1

الموساد يكشف وثائق لتبرئة نفسه من إخفاقات حرب أكتوبر

من خلال نشر آلاف الوثائق الجديدة حول حرب أكتوبر، في الذكرى السنوية الخمسين لوقوعها، بادر جهاز المخابرات الخارجية في إسرائيل (الموساد)، إلى استئناف الحرب الداخلية مع شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش (أمان)، محاولاً تبرئة نفسه من الإخفاقات والقول إنه كان قد حذّر من قدوم الحرب عدة مرات، لكن الجيش استخف بتحذيراته.

وعلى نحو استثنائي، نشر الموساد كتاباً بعنوان «ذات يوم، حين يكون الحديث مسموحاً»، كتبه فريق من «الدائرة التاريخية»، ووقع بأول حرفين من اسم مسؤولة الفريق «ر.م». وقد أجمع المراقبون الإسرائيليون على أن الكتاب، الذي يعدّ أول إصدار باسم «الموساد»، لا يتناول الموضوع كدراسة علمية تاريخية تعتمد على مصادر سرية، بل هو مجرد «قصائد تكيل المديح للجهاز، وتضخم إنجازاته، وتبجل رئيس الموساد في حينه، تسفي زمير، وتخلو من أي نقد ذاتي. وتحتوي على تناقضات كثيرة. ويبدو أن الغرض الأساسي منه هو الدفاع عن النفس ودحض اتهامات الجيش الذي يقول إن الموساد لم يقدم أي معلومات جدية تغير توجه القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية، في حينه، التي أقنعت نفسها بأن العرب لن يحاربوا إسرائيل».

ويورد الكتاب مجموعة من الوثائق التي تبين أن الموساد حصل على معلومات مهمة ودقيقة عن نية مصر وسوريا إعلان حرب على إسرائيل، كان بينها تحديد موعد الانطلاق لهذه الحرب، في 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1973. ويرفض الموساد ادعاءات «أمان» في حينه بأن أشرف مروان، صهر الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر ومساعد الرئيس أنور السادات، كان عميلاً مزدوجاً ويرفض الادعاء المصري بأنه كان «بطلاً قومياً نجح في جلب أهم المعلومات عن العدو». وقال إن الموساد الإسرائيلي فحص هذه المعلومات وتوصل إلى اقتناع بأنه عمل في خدمة إسرائيل، إذ هو الذي حدد يوم 6 أكتوبر يوم انطلاق الحرب. وثبتت صحة معلوماته.

رئيس أركان الجيش ألعزار مع رئيس شعبة «أمان» إيلي زعيرا في الوسط (أرشيف إسرائيل)

ومن البروتوكولات التي ينشرها «الموساد»، يتضح أن مروان كان يعدّ الحرب أمراً خطيراً على مصر وإسرائيل وسوريا، وأن غباء القيادات يدفع نحوها، وأنه قدّم المعلومات إلى إسرائيل من جهة، واستغل نفوذه في مصر من جهة ثانية لكي يدفع القيادات في كل طرف لعمل شيء يوقف الحرب. وبحسب الموساد، فإن مروان لم يكن المصدر الاستخباري الوحيد، لكنه قدم معلومات كثيرة حول الجيشين المصري والسوري، لكن «لسوء الحظ، فإن هذه المعلومات الاستخبارية العالية الجودة لم تمنع المفاجأة الاستراتيجية للجيش الإسرائيلي، ودفع ثمن هذه الحرب باهظاً بالدماء».

وتضمنت المواد الأرشيفية التي كشف عنها الموساد، أن تشغيل أشرف مروان، الذي لقبه الموساد بـ«الملاك»، بدأ عام 1970. وبحسب الضابط، الذي كان مسؤولاً عن العلاقة به، ويدعى «دوبي»، فإنه «كان يتمتع بقدرة غير عادية على الوصول إلى رأس هرم القيادة المصرية، والبريد يمر عبر مكتب مروان قبل أن يصل إلى الرئيس (السادات)»، وكان مسؤولاً عن «نقل تعليمات رئيس الجمهورية إلى جميع الأجهزة الحكومية»، و«تقديم معلومات كافة الأجهزة الاستخبارية إلى رئيس الجمهورية. وكان حاضراً في جميع مؤتمرات رؤساء الدول العربية التي عقدت في القاهرة وفي جميع الاجتماعات التي يعقدها رئيس الوزراء المصري، وكان «يحتفظ بعلاقات شخصية في جميع قطاعات الجيش المصري».

مقطع من بروتوكولات الموساد (أرشيف الموساد)

ويكشف الموساد بروتوكولات كثيرة، من بينها ذلك الذي وثق للاجتماع الذي عقد في مساء 5 أكتوبر 1973، في لندن، وأصر فيه مروان على أن يتم اللقاء مع رئيس الموساد تسفي زمير، وليس مع ضابط أقل منه درجة. وجاء في الوثيقة، التي تضمنها البروتوكول: «اتصل (مروان) الليلة الساعة 9:30 مساءً هاتفياً… في المحادثة قال… سيصل غداً الجمعة، مساء 5 أكتوبر، لعقد لقاء، سيقدم خلاله معلومات… يقول إنها ذات أهمية كبيرة… وألمح إلى أن المعلومات التي جاء ليوصلها تخص… (هذا الجزء من الوثيقة لا يزال محظوراً) بحوزته. هذه القائمة كما هو معروف هي رمز للإنذار». وجاء في بروتوكول اللقاء في لندن أن مروان طلب أن يتحدث عن الحرب، وقال إن «هناك احتمالاً بنسبة 99 في المائة أن تبدأ الحرب غداً السبت». فسأله زمير: «لماذا غداً؟»، فأجاب مروان: «لأن هذا ما تقرر، وهو يصادف يوم عيد بالنسبة لكم». وأوضح مروان أن الحرب ستبدأ على الجبهتين السورية والمصرية في نفس الوقت. وأنه أكد في البداية أنها ستندلع «في المساء»، لكنه حدد لاحقاً الساعة 16:00 موعداً لاندلاع الحرب، وتبين لاحقاً أن هذا التوقيت كان أكثر دقة، حيث إن الحرب اندلعت حوالي الساعة الثانية بعد الظهر، لكن الموساد لم ينقل هذه المعلومات إلى الجيش الإسرائيلي، بل تمسك بمقولة مروان الأولى «قبيل المساء».

وفي التعقيب على منشورات الموساد، تساءل كثير من الخبراء العسكريين في الصحافة العبرية (الجمعة): «إذا كان رئيس الموساد قد سمع في لندن أن الحرب ستقع بعد ساعات، فلماذا لم يتصل من هناك ويخبر الجيش لكي يستعد لها؟ لماذا انتظر حتى عودته إلى تل أبيب… أليس هذا أيضاً إخفاقاً كبيراً؟».

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




معنّفو الأطفال: ماذا بعد القرار الظني؟

شكلت قضية حضانة Garderêve وقضية مقتل الطفلة لين صدمة للمجتمع اللبناني، نتيجة العنف الوحشي تجاه أطفال لم يرتكبوا أيّ ذنب سوى أنهم وُجدوا في المكان الخطأ مع أشباه بشر، وأنهم لا قدرة لهم ولا قوة للدفاع عن أنفسهم بمواجهة أشخاص من المفترض أنهم مصدر للأمان والرعاية.  من يطّلع على تفاصيل القرارَين الظنيَّين الصادرين في القضيتين يدرك مدى البشاعة التي وصل إليها المجتمع، ولا سيّما في قضية الطفلة لين، من دون التقليل من خطورة الجريمة المرتكبة بحق أطفال الحضانة. فالإمعان في ارتكاب الجريمة وإخفائها ومحاولة طمس الحقائق واشتراك الأمّ والجدّة والجدّ بالتستّر على المجرم، وصولاً إلى وفاة الطفلة بسبب الامتناع عن إسعافها أمر لا يتصوّره عقل ولا منطق

أصدرت قاضية التحقيق في جبل لبنان رانيا يحفوفي قرارها الظني بملف حادثة حضانة Garderêve في وقت يعدّ قياسياً في ظل العطلة القضائية وما يعانيه السلك القضائي من تأخر في الإجراءات بشكل عام. 
وورد في الفقرة الحكمية الآتي:
«نحن قاضي التحقيق في جبل لبنان، نقرر وفقاً لمطالعة النيابة العامة وخلافاً لها:
1- اعتبار فعل المدعى عليها دجيني بشارة الخوري من قبيل الجناية المنصوص عليها في المادة 201/547 من قانون العقوبات والظنّ بها بمقتضى الجنحة المنصوص عليها في المادة 257/559/554 من قانون العقوبات.
• الظنّ بالمدّعى عليه طوني طوني مهنا بمقتضى الجنحة المنصوص عليها في المادة المشار إليها أعلاه من قانون العقوبات.
• الظنّ بالمدّعى عليها جومانا بو سعيد بمقتضى الجنحة المنصوص عليها في المادة 567/ عقوبات ومنع المحاكمة عنها ببقية الجرائم المسندة إليها لعدم تحقّق عناصر بحقها، واتباع الجنحتين بالجناية للتلازم.
2ـ تخلية سبيل المدّعى عليها جومانا بو سعيد بالنظر إلى ماهية الجرم ومدة التوقيف، وردّ طلب تخلية سبيل المدعى عليه طوني مهنا، كما ردّ طلب تعيين طبيب شرعي للمدّعى عليها دجيني الخوري.
3- إيجاب محاكمتهن أمام محكمة الجنايات في جبل لبنان، وتدريكهن الرسوم والنفقات».

رغم اعتراض أهالي الأطفال وامتعاضهم من الفقرة الحكمية الثانية التي قضت بإخلاء سبيل المدّعى عليها جومانا بو سعيد لأنهم يعدّون التقاطها للمقاطع وسكوتها لأكثر من ستة أشهر عن جريمة تُرتكب بحق أطفالهم مشاركة بالجرم وليس مجرد تستّر، إلا أنه لا يمكن إنكار أن هذا القرار جاء في موقعه إن كان لناحية السرعة في إصداره أو لناحية المواد التي ظن بها في حق المدّعى عليهن، ولا سيّما قرار رد طلب تعيين طبيب شرعي للمدّعى عليها دجيني الخوري، الذي قطع الطريق أمام محاولة استفادة الأخيرة من عذر تخفيفي بعد الإيحاء بأنها تعاني مشاكل نفسية.
تداولت وسائل إعلامية أخيراً خبر صدور قرارين عن الهيئة الاتهامية في جبل لبنان برئاسة القاضي كمال نصّار، في ما يتعلق بقضية الحضانة، قضى الأوّل بفسخ قرار قاضية التحقيق في جبل لبنان رانيا يحفوفي السالف الذكر لجهة إخلاء سبيل جومانا بو سعيد، وبالتالي إبقائها موقوفة. وقضى الثاني بتصديق قرار عدم إخلاء سبيل صاحبة الحضانة وإبقائها موقوفة أيضاً.

تشكل هذه القرارات، من حيث مضمونها والمدة التي صدرت فيها، بارقة أمل في ظل التأخر في الإجراءات في ملفات أخرى. ويعوّل أن يستمر العمل على هذا المنحى أثناء السير في المحاكمة، وصولاً إلى إصدار حكم مبرم يكون رادعاً لكل من تسوّل له نفسه من العاملين في هذه القطاعات الحساسة ارتكاب أي جرم مماثل أو حتى ارتكاب أي مخالفة مهما صغر حجمها. كما يكون محفّزاً لأصحاب هذه المراكز والقيّمين عليها للتقيّد بالإجراءات القانونية المفروضة عليهم والتدقيق في مراقبة العاملين لديهم واختيارهم وفق معايير تناسب الفئات المستهدفة. كذلك يشكل صافرة إنذار في وجه المسؤولين والمؤسسات الحكومية المرتبطة بشكل مباشر كوزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الصحة وغيرها لضرورة التنسيق وتشديد الإجراءات الرقابية على هذه المؤسسات للتأكد من توفر الشروط اللوجستية والبشرية والصحية عند التأسيس وخلال فترة العمل من خلال الرقابة الدورية المفاجئة بشكل مستمر.
كما نأمل أن يُعتمد هذا النهج في جميع الملفات المطروحة على القضاء وألّا تكون الإجراءات الحاسمة والسريعة محصورة بالملفات التي يسلّط الضوء عليها إعلامياً.

«يُعاقب بالإعدام»

شكّل القرار الظنّي الذي أصدرته قاضية التحقيق الأولى في الشمال سمرندا نصّار في قضية وفاة الطفلة لين طالب صدمة لناحية تفاصيل الجريمة التي ارتكبت بحق الطفلة من أقرب أقربائها وتركها تموت دون إنقاذها والتستّر من قبل الأم التي لم تحاول حتى إسعاف ابنتها، رغم تأكيد الأطباء أن التدخل الطبي السريع كان من الممكن أن ينقذ حياتها.
وبناءً على التحقيقات والدلائل، أصدرت القاضية نصّار قرارها بالظن بخال الطفلة بالمواد 503 و504 و549 من قانون العقوبات، والجد والجدة والوالدة بالمادة 549. 

المواد القانونية

تنصّ المادّة 503 من قانون العقوبات على أنّ «من أكره غير زوجه بالعنف والتهديد على الجماع، عوقِبَ بالأشغال الشاقة خمس سنوات على الأقل، ولا تنقص العقوبة عن سبع سنوات إذا كان المعتدى عليه لم يتمّ الخامسة عشرة من عمره».
فيما تنصّ المادّة 504 على أن «يُعاقب بالأشغال الشاقّة لمدّة خمس سنوات على الأقل من جامع شخصاً غير زوجه لا يستطيع المقاومة بسبب نقص جسدي أو نفسي أو بسبب ما استعمل نحوه من ضروب الخداع، ولا تنقص العقوبة عن سبع سنوات إذا كان المعتدى عليه لم يتمّ الخامسة عشرة من عمره».
أما المادّة 549 فتنصّ على أنّ «يُعاقب بالإعدام على القتل قصداً إذا ارتكب: عمداً، تمهيداً لجناية أو تسهيلاً أو تنفيذاً لها أو تسهيلاً لفرار المحرّضين على تلك الجناية أو فاعليها أو المتدخّلين فيها أو للحيلولة بينهم وبين العقاب، على أحد أصول المجرم أو فروعه».

ما يلي القرار الظني؟

يباشر قاضي التحقيق إجراءاته وتحقيقاته ليصل بها إلى قرار ظني ليجري الظن بالمدّعى عليه حول ماهية الجرم المرتكب. وإذا عدّ قاضي التحقيق في قراره أن الفعل المدّعى به من نوع الجناية، يحيل الملف إلى النيابة العامة لتودعه الهيئة الاتهامية. 
تضع الهيئة الاتهامية يدها بصورة موضوعية على الملف، إذا رأت أن الدعوى مكتملة التحقيق ولا جدوى من التوسّع فيه، تصدر قرارها الاتهامي إما بمنع محاكمة المدّعى عليه وإطلاق سراحه إذا تبيّن أن الأدلة غير كافية لاتهامه بالجناية، أو باعتبار الفعل جنحة أو مخالفة فتحيل الملف إلى القاضي المنفرد الجزائي أو تتخذ قراراً باتهام المدعى عليه إذا تبيّن لها أن الوقائع والأدلة كافية لاتهامه وتحيله إلى محكمة الجنايات. 
وللهيئة الاتهامية، بصرف النظر عما انتهى إليه قرار قاضي التحقيق المحال إليها، أن تجري أي عمل تحقيقي إضافي تلقائياً أو بناءً على طلب النائب العام أو المدّعى عليه أو المدّعي الشخصي.
في المرحلة الأخيرة، يحال الملف إلى محكمة الجنايات حيث تجري المحاكمة من خلال جلسات علنية يستجوب فيها المتهمين مجدداً، بالإضافة إلى الشهود ليصدر الحكم إما بالبراءة أو بالإدانة.
إن التعامل مع هذا الملف بدءاً من النيابة العامة الاستئنافية، مروراً بتعاطي جميع الأجهزة الأمنية والقضائية، وصولاً إلى القرار الظني الصادر عن قاضي التحقيق يدلّ على حرفية عالية وتحمّل للمسؤولية كوننا في عطلة قضائية، والجسم القضائي ككل يعاني مشكلات وتكدّساً في الملفات.
لكن الأسئلة تطرح نفسها: ماذا بعد القرار الظني؟ هل سيستمر سير المحاكمات على الوتيرة نفسها؟ هل سيصدر الحكم النهائي بسرعة وينال المتّهمون عقوبتهم القصوى؟ وفي حال صدور حكم الإعدام، هل سينفّذ؟ علماً أن آخر حكم إعدام نُفّذ في لبنان كان عام 2004.
في الواقع، من المهم تدخل القضاء بسرعة قصوى وبحسم، ولا سيّما في الجرائم المشابهة لجريمة أطفال الحضانة ومقتل الطفلة جراء الاغتصاب، إلا أن الأهم هو التدخل الاجتماعي والأخلاقي الوقائي للحدّ من ارتكاب مثل تلك الجرائم من خلال تنمية مفهوم القيم التي ترعى الحياة الاجتماعية والعلاقات الإنسانية، والتدخل التربوي الصحيح من قبل الأُسرة والمدرسة لإنتاج فرد إيجابي. فالحدّ من الجريمة مسؤولية كل أفراد المجتمع، كلٌّ وفق موقعه ووظيفته والرسالة التي يقدّمها.

نائلة نحلة

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار




فبركات «خبير الإرهاب»

كانت كل الاتصالات التي يجريها اللبناني محمد يوسف حمود علنية، ولم يخفِ شيئاً عن المحققين أو عن محيطه أثناء وجوده في الولايات المتحدة الأميركية. وقد تعاون مع المحققين وقال بصراحة عام 2000 إنه يؤيّد «حزب الله» الذي يقاوم الاحتلال الإسرائيلي لبلده. يبدو أن ذلك كان كافياً لإقناع هيئة المحلفين بإدانته، لكن أضيف إلى «اعترافه» هذا، إفادات شهود زور كانوا قد عقدوا صفقات مع الادّعاء العام (راجع الحلقة الثانية، «اتفاق مسبق مع شاهد الادّعاء الرئيسي»)، وإفادة «الشاهد الخبير» ماثيو ليفيت الذي ادّعى عام 2002 أن حمود «قائد خلية حزب الله في أميركا» وقدّم «معلومات» تدل إلى ذلك قبل أن يعود ويفضح كذبه بنفسه في كتاب أصدره عام 2013 

شهد «الشاهد الخبير» لدى مكتب الادّعاء، ماثيو ليفيت، زوراً بشأن اللبناني محمد حمود، وحرّض المحلفين في المحكمة على إدانته واعتباره «قائد خلية» تابعة لـ«حزب الله» في الولايات المتحدة الأميركية. ففي جوّ مأساة 11 أيلول 2001، ولتصوير حمود على أنه متعصّب واللعب على عاطفة هيئة المحلفين، اختلق ليفيت معلومات عن علاقة تنظيمية تربط حمود بقيادة «حزب الله» من دون تقديم أي دليل يثبت ذلك أمام المحكمة التي سمحت بتمرير شهادته الكاذبة هذه دون التأكد من صحتها.

حجبت الحكومة معلومات ذات صلة ومواد متعلقة بانحياز ليفيت وخبرته الناقصة بشأن «الإرهاب». فقد قيّدت المحكمة استجواب الدفاع لـ«الشاهد الخبير» بهدف منع انكشاف افتقاره إلى الخبرة وعدم وجود قرائن يمكن الاستناد إليها للأخذ بادعاءاته عن حمود.  فقد شهد ليفيت بشكل مضلل مدّعيًا أن:
• «نوع التعليم الذي تلقوه هناك (في مدرسة النور في برج البراجنة) كان تعليمًا خاصًا بحزب الله، تعليمًا دينيًا للغاية ولكن ليس فقط تعليمًا دينيًا بل دينيًا من نوع معيّن، مناهض للغرب بشدة ومناهض لأميركا بشدة ومؤيّد لإيران بشدة».
علماً أن مدرسة النور ليست تابعة لحزب الله لكن يبدو أن ليفيت كان يسعى إلى التأثير على هيئة المحلفين من خلال التشديد على «مناهضة أميركا» ليدّعي أن حمود هو خرّيج مدرسة «تحرّض على قتل الأميركيين».
وكان ليفيت يدّعي أنه يستند في أقواله إلى إفادات الشاهد سعيد حرب (راجع الحلقة الأولى، «تلاعب أميركي بالعدالة ومزاعم كاذبة»). ومع ذلك، عندما سأل المدّعي العام حرب عمّا إذا كان يعرف أيّ شيء عن المدرسة التي ذهب إليها حمود، أجاب بالنفي. 
• قال ليفيت: «المسجد في برج البراجنة، أعتقد أنه يسمّى مسجد الحسن بن علي، بناه الشيخ فضل الله، والحقيقة أن الشيخ فضل الله معروف بالوعظ هناك بانتظام. في الواقع، أعتقد أنه قد تكون هناك أوقات مهمة معيّنة، عندما يكون هو وحده القادر على الوعظ هناك». 
نعرض في الآتي ما جرى خلال استجواب المدّعي العام لحرب أمام المحكمة:
حرب: «نعم. هو المسجد الذي كان يرتاده (حمود) في حيِّنا…».
المدّعي العام: «لمن يتبع هذا المسجد؟».
حرب: «في البداية كانت (حركة) أمل، كما تعلم. كان لديهم شيخ هناك يلقي الخطب طوال الوقت…».
حرب: «ربما يكون الشيخ من (حركة) أمل، لكن جميع الأعضاء كانوا إلى حد كبير من حزب الله».
المدّعي العام: «أين يقع مسجد فضل الله في لبنان؟»
حرب: «إنه في حارة حريك، في منطقة تسمى حارة حريك».
المدّعي العام: «وقبل ذلك، أين كان المسجد؟».
حرب: «في بير العبد».
المدّعي العام: «أليس مسجد الحسن بن علي؟».
حرب: «لا».
ربما علم المدّعي العام، أو كان عليه أن يعلم، أن محضر مقابلة حرب أظهر أنه لم يذكر أي شيء في ما يتعلق بمدرسة حمود والمسجد، كما أشار ليفيت.

• أما بشأن علاقة محمد حمود المزعومة بـ«حزب الله» فقد استندت المحكمة إلى ادّعاء ليفيت الكاذب بأن العلامة الراحل السيد محمد حسين فضل الله كان مسؤولًا رفيعًا في الحزب وقد تسلّم من حمود أموالًا أرسلها من الولايات المتحدة لدعم «حزب الله». كما ادّعى ليفيت أن سهولة اتصال حمود بفضل الله تثبت أنه يشغل مركزًا مهمًا في الحزب. إذ أفاد ليفيت أمام المحكمة: «لا أعتقد أنه سيكون من السهل الوصول إليه (إلى السيد فضل الله) فهو مثل أي قائد كبير آخر أو شخصية مهمة. ولديه حاشية كبيرة من الحراس الشخصيين. أنا لا أستطيع أن أتصل بمسؤول أميركي كبير. لا أعتقد أنه يمكنك فقط رفع الهاتف والاتصال بأحد كبار مسؤولي حزب الله أيضاً، فحزب الله لديه أيضاً زعيم روحي كبير وهو الشيخ فضل الله».

