1

الهجرة القسرية: لماذا تعتبر تهديدًا هيكليًّا لإفريقيا؟

من الناحية الجغرافية، يستعمل المهاجرون السريون القادمون من منطقة الساحل الإفريقي والصحراء الكبرى كل الطرق والوسائل المتاحة؛ بغية الوصول إلى شمال إفريقيا وأوروبا، فقد أظهرت الدراسات الميدانية حول الظاهرة أن الرحلة عبر الصحراء تمر بعدة مراحل، وتستمر من شهر واحد إلى عدة سنوات.


مقدمة

عند الحديث عن الهجرة غير النظامية، أو الهجرة السرية، أو غير الشرعية، أو ما يرتبط بها من مفاهيم ومؤشرات، فإن المقاربات التنظيرية الغربية ترى فيها تهديدًا مُعرقِلًا لبناء السلم والأمن الدوليين. وفي القارة الإفريقية يمكن اعتبار تعاظم الهجرة السرية بمنزلة تهديد هيكلي بنيوي للقارة، كما تشكل صيغة من الصيغ اللينة للتهديد الإستراتيجي الذي يمكن أن يغير الخارطة الإفريقية، رغم أن كل الشرائع والتنظيمات الدولية ترى في حرية التنقل والسكن حقوقًا مدنية وسياسية أقرها المُنتَظَم الدولي.

وترى التقارير العالمية عند سردها للتهديدات عالية الخطورة high global Risk أن الهجرة السرية تعد أهمها، بالإضافة إلى الجريمة الإلكترونية، والتغيرات المناخية، وإشكاليات الأمن والتنافس الدولي الذي حَوَّلَ إفريقيا إلى إقليم هش لصراع الإرادات الإقليمية والدولية. ويشير التقرير الدولي عن المخاطر الصادر سنة 2022 إلى أن ضحايا الهجرة غير النظامية قد تجاوز 4800 خلال سنة 2021، وأن الرقم مئتي مليون لاجئ سيتم تعديه وتجاوزه بحلول 2050 بسبب اللجوء البيئي فقط في العالم(1).

الإطار المفاهيمي: الجذور والتنظيرات والتحيز وإشكالية المفهوم

تعتبر الهجرة ظاهرة جغرافية تعبِّر عن ديناميكية سكانية تتجلى في شكل تنقل سكان من مكان لآخر؛ بحيث يحدث انتقال لأشخاص أو لمجموعة من دولة إلى أخرى دون إذن قانوني من البلد المقصود، وذلك بقصد العمل أو الإقامة لفترة قصيرة أو طويلة، أو بقصد الإقامة الدائمة. في حين تَعتبر المُنَظَّمَة الدولية للعمل أن الهجرة السرية هي: “التي يكون بموجبها المهاجرون مخالفين للشروط التي تحددها الاتفاقيات الدولية والقوانين الوطنية”، ويُقصد على هذا الأساس بالمهاجرين غير الشرعيين كلٌّ من:

  • الأشخاص الذين يَعبرون الحدود بطرق غير قانونية وخِلسةً عن الرقابة المفروضة.
  • الأشخاص الذين رُخِّصَ لهم العمل بموجب عَقد، ويُخالفون هذا العَقد سواء بالقيام بعمل غير مُرَخَّص به، أو عمل يُعاقِب عليه القانون المحلي.
  • الأشخاص الذين يَدخلون إقليم دولة ما بصفة قانونية وبترخيص إقامة ثم يتخطون مُدَد إقامتهم ويصبحون في وضعية غير قانونية. كما عُرِّفَت الهجرة غير المشروعة أيضًا على أنها الانتقال من الوطن الأم إلى الوطن المهاجَر إليه؛ للإقامة فيه بصفة مستمرة بطريق مخالف للقواعد المُنَظمة للهجرة بين الدول طبقًا لأحكام القانون الداخلي والدولي(2).

تعتبر دراسات الهجرة من الدراسات المهمة في القرن الحادي والعشرين، وقد كان هناك بعض من الرواد البارزين ممن أعطوا قفزة في مجال دراسة هذه الظاهرة، ومن بينهم أرنست جورج رافنستاین في كتابه “قوانين الهجرة”، ويعتبر هذا الكاتب بمنزلة الأب المؤسِّس للفكر الحديث حول الهجرة، وكذلك ويليام توماس في كتابه المرجعي “الفلَّاح البولندي في أوروبا وأميركا” وأيضًا فلوريان زنانيكي، بينما ترجع البحوث الأولى في موضوع الهجرة إلى النصف الثاني من القرن العشرين، وخاصة الثلث الأخير منه، وهي الفترة التي برزت فيها الهجرة مشكلةً دوليةً خاصة مع تنامي الهجرة غير الشرعية(3).

يختلط مفهوم الهجرة السرية ويتماهى مع العديد من المفاهيم، يبدأ بالمنظور غير الشرعي وينتهي إلى أقسى أنواع الهجرة المتمثل في اللجوء، وهي صورة ذلك الإنسان الهارب من جحيم الموت والقتل بسبب دينه أو لونه أو انتمائه السياسي أو الديني، ووفق هذه الرؤية قد يصل الباحث إلى حالة التماهي في التفريق بين اللاجئ والمهاجر غير النظامي. وتماشيا مع الحركية البشرية الدولية للهجرة فقد أقرت الأمم المتحدة من كل سنة “يومًا دوليًّا” للهجرة ترافع فيه، على الأقل من الناحية النظرية، بالحق في الهجرة وآليات ربطها بالمؤشرات الكبرى للتنمية. وفي عام 2020، كان هناك ما يزيد عن 281 مليون مهاجر دولي وأكثر من 59 مليون نازح داخلي بنهاية عام 2021.

وفي 18 ديسمبر/كانون الأول من كل عام، يحتفل العالم باليوم الدولي للمهاجرين، وهو يوم مخصص للاعتراف بأهمية مساهمات المهاجرين، مع تسليط الضوء بصورة خاصة على التحديات التي يواجهونها. وحسب المنظمة الدولية للهجرة، فقد بلغ إجمالي عدد المهاجرين حول العالم 281 مليونًا في عام 2020، وهو ما يمثل 3.6% من سكان العالم، بحسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة. وأوضحت أن ذلك يعني زيادة في عدد المهاجرين بأكثر من ثلاثة أضعاف، مقارنة ببيانات عام 1970 التي سجلت 84 مليون مهاجر.

ومن بين هؤلاء المهاجرين الذين يُعَدُّون من الفئات الأكثر ضعفًا وتهميشًا في العالم، بحسب ما تؤكد الأمم المتحدة، يُقدَّر عدد الذكور بنحو 146 مليونًا والإناث بنحو 135 مليونًا. وفي السنوات الأخيرة، أدت الصراعات في مناطق مختلفة من العالم -إلى جانب غياب الأمن وآثار تغير المناخ- إلى زيادة حركة “الهجرة القسرية”.

الهجرة السرية في إفريقيا وإشكالية التهديد

يمثل عدد المهاجرين في قارتَي أوروبا وآسيا 61% من إجمالي عدد المهاجرين في العالم، مع نحو 87 مليونًا في أوروبا و86 مليونًا في آسيا. وتحل أميركا الشمالية بعد أوروبا وآسيا في استقبال المهاجرين، مع 20.9% من مجموع هؤلاء، تليها إفريقيا مع نحو 9%، ثم أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي وأوقيانوسيا(4).

وحسب المنظمة الدولية للهجرة، فإن الهجرة الإفريقية غير الشرعية تمثل إستراتيجية لدعم سبل العيش والحدِّ من الفقر في المجتمعات الإفريقية جنوب الصحراء. وأَسهمَ تغير المناخ والكوارث الطبيعية والأزمات السياسية للدول الإفريقية في دفع أعداد كبيرة من المهاجرين الأفارقة إلى العبور نحو بلدان أخرى من أجل العيش الكريم. ويُعَدُّ الاضطهاد السياسي المتزايد والتطهير العرقي وانتهاكات حقوق الإنسان وعدم الاستقرار السياسي في بلدان جنوب الصحراء من ضمن مسببات الهجرة الإفريقية نحو أوروبا. وتعتبر إفريقيا قارة الهجرة والتشرد وقارة الدول الفاشلة، والفساد، واستغلال الموارد الطبيعية والقمع السياسي وهذا ما ستنجر عنه زيادة الهجرة إلى أوروبا في المستقبل(5).

كما تتحول الهجرة غير الشرعية إلى خطر أكثر فتكًا باستقرار إفريقيا بسبب تجنيد الجماعات الإرهابية لشبكات من المرتزقة الأفارقة في العمل المسلح وتجارة السلاح، فعلى سبيل المثال توجد في شمال جمهورية مالي حركات متطرفة تمثل مركزًا لعمليات تجنيد الأفارقة الموجودين في هذه المنطقة الممتدة شمالًا حتى حدود الجزائر، ولا يمكن الجزم بوجود صلة مباشرة وثيقة بين شركة “فاغنر” أو الدعم السريع والحركة الوطنية لتحرير أزواد أو تنظيم التوحيد والجهاد وحركة جماعة أنصار الدين والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، لكن توجد مجموعات من المقاتلين السابقين كانوا مرتزقة في ليبيا وينتمون لمناطق الشمال في جمهورية مالي، انخرطوا في نشاطات إجرامية، وأصبحوا قطاع طرق أو عصابات منظمة تَعبر الحدود، وهؤلاء أصبحوا لاحقًا محل ابتزاز للتجنيد من طرف الأطراف المتحاربة في دول إفريقيا مما شكَّل مع مرور الوقت جماعة إجرامية منظمة تتاجر في مسألة الهجرة السرية.

 تشير بعض التقارير إلى أن هذه المجموعات توجد في الساحل الإفريقي وفي المناطق التالية:

  1. منطقة كيدال: تقع في وسط الصحراء المالية في الشمال الشرقي وتجاور النيجر والجزائر، ومنها تنطلق المسارات والطرق إلى جنوب غرب ليبيا وشمال النيجر وتشاد.
  2. مدينة قاو: حيث تتمركز تنظيمات إسلامية متطرفة ظلت تستقطب الشباب، وهي مدينة متوسطة المساحة تقع عند مجرى نهر النيجر في شمال شرقَي مالي.
  3. منطقة أوسنغو شمال مالي.
  4. مناطق حول العاصمة التاريخية (تمبكتو).
  5. مناطق شمال غرب مالي.

تتميز هذه المناطق في شمال مالي بأنها غير خاضعة لسلطة الدولة، وتوجد فيها حركات متطرفة مصنفة إرهابية، وتوجد عمليات عسكرية للجيش الجزائري، وكانت في السابق توجد تغطية جوية فرنسية بالإضافة إلى قوات من عدة دول تعمل على الأرض لمتابعة هذه الحركات. إلى جانب ذلك، توجد مناطق تعدين تقليدي عن الذهب في الشمال (تاودني، غاو، حوض ميسنا، حوض ميدين- في أقصى الشمال الشرقي)، كما توجد مناطق في وسط مالي. ومع انتشار التعدين الأهلي -العمل في مجال التنقيب عن المعادن من طرف الأهالي- فإن عمليات تجنيد المرتزقة تتم في هذه المناطق، كما توفر المناطق الرخوة للساحل سبل الانخراط ومسالك التواصل مع الجماعات الراديكالية. وأهم المسارات المرتبطة بهذه الأنشطة ما يلي:

أولًا: المسارات من تشاد مباشرة تتم عن طريق عدة طرق برية، أهمها الطرق البرية التقليدية عبر المنافذ الحدودية أو مَمَرات الرُّحَّل ومساراتهم التقليدية وهي عبر مناطق مثل أم التيمان- حدود ولاية غرب دارفور السودانية، وكذلك مسار من منطقة وداي ومدينة أشي إلى منطقة أدري ثم إلى ولاية غرب دارفور بالسودان، وطريق يتجه شمالًا في تخوم الصحراء التشادية ثم ولاية شمال دارفور السودانية، ومسار من جنوب شرق تشاد عبر إفريقيا الوسطى، ومسار من المثلث شمال عبر الصحراء من شمال تشاد إلى أقصى شمال السودان بمحاذاة وادي هور.

ثانيًا: المسار الرئيس القادم من النيجر ومالي وبقية بلدان غرب إفريقيا يعبر جنوب ليبيا عبر جبال تبستي ومناطق التبو وأوزو، وهو ممر صحراوي يشق الصحراء الكبرى حتى الحدود مع السودان(6).

من ناحية أخرى، تشير الأرقام إلى أن نسبة النزوح واللجوء من الأفارقة داخل إفريقيا تشكِّل أضعافًا من تلك الهجرة العابرة نحو دول أوروبا، ومع مرور الوقت تحول كثير من دول إفريقيا إلى دول استقرار بدل دول لجوء أو عبور، وهو ما شكَّل لاحقًا ملفًّا شائكًا بين الهيئات الحقوقية الدولية والدول المعنوية، وهو ما يحدث من مناكفات سياسية بين الهيئات الأممية وبعض دول الشمال الإفريقي وتحديدًا تونس وليبيا. ورغم ذلك، يتعاظم التخوف الأوروبي مما يعتبره زحفًا إفريقيًّا قادمًا لتغيير خارطة التركيبة البشرية لأوروبا. ويغذي هذا التخوف التيارات الشعبوية في أوروبا من اليمين المتطرف واليمين المحافظ والتي استطاعت أن تعزز من رصيدها النيابي والانتخابي حتى في الدول الأوروبية التي تُحسَب تاريخيًّا على دول اللجوء الإنساني على غرار السويد والدنمارك وهولندا والنرويج، ناهيك عن النزعة المتطرفة الرافضة لأفرقة أوروبا خصوصًا في دول الاستعمار السابق وتحديدًا فرنسا.

تبدو الرؤية الأوروبية مبالغة في التوجس؛ فأرقام الهجرة الإفريقية داخل القارة الإفريقية -كما سبقت الإشارة- أكثر بكثير منها نحو أوروبا وأميركا. فعلى سبيل المثال، نزح أكثر من مليون سوداني بالداخل السوداني وإلى دول الجوار، ومنها تشاد التي وصل عدد اللاجئين السودانيين بها عقب أحداث الاقتتال ما يفوق 90 ألفًا، في حين يوجد بالتراب التونسي من المهاجرين الأفارقة حوالي 21 ألفًا و472 شخصًا، بينما يوجد في الجزائر أكثر من ثلاث عشرة جهة إفريقية تعمل بطرق غير شرعية رغم صرامة الأنظمة القانونية الجزائرية. كما تقدر بعض الإحصائيات أن عدد الأفارقة المقيمين بالمغرب يقارب 100 ألف إفريقي من 11 جنسية. ويعاني الأفارقة الذين سكنوا لعقود في ليبيا من خطر التهجير القسري والاستغلال في الاقتتال؛ إذ فاق عددهم 700 ألفٍ، ظلت نسبة كبيرة منهم تعيش ظروفًا خاصة في ظل نظام القذافي. وبالتزامن مع هذا، قالت المنظمة الدولية للهجرة في تقرير نشرته عبر موقعها الإلكتروني: إن “3 آلاف و789 شخصًا لقوا حتفهم على طرق الهجرة خلال العام 2022″، وأضافت أن “هذه الحصيلة هي الأعلى منذ العام 2017، حين تم تسجيل 4 آلاف و255 حالة وفاة آنذاك”. كما ذكرت أن “أكثر من نصف إجمالي حالات الوفاة عالميًّا بين المهاجرين كانت في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”. وتابعت: “على الطرق البرية في شمال إفريقيا -لاسيما أثناء عبور الصحراء الكبرى المحفوفة بالمخاطر- تم تسجيل 203 حالات وفاة، بينما سُجِّلَت 825 حالة وفاة أخرى على طرق الهجرة البرية في الشرق الأوسط. فيما سجلت ليبيا -وفق التقرير- أكبر عدد من الوفيات على الطرق البرية في شمال إفريقيا. وأوضح أنه تم تسجيل 117 حالة وفاة في ليبيا، وتلتها الجزائر بـ54 حالة، ثم المغرب(13)، وتونس(10) ومصر 9 حالات وفاة بين المهاجرين. وتُعَد ليبيا من أكثر البلدان التي يقصدها المهاجرون، خاصة الأفارقة، للوصول إلى أوروبا هربًا من الأوضاع المعيشية في بلدانهم(1).

وأشارت صحيفة “الباييس” الإسبانية إلى أن أكثر من 14 ألف مهاجر وصلوا إلى الدول الأوروبية منذ بداية عام 2023، وهو ما يعني تضاعف عدد المهاجرين الذين وصلوا في الفترة نفسها من عام 2022 إلى ثلاثة أضعاف. ولهذا السبب، أقرَّت رئيسة وزراء إيطاليا بعض الإجراءات لاحتواء هذه الظاهرة، مثل زيادة العقوبات على من يعملون مع شبكات استغلال البشر والاتجار في البحر. وأشارت الصحيفة إلى أن السلطات أنقذت 800 مهاجر كانوا على متن قارب صيد، ووفقًا لخفر السواحل الإيطالي، فإن إنقاذ المهاجرين عملية “معقدة” بسبب الحشد على متن القارب، وبحسب المعلومات التي قدمها خفر السواحل الإيطالي، خارج هذه العمليات، تم إنقاذ حوالي 2000 مهاجر من الجمعة إلى الأحد فيما وصفوه بـ”عدد كبير من عمليات الإنقاذ”(8).

يشير مركز دراسات إفريقيا للدراسات الإستراتيجية إلى ما يلي:

أولًا: ما زالت معظم الهجرة الإفريقية داخل القارة؛ ما يمثل استمرارًا لنمط ثابت منذ مدة طويلة. ويعيش حوالي 21 مليون إفريقي موثق في بلد إفريقي آخر، وهو رقم من المحتمل أن يكون أقل من الرقم الفعلي؛ نظرًا لأن العديد من البلدان الإفريقية لا توثق حالات الهجرة. والمناطق الحضرية في نيجيريا وجنوب إفريقيا ومصر هي الوجهات الرئيسية لهذه الهجرة بين الأفارقة؛ ما يعكس الديناميكية الاقتصادية النسبية لهذه المناطق.

ثانيًا: من بين المهاجرين الأفارقة الذين رحلوا من القارة يعيش قرابة 11 مليونًا في أوروبا، وقرابة 5 ملايين في الشرق الأوسط، وأكثر من 3 ملايين في أميركا الشمالية.

ثالثًا: تواجه القارة الإفريقية معدلًا أسرع لأحداث الكوارث الطبيعية مقارنةً ببقية العالم؛ حيث تواجه القارة العديد من العوامل الطبيعية لعدم الاستقرار، ما بين الجفاف والفيضانات والأعاصير والأوبئة.

رابعًا: يتوقع البنك الدولي أن يكون هناك 86 مليون مهاجر بسبب تغير المناخ في إفريقيا بحلول عام 2050. وقد يجد نحو 18 مليون عامل مهاجر موسمي في إفريقيا أن وظائفهم في الزراعة والتعدين وصيد الأسماك آخذة في الاختفاء؛ ما يزيد من احتمالات الهجرة الدائمة بحثًا عن فرص عمل جديدة. وأبلغ 30% من مواطني غرب ووسط إفريقيا والإثيوبيين عن تأثيرات بيئية على ظروفهم الاقتصادية(9).

خامسًا: في دراسة أخرى عن الهجرة الإفريقية يتبين أن حالات الهجرة تتجه معظمها نحو المراكز الاقتصادية في القارة الإفريقية، وهو نمط يمكن توقع استمراره مع تزايد عمليات تكامل الاقتصادات الإقليمية.

سادسًا: وتتزايد معدل الهجرة السرية بسبب تعاظم أزمة الفقر في إفريقيا وانعدام الأمن خاصة في دول غرب إفريقيا ومنطقة الساحل وانهيار القدرة الشرائية للمواطن، ناهيك عما أفرزته جائحة كورونا العالمية من آثار إنسانية على الأفارقة حيث تزايدت معدلات الهجرة غير الشرعية من غرب إفريقيا بنحو 30% خلال 2022.

سابعًا: وفي الجانب الآخر، تتزايد معدلات البطالة في إفريقيا بشكل مقلق إذ وصلت في بعض البلدان إلى أكثر من 40% في ظل تراجع متوسط النمو السنوي في القارة من 4.1%، في 2021، إلى 3.3%، في 2022، وذلك بسبب الجائحة وموجات الجفاف الناجمة عن التغير المناخي، إضافة إلى تداعيات الإرهاب والحروب الأهلية والتحولات السياسية في معظم البلدان الإفريقية(10).

وتعد إفريقيا ثاني أكثر المناطق فتكًا بالأشخاص المتنقلين (بعد البحر الأبيض المتوسط)، وغالبًا ما يجري تسيير الهجرة غير النظامية على طول الطريق الجنوبي للقارة من خلال شبكة معقدة من المهربين والمُتاجِرين الذين ينخرطون في عمليات تهريب أو اتجار خطيرة ومتورطين في أنشطة عدوانية لتجنب اكتشافهم من قبل السلطات؛ ما يعرِّض حياة المهاجرين للخطر، بحسب ما أكدته الأمم المتحدة على موقعها الرسمي، في 13 ديسمبر/كانون الأول 2022، موضحة أن مشروع المهاجرين المفقودين التابع للمنظمة الدولية للهجرة وثق حالات وفاة واختفاء أكثر من 5600 شخص عبر الصحراء الكبرى منذ عام 2014، مع تسجيل 149 حالة وفاة حتى 13 ديسمبر/كانون الأول 2022، بينما سُجِّلت 110 حالات وفاة مهاجرين داخل تشاد خلال الفترة من 2014 حتى منتصف 2021(11).

من الناحية الجغرافية، يستعمل المهاجرون السريون القادمون من منطقة الساحل الإفريقي والصحراء الكبرى كل الطرق والوسائل المتاحة؛ بغية الوصول إلى شمال إفريقيا وأوروبا، فقد أظهرت الدراسات الميدانية حول الظاهرة أن الرحلة عبر الصحراء تمر بعدة مراحل، وتستمر من شهر واحد إلى عدة سنوات؛ فعلى سبيل المثال وعلى الرغم من أن الحدود البرية بين المغرب والجزائر مغلقة منذ 1994، إلا أن عددًا كبيرًا من المهاجرين السريين يخترقونها يوميًّا، وذلك بمساعدة شبكات إجرامية متخصصة، وبهذا أعاد هؤلاء المهاجرون إحياء طرق التجارة القديمة عبر مدن الصحراء الكبرى بمعدل 60 ألفًا و80 ألف مهاجر سنويًّا، من “قاو” في مالي، و”أغاديز” بالنيجر، و”أبيشي” في تشاد، إلى “تمنراست” بالجزائر، و”سرت وسبهة” بليبيا.

ويُقَدِّر المهتمون بشؤون الهجرة السرية في المنطقة أن دول العبور أو غرف الانتظار، بدأت تتأرجح نحو التحول لدول مستقبِلة ومحل الاستقرار النهائي؛ حيث تزداد احتمالات الاستقرار النهائي للأفارقة القادمين من جنوب الصحراء في دول شمال إفريقيا، وتحديدًا في ليبيا (70 إلى 80%) والجزائر (20 إلى 30%)، فمثلًا كان عدد سكان مدينة “تمنراست”في الجزائر في 1966 حوالي 3000 نسمة، إلا أن هذا الرقم ارتفع، سنة 1998، ليناهز 65000 نسمة، يوجد بينهم حوالي 49000 مقيم من جنسيات إفريقية جنوب الصحراء الكبرى.. ومع مرور أكثر من عقدين أصبحت المنطقة سوقًا رخيصة للاتجار بالبشر من الأطفال والنساء لاستغلالهم في الجنس والعمل الرخيص كما يتم تجنيد هؤلاء الأطفال في الصراعات المسلحة والقيام بعمليات التهريب على امتداد جنوب الصحراء الكبرى، وتعتبر الكثير من الدراسات أن تهريب الأطفال يكون في الغالب نحو أوروبا ودول الخليج العربي، انطلاقًا من مناطق جنوب الصحراء عبر الجزائر وموريتانيا، أو عبر محور المغرب-إسبانيا، كما يَسلك مُهَرِّبو البشر طريق الجزائر-مالي، ثم تونس لتكون الوجهة إيطاليا أو فرنسا، وتقدر بعض التقارير أن قيمة تهريب طفل عبر هذه المناطق، من 10 آلاف دولار إلى 20 ألف دولار، و50 ألف دولار للمرأة الواحدة، عِلمًا بأنه يتم تهريب من 3800 إلى 5000 امرأة وفتاة سنويًّا من منطقة غرب إفريقيا نحو أوروبا، وهو ما يدر أرباحا تقدر بملايين الدولارات يستفيدها مهربو البشر في المنطقة(12).

الهجرة السرية في قلب النقاشات السياسية الأوروبية-الإفريقية: المناكفات والابتزاز

ويتزايد النقاش والمناكفات السياسية أكثر فأكثر، والتي تصل درجة المساومات بين دول الشمال الإفريقي وأوروبا، وتحديدًا بين إيطاليا وتونس في الفترة الأخيرة لدرجة اتُّهمت فيها تونس بانتهاج مقاربة عدائية ضد الأفارقة وأعلنت السلطات التونسية عن إحباط قواتها البحرية لـ501 عملية اجتياز للحدود وإنقاذ 14406 من المهاجرين، غالبيتهم من دول إفريقيا جنوب الصحراء، خلال الربع الأول من العام الجاري، وهو خمسة أضعاف الرقم مقارنة بما كان عليه في الفترة نفسها من العام 2022. وتم اعتقال 63 شخصًا تورطوا في التوسط في عمليات هجرة غير قانونية. هذا وتشير الإحصائيات إلى أن عدد المهاجرين الأفارقة في تونس تجاوز 150 ألفًا منهم 20 ألفًا فقط في مدينة صفاقس(13).

تتعامل الدول الغربية بمنطق التهديد المتعاظِم المنتِج للأزمات المستقبلية وترى في إفريقيا خطرًا ينبغي التصدي له وفق رؤية لا تعتمد منطق المعالجة وإنما منطق تدوير الأزمة بهذا الصدد. في التقرير العالمي 2021 لمنظمة مراقبة حقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش) والذي نُشر على موقعها الرسمي، ذكر أن جهود الاتحاد الأوروبي في محاربة الهجرة غير الشرعية تتمثل في النقاط التالية:

  • استمرار الاتحاد الأوروبي في التعاون مع قوات حرس السواحل لدول شمال إفريقيا، والتدريب، وغيرها من أشكال المساندة لكي تعترض آلاف الأشخاص.
  • وافقت حكومات الاتحاد الأوروبي على أن تتجنب زوارق دوريات إيرني (IRINI) ومراقبة مناطق في البحر الأبيض المتوسط قد تضطر فيها إلى التعامل مع مراكب المهاجرين التي تطلب الاستغاثة.
  • استمرار الاتحاد الأوروبي في سياسة التعاون مع شمال إفريقيا خاصة السلطات الليبية ودعمها لوقف عمليات الانطلاق وضمان إعادة الذين يُعترضون في البحر(14).

التعاون مع الدول الإفريقية المصدِّرة للمهاجرين

دعا اجتماع خاص للمجلس الأوروبي إلى عقد قِمة دولية لمناقشة قضايا الهجرة مع البلدان الإفريقية الرئيسية المعنية. عُقدت القمة في فاليتا بمالطا، في نوفمبر/تشرين الثاني 2015. واجتمع رؤساء الدول والحكومات الأوروبية والإفريقية في محاولة لتعزيز التعاون، والتصدي للتحديات والفرص الحالية للهجرة بين المنطقتين. اعتمد القادة الأوروبيون والأفارقة إعلانًا سياسيًّا يسجل قلقهم المشترك بشأن الزيادة الحادة في تدفقات اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين غير الشرعيين من إفريقيا إلى أوروبا، والحاجة إلى إدارة تدفقات الهجرة من جميع جوانبها. وقد رافق الإعلان السياسي خطة عمل مشتركة مبنية على خمسة مجالات ذات أولوية:

أ- معالجة الأسباب الجذرية للهجرة غير الشرعية والتهجير القسري، بما في ذلك عن طريق الاستثمار في التنمية والقضاء على الفقر ومعالجة عدم الاستقرار والأزمات.

ب- تعزيز التعاون في مجال الهجرة القانونية والتنقل، بما في ذلك عن طريق تشجيع القنوات المنتظمة للهجرة والتنقل من البلدان الأوروبية والإفريقية وفيما بينها.

ج- تعزيز حماية اللاجئين وغيرهم من المشردين، بما في ذلك عن طريق دعم إدماج اللاجئين والمشرَّدين على المدى الطويل في المجتمعات المضيفة، وتعزيز قدرات بلدان اللجوء الأول والعبور والمقصد، وتعزيز الجهود المبذولة لتقديم المساعدة الإنسانية في البلدان الأكثر تضررًا من النزوح القسري.

د- منع ومكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، بما في ذلك عن طريق صياغة وتنفيذ الأطر التشريعية والمؤسسية المناسبة، وتحسين جمع المعلومات الاستخبارية وتبادلها، ومحاربة الفساد وتوفير معلومات حول فرص الهجرة القانونية ومخاطر الهجرة غير النظامية، وتحسين نظم إدارة الحدود على الصعيدين الإقليمي والوطني.

هـ- النهوض بعودة المهاجرين غير النظاميين الذين لا يحتاجون إلى الحماية الدولية، سواء من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والبلدان المنتسبة، أو من بلدان العبور والمقصد الإفريقية، وقبولهم وإعادة إدماجهم بصورة مستدامة.

ولدعم تنفيذ خطة العمل المشتركة، أنشئ صندوق للطوارئ من أجل الاستقرار ومعالجة الأسباب الجذرية للهجرة غير النظامية والمشرَّدين في إفريقيا. يهدف الصندوق إلى المساعدة في تعزيز الاستقرار والمساهمة في تحسين إدارة الهجرة. وبشكل أكثر تحديدًا، يهدف إلى معالجة الأسباب الجذرية لزعزعة الاستقرار والتشريد القسري والهجرة غير النظامية من خلال تعزيز الفرص المتساوية في الاقتصاد والأمن والتنمية، إلا أن هذا الجهد لم يحظَ باهتمام كبير من الاتحاد الأوروبي؛ الأمر الذي جعله قليل الأثر على حركة الهجرة غير الشرعية(15).

الموقف الغربي تجاه ملفات الهجرة واللجوء ونظرية حارسة البوابة: غلبة المقاربة الأمنية

من ناحية، سَجَّل عام 2015 أعلى نسبة وصول للاجئين؛ حيث وصل العدد وفقًا لإحصائيات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR إلى حوالي 1.015.307 لاجئين، تُوفي منهم حوالي 3771 لاجئًا. ومن ناحية أخرى، شهدت العاصمة الفرنسية باريس هجمات، يوم 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، والتي فرضت تحديًا كبيرًا على دول الاتحاد الأوروبي، في إطار تعاطيها مع هذا الملف، ووضعت علامات استفهام كثيرة حول ماهية الدور الذي يجب أن تؤديه دول الاتحاد حيال هذه الأزمة، وأيهما تعلي الطابع الأمني أم الطابع الإنساني والقيم الإنسانية المشتركة التي تميزها. ولماذا تريد الدول الغربية أن تحوِّل دول الشمال الإفريقي إلى حارس بوابة لصد شرور اللجوء والهجرة وفق الرؤية الشعبوية الأوروبية الجديدة.

يمكن بهذا الصدد رصد ثلاث إشكاليات مهمة فيما يختص بملف الهجرة واللجوء في الاتحاد الأوروبي على النحو الآتي:

الإشکالية الأولى: تحوُّل النظر لقضايا الهجرة واللجوء في القارة الأوروبية والتعامل معها من منطلق أنها إحدى القضايا الاقتصادية، إلى التعامل معها على أنها قضية أمنية وسياسية في المقام الأول. الأمر الذي وضع الاتحاد الأوروبي وَدُوَله في مأزق بين الرغبة في منع وتقييد طلبات اللجوء، وبين احترام القيم الأساسية، والتي قام عليها الاتحاد، وهي قيم حقوق الإنسان.

الإشکالية الثانية: التعامل مع ملف الهجرة واللجوء يتم على أساس سياسة کل دولة من دول أوروبا منفردةً، بمعنى عدم وجود سياسة مُوحَّدة من قبل الاتحاد الأوروبي بشأن عملية اتخاذ القرار للتعامل مع هذا الملف، وهو الأمر الذي يفسر الصراع القانوني المؤسسي بين دول الاستقبال الأول بحكم الموقع الجغرافي (إسبانيا- إيطاليا– اليونان- قبرص– ومالطا) مع دول الشمال، مثل: (فرنسا- بريطانيا- ألمانيا- النمسا.. وغيرها)؛ حيث تنطلق خطة الاتحاد الأوروبي من مبدأ المشارکة بين کافة الدول الأعضاء في تحمُّل أعباء إدارة الأزمة، وعدم تكفل دولة واحدة بها، وترفع لواءَ هذا المبدأ بشكل دائم الدولُ التي تتحمل العبء الأکبر لاستقبال اللاجئين، خاصةً ألمانيا والسويد إلى جانب الدول الحدودية التي تمثل المحطة الأولى لوصول اللاجئين للقارة، وعلى رأسها إيطاليا واليونان ومالطا؛ حيث تنادي هذه الدول بتحمُّل کافة دول الاتحاد الأوروبي الأعباء المالية والعسكرية والاستيعابية. والجدير بالذکر أن بعض الدول قد احتجت بأن أوضاعها المالية والاقتصادية لا تسمح بتحمُّل حصتها من الأعباء، منها: المجر وسلوفاکيا والتشيك وبولندا، إضافة إلى النمسا.

الإشکالية الثالثة: حالة الصعود المتنامي لوزن قُوى اليمين المُتطرِّف، لاسيما منذ العام 2014، والواقع أن هذه الأحزاب استطاعت أن تعيد النقاش من جديد حول موضوع الهجرة واللجوء وهو ما جعل كثيرًا من المهاجرين يتخوفون على مستقبلهم المهني وحياتهم(16).

في ظل تصاعد اليمين المتطرف تحاول أوروبا اتخاذ إجراءات أحادية تجاه الهجرة غير النظامية من إفريقيا، وفي الأشهر الأخيرة تعالت النبرة الأوروبية وخاصة إيطاليا تجاه دول شمال إفريقيا وتحديدًا تونس. وفي السياق ذاته جرى منذ أيام اتفاق بين الحكومتين، الإيطالية والتونسية، قد يشكِّل منعرجًا إيجابيًّا في ملف الهجرة السرية بين ضفتي المتوسط؛ حيث أبدت إيطاليا استعدادها لزيادة عدد المهاجرين القانونيين من تونس، مقابل دعوتها إلى بذل مزيد من الجهود لمكافحة ظاهرة الهجرة غير النظامية.

ويشار إلى أن تدفقات الهجرة غير القانونية تزايدت بشكل واضح في أواخر عام 2022 وبداية العام الجاري، وقد كشفت بيانات وزارة الداخلية، عن وصول أكثر من 20 ألف مهاجر، خلال نوفمبر/تشرين الثاني وحتى ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، مقارنة بنحو 13 ألفًا خلال الفترة نفسها من عام 2021. أما خلال الأيام العشرة الأولى من عام 2023، فقد سجلت إيطاليا وصول نحو 3800 مهاجر غير نظامي، مقارنة بأقل من 400 مهاجر فقط في نفس الفترة من العام 2022.

وقد علَّق الناطق الرسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر، قائلًا: “الاتفاق الذي يتحدث عنه الجانب الإيطالي ليس حديثًا؛ ذلك أن تونس تملك منذ سنة 2011 الحق في تصدير اليد العاملة أو الكفاءات بطريقة قانونية للعمل في إيطاليا وفق عدد يتم تحديده مسبقًا بين البلدين وبالتالي فإن العودة للحديث عن هذه الاتفاقيات قد يكون محاولة من الجانب الأوروبي لدفع تونس نحو وقف تيار الهجرة غير النظامية”.

من الواضح أن هناك مسعى إيطاليًّا لزيادة الضغط على حكومة قيس سعيد لتقليص أعداد المهاجرين نحو السواحل الإيطالية، هناك أكثر من 77 ألف عقد عمل توفرها إيطاليا سنويًّا للمهاجرين الأجانب من بينها نسبة مخصصة لتونس، لكن إعادة فتح الملف لا تعدو أن تكون دعوة للحد من عدد المهاجرين غير النظاميين.

ولم يلاحظ المنتدى التونسي أية معاملة متكافئة في مجال الهجرة نحو إيطاليا، لابد أن تكون المعاملة بالمثل، فعلى منوال ما تستفيد به إيطاليا من نقل للبضائع ومن عبور السفن عبر تونس ومن حماية سواحلها ومن تمتع الإيطاليين بالتنقل إلى تونس لابد أن يكون للتونسيين أيضًا نفس الامتيازات(17).

تشير وقائع حالات اللجوء في إفريقيا إلى أن اللاجئين في إفريقيا يعانون قصورًا في الحماية رغم وجود ترسانة قانونية متمثلة في صكوك دولية، بداية من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 والبروتوكولَين الإضافيين لاتفاقيات جنيف لعام 1977 واتفاقية الأمم المتحدة عام 1951، إلى جانب البروتوكول الاختياري لعام 1967 الملحق باتفاقية الأمم المتحدة عام 1951، وكذا مختلف قرارات مجلس الأمن في هذا الصدد، بالإضافة إلى اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لعام 1969 واتفاقية الاتحاد الإفريقي لحماية ومساعدة النازحين داخليًّا في إفريقيا العام 2009. ويتجلى ضعف الاهتمام الدولي في:

  1. قيام المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عام 2002، بغلق مكاتبها في معظم الدول الإفريقية، منها: بنين والكاميرون وتشاد وتوجو وجامبيا ومالي والنيجر وسوازيلاند، وذلك في ظل ما تعانيه المفوضية من عجز مالي فاضطرت معه لتخفيض ميزانيتها، وتخفيض ما يقرب من ثلاثة أرباع عملياتها في القارة الإفريقية وحدها.
  2. عدم توافر الاحتياجات الضرورية لمعظم اللاجئين في إفريقيا، ويؤثر هذا النقص في مدى التزام الدول المضيفة للاجئين في إفريقيا، وهناك العديد من الدول الإفريقية هددت في حالة عدم وجود وتوافر المساعدات الغذائية بأنها سوف تضطر إلى إجبار اللاجئين على أراضيها إلى العودة إلى دولهم حتى تتجنب ما قد ينجم عن هذه المشكلة من عدم استقرار في مناطق اللاجئين ومعسكراتهم.
  3. عدم المساواة في المساعدات المقدمة للاجئين في إفريقيا مقارنة بالمساعدات المقدمة للاجئين في غيرها من المناطق.
  4. مشكلة عدم تطابق تعريف اللاجئ الوارد في اتفاقية 1951 مع بعض الفئات المسماة بالتدفقات المختلطة التي تستدعى حماية إنسانية(18).

في البحث عن حوكمة عالمية وإفريقية لسياسات الهجرة غير النظامية

ورد في تقرير الهجرة في العالم لعام 2020 الصادرة عن الاتحاد الإفريقي أن الهجرة السرية تبقى تشكل منظومة متكاملة للتهديد البنيوي للقارة الإفريقية سواء ما تعلق بمسبباتها السياسية والأمنية والاقتصادية والبيئية وتؤكد الوقائع أن التخفيف من وطأة هذه الأزمة لا يمكن إلا بتبني مقاربة جماعية سواء بين دول الاتحاد الإفريقي وفق ما يمكن تسميته محور جنوب-جنوب، أو مقاربة شمال-جنوب تربط بين إفريقيا والدول المتوسطية الأوروبية.

تبقى منطقة الساحل الإفريقي خاصرة رخوة تشكل طرقاتها عناصر إمداد لوجستي لعصابات الهجرة غير الشرعية مما يضمن استمراريتها في حالة عدم تبني إستراتيجية أمنية وتنموية في نفس الوقت.

يعتبر التعاون جنوب-جنوب عملية مهمة، ويمكن بهذا الصدد الاستشهاد بما قامت به الجزائر من شطب ديون 14 دولة إفريقية قُدِّرت بـ3.5 مليارات دولار شريطة توظيفها في مشاريع إنمائية تنموية في إفريقيا بشكل يعزز الاستقرار الإفريقي خاصة أن الجزائر متوجسة بشكل دائم نظرًا لطول حدودها مع الحزام الإفريقي.

إن رؤية خطة العمل الخاصة بإطار سياسة الهجرة في إفريقيا التابع للاتحاد الإفريقي (2018 – 2027) تتضمن قارة تُدرك تحديات وفرص الهجرة لديها، ومستعدة وقادرة على مواجهة التحديات، والاستفادة من الفرص من خلال اعتماد مقاربة حوكمة الهجرة.

تستفيد حوكمة الهجرة الفعالة من الفوائد المتعددة للهجرة، وتتصدى للتأثيرات السلبية التي قد تترتب على ذلك. ويمكن تعريف حوكمة الهجرة على أنها التقاليد والمؤسسات التي تمارس بموجبها السلطة على الهجرة والتنقل والجنسية في بلد ما، بما في ذلك قدرة الحكومة على صياغة وتنفيذ سياسات سليمة في هذه المجالات. وتدعو أجندة عام 2030 إلى إدارة فعالة للهجرة لتحقيق هدف التنمية المستدامة، الذي يحث البلدان على الحد من عدم المساواة داخل البلدان وفيما بينها من خلال تيسير هجرة وتنقل الأشخاص بشكل نظامي وآمن ومنتظم ومسؤول، بما في ذلك من خلال تنفيذ سياسات الهجرة المخططة والمدارة بشكل جيد. ويحدد إطار حوكمة الهجرة الصادر عن المنظمة الدولية للهجرة لعام 2015 رؤية للحوكمة الشاملة للهجرة تفيد المهاجرين والمجتمع. وهي تستند إلى المبادئ التالية: الامتثال للمعايير والقوانين الدولية وتأمين حقوق المهاجرين؛ ووضع سياسات قائمة على الأدلة من خلال نهج حكومي كامل؛ والتفاعل مع الشركاء لمعالجة قضايا الهجرة والقضايا ذات الصلة. وينبغي للدولة، في إطار الالتزام بهذه المبادئ، أن تهدف إلى تحقيق الأهداف التالية من خلال سياساتها المتعلقة بالهجرة وما يتصل بها من سياسات وقوانين وممارسات: مساعدة الرفاه الاجتماعي والاقتصادي للمهاجرين والمجتمع؛ والتصدي بفعالية لجوانب الهجرة الخاصة بالأزمات، وتيسير الهجرة الآمنة والمنظمة والكريمة. وتعتمد أولوية هذه العناصر على دينامية الهجرة في كل دولة.

بروفيسور بوحنية قوي، باحث وكاتب جزائري.

مراجع

1)- Global Risks Report 2022, Word Economic Forum, 11 January 2022 (accessed July 25, 2023): https://www.weforum.org/reports/global-risks-report-2022/in-full

2) محمودي، فاطيمة الزهراء، وبودالي، خديجة، الإطار النظري والقانوني للهجرة غير الشرعية، مجلة الميزان، العدد الثالث الخاص بفعاليات الملتقى الدولي الأول حول واقع الهجرة غير الشرعية وآليات مكافحتها، المنعقد في 16 و17 أكتوبر/تشرين الأول 2018، ص 69- 71.

3) عكازي تالية، عبدالحفيظ تركي، الآليات القانونية لمكافحة الهجرة غير الشرعية التعاون الأوروبي المغاربي نموذجًا، مذكرة ماستر في القانون الجنائي والعلوم الجنائية، جامعة الجلفة 2020-2021.

4) اليوم الدولي للمهاجرين، موقع الأمم المتحدة، دون تاريخ، (تاريخ الدخول: 23 يوليو/تموز 2023)، https://www.un.org/ar/observances/migrants-day

5) توفيق المديني، الهجرة من جنوب الصحراء إلى تونس والجزائر: أرقام ودلالات، عربي 21، 29 سبتمبر/أيلول 2022، (تاريخ الدخول: 22 يوليو/تموز 2023)،  https://shorturl.at/nrCIX

6) الصادق الرزيقي: منابع ومسارات الأفارقة المرتزقة نحو السودان، الجزيرة نت، 15 يونيو/حزيران 2023، (تاريخ الدخول: 29 يوليو/تموز 2023)، https://shorturl.at/mASU4

7) الهجرة غير الشرعية تغزو إفريقيا: 4 آلاف شخص لقوا مصرعهم وليبيا تتصدر الموقف، توداي نيوز، 14 يونيو/حزيران 2023، (تاريخ الدخول: 30 يوليو/تموز 2023)،  https://www.todaynewsiq.net/77925–4-.html

8) “الهجرة غير الشرعية”: كابوس لا ينتهي فى أوروبا.. 14 ألفًا يصلون شواطىء القارة العجوز، اليوم السابع، 13 أبريل/نيسان 2023، (تاريخ الدخول: 30 يوليو/تموز 2023)،  https://shorturl.at/hiXZ0

9) اتجاهات الهجرة الإفريقية التي يجب مراقبتها في عام 2022، مركز إفريقيا للدراسات الإستراتيجية، 21 يناير/كانون الثاني 2022، (تاريخ الدخول: 30 يوليو/تموز 2023)،  https://shorturl.at/agAHR

10) بكاي محمد أحمد، قفزة هائلة في معدل الهجرة الخطرة في أوساط الأفارقة، سكاي نيوز، 8 يناير/كانون الثاني 2023، (تاريخ الدخول: 30 يوليو/تموز 2023)،

11) تقرير عن الهلاك في الصحراء نهاية الرحلة وسط الهجرة غير النظامية في الصحراء، العربي الجديد، 16 يوليو/تموز 2023، (تاريخ الدخول: 30 يوليو/تموز 2023)،  https://www.alaraby.co.uk/investigations

12) ظريف شاكر، معضلة الهجرة غير السرية في منطقة الساحل الإفريقي والصحراء الكبرى وارتداداتها الإقليمية، مجلة العلوم القانونية والسياسية، عدد 13، يونيو/حزيران 2016.

13) أوروبا تريد الحد من الهجرة غير الشرعية القادمة من تونس والرئيس التونسي يؤكد أن البلاد “مُستهدفة”، بي بي سي، 16 يوليو/تموز 2023، (تاريخ الدخول: 20 يوليو/تموز 2023)،

14) الهجرة من إفريقيا وتداعياتها نحو أوروبا، المركز الأوروبي لدراسة مكافحة الإرهاب والاستخبارات، 11 يونيو/حزيران 2012، (تاريخ الدخول: 13 يونيو/حزيران 2023)،  https://shorturl.at/egILV

15) إستراتيجية الاتحاد الأوروبي تجاه الهجرة غير الشرعية القادمة من إفريقيا، موقع رؤية الإخبارية، 30 يونيو/حزيران 2019، (تاريخ الدخول: 15 يونيو/حزيران 2023)،  https://shorturl.at/deBKN

16) سماح عبد الفتاح أبو الليل، ظاهرة التنميط: دراسة صعود اليمن المتطرف الأوروبي على ملف الهجرة واللجوء، مجلة السياسة والاقتصاد جامعة بني سويف، المجلد 11 ع 10 أبريل/نيسان 2012.

17) ليليا رمضان، الهجرة غير الشرعية: مساع إيطالية تونسية مشتركة لمقاومتها، سكاي نيوز، 1 فبراير/شباط 2023، (تاريخ الدخول: 15 يونيو/حزيران 2023)،

18) معزيز عبد السلام، اللجوء في إفريقيا وقصور الحماية، المجلة الأكاديمية للبحث القانوني، المجلد 12، العدد 3، 2021.

الملاحق

أولًا: أهم أماكن مغادرة المهاجرين الأفارقة ووجهاتهم:

33
المصدرhttps://africacenter.org/ar/spotlight/ar-african-migration-trends-to-watch-in-2022/

ثانيًا: أكثر البلدان الإفريقية تصديرًا للهجرة:

22

 ثالثًا: منطلق الهجرة:

3
المصدر https://africacenter.org/ar/spotlight/ar-african-migration-trends-to-watch-in-2022/

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات




توسيع بريكس: تحديات التوافق ووعود التأثير

اتفقت دول البريكس الخمس على توسيع المنظمة وقبولها لعضوية ستِّ دول، ثلاث منها عربية، وهي: السعودية والإمارات ومصر، لزيادة نطاق تأثيرها بعيدًا عن الاشتراطات الغربية، لكن هذا التوسع قد يجعل التباينات داخل المنظمة أعمق وأعقد، وقدرتها على اتخاذ قرارات ككتلة مؤثرة أضعف.


عُقدت قمة مجموعة بريكس (BRICS) لهذا العام، 2023، في العاصمة الجنوب إفريقية لثلاثة أيام، بداية من الثلاثاء، 22 أغسطس/ آب، وترأسها الرئيس الجنوب إفريقي، سيريل رامافوزا، كون بلاده تتولي قيادة المجموعة هذا العام. وقد التحق فعليًّا باللقاء كل من الرئيس الصيني، شي جين بينغ، والرئيس البرازيلي، لولا دي سيلفا، ورئيس الحكومة الهندية، ناريندرا مودي، بينما شارك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، من مكتبه بموسكو عبر الاتصال الصوتي-المرئي، بعد أن كان قرر تجنب الطيران إلى جنوب إفريقيا نظرًا لصدور مذكرة باعتقاله من قبل المدعي العام للمحكمة الدولية على خلفية اتهامه بارتكاب جرائم حرب في أوكرانيا. كما شارك على هامش القمة عدد من قادة أو وزراء خارجية الدول الصديقة للمجموعة، أو الدول التي تقدمت بطلب العضوية.

هذا هو اللقاء الخامس عشر لقادة دول بريكس، ولكن أيًّا من اللقاءات السابقة لم يحظ بمثل الاهتمام العالمي الذي حظيت به قمة جوهانسبرغ. تصدرت أخبار قمة بريكس والتكهنات حول نتائجها نشرات أخبار معظم محطات التلفزة العالمية، وتقدمت على الملفات الدولية الأخرى في البرامج السياسية. كما حملت كبريات الصحف الغربية وغير الغربية تقارير ضافية ومقالات رأي مختلفة التوجهات حول دور وموقع ومستقبل المجموعة.

جاء لقاء قادة بريكس هذه المرة على خلفية من احتدام الحرب في أوكرانيا، التي باتت في صورة من صورها مواجهة غير مباشرة بين روسيا وحلف الناتو؛ وعلى خلفية تصاعد التدافع السياسي-الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين، سواء بفعل الخلاف حول تايوان وبحر جنوب الصين، أو التحدي الصيني للهيمنة التقنية والاقتصادية الأميركية. ولعدد من دول العالم الكبرى، سيما الصين وروسيا، أصبح المناخ الدولي أكثر شبهًا بسنوات الحرب الباردة منه إلى أي حقبة أخرى في تاريخ العلاقات الدولية الحديث وقوى العالم الرئيسة.

لهذا، ولأسباب أخرى مشابهة، لم يكن غريبًا أن يدور معظم النقاش المتعلق بقمة بريكس الخامسة عشرة حول ما إن كان لقاء القادة الخمس سينتهي إلى الاتفاق على توسيع عضوية المجموعة، وحول أي من الدول الثلاثة والعشرين التي أعربت عن رغبتها في الالتحاق بالمجموعة سيجري قبوله، إضافة إلى الكيفية والخطوات التي ستنتقل بها بريكس من مجموعة اقتصادية إلى كتلة جيوسياسية، تنافس الكتلة الأوروأطلسية، وما يعنيه هذا الانتقال لكل من الدول الخمس التي تشكل المجموعة. والواضح، وبغض النظر عن المبالغات التي شابت آراء وتوقعات كثير من مراقبي مسيرة بريكس، أن مستقبل المجموعة القريب ستحكمه وتشكل ملامحه الطريقة التي سيتعامل معها قادة دول بريكس الخمسة مع هذه الملفات وما يتفرع عنها.

منظمة اقتصادية أصلًا

وُلدت بريكس من فكرة، أو نبوءة، أطلقها جيم أونيل، المسؤول الاقتصادي السابق في بنك الاستثمار الأميركي الشهير، غولدمان ساكس، في 2001. أونيل، الذي كان يحاول قراءة الاتجاهات الكبرى التي سيسلكها الاقتصاد العالمي، كان أول من طرح مصطلح بريك (BRIC)، يقصد بذلك الحروف الأولى من الأسماء الإنجليزية للبرازيل، وروسيا، والهند، والصين، ليصف مجموعة الاقتصادات الصاعدة، التي بدا أنها تنمو بوتيرة ستجعلها تتفوق على اقتصادات الدول الغربية الرئيسة. نبوءة أونيل لم تلفت انتباه قادة واقتصاديي الدول الأربع وحسب، بل أصبحت مادة دراسة ونقاش على مستوى العالم ككل، أكاديميًّا وسياسيًّا.

ولكن لم يشرع الرباعي في تشكيل مجموعة اقتصادية إلا بعد أن داهمت العالم الأزمة الاقتصادية-المالية في 2008، حينما دعت روسيا إلى عقد قمة المجموعة الأولى في 2009. كانت علاقات روسيا مع الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى قد أخذت في التأزم خلال السنوات القليلة السابقة بفعل تباين أو اصطدام السياسات في أوكرانيا وجورجيا، والتوسع المطرد في حدود الناتو، ونشر قواعد الصواريخ المضادة للصواريخ في أوروبا الشرقية، ورفض القوى الغربية المساهمة الفعالة في تحديث الاقتصاد والصناعة الروسية. خلال نهاية التسعينات وبداية القرن الحادي والعشرين، ساعد الارتفاع المطرد في أسعار النفط روسيا على تعزيز وضعها المالي. وعلى الرغم من وطأة الأزمة المالية-الاقتصادية العالمية في 2008، التي كانت في جوهرها أزمة أورو-أميركية، لم يتأثر الاقتصاد الروسي سوى بدرجة طفيفة. والمؤكد أن الحرب الخاطفة التي شنتها روسيا على جورجيا، في 2008، كانت مؤشرًا صريحًا على التوجه الروسي للابتعاد عن الغرب، وبحث موسكو عن عائلة سياسية-اقتصادية أكثر تفهمًا وتعاطفًا وقربًا.

الصين، من جهة أخرى، التي لم يكن من الممكن انعقاد لقاء المجموعة الأول بدونها، لم تزل في منتصف طفرتها الاقتصادية الهائلة، التي نقلتها من مستوى الدول المتخلفة إلى عملاق اقتصادي ومالي خلال أقل من عقدين. ولأن الأزمة المالية-الاقتصادية الغربية أصابت الاقتصاد الصيني وبصورة غير مباشرة، نظرًا للدور الكبير الذي تلعبه معدلات التصدير في البنية الاقتصادية الصينية، فقد بدأت بيجين في البحث عن شركاء وأسواق بديلة عن الأسواق الغربية، سيما في عالم الجنوب.

أما البرازيل والهند فقد رأيتا في الالتحاق بالمجموعة وسيلة أخرى لتعزيز دورهما في الميزان الاقتصادي العالمي، وتعزيز علاقاتهما الاقتصادية والتقنية مع قوى أخرى تتفق وإياها على التحرر من هيمنة الغرب على الاقتصاد وحركة المال في العالم. في العام التالي، 2010، ونظرًا لشعور الدول الأربع بضرورة مد يدها إلى القارة الإفريقية، دُعيت جنوب إفريقيا للالتحاق بالمجموعة، التي أصبحت بالتالي بريكس، على الرغم من أن اقتصاد جنوب إفريقيا يعتبر صغيرًا نسبيًّا إن قورن باقتصادات الدول الأربع الأخرى.

في 2015، جاءت الخطوة التالية المهمة في مسيرة بريكس عندما أُعلن عن تأسيس منظومة النقد الطارئة، وبنك التنمية، بدعم كبير من الصين، التي تتمتع بأربعين بالمئة من أصوات المنظمتين. ولم يكن خافيًا أن المقصود بالمؤسستين توفير بدائل لكل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذين يُنظر إليهما باعتبارهما أداتين لاستمرار الهيمنة الأميركية على النظام النقدي العالمي. في العام نفسه، أطلقت الصين نظام تحويل بين البنوك خاصًّا بها، يرتكز إلى عملتها القومية، اليوان، بغرض الدفع باليوان كعملة تبادل وتحويل نقدي منافس للدولار.

ولكن، لم يبدأ النقاش حول تحول مجموعة بريكس إلى كتلة موازنة للكتلة الغربية، سواء على صعيد المال والاقتصاد، أو على الصعيد السياسي إلا بعد اندلاع الحرب الأوكرانية في 2022.

تعقيدات مواجهة الهيمنة الغربية

في اليوم الأول لقمة جوهانسبرغ، قال الرئيس الروسي في مداخلة له: إن التخلي عن الدولار كعملة عالمية، هو أمر لا رجعة فيه. وكانت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة ودول الناتو الأخرى على روسيا، في الشهور التالية على اندلاع الحرب في أوكرانيا، أجبرت موسكو على التعامل باليوان مع الصين التي أصبحت أكبر سوق لمصادر الطاقة الروسية. كما تعاملت موسكو باليوان، وإن بصورة جزئية، في صفقات نفطية محدودة أخرى مع الهند، شجع عليها التخفيض الملموس في سعر النفط الروسي. في حالات أخرى، كما مع تركيا، التي لا تعد عضوًا في مجموعة بريكس، أنجزت صفقات روسية-تركية بالعملات المحلية.

وليس من الصعب الاستنتاج أن مواجهة فعالة لهيمنة الدولار (واليورو، بصورة أقل)، سواء لدول بريكس أو أية مجموعة دول أخرى، غير ممكنة بدون الاتفاق على عملة موحدة منافسة. ثمة توجه خجول، لم يزل بطيئًا، للتعامل بالعملات المحلية في عمليات التبادل التجاري بين دول تربطها علاقات اقتصادية وتجارية وثيقة أو ضرورية، سيما تلك التي تواجه أزمات اقتصادية ويعاني اقتصادها من تراجع في الاستثمارات الأجنبية والحاجة الملحَّة للدولار. ولكن المشكلة أن التحول إلى التبادل التجاري بالعملات المحلية يظل محدود الأثر نظرًا لعدم استقرار عملات دول الصف الثاني غير الغربية، ومعظم عملات دول الجنوب الأخرى. بمعنى، أن الحل الأنجع لمواجهة الهيمنة الغربية النقدية يظل الاتفاق على عملة موحدة بين دول تشكل كتلة ملموسة، ديمغرافيًّا واقتصاديًّا-ماليًا، مثل مجموعة بريكس، التي تضم أربعين بالمئة من سكان العالم.

أحد الحلول التي دار حولها النقاش هو بالتأكيد إمكانية اتفاق بريكس على اليوان كعملة موحدة، والثاني هو إطلاق عملة موحدة جديدة بين دول المجموعة، شبيهة بالتوافق الأوروبي على اليورو في 1999. ولكن ليس ثمة أدلة على أن نظام التحويل البنكي المستند إلى اليوان، الذي أطلقته الصين في 2015، كان له أي دور يُذكر في تعزيز وضع اليوان الدولي. ضعف موقع اليوان كعملة تحويل ودفع عالمية، وما يوصف أحيانًا بعدم وجود شفافية كافية في سياسات الصين النقدية، يقفان عائقًا كبيرًا أمام احتلال اليوان موقعًا متقدمًا كعملة تبادل ودفع عالمية، بالرغم من حجم الصين الاقتصادي المتعاظم. في المقابل، يتطلب الاتفاق على عملة موحدة شبيهة باليورو اتفاقًا على السياسات العامة للدول الأعضاء وعلى السياسة النقدية لبنوكها المركزية؛ الأمر الذي يبدو بالغ الصعوبة والتعقيد. فدول بريكس تفترق في أنظمتها السياسية بصورة كبيرة، وهي ليست دولًا متجاورة كدول الاتحاد الأوروبي، ولا تجمعها مواريث ثقافية مشتركة.

ولكن هناك بالتأكيد أسباب سياسية أيضًا. فمن الصعب أن تتجاوز الهند والصين الإشكاليات الجيوسياسية بينهما. الهند، التي تمثل الحجم الديمغرافي والاقتصادي الثاني في المجموعة، هي أيضًا عضو في مجموعة كواد (Quad) الأمنية، التي تضم الولايات المتحدة واليابان وأستراليا، والتي لا يخفى أن المقصود بها محاصرة الصين جيوسياسيًّا. روسيا، من جهة أخرى، الدولة الأكثر تحمسًا لدعم مجموعة بريكس وتوكيد دورها، تخشى توسع النفوذ الصيني في وسط آسيا. ولا يبدو أن الهند أو جنوب إفريقيا أو البرازيل، التي ترتبط بعلاقات اقتصادية وثيقة بالكتلة الأورو-أميركية، ترغب في خوض مواجهة ضد الغرب.

في اليوم الأول من قمة جوهانسبرغ، كان الرئيس البرازيلي واضحًا عندما قال: إن هدف بريكس هو إعادة تنظيم دول الجنوب، وليس منافسة الولايات المتحدة، أو تجمع السبعة الكبار (G7). وبالرغم من دعوة دي سيلفا إلى الاتفاق على وحدة نقدية للتجارة بين دول بريكس، فقد أكد على أن مقترحه لا يعني رفض الدولار، ولكن مجرد تسهيل التجارة بين دول المجموعة. أما رئيس الوزراء الهندي، فقد ألقى كلمة في يوم القمة الثاني تجنب الإشارة بأي صورة من الصور إلى تطوير العلاقات الاقتصادية والنقدية بين دول المجموعة، أو المواجهة مع الغرب. إلى جانب هذا كله، لا يبدو أن ثمة استعدادًا لدى الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي للتراجع ولو قليلًا في الدفاع المستميت عن الموقع المهيمن الذي يتمتع به الدولار (واليورو) في الساحة الدولية.

المهم، وعلى الرغم من أن التخمينات حول عملة موحدة للمجموعة انطلقت منذ أكثر من عامين، فقد انتهت قمة جوهانسبرغ، في 24 أغسطس/آب، بدون مجرد إشارة إلى هذا الأمر.

أما ملف توسيع نطاق عضوية بريكس، الذي أثير للمرة الأولى في 2017، فلم يكن أقل غموضًا. أولًا: لأن المجموعة لم تتفق أصلًا على أية قواعد أو معايير تحكم مسألة العضوية. ولم تنضم جنوب إفريقيا للأربعة المؤسسين إلا بعد أن اتفقت الدول الأربع على دعوتها للالتحاق بالمجموعة. كما أن المعروف أن جنوب إفريقيا والبرازيل لم تكن ترغب في المزيد من توسيع عضوية المجموعة. ولكن الواضح أن الرغبة في الانضواء في إطار بريكس، ولأسباب مختلفة، دفعت ثلاثًا وعشرين دولة لطلب الالتحاق. ولم تكد قمة جوهانسبرغ تختتم أعمالها حتى أعلن الوفد الجنوب إفريقي المضيف عن اتفاق قادة المجموعة على قبول عضوية ست دول أخرى: السعودية، والإمارات، وإيران، ومصر، وإثيوبيا، والأرجنتين.

هذه بالطبع خطوة كبيرة في طريق توسيع نطاق المجموعة، سيما أن الدول الست تضيف تنوعات اقتصادية جديدة إلى دول بريكس الخمس الحالية. لم تتضح الأسس التي استُند إليها في تقرير قبول عضوية أي من الدول الست، وعدم قبول الدول السبع عشرة الأخرى التي أعربت عن رغبتها في الالتحاق بالمجموعة، لكن المؤكد أن دوافع الدول الست خلف السعي إلى عضوية بريكس تفاوتت إلى حد كبير. مصر والأرجنتين، مثلًا، تقفان على حافة الإفلاس، وتبحثان كما يبدو عن دعم مجموعة بريكس لاقتصادهما المنهار، أو عن تسهيلات من بنك بريكس للتنمية. أما السعودية والإمارات فلابد أنهما تسعيان إلى توثيق علاقاتهما الاقتصادية بأسواق صناعية ناشئة، تعتبر معدلات استهلاكها للطاقة الأكثر تسارعًا في العالم. إيران، التي فرضت عليها الكتلة الغربية عقوبات ثقيلة الوطأة، تريد علاقات بديلة عن الدول الغربية، تجاريًّا وتقنيًّا. أما إثيوبيا فلابد أن دوافعها اقتصادية وجيوسياسية على السواء، سيما في ظل الفتور في علاقاتها الغربية خلال السنوات القليلة الماضية.

 فإلى أي حد يمكن القول: إن قمة جوهانسبرغ نجحت في رسم ملامح مستقبل مجموعة بريكس، ووضعت أقدام دول المجموعة على طريق بقائها كتلة فعالة على خارطة العالم الاقتصادية والسياسية؟

مستقبل محفوف بالتحديات والوعود

في عالم القرن الحادي والعشرين، ليس ثمة شك في الارتباط الوثيق بين الاقتصادي والنقدي والجيوسياسي. كلما ازداد التقارب الاقتصادي والتجاري بين دول بريكس، وتقدمت خطوات المجموعة نحو التوافق النقدي، ازداد وزنها السياسي وأصبح بإمكانها مواجهة الهيمنة الغربية على الشأن العالمي. وهذا بالتأكيد ما تدركه الدول الخمس التي ترتكز إليها بريكس بغض النظر عن وتيرة توسع المجموعة خلال السنوات القليلة القادمة؛ وهو أيضًا ما كانت تضمره الدعوة لتشكيل المجموعة في 2009، على الأقل لعدد من الدول المؤسِّسة. ولكن الواضح أن التقدم الذي أحرزته بريكس في الخمس عشرة سنة الماضية لم يزل متواضعًا.

خلال شهر يوليو/تموز الماضي، قُدِّر نصيب الدولار من المدفوعات عبر العالم بما يصل إلى 46 بالمئة، تلاه اليورو، ثم الين الياباني، ثم اليوان الصيني؛ وهو ما يعني احتفاظ الدولار بموقعه المهيمن في الساحة الدولية، ومحدودية الموقع الذي اكتسبه اليوان (بالرغم من كون الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم)، وهامشية صفقات التبادل الاقتصادي بالعملات المحلية بين دول بريكس وغيرها من دول العالم. تنبع هيمنة الدولار (واليورو)، وهيمنة الكتلة الغربية، في الساحتين الاقتصادية-المالية والسياسية من ركائز هيكلية تاريخية في موازين القوة ونظام العالم والعلاقات بين دوله، تعود إلى القرن التاسع عشر، وإلى سيطرة الكتلة الغربية على مؤسسات التجارة والاقتصاد والنقد الدولية والتحكم في المعايير المرجعية للقوانين المتعلقة بحركة التجارة والتبادل الاقتصادي والمدفوعات النقدية. وللتحرر من هذه الهيمنة ينبغي أن يتطور توافق اقتصادي ونقدي واسع النطاق، يشمل ويحتضن عددًا ملموسًا من دول العالم، سيما تلك التي تلعب دورًا كبيرًا في الاقتصاد العالمي أو تحتفظ بثروات كبيرة، تتعهدها إرادة سياسية صلبة.

والواضح أن مشكلة بريكس حتى الآن تتعلق بالجانبين معًا: بطء تطور التوافق الاقتصادي-النقدي، وغياب الإرادة السياسية الإجماعية لتحقيق هذا التوافق. ونظرًا للتباينات الواسعة في أوضاع الدول الست التي أُعلن عن ضمها للمجموعة، فمن المتوقع أن يفضي توسع بريكس إلى مزيد من بطء عملية التوافق وإلى المزيد من تضارب الإرادات السياسية.

في نهاية قمة جوهانسبرغ، أصدرت مجموعة بريكس بيانًا ختاميًّا طويلًا، ضمَّ بعد المقدمة ستة عناوين رئيسة: الشراكة من أجل تعددية ثقافية حاضنة، وتبني بيئة من السلم والتنمية، والشراكة من أجل نمو متسارع، والشراكة من أجل تنمية مستدامة، وتعميق التبادل بين الشعوب، والتطور المؤسسي (لمجموعة بريكس). والواضح أن البيان الختامي، الذي يبدو أن المساهمة الأكبر في صياغته جاءت من جنوب إفريقيا، كتب بلغة عالمثالثية جديدة. ثمة توكيد على تصور تعددي للعالم، وعلى الحاجة لتوزيع أكثر عدالة للموارد والثروات، ونمط تنمية إنساني وأكثر وعيًا بالبيئة وخصوصيات الأمم، وعلى الالتزام بالمواثيق الدولية ودور الأمم المتحدة. ولكن البيان أكد في الوقت نفسه على القيم الديمقراطية، وعلى سيادة الدول، وعدم الاعتداء. بصورة من الصور، يبدو أن نص بيان بريكس يستبطن نقدًا للنظام العالمي الذي تقوده الكتلة الغربية، ولنظام الحكم الصيني، وسياسات الحرب والاعتداء الروسية، على السواء.    

ولكن ذلك لا يجب أن يقلِّل من حجم الإنجازات التي حققتها بريكس حتى الآن، ولا من الوعود التي تحملها من جهة تأثيرها على العلاقات بين أعضائها وعلى الساحة الدولية. خلال العام الماضي، ولمواجهة العقوبات الغربية الثقيلة، لجأت روسيا إلى أسواق الصين والهند والبرازيل ليس لبيع النفط وحسب، بل ورفع معدلات تبادل السلع والمنتجات. وبالرغم من أن رأسمال بنك التنمية التي أطلقته بريكس لم يزل متواضعًا، فإن التحاق دول مثل السعودية والإمارات وإيران يمكن أن يشكِّل إضافة حقيقية للبنك وقدرته على مد يد العون لاقتصادات الدول الأعضاء المتعثرة، أو مساعدة الأعضاء والدول من أصدقاء بريكس على مواجهة الأزمات، بدون الخضوع للشروط المجحفة التي تفرضها عادة المؤسسات المالية الدولية، التي تسيطر عليها القوى الغربية.

وعلى الرغم من الصعوبة والتعقيدات التي تكتنف مشروع العملة الموحدة، فإن مجموعة بريكس يمكن أن تصبح مجالًا لتعزيز العلاقات الثنائية بين الأعضاء، اقتصاديًّا وتقنيًّا، سواء باستخدام إحدى عملات التبادل الرئيسة، أو العملات المحلية. وليس ثمة شك أن شيوع استخدام العملات المحلية في التجارة والمدفوعات بين الدول، وحتى إن لم يرق إلى التوافق على عملة موحدة منافسة للدولار واليورو، سيشكل خطوة ملموسة في عملية التحرر من، والتصدي للهيمنة الغربية النقدية-الاقتصادية.

بيد أن المؤكد أن الطريق لم يزل طويلًا قبل أن تصبح بريكس كتلة اقتصادية-سياسية يعتد بها في الساحة العالمية.   

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات




مؤتمر “فلسطينيو الداخل” يرسم ملامح استراتيجية نضال ضد التمييز العنصري الإسرائيلي

نظَّمَ مركز الجزيرة للدراسات، بالتعاون مع قناة الجزيرة مباشر، مؤتمرًا بحثيًّا، عبر تقنية التواصل المرئي، بعنوان “فلسطينيو الداخل ومؤسسة الحكم الإسرائيلية”، خلال الفترة من 26-28 أغسطس/آب 2023، شارك فيه نخبة من الباحثين والسياسيين والأكاديميين، وأداره المذيعان، سالم المحروقي وروعة أوجيه.

سلَّط المؤتمر الضوء على أوضاع الفلسطينيين في الداخل الإسرائيلي، وبالأخص التحديات التي تواجههم والفرص المتاحة أمامهم، وفي هذا السياق استعرض المتحدثون العديد من التحديات والتي من أبرزها التمييز والعنصرية، وتصاعد قوة اليمين المتطرف وتمكنهم من مكامن الدولة الإسرائيلية، وافتقاد فلسطينيي الداخل الآليات التي تعزز عملهم الجماعي للحصول على كامل حقوقهم السياسية والمدنية، فضلًا عن المخاوف التي تنتابهم من الذوبان وتآكل الهوية.

كما ناقش المؤتمر الفرص المهيأة أمام فلسطينيي الداخل وكيفية تعظيم الاستفادة منها، والتي من أبرزها قوتهم الديمغرافية، وتكوينهم العلمي والمهني المميز، وزيادة الوعي الدولي بقضيتهم.

وخلص المتحدثون في المؤتمر إلى جملة من النقاط، أبرزها:

التمييز العنصري (الأبارتهايد)

يعاني فلسطينيو الداخل من العنصرية على مستوى الدولة والمجتمع رغم أنهم مواطنون إسرائيليون يحملون بطاقات الهوية الإسرائيلية، وتتجلى هذه العنصرية في تقليل الميزانيات المخصصة للمدن والبلدان ذات الأغلبية العربية، فلا توجد مستشفى ولا جامعة ولا محطة قطار في مدينة عربية، كما أن قرابة 150 ألف فلسطيني (إسرائيلي) يعيشون في قرى بصحراء النقب لا تتوافر فيها الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصرف صحي، فضلًا عن حرمان فلسطينيي الداخل من الترقي في الوظائف الحكومية العليا ذات الـتأثير في رسم السياسات واتخاذ القرارات، بالإضافة إلى العنف اللفظي والجسدي ضد الشخصيات البارزة، والمحاولات المستمرة، أمنيًّا وقانونيًّا، للتضييق على العمل السياسي للأحزاب العربية.

واقترح المتحدثون في المؤتمر عدة اقتراحات للتعامل مع هذا التمييز، من أهم هذه المقترحات الاتفاق على توصيف الحالة سابقة الذكر على أنها صادرة من “نظام فصل عنصري” يشبه نظام “الأبارتهايد” في جنوب إفريقيا إبان حكم البيض لهذا البلد، ومن ثمَّ فالصورة التي سوف يحصل عليها فلسطينيو الداخل أمام المجتمع الدولي هي صورة أقلية عرقية تحمل “اسميًّا” لقب “مواطنين” لكنها لا تتمتع بحقوق المواطنة وتطالب بالعدالة والمساواة.

وشدَّد المتحدثون في المؤتمر على ضرورة بلورة الخطاب السياسي والإعلامي والحقوقي لفلسطينيي الداخل على هذا الأساس، وتوحيد جهودهم لتفكيك منظومة الفصل العنصري الإسرائيلي (الأبارتهايد) كاملة وعدم اقتصار الدعوات على إنهاء الاحتلال فقط.

ملامح إستراتيجية تحرر وطني جديدة

قدَّم المتحدثون في المؤتمر رؤيتهم لكيفية التعامل مع التحديات التي تواجه فلسطينيي الداخل مما سبقت الإشارة إلى بعضها، وأكدوا على حاجة القضية الفلسطينية عمومًا لبناء إستراتيجية تحرر وطني، تقوم دعائمها الأساسية على فكرة “حل الدولة الواحدة الديمقراطية العلمانية” التي يتمتع فيها الفلسطينيون داخل الخط الأخضر والضفة الغربية وقطاع غزة، جنبًا إلى جنب مع اليهود، بحقوق المواطنة الكاملة دون تمييز أو إقصاء. وبرَّر أغلبية المشاركين في المؤتمر التوجه نحو فكرة حل الدولة الواحدة بـ”الاستحالة العملية لفكرة حل الدولتين” بعد أن قضى الاستيطان على الأراضي الفلسطينية فلم يتبق منها سوى 3.5% فقط من مساحة فلسطين التاريخية.

وأشار المتحدثون إلى صعوبة تحقيق فكرة حل الدولة الواحدة، خاصة في ظل تصاعد التوجه داخل إسرائيل نحو التطرف، لكنهم في المقابل أوضحوا أن كل حلم يبدو صعب المنال لكن بالعمل والمثابرة يمكن تغيير موازين القوى وإجبار إسرائيل على القبول بهذا الحل.

وفي سياق المساعي الرامية لبناء إستراتيجية تحرر وطني، ذكر المتحدثون أن المقاومة بكافة صورها وأشكالها، سواء السلمية منها أو المسلحة، والتي تتناسب وظروف كل تجمع فلسطيني سواء داخل الخط الأخضر أو الضفة وغزة أو في الشتات، ستبقى خيارًا للشعب الفلسطيني لتحقيق أهداف تلك الإستراتيجية.

كما أوصوا في هذا الصدد بتكثيف التواصل بين كل مكونات الشعب الفلسطيني سابقة الذكر، وضرورة الإسراع في إنشاء المؤسسات الفلسطينية المنتخبة للتحدث باسم الشعب الفلسطيني وللتعبير عن مطالبه كما يراها هو لا كما تمليها مصالح بعض القيادات والنخب.

وأوصى المتحدثون كذلك بأهمية العمل على تعزيز الهوية الوطنية والقومية للشعب الفلسطيني داخل الخط الأخضر، رغم التحديات التي تواجههم في هذا الصدد، وبالأخص المتعلق منها بالمناهج التعليمية التي تُدَرَّسُ للطلاب العرب، والتي تقدم فقط السردية الإسرائيلية وتستعمل في هذا السياق المفردات والمصطلحات الإسرائيلية-الصهيونية، ولا تتم الإشارة إلى الرواية الفلسطينية وما حلَّ بهم وبأرضهم.

وأوصى المتحدثون أيضًا بتعزيز الحضور العربي في المجتمع الإسرائيلي عبر الانخراط في مؤسسات الدولة الإسرائيلية للاستفادة من هذا الحضور اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، ولاستقطاب الشرائح الإسرائيلية غير المتطرفة التي تؤمن بفكرة حل الدولة الواحدة القائمة على العدل والمساواة، وأكدوا أن ذلك سيكون في مصلحة الجميع؛ اليهود والعرب على السواء.

تعزيز آليات العمل الجماعي

نظر المتحدثون في المؤتمر إلى تعدد الأحزاب السياسية العربية التي تعمل وسط فلسطينيي الداخل على أنه عامل إيجابي يعكس التنوع والثراء، لكنهم شددوا على أهمية تعزيز آليات العمل الجماعي بين هذه المكونات وذلك بالاتفاق على قواسم مشتركة، وأدوات عمل موحدة يستطيعون من خلالها زيادة تأثيرهم في منظومة الحكم الإسرائيلية والحصول على مكاسب سياسية ومدنية أكبر. وفي هذا الصدد أعرب المتحدثون عن تفاؤلهم بمستقبلهم ومستقبل قضيتهم، وعزوا هذا التفاؤل إلى ما وصفوه ببداية تفكك المشروع الصهيوني على إثر تصاعد موجات التطرف الديني، وإلى عدم قدرة إسرائيل حاليًّا ومستقبلًا على التعامل مع المعادلة الديمغرافية التي تميل لصالح الفلسطينيين، وكذلك إلى عدم قدرة دولة الاحتلال الإسرائيلي على نزع صفة “الأبارتهيد” عن نفسها، ولا قدرتها على إمكانية إيقاف المقاومة والنضال الوطني الفلسطيني، وخلصوا إلى أن هذه العوامل إنما هي عناصر قوة وأمل وثقة في المستقبل.

يمكن مشاهدة جلسات المؤتمر الثلاث من خلال الروابط التالية:

الجلسة الأولى

الجلسة الثانية

الجلسة الثالثة

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات