1

استمرار الاشتباكات في دير الزور و”قسد” تستعيد السيطرة على العزبة

سيطرت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، على بلدة العزبة في ريف دير الزور الشمالي الغربي، شرقي سورية، صباح اليوم الأربعاء، بعد اقتحامها واندلاع اشتباكات مع مسلحين من العشائر العربية في المنطقة، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، في حين أعلنت “الإدارة الذاتية” تسليمها عناصر من ذوي “داعش” لدولة قرغيزستان.

وقالت مصادر محلية مقرّبة من “قسد”، لـ”العربي الجديد”، إنّ الأخيرة استعادت السيطرة على بلدة العزبة في ريف دير الزور بعد اقتحامها والاشتباك مع مسلحين من العشائر، فجر اليوم، مؤكدة أنّ الاشتباكات أدت إلى خسائر بشرية من الطرفين، في حين بدأت “قسد” بتمشيط البلدة واعتقال متهمين بالتورط في الهجوم على قواتها.

وذكرت المصادر أيضاً أنّ “قسد” شنّت حملة دهم وتفتيش في بلدة معيزيلة بحثاً عن مطلوبين من أبناء العشائر العربية المؤيدة لرئيس مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل المحتجز مع قياديين آخرين من المجلس لدى “قسد”.

وتحدثت المصادر أيضاً عن وقوع اشتباكات عنيفة في محيط قرية ضمان، أدت إلى مقتل وجرح 11 شخصاً على الأقل، بينهم مدنيون وعناصر من “قسد” ومسلحون من العشائر.

وذكرت المصادر أن المسلحين يتحصنون في قرية ضمان، بينما تحاول “قسد” اقتحام القرية من عدة جهات، تزامناً مع استقدام تعزيزات إلى هناك.

وشهد يوم أمس الثلاثاء، مقتل وجرح العشرات جراء اشتباكات بين مسلحين من العشائر وعناصر من “قسد” في قريتي الحريجية وأبريهة في ريف دير الزور.

وجاء التصعيد مع استمرار “قسد” في احتجاز قياديي مجلس دير الزور العسكري، وعدم استجابتها لبيان مسلحي العشائر الذي يطالبها بالإفراج عنهم، ويتهمها بمحاولة القضاء على المكوّن العربي في المنطقة.

في غضون ذلك، قالت مصادر محلية إن مسلحين من أبناء العشائر قصفوا، صباح اليوم الأربعاء، مواقع لـ”قسد” في محور منبج، شرق حلب، كما هاجموا مواقع لها في محور قرى العون والمحسنلي وعرب حسن.

وذكرت المصادر أنّ التحرك في ذلك المحور جاء بهدف دعم مسلحي العشائر في دير الزور، بعدما أعلنت عشائر مهجرة من دير الزور ومناطق أخرى إلى ريف حلب، في بيان لها، أمس الثلاثاء، عن وقوفها في صف العشائر التي تقاتل “قسد” في دير الزور.

“قسد” تسلّم قرغيزستان أفراداً من عائلات عناصر “داعش”

من جانب آخر، أعلنت “الإدارة الذاتية” التابعة لـ”قسد” في شمال شرق سورية، مساء أمس الثلاثاء، تسليم قرغيزستان أطفالاً ونساء من ذوي عناصر تنظيم “داعش” كانوا محتجزين في مخيمات تشرف عليها المليشيا.

وقالت الإدارة، في بيان لها، إنها سلّمت وفداً من جمهورية قيرغيزستان، أول أمس الاثنين، 64 طفلاً و30 امرأة من ذوي عناصر تنظيم “داعش”، وفق وثيقة رسمية بين الجانبين.

وأوضح البيان أنّ الوفد ترأسه ممثل وزارة خارجية قرغيزستان باكيت قديروف، وناقش مع الإدارة محاربة الإرهاب الدولي ومسألة تقديم عناصر “داعش” لمحاكمة عادلة وعلنية.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




آخرها الغابون… خارطة انقلابات غرب ووسط أفريقيا في 3 سنوات

إذا نجح الانقلاب العسكري الذي أعلنت عنه مجموعة من العسكريين في الغابون اليوم الأربعاء، فسيكون ثامن انقلاب في غرب ووسط أفريقيا منذ عام 2020، وهي منطقة خطت خطوات كبيرة خلال العقد الماضي للتخلص من سمعتها باعتبارها “حزاماً للانقلاب”.

إليكم خارطة الانقلابات العسكرية التي حدثت في هذه المنطقة خلال السنوات الأخيرة:

  • النيجر

يُعتبر انقلاب النيجر هو الأحدث، ففي يوليو/تموز 2023، قام أفراد من الحرس الرئاسي باحتجاز الرئيس محمد بازوم داخل قصره، وظهروا عبر التلفزيون الوطني، معلنين استيلاءهم على السلطة لإنهاء “الوضع الأمني المتدهور والحكم السيئ”.

بعد أيام، أعلن المجلس العسكري، قائد الحرس الرئاسي الجنرال عبد الرحمن تياني رئيساً جديداً للدولة، مما أثار مخاوف بشأن الأمن في منطقة تُعتبر فيها النيجر حليفاً رئيسياً للقوى الغربية التي تسعى لاحتواء تمرّد جماعات مرتبطة بتنظيمي “القاعدة” و”داعش”.

وتحاول المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “إيكواس” التفاوض مع قادة الانقلاب، لكنها أعلنت في الوقت نفسه استعدادها لإرسال قوات إلى النيجر لاستعادة النظام الدستوري في حال فشلت الجهود الدبلوماسية. في المقابل، سمحت النيجر للقوات المسلحة في مالي وبوركينا فاسو بالتدخل على أراضيها في حال وقوع هجوم.

  • بوركينا فاسو

في يناير/كانون الثاني 2022، أطاح جيش بوركينا فاسو الرئيس روك كابوري، واتهمه بالفشل في احتواء عنف المتشددين الإسلاميين.

وتعهد قائد الانقلاب اللفتنانت كولونيل بول هنري داميبا باستعادة الأمن، لكنّ الهجمات تفاقمت، ممّا أدى لتآكل معنويات القوات المسلحة، وقاد إلى انقلاب ثانٍ في سبتمبر/أيلول 2022، عندما استولى رئيس المجلس العسكري الحالي الكابتن إبراهيم تراوري على السلطة.

  • غينيا

في سبتمبر/أيلول 2021، أطاح قائد القوات الخاصة في غينيا العقيد مامادي دومبويا الرئيس ألفا كوندي. وقبل ذلك بعام، قام كوندي بتغيير الدستور للتحايل على القيود التي كانت ستمنعه من الترشح لولاية ثالثة، مما أثار أعمال شغب واسعة النطاق.

أصبح دومبويا رئيساً مؤقتاً لغينيا، ووعد بالانتقال إلى انتخابات ديمقراطية في غضون ثلاث سنوات، وهي مهلة رفضتها “إيكواس”، وقامت على إثرها بفرض عقوبات على أعضاء المجلس العسكري وأقاربهم، بما في ذلك تجميد حساباتهم المصرفية.

واقترح النظام العسكري في وقت لاحق بدء فترة انتقالية مدتها 24 شهراً في يناير/ كانون الثاني 2023، لكنّ أحزاب المعارضة أكدت أن المجلس العسكري لم يفعل الكثير لإنشاء مؤسسات ووضع خريطة طريق للعودة إلى الحكم الدستوري.

  • تشاد

في إبريل/نيسان 2021، تولّى الجيش التشادي السلطة بعد مقتل الرئيس إدريس ديبي في ساحة المعركة، أثناء زيارته للقوات التي تقاتل المتمردين في شمال البلاد. وبموجب القانون السائد في البلاد، كان ينبغي لرئيس البرلمان أن يتولّى الرئاسة، لكنّ المجلس العسكري تدخل، وحلّ البرلمان بحجة ضمان الاستقرار.

وعُيّن نجل ديبي، الجنرال محمد إدريس ديبي، رئيساً مؤقتاً للبلاد، ومكلفاً بالإشراف على فترة انتقالية مدتها 18 شهراً حتى الانتخابات. وأدّى هذا الانتقال غير الدستوري للسلطة إلى أعمال شغب في العاصمة نجامينا، قام الجيش بقمعها.

  • مالي

في أغسطس/آب 2020، قامت مجموعة من العقداء الماليين بقيادة أسيمي غويتا بإطاحة الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا. وجاء الانقلاب في أعقاب احتجاجات مناهضة للحكومة بسبب تدهور الأمن، وانتخابات تشريعية متنازع عليها، ومزاعم بالفساد.

ووافق المجلس العسكري، بضغط من جيران مالي في غرب أفريقيا، على التنازل عن السلطة لحكومة مؤقتة يقودها مدنيون، مكلفة بالإشراف على فترة انتقالية مدتها 18 شهراً وإجراء انتخابات ديمقراطية في فبراير/شباط 2022. لكنّ قادة الانقلاب اختلفوا مع الرئيس المؤقت العقيد المتقاعد باه نداو، وأطلقوا انقلاباً ثانياً في مايو/ أيار 2021. وبعدها، تولّى غويتا الرئاسة بعد أن كان يشغل منصب نائب الرئيس المؤقت.

وقامت “إيكواس” برفع بعض العقوبات المفروضة على مالي بعد أن اقترح العسكريون فترة انتقالية لمدة عامين، ونشروا قانوناً انتخابياً جديداً. ومن المقرّر أن تجري البلاد انتخابات رئاسية في فبراير/شباط 2024، للعودة إلى الحكم الدستوري.

المصدر: وكالة رويترز




محاولة انقلاب الغابون: دور فرنسا والمغرب ومستقبل بونغو

*مقالة سابقة عن محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في يناير/ كانون الثاني 2019، وذلك من أجل الإحاطة بشكل أوسع بمحاولة الانقلاب الحالية.

يعتبر الغابون، إلى جانب تشاد حالياً، من أكثر البلدان الأفريقية قرباً من فرنسا، وما يجمع ليبرفيل بباريس يجعل من المستحيل تصوّر الغابون خارج الهيمنة الفرنسية في أي وقت من الأوقات. ويشهد على هذا التعلق الفرنسي بهذا البلد، الذي عاش فترات استقرار طويلة خلافاً لكثير من البلدان الأفريقية الأخرى وخدم فيها مصالح فرنسا في إطار سياسة “فرنسا ـ أفريقيا”، دورُ فرنسا في دعم الرئيس الراحل عمر بونغو و”وريثه” نجله علي، في وجه معارضيه والاعتراف بانتخابه، على الرغم من الاعتراض المتزايد، من المعارضة ومن الشعب، على هذه الجمهورية “الوراثية”. مع العلم أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التي جرت في أغسطس/آب 2016، تمّت في وضعية صعبة، دانت خلالها المعارضة لجوء النظام للتزوير من أجل فرض علي بونغو.

وبرز الملف الغابوني مجدداً، بفعل المحاولة الانقلابية التي جرت ليل الأحد ـ الاثنين، في ليبرفيل، والتي قامت بها مجموعة من الضباط. فشلت المحاولة، التي لم تجد صدى داخلياً ولا خارجياً. ولم يدم “الانقلاب” سوى بضع ساعات، قبل إعلان الحكومة استعادتها السيطرة، واعتقال أربعة من الانقلابيين الخمسة. وكان بيان الانقلابيين، الذي تزعمه كيلي أوندو أوبيانغ، من الحرس الجمهوري، قد انتقد “المحافظين المتشبثين بالسلطة الذين يصادرونها”، معلناً عن ظهور “الحركة الوطنية لقوات الدفاع والأمن في الغابون”. ووعد بـ”تأسيس مجلس وطني لإعادة الديمقراطية، من أجل تأمين استمرارية الدولة وتأمين انتقال ديمقراطي للشعب الغابوني”. غير أنه وبعد اعتقاله قال إن “ضباط الجيش حاولوا الانقلاب لاستعادة الديمقراطية”. وقال المتحدث باسم الحكومة غي-برتران مابانغو إن “اثنين من مدبري الانقلاب قُتلا وإن ثمانية آخرين اعتقلوا”. قبل تفقّد محطة الاذاعة الحكومية أمس الثلاثاء، وعودة الحياة إلى العاصمة ليبرفيل.

الفرنسيون بطبيعة الحال لم يكونوا بعيدين عن أجواء ما حصل ودانت باريس محاولة الانقلاب ودعت إلى “الاحترام التام” للدستور. وقالت المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية، آغنيس فون دير مول: “ندين أي محاولة تغيير للنظام خارج إطار الدستور”، مضيفة أن “استقرار الغابون لا يمكن أن يضمن إلا ضمن الاحترام الكامل لبنود دستورها”.

في العلاقة الفرنسية ـ الغابونية، دور مغربي تعتمد عليه فرنسا، لارتباطه الوثيق بالغابون، المؤيد لموقف الرباط من أزمة الصحراء، وصلت إلى درجة انتشار قوات مغربية خاصة لحماية القصر الرئاسي، أيام الأب وأيام الابن، الذي يتعافى من مرضه في مستشفيات المغرب، بعد مغادرته البلاد أولاً إلى السعودية في أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وتجمع علي بونغو علاقات شخصية قوية مع الملك المغربي محمد السادس، منذ أيام ما قبل وجودهما في السلطة.

وعلى الرغم من الفترة الطويلة التي غاب فيها الرئيس علي بونغو عن بلده، إلا أن رجال الرئيس المدعومين من فرنسا، لا يزالون يسيطرون على الأوضاع في البلاد. وهو ما جعل هذه المحاولة الانتخابية تبوء بالفشل، رغم شعاراتها الحماسية، والتي قد تغوي الكثير من المواطنين، الذين تعبوا من تسلط أسرة بونغو على مقدرات البلاد.

وما يغيب عن كثيرين هو الحضور العسكري الفرنسي في هذا البلد، منذ استقلاله عن فرنسا سنة 1960. وتنشر فرنسا قواتها انسجاماً مع اتفاقيات أغسطس/آب 1960. والغرض المعلن من الطرفين، هو تأمين مصالح فرنسا وحماية رعاياها، وأيضا دعم الانتشار العملياتي في المنطقة، إضافة إلى المشاركة في التعاون الإقليمي. ولا يمكن إغفال تنفيذ اتفاقيات التعاون العسكري الثنائي، في إطار معاهدة التعاون في ميدان الدفاع، الموقعة مع الغابون عام 2011. وأيضاً لدعم الدول الأفريقية في تعزيز أمنها الجماعي.

ولفرنسا قاعدة عسكرية في العاصمة الغابونية، تضمّ نحو 350 عسكرياً، وكان نحو 110 عسكرياً منهم، قد وصلوا إلى القاعدة بتاريخ 15 نوفمبر الماضي، في مهمة غير محددة لوسائل الإعلام تستغرق 4 أشهر. وهو ما جعل الكثير من الغابونيين يتساءلون عن الدور المستقبلي لهذه القوات في حال مصادرة السلطة إذا غاب علي بونغو عن المشهد السياسي الغابوني.

وإذا كانت العملية الانقلابية قد فشلت، فإن كثر لم يكونوا يتصوّرون نجاحها بسبب حاجة فرنسا إلى هذا البلد، خصوصاً في حربها الطويلة المنهكة من أجل استئصال الإرهاب. ولكن حالة الرئيس الغابوني، علي بونغو الصحية المقلقة، لن تساهم في إعادة الأمور إلى نصابها، وسط وجود كثيرين من القادة الطامحين في خلافته.

حالياً، لا يعرف الشعب الغابوني شيئاً عن حالة رئيسه الصحية، ما إذا كان الأمر متعلقاً بـ”حالة إرهاق شديد”، أم أن الوضع أخطر، خصوصاً أن علي بونغو أصيب بجلطة دماغية، منذ 24 أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وانعدام الشفافية في الموضوع، ساهم في رفع منسوب الغموض وبالتالي إمكانية حصول بعض التحركات، كما هو الحال في ممارسة السلطة لدى الدول الحزب الواحد أو الحكم الواحد. ولم يعلم الغابونيون عن وصول رئيسهم المريض إلى المغرب لمواصلة العلاج في مستشفياتها، يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، إلاّ من صفحة زوجة الرئيس، سيلفيا بونغو، على موقع “فيسبوك”.

واستؤنفت حركة السير أمس على الطريق البحرية وعلى جادة تريومفال في العاصمة ليبرفيل. كذلك أعيد فتح معظم المتاجر والمطاعم المقفلة. ولوحظ أيضاً انتشار كثيف لقوى الأمن في العاصمة، وقد جالت دوريات من المدرعات العسكرية هناك. وفي حوالى منتصف الليل، سمعت طلقات نارية متفرقة في حي ريو الشعبي في ليبرفيل، وفق مصادر متطابقة. وإذا كانت شبكة “غابون الأولى” الوطنية للتلفزيون استأنفت برامجها مساء الاثنين، فان شبكة “غابون 24” الرسمية للاعلام المتواصل ما زالت متوقفة صباح أمس الثلاثاء.

محمد المزبودي

المصدر: أرشيف صحيفة العربي الجديد




علي بونغو.. المغني الذي ورث والده في رئاسة الغابون

بعد 14 عاماً من احتفاظه بالرئاسة، و50 عاماً من سيطرة عائلته على الحكم في البلاد، أطيح بالرئيس الغابوني المنتخب حديثاً لولاية ثالثة علي بونغو (64 عاماً)، في انقلاب عسكري يضاف إلى سلسلة انقلابات شهدتها القارة السمراء

وظهر ضباط كبار بالجيش على قناة “غابون 24″، الأربعاء، معلنين استيلاءهم على السلطة، وإنهاء مسيرة مليئة بالتقلبات رافقت بونغو، من الشغف بموسيقى الجاز والغناء على مشارف العشرينيات من عمره، إلى عالم السياسة تحت جناحي والده في الثلاثين، وصولاً إلى رأس الدولة في 2009، ثم خط النهاية في البلد المصنف وفق “فرانس برس” من أغنى الدول الأفريقية من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، نظراً لعائدات النفط وقلة عدد السكان نسبياً.

المغني الشاب وريث والده

ولد علي بونغو باسم ألان برنار بونغو في الكونغو برازافيل، في فبراير/ شباط عام 1959، وكانت ولادته أيضاً مثيرة للجدل، إذ انتشرت شائعات، على مدار سنوات، مفادها أنه قد تمّ تبنيه من جنوب شرق نيجيريا خلال حرب بيافرا (الحرب الأهلية النيجيرية)، لكنه نفى هذه الشائعات مرات عدة.

وحين تولى والده عمر بونغو رئاسة الغابون في العام 1967، كان الرئيس المطاح به اليوم في المدرسة بالمرحلة الابتدائية.

تلقى تعليمه في مدرسة خاصة في ضاحية نويلي الراقية في العاصمة الفرنسية باريس، وبعدها التحق بجامعة السوربون حيث درس القانون. نشأته خارج البلاد عرضته لانتقادات، ودفعت بالكثيرين في الغابون إلى اعتباره “دخيلاً”.

تغير اسمه من “ألان برنار” إلى علي واسم والده إلى عمر (ولد باسم ألبرت برنار بونغو)، عام 1973، بعد اعتناقهما الإسلام. واعتبر البعض هذا التحوّل وسيلة لجذب الاستثمارات من الدول الإسلامية.

أظهر علي بونغو شغفاً مبكراً إزاء كرة القدم والموسيقى، علماً أنّ والدته باتيانس داباني كانت مغنية، وفقاً لهيئة البث البريطانية “بي بي سي”.

وفي عام 1977، أصدر ألبوماً غنائياً عنوانه “إيه براند نيو مان” A Brand New Man. وكان يفضّل موسيقى الجاز والـ”بوسا نوفا” (موسيقى برازيلية) والموسيقى الكلاسيكية.

بعد 4 سنوات من إصدار هذا الألبوم، تحول إلى السياسة برعاية والده الرئيس في حينه، وتولى وزارة الدفاع طوال 10 سنوات بعدما تولى وزارة الخارجية عام 1989، لكن مهمته هذه انتهت بعد 3 سنوات بسبب تغيير دستوري ينص على أن يتخطى عمر الوزراء الـ35 عاماً. وكان في الـ32 من العمر حينها.

بعد وفاة والده عام 2009، فاز بالانتخابات الرئاسية بـ42% من الأصوات. لكن معارضيه عبروا عن شكوكهم مراراً إزاء شرعيته.

وحاول جنود متمردون الانقلاب عليه في يناير/ كانون الثاني عام 2019، بينما كان في المغرب يتعافى من سكتة دماغية، لكنهم فشلوا.

وكان قد أصيب، في أكتوبر/ تشرين الأول 2018، بجلطة دماغية غاب على أثرها عن الظهور عشرة أشهر، ما دفع المعارضة إلى التشكيك بقدرته على إدارة البلاد، وفق “فرانس برس”. وعلى أثر ذلك واجه صعوبات حركية إلا أنه أجرى في الأشهر الأخيرة جولات في كل أنحاء البلاد وزيارات رسمية إلى الخارج، شملت حضور عدد من القمم.

وخلال سنوات حكومة الـ14 واجه بونغو اتهامات بالفساد وتحويل البلاد إلى “نظام الكلِبتوقراطية” (نظام حكم اللصوص)، ونهب الثروات الطبيعية والنفطية. كما اتهم معارضوه أفراداً في عائلته باختلاس المال العام، وإدارة موارد البلاد كأنها ممتلكاتهم الخاصة.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




الجريمة تفتك بالمجتمع العربي في إسرائيل

قتلى يتساقطون يومياً برصاص عصابات منظمة وسط تقاعس مريب لأجهزة «دولة خطيرة»

استشرت الجريمة كثيراً داخل المجتمع العربي في إسرائيل، لتزرع خوفاً ودموعاً في كل حي وبيت، وسط فشل أمني وقضائي في وضع حد لهذه الظاهرة التي بدأت قبل 5 سنوات، وبلغت خلال العام الحالي ذروتها، ويبدو أنها آخذة في التصاعد.

حتى كتابة هذه السطور، قتل 159 شخصاً منذ مطلع سنة 2023، وأصيب نحو ألف شخص بجراح، في حوادث إطلاق نار. وهذه أرقام قياسية في تاريخ هذه الشريحة من العرب، مواطني إسرائيل، البالغ عددهم 1.8 مليون نسمة. هؤلاء الذين عرفوا بأنهم الفلسطينيون الذين صمدوا في أرض الوطن سنة 1948 رغم النكبة، وخاضوا قصة كفاح مدهشة تحت الحكم الإسرائيلي، مليئة بالتحديات، فلم يتخلوا عن لغتهم أو انتمائهم أو كفاحهم، وحققوا نجاحات هائلة في العلم والتطور، وبلغوا أرفع المراتب في الطب والاقتصاد و«الهايتك» والتكنولوجيا العالية. أصيبوا في السنوات الأخيرة بنكبة داخلية قاصمة، تمثلت في انتشار الجريمة.

كل الحملات الشعبية والتحركات والمسيرات التي وصل بعضها إلى تل أبيب لم تضع حداً لهذا العنف الذي يقض مضاجع العرب في إسرائيل، ويبدو أنها فشلت في جعل المجتمع اليهودي يحس بالوجع الأليم الذي يعانيه المجتمع العربي، لينضم إلى الضغوط على حكومة بنيامين نتنياهو، حتى تتحرك وتفعِّل الشرطة للقيام بواجبها.

فما يحدث في المجتمع العربي في إسرائيل «ليس له مثيل في العالم»، حسب سليمان العمور، المدير العام لمنظمة «أجيك» في النقب. يقول: «هناك دولة قوية ذات أجهزة أمن خطيرة، تنفذ عمليات دقيقة وراء الحدود؛ لكنها لا تفكك رموز جرائم قتل تحت أنفها. وتترك جمهوراً من مليوني نسمة عرضة لانفلات منظمات الجريمة. فلا يستطيع المرء أن يخرج من بيته بشكل آمن. وحتى في ساحة البيت يمكن أن يُقتل من دون ذنب. يجب أن يتوقف هذا الإهمال، ويوضع حد لمظاهر جباية الإتاوات وتصفية الحسابات الدموية، وغيرها من مظاهر العنف والجريمة».

«الولد لا يرد على الهاتف»، تزعق الأم الفلسطينية في بيتها بالناصرة (شمال إسرائيل)، فيتكهرب الجو ويسود التوتر. وينقض كل من في البيت على هاتفه ليتصل بالابن. الأب يتصل بصديق لابنه يسأله عنه. الأخت تبكي. الجارة تخبر بأنها استمعت قبل قليل لأزيز رصاص أُطلق في الحي، فتؤجج نيران الخوف والقلق أكثر. الأخ يطلب الاتصال بالشرطة. جلبة. ضوضاء. قلق شديد. ينزل العم من الطابق العلوي يسأل: ما الخبر؟ يسأل: أين يمكن أن يكون؟ ويتطوع للذهاب للبحث عنه. العم الثاني يرش ملحاً على الجرح: «لقد حذرتكم من ممشى هذا الولد. لا يعجبني». الأخ يطلب أن يرافقه.

وفجأة، يتصل الابن بنفسه، ويعتذر لأنه كان قد وضع الهاتف على الصمت، لذلك لم يتنبه للاتصال. فيشتمه الأب وتعاتبه الأم. ويعودون إلى الحياة الطبيعية. طبيعية! لا، ليست طبيعية بحال من الأحوال. فالعائلات العربية في إسرائيل تعيش في أجواء توتر وقلق دائمين، بسبب الانتشار الفاحش للجريمة.

هذا المشهد الذي يبدو وكأنه درامي، إنما يعكس حقيقة مرة يعيشها الناس هنا في كل يوم تقريباً.

عمليات القتل لا تقتصر على الناصرة؛ بل تشمل كل مدينة وبلدة يعيش فيها عرب. ونحو 90 في المائة من القتلى والجرحى هم من الشباب، وبينهم عدة أطفال. غالبيتهم قتلوا بأيدي منظمات الإجرام؛ حيث توجد 11 منظمة كهذه حسب معطيات الشرطة، وتوجد بينها حرب عصابات يصفي بعضها بعضاً. خلال التصفيات يقع كثير من الضحايا الأبرياء. في الناصرة قتلوا زعيم عصابة وقتلوا معه ابنه الطفل ابن السنتين من العمر.

وقبل ذلك بثلاث سنوات، أطلقوا النار على مخبز، فقُتل الفنان توفيق زهر الذي جاء وحفيده لشراء الخبز. في بئر المكسور القريبة، أطلق شبان 55 رصاصة على آليات تابعة لمقاول منافس، فقتلوا طفلاً في الرابعة من عمره، كان يلعب في حديقة ألعاب مجاورة. في كفر كنا أرادو إيلام شخص، فأطلقوا الرصاص على قدميه، وقتلوا زوجته الشابة أمام عينيه وأمام طفليه. في يافة الناصرة قتلوا 5 أشخاص دفعة واحدة، ما سميت في حينها بحق: مجزرة. وفي أبو سنان نُفذت مجزرة أخرى راح ضحيتها 4 أشخاص، بينهم مرشح لرئاسة المجلس المحلي. وهناك حوادث إطلاق رصاص ينفذونها في إطار تحصيل الإتاوات، و«الخاوة»: «لا تريد أن تدفع المال فتدفع حياتك كلها».

وهناك حوادث قتل نساء بأيدي أزواجهن أو أقاربهن، على خلفية ما يسمى «شرف العائلة». يكفي أن تقرر شابة من عائلة محافظة وقرية مغلقة أن تتعلم في الجامعة وتنام في السكن الجامعي، حتى يمسوا بشرفها ويهدروا دمها. وهناك حوادث قتل تتم على خلفية الثأر والانتقام، ضمن الشجارات العائلية.

مؤامرة حكومية

قادتهم السياسيون يعتقدون بأن هذه مؤامرة حكومية مخططة، ويقول أحدهم بألم وقلق: «السلطات الإسرائيلية حاولت طيلة 75 عاماً أن تجعل منا حطابين وسقاة ماء، فضربت جهاز التعليم، وحاربت الثقافة الوطنية، وفشلت.

ونشأ لدينا كبار الشعراء والأدباء الفلسطينيين: محمود درويش، وسميح القاسم، وتوفيق زياد، وسالم جبران، وإميل حبيبي، ومحمد علي طه، وغيرهم كثيرون. وحاولت أن تفسخنا على أسس طائفية ما بين مسلم ومسيحي ودرزي وفشلت، وانتصرت روح التآخي. وحاولت ضرب بعضنا ببعض سياسياً، وزرعت في صفوفنا عملاء يضربون الروح الوطنية العالية وفشلت. وبعد عشرات السنين من منعنا من تشكيل أحزاب وطنية قررت إغراقنا بالأحزاب، وسمحت وشجعت قيام أحزاب قومية وإسلامية لكي تفتت صفوفنا، وفشلت. لكنها الآن تنشر في صفوفنا الجريمة، ونجحت. إنها تشجع منظمات الجريمة، وتزودها بالأسلحة والعتاد الذي تؤكد كل التحقيقات أن مصدره هو مخازن الجيش الإسرائيلي. إنهم يقولون إنهم يتيحون للعرب أن يقتل بعضهم بعضاً. إنني مصاب باليأس. فكيف غابت عنا هذه الآفة؟ كيف زرعوا فينا هذا الفيروس؟».

العامل الجماهيري محمود نصار، مدير دائرة مواجهة العنف والجريمة في اللجنة القُطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية في إسرائيل، يقول: «إذا لم يكن ذلك مخططاً مرسوماً، فلا شك في أن هناك إفلاساً في عمل الشرطة على المستوى المهني بشكل مؤكد. لكن: لماذا تنجح هذه الشرطة نفسها في مكافحة الجريمة في المجتمع اليهودي؟ لماذا تتمكن من فك رموز 75 في المائة من جرائم القتل في المجتمع اليهودي، ولا تنجح في فك أكثر من 15 في المائة من الجريمة عندنا؟ فمن جهتنا يوجد قتلة نفذوا 85 في المائة من جرائم القتل، ويتجولون أحراراً في الشوارع، والشرطة لا تضبهم ولا تحاسبهم. ومن جهتنا، توجد جريمة مستفحلة تجعل الناس يخشون من السير في الشوارع أو شراء خبز من المخبز».

تقصير الشرطة

التقيتُ المفتش العام للشرطة الإسرائيلية، يعقوب شبتاي، في أحد مباني مدرسة شرطية، فنفى أن تكون هناك خطة لدى مؤسسته لنشر العنف في المجتمع العربي؛ لكنه اعترف بالتقصير. وعزا ذلك للنقص الكبير في عدد أفراد الشرطة، ولعدم تعاون المجتمع العربي مع الشرطة خلال التحقيقات. وعرض خطة لدى شرطته لمكافحة العنف والجريمة في المجتمع العربي، قائلاً إنه بدأ في تنفيذها رغم الموارد القليلة. ثم قال إن الشرطة نجحت في القيام بآلاف الأعمال والمبادرات في السنوات الخمس الأخيرة، لمحاربة الجريمة في المجتمع العربي. مثلاً: جرى القبض على 141 بندقية «ساعر» و806 مسدّسات، و223 قطعة سلاح مُرتَجلة، و50 بندقية صيد، و254 قنبلة يدويّة، و101 شحنة أسلحة تخريبيّة، وليس أقل من 46280 قطع ذخيرة وأعتدة.

وتستعرض الشرطة عشرات الحملات على أهداف ومواقع المجرمين وذوي السوابق في البلدات العربية. وتقدم الشرطة تقريراً عن 29 إحباطاً وإبطالاً لأحداث قتل منذ بداية سنة 2023، بينما في المقابل في سنة 2022 جرى إحباط 67 عملية قتل، كان قد جرى تخطيطها. لكن هذه الجهود المباركة متواضعة. ولا تقنع الناس ولا تحقق لهم الأمان. والأهم: لا تؤثر على قادة منظمات الإجرام.

المجرمون يهددون

قبل أيام، نُشرت في الشبكات الاجتماعية رسالة صوتية لأحد الأشخاص الذي تكلم باسم إحدى منظمات الإجرام. فاستخف بالشرطة واستخف بالمخابرات العامة (الشاباك). فقال إن هناك قائمة تضم 160 شخصاً سيجري قتلهم. وذكر أسماء بعض العائلات التي ينتمي إليها المرشحون للتصفية، وقال إن بينهم أطباء ومحامين ومهندسين. وقال: «ستتم تصفيتهم، ولا يهمنا (الشاباك) ولا الشرطة». وبعد أيام من هذه الرسالة تم قتل نجل نائب رئيس البلدية في الناصرة، مهران عوايسي، بعد أن كانوا قد قتلوا شقيقه قبل شهرين، وابن عمه قبل أسبوع.

وأوضح صاحب الرسالة أن عدداً من القتلى هم أبرياء، وليست لديهم مشكلة مع منظمات الإجرام؛ لكن لأنهم من أقرباء أناس متورطين معهم فإنهم سيقتلونهم لكي يؤلموا الخصوم. وهذا أسلوب جديد يتبعه قادة الإجرام. فيتصلون بشخص ما ويطالبونه بدفع «الخاوة»، وعندما يرفض يهددونه: «سنقتل أحسن واحد في عائلتك». في قرية طوبا الزنغرية هددوا رجلاً بأنهم سيقتلون ابنه الطبيب الشاب، فقرر أن يأخذ سيارة هذا الابن، وقال له: «سأوصلك إلى العمل بنفسي وأعود لآخذك إلى البيت بانتهاء الدوام». ولكن، عندما كان الطبيب في مناوبته في مستشفى صفد، أحضرت سيارة الإسعاف والده مصاباً، ومات بين يديه. لقد نفذوا التهديد وأطلقوا الرصاص على السيارة فمات الوالد. وفي قرية جت قتلوا طبيب أسنان.

وليس القتلى شباباً فقط؛ بل القتلة أيضاً. ويقول محمود نصار: «نحن أيضاً تقع علينا مسؤولية في عدد من حوادث الجريمة. فليس كل شيء يقع على مسؤولية الشرطة؛ لكن استسهال القتل يتم بسبب غياب الشرطة، وبسبب سياسة التمييز الحكومية. هناك دراسة أكاديمية جديدة تشير إلى أن لدينا 57 ألف شاب في سن التعليم الجامعي، لا يعملون ولا يتعلمون. سياسة التهميش والإقصاء للعرب تجعل هؤلاء الشباب بلا أمل في أي نجاح. عصابات الجريمة تعرف ذلك، وتجد سهولة بالغة في استقطابهم. تدفع لهم مالاً وفيراً لكي يقتلوا. تعطيهم سيارة فارهة، وتلبسهم ملابس أشهر الماركات العالمية، وترسلهم لارتكاب الجرائم».

جيوش العصابات

بهذه الطريقة أصبح لكل عصابة جريمة جيش من الشباب الباحثين عن الربح السهل. قسم منهم قُتلوا في هذه الحرب؛ لكن القتل لم يردعهم. وقد بدأت هذه الحالة المريعة تتخذ طابعاً سياسياً في الشهر الجاري. فنحن على عتبة انتخابات بلدية. وعصابات الإجرام تسللت إلى البلديات وبات لها نفوذ بارز، وغدت تتحكم في المناقصات للمشاريع، وتجني من ورائها أرباحاً هائلة. قبل أسبوعين أُطلق الرصاص على بيت المرشح لرئاسة بلدية الناصرة، مصعب دخان. وقبل أيام أُطلق الرصاص على المرشح لرئاسة مجلس محلي كفر ياسيف، الدكتور هلال خوري. وقد حذر خوري: «هناك من يريد تحويل الانتخابات إلى بحر من الدماء».

الحكومة الجديدة

الحكومة السابقة التي ترأسها نفتالي بنيت ويائير لبيد، وضمت في صفوفها «القائمة العربية الموحدة للحركة الإسلامية» برئاسة النائب منصور عباس، وضعت خطة لمكافحة الجريمة، وأقامت لجنة برلمانية برئاسة عباس لهذا الغرض. ووضعت نائب وزير الأمن الداخلي، اللواء السابق في الشرطة، يوآف سكلوفتش، مسؤولاً من الحكومة عن تنفيذ الخطة، ومنحته صلاحيات واسعة للتنسيق بين الوزارات. وقد نجحوا في تخفيض طفيف (16 في المائة) لنسبة الجريمة. لكن وزير الأمن الداخلي في الحكومة الجديدة، إيتمار بن غفير، قرر عدم مواصلة هذه الخطة. وقال إنه يضع خطة أخرى، وإنه سوف يجري أحاديث مفتوحة ومتواصلة مع قادة مِن المجتمع العربي، مع التركيز على أنه «لن يجري أحاديث مع قادة يؤيدون الإرهاب، أو هؤلاء الذين لا يعترفون بكوْن إسرائيل دولة ديمقراطية ويهودية». وكان الرد على هذا الكلام رفض سلطات محلية عربية اللقاء معه.

يدّعي تومر لوطن، الذي كان مديراً عاماً لوزارة الأمن الداخلي في الحكومة السابقة: «عملياً، كل العناصر والعوامل التي اعتمدناها بهدف تخفيض عدد الضحايا جرى إيقافها وإبطالها… هذا يبدو وكأن إنساناً قرّرَ قطع التيار الكهربائي عن المشروع». يقول لوطن: «وضعْنا برنامجاً وطنيّاً لمحاربة الجريمة والعنف في المجتمع العربي، يشمل 4 مركّبات وخطط: الأول: خطة هجومية لزيادة وتقوية حملة جمع الأسلحة، وإدخال عملاء إلى منظمات الجريمة، وتجنيد شُهّاد لصالح الدولة.

والثاني: خطة (المسار الآمن) التي تعني العمل المنسّق لكل مكاتب السلطات الحكومية للقضاء على المخالفين والمجرمين. والثالث: بناء قوّة لهذا، بما فيها زيادة أفراد الشرطة ومراكزها ومقرّاتها وكاميرات التصوير وما شابهها. والرابع يخص مجال القانون، وإصدار قانون لتوسيع صلاحيات التفتيش وقانون شبكات الحراسة. وهكذا كانت تجري الأمور عند سكلوفتش: عندما كنا نقرّر مثلاً الدخول إلى القرية (إكس) كان يوجد لنا فيها أربعون هدفاً أو أقل أو أكثر.

أيضاً سلطة الضريبة كانت ترافقنا، وتسأل ما الذي تفعله؟ وإذا وجد فيها مشروع ملوّث للبيئة، كان يرافقنا أشخاص مِن وزارة البيئة التي تسأل لماذا نهاجم المشروع. ونتيجة لهذا تحولت محاربة الجريمة في الوسط العربي إلى جزء مِن برنامج عمل لعدة جهات، لم تكن في السابق تنشغل بهذا الموضوع. لذا بدأ هنا العمل المشترك يترك دلائله وتأثيراته على الأرقام. كل هذا ألغاه بن غفير، بدعم كامل من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. لا توجد الآن تغطية ودعم مِن قِبَل رئيس الحكومة، ولا يوجد مدير مسؤول عن إدارة المشروع بإمكانه تحريك الأمور أو العكس. توجد أمور جرى إيقافها وإبطالها عن قصد».

لذلك، لا غرابة في أن نرى أن نسبة الجريمة تضاعفت منذ بداية عمل هذه الحكومة في يناير (كانون الثاني). فإذا كانت سنة 2022 كلها قد شهدت مقتل 109 أشخاص، والسنة التي سبقتها 111 شخصاً، فإنها في الأشهر السبعة الأولى من السنة شهدت مقتل 159، وعلى هذه الوتيرة سيتخطى العدد 200 قتيل.

فما الذي سيحرك الحكومة لتغير سياستها؟ يبدو أن السبيل الوحيد الذي سيحركها هو أن تفهم أن الجريمة لن تتوقف عند المجتمع العربي، وستصل حتماً إلى المجتمع اليهودي. وقد بدأت تقترب. ففي هذه السنة ارتفعت نسبة الجريمة هناك أيضاً من 35 في سنة 2022، إلى 48 قتيلاً يهودياً في السنة الجارية. لكن هذا لا يكفي بعد لتحريك الحكومة.

وعصابات الإجرام العربية التي يعمل بعضها بشراكة مع الجريمة المنظمة في المجتمع اليهودي، بدأت توسع نشاطها نحو البلدات اليهودية. عصابة «أبو لطيف» في الجليل تعمل في كل بلدات الشمال العربية واليهودية، وقد امتد نشاطها حتى إلى وزارة الدفاع الإسرائيلية. وقد تم اعتقال عدد من قادتها بتهمة تجنيد موظفين في هذه الوزارة، لترتيب فوزهم بمناقصات لمشاريع تابعة للوزارة.

الجنرال في جيش الاحتياط، يتسحاق بريق، الذي كان عضواً في رئاسة الأركان، يعتبر عصابات الجريمة العربية تهديداً أمنياً استراتيجياً. ويقول، في مقابلة مع الموقع اليميني «ميدا»: «لدينا قيادة سياسية وأمنية تتسم بغباء رهيب. ترك منظمات الإجرام تعمل بحُرية في المجتمع العربي هو جريمة بحد ذاته. فهذه المنظمات ستكون منبعاً للإرهاب. هناك تقديرات تقول إن بين أيدي العرب في إسرائيل توجد اليوم 400 ألف قطعة سلاح.

في الحرب على غزة التي قمنا بها في شهر مايو (أيار) 2021، شهدنا مظاهرات عنيفة من العرب تضامناً مع غزة، وخلالها تم استخدام السلاح في عدة مواقع، مثل اللد والرملة ويافا وعكا، وتم قتل يهود. في الحرب القادمة سوف تتسع هذه الظاهرة أكثر. سيتحول العرب في إسرائيل إلى جبهة حربية مسلحة، إلى جانب (حزب الله) في لبنان و(حماس) و(الجهاد الإسلامي) وتنظيم حركة (فتح) في الضفة الغربية وقطاع غزة».وموشيه يعلون الذي كان رئيساً لأركان الجيش ووزيراً للدفاع، قال في تصريحات للتلفزيون الرسمي «القناة 11»: «يؤسفني أن أقول إن ما يجري اليوم هو أن الحكومة تؤمن بضرورة التخلص من العرب الجيدين، والإبقاء على عرب يصلحون للعمل حطابين وسقاة ماء. لذلك فإن محاربة الجريمة في صفوفهم تتناقض مع مخططاتها».

محمد عمر حجيرات متحدثاً عن طفله عمار الذي قُتل برصاص الجريمة (الشرق الأوسط)

قلتُ له: قم يا عمار

> قبلَ 5 سنوات، عندما جرى انتخاب خالد حجيرات رئيساً للمجلس المحلي لقرية بير المكسور في الجليل الأسفل، كان عنده حُلم مُتواضع أصر على تحقيقه: إقامة حديقة ألعاب لأطفال القرية: «عندما بدأت في ممارسة مهامي، قلت إنني أريد إعطاء الجواب للمواطنين حتى لا يذهبوا لحدائق كريات آتا أو كريات بيالك. أردت أن يكون للأولاد مكان للعب في بير المكسور قريباً مِن بيوتهم».

أعد حجيرات ميزانية للمشروع، وأرسل «تراكتور» لتسوية الأرض وفرشها بعشب اصطناعي، وأحاطها بسياج ووضع عليها ألعاباً للرياضة، كما هي الحال في الحدائق اليهودية.

لم يكن بإمكان حجيرات أن يتخيل أن مكان الألعاب هذا سيتحول إلى كابوس مروّع. قبل 3 سنوات، وصلَ الطفل ابن السنوات الأربع، عمار حجيرات، بصحبة خالته للّعب هنا. ويروي والده محمد، بصوت مُصدّع ومثلوم: «اشتريتُ له دراجة، وكان طوال الوقت يركب عليها في طريقه إلى هناك. لكن، في اللحظة نفسها وصل إلى المكان مواطن مِن الناصرة عمره 24 عاماً، هو ابن لعائلة مقاولي بناء. وكان مُسلّحاً ببارودة (إم- 16). بدأ في إطلاق زخّات مِن الرصاص على سيارة شحن كانت تقف في شارع قريب، يملكها مقاول توجد له خلافات معه. جرى إطلاق 55 رصاصة باتجاه سيارة الشحن في ضوء النهار وفي حي سكني. شقّت إحدى الرّصاصات رقبة الولد ابن الأربع سنوات».

في اليوم الذي قُتِل فيه، تسلّم محمد حجيرات فيلماً قصيراً يظهر فيه ابنه عمار وهو يلعب على مشّاية في تلك الحديقة. هذا ما يذكره حجيرات: «كان يضحك ويقول لي: يا بابا، أنا أحبك». بعد مرور نصف ساعة، مات.

محمد حجيرات هو المؤذن في مسجد القرية. كان وزوجته ينتظران ولادة عمار بعد ولادة 4 بنات. يقول حجيرات: «يوجد في بيتنا شباك باتجاه الشارع. رأيتُ فجأة مِن خلال هذا الشباك سيارة «جيب» قريبة العائلة وهي تسير بسرعة وتقف عند باب البيت. خرج أولاد مِن السيارة. عندما نظرتُ إلى وجوههم عرفتُ أن شيئاً ما قد حدث. قال لي أحدهم رأساً ووجهاً: (عمار مات). لن أنسى أبداً هذه اللحظة». يقول هذا وينفجر ببكاء مُرّ يمزّق القلب.

ويواصل: «ذهبنا إلى الحديقة ورأينا دم عمار. سافرتُ مِن هناك إلى مستشفى (رَمْبَم) في حيفا. صادفنا اختناقات سير. قلتُ لذاتي: (لن يحدث أي شيء، أنا أحبه). عندما دخلت إلى غرفته رأيت الأطباء يبكون.قلتُ لهم: لماذا تبكون؟ وضع أحدهم يده على كتفي، وقال لي بالعربية: (الله يعطيك عماراً آخر). عندها رأيتُ عماراً نائماً هناك. أحد الأطباء وضع يده على رقبته حتى لا أرى المقطع الذي هناك. عندها أخذت أمرّر أصابعي عليه وأقول له: (قُم يا عمار)… من يومها وأنا لا أحب الحياة».

نظير مجلي

المصدر: صحيف ةالشرق الأوسط




انقلاب عسكري في الغابون عقب إعلان فوز بونغو بولاية ثالثة

ضباط بالجيش أعلنوا الاستيلاء على السلطة وإلغاء نتيجة الانتخابات وحل المؤسسات

أعلنت مجموعة تضم نحو 12 من عناصر الجيش والشرطة في الغابون الأربعاء في بيان تلي عبر محطة «غابون 24» التلفزيونية من مقر الرئاسة، إلغاء نتائج الانتخابات وحل «كل مؤسسات الجمهورية» و«إنهاء النظام القائم»، وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية.

javascript:false

وأعلن العسكريون الذين أكدوا أنهم يتحدثون باسم «لجنة المرحلة الانتقالية وإعادة المؤسسات»، أنهم «بسبب حوكمة غير مسؤولة تتمثل بتدهور متواصل للحمة الاجتماعية ما قد يدفع بالبلاد إلى الفوضى (..) قررنا الدفاع عن السلام من خلال إنهاء النظام القائم».

وأوضح هؤلاء «لهذه الغاية، ألغيت الانتخابات العامة التي جرت في 26 أغسطس (آب) 2023 فضلا عن نتائجها».

وأضاف البيان «حلت كل المؤسسات، الحكومة ومجلس الشيوخ والجمعية الوطنية والمحكمة الدستورية. ندعو المواطنين إلى الهدوء ونجدد تمسكنا باحترام التزامات الغابون حيال الأسرة الدولية» مؤكدأ إغلاق حدود لبلاد «حتى إشعار آخر».

ومن بين هؤلاء العسكريين عناصر من الحرس الجمهوري المنوط حماية الرئاسة فضلا عن جنود من الجيش وعناصر من الشرطة. وتلي البيان عبر تلفزيون الغابون الرسمي أيضا.

وجاء الاعلان بعيد نشر النتائج الرسمية للانتخابات الرئاسية التي جرت السبت وأظهرت إعادة انتخاب الرئيس علي بونغو أوديمبا الذي يحكم البلاد منذ 14 عاما، لولاية ثالثة بحصوله على 64,27 % من الأصوات.

وتفوق بونغو في انتخابات جرت بدورة واحدة على منافسه الرئيسي البير أوندو أوسا الذي حصل على 30,77 % فيما حصل 12 مرشحا آخر على ما تبقى من أصوات على ما أوضح ستيفان بوندا رئيس المركز الغابوني للانتخابات عبر التلفزيون الرسمي. وبلغت نسبة المشاركة 56,65 %.

وكان أوسا تحدث عن «عمليات تزوير أدارها معسكر بونغو» قبل ساعتين من إغلاق مراكز الاقتراع السبت وأكد فوزه بالانتخابات. وناشد معسكره بونغو الاثنين «لتنظيم تسليم السلطة من دون إراقة دماء» استنادا إلى فرز للأصوات أجراه مدققوه ومن دون أن ينشر أي وثيقة تثبت ذلك.

وأثار غياب المراقبين الدوليين وتعليق بث بعض وسائل الإعلام الأجنبية وقرار السلطات قطع خدمة الإنترنت وفرض حظر ليلي للتجوال في جميع أنحاء البلاد بعد الانتخابات مخاوف بشأن شفافية العملية الانتخابية.

وسعى بونغو من خلال هذه الانتخابات إلى تمديد هيمنة عائلته المستمرة منذ 56 عاما على السلطة بينما دفعت المعارضة باتجاه التغيير في الدولة الغنية بالنفط في وسط أفريقيا، والفقيرة رغم ذلك.

ولم يصدر حتى الآن تعليق من حكومة الدولة العضو في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك). ولم ترد تقارير بعد عن مكان بونغو الذي كان آخر مرة ظهر فيها علنا عندما أدلى بصوته في الانتخابات يوم السبت.

وإذا نجح هذا الانقلاب فإنه سيكون الثامن في غرب ووسط أفريقيا منذ 2020. وأدت انقلابات في مالي وغينيا وبوركينا فاسو وتشاد والنيجر إلى تقويض التقدم الديمقراطي في المنطقة في السنوات القليلة الماضية.

وفي الشهر الماضي، استولى الجيش على السلطة في النيجر مما أثار موجات من الصدمة في أنحاء منطقة الساحل واجتذب قوى عالمية صارت مصالحها الاستراتيجية على المحك.

وأحبطت الغابون انقلابا عسكريا في يناير (كانون الثاني) 2019 بعد أن استولى جنود لفترة وجيزة على محطة إذاعية وبثوا رسالة مفادها أن بونغو الذي عانى من جلطة قبلها بأشهر لم يعد صالحا للمنصب.لكن تم تدارك الموقف بعد ساعات بعد مقتل اثنين ممن يشتبه في تدبيرهم الانقلاب واعتقال آخرين.

وتولى علي بونجو (64 عاما) الرئاسة خلفا لوالده عمر بونجو في 2009. وخاض السباق الرئاسي الأحدث ضد 18 مرشحا دعم ستة منهم أوندو أوسا في محاولة لتقليص الفارق.

الرئيس الغابوني علي بونغو يؤدي اليمين الدستورية بعد انتخابه رئيسا عام 2009 (أ.ف.ب)

وقالت الحكومة من قبل إن قطع خدمة الإنترنت وفرض حظر التجول ضروريان لمنع انتشار الأخبار الزائفة وحماية الأمن العام.

وفي 2016، تم إضرام النيران في مبنى البرلمان عندما نشبت احتجاجات عنيفة في الشوارع على إعادة انتخاب بونغو لولاية ثانية في خطوة أثارت الجدل والنزاع وقتها أيضا وقطعت الحكومة حينئذ خدمات الإنترنت لعدة أيام.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




سوريون يتألمون من «جرح لا يلتئم»

بدأ أعضاء من «المؤسسة المستقلة لجلاء مصير المفقودين في سوريا» التابعة للأمم المتحدة إجراء اتصالات عبر خدمة «زوم» (zoom) مع أهالي مفقودين يتحدرون من مدينة الرقة في شمال سوريا، إيذاناً ببداية عملها بعد تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً، نهاية شهر يوليو (تموز) الفائت، بإنشاء مؤسسة دولية توضّح مصير المفقودين السوريين الذين تقدّر منظمات غير حكومية عددهم بأكثر من 100 ألف شخص منذ اندلاع الحرب عام 2011.

وتطال الاتهامات مجموعات كثيرة من فصائل المعارضة والتنظيمات الإرهابية.

ويصادف 30 من شهر أغسطس من كل عام اليوم الدولي «لضحايا الاختفاء القسري». ويقول المدير التنفيذي لـ«المركز السوري للعدالة والمساءلة»، محمد العبد الله، إن حصر أعداد الذين خطفهم تنظيم «داعش» في سوريا صعب للغاية، مشيراً إلى أن «عدد السوريين المغيّبين على أيدي التنظيم يقدّر بين 8000 شخص إلى 10 آلاف». وحسب تقديرات أهلية ومن مصادر محلية، يوجد أكثر من 800 حالة اختفاء لأشخاص من مدينة الرقة وحدها.

ومن بين الأهالي الذين اتصل بهم أعضاء من «مؤسسة جلاء المفقودين» الناشط المعارض خلف الغازي الذي خطف عناصر «داعش» ابنه الوحيد عيسى قبل 9 سنوات، وتحديداً في 15 أبريل (نيسان) 2014، وهو تاريخٌ بقي محفوراً في ذاكرة الغازي المتحدر من مدينة الرقة. ففي مثل هذا اليوم قبل 9 سنوات طرق عناصر تنظيم «داعش» باب منزله في ساعة متقدمة ليلاً وأخذوا ابنه عيسى، وهو شاب في ربيع عمره (من مواليد 1997) والابن الوحيد لخلف. ورغم صغر سنّه، كان عيسى ينشط في المجال الإغاثي، وفي تلك السنة كان طالباً في مرحلة البكالوريا بفرعها العلمي، وينوي السفر إلى محافظة الحسكة المجاورة لتقديم الامتحانات بعد خروج الرقة عن سيطرة القوات النظامية في شهر مارس (آذار) 2013.

يقول الغازي في بداية حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أفقته من النوم وقلت له إن عناصر التنظيم بالباب يسألون عنك. نزل على الدرج مثل النمر دون خوف أو تردد وسألهم: ماذا تريدون…؟ هنا تدخلت وقلت: سآتي معكم لمرافقة ابني وإعادته للمنزل، لكنهم رفضوا وقالوا: إن استجوابه عبارة عن سؤالين وسنعيده لك بعدها». وأشار الغازي إلى أن عناصر التنظيم كانوا مقنعين وتحدثوا بلكنة أهالي الرقة، ولكن مرت ساعات دون عودة عيسى. وتابع الأب: «بقينا على أعصابنا، وبعد شروق الشمس ذهبت إلى قصر المحافظة سألت عن ولدي ليقولون إنه ليس هنا ولا يعلمون شيئاً عنه».

وعلى الرغم من القضاء على السيطرة العسكرية والجغرافية لـ«داعش» في شهر مارس 2019 شرقيّ الفرات، فإن مصير الآلاف ممن اختطفهم التنظيم لا يزال مجهولاً. وتعيش عائلات المفقودين ومن بينها عائلة الغازي في دوامة من القلق والشكوك، دون وجود أي أدلة على موته أو بقائه حيّاً.

وبعد مرور أيام من تغييب عيسى ساورت الشكوك قلب الأب ليبدأ مهمة البحث. قصدَ بدايةً النقطة 11، وكانت آنذاك من بين أكبر المحتجزات السرية التابعة للتنظيم، إبان سيطرته على مدينة الرقة، دون وجود أي أثر لابنه هناك. فذهب بعدها إلى مكتب شؤون العشائر وكان يرأسه توبات البريش، وهو شخص معروف لدى أهالي الرقة يعمل لدى التنظيم، فوعد بأن يُجري كل اتصالاته ومحاولاته لتحديد مكان عيسى ومعرفة مصيره.

وتابع الأب المكلوم حديثه ليقول: «بالفعل، تمكنّا أخيراً من معرفة مصيره وقد أودع بالسجن دون معرفة التهم الموجه له». وبعد أسبوع من تاريخ احتجازه، أرسل عيسى أول رسالة بخط يده لوالده من داخل سجنه يقول فيها إن وضعه جيد والشيخ المسؤول عنه مصري الجنسية. وفي الأسبوع الثاني، أرسل رسالة ثانية يطلب بعض الألبسة التي يسمح بإدخالها للسجن، منوهاً: «كرر فيها كيف يفكّر كثيراً بالفحوصات لاقتراب موعدها وطلب مني لقاء شخصيات في التنظيم للإفراج عنه».

آلاف الأشخاص فُقدوا خلال فترة حكم التنظيم

وبعد مرور عام كامل من اختفاء عيسى تعرّف والده على طبيب أردني الجنسية كان يعمل في أحد مشافي التنظيم. كشف هذا الطبيب للغازي كيف خُدع على يد شبكات التنظيم بترك أهله ومنصبه الأكاديمي بوهم العيش في كنف «الخلافة» المزعومة. وبعد معرفة قصة عيسى من والده قرر المساعدة. يقول الغازي: «بالفعل، في اليوم التالي جاء لمنزلي وقال إن ابني يلبس نظارة طبية وذكر مواصفاته التي كانت مطابقة تماماً وأيقنت من (صحة) كلامه»، مشيراً إلى أنه تبلغ أنه محتجز مع الأب باولو دالوليو و50 ناشطاً سورياً في سجن سري للغاية ويطلق عليهم «مجموعة الأب باولو». والأب باولو كاهن يسوعي إيطالي معروف قضى نصف عمره في سوريا يخدم كنائسها الأثرية القديمة بريف العاصمة دمشق، وبعد اندلاع حركة الاحتجاجات المناهضة لنظام الحكم وظهور تنظيم «داعش» واختطافه عشرات النشطاء السوريين الذين كانوا يقودون التظاهرات السلمية، وصل هذا الكاهن إلى مدينة الرقة في أواخر شهر يوليو 2013، وفي 29 من الشهر نفسه، دخل قصر المحافظة ظناً منه أنه سيتفاوض مع قادة التنظيم لإطلاق سراح النشطاء المحتجزين. ومنذ ذلك التاريخ وهو في عداد المختفين دون معرفة شيء عنه.