لا شك أن الشهادة بأن فضل الله كان مسؤولًا كبيرًا في «حزب الله» كاذبة وغير مدعومة بأي دليل. إذ قال العميل في وكالة المخابرات المركزية روبرت باير الذي استدعي كشاهد: «لا يمكنك الاتصال بمسؤولين كبار في حزب الله عبر الهاتف. وجرى التواصل مع فضل الله عبر الهاتف، ولم يكن من كبار قادة حزب الله». كما أكّد خبراء آخرين من ذوي المصداقية أمام المحكمة، الذين سافروا إلى لبنان ويتحدثون العربية، والذين يبدو أنهم أكثر معرفة بحزب الله من ليفيت، أن فضل الله لم يكن مسؤولًا في «حزب الله».
لم تحقق المحاكمة في ملف سعيد حرب بشكل شامل، وبالتالي لم تلاحظ افتراءات ليفيت. وبناء على ذلك، صدّقت هيئة المحلفين هذه الادّعاءات واستنتجت أن حمود كان بالفعل أحد قادة «حزب الله»، الذي تبرع له بالمال. وهكذا، رغم ضعف مصداقية حرب، قبلت هيئة المحلفين ادّعاءاته وأدانت حمود.
شهد ليفيت أمام المحكمة قائلاً: «كان الأشخاص الذين هم أعضاء في خلية شارلوت يشترون الأسلحة لأحد كبار ضبّاط المشتريات في حزب الله. ومن الواضح أنهم كانوا يرسلون الأموال إلى الأشخاص المتورطين في العمليات الإرهابية». وادّعى أن هذه المعلومات مبنية على شهادة حرب ولكن بعد المراجعة تبيّن أن شهادة حرب لا تتضمّن مثل هذه الادّعاءات.
كما شهد ليفيت زوراً بأنه اطّلع على رسائل تلقّاها حمود من شخص يدعى أبو آدم، شكره فيها على جمع الأموال. لكن ذلك يتعارض بشكل مباشر مع البيان الذي قدّمه ليفيت لاحقًا بأن الرسالة تنصّ، بعد الترجمة، على أنها تلتمس الأموال، ولا تشكر حمود على تبرعه.
أضاف ليفيت في شهادته أمام المحكمة أن «من بين الأشياء التي ضُبطت إيصالات من مكتب فضل الله نفسه لأموال جرى التبرع بها من الخلية، بما في ذلك إيصال واحد على الأقل أذكره بالتحديد، من محمد حمود… من محمد حمود إلى حزب الله ثم إيصال من مكتب فضل الله إلى محمد حمود». وكان هذا افتراءً واضحًا. والحقيقة هي أن حمود لم يتلقَ سوى إيصال من السيد فضل الله ولا علاقة لـ«حزب الله» بهذا الأمر.
وشهد ليفيت قائلاً: «إن السبب وراء احتلال إسرائيل للبنان باستثناء حزب الله هو وجود منظمة فلسطينية كبيرة».
وهذا كذب واضح لأن إسرائيل غزت لبنان عام 1982، قبل تأسيس «حزب الله». وكان الغزو يهدف إلى طرد فصائل المقاومة الفلسطينية من لبنان، وليس «حزب الله».

ليفيت يفضح نفسه بنفسه

لعل أفضل وأدق مصدر يمكن الاستناد إليه لكشف افتراءات «الشاهد الخبير» ماثيو ليفيت بحق محمد حمود هو كتاب وضعه ليفيت نفسه عام 2013 بعنوان «حزب الله البصمة العالمية لحزب الله في لبنان» Hezbollah: The Global Footprint of Lebanon’s Party of God. اعترف ليفيت في الكتاب بأنه لم يدرس «حزب الله» بجدية إلا بعد محاكمة حمود. وكتب: «لقد جعلتني التجربة مقتنعاً بضرورة إجراء دراسة جادة تركّز على أنشطة حزب الله السرّية في جميع أنحاء العالم». وهذا إقرار واضح بأنه ليس «خبيراً» كما ادّعى أمام المحكمة الفيدرالية الأميركية. 
وفي ما يتعلق بالتسلسل الهرمي للقيادة الداخلية للفرع العسكري لـ«حزب الله»، اعترف ليفيت بسرّيته العالية: «لا يُعرف سوى القليل عن التسلسل الهرمي للقيادة الداخلية للجناح العسكري لحزب الله بسبب طبيعته السرّية للغاية واستخدامه لإجراءات وقائية متطورة».

وكتب أيضًا: «نظرًا للطبيعة السرّية للجناح الإرهابي لـحزب الله، فمن الصعب جمع معلومات عن دوره وأنشطته… يبذل حزب الله جهودًا كبيرة لإخفاء أنشطته السرّية وغير المشروعة، ما يعقّد بشدة احتمال إجراء عمليات مفتوحة المصدر». بحث حول الموضوع، وتابع أن «عناصر حزب الله يستخدمون جوازات سفر وجنسيات أجنبية، ويستخدمون أسماء مسيحية».

وهنا، يقرّ ليفيت أيضاً بأن ادّعاءاته أمام المحكمة عن معرفته بشأن هيكلية القيادة في «حزب الله» وأسلوب عمله كانت تجافي الحقيقة.
لا شك أن الملاحظات التي ذكرها ليفيت في كتابه تتعارض تمامًا مع الأدلة المتعلقة بسلوك «خلية شارلوت حزب الله» المزعومة. وتبيّن تلك الملاحظات أن هذه المجموعة من الأشخاص لم تكن بأي حال من الأحوال «خلية إرهابية».
أما بشأن السيد الراحل محمد حسين فضل الله فورد في كتاب ليفيت: «ظل حمود أيضًا على اتصال بمحمد حسين فضل الله. وبحلول ذلك الوقت، لم يعد فضل الله تابعًا رسميًا لحزب الله، وبحسب بعض الروايات، لم يعد المستشار الروحي للجماعة أيضًا». هذه التصريحات تتناقض مع شهادته حول النقاط الجوهرية التي ذكرها في المحاكمة، والتي كررها المدّعي العام بلا تردد ومن دون أن يتأكد من مصداقيتها: «فضل الله هو حزب الله؛ وارتباط حمود بفضل الله يثبت أنه حزب الله. والمال لفضل الله هو مال لحزب الله».
كما كتب ليفيت: «حزب الله يعتمد بشكل شبه حصري على السخاء الإيراني، الذي تراوح بين 100 إلى 200 مليون دولار سنوياً أو أكثر».

وهكذا اعترف بأن «حزب الله» لا يعتمد على تبرعات المواطنين في الخارج. وبالتالي كان ليفيت يعلم أن لا وجود لـ«خلية حزب الله في كارولاينا الشمالية تعمل على تمويل حزب الله من الولايات المتحدة الأميركية»، وأن محمد حمود هو شاب لبناني، مؤيّد لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي لبلده ويرسل بعض الأموال لوالدته بين الحين والآخر وقد ظُلم من خلال الحكم عليه وبقائه 23 سنة في السجون الأميركية. 

لكن المشكلة تتعلق بالمحكمة الأميركية التي لم تكلف نفسها التدقيق في مصداقية «الشاهد الخبير». فالمحكمة لم تكن تعلم أن ليفيت لم يزر لبنان ولا يتّقن اللغة العربية مثلاً. ولم يعلم ليفيت أن جمعية المبرات الخيرية الإسلامية، وهي جمعية أسسها السيد فضل الله، كان لديها فروع داخل الولايات المتحدة الأميركية وكان لديها مكتب في مدينة ديترويت مثلاً.
ولم يذكر في معرض تقديم ماثيو ليفيت أمام المحكمة على أنه «الشاهد الخبير» الرئيسي أنه عمل لصالح الحكومة الإسرائيلية. 
أخيرًا، لا بد من الإشارة إلى أن القانون الأميركي يفرض إعادة المحاكمة عندما يتبيّن أن المحكمة استندت إلى شهادة زور أو إذا كان لشهادة الزور تأثير معقول على حكم هيئة المحلفين. لكن ذلك لم يحصل. بل ما حصل هو العكس تماماً حيث بات ماثيو ليفيت الشاهد «الخبير» المعتمد دولياً في المحاكم والمحافل والجامعات الغربية والمؤتمرات ووسائل الإعلام لاختلاق المزاعم عن «حزب الله».

من هو ماثيو ليفيت؟

باحث في معهد واشنطن ومدير برنامج «مكافحة الإرهاب». شغل منصب نائب مساعد وزير الاستخبارات والتحليل في وزارة الخزانة الأميركية بين عامَي 2005  و2007. عُيّن ليفيت بعد ذلك مستشاراً في وزارة الخارجية لمكافحة «الإرهاب» ومساعداً للمبعوث الخاص للأمن الإقليمي في الشرق الأوسط الجنرال جيمس جونز.

وكما استندت لمحكمة الفيدرالية الأميركية إلى مزاعمه لإصدار حكم الإدانة الظالم بحق محمد حمود عام 2003، واستندت المحكمة الخاصة بلبنان كذلك عام 2020 إلى مزاعمه لتصدر حكمها الظالم بحق سليم عياش وحسن مرعي وأسد صبرا وحسين عنيسي باغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005. 
ماثيو ليفيت، هو يهودي أميركي تلقّى تعليمه الثانوي في مدرسة يهودية أرثوذكسية بولاية ماساتشوستس، ثم انتقل إلى جامعة «يشيفا» اليهودية في مدينة نيويورك، حيث حصل منها على شهادة بكالوريوس في العلوم السياسية، ثم حصل على الماجستير والدكتوراه من كلية «فليتشر} للقانون والدبلوماسية في جامعة «تافتس». 
دُعِي للشهادة أمام لجان الكونغرس الأميركي نحو تسع مرات بين عامَي 2005 و2018 حيث شارك في جلسات الاستماع التي عُقِدَت للتحريض على «حزب الله».
ليفيت، معروف بادّعاءاته الكاذبة حول دور «حزب الله» في تجارة المخدرات انطلاقاً من أميركا اللاتينية، واستخدام الحزب العنف في الداخل والخارج، وانتشاره العالمي، وتصنيفه «منظمة إرهابية» بكل وحداته لتضييق نشاطه.
أسّس ليفيت عام 2007 برنامج «الاستخبارات ومكافحة الإرهاب» الذي يُعدّ من أهم البرامج البحثيّة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى الّذي أسسته أيباك (AIPAC) عام 1985. وتندرج من ضمن نشاط هذا البرنامج جهود التحريض على حركات المقاومة ومصادر تمويلها ولا سيّما «حزب الله». وفق بيانات خدمة الإيرادات الداخلية الأميركية، بلغ حجم تمويل البرنامج 858 ألف دولار سنوياً، وقد بلغ الذروة عام 2016 ليصل إلى 1,392,000 دولار. ويتكتّم معهد واشنطن على مصادر تمويله.

23 سنة من الظلم

– 20 تموز 2000: صدرت بلاغات جنائية ضد ستة عشر متهماً بالضلوع في تجارة ممنوعة وتهريب البضائع والتهرب الضريبي. كان محمد حمود من بينهم. اتُّهم حمود في البداية بالتآمر لنقل وبيع وتوزيع سجائر محظورة. وبالتهرّب من قوانين الهجرة.
– 21 تموز 2000: اعتقلت السلطات الأميركية محمد حمود.
– 28 تشرين الثاني 2000: عُين المحامي ريتشارد فولز للدفاع عن حمود. كان فولز قد تخرّج من كلية الحقوق قبل ثلاثة سنوات فقط (1997) وكانت هذه القضية هي أول قضية يرافع فيها أمام المحكمة الفيدرالية.
– 28 آذار 2001: قدم المدّعي العام لائحة اتّهام بديلة تزعم أن حمود وشخص يدعى سعيد حرب وآخرين يشكلون مشروعاً إجرامياً أطلق عليه الادّعاء اسم «خلية شارلوت حزب الله». زعم الادّعاء أن أعضاء «الخلية» توّرطوا في عمليات احتيال تتعلق بالهجرة، والاحتيال على بطاقات الائتمان، وتهريب السجائر، وغسل الأموال من أجل تهريب الأموال. وذلك بهدف:
(1)  إثراء أنفسهم وشركائهم.
(2)  تقديم بعض العائدات غير القانونية إلى «حزب الله» المصنف «منظمة إرهابية» أجنبية في الولايات المتحدة.
(3)  تعزيز أنشطة أعضاء الخلية المزعومة.

– 23 أيار 2002: بداية جلسات محاكمة محمد حمود وشقيقه شوقي. وكان محمد حمود يحاكم على أساس أنه «زعيم خلية شارلوت التابعة لحزب الله»، وأنه كان قد استخدم «منصبه القيادي» لدعم وجمع «آلاف غير معروفة» من الدولارات التي أُرسلت إلى عناصر حزب الله في لبنان من أجل «نشاط حزب الله العنيف في جنوب لبنان». كما ورد في لائحة الاتّهام أن حمود أرسل 3500 دولار أميركي إلى «حزب الله».
– 4 حزيران 2002: نهاية جلسات المحاكمة بعد مرور أقل من ثمانية أسابيع. وصدور حكم الإدانة عن هيئة المحلفين. استبدل المحامي ستانلي كوهين، بعد انتهاء جلسات المحاكمة، بالمحامي ريتشارد فولز. وقد مثل كوهين في جلسة النطق بالحكم. 
– 28 شباط 2003: حكمت المحكمة على حمود بالسجن لمدة 155 عاماً.
– 2 آب 2004: أيّدت محكمة الاستئناف الحكم من جميع النواحي.
– 26 كانون الثاني 2011: أعيد النظر بمدة العقوبة وعُدّلت من 155 سنة إلى 30 سنة.
– 13 حزيران 2023: أطلقت السلطات الأميركية سراح محمد حمود بعد قضائه 23 سنة ظلماً في السجون الأميركية. 

عمر نشابة

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار




التطورات الاقليمية بدأت تطيح برهانات البعض الخارجية

دخل لبنان مرحلة انتخاب رئيس الجمهورية من باب مبادرة الرئيس بري، واذا نظرنا في التفاصيل السياسية في لبنان نجد انّ الجرأة في طرح المبادرة أتت من حيث لا يجرؤ الآخرون لتستقر في نهاية المطاف رئيسًا منتخباً تحت سقف المجلس النيابي.

اجواء الحوار الايجابية التي خيّمت على عظة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي فرضت نفسها على الساحة المسيحية والدولية، فكان لقاء السفير السعودي مع البطريرك الراعي مطلع الاسبوع مؤشرًا ايجابيًا تجاه عين التينة.

على مستوى الحوارات الثنائية يسير حوار التيار الوطني مع الحزب في الاتجاه السليم بحيث ستبدأ لجنة العمل المشتركة لقاءاتها بحيث تشير مصادر سياسية الى أنَّ جميع الحوارات اليوم ستبحث في مبادرة الرئيس بري الى جانب القضايا الاساسية التي طرحتها الورقة التي قدّمها رئيس التيار جبران باسيل والتي باتت تُدرس في العمق.
هذه الحوارات الثنائية لم تعد تُختصر بحوار التيار والحزب بل يدور في الافق لقاءات ثنائية ستحصل مطلع الاسبوع المقبل تعزز التحضيرات المتسارعة للحوار المرتقب.

مضمون الحوار المرتقب بين الرئاسة والسلة الكاملة
أسبوع الحوار المرتقب باتت تتبلور خطوطه العريضة التي من المتوقع ان تتركز على السلة الكاملة للمرحلة المقبلة مع اهمية التركيز على موضوع الرئاسة التي تشكل المنطلق لباقي الملفات على الشكل التالي:
-1 تكليف رئيس الحكومة.
-2 تشكيل حكومة خلال مدة لا تتجاوز الشهرين.
-3 تحديد اقتراحات قوانين اساسية رئيسية سيُعمل عليها مباشرة بعد انتخاب رئيس الجمهورية كموضوع اللامركزية والصندوق السيادي.
هذه العناوين الاساسية وغيرها في موضوع السلة المتكاملة من البديهي ان تُدرس على طاولة الحوار الى جانب مواصفات رئيس الجمهورية التي يمكن ان تصب في مصلحة اي مرشح يتم التوافق حول اسمه، مع العلم بأنَّه ليس مستبعدًا الذهاب الى جلسات مفتوحة بدون التوافق على اسم مسبق بل على سلة اسماء على طاولة الحوار يتم الذهاب بها الى البرلمان.

الكتل غير المؤيدة ستستجيب للمبادرة الرئاسية
التفاعل الايجابي الداخلي والخارجي الذي تحمله مبادرة الرئيس بري بالتزامن مع تطور حركة الحوارات الثنائية يشير الى أنَّ الموجة المعارضة للمبادرة لن تستمر الى ابعد من ايام معدودة، خاصة أنَّ التطورات الاقليمية بدأت تطيح برهانات البعض الخارجية. انطلاقًا منه تشير مصادر سياسية واسعة الاطلاع الى أنَّ الدول الخمسة متحمسة للمبادرة، وان البعض في الداخل ممن يرفضون اليوم سيذهبون غدًا الى طاولة الحوار بعد حركة اتصالات بدأت تنشط في عواصم القرار التي تطيح ببعض التصريحات غير المسؤولة في الداخل اللبناني، فيما قد تبقى كتلة او كتلتين ليست ذات ثقل شعبي خارج المعادلة.
انطلاقًا من الذكرى الـ ٤٥ لاختفاء الامام موسى الصدر وصولًا الى عواصم القرار الدولية، تسير الكتل النيابية تباعًا نحو الحوار لتنتخب بعدها رئيسًا للبلاد يلاقي نتائج منصة الغاز التي تعمل في البلوك التاسع لاخراج البلد من أزمته.

الدكتور زكريا حمودان

المصدر: صحيفة الجمهورية




بالتفاصيل… هذا ما يجري على الحدود مع سوريا

مع تدفّق سيل إضافي من النازحين السوريين الى لبنان لاعتبارات اقتصادية، تفاقم الخطر الوجودي الذي بات يهدد البلد جرّاء أزمة النزوح المتمادية والممتدة منذ عام 2011، بينما تجد الاجهزة نفسها في مواجهة واقع صعب على الحدود في انتظار قرار سياسي يستعيد المبادرة ويؤسس لمعالجة حقيقية.

كان الرئيس نجيب ميقاتي واضحاً في التحذير خلال جلسة مجلس الوزراء من ان النزوح غير المبرر يهدد استقلاليتنا الكيانية ويفرض خللا حادا يضرب تركيبة الواقع اللبناني.

ولكن المفارقة انّ مستوى التصدي الرسمي لهذا التحدي لا يرقى حتى الآن الى حجم التهديد المعترف به رسميا، بينما تستوجب المعالجة او ربما المواجهة، تحركا سياسيا على أعلى المستويات بالدرجة الأولى.

بناء عليه، فإنّ رمي كل العبء الثقيل على الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية فقط هو اختزال للحل والأزمة، لا يحقق الغرض المفترض، بل يكتفي بمعالجة بعض العوارض من دون مقاربة جوهر المشكلة. وبالتالي، فإن الاستمرار في الاعتماد على القوى العسكرية والأمنية حصرا، انما يعني انها ستظل «تلهث» خلف النازحين المتسللين عبر المعابر غير الشرعية بأعداد كبيرة، او أولئك المخالفين الموجودين في الداخل، وهذه عملية كر وفر مُنهكة وتتطلب أعلى جهوزية لوجستية، في حين ان الاجهزة على اختلافها باتت تحسب حساباً حتى للمحروقات التي تستخدمها في مهماتها الميدانية.

وهناك من يعتبر انّ حتى ايفاد بعض الوزراء المعنيين بالملف الى دمشق لم يعد كافيا، وان المطلوب ان يمتلك ميقاتي شجاعة زيارتها شخصيا للقاء المسؤولين السوريين على أرفع المستويات والبحث معهم في الآليات الممكنة والفعّالة لوقف تدفق النازحين من جهة ولاعادة أولئك المتواجدين في لبنان من جهة أخرى ضمن قواعد ما يعرف بالعودة الآمنة.

ويلفت أصحاب هذا الرأي الى انه ما دام ميقاتي نفسه يعتبر ان النزوح السوري بات يشكل تهديدا للكيان وتركيبته، فإنّ مقتضيات المصلحة العليا والامن القومي باتت تستحق منه زيارة سوريا، حتى لو انطوَت على نوع من المجازفة السياسية، ربطا بموقف الغرب وخصوصا الولايات المتحدة التي تتشدد في تطبيق قانون قيصر وترفض اي انفتاح على دمشق.

وما لم تتطور المعالجة في الاتجاه السياسي الاوسع، سيبقى ملف النازحين عَصياً على الضبط وستظل الحدود الشمالية الشرقية التي يبلغ طولها نحو 357 كلم قابلة للخرق مهما فعل الجيش.
وتوضح مصادر امنية ان أربعة أفواج من الجيش تنتشر على طول الحدود الشمالية الشرقية وهي تحاول بكل طاقتها منع تسلل النازحين عبر الفجوات الجغرافية الكثيرة، من خلال تسيير الدوريات وإقامة الحواجز ونصب الكمائن وتفعيل المراقبة.

ولكن المصادر تلفت الى عدم جواز تحميل المؤسسة العسكرية وباقي الاجهزة ما يفوق طاقتها وقدرتها، لانه من الصعب جدا بالعديد الحالي ضبط كل الممرات الحدودية المتشعبة وسط التعقيدات الجغرافية على الأرض، فيما هناك حاجة الى نحو 40 الف عسكري للامساك بالحدود، لا يتوافر منهم حالياً سوى 8 آلاف تقريباً.

وتلفت المصادر من باب شرح طبيعة الأرض الى انه لا يمكن على سبيل المثال إقفال مجرى نهر او تأمين التغطية الكاملة لسهول واسعة جدا واراض متداخلة مع سوريا، والمفارقة انه عندما يلجأ الجيش احيانا الى رفع سواتر ترابية لاقفال بعض المنافذ بغية توزيع عناصره على اماكن أخرى بحاجة اليهم اكثر، كان يُفاجأ لاحقاً بأن جرافات تزيل تلك السواتر.

والى جانب العوامل الطبيعية غير المساعِدة، توجد على ضفتي الحدود شبكات منظمة تسهّل تهريب النازحين ونقلهم، وحين ينجح الجيش في توقيف عدد من هؤلاء ويعيدهم الى بلادهم، يبادر المهربون مجدداً الى تلقفهم وإرجاعهم نحو لبنان، انما بنصف السعر هذه المرة، كنوع من التحفيز والتعويض!
والأسوأ من ذلك أن جانباً من القضاء يلجأ الى الإفراج عن بعض المهربين الذين يوقفهم الجيش، وذلك بعد وقت قصير من إلقاء القبض عليهم.

أمام هذه الوقائع، صار محسوما انه يجب اتخاذ قرار سياسي كبير بمواجهة تداعيات ملف النازحين، على كل الصعد، وإلا فإن الآتي أعظم.

عماد مرمل

المصدر: صحيفة الجمهورية