1

بين الإنماء والواقعية السياسية… كيف يقرأ “الحزب” و”التيار” اللامركزية؟

ينتظر لبنان بداية عهد رئاسي جديد، وإذا كان مصطلح العهد يجسّد مشروع رئاسة الجمهورية فإنَّ واقع لبنان المعاصر بعد «اتفاق الطائف» وضع السلطة في الإطار التكاملي بين الرئاسات الثلاث ووزارة المال، بالتالي، انّ كل عنوان فضفاض لا ينفع إذا لم يتوافق مع الواقعية السياسية المفروضة في «اتفاق الطائف» والعرف الدستوري، خصوصاً انّ لبنان بلد قائم على التوازنات.

اللامركزية الموسّعة بين الإدارية والمالية

قد يكون مفاجئاً ما يسمعه البعض، لكن بحسب التعريف العلمي وانطلاقًا من واقع لبنان الحالي، فإنَّ اللامركزية الادارية والمالية في لبنان مُطبّقة لكن معطوبة بفعل بعض الثغرات، بالتالي إذا اراد أحد الحديث عن لامركزية في لبنان، فإنَّ الانطلاق من التعديلات الدستورية لبعض المواد الفاعلة من أدوات اللامركزية قد تكون الطريق الأنسب نحو تحقيق ما هو مطلوب، خدمةً للمواطن.

اللامركزية الإدارية وأزمة بعض المتطفلين على المُصطلح

لا بُدَّ وقبل الغوص في اللامركزية الادارية ان نتوقف عند بعض المسؤولين ممن يتداولون مُصطلح الحاجة الى تطبيق «اللامركزية الادارية»، لإقناعهم بأنّه لا يجب ان يطالبوا باللامركزية الادارية لانّها مُطبّقة من خلال «اللاحصرية» وضمن المرسوم الاشتراعي الرقم 116 – التنظيم الاداري 12/06/1959، والذي ينظّم وجود محافظات وأقضية ادارية، وينظّم عمل هذه الإدارات العامة ومهمّاتها، والتي تتضمن ايضاً دوائر خاصة لغالبية الوزارات.

هذه المنظومة الادارية المتكاملة والمهمّة في حال كانت تُستغل ايجابياً، تمثّل عمل اللامركزية الادارية بنحو واضح وصريح. واذا ما اردنا ان نتحدث عن بُعد انمائي واسع لهذه المنظومات الادارية، نكون قد دخلنا في خطأ كبير، لأنّ المصطلح العلمي يحصر عملها في الشق الإداري الذي يجب ان نتحدث عن اهمية تطويره على الشكل الآتي:

1- وضع تعريف لمهمّات كل دائرة ادارية لكل وزارة في المحافظات، وتعزيز عملها وكادرها العملي، لتحويله من المحاصصة السياسية الى الكفاية العلمية واحترام القانون.

2- إدخال الحوكمة الالكترونية على معاملات المواطنين في كل دائرة ممثلة للوزارات في المحافظات.

3- تفعيل سلطة وزارة الداخلية الرقابية على عمل المحافظين، والتي عليها ان تلعب دوراً حقيقياً في حال كانت هناك جدّية لدى وزير الداخلية، للقيام بإنجازات لا يمكن التذرّع بأنّ الواقع الحالي لا يسمح القيام بها.

4- محاسبة المحافظين سواء على المستوى المالي او الاداري. فالفساد المستشري في عمل المحافظات تحت ادارة غالبية المحافظين، لا يمكن أحد ان يقول إنّه لا علم له، لأنَّ عملية تشكيل لجنة بسيطة يمكنها ان تكشف كثيراً من الاسرار المفضوحة للمحافظين وفسادهم المتنوع.

انطلاقًا مما تقدم، فإنَّ الحديث عن تطبيق لامركزية ادارية هو لزوم ما لا يلزم، طالما انّ قانون اللامركزية الإدارية موجود لكنه غير مطبّق ابداً، بل هو أداة لفساد المحافظين وزبائنيتهم في المحافظات.

اللامركزية المالية ودورها في تحقيق الإنماء المحلي

عندما نتحدث عن لامركزية مالية نتساءل قبل كل شيء عن حقيقة بُعد لبنان عن تطبيق اللامركزية المالية، لنجد ضالتنا في المرسوم الرقم 1917 تاريخ 06/04/1979، والذي يحدّد آلية توزيع اموال الصندوق البلدي المستقل، والذي يجسّد لامركزية مالية تتوزع على اتحادات البلديات والبلديات التي تمثل الادارات المحلية في لبنان، وهي تتميز بأنّها إدارات محلية منتخبة على أساس مدني، ولكن يعيبها انّها منتخبة على أساس اكثري، وليس نسبياً، الامر الذي قد يكون من الضروري النظر فيه الى جانب بعض التحسينات الاساسية التي سنطرح بعضها في هذه الفقرة.

يُعتبر الصندوق البلدي المستقل ركيزة أساسية في عمل البلديات، خصوصاً أنّه يتضمن عائدات مالية تأتي من رسوم تجنيها الدولة من مختلف المناطق لتصبّ فيه وتتوزع نسبياً على المناطق، كما يُظهر الجدول الرقم 1 المأخوذ من كتاب «اللامركزية الطريق الى الإنماء والاستقرار/مؤلفه الدكتور زكريا حمودان».

وقوفًا عند بعض الهواجس المطروحة في الساحة اللبنانية، يمكننا القول إنَّ بعض التعديلات الشافية لهذه الهواجس يمكنها ان تأتي لنا بلامركزية مالية تصبّ في سبيل تحقيق الإنماء اللامركزي، وأهم هذه التعديلات:

1- تحديد حجم الدوائر التي ستشكّل الإدارات المحلية اللامركزية. وهنا يمكننا الحديث عن أقضية وتليها البلديات، فيكون لدينا مستوى لامركزي اول عبارة عن الأقضية، ومستوى لامركزي ثانٍ عبارة عن البلديات.

2- اعتماد قانون انتخابات للإدارات المحلية نسبي وخارج القيد الطائفي، مما يسهّل تثبيت فكرة تشكيل لوائح مغلقة، ويعزز دور الأحزاب غير الطائفية من جهة، بالإضافة الى تعزيز الرقابة المباشرة داخل المجالس المحلية من جهة اخرى.

3- تحديد مهمّات الإدارات المحلية لتكون انمائية بحتة، وعدم السماح بأي ثغرة تشريعية تتيح إعطاء خصوصية طائفية ذات بعد تقسيمي لأي ادارة محلية، مما يساهم في الحفاظ على صورة لبنان الموحّدة على المستوى الوطني.

4- تحديد نوع الموارد المباشرة للإدارات المحلية التي تحلّ مشكلة الجباية التي ينادي بها البعض، واعتماد موارد غير مباشرة مبنية على أسس علمية تعتمد مؤشرات جغرافية وسكانية عادلة.

انّ اللامركزية المالية الموجودة اليوم من خلال عمل البلديات هي منطلق أساسي لطروحات تطويرية لما هو موجود، لكن لا يمكننا ان نتوجّه نحو الغاء كُلي لجزء مهمّ بين ايدينا والتوجّه نحو طروحات فضفاضة تكون في الظاهر إنمائية وفي الباطن تتضمن البعد التقسيمي.

سياسياً كيف يرى «حزب الله» و«التيار الوطني الحر» طرح اللامركزية؟

بحسب مصدر رسمي في «التيار الوطني»، انّ اللامركزية التي يطرحها هي لامركزية متكاملة تتضمن لامركزية ادارية ومالية، وانّ ما تمّ طرحه في «اتفاق الطائف» غير كافٍ، ويجب ان يتكامل بلامركزية مالية. ويتابع المصدر «أنّ اللامركزية الادارية المطبّقة اليوم من خلال البلديات التي لديها سلطة مالية للتصرّف بالأموال ضمن الإطار البلدي الخاص بها، لكن طرح التيار اليوم هو عبارة عن طرح مجالس أقضية على مستوى الأقضية الحالية او بعض التعديلات على الأقضية، بحيث يجب ان تكون هناك جباية خاصة لكل دائرة بحسب حجمها، وهذه الجباية التي تقوم بها الدائرة تصرفها على مناطقها فقط من اجل تحقيق الإنماء». ويضيف المصدر، انّ «ما يحصل اليوم هو انّ البعض يعتبر انّه يدفع رسوماً وضرائب من دون ان يستفيد مما يدفعه. على سبيل المثال، انّ المواطن الذي يقطن في المتن يدفع ضرائبه في المتن حيث الجباية مرتفعة، ولكن يستفيد منها مواطن آخر في طرابلس او عكار او الضاحية، وذلك بواسطة الخدمات التي تقّدمها الدولة عبر اموال تحصل عليها الدولة من منطقة المتن».

ويشير المصدر الى انّ الهدف هو تحقيق جباية عادلة، وانّ مضمون الطرح لا يرتبط ابداً بأي بُعد سياسي. ويؤكّد انّ حظوظ نجاح تطبيق اللامركزية التي يطرحها التيار كبيرة جدًا في ظل وجود رأي عام مؤيّد لها، بالاضافة الى قبول عدد كبير من الاحزاب لهذا الطرح. لكنه في الوقت نفسه يشدّد على انّ البعض يتحدث عن الفيدرالية، وانّ «التيار الوطني الحر» لا يتحدث ابداً بهذا الطرح اليوم، على الرغم من أنّه ليس بالأمر المحظور. ويشدّد المصدر على انّ الواقع الحالي هو واقع غير سليم، والحل البديل منه ليس الفيدرالية بل اللامركزية التي بات طرحها جدّياً اليوم وحظوظه كبيرة، مع التأكيد انّه يجب التوافق مع بقية القوى على تطبيقها، على الرغم من وجود قوى رافضة لها انطلاقًا من حسابات خاصة وضيّقة جدًا.

اما «حزب الله» الذي يعتبر انّ ما يحصل بينه وبين «التيار الوطني الحر» بالايجابي، فتؤكّد اوساطه انّه يدرس ما طرحه التيار ضمن الورقة التي تتضمن اقتراحات عدة من ضمنها اللامركزية، ومن المؤكّد أنّه يجب ان تحصل لقاءات عدة قريبة للبحث في مختلف النقاط المطروحة.

وتشير اوساط الحزب، الى أنَّ ما تمّ طرحه لا يمكن حصره بالحوار بين الحزب و»التيار»، لأنّ الامر يحتاج الى توسيع مروحة المشاورات مع بقية الافرقاء، خصوصا أنَّ ما يتمّ طرحه يجب ان يُقرّ في البرلمان بالتفاهم مع قوى سياسية اخرى، وانّ مدخل تطبيق هذه النقاط وغيرها ينطلق من انتخاب رئيس للجمهورية.

الدكتور زكريا حمودان

مدير المؤسسة الوطنية للدراسات والإحصاء

المصدر: صحيفة الجمهورية




«الجمهورية» تنشر الرواية الكاملة للمعركة الديبلوماسية من بيروت إلى نيويورك

انقسمت الآراء الداخلية حول تقويم قرار التجديد لقوات «اليونيفيل» الصادر قبل أيام عن مجلس الأمن الدولي، عقب مخاض ديبلوماسي عسير… فما هي قصة ولادة هذا القرار؟

اختلفت المواقف من قرار التجديد تبعاً لزاوية الرؤية، البعض اعتبره مخيّباً للآمال وهزيمة للدولة وديبلوماسيتها، كونه كرّس حرّية الحركة للقوات الدولية بصورة مستقلّة من دون أخذ إذن مسبق، وأعطاها حق تنفيذ دوريات غير معلنة، بينما وجد فيه البعض الآخر إنجازاً، في اعتباره حقّق مكسباً للبنان عبر إضافة عبارة «التنسيق مع الحكومة اللبنانية»، التي كانت قد شُطبت من صيغة العام الماضي، وبالتالي يشدّد أصحاب هذا الرأي على انّ المطلوب النظر إلى الجانب المليء من الكوب والالتفات إلى انّ القرار الاخير هو أفضل بالمقارنة مع ذاك الذي صدر عام 2022 تحديداً.

ولعلّ ما ينبغي تثبيته في هذا المجال، هو انّ قرار العام الماضي يرقى الى مستوى «الجريمة والخطيئة»، وفق مصادر واسعة الاطلاع، لأنّه خرج عن إطار الفصل السادس وأصبح تحت سقف الفصل السابع المقنّع، بعدما أسقط مبدأ التنسيق مع الحكومة اللبنانية وأطلق يد «اليونيفيل» من غير ضوابط، وإن تكن حكمة قيادتها قد غلّبت الواقعية على جنوح المتحمسين في نيويورك، فاستمرت في تنسيق تحرّكاتها على الأرض مع الجيش وبقيت الصلاحيات المتفلتة حبراً على ورق.

بهذا المعنى، فإنّ الفريق المفاوض اللبناني و«حزب الله» ارتكزا في المعركة الديبلوماسية التي خيضت أخيراً من بيروت إلى نيويورك على قاعدة التخفيف من الأضرار التي نتجت من قرار العام 2022، والدفع نحو إعادته الى حظيرة الفصل السادس، مع المعرفة المسبقة بأنّه يستحيل ان يحصل لبنان على كل ما يريده، اي العودة كلياً إلى ما قبل 2022، في ظلّ التركيبة الحالية لمجلس الأمن. ولكن حتى ضمن هذه الحدود، لم تكن المهمّة سهلة في النظر إلى توازنات مجلس الأمن من جهة، وإلى التمايزات داخل الفريق المفاوض نفسه.

في هذه الأثناء، كان الخط الساخن مفتوحاً طوال الوقت بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي والمعاون السياسي للأمين العام لـ«حزب الله» الحاج حسين الخليل، فيما تولّى مسؤول العلاقات الدولية في الحزب عمار الموسوي وفريق عمله، التواصل مع عدد من سفراء الدول المؤثرة في مجلس الأمن والمعتمدين في بيروت، ومن بينهم سفراء روسيا والصين وفرنسا والبرازيل واليابان وآخرون، لتسويق التعديلات اللبنانية على المسودة الفرنسية، وأهمها إضافة جملة «التنسيق مع الحكومة اللبنانية» استناداً الى اتفاقية «وضع القوات» المعروفة باتفاقية المقر (صوفا) التي وُلدت عام 1995 وأقرّها مجلس النواب عام 1996، وهي تنظّم بالتفصيل العلاقة بين «اليونيفيل» والدولة اللبنانية.

وكان الطرح الأول الذي عُرض على لبنان يقضي باعتماد معادلة «التنسيق عند الاقتضاء»، الاّ انّها رُفضت، فجرى تعديلها لتصبح كالآتي: «نقدّر إيجابياً التنسيق مع الحكومة»، لكن هذه التوليفة لم تمرّ أيضاً.

وفيما بعث ميقاتي رسالتين إلى الامين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريتش والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون شارحاً الموقف الرسمي اللبناني وملاحظاته، عُلم انّ حسين خليل كان مواكباً للمفاوضات بكل تفاصيلها ومراحلها.

وقد تواصل الحزب أيضاً مع وزير الخارجية عبدالله بوحبيب، الذي تنفي اوساطه ان يكون قد تعرّض لضغط او تهديد من جانب السفيرة الأميركية دوروثي شيا في شأن مستقبله الشخصي، انطلاقاً من انّه يحمل الجنسية الأميركية.

وتعتبر اوساط بوحبيب، انّ ما تحقق في نيويورك هو أفضل الممكن قياساً الى الظروف المحيطة، «إذ لا وجود لرئيس جمهورية ولا لحكومة أصيلة، والولايات المتحدة هي صاحبة النفوذ الأقوى في مجلس الأمن وممثل المجموعة العربية داخل المجلس لم يكن إلى جانب الطرح اللبناني».

وفيما يرى المعترضون انّه كان يُفترض بوزير الخارجية التشدّد اكثر في موقفه، وامتلاك شجاعة أكبر في مقارعة الاميركيين وحلفائهم داخل المنظمة الدولية، تؤكّد اوساطه اقتناعه بأنّه أدّى واجبه ودوره كاملاً، وأنّ القرار حفظ ماء وجه جميع الأطراف، «وهذا في حدّ ذاته يشّكل انجازاً بالمقارنة مع اختلال موازين القوى الديبلوماسية في أروقة مجلس الأمن لمصلحة واشنطن واصدقائها».

وخلال الأخذ والردّ في المفاوضات الصعبة، هدّد بوحبيب بسحب طلب التجديد لقوات «اليونيفيل»، فيما نُصح أيضاً باستخدام سلاح آخر يتمثل في التلميح الى إمكان دعوة روسيا إلى استخدام حق النقض «الفيتو» لإسقاط اي قرار لا يراعي المصالح اللبنانية، وهو امر لم يستسغه كثيراً بوحبيب ربطاً بفرضية انّ موسكو ستطلب حينها من بيروت ان تسحب هي رسالة التجديد بدل ان تحضّ روسيا على استخدام «الفيتو» وتحمّل مسؤولية فرط قوات «اليونيفيل».

اما فرنسا فقد تولّت بصفتها «حاملة القلم» في مجلس الأمن محاولة تدوير الزوايا، وسعت الى تضمين المسودة ما يرضي جميع الجهات في آن واحد، الأمر الذي يفسّر اشتمال الصيغة النهائية على تناقضات واضحة ومتعمّدة، إذ حافظت على النص الذي يعطي «اليونيفيل» حرّية الحركة من دون إذن مسبق، ويمنحها حق تنفيذ مهمّاتها بصورة مستقلة، ولكنها ضمّت اليه في الوقت نفسه المطلب اللبناني المتصل بالتنسيق مع الحكومة.

هذه الخلطة المركّبة سمحت لكل طرف بأن يفسّر القرار كما يحلو له، وأن يأخذ منه ما يعجبه. وبالنسبة الى لبنان تحديداً، فإنّ مبدأ التنسيق بات مرجعية القرار المعدل وناظم إيقاعه، على الورق كما على الأرض.

ويبدو انّ الموقف الفرنسي المتفهم نسبياً، استند الى حسابات براغماتية تلحظ موازين القوى بين «حزب الله» والكيان الاسرائيلي، ووجود جنود فرنسيين في الجنوب ضمن «اليونيفيل» الى جانب المصالح الاقتصادية لباريس، وكلها عوامل تحفّز فرنسا على تأمين الاستقرار في لبنان، خصوصاً في الجنوب. تحت هذا السقف أدارت باريس المساومات في كواليس مجلس الأمن، وخطّت بـ«الحبر الأزرق» القرار المركّب، في انتظار جولة جديدة من المبارزة الديبلوماسية في السنة المقبلة.

عماد مرمل

المصدر: صحيفة الجمهورية




تنعدم الإستثمارات مع انعدام الإصلاحات

منذ العام 2011 بدأت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في لبنان أو ما يسمّى FDI Foreign Direct Investment تسجل انخفاضاً من ذروة بلغتها عند حوالى 5 مليارات دولار في 2010 وصولاً الى 2.63 مليار دولار في العام 2017، وفق أرقام مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «UNCTAD»، ثم الى 2,88 مليار في 2018، و2,2 مليار في 2019، و1,3 في 2020، علماً ان استثمارات العام 2020 نتجت عن نقل أرصدة من حسابات (غير مقيمة) في مصارف لبنان Non Resident Accounts لشراء عقارات بسبب الازمة المصرفية والمالية التي اندلعت في 2019، أي انها انتقلت من وديعة داخل لبنان الى عقار داخل لبنان.

وبالتالي، منذ العام 2021 ولغاية اليوم، فان الاستثمارات الاجنبية في لبنان ضحلة جداً بعد ان بلغت 605 ملايين دولار في العام 2021 وصولاً الى 458 مليون دولار في 2022.

جملة أسئلة تطرح نفسها


وسط حالة الانهيار المالي والاقتصادي والنقدي والاجتماعي الحالية في لبنان من دون أفق او خطة قيد التطبيق للاصلاح والخروج من الازمة المستفحلة، ما هي التوقعات بالنسبة للاستثمارات المستقبلية في بلد تغيب عنه دولة القانون وتنعدم فيه الثقة بالقضاء الذي أصبح مرتهناً للطبقة الحاكمة، ولا مجال للمساءلة والمحاسبة فيه، ولا رئيس لجمهوريته ولا سلطة تنفيذية وتشريعية فعالة او صالحة لاقرار وتنفيذ الاصلاحات الجذرية وفق الاتفاق مع صندوق النقد الدولي؟ علماً ان الاتفاق مع الصندوق حدد برنامج إنقاذ للسنوات القادمة وكان كفيلا» باستعادة ثقة المجتمع الدولي والمستثمرين الاجانب بالبلاد، لو تم البدء بتطبيق شروطه او اجراءاته المسبقة على الاقلّ!

وما هي التوقعات للاستثمارات الجديدة في لبنان في ظلّ عدم وجود قطاع مصرفي فعال وعدم البدء حتّى باعادة هيكلة هذا القطاع، وسط تهرّب واضح من كيفية معالجة الازمة المصرفية وسدّ الفجوة المالية في النظام المصرفي وإمعان في تذويب أموال المودعين. وكيف يمكن ان يستعيد لبنان ثقة الدول المانحة او المستثمرين الاجانب بعد تخلّفه عن سداد ديونه الخارجية وعدم الاتفاق بعد على خطة واضحة مع حملة سندات اليوروبوندز؟

عوامل الجذب شبه غائبة

ان عوامل جذب الاستثمارات الى لبنان صارت شبه غائبة تماماً، وهي المتمثلة أساساً بالحماية القانونية والضمانات من المخاطر التي يمكن ان يتعرض لها المستثمر في البلد المضيف من اضطرابات سياسية، ومخاطر الحروب، واعمال تمييزية بحقه، ومن تأميم، وقيود مفروضة على التحويلات، او تحامل القضاء ضده.

ومن أبرز العوامل الجاذبة التي يفتقر لها لبنان أيضاً: الاستقرار السياسي والامني والمالي والاقتصادي، الحد من البيروقراطية، مكافحة الفساد، وقف إساءة استخدام السلطة الموكلة لتحقيق مكاسب شخصية، تعزيز الشفافية والحوكمة والمساءلة والنزاهة على جميع المستويات وفى جميع القطاعات، التحول الرقمي الحكومي، الحوكمة وتعزيز الشفافية، بالاضافة الى تأهيل البنية التحتية وقوة الاقتصاد ونموه وتنوعه، واتساع حجم السوق مع استقرار وتحسن وتيرة النمو الاقتصادي، استقرار معدلات التضخم وبقاؤها عند مستويات منخفضة، وكذلك استقرار أسعار الصرف.

شارل عربيد

لا استقرار ولا ثقة

في هذا الاطار، رأى رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي شارل عربيد ان العامل الاساسي للاستثمار هو الثقة والاستقرار. وعلى الرغم من وجود فرص استثمارية، فان الاستقرار مفقود في لبنان ومصداقية البلاد country credibility «ليست في أحسن احوالها».

واشار عربيد الى اهمية القطاع المصرفي والقضاء والاصلاحات الجذرية المطلوبة لمكافحة الفساد كعوامل اساسية ايضاً لجذب الاستثمارات، مؤكداً لـ»نداء الوطن» انه عندما تغيب تلك العوامل مجتمعة، لا تعود فرص الاستثمار عامل جذب، علماً ان الدول ذات المخاطر الكبرى يكون مردود الاستثمار فيها كبيراً hish risk ) high return ) «إلا انه للاسف، أصبحت مخاطر لبنان كبيرة ومردود الاستثمار فيه ضئيل».

الكلفة التشغيلية مرتفعة
بالاضافة الى ذلك، لفت الى ان الكلفة التشغيلية المرتفعة في لبنان والبنية التحتية المتردية لا تشجعان على الاستثمار، فالقطاع الخاص على سبيل المثال ينتج طاقته الخاصة على حسابه، «وبالتالي لم يعد لبنان جاذباً للمستثمر اللبناني ولا للمستثمر الاجنبي».

الفرص والوقت
في المقابل، يعول عربيد على فرص تحقيق الاستقرار السياسي او وضوح الرؤية المستقبلية السياسية بناء على التفاهمات المحلية والاقليمية، وعلى امكانية استكشاف الغاز الذي يشكل عاملاً اقتصادياً جديداً في المعاجلة الاقتصادية للبلاد، ما من شأنه ان يحيي فرص اعادة الاهتمام بالاستثمار في لبنان او ان يفتح مجدداً شهية الاستثمار فيه.

وحذر عربيد من عامل الوقت الذي يداهمنا ومن فرص الاستثمار التي تخسرها البلاد نتيجة تلكؤ السلطة الحاكمة في تطبيق الاصلاحات، خصوصا في ظلّ المنافسة الكبيرة من قبل الدول المجاورة والتي تقدم حوافز وتسهيلات وتؤمن بيئة حاضنة للاستثمار اكثر بكثير من لبنان.

مازن سويد

الإتفاق مع صندوق النقد


بدوره، اعتبر رئيس مجلس إدارة مدير عام المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان «إيدال» مازن سويد ان العائق الاساسي امام جذب الاستثمارات الخارجية هو عدم وضوح الرؤية الماكرو اقتصادية وعدم بتّ الاتفاق مع صندوق النقد الدولي في مقابل تصريح الطبقة الحاكمة التزامها به. مشيراً لـ»نداء الوطن» الى ان الاعلان عن عدم نيّتهم السير بالاتفاق مع الصندوق، سيكون أفضل من حالة المراوغة الحالية، كما ان طرح خطة بديلة والبدء بتطبيقها أفضل من الالتزام ببرنامج الصندوق غير القابل للتطبيق سياسيا.

لا وضوح مالي ونقدي

وسأل سويد: أي مستثمر سيقصد لبنان في ظلّ عدم وضوح السياسة الضريبية والسياسة النقدية؟ أي مستثمر سيخاطر بامواله في غياب سياسة لحركة رؤوس الاموال capital repatriation؟

وأكد ان عدم الوضوح في السياسات الثلاث المذكورة يبرر الحجم الخجول جدّاً في الاستثمارات الأجنبية. إلا انه رغم ذلك «استطعنا جذب حوالى 300 مليون دولار من الاستثمارات (عبر ايدال) خلال العامين الماضيين في قطاعات حيوية مثل صناعة الادوية والصناعات الغذائية، معظمهم مستثمرون لبنانيون مقيمون في الخارج استفادوا من فرصة تراجع القدرة الشرائية لمعظم اللبنانيين لتعزيز الصناعة المحلية كبديل عن الاستيراد. مشدداً في هذا السياق، على انه لو توفر الوضوح بالرؤية الاقتصادية الشاملة، لكان حجم تلك الاستثمارات بلغ 3 مليارات دولار بدل 300 مليون!

سدّ الفجوة

واكد سويد ردّاً على سؤال، ان سدّ الفجوة المالية لا يشكل عائقاً طالما ان المستثمر على دراية بنوعية الضرائب التي ستُفرض لتسديد تلك الفجوة. مقترحاً تصفير الفجوة المالية وتحرير سعر الصرف وجباية ايرادات الدولة من ضرائب ورسوم على اساس سعر الصرف المحرر وليس اسعار صرف وهمية، مما يؤمن ايرادات كافية لتمويل عجز الدولة، في موازاة خصخصة خدمات الدولة الاساسية مثل الكهرباء والاتصالات وغيرها، أي تلزيم ادارتها وتشغيلها للقطاع الخاص بشكل شفاف.

كما لفت سويد الى ان عدم وجود قطاع مصرفي فعال يشكل ايضاً عائقاً اساسياً، «لان المستثمرين لا يعوّلون على رأسمالهم فقط من اجل الاستثمار بل بحاجة الى حوافز مالية اضافية، علماً ان وظيفة القطاع المصرفي الاساسية هي تحويل الودائع الى استثمارات».

وفيما رأى ان الاستثمارات لن تصل الى الانعدام بشكل كامل بسبب وجود بعض المستثمرين المؤمنين بلبنان ومستعدين للاستثمار فيه، إلا ان ذلك لا يشكل الا نسبة من حجم الامكانات المتوفرة في حال وجود الاستقرار، كما ان حجم تلك الاستثمارات (300 مليون دولار) لا يشكل شيئاً مقابل قيمة عجز الميزان التجاري البالغة حوالى 9 مليارات دولار!

ايلي رزق

قطاع الغاز

من جهته، شدد رئيس هيئة تنمية العلاقات الاقتصادية اللبنانية الخليجية إيلي رزق على ان الثقة هي العامل الاساس لجذب الاستثمارات مجدداً الى لبنان، لافتا الى وجود العديد من القطاعات التي يبدي المستثمر الخليجي اهتماماً بها، اهمّها اليوم قطاع النفط والغاز الذي أبدى القطريون اهتمامهم به في البلوك 9، «علماً ان البلوكات الاخرى قادرة ايضا على جذب شركات خليجية ذات خبرة كبيرة في الاستثمار بالقطاع النفطي ومشتقاته، بالاضافة الى قطاع الطاقة المتجددة والكهرباء والمواصلات والنقل…»

لا ثقة بالإدارة السياسية

ولكنّ رزق أكد لـ»نداء الوطن» ان الاهتمام الخليجي بالاستثمار في لبنان يعبأ أوّلا وأخيرا بفقدان الثقة بالادارة السياسية للبلاد، مشيراً الى ان الدول الخليجية فقدت ثقتها بكافة الاحزاب والقوى السياسية بعدما تبيّن لها انها تجيد فقط الكلام بالسياسات ولا تملك خبرة بوضعها وتطبيقها لتعيد نهضة البلاد على المستوى الحكومي، «علماً ان القطاع الخاص استطاع النهوض والصمود وحافظ على الثقة به، ولكنه بحاجة الى الاستقرار الامني والسياسي كي يتمكن من جذب الاستثمارات وعقد الشراكات».

إتفاق الصندوق

واشار رزق الى ان اهمية الاتفاق مع صندوق النقد الدولي تكمن في امكانيته ضبط الفساد والهدر وحماية صناديق الاستثمار واموال الدولة بعدما فقد المجتمع الدولي ثقته بالقوى السياسية الحاكمة التي نهبت وسرقت ثروات واملاك الدولة والودائع المصرفية. معتبراً ان الاتفاق مع الصندوق قد يكون عاملاً لاستعادة الثقة إلا ان الاساس يبقى في تغيير شامل للقوى السياسية الحاكمة وتعيين رجال دولة وليس رجال سلطة، يستعيدون هيبة المؤسسات وقدراتها ويحررونها من هيمنة الاحزاب والميليشيات عليها.

إفتتاح 3 فنادق عالمية

وفي الختام، اكد رزق ان الاستثمارات الخليجية معدومة باستثناء الاستثمار القطري المتجه نحو قطاع الغاز، كاشفاً عن احياء استثمارات في قطاع الفنادق يملكها خليجيون (قطريون وسعوديون) والتي يعاد ترميمها حالياً و سيعاد افتتاحها مع بداية العام 2024 (3 فنادق 5 نجوم عالمية) بعدما اظهر القطاع الخاص خصوصاً السياحي في لبنان ازدهاره ونموه وتأقلمه مع الازمات.

رنى سعرتي

المصرد: صحيفة نداء الوطن – الملحق الاقتصادي




مشروع موازنة 2024: ثوابت قليلة ومتغيّرات كثيرة

*عجز 13.8% من غير المعروف كيفية سداده طالما لا إقراض بالليرة والدولار من مصرف لبنان

*رسوم وضرائب بالدولار قد ترفع الطلب على العملة الخضراء وتنسف ما يخطّط له البنك المركزي

*حالات عدم اليقين دفعت إلى وضع ثلث النفقات في إحتياطي الموازنة للصرف منه حسب المتغيّرات

*تأجيل النفقات الإستثمارية إلى سنوات لاحقة ما يعني أن أوضاع البنية التحتية مستمرّة بالتدهور

أعدّت وزارة المالية مشروع موازنة 2024 ورفعته الى مجلس الوزراء. يأتي المشروع في وقت مبكر على غير العادة. وهذا إيجابيّ قياساً بكثير من السنوات السابقة التي كانت تتأخر الموازنات ولا تقرّ إلا بعد قرب انتهاء السنة المالية. إستندت أرقام المشروع الجديد الى موازنة 2021 من حيث المقارنة. ما يعني أن الوزارة تعترف بأن موازنتي 2022 و2023 ليستا صحيحتين على الإطلاق للبناء عليهما من سنة الى أخرى. لكن ما الذي يدعو للاعتقاد أن مشروع 2024 هو أقرب للدقّة والتحقق؟ الجواب لا شيء تقريباً!

فالمشكلة الأساس تبقى في حالة عدم اليقين بشأن سعر الصرف. فإذا كان سعر صرف الدولار مستقرّاً منذ آذار الماضي، فلا شيء يؤكّد استقراره في الفترة المقبلة، خصوصاً أن البنك المركزي سيعتمد منصة بلومبيرغ في الشهرين المقبلين بناء على العرض والطلب الحقيقيين مع هامش ضئيل للتدخّل من قبل مصرف لبنان. ومن إشارات عدم اليقين في مشروع الموازنة الجديد وضع ثلث أرقام الإنفاق في احتياطي الموازنة بحيث يتمّ الصرف منه وفقاً لتطوّرات حاجة القطاعات والإدارات وأبواب الإنفاق المختلفة. وللسنة الرابعة على التوالي لا تلحظ الموازنة اعتمادات إنفاق استثماري وتؤجل ذلك للعام 2025 ولاحقاً.

ولحظت الموازنة نفقات مقدّرة بنحو 300.5 ترليون ليرة مقابل نفقات بنحو 258.7 ترليون ليرة ونسبة العجز 13.8%. فالوزارة لم تستطع تغيير المسار المنحدر منذ التسعينات والذي هو في أساس الأزمة في لبنان: عجز في الموازنة يفرض الاقتراض. لكن من أين الاقتراض إذا كان الحاكم الجديد للبنك المركزي (بالإنابة) يؤكد أنه لن يقرض الحكومة لا بالليرة ولا بالدولار، ولن يلجأ لطبع العملة الوطنية حتى لا يتأثر سعر الصرف. كما أن جديد الموازنة هو الاتجاه الى جباية رسوم وضرائب بالدولار. فهل سيزيد الطلب على العملة الخضراء لسداد تلك الضرائب والرسوم؟ وما مصير سعر الصرف في هذه الحالة؟ وهذا أيضاً متغيّر كبير لا يمكن الاستهانة به بحيث إنه قد ينسف الكثير من أرقام الإيرادات الواردة في الموازنة. ولحظ المشروع أيضاً رفع الضريبة على القيمة المضافة من 11% الى 12%، ورسوماً مقابل خدمة جمع النفايات الصّلبة ومعالجتها ويشمل ذلك مخيّمات اللاجئين النازحين وهي بالدولار إنما تُستوفى بالليرة، ورسم استهلاك للحفاظ على البيئة وهو عبارة عن رسم جمركي يشمل جميع السّلع المستوردة بين 1 و 4 بالألف (ما يزيد عن الـ1500 سلعة مستوردة) ولم يعرف كيف ستنفق حصيلة هذا الرسم على وجه التحديد بيئياً، واستيفاء عدد من الرسوم بالدولار ويشمل ذلك الرسوم الجمركية ورسم الاستهلاك الداخلي عند الاستيراد ورسوم كهرباء لبنان.

وجاء في تقرير أعدّته «الدولية للمعلومات»: أن إيرادات مشروع الموازنة مرتبطة بافتراض إقرار مشروع موازنة العام 2023 التي لم تقرّ من مجلس النواب بعد، وأضاف التقرير أن مشروع قانون الموازنة العامة للعام 2024 يتألف من 64 مادة موزّعة على أربعة فصول وأورد التقرير توضيحاً للمواد التي تضمّنها هذا المشروع وفق الملاحظات التالية:

أولاً: في النفقات عامة:

إن النفقات المقدّرة تضاعفت 7.35 مرات مقارنة بموازنة العام 2022 في المجموع العام. أما على صعيد الوزارات، فيتبيّن أن احتياطي الموازنة نال النّسبة الكبرى من الاعتمادات وهو أمر مستغرب وللمرة الأولى تصل نسبة هذا الاعتماد الى 33.7% من مجمل النفقات، وتكون في هذه الحالة نفقة غير محدّدة يتوقّف إنفاقها على نقل اعتماد منه.

تتوزّع النفقات بين الإدارات والوزارات حيث يظهر أنه تم تخفيض موازنة وزارة المالية عن مشروع العام 2023 من 45 ألف مليار الى 4.7 آلاف مليار، وكأن النفقات التشغيلية والرواتب ومعاشات التقاعد قد اختفت ما يظهر أنه تمّ نقل هذه النفقات الى احتياطي الموازنة.

نالت وزارة الدّفاع النسبة الكبرى من الاعتمادات حيث بلغت نسبة 13% من مجمل الموازنة تليها وزارة الصحة بنسبة 10.4%.

أما على صعيد تصنيف النّفقات، فقد بلغت النفقات التشغيلية حوالي 285 ألف مليار والتي تمثل النفقات العادية في حين أن نفقات الجزء الثاني من الموازنة بلغت فقط 15.5 ألف مليار وهي نفقات التجهيز والاستثمارات.

ثانياً: في الإيرادات:

أما على صعيد الإيرادات، فيبدو أن الحكومة افترضت أن مشروع موازنة 2023 مصدق وأوردت إيراداتها المرتقبة في الإيرادات المقدّرة في مشروع موازنة 2024، كما أوردت ضرائب ورسوماً جديدة فيها وفق ما يلي:

– قدّرت وزارة المال أنها ستحقّق إيرادات بمبلغ يوازي 16 ضعف ما تمّت جبايته في العام 2021 كرقم إجمالي، واعتبرت أن الضريبة على القيمة المضافة ستحقّق 90 ألف مليار أي 30 ضعف ما تمّت جبايته في العام 2021 حيث إنها لم تورد أرقام الجباية المحصّلة فعلياً في العام 2022 ولا العام 2023.

– لم تورد من أرباح إدارة حصر التبغ والتنباك سوى 1.3 ضعف عن الإيرادات التي حققتها عام 2021 رغم أنها أوردت أنها ستحقّق 27.7 ضعفاً إضافية عن رسوم التبغ والتنباك مقارنة بالإيرادات عن عام 2021. أما الجمارك فقد قدّرت المالية أنها ستحقّق 27.7 ضعف ما حققته سنة 2021.

ثالثاً: أحكام متفرّقة:

– أخضعت المادة 18 الحفلات الفنية والموسيقيّة أو الترفيهيّة للضريبة على القيمة المضافة ولو كانت حفلات عارضة.

– استحداث رسم بدل خدمات سريعة وطارئة لدى الإدارات العامة يستوفى من الراغبين في إنجاز معاملاتهم بسرعة ويوزّع حاصل الرسوم وفق الآتي:

%50 لموظفي المديرية المعنية

%5 لموظفي الهيئات الرقابية

%10 لموظفي الإدارات التي لا تقدّم خدمات

%15 لصندوق تعاضد موظفي الإدارات العامة

%20 للخزينة العامة

– الإجازة للمكلفين بتسديد الضرائب من حساباتهم المصرفية بالعملة الأجنبية (القديمة قبل 10/2019) عبر احتساب قيمتها على أساس 40% من سعر الدولار الأميركي على منصة صيرفة.

– استيفاء الضريبة من الرواتب المدفوعة بالعملة الأجنبية حيث يتم تحويل الراتب الى الليرة على أساس 40% من سعر الصرف على منصة صيرفة ثم يتم تحويل الضريبة المحتسبة الى العملة الأجنبية التي دفعت على أساس سعر صرف منصة صيرفة.

– رفع رسوم قانون براءات الاختراع وقانون حماية الملكية الأدبية والفنية ورسوم الملكية التجارية والصناعية كذلك ومنها ما وصل الى 25 ضعف الرسم السابق.

– رفع رسوم إجازات الاستيراد والتصدير وإعادة التصدير المنصوص عنها في الجدول رقم 9 الملحق بالقانون 280/1993 لتصبح الرسوم 5 ملايين بعد أن كانت 75 ألف ليرة.

– رفع الرسوم القضائية المتعلّقة بالسجل التجاري بشكل لافت حيث وصل رسم تسجيل التاجر مثلاً الى 100 مليون بعد أن كان يبلغ 2000 ليرة.

– إنشاء رسم جديد للحصول على ترخيص لاستثمار مؤسسة سياحية والحصول على إفادة تأكيد استمرارية الاستثمار بين 5 و25 مليوناً.

– زيادة الرسوم المقطوعة في قانون الرسوم والعلاوات البلدية الى 40 ضعفاً.

– استحداث رسوم بقيمة ما بين 300 و500 ألف في المديرية العامة للتعليم العالي واستحداث رسوم إضافية لجميع الإفادات.

– تعديل آلية احتساب الرسوم والغرامات المتوجّبة على مؤسسات التعليم العالي على أساس سعر صرف 1507 وضربها بسعر الصرف حسب المنصة الرسمية.

– إقرار رسوم على المعاملات التي يجريها القضاة الشرعيون لدعم صندوق تعاضد القضاة الشرعيين والمذهبيين.

– تعديل الرسوم التي تستوفيها وزارة العمل لا سيّما الموافقات المسبقة وإجازات العمل والمحاضر.

– فرض رسم على خدمة جمع النفايات الصلبة ومعالجتها ويكون رسماً شهرياً يتراوح بين حد أدنى وحد أقصى حسب نوع الوحدة السكنية أو الصناعية أو غيره ويشمل مخيّمات النازحين واللاجئين.

– رفع قيمة طابع المختار من 5 آلاف الى 50 ألفاً لدعم الصندوق التعاوني للمختارين وتشديد العقوبة على المختار الذي يمتنع عن إلصاق الطابع.

– ألغت المادة 62 من المشروع التصديق الحكمي المنصوص عنه في النظام العام للمؤسسات العامة لجهة التصديق الحكمي للقرارات التي تتّخذها المؤسسات العامة، وعبر اشتراط موافقة مجلس الوزراء.

– حظرت المادة 63 على المؤسسات العامة تغطية فروقات الاستشفاء ببوالص استشفاء لمستخدميها المستفيدين من تقديمات الضمان الاجتماعي.

ماذا عقارياً؟

إبقاء استمرار التخمين العقاري طالما لم تتعدّل الظروف والسماح للبلديات بإعادة النظر بالقيمة التأجيرية بعد مرور 3 سنوات على تخمينها عبر تعديل المادة 8 من القانون 60/1988 (الرسوم والعلاوات البلدية) (م.45 من المشروع)

– رفع القيمة التأجيرية للعقارات المعتمدة نسبة للزيادة الطارئة على الحد الأدنى الرسمي للاجور عبر إعادة العمل بالمادة 10 من القانون 60/1988 حيث إنه في كل مرة يزاد فيها الحد الأدنى الرسمي للأجور، ترفع القيم التأجيرية المعتمدة لفرض الرسم بمعدل نصف نسبة الزيادة الطارئة على ذلك الحد الأدنى. مع العلم أنه سبق أن أوقف العمل بالمادة العاشرة بموجب المادة الثانية من القانون 336 تاريخ 24/05/1994.

– تعديل الحد الأدنى لمعدلات الرسم على القيمة التأجيرية بحيث يبقى المعدل:

%5 للأماكن المستعملة للسكن.

%7 للأماكن المستعملة لغير السكن.

– على أن لا يقل مقدار الرسم السنوي المفروض في كل تكليف عن مليون بعد أن كان /25000/ل ل. في الأماكن المستعملة للسكن وعن مليونين بعد أن كان /50000/ل.ل في الأماكن المستعملة لغير السكن.

– رفع قيمة الغرامة على مالك العقار الذي يمتنع عن إعلام البلدية خطياً باشغال البناء سواء شغله بنفسه أو أجّره من الغير وبكل ما يطرأ على هذا الإشغال من تعديل في وجهة الاستعمال وتبديل في الشاغلين وذلك لغاية 31 كانون الأول من السنة التي جرى فيها الإشغال أو حصل فيها التعديل أو التبديل. (كانت 500 ليرة أصبحت ضعف الرسوم المتوجبة على القيمة التأجيرية من كل سنة).

– تعديل رسم الترخيص المقطوع من (10000) عشرة آلاف ليرة لبنانية الى مليون ليرة وهو يتوجّب عن كل ترميم أو تصليح لا تنتج عنه إقامة هيكل حديد (جدران حاملة وسقوفية او أعمدة وجسور سقوفية وعلى إقامة التصاوين)

– اعتبار رسم الأرصفة والمجاري سارياً على المالك بغضّ النظر عن إشغاله للعقار ولو لم يكن العقار مشغول فعلياً.

– رفع الرسم الذي تستوفيه البلدية من (2000 ل.ل.) الى 500 ألف في كل من الحالات الآتية:

1 – إعطاء بيان لمسطح تخطيط عن كل عقار.

2 – إعطاء بيان عن مستويات (شقلات) عن كل عقار.

3 – إعطاء بيان عن المجاري والمناطق الارتفاقية او أحدهما عن كل عقار.

4 – لقاء التدقيق في كل طلب إفراز.

5 – سائر الإفادات والبيانات ذات الطابع الفني.

المصدر: المعهد اللبناني لدراسة السوق




الوصول إلى الحقيقة لا يحتمل التبسيط

يمكن أن تختلف كلفة التحقيق الجنائي العلمي بشكل كبير اعتمادًا على الظروف المحددة والموارد المطلوبة للقضية. تشمل العوامل التي يمكن أن تؤثر على الكلفة طبيعة القضية وتعقيدها، وعدد الضباط والخبراء المشاركين، ومدة التحقيق والحاجة إلى معدّات أو خدمات متخصصة. بشكل عام، يمكن أن تتراوح كلفة التحقيق العلمي بين بضعة آلاف إلى مئات الآلاف من الدولارات، أو أكثر. لكن يبقى التدريب المستمر في المباحث العلمية ضروري للحفاظ على الكفاءة الفنّية للمحققين، بسبب دورها الأساسي في تقليص تكلفة التحقيق، عبر تزويدهم بالمعرفة والمهارات اللازمة للتعامل مع الأدلة بشكل صحيح وتحليلها وتفسيرها، وضمان استخدامهم للأدوات والتقنيات، والحفاظ على الدقة والموثوقية في عملهم وتجنّب التحيّزات أو تضارب المصالح

تحديد أتعاب التحقيق 

يُنظر عادةً في عوامل عدة لتحديد كلفة التحقيق الجنائي العلمي، منها:

–  الوحدات أو الخبرات المتخصصة:  قد تتطلب بعض التحقيقات وحدات أو خبرات متخصصة، مثل الأطباء الشرعيين، أو خبراء مسرح الجريمة، أو المتخصصين في العلم الجنائي الرقمي، أو غيرهم من الفنّيين. تعتمد التكلفة على عدد الخبراء الذين يُستعان بهم، ومستوى خبرتهم، ومدة مشاركتهم.
– المعدّات والتكنولوجيا المتخصصة: مثل أدوات الطب الشرعي والتحقيق العلمي، ومصادر الإضاءة الجنائية، ومعدّات جمع الأدلة، ومواد رفع البصمات، وغيرها. في بعض الأحيان، يكون هناك حاجة أيضًا إلى تكنولوجيا متقدمة أو أدوات تحليل البيانات. وتعتمد التكلفة على مدى توفّر المعدّات المحددة والموارد اللازمة، للجهاز المولج بالتحقيق، والحاجة إلى شرائها أو صيانتها.

– تحليل المختبر:  اعتمادًا على الأدلة التي جُمعت، قد يلزم إجراء تحليلات معيّنة في المختبر الجنائي يمكن أن تشمل تحليل الحمض النووي، وتحليل السموم، والاختبارات البالستية، وتحليل ومقارنة البصمات. تعتمد التكلفة على الاختبارات المحددة المطلوبة، وعدد العيّنات، وصعوبة التحليل.
– التنقّل: زيارة مسرح الجريمة أو إجراء مقابلات في مواقع مختلفة أو التعاون مع أجهزة أمنية أخرى.
– النفقات العامة والإدارية المختلفة: مثل حفظ السجلات، والتوثيق، والاتصالات، والطباعة والتدريب وغيرها.
– المدة والتعقيد: قد تتطلب التحقيقات الطويلة أو التي تنطوي على ظروف معقدة أو وجود عدة مشتبه فيهم أو أدلة مكثفة المزيد من الموارد وبالتالي تكلفة أعلى.

أنواع التحقيقات الجنائية

بعض الأنواع الشائعة من المعدّات المستخدمة في التحقيقات الجنائية لجرائم القتل:
1. أدوات تحقيق مسرح الجريمة: تُستخدم لتسجيل وجمع الأدلة في مسرح الجريمة، وقد تشمل:
– الكاميرات ومعدّات التصوير الفوتوغرافي لالتقاط صور مفصّلة لمسرح الجريمة والأدلة.
– أدوات قياس وتوثيق مسرح الجريمة، مثل أشرطة القياس والمساطر لتسجيل أبعاد وتخطيط مسرح الجريمة.
– مصادر الإضاءة الجنائية، مثل الأضواء فوق البنفسجية (UV)، لتحديد وتوثيق سوائل الجسم، وبصمات الأصابع، أو أي أدلة أثرية أخرى قد لا تكون مرئية في ظروف الإضاءة العادية.
– مجموعات جمع الأدلة، بما في ذلك الماسحات، وأكياس الأدلة، والحاويات، لجمع وحفظ أنواع مختلفة من الأدلة مثل عيّنات الحمض النووي، والألياف، أو مخلّفات إطلاق النار.
– معدّات لفحص علامات الأدوات، لتحليل العلامات والآثار التي تُركت على الأسطح أو الأشياء.
– أدوات رفع البصمات: مساحيق بصمات الأصابع، والفُرَش، والرافعات اللاصقة لجمع وحفظ بصمات الأصابع.
– أدوات تحليل أنماط بقع الدم، مثل مادة اللومينول (Luminol)، لتصوير وتسجيل أنماط بقع الدم في مسرح الجريمة.
– أدوات التحليل البالستي: مؤشرات ليزر لتحليل مسارات المقذوفات.
– مواد الصبّ (casting) لإنشاء قوالب لآثار الأقدام والإطارات وغيرها من العلامات.
– أدوات علم الحشرات الجنائي: أدوات لجمع الحشرات وقوارير لجمع وتحليل الأدلة الحشرية لتحديد وقت الوفاة أو الفاصل الزمني بعد الوفاة.

2. تجهيزات المختبر الجنائي:
– مجهر لفحص الأدلة الدقيقة بالتفصيل، مثل الشعر، والألياف، وشظايا الزجاج، وغيرها.
– معدّات تحليل الحمض النووي (DNA Sequencer وThermal Cyclers).
– أدوات التحليل الكيميائي (Mass Spectrometers وGas Chromatographs).  
– أدوات فحص الأسلحة النارية.
– أدوات التحليل الجنائي الرقمية، مثل البرامج والأجهزة المتخصصة، لاستخراج وتحليل البيانات من أجهزة الكمبيوتر، والأجهزة المحمولة، أو وسائط التخزين الرقمية الأخرى.
– قاعدة بيانات وماسحات ضوئية لبصمات الأصابع، وأنظمة التعرف على الوجه وماسحات قزحية العين، وبرامج التعرف على الصوت.
3. معدّات الحماية الشخصية.

لوازم الطب الشرعي
– نقاط مخصصة مصممة لإجراء عمليات التشريح مع طاولات المشرحة مجهزة بأنظمة صرف وارتفاع قابل للتعديل.
– أدوات التشريح وأخذ العيّنات: شفرات، وملقط، ومقص، ومناشير لتقطيع العظام، وقواطع أضلاع لإجراء عمليات تشريح وفحص داخلي.
– أجهزة رقمية لقياس وزن الأعضاء أو العيّنات.
– أجهزة الأشعة السينية، أو CT scanners، أو أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي MRI لفحص الإصابات الداخلية، أو الكسور، أو الأجسام الغريبة.
 

– أدوات طب الأسنان الشرعي، ومواد تحليل علامات العض لفحص الأسنان.
– معدّات أخذ عيّنات علم السموم: المحاقن، وحاويات جمع البول، أو الماسحات لجمع عيّنات لتحليل علم السموم.
– معدّات الحماية الشخصية: لباس كامل، وقفازات، وأقنعة، ونظارات واقية لحماية العاملين من المخاطر البيولوجية المحتملة وضمان سلامتهم.
– أدوات علم الأنسجة وعلم الأمراض: ميكروتومات (Microtomes) لتقطيع الأنسجة، وشرائح زجاجية مجهرية، ومجهر لفحص عيّنات الأنسجة.

الجرائم المعقدة والاحتيال..

التحقيق في الجرائم المالية المعقدة أو عمليات الاحتيال واسعة النطاق هو أحد أمثلة التحقيق المكلف. تتضمّن هذه الأنواع من التحقيقات غالبًا تحليلًا ماليًا مكثّفًا ومراجعة حسابات جنائية وضرورة اتّباع مسار مستندات يمر عبر محطات قضائية عدة. يمكن أن تضاف تكلفة توظيف محاسبين جنائيين متخصصين وخبراء ماليين ومحققين يمتلكون خبرة في هذه المجالات إلى التكلفة الإجمالية بشكل كبير.
كما يمكن أن تتكبّد التحقيقات في الجرائم المنظّمة أو عمليات تهريب المخدرات الكبيرة تكاليف باهظة. وغالبًا ما تكون هذه التحقيقات سرّية وتتطلب معدّات مراقبة، وتنسيق العديد من الأجهزة الأمنية

جنان الخطيب

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار

 




ممنوع الاتصال قبل الساعة 5؟

قضايا العنف الأسري، وفقاً للنص وظاهرياً، هي من القضايا التي تستدعي التدخل والتحرك السريعَين من قبل النيابات العامة الاستئنافية. فبموجب نص المادة 11 من قانون «حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري» الرقم 293\2014 يُلزم المحامي العام المكلّف تلقي شكاوى العنف الأسري باتخاذ الحد الأدنى من التدابير لحماية الضحية، كأن يحصل على تعهّد من المشكو منه بعدم التعرض لها، وفي حال وجود خطر محدق يُمنع المشكو منه من دخول البيت الأُسري لمدة 48 ساعة قابلة للتمديد مرة واحدة، إن لم تكن هناك وسيلة أخرى لحماية الضحية وأولادها. لكن، هل يطبّق هذا النص فعلاً على أرض الواقع؟


نعرض في ما يلي ما حصل مع إحدى النساء يوم الجمعة في 25 آب 2023.ريتا (اسم مستعار)، هي أم لثلاثة أولاد تعيش مع زوج لم يترك «للصلح مطرح» واختار المخدرات رفيقة له بدلاً من زوجته وأولاده. لم تعد تحتمل الزوجة بعد 17 سنة من الصبر ومحاولات الدعم والعلاج، التي لم تكتمل نتيجة رفض الزوج متابعتها، ففقدت السيطرة وبدأت بالصراخ والاعتراض على هذا الواقع المرير أمام أطفالها، فلم يكن من الزوج إلا أن طردها من المنزل مهدداً إيّاها بحرمانها من أولادها ومن السكن وكل ما يمكن أن تمتلك حتى ملابسها التي رفض أن تأخذ بعضاً منها. انتقلت للبقاء مؤقتاً في منزل قريبة الزوج، إذ لا سند لها أو معيل، فوالدها متوفى ووالدتها تعيش خارج لبنان، وتواصلت عبر إحدى صديقاتها مع محامية لاستشارتها. طلبت الأخيرة منها أن تتريّث باتخاذ أي موقف تصعيدي كي لا تستفز زوجها الذي بحوزته طفلتيها القاصرتين، وأن تحاول حلّ المشكلة من دون أي مواجهة مباشرة.إلا أن طلبها بالتروي تبخّر بعد أقل من ساعة على الاتصال، لأن الزوج قرر المجيء إليها لأخذ طفلتها الثالثة الأصغر سناً، التي كانت تبكي فزعاً من كل ما يجري أمامها. هاجم الزوج ريتا وطفلتهما، أثناء ركوبهما سيارة قريبته، وكاد أن يكسر زجاج السيارة على مرأى سكان الشارع الذين تجمّعوا لإيقافه وإبعاده. 

ما اضطرّ ريتا للاتصال بالخط الساخن 1745 فأحيلت إلى أقرب مخفر من مكان وقوع التهجّم. دخلت الأم خائفة ومرتبكة إلى المخفر، فكان الجواب الأوّلي لها إنه لا يمكن فتح محضر فوري لأن الزوج لم يضربها. وبعد تواصل المحامية مع المخفر وضّح العنصر الأمني أنه لا يستطيع فتح محضر من دون إشارة المحامي العام الاستئنافي المناوب حالياً، القاضي فرزلي، المكلّف بملفات العنف الأسري، ولا يستطيع الاتصال به قبل الساعة الخامسة عصراً «مهما كانت الأسباب».

حاولت المحامية أن توضح للعنصر الأمني مدى الخطر المتوقّع على الطفلتين القاصرتين مع أب يعاني حالة عصبية مزمنة وقوية نتيجة تعاطيه المخدرات، قد تؤدي لارتكابه تصرفاً مؤذياً بحقه وبحق ابنتيه. ولمجرد احتمال وجود خطر على قوى الأمن التحرك فوراً، فهذا هو جوهر قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري. 
لنفترض أن رواية الأم تحتمل الشكّ، أو أننا لم نتثبّت من صحّتها بالكامل، على الضابطة العدلية التأكد من سلامة الأولاد أولاً وتأمين الحماية لهم، وخاصة مع ورود معلومة عن حالة الوالد العصبية. لكن ما حصل أن المحامي العام المكلّف بحماية من يتعرض للعنف ورغم تواصل المحامية معه لشرح الحالة، رفض الاستماع إليها ولم يقبل حتى أن تشرح له مدى خطورة الحالة، كما رفض إعطاء الإذن لعنصر قوى الأمن بفتح محضر بالحادث الذي تعرضت له الزوجة. وقال إن عليها تقديم شكوى أمام النيابة العامة الاستئنافية يوم الإثنين 28 آب، أي بعد ثلاثة أيام، من الممكن أن يحصل خلالها أمور كثيرة لا تحمد عقباها، تاركاً ريتا وطفلتها الصغيرة معاً وطفلتين مراهقتين مع الأب في عين العاصفة. من دون أي حماية قانونية وأي قرار حتى بإعادة الأم إلى منزلها، فلم يعد لديها مكان آمن بعد أن رفضت قريبة الزوج استقبالها وابنتها من جديد خوفاً من ردّ فعله!
إن هذا النهج، في ما يتعلق بأسلوب التعاطي مع ملفات العنف الأسري، ليس موحّداً بل يختلف بين قاض وآخر باختلاف نظرة وموقف القاضي من هذه القضايا بشكل عام. وهذا أمر مقلق لأن على القاضي أن يلتزم تطبيق النصوص القانونية وألا يجعل مواقفه الشخصية تؤثر على اتخاذه أي قرار، وخاصة في قضايا العنف الأسري.

وهذا التريّث أو عدم اتخاذ أي قرار لحماية الضحية التي لجأت للقضاء في قضية عنف وإن كان محتمل الوقوع، لا مبرر له أمام نهج مغاير تماماً نرى فيه القاضي نفسه يسارع لإصدار مذكرات بحث وتحرٍّ أو إشارة لمداهمة أو توقيف شخص مدعى عليه بجرائم مالية، على سبيل المثال، أو شبهة جريمة جزائية رافضاً إخلاء السبيل بحجة حماية حقوق المدعي المالية.
بينما يُستخف بحماية أرواح أطفال قاصرين وامرأة معنّفة ومدمن ومريض أعصاب قد تكون حياتهم جميعاً مهددة بالخطر. إن مجرد الشك باحتمال تحقّق هذا الخطر، يستدعي استنفاراً كاملاً للأجهزة القضائية والأمنية في دولة من المفترض أنها تحترم الإنسان، وحقوقه هي القاعدة الأولى ولا شيء مقدّماً عليها.

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار