الخلافات بين باريس وبرلين تطفو على الساحة الأوروبية في ظلّ تزايد التحديات الدولية
|
تظهر فرنسا وألمانيا بصورة متزايدة خلافاتهما حول مسائل مختلفة، من الطاقة إلى قواعد الميزانية مروراً بالدفاع، ما يهدد بحصول شقاق في أوروبا في وقت تتراكم فيه التحديات على الساحة الدولية.
إضافة إلى التباعد بين المستشار الألماني أولاف شولتز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أصبحت الملفات الرئيسية “ساحات مواجهة أيديولوجية” بين البلدين، حسبما يرى الأمين العام للجنة دراسات العلاقات الفرنسية الألمانية في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية إريك أندريه مارتان.
في برلين، تؤكد الأوساط الدبلوماسية أنه رغم الاختلاف في وجهات النظر، تتفق دائماً الدولتان على الأمور الأساسية، باعتبار أن التقدّم في أوروبا مستحيل في غياب “المحرّك” الفرنسي الألماني.
وتشدّد باريس أيضاً على الرغبة المشتركة في التغلب على الصعوبات، بحيث تشير وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا، ونظيرتها الألمانية أنالينا بيربوك، إلى أنهما على اتصال دائم.
وقالت بيربوك، الجمعة، لصحيفة “ويست فرانس” الفرنسية: “من المعروف أن ألمانيا وفرنسا أفضل صديقتَين في العالم، لكننا نتشاجر أحياناً مثل زوجَين مسنَّين”، متحدثة عن الإصلاح الصعب لسوق الكهرباء الأوروبية.
وفي خلفية خلافاتهما أيضاً معركة حول النووي، الذي تعتبره فرنسا أولوية لإمدادات الكهرباء، في حين أغلقت ألمانيا محطتها النووية الأخيرة في إبريل/ نيسان.
وقال وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابيك: “لسنا متفقين على شيء”.
النبرة مماثلة في باريس حيث تتحدث الأوساط الدبلوماسية عن “مناقشات صعبة” حول الطاقة، وإصلاحات قواعد الميزانية، وعن الرغبة في أن تكون برلين أكثر “تعاوناً”.
وبدأت الخلافات تصبح بنيوية، بحيث “بدأنا نشهد تحوّلاً في التصورات والتحليلات والأولويات على كلّ الصعد تقرياً”، بحسب مدير المعهد الفرنسي الألماني في لودفيغسبرغ فرانك باسنر.
“فرنسا نسخة أفضل من ألمانيا”
يغذّي ركود الاقتصاد الألماني، والشكوك الألمانية المتزايدة حول قدرة البلد على التعافي، هذه التباينات في المواقف.
وعنونت أسبوعية “دير شبيغل” الألمانية مؤخراً، بنبرة مستفزّة إلى حد ما، “فرنسا هي نسخة أفضل من ألمانيا”.
وقال باسنر: “نعود إلى مواقف يفكر فيها كلٌّ بنفسه أولاً، وينسون أن الحلول لا يمكن أن تكون إلّا على الصعيد الأوروبي”.
غير أن أوروبا تواجه سلسلة من حالات الطوارئ، أبرزها ضمان أمنها منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، وتسريع تحوّلها البيئي، وزيادة قدرتها التنافسية في مواجهة الصين والولايات المتحدة.
ولا يزال مشروع دبابة المستقبل الفرنسي الألماني، الذي يُفترض أن يكتمل بين عامَي 2035 و2040، ليحلّ مكان دبابات “لوكلير” الفرنسية، ودبابات “ليوبارد 2” الألمانية، يكافح للاستمرار.
رغم تأكيد وزيري الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس والفرنسي سيباستيان لوكورنو، في منتصف يوليو/ تموز، رغبتهما في تقدّم المشروع، وفيما سيبحثان هذه المسألة في اجتماع في فرنسا، في 22 سبتمبر/ أيلول، أشارت الصحافة الألمانية هذا الأسبوع إلى إنشاء اتحاد صناعي يمكن أن يتنافس مع مشروع دبابة المستقبل.
وسيضمّ هذا الاتحاد شركات ألمانية وسويدية وإيطالية وإسبانية. ولن تشارك فرنسا إلّا عبر مجموعة “نكستر” الفرنسية في شركة “كي إن دي إس” الفرنسية الألمانية.
واعتبر إريك أندريه مارتان أن “العلاقات الفرنسية الألمانية تقف عند نقطة تحوّل”، متسائلاً عن قدرة البلدَين على “الاستجابة للتحديات”.
وقال “إنهما بلدان يملك كلّ منهما نماذج عمل ومصالح متباينة، يتواجهان ويشكّلان قطبين متضادّين على المستوى الأوروبي، ما يساهم في تفتيت أوروبا من خلال إيجاد أغلبيات ظرفية”.
ولفت إلى ظهور مجموعتَين من الدول، أولاها هي مجموعة دول البنلوكس “التي تشعر ببعض الأسف للتعثّر الأوروبي”، والأخرى تضمّ دولاً مثل بولندا التي ترى في ذلك “فرصة لدفع بيادقها، من خلال القيام بنشاط دبلوماسي أقوى”.
بعد نحو عامين من وصول أولاف شولتز إلى المستشارية، لم ينسج بعد مع ماكرون علاقة قرب، شبيهة بالتي كانت تجمع الرؤساء الفرنسيين السابقين بالمستشارين الألمان السابقين.
وتأمل باريس أن يجتمعا مجدداً، في بداية أكتوبر/ تشرين الأول، في هامبورغ، لتسوية خلافاتهما بطريقة “منفتحة” في جو “غير رسمي”.
المصدر: وكالة فرانس برس
ترجمة: صحيفة العربي الجديد
وفد إسرائيلي في مؤتمر الدمام.. ماذا تنتظر السعودية لإعلان التطبيع؟
|
كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن استضافة المملكة العربية السعودية 12 رجل أعمال إسرائيلي للمشاركة في مؤتمر احتضنته مدينة الدمام عن الأمن السيبراني خلال يومي 6 و7 سبتمبر/أيلول الحاليّ، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ الحديث عن تطبيع العلاقات بين الرياض وتل أبيب.
رغم تعتيم الإعلام السعودي عن تلك المشاركة الاستثنائية لوفد رجال الأعمال الإسرائيلي في هذا المؤتمر، فإن صحفًا إسرائيليةً أشارت إلى أن تلك المشاركة تعكس بشكل كبير حجم التقارب بين البلدين في المجال الاقتصادي الذي من الممكن أن يقود قاطرة التطبيع بشكل علني خلال المرحلة القادمة، وفق ما نقلت عن مسؤولين ومراقبين من البلدين.
تتزامن تلك الخطوة مع زخم دبلوماسي إسرائيلي وأمريكي لتوسيع دائرة التقارب العربي الإسرائيلي، في محاولة للحصول على المباركة السعودية بشكل علني بعد احتواء جيرانها، الإمارات والبحرين، في سبتمبر/أيلول 2020، ثم المغرب والسودان لاحقًا، فهل بات الإعلان عن انضمام الرياض إلى حظيرة أبراهام مسألة وقت؟
سياق مهم
لا يمكن قراءة تلك المشاركة بمعزل عن سياق أهم وأشمل يخيم على أجواء التقارب السعودي الإسرائيلي، إذ جاءت بعد 4 أيام من زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين، على رأس وفد يضم شخصيات سياسية واقتصادية إسرائيلية، إلى العاصمة البحرينية المنامة، مساء الأحد 3 سبتمبر/أيلول الحاليّ، في زيارة رسمية تستمر يومين، لبحث سبل دفع العلاقات بين الدولتين.
كما تتزامن معها زيارة مرتقبة من المقرر أن يقوم بها وفد أمريكي بقيادة مسؤول ملف الشرق الأوسط في البيت الأبيض، المحامي بريت ماكغورغ، ومساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى باربرا ليف، تلك الزيارة التي تأتي بعد نحو شهر تقريبًا من زيارة مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان للرياض لمناقشة ملف التطبيع السعودي الإسرائيلي.
وبالتوازي مع جولة ماكغورغ أجرى أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ووزير الشؤون المدنية حسين الشيخ، زيارة مماثلة إلى العاصمة السعودية، لبحث المطالب التي تود السلطة الفلسطينية تنفيذها والمكاسب المتوقعة حال تم إبرام اتفاق التطبيع بين المملكة و”إسرائيل”.
وفي الأسبوع ذاته زار وفد رسمي مغربي برئاسة رئيس مجلس المستشارين المغربي (الغرفة الثانية بالبرلمان) النعم ميارة العاصمة الإسرائيلية تل أبيب، في زيارة هي الأرفع لمسؤول مغربي لـ”إسرائيل” منذ تطبيع العلاقات بين تل أبيب والرباط ديسمبر/كانون الأول 2020، وذلك بعد توقفها عام 2000.
الأمن والاقتصاد.. سياق التفاهم الأبرز
يؤمن الجانب الإسرائيلي أن الأمن هو المدخل الأهم للدخول إلى مفاصل السعوديين، وأن اللعب على وتر تعزيز الدفاعات السعودية في مواجهة التهديدات التي تواجهها المملكة عبر أشرطة حدودها الممتدة جنوبًا وشرقًا هو اللحن الأكثر طربًا للقيادة السعودية التي تعرضت خلال السنوات الماضية للعديد من العمليات التي أثارت خوف وهلع الشارع السعودي.
من هنا يأتي حضور الوفد الإسرائيلي إلى قمة الدمام التي تعرضت لهجوم بصواريخ وطائرات مسيرة على بعد 1000 كيلومتر تقريبًا، أطلقها الحوثيون في اليمن عام 2019، الأمر الذي دفع الرياض للبحث عن كل السبل الممكنة لتعزيز قدراتها العسكرية للتصدي لمثل تلك الهجمات، وعليه جاء مؤتمر الدمام عن الأمن السيبراني ومشاركة الإسرائيليين الذين يمتلكون تكنولوجيا متطورة في هذا المجال.
يذكر أنه في مايو/أيار الماضي، كانت السلطات السعودية قد وجهت دعوة للباحثة الإسرائيلية المتخصصة في الأمن السيبراني، نيريت أوفير، لإلقاء محاضرة في مؤتمر “الأمن في الشرق الأوسط” الذي عقد في الرياض، وكانت تلك المرة الأولى التي تدعى فيها أكاديمية إسرائيلية لإلقاء محاضرة أمام جمع سعودي عربي، وبعد تلك الدعوة طلب مسؤولون سعوديون من الباحثة الإسرائيلية قيادة وفد اقتصادي أمني إسرائيلي، للمشاركة في مؤتمر الأمن السيبراني في الدمام.
يمثل التصدي للنفوذ الإيراني في المنطقة المعول الأبرز الذي يعول عليه الإسرائيليون لإقناع السعوديين بإبرام اتفاق تطبيع علني، فرغم التقارب المحتمل بين الرياض وطهران – المعرض لانتكاسة جديدة بسبب الخلاف بشأن بعض الملفات كحقل درة النفطي – فإن الخصومة الأيديولوجية التاريخية بين البلدين هي صاحبة الكلمة العليا في حسم العلاقات بينهما، وهو ما تحاول تل أبيب توظيفه لخدمة أجندتها التوسعية إقليميًا.
وعلى الجانب الموازي للأمن يأتي الاقتصاد الذي تحول في الآونة الأخيرة إلى الجسر الأكبر لتدشين مرحلة جديدة من العلاقات، بين الحلفاء والخصوم على حد سواء، وهو ما يمكن قراءته في المشهد المصري التركي من جانب، والتركي الخليجي من جانب آخر، والقطري المصري من جانب ثالث.
وعليه قد يكون الاقتصاد ساحة الالتقاء الكبرى بين الطموح السعودي نحو الريادة، وتعطش دولة الاحتلال لتعاظم دورها الشرق أوسطي، إيمانًا بأن الدولة القوية هي صاحبة الاقتصاد القوي، حتى لو كان ذلك على حساب المرتكزات القومية والوطنية بل والدينية، وهو ما توثقه الكثير من المؤشرات خلال السنوات الماضية.
إجراءات تمهيدية
في تعليقه على مشاركة الوفد الإسرائيلي العلنية في مؤتمر رسمي سعودي، وعلى مرأى ومسمع من الجميع، قال الرئيس التنفيذي لمجموعة i24NEWS (مجموعة إعلامية إسرائيلية) فرانك ملول: “هذه فرصة تاريخية لأنه هنا، في الدمام، تتكشف أمام أعيننا علاقة تومئ إلى شرق أوسط جديد”.
أضاف ملول أن العلاقات الدبلوماسية بين السعودية و”إسرائيل” لم تعد حلمًا بعيد المنال كما كانت في السابق، فتبادل الزيارات بين مسؤولين أمريكيين وسعوديين وإسرائيليين وحتى فلسطينيين بات أمرًا عاديًا، “ما أعطى مصداقية للاعتقاد بأن حقبة جديدة في الشرق الأوسط قد تكون على الأبواب” على حد قوله.
كما نقل الموقع الإسرائيلي عن الصحفي السعودي عبد العزيز الخميس (أحد داعمي التطبيع وزار إسرائيل 3 مرات) قوله: “يجب أن نأتي بالإسرائيليين والفلسطينيين إلى الرياض للحديث عن السلام”، وأضاف “كان توقيع اتفاقيات أبراهام حدثًا مهمًا، لكن يجب أن نتذكر أن المملكة العربية السعودية مختلفة، فهي أكبر دولة في المنطقة، وفي العالم الإسلامي، وفي العالم العربي. وبعبارة أخرى، ليست مجرد دولة أخرى تنتظر في الطابور لمصافحة الإسرائيليين”.
وتوضيحًا للخطوات المتسارعة بشأن التقارب السعودي الإسرائيلي قال ممثل إحدى الشركات الإسرائيلية المشاركة في المؤتمر: “المحادثات التي تطورت كانت رائعة وتجاوزت إلى حد كبير المواضيع المهنية”، مضيفًا “تحدثنا عن التغيير المتسارع الذي يمر به المجتمع السعودي في قضايا مثل وضع المرأة، وحتى الدوري السعودي الذي يطمح لأن يصبح من أفضل الدوريات في العالم”، وفق “i24NEWS”.
أما رجل الأعمال الإسرائيلي، ممثل شركة OOSTO الإسرائيلية في الخليج، أمبار دالفي، المقيم في دبي، فيقول: “في البلدان التي هي في الواقع أعداء لإسرائيل، تحظى تقنياتكم بتقدير كبير، ولا يخجلون من استخدامها”، فيما أضاف زميله نائب رئيس الشركة، فاديم ألوني: “تمتلك الشركات الإسرائيلية تقنيات مذهلة يحتاجها السوق السعودي، في عالمي الدفاع والأمن. شركة OOSTO متخصصة في منتجات التعرف على الوجه والسلوك، وتفخر بالمشاركة في هذا الوفد الرائد، الذي يمكن أن يعزز السلام الإقليمي والعلاقة الاقتصادية بين البلدين”.
تهرول تل أبيب وواشنطن لإبرام اتفاق تطبيع علني مع السعودية في أقرب وقت، في محاولة للاستفادة من الثقل الاقتصادي للمملكة في ظل المستجدات الإقليمية والدولية وفي ضوء حرب الاستقطابات العالمية المشتعلة بين المعسكرين الشرقي والغربي.
هذا بخلاف العمل على ترميم الطعنات التي تلقاها جدار التطبيع العربي الإسرائيلي خلال الآونة الأخيرة بسبب زيادة حدة الاحتقان الشعبي جراء الانتهاكات التي مارسها المتطرفون الإسرائيليون بحق الفلسطينيين، وأبطأت بشكل كبير من إتمام الصفقة السعودية الإسرائيلية تحديدًا.
وفق المؤشرات الأخيرة فإن التطبيع بين السعودية و”إسرائيل” تجاوز مرحلة الدراسة والتقييم إلى مرحلة الإعلان النهائي وانتظار الوقت المناسب لذلك، فكل المؤشرات تذهب في هذا الاتجاه، وتبقى ساعة التوقيع الرسمي محل الخلاف في ظل محاولات إخراج المشهد بشكل جيد وبما يضع في الاعتبار القضية الفلسطينية.
المصدر: موقع نون بوست
تاريخ من الجدل.. ماذا وراء مساعي تغيير اسم الهند الآن؟
|
إذا طرقت كلمة بهارات الآذان، تبادر إلى الأذهان ألوان وأصناف البهارات والتوابل بأنواعها وروائحها، التي نستخدمها في منطقتنا العربية لإضفاء مزيج رائع من النكهات على الطعام، وأغلبها يأتي لنا من الهند.
لكن ذكر كلمة “بهارات” في الهند أصبح مثار جدل لأسباب سياسية لا علاقة لها بالمطبخ أو الطعام، فالكثيرون لا يعرفون أن بهارات (بتسكين الباء) هي الاسم السابق للهند، وهو ما يجري الحديث عنه اليوم بشأن مطالب عودة الهند إلى اسمها القديم.
أما كلمة الهند، فترتبط في مخيلتنا بهذا البلد الكبير، لكن في المستقبل قد يختفي هذا الاسم من ألسنتنا، مع مساعي حزب بهاراتيا جاناتا اليميني الحاكم (BJP) الذي يتزعمه رئيس الوزراء ناريندرا مودي لعودة الاسم القديم للبلاد، فهل تخيلت يومًا أن يتغير اسم الهند؟ وما سر هذا القرار الذي يعتقد البعض أنه يصب في مصلحة الحكومة اليمينية المعادية للمسلمين؟ وهل يحقق فعلًا مطالب الشعب الهندي، أم يأتي في خضم حرب الحكومة لكل رمز غير هندوسي في البلاد استرضاءً للتيارات المتطرفة قبل انتخابات عام 2024 حسب ما تقول المعارضة؟
هل سيتغير اسم البلاد فعلًا؟
هذه القصة بدأ الجدل بشأنها مع استعدادات الهند لاستضافة قمة مجموعة العشرين، التي تعد لها الهند العدة منذ شهور، وهي الأولى من نوعها للهند، حيث يهدف مودي إلى تعزيز النفوذ العالمي لنيودلهي بعد ما يقرب من عقد من الزمن في السلطة.
العديد من زعماء العالم سيحضرون، بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، وستكون “التنمية المستدامة” الموضوع الرئيسي هذا العام، مع توقعات بمناقشة الصراع الدائر في أوكرانيا، وستشهد القمة الجلوس على طاولة العشاء يوم 9 سبتمبر/أيلول الحاليّ.
تعد الهند اليوم أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان (1.4 مليار نسمة)، وهي الدولة ذات الثقل السياسي والاقتصادي الأسرع نموًا، التي لديها أكثر من 20 لغة رسمية، وبعيدًا عن استضافة القمة السنوية لمجموعة العشرين التي تنعقد في العاصمة نيودلهي في الفترة بين 9 و10 سبتمبر/أيلول 2023، أكملت البلاد مؤخرًا هبوطًا تاريخيًا على سطح القمر.
قبل انطلاق القمة السنوية لهذا العام، استخدمت حكومة مودي مصطلح دولة “بهارات” بدلًا من الهند في دعوة عشاء رسمية وُجِّهت للضيوف الذين سيحضرون قمة مجموعة العشرين، نيابة عن رئيسة الدولة دروبادي مورمو ضمن ما تقول الحكومة إنه محاولة لاستعادة ماضي البلاد الهندوسي، وبعد انتشار صيغة الدعوة، بدأت التكهنات: هل سيتغير اسم البلاد فعليًا؟
استخدمت الحكومة الهندية كلمة “بهارات” بدلًا من الهند في دعوات عشاء رسمية لقادة مجموعة العشرين
أثارت الدعوات الأخيرة لتغيير اسم دولة بحجم الهند – التي حافظت على اسمها منذ القِدم حتى ارتبط بعضها بالأساطير القديمة – خلافًا سياسيًا ونقاشًا عامًا، رغم أن هذه ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها الحكومة الهندية هذا المصطلح فيما يتعلق بمجموعة العشرين، فقد استخدمته في كتيب حمل عنوان “بهارات أم الديمقراطية” لتعريف الوفود الأجنبية بتاريخ ومعالم الدولة.
تضاربت هذه المرة الآراء حول “بهارات”، فهناك أطراف في الهند، بينهم الهنود المقتنعون بأصول البلاد الهندوسية، تطالب بإعادة البلاد إلى اسمها القديم، وآخرون معارضون يشككون في غرض التسمية، ويعتبرونها إهانة واضحة للبلاد، رافضين نسف تاريخ كامل، بينما أمسك سياسيون آخرون العصا من المنتصف، ودعوا إلى استخدام التسميتين على حد سواء.
الرغبة الملحِّة لتغيير التسمية في هذا التوقيت قد يفسرها البعض على أنها تلميح بضرورة التخلي عن الاسم الحاليّ أمام قادة أكبر دول العالم، ويبررها مناصروها بأنها تمثل خطوة مهمة للعودة إلى الهوية التاريخية لوطنهم والوحدة بين الأطياف المختلفة، وأنها فكرة مميزة ستدعم البلاد فيما بعد، وأنهم يرغبون في التخلص من آثار الاستعمار والعبودية التي عاناها الهنود خلال الاستعمار البريطاني، فقد حكم البريطانيون هذا البلد نحو 200 عام قبل الحصول على الاستقلال عام 1947.
المسؤولون في حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي الحاكم هللوا لهذا النهج، وأعلنوا تأييدهم لبادرة إلغاء الاستخدام الرسمي للاسم الإنجليزي للبلاد بحجة أن اسم الهند أطلقه المستعمر البريطاني على البلاد، وأقر سياسيون بالفعل بدستورية الاسم، وعمد وزراء في الحزب الحاكم إلى تغيير اسم الهند إلى بهارات على حساباتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي.
استبدل الوزير الأول لولاية آسام هيمانتا بيسوا سارما كلمة الهند ببهارات على حسابه الشخصى بموقع “إكس” (تويتر سابقًا)
يأتي استخدام كلمة “بهارات” بعد يومين فقط من قول رئيس “منظمة التطوع الوطنية” اليمينية الهندوسية موهان باجوات، الذي يُوصف بالمرشد الأيديولوجي لحزب بهاراتيا جاناتا: “يجب تسمية البلاد باسم بهارات بدلًا من الهند، في بعض الأحيان نستخدم كلمة الهند حتى يفهمها من يتحدثون الإنجليزية، يجب أن نتوقف عن ذلك، اسم البلد بهارات، وسيظل بهارات أينما ذهبت إلى العالم”.
ووصف سياسيون في الحزب هذه الخطوة بأنها لحظة فخر للبلاد، فقد اعتبر وزير خارجية الهند سوبرامانيام جايشانكار ما ورد في دعوة العشاء “شيئًا طبيعيًا جدًا” طالما أن اسم البلاد “بهارات” موجود في الدستور، وعبَّر الوزير الأول لولاية آسام هيمانتا بيسوا سارما عن سعادته بتقدم حضارته بجرأة نحو ما أسماه “العصر الذهبي”، وهو مصطلح يشير في الأساس إلى دولة المغول المسلمين، لكن حكومة مودي تستخدمه اليوم للإشارة إلى السنوات التي تسبق مئوية الدولة (عام 2047)، ويتوقعون أن الهند ستكون من بين أكثر دول العالم ازدهارًا بحلول ذلك الوقت.
بموجب الدستور الهندي تُعرف هذه الدولة الآسيوية باسم الهند، لكنها لا تتجاهل اسم “بهارات”
رغم هذه الآمال التي يرسمها هؤلاء، ليس هناك ما يؤكد أن الحكومة ستغير الاسم الحاليّ رسميًا، فوفق ما ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، لا تزال جميع المواقع الإلكترونية الرسمية تصف الدولة والحكومة بالهندية، وكذلك الأمر بالنسبة لمورمو التي يُشار إليها باسم رئيسة الهند على موقع التواصل الاجتماعي “إكس”.
في المقابل، ارتفعت أصوات المعارضة، ولم يلق إرسال دعوات رسمية تحمل هذا الاسم ترحيبًا من رافضي العودة لتلك التسمية التي يرون أنها تمثل حزبًا واحدًا في بلد متعدد الأديان والأطياف، ويرون أن الهند هو الاسم الأعم والأشمل، ويمثل كل الفئات والطوائف.
كان للمعارضين رأي آخر، وعبَّر عن ذلك الأمين العام للكونغرس الهندي جيرام راميش، الذي اتهم رئيس الوزراء بالعمل على تشويه التاريخ وتقسيم الهند، فكتب تغريدة قال فيها متعجبًا: “انظروا إلى مدى ارتباك حكومة مودي! رئيس وزراء بهارات في قمة آسيان والهند العشرين، كل هذه الدراما لمجرد أن المعارضة اجتمعت وأطلقت على نفسها اسم الهند”.
The BJP's recent move to change the reference from 'President of India' to 'President of Bharat' on official G20 summit invitations has raised eyebrows and ignited a public debate. How can the BJP strike down 'INDIA'? The country doesn't belong to a political party; it belongs to… pic.twitter.com/riYNdQBkYa
تحمل كلمات راميش إشارة إلى إعلان أحزاب المعارضة في يوليو/تموز الماضي تشكيل تحالف جديد يُسمَّى “الهند”، ويرمز إلى “التحالف الوطني الهندي للتنمية الشاملة”، للإطاحة على ما يبدو برئيس الوزراء الحاليّ وحزبه الحاكم قبل الانتخابات العامة الهندية المقررة في ربيع عام 2024، وبالتالي فإن التركيز على تغيير اسم الدولة إلى “بهارات” قد يكون مدفوعًا جزئيًا بمحاولة الحزب الحاكم التصدي لهذا التحالف من خلال إيجاد اسم مختلف، كما يقول مؤرخ الهند المعاصرة رافيندر كور لمجلة “تايم”.
إشكالية التاريخ والسياسة
للدول أسماؤها التي عُرفت بها عبر التاريخ أو وفقًا لاختيار مواطنيها أو ما تفرضه دول أخرى استعمرتها بالقوة، وبموجب الدستور الهندي تُعرف هذه الدولة الآسيوية باسم الهند، لكنها لا تتجاهل اسم “بهارات”، وتنص مادته الأولى على أن “الهند؛ أي بهارات، يجب أن تكون اتحادًا للولايات”، ولعل هذا ما منع الحكومات السابقة من محاولة تغيير الاسم احترامًا للدستور.
يعني هذا أن للدولة اسمين: الأول الهند، وهو الأكثر استخدامًا محليًا ودوليًا، أطلقه المستعمر البريطاني على البلاد، واُشتق من كلمة “أندوس” المستعارة من اللغة الفارسية القديمة من كلمة “هندوس” التي كانت تطلق على الهنود، وتؤكد هذه الرواية آثار عُثر عليها في مدينة برسيبوليس الإيرانية.
والثاني بهارات، وهي كلمة قديمة مأخوذة من الكتب المقدسة في اللغة السنسكريتية القديمة، وتشير إلى الاسم الأصلي للبلاد قبل وصول الاستعمار البريطاني، وهي مشتقة من كلمة “بهاراتام”، وتعني “أرض الجنوب”، لكن استخدامها نادر للغاية.
يرى خبراء أن المستفيد الوحيد من تغيير الاسم هو الحزب الحاكم الذي يسعى إلى مناشدة قاعدته القومية الهندوسية المتشددة
ظهرت هذه الكلمة في فترة تأسيس الدستور عام 1950، واختير الاسم الرسمي للهند باسم “بهارات” حينها، وتقول رواية أخرى إن جذورها تعود إلى زمن الإمبراطور “بهاراتا” ابن الملك دوشيانت المعروف باسم المؤسس الأول لشبه الجزيرة الهندية بأكملها.
تُستخدم كلمة بهارات بالتبادل لتسمية الهند في اللغة المحلية، وكلاهما موجود في جوازات السفر الهندية، ويتركز تغيير الاسم حاليًّا في لغات العالم الأخرى، لا سيما الإنجليزية، ولعل هذا ما يفسر جانبًا من الخلاف بين التاريخ والقومية في هذا البلد المتعدد الأعراق والأديان.
هذه ليست المحاولة الأولى لسعي السلطات إلى تغيير اسم الهند، فقد اشتعل الصراع الذي تشهده الهند اليوم على اسمها مع بناء الدولة الجديدة عقب سنوات من استقلالها عن بريطانيا، لكن استخدامه في الدعوات في الوقت الراهن يمثل تغييرًا ملحوظًا في عهد رئيس الوزراء وحزبه القومي الهندوسي، وخطوة قد تكون الإجراء الأكبر من نوعه للتغيير حتى الآن.
تجدر الإشارة إلى أن الهند ليست الدولة الأولى التي تغير اسمها، فقد سبقتها دول عدة لأسباب تاريخية وجغرافية منها جمهورية مقدونيا التي غيرت اسمها في عام 2019 إلى مقدونيا الشمالية لاعتبارات سياسية، وفي عام 2018، أعلن ملك سوازيلاند تغيير اسم بلاده إلى مملكة إيسواتيني، وقال إن السبب وراء تغيير الاسم هو الارتباك الذي يسبب خلط اسم بلاده مع الاسم الإنجليزي لسويسرا.
لأسباب تسويقية، غيرت جمهورية التشيك إلى تشيكيا في عام 2016، وبحسب المسؤولين، فإن وجود اسم من كلمة واحدة يجعل من الأسهل الترويج لهويتها على الساحة الدولية، كما غيٍّرت جزر الرأس الأخضر اسمها إلى جمهورية كابو فيردي عام 2013، وهو نفس الاسم الأصلي الذي أعطاه البحارة البرتغاليون للجزر غير المأهولة في عام 1444.
ما وراء تغيير اسم الدولة؟
تذهب حكومة رئيس الوزراء هذه المرة إلى أبعد من الدستور، وتعكس تحركات مودي جهود الحزب القومي الهندوسي الحاكم، فقد سبق أن ناشد مواطني بلاده العام الماضي بالتخلص من الماضي الاستعماري للبلاد والتحرر من كل أثر للعبودية واحتضان الهوية الوطنية، ليخطو الخطوة الأولى ويقرر كتابة اسم “بهارات” على الطائرة الخاصة التي تُستخدم لنقل الرئيس ونائبه ورئيس الوزراء وكبار المسؤولين في الدولة.
منذ وجودها في السلطة، عملت الحكومة الهندية الحاليّة والحكومات المتعاقبة على التخلص مما تسميه آثار الحكم البريطاني الباقية من المشهد الحضري والمؤسسات السياسية وكتب التاريخ، وتغيير ما تعتبرها أسماء تعود إلى الحقبة الاستعمارية البريطانية مثل المدن والطرق والتخطيط العمراني، وتغيير تصميم المجمعات الحكومية والهيئات السياسية في البلاد مثل المجمع البرلماني في نيودلهي الذي صممه البريطانيون.
عمدت الحكومة الهندية منذ توليها الحكم إلى إزالة أسماء كثيرة من الأماكن الإسلامية
على سبيل المثال، في عام 2018، تمت إعادة تسمية ثلاث جزر هندية تحمل أسماء حكام بريطانيين إلى جزر أندامان ونيكوبار، لمحو “علامات العبودية هذه”، وفي عام 2022، أعادت الحكومة تسمية شارع راجباث في نيودلهي، البالغ طوله 3 كيلومترات، كان يُعرف سابقًا باسم كينغزواي، وقالت الحكومة إن الاسم الرسمي الجديد “مسار كارتافيا”، ويعني “مسار الواجب”، سيزيل أي أثر للعقلية الاستعمارية.
وشهدت السنوات الماضية محاولات كثيرة لتغيير اسم البلاد إلى بهارات، ورُفعت قضايا أمام المحكمة العليا لاعتماد اسم “بهارات” رسميًا للبلاد، لكن المحكمة لم تشأ التورط في جدل التسمية، ولم تصدر أي إجراءات ذات دلالات قانونية في هذا الشأن، وحسم رئيس المحكمة الجدل، بقوله إن الأمر متروك للمواطنين لاختيار ما إذا كانوا يريدون تسميتها الهند أو بهارات.
ووفقًا لتوقعات وتقارير دولية، سيكون البرلمان الهندي ساحة لهذا الجدل، فقد قدم الحزب الحاكم مشروع قرار للبرلمان الذي يستعد للاجتماع بدورة استثنائية في الفترة من 18 إلى 22 سبتمبر/ أيلول الحاليّ، سيطرح خلالها مشرِّعون في حزب بهاراتيا جاناتا اقتراح تعديل اسم الدولة على العلن.
في عام 2020، رفضت المحكمة العليا في الهند مقترح قانون مماثل لإزالة كلمة الهند من الدستور والاحتفاظ بكلمة “بهارات” فقط، ما مثَّل انتكاسة للمدافعين عن الخطوة الذين يرون أن وجود اسم أصلي واحد للبلاد سيغرس في الشعب البهاراتي أو الهندي شعورًا بالفخر الوطني، ويعزز التراث الثقافي الغني للبلاد.
ويرى خبراء أن المستفيد الوحيد من تغيير الاسم هو الحزب الحاكم الذي يسعى إلى مناشدة قاعدته القومية الهندوسية المتشددة، وقد عمد منذ توليه الحكم إلى إزالة أسماء كثيرة من الأماكن الإسلامية التي كانت تُسمى خلال الحقبة الإمبراطورية المغولية التي سبقت الاحتلال البريطاني.
ويشير منتقدون إلى أن استخدام اسم “بهارات” هو أحدث علامة على التوجه القومي وسط عام لافت للبلاد شهد انتهاكات جسيمة بحق المسلمين البالغ عددهم 210 ملايين، وباتت هذه الجالية الكبيرة مستهدفة بشكل ملحوظ من ميليشيات هندوسية متطرفة تتبع عقيدة “هندوتفا” العنصرية التي تعتنقها قيادة البلاد المتمثلة في حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم.
واجهت حكومة مودي انتقادات حادة، وخضعت للتدقيق من جانب جماعات حقوق الإنسان ومشرِّعي المعارضة بسبب سياستها القومية الهندوسية المتطرفة، وحملة القمع المستمرة ضد المعارضة، وتشديد القبضة على المؤسسات الديمقراطية في البلاد، وهو ما نفاه مودي في مؤتمر صحفي نادر في يونيو/حزيران في البيت الأبيض.
في المجمل، سيكون ثمن الخطوة كبيرًا على الصعيد الوطني حسب ما يقول السياسي الهندي شاشي ثارور عضو حزب المؤتمر المعارض، الذي يصف الاستغناء عن اسم الهند بـ”الخطوة الحمقاء”، ليس لأنه سيجبر البلاد على إعادة بناء اسم تتبع له علامات تجارية كبيرة متراكمة على مدى قرون، وهذا معروف أنه سيكلف البلاد اقتصاديًا وتجاريًا، بل لأن تغيير الاسم سيضع الحكومة في صدام مع المادة الأولى من الدستور التي تستخدم الاسمين بالفعل، وهو ما يقتضي تعديلًا دستوريًا يعقبه استفتاء وتصديق من المحكمة العليا، وهذا قد يفجر صراعًا داخليًا كبيرًا بين الحكومة والمعارضة.
إسراء سيد
المصدر: موقع نون بوست
حظر العباءة في المدارس.. فرنسا تستأنف حربًا عبثية ضد الإسلام
|
المدارس الفرنسية لم تعد أبدًا تقبل ولوج الفتيات ممّن يرتدين العباية، حيث قامت الإدارة التربوية بإرجاع العديد منهن إلى منزالهن منذ انطلاق الموسم الدراسي، عملًا بقرار وزارة التربية بحظر ارتداء العباية والقمصان الطويلة في المؤسسات التعليمية في البلاد، متحجّجة بأنها لباس يتعارض مع مبادئ العلمانية في فرنسا.
ما زالت ردود الأفعال تتوالى على القرار، حيث رأى المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية أن “القرار تعسفي ويخلق مخاطر عالية للتمييز ضد المسلمين”، بالتالي القرار ليس سوى حلقة جديدة من حرب عبثية ضد الإسلام، في بلد يعتبَر موطنًا لأكبر أقلية مسلمة في أوروبا، حظر ارتداء الحجاب الإسلامي في المدارس الحكومية منذ عام 2004.
استهداف ديني وثقافي
إنها حرب ضد الهوية غير الفرنسية في هذا البلد الذي لا تقبل حكومته التعايش مع هويات متنوعة داخل حدوده، من واقع أن هذا القرار لا يستهدف المسلمين فحسب، بل كذلك الأقليات غير المسلمة بمن فيهم الأفارقة المعروفون بارتدائهم للأزياء الطويلة.
ليست الأقليات وحدها من اعترضت، بل حتى اليسار الفرنسي وصف القرار بأنه مخالف للدستور، وبعدما أحيل القرار إلى مجلس الدولة، وهو أعلى محكمة في فرنسا تنظر في الشكاوى ضد السلطات الحكومية، رفض المجلس الشكوى يوم الخميس 7 سبتمبر/ أيلول الحالي.
حيث أيّد القرار وأكّد على أنه “لا يشكّل تمييزًا ضد المسلمين”، واعتبر القاضي الإداري أن حظر هذه الملابس في المدارس العامة والكليات والمدارس الثانوية “لا ينتهك الحريات الأساسية، ولا يشكّل انتهاكًا خطيرًا وغير قانوني بشكل واضح للحق في احترام الحياة الخاصة، وحرية العبادة والحق في التعليم واحترام المصالح الفضلى للطفل أو مبدأ عدم التمييز”.
فيما يبدو أنها أول معركة قانونية حُسمت لصالح الحكومة، لا سيما وزير التربية الوطنية غابرييل أتال الذي اعتبر الحكم “قرارًا مهمًّا لمدرسة الجمهورية”، حيث إن القاضي عرّف العباية بأنها تشكّل مظهرًا صريحًا للانتماء الديني للتلاميذ، لذلك فإن مذكرة وزير التربية تندرج في إطار قانون عام 2004 بشأن حظر الرموز الدينية الظاهرة في المدارس.
من جهة أخرى، اعتبرت الجهة التي تقدمت بالشكوى، وهي جمعية العمل من أجل المسلمين، أن هذا الحظر بمثابة “اعتداء على حقوق الطفل”، وفي حديثها عدة مرات خلال الجلسة، اعتبرت رئيسة الجمعية سهام زين أن “هذا التعميم متحيّز جنسيًّا، ويستهدف الفتيات فقط”، وأضافت: “العرب هم المستهدفون، هذا هو النقاش الحقيقي”.
تودُّد إلى اليمين المتطرف
قرار كهذا يعادي المهاجرين والأقليات على وجه عام، كما يفعل ذلك دعاة اليمين المتطرف الذين يؤمنون بالاستبدال الثقافي والديني في فرنسا، ويروّجون لنظرية المؤامرة هذه على نطاق واسع، حتى إن كانت لم تلقَ في البدء قبولًا من طرف الجمهور، فإننا بتنا نلحظ تطبيعًا متزايدًا مع مثل هذه الأفكار في المجتمع الفرنسي.
صفّق اليمين المتطرف لهذا القرار، حتى لو كان مسؤولوه المنتخبون حريصين على الحفاظ على صورة المعارضين، فإنهم يدعون الحكومة إلى المضيّ قدمًا، حيث اعتبر النائب عن حزب الجبهة الوطنية، رومان بوبري، أن “هذا الإجراء يسير في الاتجاه الصحيح لكنه لن يحل المشكلة الأساسية، وهي الهجرة”، وبالروح نفسها اغتنم إيريك زمور الفرصة أيضًا، مستغلًّا الفرصة لإعادة تدوير أحد وعود حملته الانتخابية على الملابس المدرسية.
الحماس نفسه كان لدى رئيس الجمهوريين إيريك سيوتي، مغردًا على موقع إكس (تويتر سابقًا): “لقد طالبنا مرارًا وتكرارًا بحظر العباءات في مدارسنا، أرحّب بقرار وزير التربية الوطنية الذي يثبت أننا على حق”، ومن جانبها أعلنت زميلته نادين مورانو، عبر الشبكة الاجتماعية نفسها، أنها “تدعم” الوزير.
يعدّ هذا الإجراء، الذي حظيَ بموافقة اليمين واليمين المتطرف الفرنسي، رمزًا جديدًا للاحتكاكات الجارية داخل اليسار، الذي تم بالفعل تقويض ائتلافه الذي تم تشكيله من أجل الانتخابات التشريعية لعام 2022، حيث انقسمت المعارضة اليسارية بشأن العلمانية؛ ففي حين رحّب البعض بالمبادرة، أعلن مسبقًا اليسار المتطرف نيته الطعن فيه أمام المحكمة.
تقاعس حكومي
ترى جهات فرنسية منتقدة لهذا القرار أن حكومة ماكرون أعطت القرار أكثر ممّا يستحق، في وقت كانت تحتاج المدرسة الفرنسية إلى استعداد جيد للعام الدراسي، خاصة أنها تعاني من نقص في المدرّسين.
وهكذا نجحت الحكومة الفرنسية بتركيزها على العباية في حجب المشاكل الرئيسية الأخرى التي تواجه المدارس في فرنسا، علمًا أن القليل من المؤسسات التعليمية في الجمهورية تواجه بالفعل وجودًا قويًّا للعبايات داخلها، لكن بغض النظر عن الآراء حول هذا الموضوع، فمن الواضح أن قائمة الملابس المحظورة في تزايد مستمر، كما هو مبيَّن في مذكرة وزارة التربية الوطنية بشأن العلمانية في المدارس.
لدى 64% من الفرنسيين رأي سلبي للغاية حول المدرسة، حسب استطلاع حديث، حيث يشعرون بانخفاض ملحوظ في المستوى التعليمي لدى أبنائهم، بما في ذلك مستوى اللغة الفرنسية الذي ظل في انحدار مستمر منذ الثمانينيات، ولهذا السبب لا يتمتع واحد من كل 4 تلاميذ بالمستوى المطلوب في اللغة الفرنسية لدخول المدرسة الإعدادية.
لم تعد المدارس في فرنسا قادرة على الوفاء بوعدها بتكافؤ الفرص، خاصة أنها تعاني الآن من نزيف حاد في الموارد البشرية، ورغم الزيادة في الرواتب فإنها لم تمنع العديد من المعلمين من مغادرة السفينة، حيث إنه في رياض الأطفال والابتدائية العامة بلغت نسبة شغل الوظائف على المستوى الوطني 84% هذا العام مقابل 78.2% عام 2022، أما بالنسبة إلى الدرجة الثانية (الكليات والمدارس الثانوية) فتبلغ 86.3% مقابل 83.3%، وهذا يعني أنه لا تزال أكثر من 3 آلاف و100 وظيفة شاغرة لم يجري ملؤها في مسابقات التوظيف.
بينما يبحث المعلمون عن اعتراف حقيقي بما يتناسب مع التزامهم ودعمهم الملموس لمساعدتهم على التعبير عن مهنتهم، بدأت جماعات في احتكار النقاش العام، ولن يكون هذا الجدل الأول ولا الأخير في فرنسا حول ثوب منسوب إلى الدين الإسلامي أثناء عودة التلاميذ الفرنسيين إلى مدارسهم.
عبد الحكيم الرويضي – كاتب وباحث مغربي مقيم في روسيا
المصدر: موقع نون بوست
الهجرة السرية الإفريقية بين الحقائق والسياسات الأوروبية
|
العوامل التي تصنع بيئة طاردة للشباب الإفريقي لا تزال قائمة، ودول الاتحاد الأوروبي أحد الأسباب الرئيسية بسبب سياساتها التي تتعاطى بها مع القارة. وعليه، إذا كان الاتحاد الأوروبي يريد حل مشكلة الهجرة بشكل جاد عليه أن يعيد النظر في سياساته الخارجية مع دول إفريقيا.
الهجرة غير الشرعية هي أحد الملفات المهمة في الساحة الدولية، وهي تعد من القضايا المعقدة بسبب جذور المشاكل التي ترتبط بها والآثار المترتبة عليها في تنامي الصراعات والنزاعات بين دول الاتحاد الأوروبي من جهة، وبين الاتحاد الأوروبي ودول شمال إفريقيا من جهة أخرى، وكذلك مع الدول التي تقع شرق وجنوب حدود الاتحاد الأوروبي. تتنوع الأسباب التي تدفع للهجرة بين الحروب والصراعات وتنامي الفساد والاستبداد وارتفاع البطالة وانخفاض فرص العمل في الوقت الذي يتنامى فيه تعداد السكان. كما تمثل فئة الشباب الكتلة الأكبر من المجتمع الإفريقي، ويرجع ذلك لاتباع سياسات غير رشيدة من قبل حكومات الدول الإفريقية بجانب ضعف قدرتها على إدارة مواردها بخلاف حكمها القمعي والأمني. هذا بالإضافة إلى الدور الذي تلعبه القوى الدولية، والذي يمكن وصفه بالاستغلالي والسلبي بسبب التنافس الشرس فيما بينها في الاستحواذ على الموارد الطبيعية وتعزيز تموضعها الإستراتيجي في القارة.
لقد بلغ تعداد سكان الاتحاد الأوروبي نحو 446.7 مليون نسمة، في يناير/ كانون الثاني 2022. يوجد 23.8 مليون مواطن من خارج الاتحاد الأوروبي ما يمثل 5.3٪ من إجمالي السكان. وفي عام 2021، مثَّل المهاجرون نحو 8.84 مليون عامل في سوق العمل بالاتحاد الأوروبي أي ما يعادل 4.7٪ من إجمالي العاملين البالغ عددهم 189.7 مليون عامل(1). وتعد الهجرة الإفريقية في مسار تصاعدي، ففي آخر عقدين ارتفع عدد المهاجرين من القارة الإفريقية لأكثر من 40 مليون مهاجر بنسبة ارتفاع تصل لنحو 30٪ عن عام 2010، ولا يبدو أن تلك النسبة ستنخفض في المدى المتوسط والمنظور(2). وهو يعد 14.5٪ من إجمالي عدد المهاجرين في العالم، بينما يبلغ عدد المهاجرين في آسيا 41٪، وفي أوروبا 22.5٪(3)؛ لذلك من المهم أن نعي أن حجم الاهتمام بملف المهاجرين من إفريقيا ليس لأنه الأكبر من حيث عدد المهاجرين لكنه مدفوع بتوجهات إعلامية وسياسية من دول الغربية.
وفقًا للبيانات الصادرة عن إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة لعام 2020 سنجد أن أعداد المهاجرين ارتفعت خلال 30 عامًا من 1990 إلى 2020 بنسبة تقدر بنحو 40٪ مرتفعة من 17 مليون مهاجر إلى 28.5 مليون مهاجر(4). انظر (الجدول 1) و(الشكل1).
الشكل الأول: عدد المهاجرين من عام 1990- 2020
جدول (1) معدل التغير لأعداد المهاجرين كل خمس سنوات (1990 – 2020)
السنة
1990
1995
2000
2005
2010
2015
2020
عدد المهاجرين
17086921
17560780
16321372
17624813
20161228
26340710
28516556
نسبة الزيادة السنوية عن سنة 1990
2.69%
4.69%-
3.05%
15.24%
35.13%
40.08%
يعد إقليما شرق وغرب إفريقيا الأعلى من حيث عدد المهاجرين؛ فوفقًا لبيانات الأمم المتحدة تصدَّر إقليم شرق إفريقيا باقي الأقاليم بعدد مهاجرين بلغ نحو 7 ملايين و682 ألف مهاجر، ثم إقليم غرب إفريقيا بعدد مهاجرين بلغ 7 ملايين و652 ألف مهاجر، فإقليم وسط إفريقيا بعدد مهاجرين بلغ نحو 3 ملايين و861 ألفًا ثم إقليم شمال إفريقيا بعدد مهاجرين بلغ نحو 3 ملايين و167 ألف مهاجر. (انظر الجدول 2) و(الشكل 2).
الشكل الثاني: عدد المهاجرين بحسب الإقليم الجغرافي داخل إفريقيا من عام 1990-2020
جدول (2) عدد المهاجرين بحسب الإقليم الجغرافي داخل إفريقيا من عام 1990-2020
1990
1995
2000
2005
2010
2015
2020
إقليم وسط إفريقيا
1 461 155
2 662 490
1 775 284
1 961 951
2 436 802
3 479 911
3 861 568
إقليم شمال إفريقيا
2 403 325
2 081 640
1 900 448
1 749 718
1 952 040
2 138 918
3 167 926
إقليم شرق إفريقيا
5 959 183
4 977 644
4 847 119
4 788 649
4 743 657
6 696 922
7 682 801
إقليم غرب إفريقيا
4 470 738
5 433 595
5 261 131
5 957 048
6 321 637
7 067 138
7 552 097
إقليم جنوب إفريقيا
1 395 265
1 201 708
1 267 695
1 582 721
2 352 541
3 477 903
3 125 072
العوامل الهيكلية داخل إفريقيا في ارتفاع الهجرة غير الشرعية
القدرة الاستيعابية للمدن والنزوح الجماعي
تشهد القارة الإفريقية معدل نمو متسارعًا لسكان المدن والقرى حيث تراجعت نسبة سكان الريف مقابل سكان الحضر في إفريقيا من 84٪ سنة 1955 إلى 43.4٪ من إجمالي سكان إفريقيا في سنة 2019(5).
قد يُنظر لهذا الرقم من زاوية إيجابية من حيث ارتفاع معدلات النمو والاستهلاك من وجهة نظر نيوليبرالية، لكن في الحقيقة تؤكد تلك الأرقام على حجم الضغط الذي تعيشه المدن الإفريقية، وهذا الضغط لم ينمُ بشكل طبيعي ومستقر نتيجة توافر فرص العمل وارتفاع معدل النمو الاقتصادي لكنه ناتج عن عمليات نزوح جماعي سريعة وكبيرة في فترات قصيرة جراء الاقتتال بين الجماعات المسلحة مع مؤسسات الدولة الأمنية أو غيرها من الأطراف المشاركة في القتال في مختلف الأقاليم الجغرافية في إفريقيا. كما أن المجموعات المسلحة غالبًا ما تأخذ أطراف الدولة والريف مناطقَ للتمركز. على سبيل المثال في الفترة الممتدة من 1990 إلى 2008 كانت إفريقيا وحدها تمثل 88٪ من حجم الضحايا بالعالم بالمقارنة مع باقي القارات. وكان الصراع الذي وقع في إقليم شرق جمهورية الكونغو والدول المجاورة أحد أكثر الصراعات التي وقع بها قتلى(6). هذا النمو أيضًا انعكس على القدرة الاستيعابية لتلك المدن وتسبب في تردي الخدمات العامة وانخفاض جودة الصحة والتعليم وارتفاع التهديدات الأمنية.
ارتفاع معدل النمو السكاني بالمقارنة مع نصيب الفرد من الناتج المحلي
الدافع الرئيس للهجرات الإفريقية تجاه أوروبا هو في الأساس هجرات اقتصادية فحوالي 80٪ من الهجرة الإفريقية مدفوعة بالبحث عن الأفضل اقتصاديًّا، كما أن 7.2٪ فقط من المهاجرين الأفارقة في دول الاتحاد الأوروبي هم من اللاجئين(7). فأغلب سكان إفريقيا من فئة الشباب تحت سن 25 عامًا والذين يمثلون نحو 60٪ من إجمالي سكان إفريقيا(8). فاقتصادات الدول الإفريقية تتسم بأنها غير منظمة وتستشري فيها ظاهرة البطالة والفساد. وعند مقارنة النمو الاقتصادي في إفريقيا وأوروبا مع معدل النمو الديمغرافي سنجد تباينًا كبيرًا؛ حيث يقدر معدل النمو الديمغرافي لإفريقيا خلال الفترة الممتدة من 2010 إلى 2026 بنحو 48.6٪، فيما يقدر نصيب الفرد من الناتج المحلي في إفريقيا بنحو 32.3٪، أما في دول الاتحاد الأوروبي فيقدر معدل النمو الديمغرافي لنفس الفترة بنحو 1٪، بينما يقدر نصيب الفرد من الناتج المحلي بنحو 48.7٪(9)؛ لذلك يفكر الكثير من الشباب المتعلم في الهجرة بحثًا عن فرص عمل أفضل أو حياة أفضل (انظر الشكل 3).
الشكل الثالث: معدل نمو السكان ونصيب الفرد من الناتج المحلي لإفريقيا وأوروبا 2010-2026
مسارات الهجرة غير الشرعية داخل إفريقيا وخارجها
في عام 2022، قطع 331 ألف مهاجر غير شرعي الحدود غير النظامية الأوروبية مسجلين ارتفاعًا قدره 66٪ عن عام 2021، في حين عبر نحو 148 ألف البحر في عام 2021 بزيادة قدرها 29٪ عن عام 2021، بينما بلغ عدد من قطع الحدود البرية الأوروبية نحو 183 ألفًا بزيادة قدرها 110٪ عن عام 2021. ارتفع عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين وصلوا إلى أوروبا من وسط البحر الأبيض المتوسط في 2022 نحو 56٪ عن العام الماضي بعدد 105 آلاف مهاجر، في حين ارتفع العدد من شرق البحر الأبيض المتوسط نحو 113٪ عن العام الماضي بعدد يقارب 44 ألف مهاجر. أما طرق غرب البلقان فقد ارتفعت نسبة المهاجرين منها نحو 134٪ مقارنة بعام 2021 بعدد يقارب 144 ألف مهاجر. فيما انخفض عدد المهاجرين القادمين من غرب البحر الأبيض المتوسط بما في ذلك طريق المحيط الأطلسي من غرب إفريقيا إلى جزر الكناري نحو 25٪ بعدد مهاجرين يقدر بنحو 30 ألفًا، أما طرق الحدود الشرقية لأوروبا فقد انخفضت النسبة إلى نحو 22٪ بعدد مهاجرين يقدر بـ6300 مهاجر مقارنة بعام 2021. وقد ارتفعت نسبة الوفيات في البحر المتوسط نحو 17٪ بالمقارنة مع 2021 حيث أُبلغ عن غرق أو فقدان 2406 مهاجرين في عام 2022 مقارنة بـ2062 في عام 2021(10).
أما فيما يتعلق بمسارات الهجرة غير الشرعية وخيارات المهاجرين للوجهات في الفترة الممتدة من 2010 إلى 2021 فتعد الدول الإفريقية الأكثر تضررًا بالمقارنة ببقية المسارات(11) والتي يمكن تقسيمها على المسارات الأربعة التالية (انظر الشكل 4):
الهجرة داخل القارة الإفريقية: يتجه العدد الأكبر من المهاجرين داخل القارة بنسبة تصل لنحو 53٪، وتتوزع الكتلة الأكبر على الدول التالية بالترتيب: جنوب السودان، والسودان، والصومال، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وبوركينا فاسو، ومالي، وكوت ديفوار، وزيمبابوي، ونيجيريا، بمتوسط عدد مهاجرين يقدر بنحو 21 مليون مهاجر. وفي دراسة أخرى أكدت أن عدد المهاجرين يمثل 51.3٪ من إجمالي المهاجرين الأفارقة لعام 2021.
الهجرة إلى دول الاتحاد الأوروبي: تأتي أوروبا مقصدًا ثانيًا مفضلًا للمهاجرين بنسبة تصل لنحو 28٪، وتتوزع الكتلة الأكبر على الدول التالية بالترتيب: المغرب، والجزائر، وتونس، ومصر، وليبيا التي تعد نقط تجمع للعديد من المهاجرين القادمين من نيجيريا، وجنوب إفريقيا، والكونغو، والسودان، بمتوسط عدد مهاجرين يقدر بنحو 11 مليون مهاجر.
الهجرة إلى دول الشرق الأوسط: تأتي دول الشرق الأوسط في المرتبة الثالثة بنسبة تصل إلى 13٪ من المهاجرين، وتتوزع الكتلة الأكبر للمهاجرين على الدول التالية بالترتيب: مصر، والسودان، والصومال، وإثيوبيا، بمتوسط عدد مهاجرين يقدر بـ5 ملايين مهاجر.
الهجرة إلى أميركا الشمالية: تأتي أميركا وكندا بنسبة منخفضة بالمقارنة مع بقية الوجهات حيث تصل النسبة من إجمالي الوجهات نحو 6٪، بمتوسط عدد مهاجرين يقدر بـ3 ملايين مهاجر.
الشكل الرابع: نسبة المهاجرين بحسب مسار الهجرة 2010 – 2021
تؤكد تلك الاحصائيات أن عامل القرب الجغرافي هو عنصر رئيس في تحديد وجهة المهاجرين، كما تشير إلى أن الدول الإفريقية هي الأكثر تضررًا من حيث تحمل أعباء المهاجرين بالمقارنة مع دول الاتحاد الأوروبي التي تتمتع بالاستقرار وتوافر فرص العمل. كانت تلك الصورة مهمة في فهم وزن المهاجرين من إجمالي عدد المهاجرين من إفريقيا.
كيف تؤثر الهجرة غير الشرعية على الاتحاد الأوروبي؟
التأثير الديمغرافي والصناعي (تأثير إيجابي)
أسهمت الهجرة غير الشرعية في ضبط معدلات النمو الديمغرافي المتدنية في أوروبا، ففي عام 2011 كان معدل النمو السكان في الاتحاد الأوروبي إيجابيًّا بالرغم من تناقصه، ولكنه أخذ منحنى الهبوط بداية من عام 2012. والسبب هو تسجيل حالات وفيات أكثر من المواليد؛ فقد ارتفع عدد السكان 7.5 مليون نسمة فقط من يناير/كانون الثاني 2012 حتى يناير/كانون الثاني 2020 وذلك بفضل الهجرة، لكن بعد عام 2020 و2021 لم يعد معدل المهاجرين مساعدً إيجابيًّا في مقاومة الهبوط الديمغرافي في أوروبا(12). ففي عام 2022، استمرت الوفيات في تجاوز عدد المواليد الأحياء في الاتحاد الأوروبي، مما عمَّق الفجوة الديمغرافية؛ حيث فاق عدد الوفيات (5.15 مليون) عدد المواليد الأحياء (3.86 مليون) فكان معدل النمو لمواطني الاتحاد الأوروبي هو بالسالب (- 1.3 مليون) لكن بإضافة صافي الهجرة الذي بلغ 4.1 مليون مهاجر يصبح معدل نمو سكان الاتحاد الأوروبي (2.8 مليون) في عام 2022 (انظر الشكل 5). كذلك من المهم إدراك أن معدلات الهجرة ارتفعت في أوروبا بشكل عال في عام 2022 متأثرة بالحرب الروسية-الأوكرانية وبتسهيلات قدمتها دول الاتحاد الأوروبي للأوكرانيين؛ حيث بلغ عددهم بحسب تقارير اليونسكو 2.852 مليون من بداية الحرب حتى ديسمبر/كانون الأول 2022(13).
الشكل الخامس: معدل نمو سكان أوروبا بالتفريق بين المهاجرين والمواطنين 1990 – 2022
كما أن للمهاجرين تأثيرًا عاليًا في تطوير الصناعات وتشغيل المصانع، كما يسهم أيضًا المتعلمون ذوو التعليم العالي في الابتكارات بشكل إيجابي، لكن التأثير الأكبر والملاحظ في الصناعات ذات المستويات المنخفضة، بالإضافة لدورهم المحوري في الاستثمار الأجنبي المباشر والانفتاح على التجارة، فالتأثير الكلي للمهاجر الماهر هو حوالي ثلث تأثير المواطنين المهرة(14).
تفكك الاتحاد الأوروبي وصعود اليمين المتطرف (تأثير سلبي)
أما التأثيرات السلبية على الاتحاد الأوروبي فتتمحور في كون المهاجرين غير الشرعيين عاملًا في دفع الدول للخروج من الاتحاد الأوروبي. فملف الهجرة غير الشرعية أحد الأسباب الرئيسية في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. عاش المهاجرون في 32 دولة في الاتحاد الأوروبي، لكن حوالي نصفهم عاش في دولتين فقط، هما: ألمانيا وبريطانيا(15). استطاعت ألمانيا توظيف الهجرة بشكل ناجح في عجلة الإنتاج والاقتصاد بالمقارنة مع بريطانيا. لكن في بريطانيا كان الأمر مختلفًا؛ حيث وظَّف اليمين ملف المهاجرين إعلاميًّا لأجل تحقيق أهدافه بالخروج من الاتحاد الأوروبي. فقبل الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أيد 6 من كل 10 في استطلاع رأي في بريطانيا رغبتهم في تخفيض الهجرة بنسبة بلغت 62٪(16). كان الهدف من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو منح بريطانيا مزيدًا من السيطرة على حدودها وتفعيل سياسات خاصة بمكافحة الهجرة. ومع ذلك لم تستطع بريطانيا حتى الآن أن تمنع الهجرة بشكل كامل.
هناك أيضًا اعتقاد منتشر بأن الهجرة تضر بالتجانس الثقافي لدول الاتحاد الأوروبي؛ حيث يرى 57٪ أنها تمثل خطورة على الثقافة في الدول الأوروبية. كما أن أكثر من ثلاثة أرباع المقيمين الأوروبيين قلقون من الهجرة غير المشروعة؛ حيث اعتبر 49٪ في أحد الاستطلاعات أن الهجرة غير الشرعية تمثل مشكلة خطيرة للغاية، بينما قال 36٪ إنها مشكلة خطيرة فقط(17)؛ أي إن الاتجاه السلبي العام يعادل 85٪. كما يتنامى عند قطاعات كبيرة من المجتمعات التي تستقبل المهاجرين غير الشرعيين أن المهاجرين يؤثرون بشكل سلبي على الاقتصاد وتُستهلك الموارد المالية للدولة من أجل مكافحتها ما يتسبب في أزمات اقتصادية(18).
عمل اليمين المتطرف على توظيف ملف الهجرة ملفًّا إستراتيجيًّا في خطابه السياسي على نحو شعبوي. فاليمين المتطرف يجسد أسوأ ما في التقاليد الأيديولوجية الأوروبية حاليًّا. فهم يميلون نحو الأصولية القومية، والسلطوية السياسية. وتستند رسالتهم في الغالب إلى ثلاث أفكار أساسية: (1) التمجيد العرقي، (2) كراهية الأجانب ومعاداة المهاجرين، (3) الشعبوية “المناهضة للسياسة” والمناهضة للمؤسسات(19). هناك مخاوف حقيقية من تفكك الاتحاد الأوروبي بسبب صعود اليمين المتطرف في عدد من الدول الأوروبية؛ فالخطابات القومية تُعد عامل مساهم في التفكك الأوروبي، فعودة القومية في بعض الدول الأعضاء أدت إلى انهيار التعاون وإضعاف الاتحاد الأوروبي(20). كما أن قرار بريطانيا الانسحاب من الاتحاد الأوروبي المدفوع بأزمة ملف الهجرة أثار قلقًا وتساؤلات حول مستقبل الاتحاد(21).
سياسات الاتحاد الأوروبي في مواجهة الهجرة غير الشرعية
يتبنى الاتحاد الأوروبي تنفيذ مجموعة من السياسات لمواجهة الهجرة غير الشرعية. تهدف هذه السياسات إلى وضع سياسة شاملة بنهج متوازن للتعامل مع الهجرة النظامية وغير النظامية(22). تتمثل هذه السياسات في تعزيز الضوابط الحدودية، والتشجيع على عودة فعالة للمهاجرين غير الشرعيين، وتعزيز هجرة العمالة القانونية وذلك من خلال توفير طرق قانونية مشروعة للأشخاص الراغبين بالهجرة إلى الاتحاد الأوروبي(23). لكن ارتفاع معدلات الهجرة دفع الدول التي تقع في المناطق الشرقية والجنوبية مع البحر المتوسط في الاتحاد الأوروبي إلى تبني سياسات أمنية متشددة. وتتمحور سياساتها في أمرين:
تشديد الرقابة على الحدود: تجلت تلك السياسة في أبشع صورها لتتحول لآلات قتل. كما تعمد خفر السواحل اليوناني إغراق قوارب المهاجرين، والذي كان آخرهم القارب الذي أغرقته عن عمد، في منتصف يونيو/حزيران 2023، بحسب رواية الناجين، والذي كان على متنه أكثر من 750 مهاجرًا بينهم 100 طفل. نجا نحو مئة شخص فقط فيما انتُشل بضع وثمانون جثة، وهو ما أثبته العديد من الحوارات الصحفية مع الناجين حيث وصف أحدهم ما قام به خفر السواحل اليوناني: “ربطوا القارب من الجانب، ثم تحرك خفر السواحل بسرعة قصوى عدة مرات، جعلت قاربنا يميل يمينًا ويسارًا قبل أن ينقلب، وبعدها قطعوا الحبل”(24). هذا الحادث ليس استثناء، بل هو سياسة تتبعها اليونان، فسبق أن خرج العديد من مقاطع الفيديو المصورة من الناجين أو من قبل فرق خفر السواحل التركية توثق تعمد السلطات اليونانية إغراق القوارب(25). تكرار تلك الحوادث يؤكد أنها سياسة ممنهجة.
توطين المهاجرين في الدول المجاورة وإعادة المهاجرين للدول التي قدموا منها. مقابل تقديم بعض الامتيازات والمبالغ المالية لمساعدة الدول على تأسيس بنية تحتية لاستقبالهم أو دعمهم بخدمات صحية وتعليمية، وهو ما نجحت به حتى الآن مع تركيا؛ حيث قدم الاتحاد الأوروبي 6 مليارات يورو على أقساط متعددة كحزمة مساعدات بهدف دعم تركيا في إدارة اللاجئين داخل حدودها ومنعهم من التحرك في اتجاه أوروبا[26] ، ومع ذلك يواجه الاتحاد الأوروبي صعوبات في الوصول لاتفاقات مشابهة مع دول شمال إفريقيا؛ حيث يحاول أن يضع بنودًا مختلفة لكل دولة على حدة كتسهيل الحصول على التأشيرات، وتحسين العلاقات التجارية. كذلك تسعى بريطانيا لإرسال طالبي اللجوء إلى رواندا كوسيلة لردع المهاجرين عن الوصول إلى بريطانيا(27).
وقد رفض المغرب طلبًا من الاتحاد الأوروبي بإعادة المهاجرين الذين يصلون إلى أوروبا من المغرب خاصة الذين يصلون إلى جزر الكناري الإسبانية. ومع ذلك يعيد المغرب بالفعل إدخال نحو 15000 من المهاجرين إلى بلادهم كل عام. بالإضافة إلى ذلك، وافق المغرب، في عام 1992، على قبول رعايا الطرف الثالث من الإسبانيين في حال إعادتهم في غضون 24 ساعة. لكن بشكل عام، يعكس رفض المغرب لطلب الاتحاد الأوروبي بمكافحة الهجرة وتسويتها موقفه من الهجرة وتركيزه على تحمل كل دولة مسؤولية مواطنيها(28).
أما في تونس، فقد استطاع الاتحاد الأوروبي استغلال الأزمة الاقتصادية هناك ووقَّع مذكرة تفاهم متواضعة، في يوليو/تموز 2023، تهدف إلى مكافحة المتاجرين بالبشر وتشديد الرقابة على الحدود لوقف الهجرة مقابل تخصيص 100 مليون يورو لتونس لمساعدتها في مكافحة الهجرة(29)، والتي تبعها انتهاكات جسيمة للمهاجرين بإلقاء أكثر من 500 مهاجر بينهم أطفال في مناطق صحراوية على الحدود مع ليبيا(30). يدفع الاتحاد الأوروبي إلى تشكيل فرق عمل مشتركة مع الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة للحد من استخدام غرب البحر الأبيض المتوسط وغرب إفريقيا مسارًا للهجرة. ومع ذلك، فإن الحكومات الإفريقية لا تتعاون مع المطالب الأوروبية(31).
خاتمة
هذه الحلول الأمنية والقمعية يمكن وصفها بسياسات قصيرة الأجل تتعامل كرد فعل وليست إستراتيجية متكاملة تهدف لحل مشكلة الهجرة من جذورها. وذلك بعد فشلها في وضع حلول وسياسات قادرة على حل المشكلة بشكل فعال من جذورها. وقد تعطي تلك السياسات الأمنية نجاحًا زائفًا يخفي فشلًا أخلاقيًّا وسياسيًّا. لماذا ستفشل؟ ببساطة لأن المهاجر يعلم تمامًا أن تلك الرحلة سيواجه فيها الموت قبل أن يتحرك. كما أن العوامل الهيكلية كالفساد والحروب والاستبداد في الدول التي يهاجر منها المهاجرون لم تتقدم في مسارات إيجابية. وهي العوامل التي تدفع المهاجر للهجرة.
إن العوامل التي تصنع بيئة طاردة للشباب الإفريقي وغير آمنة للمجتمعات الإفريقية لا تزال قائمة، بل إن دول الاتحاد الأوروبي هي أحد الأسباب الرئيسية من خلال سياساتها التي تتعاطى بها مع القارة خلال القرنين الماضيين. وعليه، إذا كان الاتحاد الأوروبي يريد حل مشكلة الهجرة بشكل جاد فعليه أن يعيد النظر في سياساته الخارجية مع دول القارة الإفريقية بداية من دعم الانقلابات العسكرية وتحفيز الأطراف المحلية على الاقتتال وحتى سرقة الموارد الطبيعية أو استغلالها على نحو غير عادل.
شادي إبراهيم – باحث بمركز سيجا بجامعة صباح الدين زعيم
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات
فرنسا في مواجهة ميراثها: أين تتجه كرة الغضب الإفريقي؟
|
أظهر الانقلاب الذي عرفته الغابون بعد خمسة أسابيع من انقلاب النيجر ازدواجية في التعاطي الأوروبي، والفرنسي بشكل خاص، وهي ازدواجية طالما تحدث عنها مناوئو فرنسا في مناطق نفوذها، مراهنين أن ما يحركها هو مصالحها ولا شيء غير مصالحها البحتة.
لم يكن الرئيس الفرنسي الأسبق، نيكولا ساركوزي، يدرك، وهو يقول قبل ست عشر سنة بنبرة استعلاء وفية للمنطق الاستعماري: “إن الإنسان الإفريقي لم يدخل التاريخ بعد”، أن ذاك الرجل سيسير بخطوات متسارعة في اتجاه مفاصلة مع فرنسا توشك أن تُخرج الإنسان الفرنسي من حاضر إفريقيا وجغرافيتها معًا بعد قرون بسطت فيها باريس هيمنتها على غرب القارة ووسطها، ووضعت أيديها على السلطة والثروة، وأخذت زخرفها وازَّينت وظنَّت أنها قادرة على البقاء برغم نذر الغضب والتذمر البادية منذ فترة.
لا يعني هذا بالطبع أن الحضور الفرنسي في إفريقيا بالهشاشة والتضعضع الذي يصوره البعض من المشتبكين مع فرنسا على عدة جبهات هذه الأيام؛ فلباريس أوراقُ لَعِبِهَا التي أتقنت قوانين تصريفها على مدى عقود، ولها جسورها القوية في مفاصل التأثير الخشنة والناعمة، ولكنها تواجه أزمة غير مسبوقة في علاقتها مع القارة الإفريقية أبرز ما يميزها -من زاوية التحليل الإستراتيجية- أنها غير قادرة على التصرف بما يغير مجرى رياحها المبحرة بقوة ماردة وبما لا تشتهيه مصالحها الحيوية، وحضورها في الأفق المنظور قبل البعيد.
وعلى مستوى الحدث الآني، فقد نجح الانقلابيون في النيجر في تحويل النقاش داخل البلاد، وربما إقليميًّا من موضوع الانقلاب إلى موضوع “السيادة الوطنية” التي تواجه “اعتداء” من مستعمري الأمس، وذلك عبر الخطوات التصعيدية ضد فرنسا من خلال إلغاء الاتفاقيات الأمنية معها، وأمر سفيرها بالمغادرة، وإلغاء صفته الدبلوماسية، وكذا محاصرة السفارة والقاعدة العسكرية بتظاهرات شعبية يومية، وهو مسار يتقاطع مع المسار الذي جرى في مالي وبوركينا فاسو.
فيما أظهر الانقلاب الذي عرفته الغابون بعد خمسة أسابيع من انقلاب النيجر ازدواجية في التعاطي الأوروبي، والفرنسي بشكل خاص، وهي ازدواجية طالما تحدث عنها مناوئو فرنسا في مناطق نفوذها، مراهنين أنما يحركها هو مصالحها ولا شيء غير مصالحها البحتة.
الزهو الإستراتيجي
توغلت فرنسا في مستعمراتها بشكل مدروس، كانت طلائعه دراسات استشرافية خبرت المنطقة وفحصت بنياتها الثقافية والمجتمعية، فعرفت من أين تدخل البيوت وكيف تؤكل الكتف وتورد الإبل، ووجدت -في الغالب- فضاءات خالية فتحكمت لعقود قبل أن تدهمها ظروف مركبة، فتوقظ في شعوب القارة روح الثورة والمقاومة والجهاد التي أرغمتها على إعادة ترتيب أوراقها وعلاقاتها بما يضمن استمرار تحقيق أهداف “الاستعمار” في ظل “الدولة الوطنية-ما بعد الاستقلال”.
لقد كانت الثورة الجزائرية ومجمل المقاومات المسلحة التي عرفتها منطقة الساحل والتي لم يُكتب عن تاريخها ما يكفي “رسالة إنذار مبكر” برفض شعوب المنطقة للاحتلال واستعدادها لتقديم ما يلزم لاستعادة حريتها غير منقوصة، وهي رسالة وعاها قادة فرنسا آنذاك بقدرة أكبر على التكيف، فكانت عملية خروج كبرى حولت فيها فرنسا الهزيمة انتصارًا ونظمت احتفالات وخطابات بدت فيها في وضع من يمنح الاستقلال للشعوب، فتمكنت بذلك من تنصيب حكومات “مؤتمنة” -في عمومها- على المصالح وعلى رعايتها.
وحين سقط جدار برلين قادت باريس عملية تحول ديمقراطي أرادتها -ووُفِّقت في ذلك إلى حد كبير- المرحلة الثالثة من مسار رسم مستقبل شعوب القارة من خلال قمة “لا بول” التاريخية، والتي افتتحت عهد ما بات يُعرف لاحقًا بـ”مسار التحول الديمقراطي”.
نذر موجة الغضب الأولى
إذا كانت برقيات الأخبار المتداولة، نهاية شهر أغسطس/آب 2023، بل حتى في الأسابيع التي سبقته تتحدث عن تحديد مواعيد لقوات فرنسا ودبلوماسييها لمغادرة هذا البلد أو ذاك من بلدان الساحل الإفريقي، كانت البداية من مالي، ومن بعدها بوركينا فاسو فتجرعته باريس بمرارة، لكنها الآن في النيجر لا تكاد تستسيغه، فتدخل في عملية كسر عظم على المكشوف بكل ما يحمل من مخاطرة إستراتيجية. إذا كانت هذه البرقيات عصية على الفهم عند النظر في مدى عمق ومتانة وامتداد علاقات فرنسا بالغرب والساحل، فإن شحنة الغرابة فيها تتقلص حين ننظر إلى مقدماتها ومسار تشكل الغيوم التي تمطر اليوم توترًا يرى من الأرض الإفريقية تحررًا وربيعا وثورة، ومن الزاوية الفرنسية كراهية لفرنسا ومعاداة لها وارتهانًا لأجندات وافدة، الإشارة غالبًا للروس على أساس أن الحضور الفرنسي لم يعد حضورًا أجنبيًّا بمنطق حقوق التقادم ربما.
كانت أولى الإشارات اقتصادية بحتة، وجاءت ضمن حراك شبابي انتظم عدة دول في الغرب الإفريقي (كانت بنين والسنغال أكثر الدول احتضانًا لأنشطته)، طالب بفك ارتباط دول الفرنك الغرب الإفريقي (CFA) بفرنسا وإصدار عملة مستقلة بها كاشفًا تفاصيل عن حجم الاستغلال الذي تقوم به فرنسا لهذه البلدان؛ إذ تستمر رابطة عملتها بالاقتصاد الفرنسي حيث يطبعها البنك المركزي الفرنسي، وهي مرتبطة بالعملة الأوروبية الموحدة “اليورو”؛ مما يمثل من وجهة نظر النشطاء الأفارقة عنوان استمرار ماثل للاستعمار في شقه الاقتصادي(1).
ومعروف أن الفرنك الإفريقي المرتهن لفرنسا هو العملة الرسمية في أغلب بلدان غرب ووسط القارة حيث توجد منه “طبعتان”:
طبعة في بلدان الغرب الإفريقي (السنغال، ومالي، وبوركينا فاسو، وساحل العاج، وبنين، والنيجر، وتوغو).
وطبعة في بلدان الوسط الإفريقي، وهي العملة المعتمدة في كل من (الغابون، والكاميرون، وإفريقيا الوسطى، وتشاد، والكونغو، وغينيا الاستوائية).
لقد كان مطلب رفع اليد الفرنسية عن الفرنك الإفريقي أول إنذار إفريقي لباريس، ومثل حرق هذه العملة في واحدة من أهم عواصم الغرب الإفريقي، وهي دكار عاصمة السنغال، رسالة قوية مؤذنة أن السيل بلغ الزبى.
ثم تتالت الرسائل وتعاظمت وأخذت زخمًا متزايدًا مع انتشار وسائط التواصل الاجتماعي التي حظيت المقاطع المعبرة عن رفض الهيمنة الفرنسية على غرب ووسط القارة فيها بمستويات تفاعل قياسية في كل الدول، مستفيدة من وجود مشترك لغوي بين هذه البلدان، وهو للمفارقة اللغة الفرنسية التي ورثتها هذه البلدان ضمن ما ورثت عن الاستعمار، لكنها أصبحت في الواقع لغة وطنية ومحلية؛ حتى في عدد من البلدان موفرة عامل وحدة وتجانس في مجتمعات حافلة بالتعددية العرقية واللغوية، ثم لتوفر الآن أداة تعبئة موحدة لشعوب غرب ووسط القارة في تمردها على فرنسا! وتلك إحدى مفارقات التاريخ الجديرة بالتسجيل والاعتبار!
في مواجهة الميراث
انتبه الساسة الفرنسيون مبكرًا لحالة التمرد الإفريقي، فقد كان موضوع إفريقيا والعلاقة بها وسبل مواجهة موجة “العداء لفرنسا” (هكذا تحب دوائر عدة في فرنسا تسميتها) موضوعًا رئيسًا في حملات الانتخابات الفرنسية، وقدَّم رؤساء فرنسا الذين تعاقبوا على الحكم خلال العشرين سنة الماضية مقاربات وخطابات ورؤى متنوعة، لكنها فشلت كلها في تغيير مسار الأحداث(2).
بالنسبة لساركوزي، اعتبر الأمر عائدًا لتخلف الإنسان الإفريقي، فكان خطابه مغذيًا للموجة، مستفزًّا للوجدان، وتم إلقاء هذا الخطاب في العاصمة السنغالية دكار، يوم 26 يوليو/تموز 2007(3).
وبالنسبة لفرانسوا هولاند القادم من اليسار، فمع أن الخطاب كان تقدميًّا، لكن الممارسة لم تختلف كثيرًا مما ولَّد حالة إحباط عاتية.
أما الرئيس الحالي، إيمانويل ماكرون، والذي حرص أن تكون إفريقيا أول وجهة له خارج أوروبا في مأموريته الثانية، فقد ظهر أشبه ما يكون بسباح غير ماهر أدركه الغرق في موج لجي؛ يعلن عن خطوات في اتجاه ويقوم بنقضها ونقيضها في الاتجاه المخالف، وقد كان خطاب الفتاة البوركينابية في وجهه بجامعة واغادوغو صرخة تاريخية أسمعته بلغة فرنسية صقيلة جوهر المشكل ولبَّه وفتحت عينيه على رؤية الشباب الإفريقي الصاعد للعلاقة مع فرنسا وكيف يمكن تصليحها لمن أراد، ولكن معطيات “ميراث الاستعمار الثقيل قعدت به وبفرنسا وحكمت عليهم -فيما يظهر من مؤشرات، حتى الآن- بالتراجع الإستراتيجي الذي لا محيد عنه”(4).
ويمكن حصر أسباب أربعة وراء حالة التراجع الإستراتيجية هاته:
الأول: شبكات (فرانس-أفريك)
تأسست شبكات (فرانس-أفريك) شبه الرسمية في البداية لتكون عونًا وعينًا لفرنسا في القارة، لكنها تحولت في الواقع إلى عبء بالمعنى الإستراتيجي؛ حيث باتت ترعى مصالح مجموعات النفوذ والشركات الاقتصادية أكثر من رعايتها لمصالح فرنسا، وتكرست مع الوقت عنوان تجديد وتجذير الممارسات الاستعمارية ولو كان ذلك على حساب الشعوب الإفريقية وتطلعاتها المشروعة لما تتطلع له كل الشعوب من حرية وتحرر وتنمية ورفاه.
الثاني: صعود اليمين المتطرف
يدرك من يتابع مشهد السياسة الفرنسية الداخلية الفرنسية أنه يواصل منذ قرابة ربع قرن الجنوح بشكل شبه مطرد نحو اليمين واليمين المتطرف حتى؛ ما جعل فكر اليمين ونظرته تتسرب حتى إلى اليسار فضلًا عن يمين الوسط، وهكذا باتت الممارسات ضد الفرنسيين من أصول إفريقية وقودًا يوميًّا لتمزق صورة فرنسا الحرية والأنوار التي حاول المستعمرون رسمها في القرنين الماضيين، كما أصبح لزامًا على كل سياسي فرنسي راغب أن يكون ذا شأن أن يفكر ألف مرة قبل اتخاذ مواقف جادة وجريئة تصب في خانة تصحيح صورة فرنسا أحرى بالاعتذار عن ماضيها الاستعماري.
لقد عرفت السنوات الماضية نقاشات عديدة وعميقة ليس على المستوى السياسي فقط، وإنما على المستويات الحقوقية والثقافية والأكاديمية المحضة حول سبل تحقيق فرنسا في علاقتها بشعوب القارة ما يُطالَب به عادة عديد الأنظمة المتورطة في جرائم التطهير والإبادة. ومثَّلت ملفات العلاقة مع الجزائر وروندا والكونغو وبوركينا فاسو محطات “مؤلمة” قصمت ظهر مقولات: “الحق في معرفة الحقيقة وحماية الذاكرة، فضلًا عن تعويض الضحايا، ومحاكمة الضالعين (ممن لا يزال منهم على قيد الحياة)، فظهر صانع القرار الفرنسي منحازًا بشكل مكشوف أمام نخب إفريقية تمنَّت أن ترى في فرنسا الواقع ما درست في كتب التاريخ والأدب عن فرنسا الثورة(5)، ولكنها صدمت بمشهد ملامحه:
مقاربات إدماج تضيق بالتنوع وبحرية التعبير حين يتعلق الأمر بانتقاد تاريخ أو حاضر فرنسا (وصل الأمر حدَّ إصدار مذكرات بحرمان مدونين أفارقة من دخول الأراضي الفرنسية على خلفية تعبيرهم عن مواقف صُنِّفت على أنها معادية لفرنسا).
مواقف فرنسية رسمية مؤازرة لتعبيرات متطرفة مسيئة للإسلام وللرسول الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم (كما تكرر مع رسوم الإساءة التي نشرتها صحيفة شارلي إبدو) وتم تبنيها في مواقف رسمية مشهودة.
لقد أخطأت فرنسا خطأ جسيمًا حين لم تدرك عمق التدين وبالذات عمق محبة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم في القارة الإفريقية فلحق بصورتها ضرر إضافي عميق في الوجدان الإفريقي.
ثالثًا: المنافسة في الملعب
ظلت فرنسا فترة طويلة تلعب شبه وحيدة في منطقة الوسط والغرب الإفريقي مفوضة سامية للقوى الغربية، بيد أن العقود الثلاثة الأخيرة شهدت دخول لاعبين أقوياء لكل منهم رؤيته ومع الوقت كسبوا جمهورًا وأرضية.
الصين وتركيا منافستان بقوة في السوق، وعلى دعم مشاريع التنمية والاستثمار في البنى التحتية؛ حيث تفوقت الصين على فرنسا في مجال التبادل التجاري مع العديد من دول المنطقة، ودخلت بقوة في مجال استغلال المناجم، كما حضرت تركيا في العديد من هذه الساحات.
ويعكس موقف الصين من الانقلاب الأخير في النيجر حذرًا يستحضر مستوى المصالح التي يلزمها المحافظة عليها في النيجر، وفي المنطقة بشكل عام، فقد وصفت الخارجية الصينية الرئيس محمد بازوم بأنه “صديق للصين”، معبِّرة عن أملها في ضمان سلامته الشخصية دون أن تصل درجة المطالبة بإعادته للسلطة(6).
ودعت الخارجية الصينية الأطراف ذات الصلة -دون أن تذكرها بالاسم- إلى التعامل مع الخلافات بشكل سلمي عن طريق الحوار انطلاقًا من المصالح الأساسية للدولة والشعب.
وعلى المستوى العسكري والسياسي، حضرت الولايات المتحدة الأميركية من خلال توفيرها لتدريب عسكري دوري ونوعي للقادة العسكريين في الدول الإفريقية، وكذا العمل على زيادة مستوى التعاون السياسي والاقتصادي.
كما وسَّعت خلال العقد الأخير من وجودها العسكري الميداني؛ حيث نشرت نحو ألف جندي على الأراضي النيجرية، وتمت العملية بسرية في البداية قبل أن تكشف عنهم بعض مقتل بعضهم على يد مسلحين تابعين لتنظيم الدولة.
وعملت الولايات المتحدة في تعاطيها مع دول المنطقة، على أخذ مسافة من الأجندات الأوروبية عمومًا، والفرنسية بشكل خاص، وظهر هذا التباين في الموقف من القوة المشتركة لدول الساحل والتي كان يراد لها أن تنهض بالعبء الأمني في منطقة الساحل، وأن تحصل على اعتماد لدى مجلس الأمن تحت البند السابع، وكان الرفض الأميركي بالمرصاد لهذا المساعي، ووصل درجة التلويح في إحدى المرات باستخدام الفيتو.
وقد دفع هذا الموقف رئيس النيجر المطاح به، محمد بازوم، إلى القول إنه غيَّر مقاربته بخصوص الموقف من اعتماد مجلس الأمن الدولي للقوة المشتركة لمجموعة الدول الخمس بالساحل تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وذلك بعد أن لاحظ أن “الركض وراء ذلك القرار مضيعة للوقت”(7).
كما دخلت روسيا منافسًا شرسًا على السلطة والنفوذ، وقد باتت الظهير الأساسي لأنظمة “التمرد” على “السيد” الفرنسي، وكانت السند للنظامين الحاكمين في مالي وبوركينا فاسو في إنهاء الوجود الفرنسي العسكري في البلدين.
وقبل مالي(8) وبوركينا فاسو كانت روسيا قد سجلت حضورها بقوة في عدة مناطق أخرى من إفريقيا، وتحديدًا في ليبيا، ووسط إفريقيا، والسودان، وغيرهم.
رابعًا: تزايد الوعي داخل القارة
وفي الوقت الذي كانت فرنسا تحجبها شبكات مصالحها عن تصحيح الأخطاء، ويجنح بها اليمين نحو التطرف كانت القارة تشهد حالة وعي ثلاثية الأبعاد.
بُعدها الأول سياسي ضد أنظمة تدعي الديمقراطية وحاصلة في الغالب على دعم فرنسا والقوى الغربية، في حين أن عددًا معتبرًا منها ليس له من الديمقراطية إلا الاسم، أو هكذا تراه الأجيال الشبابية الصاعدة في القارة.
لقد كان دعم فرنسا لعائلات حاكمة في إفريقيا ومنظومات حكم فاسدة وغير ديمقراطية وتغاضيها عن تعديلات دستورية فتحت المجال لمأموريات ثالثة من الأخطاء الجسيمة التي سرَّعت وتيرة حالة الغضب المتنامية ضد فرنسا (مع أن الأمثلة عديدة، لكن يمكن أن نشير هنا إلى الغابون والكاميرون في حالة عائلات الحكم، وإلى ساحل العاج وغينيا كوناكري في حالة التعديلات الدستورية).
والبعد الثاني بعد تنموي؛ فالقارة الغنية بمواردها الطبيعية ظلت تتذيل مؤشرات التنمية البشرية بسبب الفساد المستشري، وهو فساد تستفيد منه وتمارسه نخب محلية بالتأكيد، لكن حصة الشركات الفرنسية ودورها في قيامه وحمايته مشهود، ولعل الشركات العاملة في مجال الطاقة هي العنوان الرئيس لما يراه الأفارقة نهبًا منظمًا لثرواتهم، يمثل استمرارًا لما تم في العهد الاستعماري الأول.
وثالث الأبعاد وأكثرها تأثيرًا -في تقديري- في ما سمته صحيفة فرنسية مؤخرًا: الثورة الإفريقية الكبرى، هو البعد الأمني، فقد مثَّل ظهور وانتشار جماعات العنف في منطقة الساحل والغرب الإفريقي تحديًا إضافيًّا لشعوب أنهكها الفقر والحرمان، وكان الأمان آخر ما تملك فتتحرك بحرية في فضاءات الساحل بحثًا عن حياة حرة أو “تهريبًا” لأي مادة يدر تهريبها دخلًا، أو سعيًا حتى لركوب قوارب الموت، ولكنها قبل أن تدهمها الجماعات المسلحة وتمنعها من آخر متنفساتها، كان التعويل كبيرًا على فرنسا والقوى الغربية على التدخل لنجدة الساحل، ولكن ما حصل -من زاوية النظر الإفريقية- فشلٌ في توفير الحماية للشعوب بل وكرس نفوذ هذه الجماعات (وصل الأمر حدَّ حديث الوزير الأول المالي عن دعم فرنسا لجماعات انفصالية مسلحة(9)، كما تحدث وزير خارجية مالي عن امتلاك بلاده وثائق تدين فرنسا بدعم جماعات إرهابية(10)، وهي تهم ترفضها فرنسا وتقدم لردها بيانات ضحاياها وتضحياتها في عمليتي برخان وسيرفال)(11).
كرة الغضب: إلى أين؟
الآن، وفرنسا تقاتل فيما يشبه وضع المنتحر للمحافظة على وجودها الدبلوماسي والعسكري في النيجر، يُطرح في دوائر التقدير الإستراتيجي سؤال ملح: هل ما زال التدارك ممكنًا في موضوع علاقة فرنسا بمستعمراتها السابقة في الغرب والوسط الإفريقي، أم أن السيف سبق العذل، و”الصَّيْفَ ضيَّعْتِ اللبن..؟”
الظاهر وفق قراءة مسار تشكل ما سميناه كرة الغضب الإفريقي أن :
الكرة ماضية في التدحرج لنهايتها، فإفريقيا اليوم قبل الغد لم تعد تقبل استمرار العلاقة على الأرضية الكونيالية ونسخها المعدلة.
أن فرنسا تبدو مكبلة بعوائق ذاتية عن أي مراجعة إستراتيجية(12) تسمح لها بإعادة ترسيم علاقتها بمناطق نفوذها التقليدية.
وهذا ما يعني أن المنطقة مفتوحة على عدة خيارات تتراوح بين الفوضى الشاملة لنصبح أمام حالة “منطقة فاشلة” بدل حالة الدول الفاشلة، أو تحكم قوى جديدة، مع أن أغلب القوى المرشحة لذلك بعيدة من امتلاك الأدوات الضرورية لها، أو من يدري فلربما خرج من حال العسر الإستراتيجي هذا وضع تستعيد فيه الشعوب حقها في تقرير مصيرها فتذهب لاستقلال جدي يقيم علاقات شراكة متعددة ومتوازنة مع الجميع، ولكنه ينطلق قبل ذلك من إرادة شعوب القارة وميراثها الثري في التعلق بالحرية والنضال من أجلها ليدخل الإنسان الإفريقي التاريخ من أوسع الأبواب وأرحبها.
أحمد الوديعة – إعلامي وباحث متخخص بالشؤون الأفريقية
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات
مسؤول روسي: موسكو وبكين تخلتا عن الدولار في العلاقات الاقتصادية بينهما
|
أعلن مسؤول روسي أن روسيا والصين قد تخلتا بالفعل عن التعامل بالدولار في العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
صرح بذلك مدير الإدارة الأولى للشؤون الآسيوية في وزارة الخارجية الروسية، جيورجي زينوفييف، في مقابلة مع وكالة سبوتنيك الروسية للأنباء، نشرتها اليوم السبت.
وقال زينوفييف: “ينمو نصيب العملات الوطنية في المعاملات الروسية الصينية بوتيرة متسارعة للغاية، فإذا كانت نسبة العملات الوطنية في المعاملات في بداية 2022 نحو 25 %، فقد تجاوزت بالفعل أكثر من 80 %”.
وأشار زينوفييف إلى أن التداول بالروبل واليوان في بورصة موسكو تجاوز حجم التداول بالدولار الأمريكي منذ فترة طويلة. مضيفا “في واقع الأمر، يمكننا اليوم القول بأنه تم التخلص من الدولار في العلاقات الاقتصادية الثنائية”.
وأشار زينوفييف إلى أن رجال الأعمال في روسيا والصين باتوا يبتعدون بشكل كبير عن “العملات السامة” للدول الغربية، ويعطون الأولوية للروبل واليوان باعتبارهما “وسيلة دفع أكثر موثوقية وآمنة”.
كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أعلن في أكثر من مناسبة الحاجة إلى تحويل المعاملات المالية مع الدول الصديقة، بما في ذلك جمهورية الصين الشعبية، إلى العملات الوطنية، وذلك بعدما فرضت الدول الغربية عقوبات على روسيا شملت تجميد أصول روسية بقيمة مئات المليارات من الدولارات، في أعقاب إطلاق ما تصفها روسيا بـ”العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا”.
المصدر: صحيفة القدس العربي
“بريكس… ” وجهة الحالمين بتغيير العالم
|
التجمع يتمدد بهدوء من أجل “التعددية القطبية” وتوسيعه يعزز حضوره
«إننا جميعاً متفقون على تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب يكون عادلاً بحق». بهذه الكلمات خاطب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين القمة الـ15 لتجمع دول «بريكس»، التي اختتمت أعمالها أخيراً في مدينة جوهانسبرغ الجنوب أفريقية. ولقد بدا بوضوح الهدف من كلمة الرئيس الروسي، الذي خاطب القمة عبر الفيديو، خشية إلقاء القبض عليه بموجب مذكرة توقيف صادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية على خلفية الحرب في أوكرانيا، ألا وهو تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب.
تكرر التعبير عن هدف «التعددية القطبية» بمفردات ولغات متنوعة على ألسنة قادة التجمع في قمة «بريكس» التاريخية الأخيرة في جوهانسبرغ، التي ربما كانت التدشين العملي للمكانة العالمية للتجمع، ليس باعتباره تجمعاً اقتصادياً ناجحاً فحسب، بل بقدرته أيضاً على اجتذاب الحالمين بـ«عالم جديد» والمشاركة في قيادة العالم، الذي يبدو التغيّر قاعدته الأكثر ثباتاً.
أكثر من هذا، ربما تؤكد اختيارات الدول الست المدعوة للانضمام إلى «بريكس» مطلع العام المقبل، وهي «المملكة العربية السعودية ومصر ودولة الإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا وإيران والأرجنتين»، التوجه اللافت لدى قادة التجمع لتحويل التجمع من مجرد تكتل فاعل اقتصادياً، إلى كيان مؤثر سياسياً واستراتيجياً في تشكيل ملامح نظام دولي جديد.
الباحث أوليفر ستونكل، يقول في كتابه «بريكس ومستقبل النظام العالمي» (نشر عام 2015)، الذي يعدّه كثير من الباحثين أفضل ما كُتب حتى الآن لتحليل تجمع «بريكس»، إن «بريكس» أكبر من أن يكون مجرّد تجمع اقتصادي أو نادٍ لاقتصادات ناشئة.
ويؤكد الباحث الألماني – البرازيلي أن البُعد السياسي ظاهر في تأسيس التجمع منذ اللحظة الأولى، بل يعدّه «قوة قادرة على إنشاء نظام دولي موازٍ، أو تقديم بدائل للمؤسسات الاقتصادية العالمية والعملات الأكثر هيمنة على المعاملات الدولية».
قد لا تكون هذه الرؤية بهذا الوضوح لدى كثرة من المراقبين عند تأسيس «بريكس» قبل 14 سنة، بل إن التجمع لم يكن بتلك الجاذبية التي يحظى بها اليوم، وخاصة عقب توسيع العضوية، ذلك أن الأزمات التي عاشها العالم خلال السنوات القليلة الماضية جعلت «بريكس» محط أنظار كثير من دول العالم، ليس تلك الراغبة في تعزيز علاقاتها مع مجموعة من أسرع البلدان نمواً فقط، بل الساعية أيضاً إلى بناء نظام دولي مغاير لما عهده العالم على مدى أكثر من 3 عقود، بقيادة أميركية منفردة. ومعلوم أن هذه الحالة لطالما اقترنت بتنظيرات حول «نهاية التاريخ» و«صدام الحضارات»، في حين يقدم «بريكس» – على الأقل حتى الآن – صورة تبدو مختلفة وتبشر بإمكانية «إعادة إحياء التاريخ»، عبر «تعاون» الحضارات، لا صراعها.
جاذبية عالمية
يواجه تجمع «بريكس» منذ تأسيسه نظرة متفاوتة تصل إلى حد التطرف في تقييمه. إذ «يستهين» البعض، وخاصة في الغرب، بقدرته على تقديم بديل عالمي لنظام «الأحادية القطبية» الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، التي لن تسمح بسهولة بمنافستها أو محاولة مشاركتها قيادة العالم.
وفي المقابل، «يهوّل» آخرون في توقعهم ما يمكن أن يقدمه التجمع لبناء عالم متعدد الأقطاب، ويروّج أنصار هذه الرؤية تعابير لا تخلو من «رومانسية» أحياناً، حول انتفاضة «الجنوب العالمي»، متجاهلين كثيراً من حقائق الواقع بشأن الهيمنة السياسية والاقتصادية التي لا تزال تتمتع بها دول «الشمال».
لكن بعيداً عن الاستهانة والتهويل، تبقى الحقيقة التي يعترف بها الباحثون الغربيون أنفسهم هي أن الـ«بريكس» بات أكثر بريقاً مما كان متوقعاً، وأنه غدا عاملاً مهماً في صياغة مستقبل العالم، ليس بما يضمه من «دول مؤسسة» (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) فقط، بل بما ينتظره بعد توسيع العضوية أيضاً. وهنا تبرز دعوة دول ذات تأثير اقتصادي وسياسي لافت في أقاليم عدة عبر العالم، في مقدمها السعودية والإمارات ومصر في منطقة الشرق الأوسط والفضاءين الآسيوي والأفريقي. هذا مع وجود لائحة انتظار طويلة، تضم دولاً أخرى لا تزال تترقب دعوتها، كثير منها يبدو متحمساً لتجاوز «أسيِجة الهيمنة الأميركية».
قراءات غربية
وزير الخارجية سيرغي لافروف مثّل روسيا في غياب فلاديمير بوتين (رويترز)
من ناحية أخرى، تبرز قراءة تحولات النظرة الغربية نحو «بريكس» حجم ما بات يتمتع به التجمع من تأثير. إذ رأى مارتن وولف، كاتب العمود في صحيفة الـ«فاينانشيال تايمز»، عام 2011، أي بعد سنتين من انعقاد قمة «بريكس» الأولى، أن دول التجمع «ليست مجموعة» و«ليس لديها أي شيء مشترك في الأساس»، مستنداً إلى أن هناك كثيراً من التباينات بين أعضاء التجمع المؤسسين. إذ اعتبر أن الصين وروسيا دولتان «شموليتان»، بينما كل من البرازيل والهند وجنوب أفريقيا دول «ديمقراطية». وبعكس بقية أعضاء «بريكس»، لا تمتلك البرازيل وجنوب أفريقيا أسلحة نووية، فضلاً عن وجود صراع حدودي حاد بين الصين والهند، حيث يندلع القتال مراراً وتكراراً بين العملاقين الآسيويين.
في المقابل، تغيّرت هذه النظرة مع اتساع رقعة نفوذ دول «بريكس»، على وقع الأزمات الدولية الراهنة، وتنامي جاذبية التجمع لدى كثير من دول العالم. وهذا ما يعترف به الباحثان ثورستن بينر وأوليفر ستونكل (من المعهد الدولي للسياسات العامة في برلين) في تحليل منشور مطلع شهر أغسطس (آب) الماضي، إذ يريان أن «الجاذبية» التي بات يتمتع بها «بريكس» لدى كثير من دول العالم «يجب أن تثير انتباه دول الغرب، وتدفعها إلى تقديم تحولات في نهج تعاملها على الساحة الدولية». ويلفت الباحثان إلى أن هذه الجاذبية تمثِّل «حجباً للثقة عن النظام الدولي الحالي»، وإلى أنه «يتوجّب على ألمانيا وأوروبا طرح عروض جادة للإصلاح، منها امتناع القارة عن تعيين رئيس صندوق النقد الدولي تلقائياً، والعمل بدلاً من ذلك من أجل تمثيل أفضل لأفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا في مجلس الأمن ومؤسسات الأمم المتحدة، بل تقديم عروض جيدة وعادلة في السياسات التجارية».
أدوات القوة
ولا تقتصر أسباب صعود «بريكس» سلم الاهتمام العالمي على تنامي جاذبيته فقط، أو قوة اقتصادات بعض أعضائه، وفي مقدمهم الصين ثاني كبرى القوى الاقتصادية في العالم، التي من المتوقع أن تغدو الأكبر خلال العقود القليلة المقبلة. وهي تشكل سوقاً ضخمة، خاصة للمواد الخام، ومصنعاً لا يُستغنى عنه لكل دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة. ذلك أن الأمر يكمن في كثير من أسباب القوة التي استطاعت دول «بريكس» تطويرها، وعلى رأسها تقديم البديل. والبديل هنا لا يقتصر على فكرة طرح دول التجمع لبناء «عالم متعدد الأقطاب» كشعار نظري، بل عبر تحويل الشعار إلى واقع.
هنا، على سبيل المثال نجح التعاون بين دول «بريكس» في الصمود بوجه الأزمات العالمية، وخاصة الجائحة والحرب الروسية في أوكرانيا. إذ نأت دول «بريكس» بنفسها منذ بداية الأزمة، فلم تشارك الهند أو البرازيل أو جنوب أفريقيا أو الصين بفرض عقوبات على موسكو، وتأكد هذا بشكل متزايد مع المستويات شبه التاريخية للتجارة بين الهند وروسيا، أو في اعتماد البرازيل على الأسمدة الروسية.
أيضاً، قدمت دول «بريكس» بدائل تضاهي المنتديات والمؤسسات الاقتصادية والسياسية بزعامة الدول الغربية، مثل «مجموعة السبع الكبار» والبنك وصندوق النقد الدوليين. واليوم، يبلغ إسهام دول «بريكس» في الاقتصاد العالمي 31.5 في المائة من الاقتصاد العالمي، متجاوزاً إسهام الدول الصناعية السبع الكبرى. ويتوقع أن يرتفع إلى أكثر من 37 في المائة مع انضمام الدول الست المدعوة في قمة جوهانسبرغ.
كذلك، دشنت دول «بريكس» أخيراً «بنك التنمية الجديد» (NDB) برأس مال مبدئي قدره 50 مليار دولار في عام 2014 كبديل للبنك وصندوق النقد الدوليين. وقدم البنك (مقره شنغهاي بالصين) أكثر من 30 مليار دولار قروضاً لمشاريع تنموية بشروط أكثر يسراً من تلك التي تقدمها المؤسسات الدولية التي تهيمن عليها القوى الغربية، لمنح أعضاء التجمع مزيداً من السيطرة على تمويل التنمية.
ولم يقف الأمر عند ذلك، بل أسست دول التجمع صندوقاً احتياطياً للطوارئ، الغاية منه دعم الدول الأعضاء المكافحة من أجل سداد الديون بهدف تجنب ضغوط السيول، وأيضاً تمويل البنية التحتية والمشاريع المناخية في البلدان النامية. ومن جانب آخر، أنشأت دول التجمع نظام «دفع بريكس»، وهو نظام دفع للمعاملات بين دول «بريكس» دون الحاجة إلى تحويل العملة المحلية إلى دولارات. وتدرس هذه الدول الآن بجدية التوسع في التبادل التجاري فيما بينها بالعملات المحلية، أو إصدار عملة موحدة للتعامل البيني، وهو ما يعدّه مراقبون كثر طرحاً بديلاً بعيد المدى، وإن كان لن يؤثر في المستقبل القريب على هيمنة الدولار الأميركي الذي يمثل حالياً 60 في المائة من احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنوك المركزية عالمياً.
شعار «بنك التنمية الجديد»
بناء متدرج
هذا البناء المتدرج لأدوات القوة من جانب دول الـ«بريكس» تراه الدكتورة نيفيديتا كوندو، خبيرة العلاقات الدولية، وزميلة مركز أبحاث المجلس الهندي للشؤون العالمية التابع لوزارة الشؤون الخارجية الهندية، «وسيلة فعالة» من جانب دول التجمع لفرض نفسها بشكل متزايد على الساحة السياسية العالمية، ولا سيما مجالات كالمفاوضات الدولية وحفظ السلام وجهود حل الصراعات، وبالأخص بعد انضمام دول كالسعودية والإمارات ومصر، تلعب أدواراً بارزة في أزمات منطقة الشرق الأوسط، وتتمتع بثقل في ملفات دولية عدة.
غير أن كوندو في ردّها على أسئلة لـ«الشرق الأوسط» تشدّد على أهمية الإدراك أن دول الـ«بريكس» راهناً «لا تهدف إلى الحلول محل الغرب، بل تسعى إلى تحقيق قدر أكبر من التمثيل والتأثير في الشؤون العالمية، والدعوة إلى بناء نظام اقتصادي وسياسي عالمي أكثر إنصافاً وشمولاً». وتشير إلى أن «بريكس» استفاد من نقاط قوته الجماعية، التي ازدادت قوة بإضافة الدول الست الجديدة، ورفعت حجم إسهام التجمع في الاقتصاد العالمي وامتلاكه انتشاراً وتنوعاً أكبر في الأسواق وأدوات التأثير، بما يساهم في زيادة قدرة «بريكس» على دفع التحول إلى اقتصاد عالمي أكثر استدامة وعدالة.
ونوّهت كوندو بأن استثمارات دول التجمع في التقنيات الناشئة كالذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة يمكن أن تجعلها محرّكات رئيسة للنمو الاقتصادي العالمي والابتكار في المستقبل القريب. وأضافت الخبيرة الهندية أنه من المتوقع بحلول عام 2030 أن تتمكن دول الـ«بريكس»، بعد «توسّع» جوهانسبرغ أو في مراحل أخرى مقبلة، من الإسهام بأكثر من 50 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وإذا توصلت هذه الدول إلى اتفاق لإجراء التجارة باستخدام عملة مشتركة، فقد يؤدي ذلك إلى تسريع عملية إلغاء الدولار، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من ترسيخ أهميتها على الساحة الدولية.
تغيير الجغرافيا السياسية
الاستحواذ على 50 في المائة من الناتج الإجمالي العالمي يبدو طموحاً مستقبلياً لدول الـ«بريكس»، علماً بأن هذه الدول تمتلك تقريباً هذا الرقم، ولكن من تعداد سكان الأرض ومن مساحة اليابسة عليها. إذ يضم التجمع 5 من أكبر دول العالم مساحة وأكثرها كثافة سكانية، وقد تعاظم مع توسيع العضوية، ليصبح «أداة لتغيير الجغرافيا السياسية»، وفق رؤية الدكتورة أميرة شوقي سليمان، وكيلة الدراسات العليا والبحوث بكلية الدراسات الأفريقية العليا في جامعة القاهرة.
تقول سليمان لـ«الشرق الأوسط» إنه مع انضمام الدول الست الجديدة، ومعظمها دول تمتك قدرات اقتصادية واعدة، وإمكانية انضمام مزيد من الأعضاء مستقبلاً (نحو 20 دولة تقدمت بطلبات رسمية، معظمها من جنوب الكرة الأرضية) «سيؤثر هذا على الجغرافيا السياسية والجيو اقتصادية العالمية بشكل كبير، ويمكن القول إن (بريكس) قد يعيد رسم خريطة العالم».
وتضيف الأكاديمية المصرية أن دول التجمع «تشهد حالياً صحوتها الجيوسياسية»، وأنه خلال السنوات العشر الماضية، حققت المجموعة نتائج مثمرة في الأمن السياسي والاقتصاد والتجارة والتمويل والتبادلات الثقافية والحوكمة العالمية وغيرها من مجالات التعاون. وأصبحت نموذجاً للتعاون بين دول الجنوب العالمي، وجذبت مزيداً من الدول النامية الراغبة في الانضمام إلى «بريكس» يوماً بعد يوم. وتستطرد لتقول إنه مع انضمام السعودية والإمارات ومصر وإيران، وهي دول منتجة للنفط والغاز، فضلاً عن استثماراتها المستقبلية في مجال الطاقة الخضراء، أصبحت المجموعة تمتلك أكثر من نصف حصة النفط والغاز الطبيعي العالميين، ما يعزز مكانة المجموعة في سوق الطاقة، وبالتالي يضاعف نفوذها العالمي.
مواجهة الغرب مؤجلة
في المقابل، فكرة الصراع مع الغرب لا تبدو – على الأقل حتى الآن – ضمن أولويات «بريكس»، ولعل ذلك من أدوات قوة التجمع، فدول الـ«بريكس» لا تتبنى عقيدة «مَن ليس معنا فهو ضدنا» التي عكستها السياسة الأميركية طيلة عقود. ولا تتوقع دول التجمع من جميع أعضائه اختيار تحالفات ثابتة، أو تبديل ارتباطهم بعلاقاتهم مع الدول الغربية، فالصين التي تمثل أقوى مؤسسي التجمع تمتلك علاقات تجارية وثيقة ومتنامية مع الولايات المتحدة وأوروبا، تتجاوز كثيراً حجم تجارتها مع دول «بريكس» نفسها. ولدى الهند والبرازيل أيضاً علاقات وطيدة مع الدول الغربية.
ومن ثم، فإن توسيع عضوية التجمع كما عكسته قرارات قمة جوهانسبرغ، وفق كثير من المراقبين، منهم باول كاريوكي، الباحث السياسي الجنوب أفريقي، «لا يعتمد على فكرة الهيمنة والاستقطاب». ويوضح كاريوكي لـ«الشرق الأوسط» أن تلك «المرونة في منح أعضاء (بريكس)، عقب التوسيع، حرية بناء التحالفات… يمكن أن تكون عنصر جذب لكثير من الدول، وفي مقدمتها الدول الأفريقية، التي انضمت منها دولتان (مصر وإثيوبيا) ولهما علاقات قوية مع الولايات المتحدة وأوروبا… إذ تريد معظم دول القارة تعزيز شراكتها مع (بريكس) من دون أن يكلفها ذلك الدخول في صراعات مع الغرب».
«بريكس»… من نظرية «محل شك» إلى «واقع» يفرض حضوراً عالمياً
جيم أونيل (بلومبرغ)
* مجموعة «بريكس»، التي كانت تحمل اسم «بريك» في بدايتها، صاغ فكرتها جيم أونيل، كبير الاقتصاديين في بنك «غولدمان ساكس» عام 2001. وجاء الاسم من الأحرف الأولى بالكتابة اللاتينية لأسماء كل من البرازيل وروسيا والهند والصين.
وكانت الفكرة تقوم على إمكانية بناء تحالف اقتصادي بين تلك الاقتصادات البازغة، ومحاولة تقديمها إطاراً مختلفاً للتعاون بين دول «الجنوب»، الذي غالباً ما خُصّ بنظرة متشككة في قدرته على النمو وتحقيق التقدم بعيداً عن هيمنة المنظومة الغربية «الشمالية».
شكوك كثيرة حاصرت «نظرية» أونيل وحاولت هدم الفكرة، من منطلق أن الدول الأربع ذات تنوع كبير يحول دون اصطفافها تحت لواء واحد. وهذا الأمر دفع البعض إلى القول إن «بريك» ليست سوى حيلة تسويقية من قبل بنك «غولدمان ساكس»، إلا أن الفكرة أخذت منحى مختلفاً في خضم الأزمة المالية العالمية.
وبينما كانت الدول الأربع تدرس تأسيس تجمعها منذ عام 2006، كانت الأزمة المالية العالمية آخذة في التصاعد. ومع انطلاق أولى قمم «بريك» عام 2009، بلغت الأزمة العالمية ذروتها، وفرضت تداعياتها على الجميع، لكن الدول الأربع رأت في الأزمة دافعاً إضافياً للتعاون.
عقد الاجتماع الأول لدول «بريك» عام 2009، في قمة استضافتها مدينة يكاترينبورغ الروسية، ولاحقاً ضمّت جنوب أفريقيا عام 2010 إلى التجمع، ليكتسب اسمه الحالي، أي… «بريكس».
اللافت أن عدوى الانتقاد انتقلت في ما بعد إلى صاحب النظرية نفسه. فقبل سنتين نشر جيم أونيل مقالاً هاجم فيه تباطؤ إنجاز «بريكس»، مشيراً إلى أنه «بخلاف إنشاء بنك بريكس، لم تحقق المجموعة إنجازاً غير الاجتماع السنوي».
غير أن «محنة» الأزمات العالمية، تتحول دائماً إلى «منحة» لدول الـ«بريكس». إذ تضاعف الاهتمام الدولي بالتجمع، مع تصاعد وتيرة أزمات ما بعد الجائحة والحرب في أوكرانيا. وبدلاً من تكريس الانتقادات لتباطؤ إنجاز «بريكس» وانفراد الصين بمعدلات النمو المرتفعة، ضاعفت الهند تقريباً نسبة الناتج المحلي الإجمالي إلى الفرد. ومنذ عام 2015، بدأ مؤشر الاستثمار الأجنبي المباشر في التقارب مع مؤشر البرازيل، ثم تجاوز البرازيل، حيث زاد المؤشر بأكثر من الضعف في عام 2020 وحده، ما وضع الهند في المركز الثاني ضمن المجموعة.
والأهم أن النظرة إلى «بريكس» أخذت تتجاوز الأطر الاقتصادية، وصار «التجمع» مساراً للتنسيق السياسي والأمني والاستراتيجي، في عالم يخطو بسرعة باتجاه مواجهة عواصف من شتى الأنواع والاتجاهات.
أسامة السعيد
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
قادة انقلابات أفريقيا… من الحرس الرئاسي إلى قمة السلطة
|
انقلاب الغابون لا يُعدّ نغمة نشازاً في لحن اعتادته الآذان الأفريقية على مدى عقود، وتَسارع عزفه وإيقاعه، خلال السنوات الأخيرة. فتقريباً السيناريو نفسه يتكرر من بلد لآخر، والمسار الرئيسي للحبكة يبدو واحداً، بينما تختلف بعض التفاصيل وفقاً لظروف كل بلد.
ثم إن الأنظمة التي يُطاح بها بقيت في السلطة لأكثر مما ينبغي، واحتفظت بدعم فرنسي واضح، أما الانقلابيون فنُخب عسكرية يغلب على تكوينها الشباب… وذريعتهم الجاهزة «إنهاء عصر الفساد والتبعية لفرنسا وإهدار الثروات».
محمد إدريس ديبي
النقيب (الكابتن) إبراهيم تراوري، أحد «رجال الظل» الذين برزوا فجأة على سطح الأحداث في بوركينا فاسو، يُقال عنه إنه كان تلميذاً ذكياً وخَجولاً، لكنه لم يتردد قبل سنة في الإطاحة برفيقه السابق المقدم (اللفتنانت كولونيل) بول – هنري داميبا الذي تولّى السلطة على أثر انقلاب في نهاية يناير (كانون الثاني) 2022.
تراوري، المولود عام 1988، يُعدّ حالياً أصغر زعيم دولة في أفريقيا، لينافس «رفاق السلاح» من قادة الانقلابات في دول أفريقية مجاورة، ومنهم الزعيم الغيني العقيد (الكولونيل) مامادي دومبويا، المولود عام 1981، وزعيم مالي الكولونيل أسيمي غويتا، المولود عام 1983. وكان تراوري قد درس في أكاديمية عسكرية محلية، والتحق بالجيش في عام 2009، ثم تلقَّى تدريبات في سلاح المدفعية بالمغرب، لكنه اكتسب خبراته العسكرية الأولى من خلال محاربة الجماعات المتشددة في مالي، حيث كان يخدم ضمن قوة «الأمم المتحدة» هناك.
أسيمي غويتا
وفي مالي يبرز اسم أسيمي غويتا؛ ليس بوصفه قائداً لانقلاب واحد… بل لانقلابين متتاليين، فقد ظل غويتا كولونيلاً مغموراً في الجيش المالي لسنوات، وسار على خُطى والده الضابط في الجيش المالي، من مدرسة كوليكورو العسكرية المالية المتخصصة في الأسلحة المدرَّعة وسلاح الفرسان، وشارك أيضاً في عدد من التدريبات بعدد من الدول كألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة. بعدها عُيّن في شمال مالي، ابتداء من 2002 في غير منطقة لمحاربة الإرهابيين. ومنذ أغسطس 2020؛ تاريخ الانقلاب الأول ضد الرئيس المنتخَب إبراهيم كيتا، صار هذا العسكري الشاب محط اهتمام وسائل الإعلام الدولية باعتباره «الرجل القوي» في مالي الذي قاد انقلابين خلال سنة واحدة.
وغير بعيد عن مالي، في تشاد، يجلس على مقعد السلطة جنرال شاب آخر هو محمد إدريس ديبي، لكنه لم يكن يوماً من «رجال الظل»، بل كان دائماً في بؤرة الضوء؛ كونه ابن الرئيس التشادي السابق إدريس ديبي، الذي أحكم قبضته على السلطة فيها منذ 1990، قبل أن يرحل متأثراً بإصابته، خلال مواجهات مع جماعات إرهابية شمال البلاد بعد ساعات قليلة من إعادة انتخابه.
يوم مقتل إدريس ديبي، أعلن الجيش، على عجل، نجله الجنرال محمد (38 سنة)، رئيساً للجمهورية في 20 أبريل (نيسان) 2021، على رأس مجلس عسكري انتقالي مكون من 15 جنرالاً، واستعاض «الرئيس» عن زيّه العسكري المعتاد، بلباس تشادي أبيض تقليدي، خلال مراسم التنصيب في القصر الرئاسي بالعاصمة أنجامينا، وكان في عمر والده نفسه عندما تولّى السلطة من خلال انقلاب عسكري قبل أكثر من 3 عقود. حتى وفاة والده، كان «الجنرال كاكا» يرأس، وهو لقب منتشر له بين التشاديين لأنه نشأ على يد جدته، قوات النخبة في الحرس الرئاسي، ولعب دوراً مهماً في إحكام قبضة أبيه على السلطة، وقد شغل مناصب عدة في الجيش، مما أهّله للارتقاء بسرعة ضمن المؤسسة العسكرية.
الجنرال عبد الرحمن تشياني اسم آخر صار معروفاً في النيجر وفي العالم، انتهج مساراً يبدو مألوفاً في أفريقيا، اليوم، وهو الانتقال من قيادة الحرس الرئاسي إلى الاستيلاء على السلطة، بعدما أطاح بالرئيس المنتخَب محمد بازوم. لكن تشياني (59 سنة) يبدو مختلفاً عن غيره من قادة الانقلابات في الدول المجاورة؛ لأنه كان يخطو نحو سن التقاعد، وخدم لسنوات في عدة بعثات لـ«الأمم المتحدة» في ساحل العاج والكونغو ودارفور بالسودان، وكذلك في بعثة مجموعة دول غرب أفريقيا «إيكواس» في ساحل العاج. وكان «الجنرال المتكتم» وفياً للرئيس السابق محمدو يوسوفو، الذي عيَّنه قائداً للحرس الرئاسي، خلال ولايتيه الرئاسيتين من 2011 – 2021، وأحبط عدة محاولات انقلابية، خصوصاً في عامي 2021 و2022، لكن خلافاتٍ خرجت إلى العلن مع الرئيس بازوم، كانت كافية لدفعه إلى الخروج عن صمته.
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
بريس أوليغي نغيما… «جنرال الظل» الغابوني
|
احتضنه «الأب» وأطاح «الابنَ» بينما كان يُعد «الحفيد» للرئاسة
عندما استيقظ العالم، صباح 30 أغسطس (آب) الماضي، على بيان يعلن الإطاحة بحكم علي بونغو، رئيس الغابون، لم ير أحدٌ وجه ذلك الجنرال القوي الذي قرّر الإطاحة بالرئيس. ربما كان يقف في الظل يرتّب مصير الرئيس وأسرته، ويصدر الأوامر لأولئك الذين سارعوا بالوقوف أمام الكاميرات، فذلك الجنرال الشاب، الذي عرف العالم بعده أن اسمه بريس أوليغي نغيما، كان واحداً ممن اعتادوا البقاء في الظل. رجل يتكلم بهدوء، ولا ينفعل إلا نادراً، إلا أنه فجأةً قرّر التمرد على كل ذلك، فأنهى، في ليلة واحدة، حياته السابقة، وقرّر أن يتصدر المشهد، في واحدة من أغنى البلدان في أفريقيا، وأفقرها شعوباً.
ليلة الانقلاب في الغابون، ظهر رجل البلاد «القوي» الجديد مُنهياً حكم «أسرة بونغو»، الذي استمر نحو 55 سنة، وللعِلم، يمتُّ الجنرال بريس أوليغي نغيما لهذه الأسرة بصلة قرابة… والأهم أنه يَدين لهم بالولاء، وخصوصاً إلى الرئيس عمر بونغو (الأب)، الذي كان نغيما أحد أقرب رجاله وظلّ مرافقاً له حتى لحظات عمره الأخيرة.
بيد أن علي، الرئيس الابن، لم يُكنّ للضابط الصاعد بسرعة على سُلّم الرتب العسكرية والنفوذ، مشاعر الود نفسها، إذ إنه كان قد أبعده لعقد كامل، ثم أعاده فجأة، لتبدأ العلاقة بين الرجلين فصلها الدرامي الأكثر إثارة.
البداية والنشأة
اسم «الجنرال» الكامل بريس كلوتير أوليغي نغيما، وهو من مواليد عام 1975 في مقاطعة أوت أوغوي، في أقصى جنوب شرقي الغابون، على الحدود مع جمهورية الكونغو (الكونغو – برازافيل)، وهي المقاطعة التي ينحدر منها بونغو.
لم يعانِ بريس الفقر والحاجة مثل كثيرين غيره من أطفال الغابون؛ لكون أسرته ميسورة الحال ومقرَّبة من أسرة بونغو، فأمه هي ابنة عم الرئيس المخلوع علي بونغو، ونشأ بوصفه واحداً من أبناء الأسرة الأقوى في البلاد، وسار على خطى والده، وواصل مسيرته المهنية في الجيش.
وفي سن مبكرة، انضم إلى وحدة الحرس الجمهوري، التي هي التنظيم العسكري الأقوى في الغابون، بعدما درس في الأكاديمية العسكرية الملكية المرموقة في مكناس بالمغرب، مُحاطاً بدعم أسرة الرئيس وثقتهم. وتقدّم بسرعة في مساره العسكري، مرتقياً سُلَّم المناصب، حتى أصبح مساعداً للرئيس (الأب) عمر بونغو، الذي حكم الغابون 41 سنة. وطوال الفترة التي أمضاها نغيما من عام 2005، حتى وفاة الرئيس الأب عام 2009 في أحد مستشفيات مدينة برشلونة الإسبانية، كان الضابط الشاب يُعامَل بوصفه أحد أفراد الأسرة الحاكمة.
ولكن في حين كان نغيما ينتظر مكافأة إخلاصه وتفانيه في خدمة الرئيس الأب، فيحقق مزيداً من الصعود في عهد «الوريث الابن» علي، لم يجد الضابط الشاب من الأخير سوى الفتور والإبعاد، ذلك أن الرئيس الجديد أقصاه عن الدائرة الداخلية المقرَّبة منه، وإن اتخذ ذلك الإقصاء شكل الترقية ليصبح ملحقاً عسكرياً في سفارتي الغابون بالمغرب والسنغال. غير أن الرحلة التي طالت لنحو 10 سنوات كانت كافية لأن ينسى الغابونيون – أو على الأقل النخبة الحاكمة فيها – وجه ذلك الضابط الذي اعتاد الجميع رؤيته قريباً من الرئيس التاريخي للبلاد.
لقد بقي الضابط نغيما متنقلاً بين الرباط وداكار، ينعم بسنوات دون أحداث تُذكَر؛ لا في حياته، ولا في تاريخ بلاده، بينما كان الرئيس علي بونغو ينتقل من فترة حكم إلى أخرى، ولا شيء تقريباً يتغير، إلى أن جاءت لحظة العودة مجدداً إلى المشهد، وكان ذلك عام 2018.
العودة إلى الأضواء
في أكتوبر (تشرين الثاني) 2018، استُدعي نغيما إلى الغابون، ليحلّ محل العقيد فريديريك بونغو (الأخ غير الشقيق للرئيس) على رأس «جهاز استخبارات الحرس الجمهوري»، التي تُعرَف رسمياً باسم «المديرية العامة للخدمات الخاصة (DGSS)».
ربما لا يعرف أحد تفاصيل الخلاف الذي وقع بين علي بونغو وأخيه غير الشقيق، لكن المؤكَّد أن الرئيس، الذي تعرَّض، في ذلك العام، لجلطة دماغية عجّلت بنقله إلى المستشفى العسكري في العاصمة المغربية لتلقّي العلاج، بحث في دفاتره القديمة عمّن يمكن الوثوق به في ذلك الموقع الخطير، فبرز اسم بريس نغيما.
من جهة ثانية، لعلَّ الرئيس ظنّ أن 10 سنوات من الابتعاد كافية لأن يدرك الضابط الشاب كثيراً من الحقائق، وقد يشعر بالامتنان للرئيس الذي أعاده مجدداً إلى الأضواء. وحقاً، عاد نيغما جنرالاً متحمساً للعمل، فكرّس حياته للحفاظ على نظام الرئيس علي بونغو، مستعيداً ثقته سريعاً، ومرتقياً بالسرعة نفسها إلى أعلى المواقع العسكرية.
إذ بعد أشهر معدودة على عودة نغيما إلى الغابون، عُيّن رئيساً للحرس الجمهوري، وما إنْ تسلَّم مهامّه حتى عزّز نظام الحماية الخاص بعلي بونغو، إلا أن الإصلاح الأكثر أهمية الذي قام به، كان تطوير «قسم التدخلات الخاصة» (وحدة خاصة وُضعت تحت السلطة المباشرة للرئيس)، التي رفع عدد أفرادها من نحو ثلاثين إلى أكثر من 300 عنصر. ووصل به الأمر إلى أن ألّف نشيداً لهذه الوحدة، يكرِّر الجنود فقراته بحماس، وخصوصاً البيت الذي يقول «سأدافع عن رئيسي بشرف وإخلاص».
مرحلة اتساع النفوذ
في تلك الفترة، اتسع نطاق نفوذ الجنرال القوي، ولم يقتصر على قوات الحرس الجمهوري التي زاد من قوتها وتسليحها، بل عمل – وفق شهادات قدَّمها مقرَّبون من نغيما، لوسائل إعلام غربية؛ منها وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية – على مدّ نفوذه إلى بقية قطاعات الجيش، فازدادت شعبيته في صفوف القوات المسلَّحة، بعدما أقنع الرئيس بونغو بتحسين الأحوال المعيشية وظروف العمل للجنود، وذلك بتطوير المنشآت وتمويل مدارس لأبناء الجنود.
لكن نغيما حافظ، حتى ذلك الحين، على موقعه بوصفه «رجل الظل»، الذي يستشعر الجميع سطوته، دون أن يسمعوا صوته. وبعكس الوتيرة التي كانت تسير بها حياة الجنرال نغيما على مدى السنوات العشر التي أمضاها خارج بلاده، سارت السنوات الأخيرة حافلة بالأحداث. وباعتباره حجر الزاوية في جهاز أمن نظام الرئيس بونغو، أخذ يراقب عن كثب ما يجري في نهر السياسة، الذي لا يبعد كثيراً في دولة مثل الغابون عن أعين الجيش والمؤسسات الأمنية.
كان الرئيس علي بونغو، الذي تركت الأزمة الصحية التي واجهها قبل سنوات آثاراً واضحة على قدرته على الكلام والحركة، يواجه معارضة متنامية، سواء من الأحزاب أم في الشارع. وتمنَّى كثيرون – ربما بينهم الجنرال نغيما – ألا يترشح لفترة رئاسية ثالثة، وكانوا يأملون أن يوافق على أن يلعب دوراً في تأهيل «وريث» جديد من أسرة بونغو. ووفق موقع «موند أفريك» الفرنسي، جرى تكليف نغيما بمساعدة نجل علي بونغو؛ نور الدين بونغو فالنتان، من أجل الاستعداد لخلافة والده، لكن الرئيس اتخذ قراره بخوض الانتخابات المثيرة للجدل، رغم كل المحاذير، وكان هذا الفصل الأخطر من علاقته الدرامية مع الجنرال الطامح.
محطة مصيرية
أُجريت الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) المنصرم، وأُعلن فوز الرئيس بفترة رئاسية ثالثة ليلة الـ30 من ذلك الشهر. في حينه ربما كان الرئيس يفكر في استدعاء جنراله القوي ورئيس حرسه الجمهوري، ليناقش معه خطط التحضير لحفل تنصيب كبير يغطي به على احتجاجات المعارضة وغضب الشارع والاتهامات بتزوير الانتخابات.
ولكن بعد ساعات من إعلان نتيجة الانتخابات، جاء الجنرال نغيما بلا دعوة، وبوجه غير الذي اعتاد بونغو أن يراه.
في تلك اللحظة لم يكن الجنرالُ الحارسَ المؤتمَن على أمن الرئيس والنظام برُمّته، بل الرجل الذي قرر أن يُنهي 55 سنة من حكم الأسرة التي عاش في كنفها كل سنوات عمره، وحكمت بلاده لأكثر من نصف قرن.
في صباح الأربعاء الباكر، الموافق 30 أغسطس، أعلنت مجموعة من ضباط الجيش الغابوني، عبر التلفزيون الرسمي، الاستيلاء على السلطة، وإلغاء الانتخابات، وإغلاق الحدود حتى إشعار آخر… بعدها بساعات أعلنوا عن إخضاع الرئيس علي بونغو لـ«الإقامة الجبرية»، ثم إحالته لـ«التقاعد».
رغم كل الانتقادات وحملات الهجوم ضد الخطوة التي اتخذها «جنرال الظل الغابوني»، فإنه لم يتراجع. وبعدما ظهر الرئيس في فيديو مسرَّب وهو يستغيث بـ«أصدقاء الغابون» للتحرّك وإنقاذه، كان تحرك الجنرال أسرع، فتوارى الرئيس تماماً عن الأنظار، بينما ظهر رجل بزيٍّ عسكري وقبعة خضراء، وجنود يرفعونه في الهواء وهم يهتفون له.
الجنرال نغيما، الذي اختاره قادة الأجهزة العسكرية والأمنية في الغابون ليكون رئيساً للفترة الانتقالية التي لم تتحدد في البلاد، أكد، في مقابلة مع صحيفة «لوموند» الفرنسية، أن الرئيس بونغو «متقاعد ويتمتع بجميع حقوقه، مثل أي شخص آخر». وعند سؤاله «هل ترى نفسك رئيساً جديداً لدولة الغابون؟» أجاب «لم أعلن نفسي بعدُ، ولا أفكّر في أي شيء في الوقت الراهن». وحول الإعداد لهذا الانقلاب، وما إذا كان قد بدأ قبل فترة طويلة… أم أن نتائج انتخابات 26 أغسطس، وإعلان فوز الرئيس بونغو، هما ما دفع ضباط الجيش للتحرك، قال نغيما «أنتم تعلمون أنه يوجد استياء في الغابون، وبعيداً عن هذا الاستياء، هناك مسألة مرض رئيس الدولة… الجميع يتكلّم عن ذلك الأمر، لكن لا أحد يتحمل المسؤولية… وليس لديه (أي الرئيس) الحق بالبقاء في منصبه لولاية ثالثة. لقد حدث تجاهل للدستور. وطريقة الانتخابات بحد ذاتها لم تكن جيدة، لذا قرّر الجيش طيَّ الصفحة، وأن يرتقي إلى مستوى مسؤولياته».
الوجه الآخر
اللافت أن الجنرال نغيما ورفاقه من قادة الانقلاب لم يبنوا تبريرهم الإطاحة بحكم بونغو، على قضية الانتخابات وحدها، بل سعوا إلى مغازلة الشارع عبر اعتقال عدد من الشخصيات والمسؤولين المتنفّذين في النظام، الذين وُجّه إليهم عدد من التهم؛ من بينها «الخيانة العظمى»، و«اختلاس أموال الدولة».
كانت هناك انتقادات طالت بونغو بسبب اقتصاد البلاد المتهالك، رغم الثروات التي تزخر بها، فالغابون واحدة من أغنى الدول في أفريقيا من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى عائدات النفط، وقلة عدد السكان البالغ 2.3 مليون نسمة. النفط يشكل 60 في المائة من إيرادات البلاد، وبهذا تُعدّ سابع أكبر منتج له في أفريقيا، كما أنها عضو بمنظمة «أوبك».
في المقابل، يعيش فرد واحد، من أصل كل 3، تحت خط الفقر، وما يقرب من 40 في المائة من الغابونيين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة عاطلون عن العمل، وفقاً لـ«البنك الدولي».
هذه ما كانت المرة الأولى التي يستخدم فيها نغيما قضايا الفساد وسيلة لكسب الشعبية، بل بعد فترة قصيرة من تولّيه رئاسة الحرس الجمهوري، أطلق عملية «الأيدي النظيفة»، الهادفة إلى تعقُّب الفاسدين والمختلسين، ولقيت هذه الحملة ترحيباً شعبياً، ولم يتصور أحد أن الجنرال القويّ الداعي إلى اجتثاث الفساد والفاسدين من الدولة، كان يواجه شخصياً اتهامات جدية باختلاس المال العام. فوفقاً لتحقيق مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد «OCCRP» لعام 2020، فإن الجنرال يمتلك عدداً من العقارات في الولايات المتحدة، وكان قد اشترى نقداً، بين عامي 2015 و2018، 3 منازل في ضواحي العاصمة الأميركية واشنطن بمبلغ يفوق المليون دولار، كما ساعد أيضاً في توسيع أعمال بونغو الخارجية. وعندما سُئل عن هذه التعاملات، قال إنها «شأن خاص».
حجارة «الدومينو»
اليوم، لم يعد بريس أوليغي نغيما مجرد «جنرال ظل» يتكلّم بصوت هادئ، ويسعى دائماً إلى التوافق – كما يصفه مقرَّبون منه – بل غدا واحداً من جنرالات أفريقيا الأقوياء، الذين لم يكتفوا بإثارة عاصفة من التغيير في دولهم، بل سيَّروا موجة أقرب إلى سقوط أحجار «الدومينو» على رقعة النفوذ الدولي في القارة السمراء.
الغابون أضحت الدولة السادسة الناطقة بالفرنسية، التي تقع تحت الحكم العسكري، في السنوات الثلاث الماضية. وبينما يكافح المستعمرون القدامى لتلك الأراضي الشاسعة من أجل الحفاظ على بقايا نفوذ تلتهمه تحركات منافسيهم المتسارعة، تحترق أوراق «أفريقيا الفرنسية» بأيدي جنرالات الحرس الجمهوري.