما تبلغ نسبة المياه السطحية 170 مليون متر مكعب.

ويؤكد مدير الإدارة العامة للسدود وجود مشاريع سدود جديدة في وادي الخروع ووادي الربيع اللذين يقعان جنوب طرابلس للحماية من الفيضانات، قائلا “نقص الأموال، أعاق إنشاء 20 سد مائي ترفع السعة التخزينية بحوالي 45 مليون متر مكعب وهي كمية مهمة لعملية الزراعة كما أن السدود مهمة في عملية الحماية والتحكم في الفيضانات ونأمل في توفير الميزانيات اللازمة لتلك المشاريع الحيوية لجميع الليبيين”.

أحمد الخميسي

المصدر: صحيفة العربي الجديد




التجسس.. حرب سرية بين الصين وأميركا

كشف إسقاط السلطات الأميركية منطاد تجسس صينياً، في فبراير/ شباط الماضي، عن وصول حرب الجاسوسية بين الولايات المتحدة والصين لمستويات عالية، وصفها مسؤول أميركي بأنها باتت أكثر اتساعاً من تلك التي دارت بين الأميركيين والسوفييت خلال الحرب الباردة في القرن الماضي.

وتسعى دوائر الاستخبارات لدى الدولتين بشكل أساسي لكشف نوايا سلطات الطرف الآخر والقدرات العسكرية والتكنولوجية، وبقدر ما يمكن للتجسس أن يوقف انزلاق النزاعات إلى حروب، ويُسهل مسار المفاوضات الحساسة، يمكن له أيضاً أن يدفع باتجاه صراع مسلح.

عدوانية

وتعكس أزمة المنطاد، وهي جزء صغير من جهد تجسسي صيني أكبر بكثير، العدوانية الجديدة من قبل بكين في جمع المعلومات الاستخباراتية عن الولايات المتحدة، بالإضافة إلى قدرات واشنطن المتنامية في جمع معلومات عن الصين، ويسعى البلدان من خلال ذلك إلى الإجابة عن السؤالين الأهم لتحديد سياستهما وردات فعلهما: ما نوايا القادة في الدولة الأخرى، وما القدرات العسكرية والتكنولوجية التي يتمتعون بها؟

وتنقل صحيفة “نيويورك تايمز” عن مسؤولين أميركيين، لم تكشف هويتهم، قولهم إن وكالة المخابرات المركزية تركز على الرئيس الصيني، شي جين بينغ، نفسه، وعلى وجه الخصوص نواياه فيما يتعلق بتايوان. وبالوقت نفسه، زادت فرق عمل مكافحة التجسس، التابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي، عملياتها للتصدي لجهود الصين في تجنيد جواسيس داخل الولايات المتحدة في جميع أنحاء البلاد، حيث جرى اعتراض عشرات الاختراقات الصينية لقواعد عسكرية على الأراضي الأميركية خلال الأشهر الـ 12 الماضية.

ويضيف المسؤولون أن جهود الصين مجتمعة تصل إلى كل جانب من جوانب الأمن القومي، وإلى الدبلوماسية والتكنولوجيا التجارية المتقدمة في الولايات المتحدة والدول الشريكة.

وقال كريستوفر راي، من مكتب التحقيقات الفيدرالي، إن “صراع التجسس مع الصين أكثر اتساعاً من ذلك الذي دار بين الأميركيين والسوفييت خلال الحرب الباردة”، ويقر راي بأن عدد السكان الكبير في الصين وقوة اقتصادها يمكّنها من بناء أجهزة استخبارات أكبر من تلك الموجودة في الولايات المتحدة.

وترى الصين الأمر بشكل مختلف، حيث قال وانغ وينبين، المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، إن “الولايات المتحدة هي الدولة رقم واحد في مجال المراقبة، ولديها أكبر شبكة تجسس في العالم”.

ذكاء اصطناعي

ويطفو مؤخراً سباق البلدين في مجال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، إذ يعتقدان أنها ضرورية للحفاظ على التفوق العسكري والاقتصادي، وستمنح كذلك وكالات التجسس الخاصة بهما قدرات جديدة.

وترى حكومة الولايات المتحدة أن تقدمها في مجال الذكاء الاصطناعي يساعدها في تعويض قوة الصين العددية، ويقول مسؤولون أميركيون إن المسؤولين الصينيين يأملون أن تساعدهم هذه التكنولوجيا على مواجهة القوة العسكرية الأميركية.

وتعمد الصين إلى جمع المعلومات الاستخبارية من خلال الاتصال المباشر بالمواطنين الأميركيين، حيث تهدف وكالة المخابرات الرئيسية في الصين ووزارة أمن الدولة إلى تجنيد عملاء وموظفين بالحكومة الأميركية، وفي شركات التكنولوجيا، وصناعة الدفاع.

ويستخدم العملاء الصينيون موقع التواصل الاجتماعي LinkedIn لجذب المجندين المحتملين، ففي أي وقت يتولى فيه أميركي وظيفة ما ويجري الإعلان عنها تبدأ عشرات الطلبات بالورود من مواطنين صينيين على وسائل التواصل الاجتماعي، وفقاً لمسؤولين حاليين وسابقين.

واستجابة لهذه التهديدات قامت الوكالات الفيدرالية بفتح وتوسيع عملياتها الداخلية للقبض على الجواسيس، وقال كريستوفر راي إن مكتب التحقيقات الفيدرالي لديه آلاف التحقيقات الاستخباراتية المفتوحة حول الصين، وكل مكتب من مكاتبها الميدانية، البالغ عددها 56، لديه قضايا نشطة.

وأشار راي إلى أن جميع هذه المكاتب الميدانية لديها الآن فرق عمل لمكافحة التجسس والإنترنت، تركز إلى حد كبير على التهديد الذي تشكله المخابرات الصينية. وتشمل هذه التحقيقات محاولات جواسيس صينيين لتجنيد مخبرين، وسرقة معلومات، واختراق الأنظمة، ومراقبة ومضايقة المنشقين الصينيين في الولايات المتحدة، بما في ذلك استخدام ما يسمى بمواقع الشرطة الاستيطانية.

وقال راي “إنهم يسعون وراء كل شيء”، وإن جهاز المخابرات الصيني يستخدم “كل الوسائل المتاحة في وقت واحد، حيث يمزج الذكاء السيبراني والبشري ومعاملات الشركات والاستثمارات لتحقيق أهدافه الاستراتيجية”.

وفي الوقت نفسه، يرى مراقبون أميركيون أن بعض جهود مكافحة التجسس الأميركية متحيزة عنصرياً ومصابة بجنون العظمة، مما يرقى إلى مستوى “ذعر أحمر” جديد، في إشارة للحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي.

على الضفة الأخرى، قامت الصين من جهتها بحملتها لمكافحة التجسس عبر توسيع قانون مكافحة التجسس في الأول من يوليو/ تموز، وفي أغسطس/ آب أعلنت وزارة أمن الدولة أن “جميع أفراد المجتمع” يجب أن يساعدوا في مكافحة التجسس الأجنبي، وعرضت مكافآت لأي شخص يقدم معلومات.

كما أنشأ البلدان مراكز تنصت جديدة، واتفاقيات سرية لتبادل المعلومات الاستخبارية مع حكومات الدول الأخرى، وكثف العملاء الأميركيون والصينيون عملياتهم ضد بعضهم البعض في المدن المحورية، من بروكسل إلى أبوظبي إلى سنغافورة، حيث يسعى كل جانب إلى التأثير على المسؤولين الأجانب وتجنيد الأصول، بحسب الصحيفة.

المراقبة الإلكترونية

بالنسبة لوكالات التجسس الأميركية، يمكن القول إن قرارات ونوايا الرئيس الصيني شي جين بينغ هي المعلومات الاستخبارية الأكثر قيمة التي تسعى إليها، لكنه أيضاً أكثر الأهداف مراوغة.

ويعمد شي، مثل غيره من القادة الاستبداديين، إلى الحد من استخدام الهواتف والاتصالات الإلكترونية، بحيث يجعل من الصعب على وكالات الاستخبارات الأجنبية اعتراض أوامره. لكن المسؤولين الصينيين يستخدمون الأجهزة الإلكترونية، مما يمنح الوكالات الأميركية فرصة لاعتراض المعلومات، وهو ما يطلق عليه الجواسيس “الإشارات” التي تمنحهم بعض الاطلاع على النقاشات الصينية الداخلية.

وتقوم الوكالات الأميركية حالياً بالتحقيق في سبب وضع وزير الدفاع الصيني، الجنرال لي شانغ فو، قيد التحقيق بتهمة الفساد، ولماذا أطاح شي بوزير خارجيته، تشين غانغ.

ولكن وكالة المخابرات المركزية تواجه تحديات كبيرة لبناء شبكاتها في الصين، ويرجع ذلك جزئياً إلى شبكات المراقبة الإلكترونية الواسعة في الصين والتي جعلت من الصعب على ضباط الحالة الأميركيين التحرك بحرية في الصين للقاء الاتصالات.

حتى إن الصين لديها برنامج ذكاء اصطناعي، يمكنه التعرف على الوجوه، مما يعني أن التنكر التقليدي ليس كافياً، وفقاً لمسؤول استخباراتي سابق، ويقول مسؤولون سابقون في المخابرات إن العملاء الأميركيين يجب عليهم الآن قضاء أيام، بدلاً من ساعات، في السير على الطرق لرصد أي عملاء صينيين متخفين قبل مقابلة مصدر أو تبادل الرسائل.

وفي عهد ويليام بيرنز، مدير وكالة المخابرات الأميركية (سي آي إيه) منذ عام 2021، وظفت الوكالة المزيد من الخبراء الصينيين، وزادت الإنفاق على الجهود المتعلقة بالصين، كما أنشأت مركزاً جديداً للمهام حول الصين، وقال بيرنز في شهر يوليو/ تموز الماضي إن الوكالة أحرزت تقدماً في إعادة بناء “قدرة استخباراتية بشرية قوية”.

وفي حين أنه من غير الواضح مدى قوة الشبكة الجديدة، يعتقد بعض المسؤولين الأميركيين أن أسلوب الحكم الاستبدادي الذي ينتهجه شي يمنح وكالات الاستخبارات فرصة لتجنيد المواطنين الصينيين الساخطين بما في ذلك النخبة السياسية والتجارية. وتقول بعض الشخصيات الصينية البارزة، بما في ذلك “أمراء” عائلات النخبة في الحزب الشيوعي، في محادثات خاصة إنهم لا يتفقون مع التحول الذي اتخذته الصين.

وفي الآونة الأخيرة، سمح اختراق متطور ودقيق لمنصة الحوسبة السحابية، التابعة لشركة مايكروسوفت، للصين بالوصول إلى رسائل البريد الإلكتروني لكبار دبلوماسيي وزارة الخارجية الأميركية، بما في ذلك السفير الأميركي في بكين، ووزيرة التجارة، جينا رايموندو.

ويتخذ المسؤولون الأميركيون الذين يسافرون إلى الصين إجراءات مضادة مفصلة لتجنب سرقة الأسرار الحكومية، ويتم إصدار هواتف محمولة وأجهزة كمبيوتر محمولة لهم، ويطلب منهم ترك أجهزتهم العادية في المنزل.

وقال دينيس وايلدر، محلل استخباراتي أميركي سابق لشؤون الصين وزميل بارز في جامعة جورج تاون، إن فهم نوايا القادة الأميركيين يعد أحد الأولويات القصوى لوكالات المخابرات الصينية، وقال: “إنهم يبحثون عن التخطيط والنوايا العليا، ما الذي يفكر فيه وزير الخارجية؟ ماذا يفعل؟ ما العمليات التي تقوم بها وكالة المخابرات المركزية؟ هل يعمل ضدك؟”.

أزمة تايوان

تعتبر تايوان القضية الأكثر خطورة حالياً بين الصين وأميركا ويقول محللون إن هذه هي النقطة الساخنة التي من المرجح أن تؤدي إلى حرب، حيث تسعى الصين إلى السيطرة على تايوان وأمر شي جيشه بأن يكون قادراً على القيام بذلك بحلول عام 2027. ولكن حتى الآن، لا يبدو أن الولايات المتحدة وحلفاءها لديهم معلومات استخباراتية ملموسة حول ما إذا كان شي على استعداد لإصدار أمر بالغزو.

وعلى الطرف الآخر، تبدو الاستخبارات الصينية مهووسة بالسؤال عن مدى جدية تعهدات الرئيس الأميركي، جو بايدن، لأربع مرات بأن الجيش الأميركي سيدافع عن تايوان إذا حاولت الصين الاستيلاء على الجزيرة، وهل يعني بايدن ذلك حقاً، وما إذا كان القادة الأميركيون يخططون لإبقاء تايوان بشكل دائم بعيداً عن متناول الصين.

وفي غياب معلومات استخباراتية حقيقية عن النوايا، يركز المسؤولون الأميركيون والصينيون على جمع المعلومات حول القدرات العسكرية لكل منهم، على سبيل المثال، كثفت الولايات المتحدة مراقبتها الجوية للقواعد العسكرية الصينية.

وفي الوقت نفسه، اخترق عملاء المخابرات الصينية الحكومة التايوانية على مدى عقود، كما يقول مسؤولون سابقون في المخابرات الأميركية، ويحاول العملاء الصينيون الآن معرفة المزيد عن جهود إدارة بايدن لتزويد تايوان بأنظمة أسلحة معينة، وتوفير تدريب سري للقوات التايوانية. 

ويقول مسؤولون أميركيون إن رغبة الصين في معرفة المزيد عن أنظمة الأسلحة الأميركية تفسر محاولاتها لمراقبة القواعد العسكرية. ووفقاً للمسؤولين، الذين قاموا بتتبع حوالي 12 محاولة قام بها مواطنون صينيون للتسلل إلى قواعد عسكرية، لالتقاط صور، أو قياس النشاط الكهرومغناطيسي خلال العام الماضي، فإن معظم هذه الجهود تبدو وكأنها تركز على القواعد التي من شأنها أن تلعب دوراً مهماً في صراع تايوان.

لكن جمع المعلومات الاستخبارية لا يشكل في حد ذاته مقدمة للحرب، ومن الممكن أن يكون صراع التجسس في الواقع بديلاً للاشتباكات المسلحة، كما كان الحال في كثير من الأحيان خلال الحرب الباردة.

ويعتقد مسؤولو المخابرات الأميركية أن الصين لا ترغب في خوض حرب الآن بسبب تايوان، حسبما قالت أفريل دي. هاينز، مديرة المخابرات الوطنية، للكونغرس في مارس/ آذار، وأضافت “نُقدر أن بكين لا تزال تعتقد أنها تستفيد أكثر من غيرها، من خلال منع تصاعد التوترات والحفاظ على الاستقرار في علاقتها مع الولايات المتحدة”.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




سالفيني ولوبان يشكّلان جبهة موحّدة ضد أوروبا و”طوفان الهجرة”

شكّل نائب رئيسة الوزراء الإيطالية ماتيو سالفيني وزعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان جبهة موحّدة ضد أوروبا و”طوفان الهجرة”، ودعما “للشعوب” و”الهوية”، وذلك في لقاء عقد الأحد في إيطاليا تحضيرا للانتخابات الأوروبية للعام 2024.

في بونتيدا في شمال إيطاليا حيث المعقل التقليدي لحزب “الرابطة” المناهض للهجرة بزعامة سالفيني، قالت زعيمة حزب التجمّع الوطني لوبان “هذا العام يلزمنا خوض نضال مشترك، حرياتنا، شعوبنا، أوطاننا”.

وأضافت لوبان “لم نعد نقبل بأن تُفرض علينا سياسات لم نخترها”، مشيرة خصوصا إلى “الحظر المجنون للمحركات الحرارية”، وهو طرح يعارضه بشدة سالفيني أيضا.

وتابعت “نحن ندافع عن تقاليدنا وطهونا وهوياتنا ومناظرنا الطبيعية (…) نحن ندافع عن شعوبنا ضد طوفان الهجرة”، في إشارة إلى آلاف المهاجرين الذين وصلوا هذا الأسبوع إلى جزيرة لامبيدوسا الإيطالية.

إلى ذلك، تطرّقت لوبان أمام آلاف من مناصري “الرابطة” إلى “إعلان حقوق الأمم والشعوب” حماية من “فائض سلطة الهيئات فوق الوطنية أو الهيكليات التجارية”.

ويبدو أن التحالف السياسي بين لوبان وسالفيني راسخ منذ عشر سنوات ويشهد على متانة العلاقة الشخصية بينهما. وأعربت لوبان عن سعادة كبرى لتجدد اللقاء مع زعيم حزب “الرابطة”، هاتفة “يحيا الكابيتانو” وهو اللقب الإيطالي لسالفيني.

ويوجه سالفيني انتقادات كثيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي ينظر إليه على أنه رافع راية “الليبراليين” في مواجهة “السياديين الأوروبيين”. وقال نائب رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني التي تقود حكومة ائتلاف بين اليمين واليمين المتطرف “إذا تعيّن علينا أن نختار في أوروبا بين ماكرون ومارين لوبان، لا شك لدي، مارين لوبان إلى الأبد”.

عارضا سجله المناهض للمهاجرين، أكد سالفيني أن إيطاليا ستفعل “كل ما هو متاح ديمقراطيا”، وستستخدم “كل الوسائل اللازمة” من أجل “منع غزو”.

على صعيد السياسة الوطنية، تتموضع لوبان في المعارضة بينما سالفيني منضو في ائتلاف اليمين واليمين المتطرف الحاكم بقيادة جورجيا ميلوني، زعيمة حزب “إخوة إيطاليا”.

وفي حين تحلّق لوبان واليمين المتطرف في استطلاعات الرأي في فرنسا، ينحصر هامش التأييد للرابطة بما بين 8 و9 بالمئة، بعيدا جدا من حزب “إخوة إيطاليا” المتصدّر.

بمعنى آخر يبدو أحدهما أكثر حاجة للآخر، نظرا إلى أن التجمّع الوطني حقق أرقاما مرتفعة جدا في آخر استحقاقين انتخابيين أوروبيين.

تحالف مستدام

في تصريحات لوكالة “فرانس برس” اعتبر المؤرخ مارك لازار، البروفسور في معهد الدراسات السياسية في باريس أن سالفيني “يريد أن يُظهر أن الرابطة ليست حزبا معزولا في أوروبا، ونظرا لشعبية مارين لوبان فهو يأمل أن ينعكس ذلك عليه”.

من جهتها، اعتبرت الفيلسوفة والصحافية آنا بونالوم المتخصصة في شؤون ماتيو سالفيني أن التحالف بين الحزبين هو “من بين الأكثر استدامة”. وأضافت “تغيّرت التوازنات على مر السنين لكن علاقتهما لم تتغيّر على الإطلاق”.

يكمن هدف لوبان وسالفيني في التوصل إلى تحقيق النجاح في الانتخابات الأوروبية المقرّرة في التاسع من يونيو/ حزيران المقبل، والتي حاول سالفيني استنساخ التحالف على الصعيد الوطني لخوض الاستحقاق على المستوى الأوروبي. لكن شريكيه في الائتلاف أي “إخوة إيطاليا” و”فورتسا إيطاليا” رفضا الطرح بشدة.

واستبعد وزير الخارجية أنطونيو تاياني، زعيم “فورتسا إيطاليا” (الحزب العضو في حزب الشعب الأوروبي) بشدة التقارب مع اليمين المتطرف الفرنسي و”البديل من أجل ألمانيا” الألماني. وشدّد على اختلاف في القيم قائلا إن لوبان “لن تكون يوما حليفتنا”.

وعلّق وزير الدفاع غويدو كروسيتو المقرب من ميلوني التي أسس معها “أخوة إيطاليا”، ساخرا “لوبان حرة بالذهاب أينما تريد وماتيو سالفيني حر بدعوة من يشاء” إلى بونتيدا.

المصدر: وكالة فرانس برس




أسئلة بشأن حجم الخسائر المادية وتكاليف إعادة إعمار درنة الليبية

مع تواصل جهود الإنقاذ وانتشال جثث ضحايا إعصار دانيال والفيضان الذي نتج عنه في درنة الليبية وباقي مدن الجبل الأخضر، تغيب إلى الآن أي إحصائيات عن حجم الخسائر المادية، لكن، بشكل عام، فقد قضى على نحو 25% من المدينة وجرفه بالكامل نحو البحر. 

وفي أول حصيلة رسمية غير نهائية، أكد النائب العام الليبي الصديق الصور، خلال مؤتمر صحافي الجمعة، أن 800 مبنى دمّرت نتيجة الفيضان في درنة، غير أن فريق الأزمة التابع لحكومة الوحدة الوطنية أفاد لاحقا بأن مجمل المباني المتضررة حوالي 1500 مبنى، منها 891 دمرت بالكامل، فيما قدّر الفريق الرقعة التي غمرتها المياه بـ6 كليومترات مربعة. 

خسائر واسعة

ويقول الناشط طاهر عفان لـ”العربي الجديد”: “هذا لا يعني 891 منزلا، فالحديث عن مبان جلّها مكوّنة من طوابق بين 3 و10، وهو ما يزيد من حجم الخسائر المتوقعة، باستثناء مرافق البلدية التي دمرت تماما لأن الفيضان أتى على وسطها الذي يضم أغلب المؤسسات العامة، وكذلك الأسواق والمحال التجارية والورش والمخازن”. 

وقد تضررت الطرق الواصلة بين مدن الجبل الأخضر، إذ ضربت العاصفة مناطق ومدنا أخرى غير درنة، كما أن كل الجسور الرابطة بين ضفتي درنة شرقا وغربا انهارت بالكامل، وتأثرت البنى التحتية في المدينة بشكل كبير، إلى درجة أصبح فيها التحول من ضفة إلى أخرى يتطلب السير مسافة 150 كيلومترا حول الوادي والجبل.

وقبل السيل الكبير، اقتلعت عواصف الإعصار أبراج وأعمدة كهرباء وإضاءة، وكذلك أبراج اتصالات في أجزاء كبيرة من الجبل الأخضر عموما، وتكفلت السيول بإيقاع خسائر كبيرة في محولات الكهرباء، ولوثت، بسبب ما جرفته من جثث بشر وحيوانات ومياه صرف صحي، المياهَ الجوفية في درنة، ما دفع وزارة الصحة في الحكومة المكلفة من مجلس النواب إلى مناشدة السكان والمنقذين عدم شرب مياه آبار المنطقة، وحصر استخدامها في التنظيف “في أحسن الأحوال”. 

وفي شكل آخر للخسائر، يضيف عفان أن “الميناء تضرر أيضا، إذ سحبت نحوه آلاف الأطنان من أنقاض العمارات المنهارة، وكذلك الأشجار المقتلعة والسيارات، وكل ما كان في طريق السيول، ما أثر على عمق المياه في الميناء، الأمر الذي يضرّ بأمن الرسو فيه. وفي حالته هذه، لن يستوعب السفن الكبيرة”. 

وتشكل السدود تحديا آخر أمام عودة الحياة في درنة، فقد انهار سدّا وادي درنة اللذان يفصلان المدينة عن المياه المنحدرة من سفوح الجبل، وكان انهيار السدين المتسبب الرئيسي في اختفاء أحياء كاملة من خريطة المدينة المشيدة أساسا على ضفتي الوادي الشرقية والغربية، ما يثير المخاوف بشأن مدى أمانها وهي تنتظر موسم الشتاء الممطر في عموم الجبل الأخضر. 

وتدفع هذه الحقائق عن حجم الدمار إلى طرح مجموعة أسئلة، في مقدمتها تكلفة إعادة البناء، خاصة أن المدينة كانت تحتاج، حتى قبل الإعصار، تأهيلا، ولو بدرجة أقل. فمنذ التسعينيات، تعرضت المدينة لأنواع مختلفة الأسباب من التخريب.

ولم تصدر في الوقت الراهن أي تقديرات حكومية لحجم الخسائر المادية في درنة وعموم الجبل، أو تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على وضع الاقتصاد في الدولة النفطية المنقسمة منذ عام 2014. 

وعدا عن المعونات الدولية التي وصلت إلى ليبيا من دول كثيرة، ومساعي مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة لجمع 71 مليونا كمساعدة فورية، فقد أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس عبد الحميد الدبيبة، الثلاثاء، عن تخصيص ملياري دينار (446.4 مليون دولار) لصالح صندوق إعمار مدينتي بنغازي ودرنة، ونصف مليار دينار لصالح البلديات المتضررة.

كما صوّت مجلس النواب، يوم الخميس الماضي، على إقرار ميزانية طوارئ بقيمة 10 مليارات دينار ليبي لمعالجة آثار الفيضانات في المناطق المتضررة، وشكل لجنة يقودها رئيس مجلس النواب، وتضم محافظ مصرف ليبيا المركزي، ومندوبا عن القيادة العامة للقوات المسلحة يختاره الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، على أن تتولى فتح حساب في مصرف ليبيا المركزي تودع فيه المخصصات أو المعونات المحلية والدولية، والإشراف على صرفها للأغراض المخصصة لها. 

وكلّف مجلس النواب لجنته التشريعية لإعداد مشروع قانون إنشاء صندوق إعمار ليبيا، يُعرض على المجلس في الجلسات القادمة لاعتماده.

وعقب ذلك، اجتمع نواب المناطق المتضررة من الدائرتين الأولى والثانية في مجلس النواب الليبي، وجرى الاتفاق على تقديم مقترح بإنشاء جهاز لإعادة تأهيل وإعمار المناطق المتضررة بفعل الإعصار، على أن ينشأ هذا الجهاز بموجب قانون، وتكون تبعيته لمجلس الوزراء، ويموّل مما يخصص له من ميزانية الدولة وما يودع في حساب المساعدات الدولية بمصرف ليبيا المركزي. 

يذكر أنها ليست المرة الأولى التي ينشأ فيها صندوق مشابه، فقد شكلت حكومة الوحدة الوطنية، في مايو/أيار 2021، صندوقاً لإعادة إعمار مدينتي بنغازي ودرنة، بذمة مالية مستقلة قدرت بـ335 مليون دولار، بما يعادل 1.5 مليار دينار ليبي، بحسب تقديرات الحكومة وقت إنشاء الصندوق. 

وبحسب القرار، يهدف الصندوق إلى “إعادة وتأهيل المناطق التي دمرتها الحروب وإزالة آثارها بمدينتي بنغازي ودرنة، بما يحقق الأهداف التنموية ومعالجة الأضرار الحاصلة في المباني والبنى التحتية”. 

الاستعانة بمؤسسات دولية

ويصف أستاذ التمويل ومؤسس سوق المال الليبية سليمان الشحومي ما حصل بـ”الكارثة الكبيرة”، ويقدّر أن هذه الظروف لم تشهد ليبيا مثيلها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وانتهاء الاحتلال الإيطالي. 

وفي تصريح لـ”العربي الجديد”، قدّر الشحومي أن “إعادة إعمار درنة والمناطق المتضررة الأخرى تحتاج لمشروع قومي كبير”، وتوقع أن “يفوق التدخل في المدينة المبالغ المرصودة من مجلس النواب وحكومة طرابلس”، معلقا: “هذا مشروع طويل قد يستغرق 3 إلى 5 سنوات كمشروع وطني شامل لإعادة الإعمار. وربما تتجاوز تكلفته 5 مليارات دولار بشكل مبدئي”. 

و”الاستفسار الوجيه”، حسب رؤية الشحومي، وفي ظل الانقسام الحكومي، هو “عمّن سيتولى إعادة الإعمار”، مشددا في السياق: “إذا أوكلت إعادة الإعمار للمؤسسات القائمة، سواء كان صندوق إعمار درنة وبنغازي، أو غيره من الصناديق المحلية، ربما لن نرى مشروعا حقيقيا”.

وأضاف أن “الأسباب قد تعود لنقص الخبرة والدراية بقضايا الإعمار، خصوصا أن هذه القضايا تتطلب الربط مع معطيات ومتطلبات، مثل الحفاظ على البيئة، والتنمية المجتمعية والعمرانية، وقضايا تطوير النشاط الاقتصادي في البيئة المحيطة”.

كما أن ذلك، وفقا للشحومي، يحتاج إلى “قدرات وإمكانيات في البناء والتخطيط والإشراف تتجاوز المتوفر محليا، خصوصا أن المؤسسات الحكومية الليبية تعتبر فاشلة وغير قادرة على القيام بأدوارها، وينخرها كثير من الفساد بسبب ضعف الرقابة والانقسام السياسي في المؤسسات”. وتحدث عن سبب آخر، تمثّل في “وجود تجرؤ كبير جدا على المال العام في ليبيا، وبالتالي في تقديري مثل هذا المشروع للإعمار يحتاج خبرات دولية”. 

ووفق رؤية أستاذ التمويل، وعند توفر الموارد المالية، “بالإمكان الاستعانة بالبنك الدولي”. 

ويكمل الشحومي بقوله: “أعتقد أنه بالإمكان توفير مخصصات مالية مهمة جدا، ووضعها تحت إطار مجلس للإعمار الليبي، بمشاركة وإشراف البنك الدولي، للاستفادة من خبرته الكبيرة في مشاريع الإعمار ومشاريع التطوير وإعادة هيكلة البيئة المحيطة والمستهدفات الحضارية والتنموية”، واعتبر أن ذلك “سيكون فرصة لإعادة التنمية الاقتصادية والمجتمعية، وتحسين قدرات السكان على المساهمة الاقتصادية في المناطق المتضررة”. 

ويضيف الشحومي أنه “من الممكن الاستفادة من خبرة مؤسسات دولية في تحسين الشفافية وإدارة مشروعات الإعمار، وبالتالي يمكن أن نخرج بمشروع إعمار يحقق مستهدفات مهمة جدا في المدى القصير”.

أزمتا الفساد والانقسام

وأشار الخبير الليبي إلى أن ذلك “سيخرج ليبيا من مسألة التعقيدات الموجودة وشبهات الفساد، ويساعد حتى في بناء كوادر محلية وطنية ستكتسب الخبرة من المؤسسات الدولية. وسيساعد أيضا في مشاركة الشركات المختصة في مجال الإعمار مع الشركات الوطنية، بما يفتح فرصة لاكتساب الخبرات”. 

وأستدرك الشحومي: “لقد شهدنا ما قامت به كثير من الشركات الوطنية خلال الفترة الماضية من مشاريع البناء والطرق التي تفتقر إلى كثير من الضوابط والمعايير، بالتالي لا توجد ثقة بما هو متوفر محليا”، مؤكدا أن “الاستفادة من المشاريع الدولية ليست تدخلا في الشأن السياسي، بل مسألة إدارة للمشروعات الكبيرة، واستراتيجية نحتاجها في الأزمة الحالية”. 

ويرفض الشحومي بعض الآراء المطالبة بتشكيل لجنة دولية لإدارة أزمة تداعيات الإعصار، ويرى في المقابل “إمكانية الاتفاق مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإعمار، أو البنك الأوروبي للتنمية”، وكل ذلك “بعد تشكيل مجلس ليبي للإعمار يتكون من خبراء مستقلين لا يتبعون أو يمثلون أي حكومة، ويتمتعون بالكفاءة والمهنية. أما ترك الأمور لمؤسسات محلية، فسيزيد الطين بلة”، وفقا لتعبيره. 

ويتوقع الشحومي تأثيرات سلبية للانقسام الحكومي على إعادة الإعمار، حين يقول: “رأينا حكومتين كل منهما تدّعي أنها من تقوم بالدور الأبرز والأهم في مسألة الإغاثة والإنفاق على إعادة الإعمار، وسط تضارب وعبث مالي، وفي غياب إطار مالي منظم. وهذا سيربك الكثير من عمليات إعادة الإعمار”. وأشار إلى أن “البنك المركزي يمكن أن يقع تحت ضغط الاستجابة لهذه الطلبات”، وحذر من “الفساد في ظل الانقسام”. 

ويختم الشحومي قائلا إن “ليبيا بحاجة للخروج من هذا الوضع، وفي حاجة للتوجه نحو الانتخابات بأسرع ما يمكن لإقرار وإعادة بناء الدولة وإيجاد حكومة واحدة يمكن أن تقود مشروعا وطنيا لسنوات قادمة، في ظل دولة موحدة ومؤسسات تشريعية وحكومة هدفها الأساسي إعادة الإعمار خلال الفترة القادمة، وبناء مستقبلها من جديد”. 

أسامة علي

المصدر: صحيفة العربي الجديد




الألغام الأرضية ونقص المياه.. معاناة مضاعفة للناجين من فيضانات ليبيا

وجد الليبيون الذين جرفت الفيضانات منازلهم في مدينة درنة شمال شرقي البلاد، قبل أسبوع، أنفسهم، اليوم الأحد، محاصرين بين البقاء في المدينة مع نقص المياه العذبة، والفرار منها عبر مناطق جرفت الفيضانات ألغاماً أرضية إليها.

وهناك مخاوف من أن يكون آلاف الأشخاص قد لقوا حتفهم بعد انهيار سدين في مدينة درنة في العاشر من سبتمبر/ أيلول الجاري، مما أدى إلى انهيار مبان سكنية كانت تصطف على جانبي مجرى نهر عادة ما يكون جافاً بينما كان الناس نياماً.

درنة (رويترز)
آلاف الأشخاص لقوا حتفهم بعد انهيار سدين في مدينة درنة (رويترز)

وقد جرفت المياه جثثاً كثيرة في اتجاه البحر، وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من ألف شخص دفنوا في مقابر جماعية.

ومع شروق شمس، اليوم الأحد، خفت حدة مشاهد الدمار، مع إزالة أكوام الركام ووضعها على جوانب طرق خالية، ورفع كميات من المعادن المتشابكة، بعضها أجزاء من حطام سيارات.

وبينما كان حمد عوض يفترش شارعاً خالياً، وبجانبه زجاجة ماء وأغطية سرير، قال: “أنا باق في منطقتنا في محاولة لتنظيفها والتحقق من المفقودين.. الحمد لله الذي رزقنا الصبر”.

وجرفت المياه مناطق بأكملها في درنة، التي يقدر عدد سكانها بنحو 120 ألف نسمة على الأقل، أو غطتها بالوحل. وأفادت وسائل إعلام رسمية أن ما لا يقل عن 891 بناية دُمرت في المدينة، فيما قال رئيس البلدية إن 20 ألف شخص ربما يكونون قد لقوا حتفهم جراء هذه الكارثة.

درنة (رويترز)
جرفت المياه مناطق بأكملها في درنة (رويترز)

وقال ساكن آخر إن الناس في حيرة بشأن ما يجب عليهم فعله بعد ذلك، وأضاف وصفي، وهو أحد السكان، وفضل ذكر اسمه الأول فقط: “ما زلنا لا نعرف أي شيء.. نسمع شائعات.. البعض يحاول طمأنتنا، والبعض الآخر يقول إما أن تغادروا المدينة أو تبقوا هنا. ليس لدينا مياه ولا موارد”.

تسمم وألغام

وقال تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إن السلطات الليبية اكتشفت إصابة 55 طفلاً على الأقل بالتسمم، بسبب شرب مياه ملوثة في درنة، حيث يعيش المشردون في ملاجئ مؤقتة أو مدارس أو يكتظون في منازل أقاربهم أو أصدقائهم.

وأضاف التقرير أن مياه الفيضانات نقلت الألغام الأرضية وغيرها من الذخائر التي خلفها الصراع على مدار السنوات الماضية، مما يشكل خطراً إضافياً على آلاف النازحين المتنقلين.

وتعاني ليبيا التي يبلغ عدد سكانها سبعة ملايين نسمة من عدم وجود حكومة مركزية قوية منذ الانتفاضة التي دعمها حلف شمال الأطلسي، وأطاحت بمعمر القذافي في عام 2011.

ووصف رئيس حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً في طرابلس عبد الحميد الدبيبة الفيضانات بأنها كارثة غير مسبوقة. ودعا رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي إلى ضرورة الوحدة الوطنية.

المصدر: وكالة رويترز




5 مواقف كان العالم فيها على بعد خطوات من كارثة نووية عالمية

وبعضها يكاد يكون كوميدياً

ينتشر اعتقاد خاطئ لدى الناس بوجود «زر أحمر» لإطلاق الأسلحة النووية في يد قادة الدول المسلحة بالأسلحة النووية، ويعتقدون أن التهديد بالدمار النووي العالمي أمر روتيني بالنسبة لزعماء مثل بوتين وكيم جونغ أون، إذا عرقلت أي إدارة أجنبية أفعالهما أو انتقدت سلوكهما.

لكن يجب علينا أن نشعر ببعض الارتياح إذا عرفنا – على سبيل المثال – أن «الزر الأحمر» الذي كان موجوداً على مكتب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب خلال فترة رئاسته، كان مجرد جهاز للإشارة إلى أنه يحتاج لمشروب «دايت كوك»، الذي كان يتم تقديمه له بسرعة على صينية فضية!

أما ما يجلب القلق منه فهو الخطأ البشري، وليس الأنظمة الديكتاتورية، فهو الذي يقف وراء الكوارث المروعة التي وقعت في العقود القليلة الماضية.

وفي هذا السياق، نقلت تقارير إخبارية هذا الأسبوع أن طياراً روسياً في طائرة مقاتلة من طراز «SU-27» أطلق صاروخين على طائرة رصد تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني فوق البحر الأسود في سبتمبر (أيلول) الماضي، بعد أن فسّر أمراً غامضاً من قادته كإذن لإطلاق النار.

وأخطأ الصاروخان الهدف الذي كان بداخله 30 عسكرياً، ولو أصابه أحدهما لكانت العواقب مأساوية.

واستعرضت صحيفة «التلغراف» البريطانية 5 حالات – شبه كوميدية تقريباً – حيث كان العالم على حافة الدمار النووي بسبب أخطاء بشرية.

حادثة الدب الأسود (1962)

في أعقاب أزمة الصواريخ الكوبية، كان الرئيس الأميركي جون إف كينيدي وزعيم الاتحاد السوفياتي نيكيتا غروشوف على استعداد لإطلاق هجوم نووي مدمر في أي لحظة.

كانت التوترات مرتفعة بشكل طبيعي، لذلك كان من المفترض أن يكون منتصف ليل 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1962 مركز توجيه قطاع دولوث في مينيسوتا، حيث شاهدوا بذهول معتدياً سوفياتياً يصعد بعدوانية فوق السياج الأمني.

أطلق حارس القوات الجوية الأميركية النار على الجاني، وأثارت الطلقات إنذارات قاعدة الجو. تم تحريك الطيارين إلى طائراتهم، وتجميع لواء من طائرات مقاتلة، كل منها محملة بـ4 صواريخ مدمرة، تزن 800 رطل، وبصاروخ نووي.

قبل دقائق قليلة من إطلاق الطائرات، أدرك ضابط وصل إلى القاعدة بسيارته أن المعتدي لديه 4 أرجل، وكان في الواقع دباً. وتمكن من إلغاء الهجوم من خلال وميض أنوار سيارته.

حادثة نوراد (1979)

في الساعة الرابعة صباحاً من صباح شتوي في نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، تلقى الدبلوماسي الأميركي زبيغنيف بريجنسكي مكالمة من مساعده العسكري الجنرال ويليام أودوم، الذي أبلغه أن 2200 صاروخ تم إطلاقها من غواصات سوفياتية في هجوم من شأنه أن يحرق واشنطن.

وبينما كان بريجنسكي على وشك الاتصال بالرئيس كارتر وإخباره بالأخبار المروعة، رنّ الهاتف مرة أخرى. وكان أودوم، وكان آسفاً جداً.

كان الأمر كله سوء تفاهم كبيراً، وأكد أنه إنذار كاذب، كما أكد تحقيق لاحق أن شريحة كمبيوتر معيبة هي التي تسببت في إطلاق الإنذار.

حادثة الإنذار النووي السوفياتي (1983)

بعد منتصف الليل في سبتمبر (أيلول) 1983، أطلقت الولايات المتحدة 5 صواريخ باليستية عابرة للقارات على الأراضي السوفياتية. على الأقل هكذا اعتقد «أوكو»، نظام الإنذار النووي الروسي.

الشخص الذي كان مسؤولاً عن النظام تلك الليلة هو ستانيسلاف بيتروف، مهندس في قوات الدفاع الجوي السوفياتي، الذي اعتقد أنه يجب أن يكون هذا إنذاراً كاذباً، وانتظر الأوامر، وكانت الاستراتيجية السوفياتية في ذلك الوقت عبارة عن انتقام فوري وإجباري، حتى تم التأكد من عدم وقوع أي صاروخ.

وتبين أن نظام الإنذار المبكر قد تعطل، وكان هذا مُحرجاً لإدارة الاتحاد السوفياتي لدرجة أنه لم يتم التحدث كثيراً عنه مرة أخرى حتى عام 1998، عندما نشر قائد قوات الدفاع الجوي السوفياتية الجنرال يوري فوتينتسيف مذكراته.

حادثة بلاك برانت (1995)

أطلق مجموعة من العلماء النرويجيين، في 25 يناير (كانون الثاني) 1995، صاروخاً بحثياً لاستكشاف الأضواء الشمالية في سفالبارد.

وحددت أنظمة الإنذار الروسية الإطلاق باعتباره هجوماً نووياً. وعلى الفور تقريباً، تم إخطار الرئيس يلتسين وتم تقديم حقيبة القيادة النووية السوداء الخاصة به. وبعد 5 دقائق متوترة – إلى حد لا يطاق – من المداولات مع وزير دفاعه، أصبح من الواضح أن الصاروخ سيهبط خارج الأراضي الروسية، وتم إلغاء الهجوم النووي الانتقامي.

تم الكشف في وقت لاحق أن الحكومة الروسية تم إعلامها قبل إطلاق البحث بأسابيع، لكن طاقم الرصد الروسي لم يتم تضمينه في المذكرة.

المصدر: صحيفة التلغراف البريطانية