مدينة الرقة شمال سوريا… معقل سابق لتنظيم «داعش»… (الشرق الأوسط)

بقي الغازي يبحث عن ولده عيسى حتى انتهاء معركة الباغوز عام 2019، مشيراً إلى أنه ما زال يتمسك بالأمل. قال: «بعد كلام الطبيب الأردني تجدد عندي الأمل، وبعد انتهاء معركة الباغوز عاد الأمل من جديد». وأضاف أنه بعد تشكيل «لجنة لاستجلاء المفقودين بسوريا» تابعة ولايتها للأمم المتحدة، «تجدد الأمل. إذا فقدت الأمل سأفقد ابني». وارتسمت علامات الحزن على وجهه ليقول: «ننتظر أنا ووالدته أن يطرق عيسى باب منزلنا ويقول ها أنا عدت يا أبي، نشعر دوماً بأن روحه تحوم حولنا ولم تفارقنا ولا لحظة».

هنا توقف خلف الغازي عن الكلام واغرورقت عيناه بالدموع وهو ينظر إلى والدة عيسى التي أجهشت بالبكاء وهما يراقبان فناء المنزل وطرقة الباب التي طال انتظارها.

التنظيم متهم بتغييب أكثر من 8 آلاف سوري

يقول المحامي والمدير التنفيذي لـ«المركز السوري للعدالة والمساءلة» محمد العبد الله إن عملية حصر الأعداد التي خطفها عناصر «داعش» صعبة للغاية. ويضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «خلال سنوات حكم (داعش) في سوريا، يتراوح عدد السوريين المغيبين بين 8000 شخص و10 آلاف، في شمال شرقي سوريا وحدها».

و«المركز» مؤسسة سورية مستقلة بدأت عملها في ملف مغيّبي «داعش» سنة 2019، عملت بدايةً مع «فريق الاستجابة الأولية» التابع لـ«مجلس الرقة المدني»، ثم لاحقاً عملت على دعم تشكيل «فريق شؤون المفقودين والطب الشرعي السوري في الرقة»، حسب العبد الله الذي يقول: «أجرينا أكثر من 400 مقابلة موثقة مع ناجين أو ذويهم كانوا أو لا يزالون مفقودين لدى التنظيم».

وعن قرار الأمم المتحدة إنشاء مؤسسة مستقلة خاصة باستجلاء مصير المفقودين في سوريا، والعمل على الكشف عن أماكن وجودهم وتقديم الدعم للضحايا وعائلاتهم، رحب الحقوقي السوري بهذا القرار ووصفه بالتاريخي، وعلّق قائلاً: «القرار بحد ذاته نقلة نوعية لحل هذا الملف المعقد والشائك، لكن السؤال الأهم: هل ستدخل هذه اللجنة إلى الداخل السوري عن طريق الحكومة السورية وبموافقتها؟»، لافتاً إلى أن عمل أعضاء اللجنة لن يُجدي نفعاً إذا بقيت تعمل من الخارج وتكتفي بسماع شهادات الأهالي ورفع تقارير دورية، «المطلوب إجراء زيارات ميدانية إلى هذه المناطق والكشف عن الحقائق على أرض الواقع».

أم سورية من الرقة تبحث عن ابنها الذي خطفه عناصر التنظيم قبل سنوات… ولم يتبق سوى مجموعة صور على هاتفها الجوال (الشرق الأوسط)

تروي محاسن، وهذا اسم مستعار لفتاة متحدرة من الرقة (30 سنة)، لـ«الشرق الأوسط» قصة أختها عبير (مواليد الرقة عام 1994) التي كانت تعمل في مقهى إنترنت تدير فيه القسم الخاص بالنساء، وهي كانت تعمل في محل مجاور يبعد عنها نحو 500 متر فقط. ومن بين الشروط التي فرضها التنظيم آنذاك على مالكي مقاهي الإنترنت أن تكون مديرة القسم النسائي إما زوجة صاحب القسم الرجالي وإما أخته وإما والدته منعاً للاختلاط بين الرجال والنساء. وذكرت محاسن أن أختها ادّعت أنها زوجة صاحب المقهى، دون وجود هذه الصلة.

وفي 16 من شهر ديسمبر (كانون الأول) 2017 وعند تمام الساعة 3 عصراً، جاءت دورية لجهاز الحسبة (جهاز أمني تابع للتنظيم) إلى المقهى وألقت القبض على صاحب الإنترنت وعبير، أمام ناظري محاسن التي أوضحت: «سألوا من يدير القسم النسائي؟ أجابهم صاحب المقهى إنها شقيقته، أما عبير فقالت إنها زوجته. تضاربتْ الروايتان، وشكّت الدورية في الأمر واعتقلتهم وأغلقوا المقهى».

وقتذاك ذهبت محاسن مسرعةً إلى أهلها لإخبارهم بالأمر، وراجع إخوتها قسم التحقيق في «جهاز الحسبة» لمعرفة أسباب توقيف عبير، وكان جوابهم أنها كذبت عليهم وستعاقَب على فعلتها. بعدها داهمت «الحسبة» منزل شقيق صاحب مقهى الإنترنت وألقت القبض عليه وعلى زوجته بتهمة تسلم مبالغ مالية كبيرة والتعامل مع قوات التحالف الدولي و«قوات سوريا الديمقراطية».

بعدها راجع أهل محاسن أحد المقرات السرية الخاصة بسجون التنظيم لتوثيق حالة الاعتقال ومعرفة مصيرها، ليجيبها المكتب بأن عبير أُعدمت مع 7 فتيات قادمات من مدينة الحسكة بتهمة تزويد قوات التحالف بإحداثيات مقرات التنظيم. وتضيف محاسن: «عادةً إذا نفَّذ التنظيم الإعدام الميداني بمتهم يقومون بتسليم حاجياته الشخصية، وأختي كان لديها هاتف وأساور ذهب. عندما طلبنا أغراضها الشخصية قالوا إنها مصادَرة كونها مرتدّة وكانت تتعامل مع التحالف».

وسط مدينة الرقة التي كانت شاهدة على كثير من الفظاعات التي ارتكبها «داعش»… (الشرق الأوسط)

غير أن محاسن وأهلها شكّوا برواية التنظيم وبعد مرور 20 يوماً اتصلت فتاة على الرقم الأرضي لمنزلهم وقالت إن عبير على قيد الحياة، وقد أُودعت السجن وتريد ملابس صيفية وحاجات شخصية. قالت محاسن: «قصدنا نفس المكتب السري الخاص بالسجون وسلّمنا هذه الأغراض لهم». وبعد مرور شهر، اتصلت عبير عبر الهاتف الأرضي وطلبت مكالمة والدتها وكانت مدة المكالمة قصيرة جداً. وحسب محاسن: «قالت (عبير) إنها بخير. سألتها والدتي عن مكانها وهل ستعود قريباً، فقالت: يمكن أن تعود ويمكن ألا تعود نهائياً… وطلبت بعض الحاجات الشخصية».

وبعد مرور عامين، وفي شهر سبتمبر (أيلول) 2019، اتصل شخص كان مقيماً في تركيا بعائلة محاسن وتربطه بها علاقة قرابة، قائلاً إنه تعرّف عن طريق الصدفة على مسؤول أمني بارز كان يعمل في صفوف التنظيم قبل انشقاقه، وكان يشغل مدير سجن في التنظيم بريف دير الزور. قال لهم، حسب محاسن، «إنه شاهد سجينة مواصفاتها كمواصفات (عبير) واعتُقلت من محل كافيه إنترنت لأنها كذبت. والمواصفات التي ذكرها هي نفسها لأختي. طلب قريبي معرفة المزيد، لكنه (المنشق عن داعش) رفض وسافر إلى ألمانيا». ومنذ ذلك التاريخ تنتظر محاسن وبقية أهلها معرفة مصير أختهم عبير التي مضى على اختفائها 6 سنوات، دون معرفة ما إذا كانت على قيد الحياة أو ماتت.

كمال شيخو

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط