1

نساء العراق يقبلن على النوادي الرياضية

لم تكن الرياضة حكراً على الرجال في العراق يوماً ما. إلا أن العادات والتقاليد السائدة في المجتمع حرمت كثيرات من ممارسة الرياضة، وخصوصاً في الأماكن العامة. ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي التي ساهمت في منح مساحة أكبر للنساء وكسرت بعض التقاليد، كثرت النوادي الرياضية في معظم المحافظات العراقية، وخصوصاً في بغداد، التي تقصدها نساء كثيرات.
تقول المدربة الرياضية لينا القيسي إن لدى غالبية النساء رغبة في الحفاظ على صحتهن ورشاقتهن. وتوضح لـ “العربي الجديد” أن “مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت بشكل كبير في انتشار الثقافة الرياضية لدى النساء، وزادت من رغبتهن في الإقبال على النوادي الرياضية”، مشيرة إلى أن “لدى المرأة بطبيعتها حب للمنافسة. لذلك، يتنافسن للظهور بالشكل الأجمل في ما بينهن”.
تضيف: “أعمل في مجال التدريب منذ عشر سنوات ولم ألاحظ رغبة لدى النساء في ممارسة الرياضة إلا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، خصوصاً في ظل الاستقرار الأمني الذي تمر به البلاد بعد تحرير ثلث أراضي العراق من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية”.

تقول رنا محمد (55 عاماً) لـ “العربي الجديد” إنها تذهب إلى النادي الرياضي لأنها تعاني من آلام في المفاصل، لتصبح الرياضة في ما بعد سلوكاً يومياً تواظب على ممارسته”. من جهتها، ترى لارا أوس (23 عاماً) أنه “يمكن ممارسة الرياضة في أي مكان وزمان”. وتقول لـ “العربي الجديد” إن وضعها الاجتماعي والاقتصادي حال دون تمكنها من التسجيل في النوادي الرياضة، لكنها تمارس الرياضة في البيت. تتابع: “حصلت على برنامج رياضي أمارسه في البيت. أؤمن أن من يريد تحقيق شيء ما لا يمكن أن يمنعه أي عائق”. تتابع أن “ممارستي للرياضة جعلت شخصيتي أقوى في مواجهة ضغوط الحياة اليومية”.
ويرى مدرب اللياقة البدنية أنمار أحمد أن “المرأة حالها حال الرجل، تحتاج إلى ممارسة الرياضة بشكل دوري ومرتين على الأقل أسبوعياً، لما لذلك من أهمية صحياً ونفسياً واجتماعياً”. يضيف في حديثه لـ “العربي الجديد” أن “الأعراف والتقاليد المجتمعية جعلت المرأة تعاني إذا ما مارست الرياضة في الأماكن العامة، ما جعلها تتوجه نحو النوادي الرياضية لما لها من خصوصية”.

العراق (أحمد الربيعي/ فرانس برس)
العراق (أحمد الربيعي/ فرانس برس)

ويشجع النساء على ضرورة إجراء الفحوصات الطبية الخاصة في ما يتعلق بالهرمونات وغيرها قبل البدء بممارسة الأنشطة الرياضية، كونها تؤثر على البناء العضلي والتكوين الجسدي للمرأة، بالإضافة إلى نوعية الغذاء الذي تحتاجه خلال فترة التمرين”. ويطالب “بضرورة إقامة دورات وندوات تثقيفية من الجهات الحكومية، وأهمها وزارة الشباب والرياضة، لتوضيح أهمية الرياضة بالنسبة لصحة الإنسان”. كما يتحدث عن “دور الإعلام لزيادة البرامج الرياضية الخاصة باللياقة البدنية”.
إلى ذلك، يتحدث مدير عام دائرة التربية البدنية في وزارة الشباب والرياضة موفق عبد الوهاب، عن “زيادة عدد المراكز والنوادي الرياضية في بغداد وغالبية المحافظات، في ظل رغبة المرأة العراقية في الحصول على جسد رياضي رشيق، نتيجة تغير الوعي المجتمعي عموماً، لا سيما بعد انتشار هذه المراكز على مواقع التواصل الاجتماعي ودورها في تشكيل ثقافة اللياقة البدنية”. يضيف في حديثه لـ “العربي الجديد” أن “هذه النوادي باتت متنفساً حقيقياً للمرأة، إذ أن بعضها يتضمن صالونات للتجميل، وباتت مكاناً اجتماعياً لهن لتفريغ همومهن واسترجاع ذكرياتهن والتخطيط للمستقبل، في ظل عدم وجود فرص عمل وغياب الأماكن الترفيهية”.

وعلى الرغم من الانفتاح الاجتماعي من جانب، هناك عدد كبير من النساء اللواتي يعشن ظروفاً اقتصادية واجتماعية صعبة جداً، وهذا ما تؤكده سكرتيرة جمعية الأمل العراقية هناء أدور. تقول لـ “العربي الجديد” إن “الثقافة الاجتماعية تجاه المرأة لا تزال دون المستوى المطلوب، وبعض النساء يعشن تحت ظروف قاهرة ويفتقرن لأبسط مقومات الحياة”.

صفاء الطائي

المصدر: صحيفة العربي الجديد




قهوة موكا… حبوب البنّ التي قدمت اليمن للعالم

لا يمكن ذكر اليمن من دون ذكر البنّ اليمني الذي اكتسب شهرة عالمية منذ القدم، نتيجة مذاقه المميز، ما جعله يحتل المرتبة الأولى عالمياً متقدماً على البن البرازيلي. وتشير كلمة “موكا” إلى حبوب مستوردة من مدينة المخا اليمنية، وهي مدينة ساحلية في غرب البلاد، وكانت ذات يوم مركزاً عالمياً لإنتاج وتوريد البن في القرن السابع عشر لجميع أنحاء العالم. 
وبهدف الحفاظ على شهرة البن اليمني وجودته، وبهدف الترويج له، ابتدعت نقابة الموالعة اليمنيين عيداً للبن تحت اسم “عيد موكا”، والذي يصادف في 3 مارس/ آذار من كل عام، وذلك قبل خمسة أعوام.
وتبنت جهات رسمية عيد موكا، أبرزها مكتب الثقافة بتعز، كما اعتمد رسمياً عام 2020 من قبل وزارة الزراعة والري في حكومة الحوثيين بصنعاء، لتنشط بعد ذلك جماعة “حراس البن” التي أحيت عيد موكا في عدة عواصم عربية وعالمية.
تقول المسؤولة الإعلامية لحراس البن أسماء الشيباني، لـ “العربي الجديد”، إنه “تم اختيار 3 مارس ليكون عيداً للبن باعتباره بداية الموسم الزراعي وبداية الربيع، ويعرف بموسم الخصب لدى المزارعين. وتبدأ خلاله طقوس الزراعة مع تساقط الأمطار التي تحمل الخصب والخير للبلاد، كما أن العالم يحتفل في الأول من مارس بيوم الشجرة، فجاء عيد موكا ليعلن للعالم أن موكا أصله يمني”. 
تضيف الشيباني أن “فعاليات الاحتفال بعيد موكا شملت أكثر من 30 دولة على مدى 5 أعوام، بعضها بلدان منتجة ومصدرة للبن كتشيلي وماليزيا، وأخرى من أبرز المستهلكين مثل أميركا وبريطانيا وهولندا وروسيا. ويهدف الاحتفال إلى تسليط الضوء على أهمية البن كناتج قومي، وأهمية العودة لزراعته وتعزيز القوانين الخاصة بتصديره، وضمان حصول المزارعين على السعر العادل محلياً”. وتشير الشيباني إلى أن “البن اليمني يتصدر قائمة الأنواع الفاخرة بدرجات تتجاوز الـ 80 على 100 في المقياس الذي تعتمده جمعية القهوة المختصة، ما يجعل منه نوعاً ذا جودة عالية تتفوق على بقية الأنواع الأخرى، كونه يتميز بارتفاع نسبة الكافيين والزيوت العطرية في تكوينه، ما يمنحه النكهة والتأثير الفريدين”. 
وفي إطار فعاليات عيد موكا، يتم توزيع شتلات لزراعة البن كما فعلت جمعية بني سنان في بني حماد بتعز، والتي أطلقت بداية العام 2019 حملة بعنوان “العودة إلى موكا” لزراعة مليون شجرة بن. ويقول رئيس جمعية بني سنان التعاونية عبد الكريم الحمادي، لـ “العربي الجديد”، إن الجمعية أطلقت مشروع العودة إلى موكا عام 2019 ويستمر حتى عام 2025، ويهدف إلى زراعة مليون شجرة بُن حمادي في مديريات تعز. يضيف: “زرعنا حتى الآن 380 ألف شجرة في مديريات المواسط وجبل حبشي والشمايتين والمعافر والمسراخ وأطراف محافظة لحج، ونسعى لاستكمال زراعة مليون شجرة خلال الأعوام المقبلة”. 

وعن أسعار البن، يقول الحمادي إن “الكيلوغرام الواحد من النوع الممتاز يصل سعره في السوق المحلية إلى 35 دولاراً، بينما يصل سعره في السوق الخارجية إلى 300 دولار. وخلال العام الواحد، يتم تصدير خمسة آلاف طن تقريباً من مختلف أراضي اليمن. وهناك عدة أصناف للبن كالتفاحي والدوائري، بالإضافة إلى تسميات محلية بحسب منطقة زراعته، منها الحمادي والإسماعيلي والمطري والعديني واليافعي والحيمي”. ويشير إلى أن زراعة البن إلى تزايد كبير خلال السنوات الأخيرة”.
ويمتاز النوع التفاحي بشكله الذي يشبه التفاحة، وهو كبير الحجم، ويتم إنتاجه بشكل متواصل طوال العام، على عكس الدوائري وهو أصغر حجماً، ويتم قطفه مرة واحدة في العام في الفترة الممتدة من نهاية شهر أكتوبر/ تشرين الأول وحتى بداية شهر يناير/ كانون الثاني.
ويزرع البن في المرتفعات الوسطى والشمالية والغربية لليمن، وتنمو شجرة البن على ارتفاع يتراوح ما بين 700 و2400 متر عن سطح البحر، في مناخ استوائي حار رطب خلال فترة النمو، وحار وجاف في فترة القطاف. كما أن زراعة البن تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه. لذلك، يزرع في مناطق يتراوح منسوب مياه الأمطار فيها ما بين 40 سنتيمتراً إلى متر، وفقاً لبيانات رسمية. أضف إلى ذلك أن شجرة البن تحتاج إلى عناية من نوع خاص، وتظليلها بالأشجار، وحمايتها من الحشرات والفطريات التي تهاجمها. وتنتج الشجرة الجيدة في الذروة خمسة كيلوغرامات، وعند التجفيف يصبح كيلوغرامين.

قطاف القهوة في اليمن (محمد حمود/ Getty)
قطاف القهوة في اليمن (محمد حمود/ Getty)

بسبب الأهمية التي يمثلها البن لليمنيين، فقد تغنوا به في أشعارهم مذكرين بمزاياه، من خلال الدعوة للحفاظ على زراعته، وخصوصاً أنه يحمي المزارع من الفقر كما صور ذلك الشاعر مطهر الإرياني في ملحمة “الحب والبن”، والتي غناها الفنان علي بن علي الآنسي، بالإضافة إلى فنانين آخرين بألحان مختلفة أبرزهم أيوب طارش.
ويقول الشاعر في ملحمته الغنائية: “طاب الجنى يا حقول البن يا أحلى المغاني/ يا سندس أخضر مطرز بالعقيق اليماني/ يا سحر ما له مثيل في الكون قاصي وداني/ محلى العقود القواني في الغصون الدواني/ بن اليمن يا درر/ يا كنز فوق الشجر/ من يزرعك ما افتقر/ ولا ابتلى بالهوان”.
كما تغنى الشاعر عبد العزيز المقالح بالبن في ديوانه “الشمس تتناول القهوة في صنعاء القديمة”. ويقول: “لن تتذوَّق فنجاناً/ أشهى من فنجانٍ صنعانيٍّ/ يأخذُ شكلَ بخارِ الغيمةِ/ وهي تبلِّل جفنَ صباحٍ/ يفتح عينيهِ الخضراوين/ على جبلٍ تكسو عري حجارتهِ/ أشجارُ البنّ”.

خلال سنوات الحرب التي تشهدها البلاد منذ أكثر من ثماني سنوات، انخفض مخزون البن في اليمن بسبب إغلاق الموانئ والمطارات، والصعوبات في التنقل بين المدن اليمنية، وخصوصاً المدن المحاصرة مثل تعز، بالإضافة إلى توجه بعض المزارعين إلى زراعة شجرة القات بدلاً من البن نتيجة المردود المالي الكبير للقات مقارنة بالبن، ولكون القات يقطف بشكل دائم خلال العام، كما أن كلفته أقل.  
من جهة أخرى، فإن ارتفاع تكاليف الشحن وأسعار الأسمدة والمبيدات الزراعية، وشح المياه، كلها عوامل ساهمت في انحسار زراعة البن. وبحسب الإحصائيات الرسمية، تقدر المساحة المخصصة لزراعة البن حالياً في اليمن بنحو 34.5 ألف هكتار، ويبلغ حجم الإنتاج السنوي قرابة 20 ألف طن، وهي كمية صغيرة مقارنة بأرقام العقود الماضية. ووصلت صادرات البن اليمني إلى أكثر من 44 ألف طن سنوياً قبل حوالي 60 عاماً. 
وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء، تقلصت مساحة زراعة البن اليمني من 33,959 هكتاراً عام 2015، إلى حوالي 33,544 هكتاراً في نهاية عام 2017، بفارق 415 هكتاراً من الأرض الزراعية حتى أواخر 2019.

فخر العزب

المصدر: صحيفة العربي الجديد




لماذا تُكرّم مدينة ماوت العراقية الديكة؟

في حفل شعبي كبير أزيح الستار، أمس الأربعاء، عن تمثال كبير لديك مدينة ماوت، الواقعة شرقي محافظة السليمانية، ضمن إقليم كردستان، شمالي العراق، تكريماً للحيوان الذي يحظى باحترام كبير لدى أهالي البلدة الواقعة على مقربة من الحدود العراقية الإيرانية، ويقطنها عشرات آلاف العراقيين الأكراد.

وشارك في حفل إزاحة الستار عن تمثال الديك وسط مدينة ماوت، والمشيّد على قاعدة إسمنتية كبيرة مغلفة بالرخام، عدد من المسؤولين المحليين وأعيان المدينة الذين يرون في العمل ما لا يراه سكان البلدات العراقية الأخرى المجاورة للبلدة.

كما شارك عدد من كبار السن في المدينة، وهم يشرحون للأطفال سرّ احترامهم للديكة.

ويعود تقدير أهالي المدينة للديك من بين باقي الحيوانات الموجودة في المدينة المحاطة بالجبال إلى قصة تاريخية متداولة منذ نحو 500 عام، وفقاً للباحث الكردي آكو عثمان، الذي أوضح أنّ الرواية التاريخية المتواترة في المدينة هي “استخدام الديكة كمنظومة إنذار مبكر وتحذير لسكان البلدة من الهجمات التي كانت تستهدفهم من مناطق أخرى”.

ويضيف عثمان: “شيخ الوفاء أو رمزه في هذه المدينة هو الديك لا الكلب، ويعود ذلك إلى قصة تفيد بأنّ هجوماً واسعاً في السابق استهدف المدينة فعمدت الديكة إلى الصياح في وقت واحد، وبوقت غير وقت الفجر المعهود سماع أصواتها فيه، فتنبه الأهالي لذلك واكتشفوا أنّ هناك حشوداً قادمة إليهم من خلف الجبل، فتمكّنوا من الاستعداد والتهيؤ وصدّ الهجوم وتجنّب كارثة كادت أن تحل بهم”.

وتابع: “منذ ذلك الحين يرى أهالي المدينة في الديكة رمزاً للوفاء والإخلاص، ولذلك يقدرونها كثيراً، وتجدها في لوحات فنية ومشغولات يدوية وقصص الأمهات والجدات”.

ورأى في القصة بذاتها واستمرار تداولها عبر الأجيال تعبيراً عن الاعتزاز بالتراث والتاريخ القديم لهذه المدينة.

وتزخر مدن شمالي العراق بالعديد من القصص والمرويات التاريخية التي يتعامل معها السكان على أنها جزء من هويتهم.

ويقول الناشط في محافظة السليمانية شوان شقلاوي، في حديث مع “العربي الجديد”، إنّ “طبيعة مناطق إقليم كردستان الجبلية والوعرة، وصعوبة التنقل قديماً من مدينة أو بلدة إلى أخرى جعلت لكل واحدة منها هوية مميزة عن الأخرى في قصصها وعادات أهلها، بل وحتى على مستوى اللبس والأكل، وهذا التنوع من أجمل الأشياء التي يمكن لزائر إقليم كردستان العراق ملاحظته”.

وأشار إلى أنّ مناطق أخرى في الإقليم تملك روايات مماثلة، معتبراً أنّه “بغض النظر عن صحتها أو لا، فقد صارت جزءاً من الفلكلور والتاريخ الشعبي الجميل الذي يحرص السكان على تداوله وتعريف الأجيال الجديدة به”.

محمد علي

المصدر: صحيفة العربي الجديد




إيران تعلن إحباط “مؤامرة” إسرائيلية لتخريب برنامجها الصاروخي

ذكرت وسائل إعلام حكومية إيرانية، اليوم الخميس، أن إيران أحبطت “مؤامرة” لدولة الاحتلال الإسرائيلي لتخريب صناعاتها الدفاعية وإنتاج الصواريخ.

ونقلت وكالة رويترز عن التلفزيون الحكومي الإيراني قوله: “أحبطت وحدة المخابرات بوزارة الدفاع واحدة من أكبر المؤامرات التخريبية التي استهدفت الصناعات العسكرية للصواريخ والطيران والفضاء في البلاد”.

وتابع أن “هذا العمل التخريبي تم تحت إشراف أجهزة المخابرات الصهيونية وعملائها”. ولم يصدر تعليق فوري إسرائيلي على الأمر.

بدوره، أكد مسؤول بوزارة الدفاع الإيرانية، لم تكشف هويته، أن “شبكة من العملاء سعت إلى إدخال قطع معيبة في إنتاج الصواريخ المتقدمة”.

وقال المسؤول الأمني في جهاز استخبارات وزارة الدفاع الإيرانية لوكالة “نور نيوز”، المقربة من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إن هذه الشبكة كانت بصدد إدخال “قطع مزورة مجهزة” إلى مصانع عسكرية، بالتعاون مع “عناصر مخترقة، لاستخدامها في إنتاج الصواريخ المتطورة في وزارة الدفاع”.

 ووصف المسؤول العسكري الإيراني العملية الاستخباراتية بأنها “إحدى أعقد العمليات الاستخباراتية والأمنية خلال السنوات الأخيرة”.

وتابع أن البرنامج الصاروخي الإيراني “لطالما بات هدفاً لأجهزة التجسس بسبب التأثير الاستراتيجي للقوة الصاروخية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في خلق الردع أمام تهديدات الأعداء”.

صابر غل عنبري

المصدر: صحيفة العربي الجديد




عسكريو الغابون يطيحون الرئيس و«يحيلونه إلى التقاعد»

الانقلاب الثامن في أفريقيا خلال 3 سنوات… وباريس المتضرر الأكبر

في خطابه إلى السفراء الفرنسيين عبر العالم بمناسبة مؤتمرهم السنوي يوم الاثنين الماضي، نبّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى «عدوى الانقلابات» في أفريقيا، خصوصاً في الفضاء الفرنكوفوني الأفريقي.

وكان يشير بذلك إلى الانقلابات التي حدثت منذ عام 2001 في مالي وبوركينا فاسو وغينيا… وآخرها في النيجر. واليوم، يمكن أن يضاف إليها الغابون؛ المستعمرة الفرنسية السابقة التي تبنت الفرنسية لغة رسمية وحصلت على استقلالها في عام 1960 بعد 54 عاماً من الاستعمار. أما إذا أضفنا إليها السودان، فإن أفريقيا تكون قد شهدت 8 انقلابات في أقل من 3 سنوات. والثابت أنه في 5 من الدول الـ6، تبدو المصالح الفرنسية هي المستهدفة بالدرجة الأولى.

علاقة وثيقة

تلقي المراجعة التاريخية أضواءً كاشفة على العلاقة القائمة بين باريس وليبرفيل. وإذا كان اليوم من المستبعد أن تتدخل القوة الفرنسية المرابطة في الغابون والتي يبلغ عديدها، وفق بيانات وزارة الدفاع، 370 عنصراً، فقد سبق لباريس أن تدخلت، بعد فترة قصيرة على استقلال البلاد، لإجهاض انقلاب عسكري ضد أول رئيس منتخب للغابون.

ولمزيد من الضمانات، فقد أبرمت باريس وليبرفيل اتفاقات منذ عام 1960، أضيفت إليها في عام 2011 اتفاقات أخرى. علماً بأن القاعدة العسكرية الفرنسية، كما نظيرتها في السنغال، ذات صبغة «إقليمية» بمعنى أنها تتناول كل منطقة وسط أفريقيا؛ الأمر الذي يبين أهميتها بالنسبة إلى الحضور الفرنسي في المنطقة، وللدفاع عن المصالح الفرنسية. ثم إن الرئيس عمر بونغو؛ والد الرئيس الحالي المخلوع علي بونغو، والذي حكم الغابون طيلة 41 عاماً، كان وثيق الصلة بفرنسا؛ الأمر الذي سهل للشركات الفرنسية أن تنسج علاقات هيمنة بالاقتصاد الغابوني.

ثم إن علي بونغو المتزوج من مواطنة فرنسية، وأكمل دراسته الجامعية في جامعة السوربون العريقة، كثير الترداد على باريس والمدن الفرنسية الأخرى، حيث تمتلك عائلته كثيراً من المنازل والشقق في أفخر المناطق الباريسية، فضلاً عن مجموعة من السيارات غالية الثمن. ولاكتمال الصورة، تتعين الإشارة إلى أن القضاء الفرنسي يلاحق عدة إخوة للرئيس المعزول لاتهامهم بالثراء غير المشروع.

انتخابات متنازع عليها

بالنظر إلى ما سبق، تتوجه الأنظار إلى باريس للتعرف على رد فعلها على الانقلاب الذي جرى صبيحة يوم الأربعاء بعد دقائق قليلة من إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت يوم 26 أغسطس (آب) الحالي، وأدت إلى فوز بونغو بولاية ثالثة بحصوله على 64.27 في المائة، متفوّقاً على مرشح المعارضة ألبير أندو أوسا الذي حصل على 30.77 في المائة من الأصوات.

وليس سراً أن التصويت جرى من غير حضور مراقبين أجانب، وفي ظل تعتيم إعلامي تمثل في منع وسائل إعلامية فرنسية رئيسية من العمل، وقطع شبكة الإنترنت، والأهم وجود شكوك في حدوث عمليات تزوير واسعة النطاق. وجاءت النتيجة المنتظرة أصلاً لتمدد حكم عائلة بونغو؛ إذ إن الوالد وابنه حرصا على إفراغ الدستور من أي قيود تحدد عدد الولايات المتاحة لرئيس الجمهورية، فعائلة بونغو تحكم الغابون منذ 55 عاماً؛ منها 14 عاماً لعلي بونغو.

وكما ينص التقليد الانقلابي، فقد أعلن الانقلابيون؛ الذي ظهر منهم 12 عسكرياً ومدني واحد على شاشة القناة التلفزيونية «غابون24»، في بيانهم، نهاية نظام بونغو، وإلغاء الانتخابات ونتائجها، وتنحية الرئيس، ووضعه مع جزء من عائلته وأطبائه في الإقامة الجبرية، وحل كل مؤسسات الدولة، وإغلاق الحدود، والقبض على عدة وزراء وأعيان من النظام؛ من بينهم ابن علي بونغو.

ومن التهم التي وجّهت إلى هؤلاء: الخيانة العظمى، واختلاس الأموال العامة، والتزوير الانتخابي، وتلقي رشى، وتهريب المخدرات. وكما في النيجر، فقد نزل الآلاف من الأشخاص إلى الساحات والشوارع في العاصمة ليبرفيل وفي مدينة بور جونتيل؛ العاصمة الاقتصادية للبلاد، للتعبير عن دعم الانقلابيين.

استغاثة الرئيس

واللافت أن بونغو، شخصياً، بث شريط فيديو قصيراً على وسائل التواصل الاجتماعي يدعو فيه «أصدقاءه» إلى «إحداث ضجيج». وجاء في الشريط؛ حيث يبدو جالساً على أريكة وملامح القلق على وجهه: «أنا علي بونغو أونديمبا، رئيس الغابون، أوجه رسالة إلى كل أصدقائنا عبر العالم لأقول لهم أن يحدثوا ضجيجاً… إزاء الأشخاص الذين عمدوا إلى توقيفي أنا وعائلتي». ولم يفهم ما إذا كان الرئيس المحتجز يدعو إلى التدخل العسكري لإنقاذه أم لممارسة ضغوط سياسية أو شعبية على الانقلابيين لإطلاق سراحه. إلا إن الجنرال بريس أوليغي نغوما، أحد جنرالات الانقلاب ورئيس الحرس الجمهوري، أكد لصحيفة «لوموند» أن الرئيس علي بونغو «أحيل إلى التقاعد، وهو يتمتع بكامل حقوقه كأي غابوني عادي». وأضاف الجنرال أوليغي: «لم يكن له الحق في ممارسة ولاية ثالثة. الدستور انتُهك، والقانون الانتخابي لم يكن جيداً. لذا؛ فإن الجيش قرر التحرك وقلب الصفحة وتحمل المسؤولية».

ورفض رئيس الحرس عدّ نفسه «رئيس الأمر الواقع» للغابون، مؤكداً أن نقاشاً سيحصل مع مجمل الجنرالات في اجتماع لاحق، وذلك «بحثاً عن توافق، وحق كل طرف أن يعرض أفكاره، وبعدها سينتخب الأفضل؛ بمن في ذلك اسم من سيقود المرحلة الانتقالية». وأظهرت صور نقلتها القنوات التلفزيونية أفراداً من الحرس الجمهوري يحيون الجنرال أوليغي، ويسمونه «أوليغي الرئيس».

لائحة اتهام

يتضمن البيان الذي أذاعه الانقلابيون فجر الأربعاء «مضبطة اتهام» بحق الرئيس بونغو وعهده وعهد عائلته والمحيطين به. وتذهب الاتهامات في 3 اتجاهات: التزوير الانتخابي، والفساد، والعائلية. ونظراً إلى تخوفهم من رد الفعل الخارجي على الانقلاب، فقد سارع العسكر إلى الإعلان عن «تمسكهم باحترام كل التزامات الغابون إزاء الأسرة الوطنية {الداخل} والدولية».

ووفق مصادر في العاصمة الفرنسية، فإن ما سبق «يعدّ رسالة مباشرة إلى باريس» التي لها المصالح الرئيسية في هذا البلد الغني بالنفط وبالمعادن وبالغابات. وتكفي الإشارة إلى أن شركة «توتال إنيرجي» تعمل في الغابون منذ ما قبل الاستقلال، ورغم أن إنتاجها من النفط الغابوني قد تراجع في السنوات الأخيرة، فإنها تسيطر على دورة تكرير وتوزيع المشتقات النفطية، وشركة «إيرامت» تستخرج ما نسبته 90 بالمائة من المنغنيز. وكانت مجموعة «بولوريه» الفرنسية تدير مرافئ الغابون، إلا إنها باعت مؤخراً امتيازها لشركة «إم إس سي» السويسرية.

رد فعل فرنسا

حتى عصر الأربعاء، لم يكن قد صدر أي تعليق على مجريات الأحداث في الغابون من رئاسة الجمهورية ولا من وزارة الخارجية. وحده الوزير أوليفيه فيران قال للصحافة، عقب اجتماع مجلس الوزراء في قصر الإليزيه، إن فرنسا «تدين الانقلاب العسكري الجاري في الغابون»، وهي «تتابع من كثب تطورات الوضع». وأضاف فيران لاحقاً أن باريس «تذكر بتعلقها بالمسارات الانتخابية الحرة والشفافة».

أنصار العسكريين يحتفلون في شوارع ليبرفيل (أ.ف.ب)

وقبله، اكتفت رئيسة الحكومة، إليزابيث بورن، بالقول إن فرنسا «تفرد انتباهاً كبيراً» لما يجري في الغابون، وذلك بمناسبة كلمة ألقتها صباحاً بحضور السفراء الفرنسيين عبر العالم.

وتتصف عبارة الوزير الفرنسي الأخيرة بالغموض، خصوصاً أن ما يؤخذ على انتخابات الغابون ليس فقط غياب الشفافية عنها؛ بل أيضاً وقوع عمليات تزوير واسعة ورفض السلطات حضور مراقبين محايدين أجانب.

تحدٍّ جديد

ويطرح الانقلاب الجديد تحدياً واضحاً لفرنسا. والمرجح أن باريس تريد مراقبة تطورات الوضع قبل أن تحدد طريقة تعاملها مع العسكر، خصوصاً أن الوضع يختلف عما هو عليه في النيجر؛ إنْ كان لجهة عديد قواتها أو لغياب العداء لها ولمصالحها كما هي الحال في نيامي. ومشكلتها أنها في النيجر وقفت وراء «المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس)» ودفعت باتجاه المواقف الأكثر تشدداً فيما بقي رد فعلها الأول «معتدلاً» إلى حد بعيد. ويؤخذ على باريس أنها غضت الطرف عما يحصل في الغابون على الصعيد الداخلي، وهي التي تعطي دروساً في الديمقراطية للقارة بأكملها. وكان الرئيس ماكرون قد زار الغابون في شهر مارس (آذار) الماضي، وهي الزيارة التي رأت فيها شخصيات معارضة تزكية للمرشح الرئاسي علي بونغو.

وهاجم جان لوك ميلونشون، المرشح الرئاسي السابق وزعيم اليسار المتشدد، سياسة ماكرون الأفريقية، متهما إياه بـ«الممالأة».

ودعت السفارة الفرنسية، الأربعاء، الرعايا الفرنسيين إلى البقاء في بيوتهم والامتناع عن الخروج.

إدانات دولية

وفي سياق مواز، أكّد جون كيربي، الناطق باسم مجلس الأمن القومي الأميركي، أن الدبلوماسيين الأميركيين والعسكريين الموجودين في الغابون هم «في أمان»؛ وإذ اكتفى بالقول إن واشنطن «تتابع الوضع من قرب»، فقد عدّ أن تعاقب الانقلابات العسكرية في أفريقيا «مثير لقلق كبير»، رافضاً التعقيب على نتيجة الانتخابات الغابونية التي ربحها الرئيس بونغو.

من جانبه، أدان موسى فكي محمد، رئيس لجنة الاتحاد الأفريقي، في بيان الأربعاء، «بشدة المحاولة الانقلابية»، وندد بـ«الانتهاك الفاضح» للمبادئ المعمول به في الاتحاد، ودعا الجيش الغابوني والقوى الأمنية إلى «الالتزام بالقيام بمهمتهم وضمان السلامة الجسدية لرئيس الجمهورية وأفراد عائلته وأعضاء الحكومة». وجاء في بيان للاتحاد الأفريقي أن الانقلاب يشكل «انتهاكاً صارخاً للأدوات القانونية والسياسية للاتحاد، ومنها شرعية الانتخابات والديمقراطية والحوكمة (الرشيدة)».

وكانت الصين من أوائل من علق على الانقلاب، حيث دعت بكين إلى «ضمان سلامة علي بونغو». وجاء في بيان الخارجية الصينية أن بكين «تتابع من قرب تطور الوضع في الغابون، وتدعو الأطراف المعنية إلى التصرف وفق مصلحة الشعب الغابوني، وإلى العودة الفورية إلى النظام الطبيعي».

أما منظمة الكومنولث؛ التي تقودها بريطانيا، والتي انضمت إليها الغابون العام الماضي رغم أن لغتها الرسمية هي الفرنسية، فقد عدّت في بيان أن «المعلومات الواردة حول استيلاء غير شرعي على السلطة في الغابون تشكل لنا مصدر قلق كبير». واستبق جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، اجتماعاً لوزراء الدفاع والخارجية في الاتحاد بمدينة طليطلة الإسبانية، بالإعراب عن مخاوفه من أنه إذا تأكد الانقلاب العسكري، فإن ذلك «سيزيد من الاضطرابات في المنطقة كلها»، رافضاً الذهاب أبعد من ذلك؛ في انتظار معلومات إضافية. وسبق أن شهدت الغابون انقلاباً فاشلاً في عام 2019 استهدف الرئيس علي بونغو.

لعل رد الفعل الأوضح جاء من وزير خارجية إيطاليا، أنطونيو تاياني، الذي دعا إلى حل دبلوماسي في النيجر، وأيضاً في الغابون. وأكد تاياني، في بيان، أن بلاده «ما زالت تدعو لحل دبلوماسي (في البلدين) بالتنسيق مع شركائها»، عادّاً أن هذه المقاربة من شأنها وحدها «المحافظة على السلم والاستقرار» في أفريقيا. وسبق له أن أكد أن أوروبا «لا تستطيع السماح بقيام نزاع مسلح ولا أن نظهر نحن الأوروبيين بوصفنا مستعمرين جدداً».

ميشال أبو نجم

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




متى تستثمر أفريقيا ثرواتها وتقود العالم؟

تمتلك نصف احتياطي الذهب في العالم و12% من النفط و32% ثروة معدنية

تتلقى القارة الأفريقية الضربة تلو الأخرى من الخارج والداخل، لتكون الأكثر تأثرا بالأحداث والتغيرات العالمية التي تتسارع حول العالم، سواء كان ذلك جيوسياسياً أو اقتصادياً، مما وضعها كأفقر قارة في العالم.

تعاني الدول الأفريقية كثيراً مع كل تغير إقليمي أو عالمي، كان آخرها تفشي جائحة «كورونا»، مع تأثر سلاسل الإمدادات العالمية، والتي زادت نسبة الجوع في أفريقيا بنحو 20 في المائة إلى 230 مليونا يعانون من سوء التغذية في القارة، وفق برنامج الغذاء العالمي.

بينما يرى الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، أكبر شبكة إنسانية في العالم، أن أفريقيا، تشهد واحدة من أكثر الأزمات الغذائية إثارة للقلق منذ عقود، ووصفتها بأنها «هائلة من حيث شدّتها ونطاقها الجغرافي». وتقول عبر موقعها: «يعاني حوالي 146 مليون شخص من انعدام حاد للأمن الغذائي، وهم بحاجة إلى مساعدة إنسانية طارئة».

ومع اختلاف عدد الجوعى في القارة وتضارب الأرقام، إلا أن الجميع يتفق على أن هناك أزمة حقيقية، ناتجة من عوامل محلّية وعالمية عدّة أوصلت إليها، بما في ذلك انعدام الأمن والنزاع المسلّح، والأحداث الجويّة القاسية، والتقلّب المناخي، والآثار السلبية على الاقتصاد الكلّي.

كل هذا رغم أن أفريقيا، البالغ عدد دولها 54 دولة، تمتلك نحو 60 في المائة من مساحة الأرض الزراعية الصالحة للزراعة في العالم، وتمثل حرفة الزراعة والري 80 في المائة من حرف شعوب القارة، بالإضافة إلى العمل في الغابات والثروة الطبيعية.

يصل حجم السوق الأفريقية إلى نحو 1.3 مليار نسمة، وهي سوق استهلاكية بالدرجة الأولى، 60 في المائة من ثروتها البشرية في سن الشباب، مما تعد فرصة حقيقية للشركات والمصانع والقطاعات الإنتاجية بكل أنواعها.

تمتلك دول القارة نحو نصف احتياطي الذهب في العالم، الذي يتركز في السودان وغانا وزامبيا ونيجيريا وزيمبابوي ومصر، ونحو 12 إلى 15 في المائة من احتياطي النفط العالمي، بالإضافة إلى 32 في المائة من احتياطي الثروة المعدنية في العالم.

ووفقاً للأمم المتحدة، فإن أفريقيا موطن لنحو 8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم. كما تمتلك أفريقيا ثلث جميع المعادن في العالم، وأنتجت في عام 2019 ما يقرب من مليار طن من المعادن بقيمة 406 مليارات دولار.

تعطي هذه المعطيات والبيانات المقتضبة عن القارة إجابات شافية عما يحدث في القارة داخلياً، ومحاولات التدخل خارجياً. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو: متى تنتهز القارة الأفريقية الفرصة وتستقل بقراراتها وتستثمر مواردها وتعيش برفاهية لا سيما مع تسارع الدول الغربية، أميركا وأوروبا والصين، لحجز نصيب لها في موارد القارة؟

مع الإشارة هنا إلى أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة كثيراً بوصفها لاعبا اقتصاديا في أفريقيا. فهي أكبر شريك تجاري ثنائي الاتجاه لأفريقيا، حيث بلغ حجم التجارة بينهما 254 مليار دولار في عام 2021، متجاوزة بذلك بأربعة أضعاف حجم التجارة بين الولايات المتحدة وأفريقيا. كما أن الصين هي أكبر مزود للاستثمار الأجنبي المباشر، حيث تدعم مئات الآلاف من الوظائف الأفريقية.

مؤخراً، حصلت تغيرات جيوسياسية في أفريقيا، السودان ثم مالي ثم النيجر والغابون، وكلها ستؤثر على العالم الخارجي لا محالة، إذ إن أي تغيرات داخلية من شأنها أن ترفع أسعار المعادن والموارد الطبيعية التي تصدرها هذه الدول بأسعار تحددها الدول الأجنبية مسبقاً، وتستوردها في شكلها الخام. وقد تساهم في إبقاء معدلات التضخم مرتفعة لفترة من الزمن حتى يعود الاستقرار من جديد.

موارد القارة الأفريقية الطبيعية

-الذهب: تمتلك القارة 40 – 50 في المائة من احتياطي الذهب في العالم، الذي يتركز في السودان وغانا وزامبيا ونيجيريا وزيمبابوي ومصر.

ووفق دراسات، فإن خرائط مناجم الذهب في أفريقيا، كشفت عن صراعات محلية ودولية سُميت بالوريد الصحراوي للذهب، المكتشف عام 2012، والممتد من السودان شرق القارة إلى موريتانيا في أقصى غربها.

ومالي، التي شهدت انقلاباً عسكرياً مؤخراً، هي ثالث منتج للذهب في أفريقيا بعد جنوب أفريقيا وغانا. ووفقا لإحصاءات رسمية، فإن أغلب عمليات استخراج الذهب تقوم بها شركات متعددة الجنسيات.

زاد الإنتاج الصناعي للذهب في مالي بنسبة 4 في المائة عام 2022 ليصل إلى 66.2 طن، مقابل 63.4 طن في عام 2021، ووفق وزارة المناجم، فإن المعدن الأصفر يدر 400 مليون يورو سنويا، وهو ما يمثل 75 في المائة من صادراتها و25 في المائة من موازنتها.

-اليورانيوم: أفريقيا لديها رواسب معدنية كبيرة، بما في ذلك اليورانيوم.

والنيجر، التي شهدت هي الأخرى انقلاباً عسكرياً مؤخراً، هي سابع أكبر منتج لليورانيوم في العالم، وفقا للجمعية النووية العالمية.

والمعدن المشع هو الوقود الأكثر استخداماً للطاقة النووية. كما أنه يستخدم في علاج السرطان، للدفع البحري، وفي الأسلحة النووية.

وقد أنتجت النيجر، التي تمتلك أعلى خامات اليورانيوم في أفريقيا، 2020 طناً مترياً من اليورانيوم في عام 2022، أي حوالي 5 في المائة من إنتاج التعدين العالمي، وفقاً للجمعية النووية العالمية. وانخفض هذا من 2991 طناً في عام 2020.

ولدى النيجر عملية تعدين رئيسية واحدة في الشمال تديرها «أورلاندو» المملوكة لفرنسا، وهو منجم رئيسي آخر أغلق في عام 2021، مع واحد قيد التطوير.

-الكوبالت: تحتوي جمهورية الكونغو الديمقراطية على كميات ضخمة من الكوبالت، ومنها يتم إنتاج 50 في المائة على الأقل من خام الكوبالت الموجود في أسواق العالم.

ويحظى هذا المعدن بأهمية كبيرة لاستخدامه في بطاريات الهواتف الذكية وغيرها من الأجهزة الإلكترونية والسيارات الكهربائية، كما يستعمل في اللوحات الرقمية.

وقد بات محط اهتمام كبريات الشركات التقنية في العالم، إذ يرتبط به مستقبل قطاع الاتصالات.

-الكروم: جنوب أفريقيا هي موطن للغالبية العظمى من رواسب الكروم في العالم، وهي أكبر منتج للفيروكروم والكروم. ويعتمد الكثير من البلدان على جنوب أفريقيا لواردات الكروم.

وقد أنتجت جنوب أفريقيا 18 مليون طن متري من الكروم في عام 2022، وارتفع إنتاج البلاد بشكل كبير منذ عام 2020 حين كان يبلغ 13.2 مليون طن متري، ويستمر في التغلب على بقية منتجي الكروم في العالم بهامش واسع.

والكروم هو معدن رمادي صلب وهش مع نقطة انصهار عالية ومقاومة للتآكل، وهذه الخصائص تجعله عنصراً أساسياً في إنتاج الفولاذ المقاوم للصدأ.

ويبيع منتجو الكروم حوالي 60 في المائة من إنتاجهم لصناعة الصلب في الأساس، ويتم استخدام الكروم لإنتاج الفيروكروم، والذي يستخدم بعد ذلك في صناعة الفولاذ.

وتعد الصين أكبر مستهلك للكروم في العالم، وكذلك أكبر منتج للفولاذ المقاوم للصدأ. ولدى الصين أيضا خيارات محدودة فيما يتعلق بواردات الكروم، يظهر أحدث تقرير للمسح الجيولوجي الأميركي عن الكروم أن خمس دول فقط أنتجت المعدن في عام 2022.

-المنغنيز: تعتبر جنوب أفريقيا أكبر منتج للمنغنيز في العالم، حيث تمثل 33.5 في المائة من الإنتاج العالمي. ويبلغ إنتاجها السنوي من المنغنيز 6.2 مليون طن، وتتركز غالبية تعدين المنغنيز في صحراء كالاهاري، التي يعتقد أنها تمتلك أكثر من 70 في المائة من الاحتياطيات العالمية.

يستخدم المنغنيز، وهو مادة خام مهمة في صناعة الحديد والصلب، في تقوية الفولاذ ومنعه من الصدأ.

كما يستخدم في بطاريات الخلايا الجافة، وفي تشكيل كثير من السبائك، وفي الصناعات الكيميائية والزجاجية والكهربائية.

-التعدين: أفريقيا هي القارة الثانية في صناعة التعدين، فمساحة القارة تقدّر بـ 30 مليون كيلومتر مربع؛ مما يعني وجود كميات كبيرة من المواد الخام.

تهيمن كل من جنوب أفريقيا وموريتانيا والجزائر على إنتاج خام الحديد في أفريقيا.

وتنتج القارة نحو 12 – 15 في المائة من احتياطي النفط العالمي، أبرزها نيجيريا والغابون، التي شهدت انقلابا عسكريا الأربعاء.

جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة

يرى رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة، الدكتور يسري الشرقاوي، أن فلسفة إدارة الاقتصاد العالمي تضع القارة الأفريقية في مكانة محدودة بالنظر إلى مواردها الطبيعية الغنية، وهو الأمر الذي يثير حفيظة شعوب القارة، التي بدأت بعض دولها تنتفض من حيث زيادة عدد المتعلمين والمطالبين بالتغيير.

قال الشرقاوي لـ«الشرق الأوسط»، إن «جزءاً من خطة وضعتها بعض الدول المتقدمة، تعتمد منهجيتها على الحصول على موارد القارة الأفريقية بأسعار زهيدة، وهو ما يتطلب إبقاء الوضع الاقتصادي لهذه الدول على ما هو عليه، لأنه ببساطة في حال استثمرت الدول الأفريقية مواردها وبدأت تصديرها في شكل منتج نهائي وليس في صورة خام، فسترتفع الأسعار على الدول المتقدمة ويزيد التضخم، وتقل رفاهيتهم، فرفاهية الدول المتقدمة تعتمد على فقر أفريقيا».

وعن مدى إمكانية استمرار هذه السياسات، أوضح الشرقاوي: «صعب… لبنة التغيير في القارة بدأت…».

صبري ناجح

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




مستقبل أفريقيا بين سندان الغرب ومطرقة الوعود الروسية

نالت أفريقيا اهتماما دوليا متزايدا خلال شهر يوليو/تموز الماضي، وذلك بسبب حدثين مهمين. الأول، كان القمة الروسية الأفريقية الثانية. أما الثاني فهو الانقلاب في النيجر. ومن المحتمل أن يكون لكلا الحدثين تداعيات على مستقبل القارة.

وقد أكدت القمة أن التدافع الثاني من أجل أفريقيا مستمر بكثافة. وكان التدافع الأول قد حدث خلال الفترة ما بين 1885-1914. فيما يثير انقلاب النيجر تساؤلات حول المسار السياسي المستقبلي الذي ستتخذه أفريقيا.

ويرتبط كلا التطورين بروسيا سواء بشكل مباشر، أي القمة، أو بشكل غير مباشر، أي الانقلاب؛ إذ إن طريقة تطورهما ستؤثر على الدور الذي تطمح روسيا إلى القيام به في أفريقيا. وبينما لا يزال من المبكر الحكم على تأثير كلا التطورين، فإن تأثير القمة سيعتمد على كيفية ترجمة تطلعات البلدان الأفريقية وروسيا، المبينة في الوثائق الختامية، إلى إجراءات عملية.

Reuters
اعلام رفعت للترحيب بالقمة الروسية الافريقية في سانت بطرسبورغ

وفي محاولة لقياس تأثير هذه الأحداث على المستقبل وأفريقيا، قد يكون من المفيد استرجاع تاريخ القارة في القرنين الماضيين. حدث التدافع الأول من أجل أفريقيا خلال الفترة التي قامت فيها القوى الاستعمارية الأوروبية بتقسيم القارة لاستغلال مواردها الطبيعية الغنية. وفي وقت لاحق وخلال الفترة المتبقية من القرن العشرين، انخرطت أفريقيا في النضال من أجل الاستقلال السياسي. في هذه المرحلة، اختبرت كثير من النماذج الاقتصادية والحوكمة إلا أن أغلبها انتهى بالفشل. كما كانت أفريقيا أيضا نقطة ثانوية في المنافسة بين الشرق والغرب خلال الحرب الباردة. وكل ما سبق منع أفريقيا من تفعيل إمكاناتها الحقيقية.

ومع ذلك، منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عادت أفريقيا إلى دائرة الاهتمام الدولي فيما يمكن تسميته “التدافع الثاني من أجل أفريقيا”. إلا أن التدافع هذه المرة لا يقتصر على استغلال الموارد الطبيعية لأفريقيا، بل يشمل أيضا الوصول إلى أسواقها، والقوى العاملة فيها، وطرق التجارة التي تقع على طول خطوط الاتصال والتجارة البحرية الرئيسية في المحيطين الأطلسي والهندي.

ربما كانت الظروف والأدوات التي تستخدمها القوى الخارجية هذه المرة مختلفة، لكن الأهداف العامة ما زالت ذاتها إلى حد كبير: الاستفادة من الإمكانات الهائلة لأفريقيا. إلا أن النتيجة في هذه المرة لن تكون صفرا بالنسبة للبلدان الأفريقية؛ إذ إنها تطورت بطريقة تجعلها في وضع أفضل لتأمين مصالحها الوطنية والجماعية.

وتغير اللاعبون الرئيسون أيضا؛ إذ شمل التدافع الأول القوى الأوروبية. أما الثاني، فيشمل كثيرا من اللاعبين. وبالإضافة إلى القوى الأوروبية التقليدية التي لا تزال لديها مصالح كبيرة في القارة، أصبحت الصين والولايات المتحدة واليابان وروسيا اليوم أيضا لاعبين مهمين. وبدرجة أقل، أبدت دول مثل البرازيل وتركيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وحتى إيران اهتماما متزايدا بهذه المنطقة.

وباستثناء فرنسا والمملكة المتحدة، فإن تجربة روسيا في أفريقيا أطول بكثير وأكثر كثافة واتساعا مقارنة بمنافسيها الرئيسين؛ إذ أظهر الاتحاد السوفياتي اهتماما كبيرا بأفريقيا بدءا من الخمسينات، ودعم عملية إنهاء الاستعمار هناك. واستمر هذا الاهتمام في التطور حتى زوال الاتحاد السوفياتي عام 1991. 
وبعد فترة من الاضطراب السياسي والاجتماعي وضعف النمو الاقتصادي بعد عقد الاستقلال في الستينات، بدأت حظوظ أفريقيا في التحول عام 2000. وتزامن ذلك مع انتعاش الاقتصاد الروسي الناتج عن النفط والغاز وازدهار السلع.

لكن نقطة التحول بالنسبة لروسيا حدثت بعد زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأولى للقارة الأفريقية عام 2006. ومنذ ذلك الحين نمت العلاقات بين روسيا والدول الأفريقية بشكل كبير، وبلغت ذروتها في أول قمة روسية أفريقية عقدت في سوتشي عام 2019؛ فقد انعقدت القمة الأولى في ظروف مواتية لروسيا. إذ كان اقتصادها مزدهرا وجمعت روسيا موارد كبيرة جعلتها تستعيد المكانة التي احتلها الاتحاد السوفياتي ذات يوم.

وبوجود موارد وفيرة تحت تصرفها، وعلاقات متوازنة مع الغالبية العظمى من البلدان التي كانت في بعض الأحيان معادية لبعضها البعض- باستثناء الغرب نتيجة لضم شبه جزيرة القرم عام 2014– إضافة لنموذج سياسي كان الكثير من دول جنوب العالم على استعداد لمحاكاته، وجيش عززه أداؤه في سوريا، شرعت روسيا في استعادة دورها كلاعب رئيس في أفريقيا وقوة عظمى على الساحة الدولية.

منذ ذلك الحين، واجهت روسيا رياحا معاكسة. أولا، عام 2020 كانت هناك جائحة كوفيد-19، ومن ثم جاءت أزمة 2022 في أوكرانيا؛ إذ تسبب الوباء في تعطيل تطلعات وخطط القمة الأولى.

وعلى الرغم من امتناع غالبية البلدان الأفريقية عن اتخاذ مواقف معادية لروسيا بشأن أوكرانيا، بما في ذلك في الأمم المتحدة، إلا أن شعورا بعدم الاطمئنان في علاقاتهم مع روسيا بدأ في الظهور.

وعانت البلدان الأفريقية بشكل غير متناسب من ارتفاع أسعار الحبوب نتيجة للحرب. لكن التصرفات الروسية أيضا طرحت تساؤلات حول احترام موسكو لقدسية الحدود الدولية، وهو مبدأ أساسي للدول الأفريقية منصوص عليه في ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية، سلف الاتحاد الأفريقي.

نتيجة لذلك أجلت القمة الثانية، التي كان من المقرر عقدها في الأصل عام 2022، إلى يوليو/تموز 2023. وعقدت أيضا في ظروف أقل ملاءمة لروسيا. وتجسدت القمة في سياق التنافس المتصاعد بين روسيا والصين من جهة والغرب من جهة أخرى، وهي حالة لم تكن الدول الأفريقية مرتاحة لها. وتمتع منافسو روسيا الرئيسون ببعض الأسبقية. إذ عقدت الصين والاتحاد الأوروبي وتركيا والولايات المتحدة قممها مع أفريقيا في الفترة من 2021 إلى 2022.

AFP
صورة تذكارية للمشاركين في القمة الروسية الافريقية في سانت بطرسبورغ في 28 يوليو

ولكن هذه المرة، اكتسب اهتمام روسيا بأفريقيا أهمية وحاجة إضافيتين. فمع تعرض روسيا لعقوبات أشد صرامة من قبل الغرب مقارنة بعام 2014، فإنها تحتاج إلى الاعتماد على جهات فاعلة دولية أخرى لتعويض خسائرها. وينعكس هذا بوضوح في مفهوم السياسة الخارجية الروسية الذي تم إصداره مؤخرا. تُمنح أفريقيا، باعتبارها جزءا رئيسا من الجنوب العالمي، دورا مهما في السعي إلى تشكيل نظام دولي جديد متعدد الأقطاب.

وتوفر الثروة المعدنية والطلب على الطاقة في أفريقيا بشكل خاص ساحة ذات أهمية استراتيجية لروسيا للالتفاف على العقوبات الغربية مرة أخرى من أجل تعزيز إمداداتها من المعادن الثمينة وعناصر الأتربة النادرة، وكذلك لتأمين الإيرادات الأجنبية المتعلقة بمشاريع الطاقة.

في ظل هذه الظروف انعقدت القمة الثانية. لذلك ليس من المستغرب أن يكون التمثيل الأفريقي أقل من تمثيله في القمة الأولى. حيث شاركت 54 دولة أفريقية في القمة الأولى، ومثلها 47 رئيس دولة، أما في القمة الثانية فشاركت 48 دولة من بينها 27 دولة مثلها رؤساء الدولة أو نوابهم أو رؤساء الوزراء.

شددت روسيا في القمة على ما تعتبره مواقف مشتركة مع أفريقيا: السعي إلى نظام دولي متعدد الأقطاب، والتعاون الأمني ومكافحة الإرهاب، والاستقلال الاقتصادي عن الغرب، والقيم الأسرية. من ناحية أخرى، أكد القادة الأفارقة بالإضافة إلى ذلك على: الأمن الغذائي، ونقل التكنولوجيا، والاستثمارات، ووصول صادراتهم إلى الأسواق، وأمور أخرى.

وقد عكس إعلان القمة الأهداف المشتركة التي تسعى كل من روسيا والبلدان الأفريقية إلى تحقيقها: هيكل متعدد الأقطاب أكثر إنصافا للنظام العالمي، بما في ذلك إعادة بناء الهيكل المالي العالمي، وتعويض الدول الأفريقية عن الأضرار التي سببها الاستعمار وإعادة الكنوز الثقافية التي نقلها المستعمرون، ومواجهة مظاهر السياسات الاستعمارية الجديدة التي تهدف إلى تقويض سيادة الدول، وتعزيز التجارة والتعاون الاقتصادي والاستثماري ونقل التكنولوجيا، وضمان الأمن الغذائي وأمن الطاقة في القارة الأفريقية، والتعاون في مجال تحول الطاقة.

وبالإضافة إلى خطة عمل الشراكة الروسية- الأفريقية، التي ستنفذ قرارات القمة، اعتمدت ثلاثة إعلانات أخرى: أحدها بشأن منع سباق التسلح في الفضاء، وواحد بشأن التعاون في أمن المعلومات، والآخر بشأن تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب، وإنشاء آلية أمنية روسية أفريقية جديدة دائمة. علاوة على ذلك، سيعقد منتدى برلماني روسي أفريقي بشكل سنوي. وأعلن خلال القمة أن روسيا ستخصص أكثر من 90 مليون دولار لخفض أعباء ديون الدول الأفريقية، حيث ألغت موسكو مديونيتها البالغة 23 مليار دولار، وبالتالي تسوية 90 في المئة من الديون الأفريقية المستحقة لموسكو.

لقد دفعت القمم بين روسيا وأفريقيا، بالإضافة إلى القمم التي نظمتها الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بأفريقيا إلى ساحة المنافسة بين القوى العظمى.

وبينما يعلق اللاعبون الأجانب آمالا متزايدة على علاقاتهم مع أفريقيا، فإن الدول الأفريقية من ناحية أخرى لديها تطلعات طموحة فيما يتعلق بالفوائد التي يتطلعون إلى تحقيقها من المنافسة بين هذه القوى. وسيحدد التفاعل بين هذه التوقعات والتطلعات مستقبل أفريقيا.

عندما يتعلق الأمر بروسيا، فإن البصمة الإجمالية لروسيا في أفريقيا بالمقارنة مع منافسيها الرئيسين لا تزال هامشية، باستثناء التعاون العسكري ومكافحة الإرهاب (إذ كانت روسيا أكبر مورد للأسلحة في القارة في الفترة من 2017 إلى 2021، حيث شكلت 44 في المئة من جميع واردات الأسلحة إلى القارة)، والطاقة (بما في ذلك الطاقة النووية)، وعمليات التعدين. 

ومن المحتمل أن لا تكون روسيا في وضع يمكنها من تلبية جميع توقعات البلدان الأفريقية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالاستثمارات والمساعدات المالية والإنمائية. وللتعويض عن ذلك، تسعى روسيا إلى تعزيز جهودها من خلال إدخال الاتحاد الاقتصادي الأوراسي وبريكس في الصورة.

وبالنسبة للبلدان الأفريقية، تعتبر روسيا شريكا مغريا نظرا لوفرة خبراتها الفنية، ونهجها غير المشروط في التعاون، وموقعها العالمي كقوة موازنة للغرب. وقد يكتسب الاعتبار الأخير مزيدا من الاهتمام خلال السنوات القادمة حيث أصبحت قضايا احتياجات الطاقة في أفريقيا، والانتقال للطاقة الخضراء، مسيسة بشكل متزايد ومؤطرة في مواجهة المعايير المزدوجة الغربية، ونقص الحاجة لمعالجة هذه القضايا.

علاوة على ذلك، تشكل الأنظمة العسكرية- وعددها قابل للزيادة- والتي تخضع حاليا لعقوبات غربية وتملك موقفا معاديا للغرب وتركيزا على مكافحة الإرهاب والأمان، منصة واعدة لتعزيز مصالح روسيا في أفريقيا.

يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لقارة أفريقيا اليوم 3 تريليونات دولار أميركي، بآفاق واعدة لنمو اقتصادي حقيقي، مع امتلاكها لاحتياطيات كبيرة من النفط والغاز، وتعتبر موطنا لحوالي 30 في المئة من الموارد المعدنية الحيوية والتي تدعم عالمنا الحديث. بالإضافة إلى ذلك، فإن أراضي القارة الخصبة، ولكن غير المستغلة بالكامل، لديها قدرة هائلة على إنتاج الغذاء. وأيضا، تحتوي أفريقيا على حوالي 30 في المئة من الغابات المطيرة الموجودة في العالم. لذا، لا يمكن الاستهانة بالدور المحوري الذي تلعبه في إدارة المناخ. والجدير بالذكر أنه وبحلول نهاية هذا القرن، ستكون أفريقيا موطنا لـ40 في المئة من سكان العالم، وستشهد الثلاثين سنة القادمة زيادة بأكثر من 500 مليون شاب وشابة، أي إن حوالي 42 في المئة من إجمالي القوى العاملة العالمية ستكون موجودة في أفريقيا.

وتلعب أفريقيا دورا محوريا في معالجة التحديات العالمية العابرة للحدود مثل التدهور البيئي والأوبئة وأمن الطاقة والإرهاب والأمن الغذائي. كما تمتد أهمية القارة إلى الحفاظ على إمدادات المعادن الأساسية التي تدفع الاقتصاد الحديث، مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل وغير ذلك. وأيضا، في حال تجهيز القوة العاملة الهائلة في أفريقيا بالمهارات اللازمة لوظائف القرن الحادي والعشرين وما بعده، فإن ذلك سيشكل نعمة ليس للمنطقة فحسب، بل للاقتصاد العالمي ككل. لكن هذا يعتمد بدوره على مدى قدرة الاقتصادات الرئيسة في العالم، في الغرب والشرق على حد سواء، على إقامة نوع من العلاقات مع أفريقيا تسمح لها بالاستفادة من هذه الإمكانات.

Reuters
المشاركون في القمة الروسية -الافريقية يتابعون عرضا عسكريا في عيد البحرية الروسية في 30 يوليو

يذكر أيضا أنه وفي حال حدوث الاستثمارات اللازمة، فستتمكن أفريقيا من المساهمة الفعّالة في مواجهة تلك المشاكل، وعلى العكس من ذلك، إذا لم تُعالج نقاط ضعفها بشكل مناسب، فإنها ستشكل تحديات متزايدة للعالم.

وفي الختام، بينما تشترك روسيا وأفريقيا في بعض الأهداف والمصالح المشتركة، فإن هناك تحديات يتعين على الجانبين التغلب عليها من أجل جني الفوائد من تعزيز العلاقة. أولا، هناك حاجة لرفع مستوى الوعي، لا سيما في مجتمعات الأعمال في كل من روسيا وأفريقيا، حول فوائد التعاون.
ثانيا، هناك حاجة لإدارة التوقعات الأفريقية عندما يتعلق الأمر بآفاق التجارة والاستثمارات الروسية. 
ثالثا، يجب إيجاد ترتيبات للتعامل مع نظام العقوبات الصارم الذي يفرضه الغرب. وستحتاج الدول الأفريقية لإيجاد طريقة من أجل تعزيز علاقاتها مع روسيا دون تعريض اعتمادها المستمر على الغرب لا سيما الاتحاد الأوروبي، للخطر.

الميزة الوحيدة التي تمتلكها روسيا، إضافة للصين، في أفريقيا، هي أن تعاونها يأتي دون قيود. وسيستمر التدافع من أجل أفريقيا، وربما يشتد في العقود القادمة. وسيكون التحدي بالنسبة لأفريقيا هو كيفية تحويل هذه المنافسة لصالحها.

رمزي عز الدين رمزي

المصدر: موقع المجلة




شمال شرقي سوريا: ثلاث لغات على إيقاع الآيديولوجيا

منذ قرابة عقد كامل، تسير العملية التعليمية في مناطق شمال شرقي سوريا باستقلالية عن بقية المناطق السورية، سواء تلك الخاضعة للنظام السوري، أو المُسيطر عليها من قوى المعارضة السورية، في شمال البلاد وغربها.

تُصنف العملية التعليمية في هذه المنطقة السورية كعماد أساسي من تجربة الإدارة الذاتية فيها، التي وإن لم يكن معترفا بها من قبل الحكومة السورية، أو أي دولة إقليمية أو عالمية أو أي مؤسسات دولية، إلا أنها تمضي في إدارة طيف واسع من “المؤسسات المحلية البديلة”، المطابقة لنظيرتها المركزية، لكن المستقلة عنها تماما.

مثل بقية الإدارات العامة، فإن العملية التعليمية في منطقة شمال شرقي سوريا، هي ضمن الأجندة الكلية والرؤية الآيديولوجية والسياق السياسي للجهات الحاكمة في تلك المنطقة، والمتمثلة في “قوات سوريا الديمقراطية” ((QSD، وهي تحالف عسكري/ سياسي من الفصائل المسلحة المحلية، تشغل “وحدات حماية الشعب الكردية” ((YPG، قوامها العسكري، يناظرها “مجلس سوريا الديمقراطية” ((MSD، كتحالف من كثير من القوى السياسية.

ثلاث خصائص

بناء على ذلك، فإن العملية التعليمية في مناطق شمال شرقي سوريا، تتمايز عن سائر العمليات التعليمية في بقية المناطق السورية، بثلاث خصائص رئيسة؛ فهي تعتمد أولا على مبدأ تعدد اللغات، متخذة من تنوع اللغات المحلية في منطقة حكمها شرطا لذلك التنوع؛ إذ تعتبر اللغات العربية والكردية والسريانية لغات رسمية في جميع مؤسساتها، وأساسية ورسمية في التعليم بمراحله كلها، يتعلمها الطلاب كلغات أساسية، وحسب اختيارات ذويهم، ومعها واحدة من اللغات العالمية.

كذلك فإن المناهج التربوية المُقرة للطلاب في النظام التعليمي تتوخى تكريس “تنوع الثقافات”، بالنسبة للمجتمع الواحد. فمثلا، لا تتطابق كُتب مادة التاريخ التي تُدرس للطلاب الأكراد مع ما يُناظرها من كُتب للطلاب العرب، وإن كانت متداخلة ومتشابهة في بعض التفاصيل. فالهوية السياسية والاجتماعية والثقافية الكردية مكرسة في كُتب الآداب والتربية الخاصة بالطلاب الأكراد، وثمة ما يساويها بالنسبة للطلاب العرب، ومثلهم الطلاب السريان.

إلى جانب هذين الأمرين، فإن مخارج العملية التعليمية في تلك المناهج تتقصد مجموعة من الغايات غير المتوفرة في سائر المناهج التعليمية السورية، مثل تعليم التربية الدينية كمادة للأخلاق فحسب، وكثافة المواد التي ترفع من قيمة المرأة ودورها في الحياة العامة، وتناهض ما تسميه “القومية البدائية”، و”تسييس الدين”.

منهاجان

في حديثها مع “المجلة”، تشرح سميرة حج علي، الرئيسة المشتركة لهيئة التربية والتعليم في المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا، المؤسسة الموازية لوزارة التربية في الحكومة السورية، تشرح الاستراتيجية العملية التي تنفذها الإدارة الذاتية في قطاع التعليم، فتقول إن ثمة منهاجين تربويين منفصلين تماما في شمال شرقي سوريا راهنا، أحدهما أقرته لجنة خاصة منبثقة عن هيئة التربية والتعليم، متوفر باللغات العربية والكردية والسريانية، ويُدرس بكل تلك اللغات، ومُعتمد في أقاليم عفرين/ الشهباء والفرات والجزيرة والطبقة، من الصف الأول وحتى الصف التاسع. ومنهاج آخر أقرته “منظمة اليونيسيف”، يُدرس في هذه الأقاليم من الصف العاشر وحتى الصف الثاني عشر.

أما بالنسبة للطلاب في المناطق التي حُررت، أخيرا، من قبضة تنظيم داعش، فإن منهج “منظمة اليونيسيف” هو الأساس، وهو باللغة العربية وحسب، يُدرس في المراحل كلها، مع تطعيم ببعض المواد من مناهج الإدارة الذاتية، خصوصا للطلاب من الصف الأول وحتى الصف السادس، لأن مناهج المنظمة مبسطة للغاية، ولا تحقق الغايات والمخارج المتوخاة من العملية التعليمية، كما تشرح حج علي. فهي تتقصد تعليم الطلاب بعض المهارات البسيطة في العمليات الحسابية، إلى جانب القليل من العلوم الطبيعية الأولية، وتمكين الطالب من القراءة والكتابة باللغة العربية فحسب.

عمليا، فإن الكادر التدريسي والإداري الذي يُقدم هذه المناهج تابع للإدارة، ويحصل على كل حاجاته من موازنة الإدارة الذاتية، ولأجل ذلك تخطط الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا إزاحة مناهج اليونيسيف بالتقادم، وتعميم المناهج المعتمدة من قبلها.

“اللغات الأم”

لغويا، فإن استراتيجية التربية في مناطق “الإدارة الذاتية” مبنية على أساس حق أبناء المكونات القومية في المنطقة تعليم أبنائهم “لغتهم الأم”، مع تعليم جانبي لبقية اللغات المحلية، ولغة أجنبية/ عالمية واحدة، وذلك حسب الآتي:

خلال سني التعليم الثلاث الأولى، تكون المناهج ولغة التعليم “اللغة الأم” فحسب؛ فالطلاب الأكراد يتعلمون اللغة الكردية فحسب، ومثلهم الطلاب العرب والسريان يتعلمون لغتهم الأم فقط. يحدث ذلك بالرغم من أن جميع المدارس مختلطة من سائر القوميات، خصوصا في إقليمي الجزيرة والفرات.

AFP
مقاتلات من قوات سوريا الديمقراطية ا يشاركن في عرض عسكري في حقل العمر النفطي في محافظة دير الزور الشرقية في 23 مارس 2021

واعتبارا من الصف الرابع، فإن لغة محلية ثانية تصبح جزءا من المنهج الذي يتلقاه الطالب. فمثلا، الطلاب الأكراد يتلقون موادَ باللغة العربية اعتبارا من الصف الرابع، وبنسبة لا تقل عن 20 في المئة من مجموع مواد المنهج، وتكون مواد “إجبارية”، أي إن النجاح فيها شرط إجباري لتجاوز العام الدراسي؛ وهكذا بالنسبة إلى أبناء المكونات الأخرى، فالطلاب العرب أيضا يتلقون دروسا باللغة الكردية، ومثلهم السريان باللغة العربية.

إلى جانب ذلك، فإن اللغة الإنجليزية تصبح لغة أساسية ابتداء من الصف الخامس، وبنسبة موازية تقريبا للغة المحلية الثانية التي تُدرس.

اندماج لغوي وصعوبات معرفية

تصف الباحثة في علم الاجتماع التربوي، مايا أحمد، أحوال تعدد اللغات التعليمية في منطقة شمال شرقي سوريا، في حديث مع “المجلة”، بأنه “فرصة استثنائية ثقافيا وتعليميا، وإن كانت تواجه تحديا معرفيا”. وتضيف: “هذه هي التجربة الأولى في تاريخ سوريا من حيث المساواة في الجدارة اللغوية؛ فالأكراد كانوا على الدوام يتعرضون لاضطهاد ونكران لغوي، ومثلهم السريان والأرمن، وإن كانوا يملكون بعض المدارس الكنسية الخاصة التي تُدرس مواد دينية بلغتهم. راهنا اختلف الأمر تماما، وصار الطلاب والأهالي أكثر شعورا بعدالة العملية التربوية. كذلك فإن عمليات سبر الطلاب الذين تلقوا مناهج وتعليما بلغات محلية عدة، أثبتت تمكنهم من مختلف لغات منطقة عيشهم، بسبب تنوع لغات التدريس والمعاشرة اليومية ضمن المدرسة نفسها، خصوصا في النشاطات غير الصفية المشتركة. التنوع اللغوي ساهم أيضا في حمل الطلاب صورة إيجابية عن بقية المكونات القومية والاجتماعية في مناطق العيش المشترك، على عكس العهود السابقة”.

لكن أحمد تؤكد، في المقابل، مخاوف “القصور المعرفي” التي يمكن أن تطال الطلاب، السريان والأكراد تحديدا، لأن اللغة المحلية تصبح لغتهم الأساسية، في وقتٍ تُصنف فيه الكردية لغة “فقيرة بالمعارف”، في الآداب والعلوم الاجتماعية إلى حدٍ ما، لكن أساسا بالعلوم الأبيقورية/العلمية، مثل البيولوجيا والفيزياء والكيمياء والرياضيات والتكنولوجيا.

بينما قدراتهم باللغات الأخرى، كالعربية والإنجليزية، لا تؤهلهم للاطلاع والبحث العلمي وتحصيل المعارف باللغة الكردية أو السريانية فحسب؛ وذلك على الرغم من كون اللغة الكردية متحلية بكل المواصفات الذاتية للغة الكاملة، لكن “فقرها المعرفي” تأسس جراء سياسيات الحظر والمنع التي طالتها من دول المنطقة طوال قرن كامل مضى.

مؤسسات داعمة للغات

تقر الأجهزة الوزارية في مناطق شمال شرقي سوريا بالصعوبات المعرفية التي قد تواجه الطلاب الدارسين باللغة الكردية، لحداثة تحولها إلى لغة تدريسية ورسمية في هذه المناطق، و”الطغيان” التقليدي للغة العربية عليها في مختلف القطاعات، التعليمية والثقافية والإدارية والاقتصادية.

استجابة لذلك، تم تدشين كثير من المؤسسات الرديفة، الساعية لتقوية اللغة الكردية، وزيادة الإنتاج الأدبي والمعرفي بها، عبر الترجمة بالذات.

تشكل “هيئة اللغة الكردية” (Saziya Ziman a Kurdî ya Rojava – SZK) نموذجا رائدا في هذا الإطار؛ فهذه المؤسسة التي تعمل في مختلف المجالات المعرفية المتعلقة باللغة الكردية، من ضبط لقواعدها وتحديدها، وتطوير بنيتها ورفدها بالمزيد من المصطلحات العلمية، تُنتج، أيضا، مواد بصرية وسمعية يومية، تدفع الطلاب وعموم المواطنين الأكراد للحديث والكتابة بلغتهم الأم ووعيها. كما تعمل المؤسسة على إنتاج قاموس لغوي كردي شامل، يحوي كل المصطلحات والمفاهيم والمقالات المعرفية العالمية الحديثة. هذا القاموس يسعى القائمون عليه لأن يتحول إلى موسوعة كبرى باللغة الكردية.

كذلك فإن الإدارة تجهد لتطوير الكادر التعليمي الخاص باللغة الكردية، والبالغ عدده 9681 أستاذا للغة الكردية، من أصل 41182 أستاذا في كامل قطاع التعليم في منطقة شمال شرقي سوريا، وذلك حسب معلومات خاصة حصلت عليها “المجلة”؛ فخلال السنوات الأولى لإقرار اللغة الكردية 2014-2015، تمت الاستعانة بمُدرسين سابقين من هيكل وزارة التربية السورية، خضعوا مباشرة لدورات تعليمية مكثفة في اللغة الكردية لمدة ستة أشهر، ثم أُدمجوا في الهيئة التدريسية. وبالتقادم، تخرج آلاف المُدرسين الجدد في جامعتي “روج آفا” في مدينة القامشلي، و”كوباني” في مدينة كوباني، ومن مختلف الاختصاصات التعليمية، كالعلوم الاجتماعية والتربوية والأدبية والعلمية، وأُدخلوا في الجهاز التعليمي، بعدما تلقوا كل علومهم الجامعية باللغة الكردية.

هاتان الجامعتان تحويان مختلف الكليات؛ الهندسة بمختلف فروعها، والعلوم الاجتماعية والآداب والحقوق، وحتى الطب والفيزياء والكيمياء، حيث تُدرس فيها المواد باللغة الكردية فحسب، مع بعض المقالات والفصول باللغتين العربية والإنجليزية. وإلى جانبها جامعة “الشرق” في مدينة الرقة، والتي تحوي الكليات نفسها، لكن باللغة العربية.

طبعا ثمة بُعد رمزي للاهتمام باللغة الكردية من قِبل المؤسسات الحكومية البديلة في منطقة شمال شرقي سوريا؛ فمثلا، يُحتفل بحفاوة بيوم اللغة الكردية في 15 مايو/أيار، كذلك ثمة العشرات من وسائل الإعلام الناطقة باللغة الكردية. كما استعادت القرى والبلدات والشوارع الأسماء الكردية، والتي كانت عُربت خلال فترة حُكم النظام البعثي، ناهيك بحضور اللغة الكردية في الوثائق والأجهزة البيروقراطية الحاكمة.

الزيادة الاستثنائية في أعداد الكتب المنشورة باللغة الكردية مؤشر واضح على انتشار اللغة الكردية تعليميا وثقافيا في منطقة شمال شرقي سوريا خلال السنوات الماضية؛ فالمعرض الأخير للكتاب شهد عرض 3035 عنوانا باللغة الكردية، وهو تقريبا عشرة أضعاف الكتب التي أُنتجت في سوريا باللغة الكردية طوال قرن كامل قبل ذلك. 

 صراع سياسي جذري

لا تعترف أي من الأطراف السورية بالعملية التعليمية في مناطق شمال شرقي سوريا، فالشهادات والوثائق الصادرة عنها لا يُمكن تعديلها أو إدراجها ضمن السلم التعليمي في بقية مناطق سوريا، أو في أي دولة أخرى. وذلك بخلاف اعتراف النظام التعليمي في منطقة شمال شرقي سوريا بالوثائق الصادرة عن وزارتي التربية والتعليم التابعتين للحكومة السورية، أو حتى تلك الصادرة عن دول أخرى.

خلال مختلف جولات التفاوض التي خاضتها الإدارة الذاتية مع الحكومة السورية، رفضت هذه الأخيرة الاعتراف بالنظام التعليمي في مناطق الإدارة بأي شكل من الأشكال، سواء بالمؤسسات التعليمية أو باللغة الكردية كلغة رسمية، أو حتى قبول الطلاب المتخرجين من مدارسها في المعاهد والجامعات السورية.

المفاوضون الأكراد كشفوا أن أقصى ما قبلت به الحكومة السورية هو “بعض الحقوق الثقافية الكردية”، مثل السماح بمعاهد خاصة لتعليم اللغة الكردية، وتعليم اللغة الكردية بشكل رمزي في الصفوف التعليمية الأولى فحسب، واختياريا. أي إن الأمر كان شبيها بما قبلت به تركيا خلال السنوات الماضية، لكن شريطة أن يتخلى “مجلس سوريا الديمقراطية” و”قوات سوريا الديمقراطية” عن مشروع الإدارة الذاتية تماما، بما في ذلك هيئة التربية والتعليم، وتسليم كل مؤسساتها للحكومة السورية.

ما حصل في منطقة عفرين خلال حرب العام 2019 وما تلاها شكل “صدمة سياسية تعليمية” بالنسبة لأكراد سوريا؛ فاللغة الكردية كانت أساسية في تعليم الطلاب الأكراد في تلك المنطقة خلال السنوات بين 2012 و2019، وإلى جانبها اللغة العربية. لكن، وبعد سيطرة الجيش التركي والفصائل السورية الرديفة له على منطقة عفرين، ألغت وزارة التربية في “الحكومة السورية المؤقتة” تدريس الكردية كلغة أساسية في التعليم، ووضعت مكانها العربية والتركية، على الرغم من عدم وجود مواطنين أتراك أو تركمان في منطقة عفرين كلها.

وحسب المعلومات التفصيلية التي حصلت عليها “المجلة”، فإن ثمة 832125 طالبا في النظام التعليمي لمنطقة الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا لهذا العام، غالبيتهم من الطلاب “العرب”، يرتادون أكثر من 1500 مدرسة تشرف عليها هيئة التربية والتعليم التابعة للهيئة التنفيذية للإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا.

رستم محمود

المصدر: موقع المجلة




العميل ريشا في قبضة الأمن العام

لا يكاد يمرّ يوم، من دون أن تعتقل الأجهزة الأمنية اللبنانية عملاء للعدوّ الإسرائيلي جرى تجنيدهم لجمع معلومات أو للقيام بأدوار تنفيذية، أو حتى لمجرد تسجيل نقاط ضد المقاومة اللبنانية والأجهزة الأمنية اللبنانية في الحرب الأمنية المفتوحة.

العميل بسام ريشا أحد الذين سقطوا في فخّ التعامل، وقبض عليه الأمن العام اللبناني في 22 شباط الماضي، بعدما أظهرت متابعته تورّطه مع العدو الإسرائيلي في جمع معطيات حول مواقع ومسؤولين في حزب الله ومسؤولين أمنيين رسميين وقاعدة للجيش اللبناني في جونيه، إلى جانب مهام تنفيذية أخرى.
لا يمتاز ريشا، على الأقل بما اعترف به حتى الآن، عن غيره من عملاء جمع المعلومات بكثير. إلّا أن أخطر ما في ملفّه أنه اعترف بلقاء مشغّليه، وعلى مدى سنوات، داخل لبنان، وفي منطقة جونيه ومحيطها تحديداً. وأظهرت التحقيقات أن مشغّلي ريشا كانوا يتنقّلون بأريحية داخل الأراضي اللبنانية وعلى فترات طويلة. والأغرب في الملفّ، هو عدم اعترافه بأيّ من النشاطات التي سئل عنها في مرحلة ما بعد عام 2015، الأمر الذي لم يقنع المحقّقين، علماً أن ريشا بات في عهدة القضاء العسكري الذي طلب في 31 أيار 2023 توقيفه بتهمة التعامل مع العدو.

بسام سمير ريشا، المولود عام 1969، مقيم في بلدة غبالة الكسروانية، وهو متأهّل وله ولدان. عام 1992، تطوّع في قوى الأمن الداخلي برتبة دركي، وأحيل إلى التقاعد عام 2015. في التحقيقات معه، قال إنه يعتبر نفسه سياسياً من مؤيدي حزب القوات اللبنانية. وقد عمل سائقاً ومرافقاً لأحد رجال الأعمال اللبنانيين، واستفاد من عمله في معرض للسيارات في جونيه للتعرف إلى شخصيات أمنية وإعلامية، كما عمل سائقاً لدى قنصل فخري لدولة أفريقية في لبنان.
في التحقيق معه، تذرّع ريشا بالأوضاع المادية لتبرير سعيه للعمل مع استخبارات العدوّ عام 2011، عبر التواصل مع العميل الفار المدعو دانيال النقوزي بواسطة تطبيق فايسبوك. وتبيّن للمحقّقين أن دانيال النقوزي هو العميل الفارّ وليد حسن نقوزي الذي صدرت بحقه عدة بلاغات تقصٍّ، بينها ما يتعلق بجرم التعامل مع العدو والدخول إلى أراضيه.
تطوّر التواصل بين ريشا ومشغّله النقوزي من فايسبوك إلى الهاتف، وكلّف العميل بتصوير مراكز أمنية وأخرى تابعة لحزب الله. وقال في التحقيق إنه أرسل ثلاث صور تخصّ حزب الله ادّعى بأنه حصل عليها من خلال البحث على شبكة الإنترنت. وأضاف أن التواصل مع النقوزي توقّف بعد إطلاق الأجهزة الأمنية حملة أدّت إلى توقيف عدة شبكات تتعامل مع العدو، وأن النقوزي أبلغه أنه سيكلّف شخصاً بالتواصل معه في الوقت المناسب.
بعد حوالي شهر، تواصل النقوزي مع ريشا عبر الفايسبوك، وطلب منه تأمين صور لمواقع عائدة لحزب الله. وزعم ريشا أنه عمد أيضاً إلى سحب صور عن الفايسبوك لأحد الحسابات الذي ينشر صوراً لمهرجانات الحزب. إلا أن النقوزي عاد وطلب منه صوراً أدقّ و«أهدافاً إستراتيجية» أكثر، فقال ريشا إنه يحتاج إلى وقت لتنفيذ ذلك. عندها أبلغه النقوزي أنه سيكلّف شخصاً بالتواصل معه من رقم غريب. وبعد حوالي شهر، تلقّى ريشا اتصالاً من رقم أجنبي (تبيّن أنه يُستخدم من قبل العدو)، ليتبين أن المتحدث كان امرأة عرّفت عن نفسها باسم «نور»، وطلبت منه تحديد مكان للقائه، وأبلغته أنها موجودة في الدكوانة – الجديدة، واتّفقا على اللقاء في مقهى ستارباكس في الزلقا على ساحل المتن الشمالي، حيث وصلت بسيارة من طراز BMW X3 سوداء. وقال ريشا إن اللقاء لم يدم أكثر من ربع ساعة، وإن «نور» كانت تريد التعرف إليه شخصياً، وأطلعته على صور وخرائط هي عبارة عن نموذج لطريقة تصوير الخرائط وتحديد الأهداف. وشرحت له طريقة تحديد المواقع جغرافياً واستخدام الصور الفضائية، واتفقت معه على طريقة العمل في ما خصّ تحديد الأهداف جغرافياً، وكلّفته بتأمين صور لمواقع حزب الله في قرى كسروان.

وبعد فترة، التقى الاثنان على أوتوستراد في الجديدة، وسلّم ريشا «نور» مظروفاً قال إنه وضع فيه الصور نفسها التي سلمها لدانيال. وعندما شاهدت الصور أبدت انزعاجها، وقامت بتوبيخه، مذكّرة إياه بأنها سبق أن شرحت له طريقة العمل. وادّعى بأنها دفعت له مبلغ خمسين دولاراً، واتفقت معه على اعتماد تطبيق السكايب للتواصل مستقبلاً.
بعد حوالي شهر، اتصلت «نور» به عبر سكايب أثناء تواجده في معرض السيارات، وشرحت له مجدداً كيفية التصرف أثناء تنفيذ المهمات من ناحية أمنية، وأطلعته على طريقة تشفير (لغة) ليستخدمها في التقارير التي سيرسلها لها بالبريد الإلكتروني، وزوّدته بعنوان بريدها الإلكتروني، وقال إنها كانت تقوم بتغييره بشكل دوري، وطلبت منه شراء هاتف جديد، نوع SAMSUNG G7 وشريحة خط ALFA بطريقة لا تلزمه بإظهار هويته للبائع، وأن يستخدمه فقط أثناء تنفيذ المهمات عبر تطبيق السكايب الذي قام بتحميله.

عام 2012، تم تكليف ريشا بعدة مهام، أبرزها جمع معلومات عن عدد من المسؤولين في الأجهزة الأمنية، وقد سلّم لائحة بالأسماء، وبعض هؤلاء من أبرز المعنيين بعمليات مكافحة التجسّس. وقال إنه كان يستغل الزيارات المتبادلة بين عدد من الضباط الأمنيين والقنصل الذي يعمل لديه، ليقوم بتصويرهم وتصوير لوحات سياراتهم والإبلاغ عن تحركاتهم قبل إرسال المعلومات إلى «نور».
وقال ريشا إنه كُلّف بتصوير مراكز لحزب الله في منطقة كسروان والقرى المحيطة بها، والعمل على تحديد المواقع العسكرية. وأضاف أنه زار بلدة زيتون في كسروان، وأجرى مسحاً شاملاً، وصوّر مركزاً قال إنه لحزب الله، كما أعدّ صوراً للشيخ زهير عمرو. كما زار بلدة المعيصرة، وأرسل صوراً للبلدة والمسجد وتجمّع لشباب ينتمون إلى حزب الله وأحد أعضاء البلدية بناءً على طلب مشغّلته. كما قام بتصوير بلدة الحسين من ساحة الكنيسة باتجاه آخر البلدة، إضافة إلى المسجد بهدف تصوير مركز للحزب بقربه، وكذلك قام بتصوير الوادي ومجرى النهر، وبأخذ صورة من القرية باتجاه البحر، كما جمع صوراً لأحد مخاتير البلدة. ولاحقاً عمل على تكرار الأمر في بلدة صنين حيث قام بتصوير مراكز قال إنها عائدة لحزب الله، لكنّه أبلغ مشغّلته بأنه لم يتمكن من التصوير في بلدة لاسا في جبيل.
بعد عام 2012، تلقّى ريشا اتصالاً عبر رقم أجنبي، من شخص عرّف عن نفسه بأنه «الجنرال أوسيل»، قدّم له التهنئة على ما قام به، وأبلغه أن مكافأته المالية ستصله بعد مدة. وفي وقت لاحق، اتصل به «الجنرال» طالباً منه التوجه إلى مفترق للطرق في منطقة غزير بكسروان. وقال ريشا، إن «الجنرال» حضر بسيارة رباعية الدفع، وسلّمه مبلغ 1500 دولار. وخلال التحقيق اعترف ريشا بأنه تلقّى عدة مبالغ مالية بالطريقة نفسها في منطقة غزير ومحيطها، وكان في كل مرة يتلقّى مبالغ تصل إلى ألف دولار أميركي.

وأقرّ ريشا في التحقيقات معه بأنه قام بعدد من المهام التنفيذية، أبرزها تصوير مقرّ البحرية التابع للجيش اللبناني في جونيه، ونادي الضباط. وفي إحدى المهام، طُلب إليه اصطحاب ثلاثة أشخاص (رجلين وامرأة) من المطار، فاستخدم سيارة نيسان سوداء لنقلهم إلى فندق ESCALIBER في المعاملتين، وطُلب منه الاهتمام بهم ومتابعة طلباتهم. ثم عاد ونقلهم إلى المطار بعد أربعة أيام.

لقاءات مع المشغّلين الإسرائيليين في ساحل المتن وجونيه واهتمام بحزب الله في كسروان

عام 2013، قال ريشا إن المشغّل «الجنرال» ربطه بشخص لبناني، وإن مهمته كانت محصورة بنقل هذا الشخص من منطقة جونيه إلى منطقة أدونيس، وإنه كان يحمل حقيبة بداخلها مبلغ من المال، واقتصر دور ريشا على القيادة، بينما كانت مهمة الشخص الثاني تحديد نقطة التوقف، وعند الوصول كان يقوم بوضع مبلغ مالي في ظرف داخل علبة البريد الموجودة في أسفل مبنى محدّد، وأحياناً كان يتوقّف عند مبنيين.

ريشا سُلم إلى المحكمة العسكرية قبل نحو شهرين، وهو ليس الأول ولن يكون الأخير في ظلّ اشتداد الحرب الأمنية بين المقاومة والأجهزة الأمنية من جهة وبين أجهزة العدو من جهة أخرى. إلّا أن الكشف المتواصل عن العملاء الذين يتذرّع معظمهم بالانهيار الاقتصادي لتبرير عمالتهم، يدفع بالجهات السياسية إلى التركيز على عمل القضاء اللبناني، ليكون أكثر تشدداً في الأحكام الصادرة بحق هؤلاء.
وفي حالة العميل ريشا، يتطلّب الأمر توسّعاً في التحقيق لفهم الظروف ومعالجة الأسباب التي تعطي هامش الحرية والحركة لخلايا العدو الإسرائيلي في الداخل اللبناني. وهو العميل الأول الذي يتحدث عن تواصل مباشرٍ بينه وبين عملاء ومشغّلين على الأراضي اللبنانية.

فراس الشوفي

المصدر: صحيفة الأخبار




الهجرة غير النظامية في تونس: الخلاص الفردي في مواجهة الرهانات الدولية

توضح هذه المقالة من بين ما توضح أن هناك تحولًا بارزًا في التعامل التونسي مع الظاهرة، ولكن إيطاليا ومعها الاتحاد الأوروبي يخوضان مفاوضات من أجل رؤية تجعل الجانب الأوروبي بمنأى عن المضاعفات الكبرى لتدفق المهاجرين التونسيين وغير التونسيين.


الهجرة السرية التي تحولت إلى هجرة غير نظامية تدفعنا إلى التساؤل حول الكيفية التي يدير بها الفاعلون الاجتماعيون هذه الظاهرة. علينا الإشارة أولًا إلى أن الظاهرة ديناميكية تخترقها عوامل ومعطيات منها ما هو مرتبط بالتحولات الاجتماعية، وما هو مرتبط بعلاقات الدول فيما بينها، أي بما هو جيوسياسي. هي في الآن ذاته مشروع فاعلين يبحثون عن الخلاص الفردي من أزمة شاملة وشبكات تهريب تحاول توفير عرض مغر لهذا الخلاص الفردي ودول تتفاوض من أجل الحد من تداعيات هذه الهجرة، الأمر يهم دول شمال المتوسط وجنوبه أيضًا ولو بمستويات مختلفة.

الورقة الانتخابية داخل الفضاء الأوروبي حاضرة دون منازع في مسألة الهجرة غير النظامية، وهي ورقة من أجل تبديد المخاوف التي جعلتنا نتحدث عن “الهجروفوبيا” التي تمكنت من أوروبا التي يحكمها اليمين خاصة، وهو المتصدر للمشهد السياسي في العديد من الدول وآخرها الانتخابات البرلمانية الإسبانية.

كانت الأشهر الماضية، ولا تزال، أشهرَ الهجرة غير النظامية في تونس. تصريحات على أعلى مستوى تتحدث عن تغيير في المشهد الديمغرافي في البلد، تليها اعتداءات وعمليات ترحيل للأفارقة جنوب الصحراء إلى الحدود الليبية والجزائرية. وقد كلَّف الأمر زيارات إيطالية وأوروبية رسمية إلى تونس بحثًا في الأمر وربما فرضًا لتعليمات مقابل مساعدات مالية واقتصادية.

أولًا: من هجرة سرية إلى هجرة غير نظامية: ما الذي حدث في الأثناء؟

الهجرة السرية الآن هي إحدى علامات النجاح الاجتماعي، يقع الاحتفاء بها عائليًّا بعد أن كانت وصمًا لعطب في المصعد الاجتماعي. تُسمى في الصيغة التداولية التونسية “حَرْقة” أي حرق كل ما بقي والانطلاق نحو عالم مغاير. وهي إلى الآن محتفظة بنفس التسمية بين الشباب ولم تستطع التسميات الأخرى مثل الهجرة غير الشرعية أو غير النظامية أن تنزع عنها مدلولها الرمزي كتجربة مُرَّة.

هذا تحول مثير في الظاهرة عندما تنتقل من مخاطرة إلى عنوان نجاح. تصبح هنا المخاطرة فعلًا يقع تثمينه لأنه مغامرة تكشف عن قدرة الفرد على تجاوز معوقات صعوده الاجتماعي. تقدير الذات بإخراجها من الفشل والبحث عن تميزها ثمنه مغامرة محفوفة بالمخاطر قد تنتهي بالغرق أو بالترحيل ولكن إعادة التجربة مرة أخرى مطروحة بشدة لدى الشباب المتمسك بالمشروع الهجروي.

حين بدأت الظاهرة في البروز مع بدايات تسعينات القرن الماضي كانت كل الأنظار متجهة إلى مسألتين، الأولى: هي فرض تأشيرة “شينغن” أمام الراغبين في الهجرة، أما الثانية فكانت قراءة للدوافع التي تجعل الشاب مغامرًا بحياته من أجل الوصول إلى الضفة الشمالية من المتوسط. والدوافع كانت بالأساس اقتصادية اجتماعية وهي لا تزال كذلك مع انسداد أكبر في الآفاق. ولكن زاوية النظر للمسألة تغيرت في الأثناء فعلاوة على الظروف الدافعة مع انحسار الفرص أمام الشباب وضعف إدماجهم في الدورة الاقتصادية برزت مسألة كيفية بناء هذا الشاب لمشروع الهجرة لديه على غير الصيغ القانونية والنظامية، أي الدخول فيما يسمى بمجتمع المخاطرة.

إن الانتقال من هجرة منظومية إلى هجرة شبكية أصبح جليًّا في العشريات الأخيرة. ولكلتا الهجرتين منطقها الخاص وعلاماتها المميزة وظروف تحقيقها، الدولة ومؤسساتها في مواجهة علاقات الشبكة الأكثر مرونة وسرعة ودقة في الإنجاز. هجرة المنظومة هي هجرة دول يقع التفاوض حولها وتقاس بمنطق الربح والخسارة وبمنطق التفاعلات الجيوسياسية، ولهذا برز مفهوم الهجرة الانتقائية التي تدافع عنها دول الاتحاد الأوروبي، وهي هجرة أدمغة وهجرة عمالة مختصة تستفيد منها اقتصادات هذه الدول وتملأ بها الفراغ الديمغرافي وفراغ المؤسسات من أبسطها إلى أعقدها. وقد فهمت ألمانيا ذلك عندما قررت قبول أكثر من مليون لاجئ سوري من أجل إعادة إدماجهم في المنظومة الاقتصادية والاستفادة من قدراتهم المختلفة، ومن الأكيد أن ألمانيا ستقف عند فوائد قرارها. وتتجه إيطاليا الآن في نفس الاتجاه.

تختلف الهجرات التي تنظمها الشبكات عن ذلك كله، فهي تعطي للفرد إمكانية أكبر لتجاوز كل المعوقات البيروقراطية التي تقترحها الدول وتقدم له عرضًا يناسب فشله الفردي وتمنحه الثقة وتقول له: إن إمكانيات النجاح متوافرة، وما عليه إلا أن يوفر مبلغ العبور وما يكفي من شجاعة لتحمل أعباء الرحلة.

وفي هذا السياق تتراجع الدوافع الماكروسوسيولوجية لتترك مكانها للسرديات الصغرى التي يبنيها الشاب وهو يفكر في مشروعه للهجرة. وتتحول الأسئلة من أسئلة عن الوضع الاقتصادي وعن البطالة والتهميش إلى أسئلة من نوع آخر تتعلق باختبار الذات والقدرة على التحدي والنجاح في انتهاك القوانين والأعراف الرسمية. ولا يُحاسَب الشاب على اختياره الهجرة السرية بل يُحاسب على مدى تمكنه من إدراك ذلك بأخف الأضرار. هنا لا يهم الشاب تجاوزه لقوانين التنقل بقدر ما تهمه القدرة على الإنجاز. ولهذا كله لا نستغرب إعادة الشاب للتجربة مرات ومرات إلى أن ينجح في العبور. ولضمان نجاح التجربة يدمج الشاب عائلته في ذلك تنظيمًا ومساندة مادية ومعنوية وكأنه بذلك يبحث عن مشروعية لتجربته. لقد أصبحت العائلة التونسية جزءًا من هذا التحدي. توثيق التجربة بصور وفيديوهات ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي هو تطبيع مع الظاهرة وإعلان عن انتصار في مواجهة إكراهات قوانين الهجرة المفروضة أوروبيًّا(1).

ثانيًا: الهجرة غير النظامية وفردنة المشكلات الاجتماعية

لا يمكننا فهم ظاهرة الهجرة غير النظامية دون الإشارة إلى التحولات الاجتماعية التي تهم الفرد وعلاقته بالمجتمع وتهاوي مؤسسات التنشئة والمرافقة الاجتماعية والعلاقة بين الفرد وذاته وتمحوره حولها. إن البحث الدائم عن الاعتراف وعن التموقع الإيجابي هو الذي يدفع بالشاب إلى خوض التجربة بمخاطرها ومساوئها.

إن مقولات الفرد والفردانية وفردنة المشكلات الاجتماعية علاوة على مجتمع المخاطر هي من المقولات الصاعدة الآن والتي تساعدنا على قراءة الظواهر المستجدة وأبرزها ظاهرة الهجرة غير النظامية. أصبح الفرد هو البوصلة التي من خلالها نرى المجتمع ونفهمه. لقد كان المجتمع في السابق هو الذي يقودنا إلى معرفة الأفراد، هو الذي يحدد لهم مجال حركتهم ونطاق اختياراتهم. لم يعد هذا متاحًا اليوم بالكيفية التي كانت في الماضي. الفرد هو المسؤول عن مصيره وإمكانيات حركته في اتساع متواصل. حدود الهويات لديه مقترنة بقدرته على اكتشاف الفرص وعلى استثمارها قدر الإمكان ويحاسب نفسه على ذلك.

ما هو متاح الآن هو ما يعترض الفرد من صعوبات تهم مسيرته المهنية: موقعه داخل الفضاء الحضري، وقدرته على التميز وعلى إثبات الذات، وتحقيق نجاحات في مسائل شتى، والتعبير عن هويته وعن تفرده، ومواجهته للاختبارات الممكنة. كل هذه المقولات هي التي تجعل الفرد في مسار متواصل من ابتكار الذات مصدره في ذلك ما يُسمى بالتجربة الفريدة التي يخوضها يوميًّا من أجل أن يكون لمسيرته الشخصية معنى داخل مجتمع الأفراد. ومع هذا كله أصبحت المشكلات الاجتماعية مشكلات منظورًا إليها من وجهة نظر الفرد ومن انهمامه بذاته.

إن الهجرة غير النظامية هي اختزال لكل هذا. هي تعبير عن فشل سياسات تنموية وعن عطب في سرديات الإدماج التي تباهت بها لعقود طويلة مؤسسات التنشئة الاجتماعية، الفرد يبحث عن خلاص ولكن الكلفة باهظة(2).

ثالثًا: الهجرة غير النظامية: تحولات في الظاهرة

الهجرة غير النظامية حالة ديناميكية، ظاهرة متحولة في الشكل وفي المضمون. في بداياتها الأولى كانت مرعبة: نقص في التجربة، وخوف من البحر، وكانت سرية بالكامل. لا تضم التجربة سوى البالغين من الذكور برفض عائلي لا غبار عليه. ولكن بمرور السنوات تأنَّثت الظاهرة وأصبحت القوارب محملة بعدد قليل من الفتيات، من إفريقيا وراء الصحراء ثم تونسيات. ومنذ فترة قصيرة عرفت الظاهرة انضمام القاصرين ثم التحقت العائلات.

تطوِّر شبكات الهجرة غير النظامية من أساليبها وتبتكر طرقًا جديدة للعبور، في السنة الأخيرة برز طريق لم يكن معهودًا هو طريق تطاوين -وهي مدينة في الجنوب التونسي- صربيا ثم فرنسا. طريق جوي وبري في نفس الوقت يقع على مراحل أطول ومكلف أكثر وبأقل مخاطر بحرية. ولكنه في كل الأحوال طريق لا ملح فيه. في دراسات جادة ورد أن ما يقرب من 12 ألف شاب غادروا تطاوين في السنة الحالية ومؤشر ذلك فراغ شاحب في المدينة ومقاهيها، وفريق كرة القدم في المدينة يلعب أمام أقل من 500 متفرج بعد أن كان الملعب مكتظًّا بمرتاديه. استفادت مدينة تطاوين من ثقافتها الهجروية القديمة. آلاف العائلات مستقرة في فرنسا على وجه الخصوص ما شكَّل اتساعًا في الروابط العائلية بحيث يجد الشاب من ينتظره هناك ويدمجه بسرعة في منظومة شغلية عائلية بكثير من الضمانات. إن شبكات الهجرة غير النظامية تقوم هي الأخرى بقراءة كل السياقات التي تعزز قدراتها لإنجاح المشروع الهجروي. فالكل يعلم أن القاصرين لا يقع ترحيلهم إلى بلدانهم، القوانين الأوروبية تمنع ذلك. يجد القاصرون رعاية اجتماعية وتربوية من أجل إعادة التأهيل والإدماج. تنظم العائلة لتستفيد من هذا الإجراء وتضمن حضورًا دائمًا بأقل تكلفة ممكنة. ما يلاحَظ أن مغامرة الهجرة غير النظامية لم تعد كما كانت في السابق مغامرة محفوفة بالمخاطر. هناك تطبيع كبير مع الظاهرة واعتبارها تجربة على الشاب وعلى العائلة خوضها دون شعور كبير بالتردد.

إن كل تغير في الظاهرة من حيث ارتفاع عدد المهاجرين غير النظاميين وتنوع فاعليها هو مؤشر على انسداد الآفاق. هو إدانة واضحة لفشل في المشاريع التنموية التي تبجحت بها الدولة الوطنية لعقود من الزمن. وهو مؤشر على أن الانتقال الديمقراطي في تونس يشكو تعثرًا في فهمه وفي إدارته. ولكن هذا لا يكفي للإحاطة بالظاهرة. هناك دوافع مرتبطة بنرجسية الفوارق الصغرى إذ ليست الظروف الاقتصادية وحدها هي الدافع لخوض مغامرة الهجرة غير النظامية بمخاطرها الممكنة. هي نرجسية يبنيها الشاب يوميًّا تحت وقع مجتمع مشهدي يعرض تفاصيل حياته عبر شبكات التواصل الاجتماعي. يشاهد الشاب أقرانه الذين نجحوا في مشروعهم الهجروي، ويتساءل: لماذا لا أكون مثلهم؟ ما الذي يمنعني من ذلك؟ لماذا لا أتصرف مثلهم؟ أريد أن أعيش حياة مترفة، إذن سأغامر وسأرحل. لم يعد لي مكان في هذا البلد. وقد يشعر الشاب بالإهانة عندما يقارن نفسه بأقرانه ويشعر بالضعف وبعدم القدرة على الإنجاز. المشروع الهجروي إذن هو مركز علاقة الفرد بذاته.

أول تحدٍّ هو بين الشاب ونفسه، أي كيف يتجاوز هذا الشاب مخاوفه، وكيف يسيطر على مناطق عدم اليقين لديه، هو تحدٍّ ذاتي يقوده فعل المقارنة اليومية في تفاصيلها الصغرى ليصل في النهاية إلى قرار أنه قادر على الإنجاز وما عليه إلا ترتيب المسألة. هناك مهاجرون تنقذهم الشبكات العائلية فيجدون ضمانات أولية مناسبة وهناك من ليس لديه سوى قدراته التي يمكن أن تسعفه بإنجاح مشروعه الهجروي. إنها تجربة بمذاق الملح(3).

رابعًا: الهجرة غير النظامية في تونس: بعض الأرقام على الطريق

هناك في تونس مجتمع مدني يشتغل بشكل جدي على الظاهرة ويدمجها ضمن المسائل الحقوقية ويدافع عن المهاجرين سواء كانوا تونسيين أو أفارقة ما وراء الصحراء ويحاول أن يكوِّن وجهة النظر المغايرة لما هو مقترح من الجهات الأوروبية. وتقدم بعض الجهات مثل المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية مؤشرات محينة حول الوضع الهجروي بشكل حرفي. وتفيد المعطيات بأن الموجة الهجروية الأكبر من حيث العدد كانت إبان الأشهر الأولى من الثورة التونسية سنة 2011. إذ تمكن ما يقارب 25000 شاب من الوصول إلى جزيرة “لامبيدوزا” الإيطالية مستغلين عدم قدرة الأمن التونسي على مواجهة هذا التدفق الكبير في ظل ظروف سياسية مضطربة آنذاك(4).

يقدم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بيانات شهرية وسنوية حول الهجرة غير النظامية ويستند في تحصيل المعطيات الكمية على بلاغات وزارة الداخلية التونسية والمفوضية السامية للاجئين والمنظمة الدولية للهجرة ووزارات الداخلية في الدول الأوروبية والوكالة الأوروبية لمراقبة السواحل.

تشير المعطيات الواردة من المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى أن عدد المهاجرين غير النظاميين التونسيين قد بلغ 880 مهاجرًا/ة، سنة 2015، و1200، سنة 2016، و2700، في 2017.

وقد تمكن 4849 مهاجرًا/ة من الوصول إلى الأراضي الإيطالية، سنة 2018، و2592 مهاجرًا/ة، سنة 2019، وارتفع العدد، سنة 2020، ليصل إلى 11212 مهاجرًا/ة، و14342، سنة 2021، ليبلغ العدد 18148 مهاجرًا/ة، سنة 2022، ليتراجع إلى 4318 مهاجرًا/ة إلى حدود 30 يونيو/حزيران من سنة 2023.

منذ 2020، سجلنا ارتفاعًا ملحوظًا في عدد المهاجرين التونسيين الذين بلغوا الأراضي الإيطالية أساسًا مقارنة بالسنوات السابقة، وقد يعود ذلك إلى انسداد واضح في الآفاق مع عجز الدولة عن تقديم مشروع مجتمعي يمكِّن من تجاوز الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تفاقمت مع ظهور أزمات جديدة مثل نقص المواد الغذائية وارتفاع كبير في تكلفة العيش ونقص الماء والكهرباء. وهي أزمات لم تكن حاضرة بنفس الدرجة سابقًا. هناك اقتناع لدى التونسيين بأن الأزمة الشاملة متواصلة وهو ما نستشفه من النوايا الهجروية التي أصبحت الثقافة الأولى عند التونسيين بمختلف مستوياتهم الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية. الكل يريد مغادرة البلاد حلمًا أو حقيقة(5).

دخل القصَّر ظاهرة الهجرة غير النظامية بشكل لافت في السنوات الأخيرة. وهو ما يؤشر لتعقد الظاهرة وتشعبها؛ إذ أصبحت العائلات فاعلًا أساسيًّا في المشروع الهجروي؛ وهو ما يكشف عن مزيد تأزم الوضع وانسداد الآفاق في غياب بديل تنموي. وقد سجل المنتدى وصول 595 قاصرًا بمرافقة عائلية وبدونها، سنة 2019، لتصل إلى 1607 قاصرين، سنة 2020، و2492، في سنة 2021، ليبلغ العدد 3399، سنة 2022. و1044 قاصرًا إلى حدود 30 يونيو/حزيران من هذه السنة.

وسجلت الظاهرة أيضًا التحاق النساء؛ إذ بلغ العدد 307، سنة 2020، و523، سنة 2021، و850 امرأة، سنة 2022. لقد أصبح المشروع الهجروي مشروعًا عائليًّا وبشكل واضح.

وبلغ ضحايا قوارب الهجرة غير النظامية والمفقودون من التونسيين 581، سنة 2022، و608 إلى حدود 30 يونيو/حزيران من هذه السنة. ولكن الرقم مرتفع جدًّا عندما يتعلق الأمر بجنسيات أخرى وخاصة منها جنسيات إفريقيا ما وراء الصحراء.

وتفيد نفس المعطيات الواردة في تقارير المنتدى بأن عدد المجتازين الذين تم منع اجتيازهم انطلاقًا من السواحل التونسية من جنسيات تونسية وغير تونسية قد بلغ 38372، سنة 2022. في حين أن عدد الممنوعين من الاجتياز وصل إلى 32792، في سنة 2023 إلى حدود 30 يونيو/حزيران(6).

خامسا: الهجرة غير النظامية والرهانات الدولية المتقاطعة

هناك تحول بارز في التعامل التونسي مع الظاهرة، ولكن إيطاليا ومعها الاتحاد الأوروبي يخوضان مفاوضات من أجل رؤية تجعل الجانب الأوروبي بمنأى عن المضاعفات الكبرى لتدفق المهاجرين التونسيين وغير التونسيين.

قبل تناول الرهانات الجيوسياسية لظاهرة الهجرة غير النظامية برز الموقف التونسي من خلال تصريحات رئيس الجمهورية التونسي الذي اعتبر وجود الأفارقة من جنوب الصحراء على التراب التونسي بشكل غير قانوني مؤامرةً هدفها تغيير التركيبة الديمغرافية للمجتمع التونسي. ودعا إلى التطبيق الصارم للقانون من أجل وضع حد لهذا التدفق غير القانوني. واعتبر العديد من المنظمات المدنية التونسية والدولية أن هذا الخطاب فيه تحريض ضد المهاجرين. وكانت نتيجته أن وقعت مصادمات كبيرة بين تونسيين غاضبين على الوضع ومهاجرين من دول إفريقية جنوب الصحراء. وآخرها ما وقع منذ بداية شهر يوليو/تموز 2023 بين سكان مدينة صفاقس التونسية ومهاجرين غير نظاميين أحداثُ عنف وتعدٍّ على المهاجرين أجبر العديد منهم على مغادرة المدينة والاتجاه نحو الحدود الليبية والجزائرية والمئات منهم عالقون الآن على هذه الحدود في ظروف إنسانية رديئة جدًّا مع ظروف مناخية قاسية.

في الأثناء، تُطرح مسألة الهجرة غير النظامية على طاولة المفاوضات بين تونس والاتحاد الأوروبي وتقود إيطاليا العملية بحكم تضررها المباشر من هذا التدفق وبحكم وجود حكومة يمينية تقودها رئيسة الوزراء “جيورجيا ميلوني” التي وعدت ناخبيها بالقضاء على ظاهرة الهجرة غير النظامية.

وفي الأثناء، وقع إبرام مذكرة تفاهم بين تونس والاتحاد الأوروبي من أجل شراكة اقتصادية، ولكن من أجل مكافحة الهجرة غير النظامية أيضًا. ويُفهم من كل هذه الحركية الأوروبية أن الهدف هو وضع تونس في موقع الحارس للحدود الأوروبية، رغم النفي المتواصل للجانب التونسي، مقابل مساعدات مالية أوروبية لتجاوز الأزمة الاقتصادية الخانقة ومساندة إيطاليا في حصول تونس على قرض من صندوق النقد الدولي طال انتظاره. وساعدت إيطاليا تونس لوجستيًّا بتقديمها 82 سفينة لمراقبة الحدود البحرية ومنع رحلات الهجرة غير النظامية. الأمر البارز في مذكرة التفاهم أنها تجدد مسائل وقع تضمينها في اتفاقيات سابقة. وفيما يتعلق بالهجرة غير النظامية لم يرد في مذكرة التفاهم اتفاق واضح حول الآليات الممكنة لمكافحة الظاهرة وأن الأمر في طور التفاوض. هذه السرعة في إبرام المذكرة مردها من الجانب الأوروبي الرغبة في تسجيل نقاط سياسية للداخل الإيطالي ولهولندا التي تصدع فيها الائتلاف الحكومي جراء عدم التوافق حول قضايا الهجرة. ولم تكن مذكرة التفاهم هذه سوى إعادة التأكيد على أن أوروبا مفتوحة فقط لتدفق السلع ولهجرة الأدمغة، أي هجرة انتقائية، وهو ما يحدث الآن في قبول المهندسين والأطباء مثلًا.

وفي الأثناء، يقع ترحيل المهاجرين غير النظاميين التونسيين من إيطاليا، وقد قبلت تونس هذا الأمر في نطاق التسويات التي وقع إبرامها، وتفيد البيانات الصادرة عن بعض المنظمات الحقوقية الإيطالية أن 2308 تونسيين وقع ترحيلهم قسريًّا خلال النصف الأول من هذه السنة مقابل ترحيل أعداد أقل بكثير من جنسيات أخرى.

إن دخول إيطاليا فاعلًا رئيسيًّا في مسألة الهجرة غير النظامية يقابله غياب واضح لفرنسا التي تربطها بتونس علاقات تاريخية معلومة بالرغم من أنها معنية بالظاهرة. غياب فرنسا -كمستعمر قديم- عن هذه الديناميكية أعطى السلطة في تونس شجاعة أكبر في التعامل مع الجانب الإيطالي رغم حضور الاتحاد الأوروبي. لقد رُفِع الحرج الذي يمكن أن تسببه فرنسا لو كانت حاضرة بقوة في المفاوضات الأخيرة حول الظاهرة. ولكن التساؤل المطروح هو: هل نجحت تونس في التفاوض مع الجانب الإيطالي ومن ورائه الجانب الأوروبي من أجل حماية مصالحها؟ يؤكد الخطاب الرسمي على أن تونس لن تكون حارسًا لحدود غيرها وأنها مسؤولة فقط عن حماية حدودها. وهي في الآخر مسؤولة عن الأعداد الكبيرة للأفارقة ما وراء الصحراء وهو تحد كبير يتطلب النظر في كيفية التعامل معهم. وتشير المعطيات إلى وجود صعوبات في التعامل، أغلبيتهم الآن على الحدود الليبية والحدود الجزائرية وهو ما يدفع بالجانب التونسي إلى إيجاد توافقات مع الدولتين الجارتين؛ وهي مسألة ليست بالسهولة التي نعتقدها. فالكل يريد التخلص من هؤلاء المهاجرين دون رؤية واضحة ويكون ذلك في الأغلب على حساب المستوى الإنساني والحقوقي للمهاجرين.

يبدو أن ظاهرة الهجرة غير النظامية لن تجد حلًّا في ظل تناول براغماتي تقوده بالأساس الاعتبارات الانتخابية في الدول الأوروبية المعنية أكثر من غيرها بالمسألة. مساعدات مالية واقتصادية سخيفة من أجل إقناع دول الجنوب بالمساهمة في الحد من تدفق المهجرين إلى دول الشمال. لا توجد إلى حد الآن رؤية واضحة تعالج بطريقة دامجة المشكلَ من جذوره. ولهذا سيبقى الاهتمام بالظاهرة رهينَ وجود اليمين الأوروبي في السلطة. وأوروبا نفسها غير متناغمة في نظرتها لظاهرة الهجرة غير النظامية والاختلافات بين مكونات الاتحاد الأوروبي بارزة ومن غير المنتظر حلها في المنظور القريب. أوروبا معنية الآن بتداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية ووضعها الاقتصادي غير مريح بالمرة وأولوياتها لا تناسب أولويات دول الجنوب المصدِّرة للمهاجرين. إن معادلة التقليص من تدفق المهاجرين مقابل مساعدات اقتصادية ومالية معادلة صعبة لأنها غير مبنية على شراكة حقيقية طويلة المدى وانزعاج فرنسا على سبيل المثال مما وقع في النيجر منذ أيام هو انزعاج من إمكانية خسران السيطرة على مناجم اليورانيوم أكثر من انزعاجها من عدم قدرة دول مثل النيجر على بناء تنمية حقيقية تساعد على التقليص من تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين إلى أوروبا(7).

النظام العالمي غير المتكافئ والمبني على علاقات رابح-خاسر لا يمكنه أن يصد ظواهر من قبيل الهجرة غير النظامية. ودول الجنوب أيضًا شريكة في المسؤولية في ظل غياب واضح للديمقراطية ولثقافة حقوق الإنسان. هي دول مبينة على مؤشرات فساد عالية؛ ما يجعل التنمية غير عادلة وغير دامجة. هناك الاحتجاجات الشعبية التي بمكن أن تقود إلى تغيير في المنظومة السياسية نحو أكثر ديمقراطية وأكثر عدالة وهناك الهجرة غير النظامية. إلا أن الأغلبية من الشباب الذين كانوا يقودون هذه الاحتجاجات اختارت الخلاص الفردي بديلًا عن الخلاص الجماعي. هل علينا العمل على إرجاع المشكلات الاجتماعية إلى محور المشكلات التي يجب حلها جماعيًّا أو الإبقاء على المشكلات الاجتماعية على أنها إخفاق شخصي ما يعني البقاء ضمن الحلول التي يبتكرها الأفراد؟

محمد جويلي

أستاذ علم الاجتماع، جامعة تونس.

مراجع

(1) محمد جويلي، كيف يُنجِحُ شاب هجرتَه السرية؟ موقع المغرب، 11 أغسطس/آب 2020، (تاريخ الدخول: 10 يوليو/تموز 2023)،  https://l8.nu/shEI

(2) محمد جويلي، برج بابل: فـردنة المكلات الاجتماعية، موقع المغرب، 18 أكتوبر/تشرين الأول 2022، (تاريخ الدخول: 9 يوليو/تموز 2023)،  https://l8.nu/tFAp

(3) محمد جويلي، الهجرة غير النظامية: سفرٌ بمذاق الملح، موقع المغرب، 6 سبتمبر/أيلول 2022، (تاريخ الدخول: 11 يوليو/تموز 2023)،  https://l8.nu/tFAt

(4) بين 500 إلى 700 نُقلوا قسرًا.. ترحيل المهاجرين الأفارقة في تونس بين الترحيب والتنديد، الجزيرة نت، 11 يوليو/تموز 2023، (تاريخ الدخول: 13 يوليو/تموز 2023)،   https://l8.nu/tFAF

(5) عدد المهاجرين التونسيين الذين وصلوا إيطاليا تضاعف 5 مرات في 2020، وكالة رويترز، 12 يناير/كانون الثاني 2021، (تاريخ الدخول: 9 يوليو/تموز 2023)،  https://l8.nu/tFBe

(6) بالأرقام: عدد المجتازين الذين تم منع اجتيازهم انطلاقًا من السواحل التونسية، موقع تونسكوب، 5 يونيو/حزيران 2023، (تاريخ الدخول: 13 يوليو/تموز 2023)،  https://l8.nu/tFE3

(7) نجيبة بن حسين: الهجرة غير النظامية بين تونس والاتحاد الأوروبي ومقاربة جديدة، العربي الجديد، 9 يونيو/حزيران 2023، (تاريخ الدخول: 14 يوليو/تموز 2023)،  https://l8.nu/tFFq

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات