1

انبعاثات الوقود الأحفوري.. ثروة مهدرة قد تنقذ الإنسانیة

يحثّنا العلماء والمنظمات ذات الصلة على الحدّ من انبعاثات غازات الدفيئة، خاصة تلك الناتجة عن الوقود الأحفوري، والتكيف مع التغيرات التي تحدث بالفعل إذا أردنا منع أسوأ آثار التغير المناخي، وما يتبعه من معاناة بشرية، والحدّ من التنوع البيولوجي، وعلى البيئة البحرية والمحيطات، وكذلك على التنمية الإنسانية بمفهومها الشامل.

هذا يعني أن السبب الرئيس للاحتباس الحراري الحالي هو استعمالات الوقود الأحفوري، مثل النفط والغاز والفحم، فعندما يُحرق الوقود الأحفوري، يُطلَق ثاني أكسيد الكربون وغازات الدفيئة الأخرى في الهواء، والتي تحبس الحرارة من مغادرة الأرض إلى الفضاء الخارجي، وهو ما يُعرف باسم تأثير الاحتباس الحراري.

والاحتباس الحراري، كما يعلم الكثير منّا، أمر ضروري للحياة على الأرض، لكن زيادته تسبّب ارتفاع حرارة الكوكب بسرعة أكبر مما كانت عليه قبل الثورة الصناعية، وهذا ما يُعرَف باسم تأثير الاحتباس الحراري المُعزز، وهو السبب الرئيس للتغيّر المناخي.

تشمل الأنشطة البشرية التي تسبب التغير المناخي الصناعة والزراعة والنقل وإزالة الغابات لأغراض التنمية، هذه الأنشطة تطلق -أيضًا- غازات دفيئة، وتقلل من قدرة الغلاف الجوي على امتصاصها، لكنها مصدر التنمية البشرية وتقدّمها المعاصر، ومن خلالها استطاعت الدول الصناعية أن تصل إلى ما وصلت إليه من تقدّم علمي ومعرفي، وبوساطتها وصل العالم إلى هذا التقدم العمراني والتكنولوجي.

معضلة محيرة

اليوم، يواجه العالم معضلة محيّرة بين الحاجة إلى استمرار النمو الاقتصادي والتكنولوجيا المصاحبة له، وبين تجنّب اضطرابات المناخ والكوارث الطبيعية المتوقعة.

وتبحث جميع حكومات العالم عن حلول ممكنة، وكل حكومة أو تكتّل اقتصادي أو مجموعة من الحكومات لديها جدول أعمال تجده أكثر ملاءمة من غيره، حتى البروتوكولات والاتفاقات العالمية المعنية بالمناخ أعطت الحكومات حق تحديد مشاركتها في تخفيض الانبعاثات الخاصة بها (وفق المساهمات المحددة وطنيًا NDCs في اتفاق باريس للمناخ).

انقسم العالم هنا إلى فريقين أساسيين، الأول فريق يؤمن بأن الطاقة المتجددة تستطيع استبدال الوقود الأحفوري بحلول منتصف القرن، وآخر يخالف هذا التوجّه، ويرى أن الوصول إلى الحياد الكربون في منتصف القرن يُعدّ أمرًا مستحيلًا، وأن المدة الزمنية قصيرة جدًا بأن يتمكن العالم خلالها من توفير البديل المناسب الذي لا يؤثّر سلبًا في الأرض، ولا يعوق التنمية البشرية عليها، وكذلك لا يعرقل دور الغلاف الجوي في منع مرور الأشعة فوق البنفسجية الضارة بالكائنات الحية على سطح كوكب الأرض .

ويتمسك المعارضون لفكرة الالتزام بهذه المدة القصيرة، لأن هناك أكثر من 6.5 مليار نسمة من سكان الأرض يقيمون في دول تحتاج إلى المزيد من الطاقة، بل أن جزءًا كبيرًا منهم يعيش في أوضاع تتطلب المزيد من التنمية، وهذا الجزء يعادل أكثر من 5 أضعاف دول العالم الصناعي التي بدأت تطوير مواردها من خلال الوقود الأحفوري والعمل على بناء بنيتها التحتية خلال الـ5 عقود الماضية فقط.

كما أن هناك أكثر من 700 مليون نسمة يعانون أوضاعًا معيشية سيئة، ولا بد من العمل على تحسين أوضاعهم.
ولا بد هنا من الإشارة إلى أن هناك فريقًا ثالثًا آمَن بأن المناخ وتداعياته السلبية يمثّل تحديًا وجوديًا، وبدأ بقيادة الجهود لإيجاد حلول بديلة للنفط والغاز، على الرغم من كونهم دولًا تعتمد على الوقود الأحفوري في التنمية، ومنها دولة الإمارات العربية المتحدة، إحدى الدول النفطية المهمة في المنطقة.

حصة ضئيلة من الطاقة المتجددة

تُظهر البيانات المعلنة من قبل الوكالة الدولية للطاقة المتجددة آيرينا (IRENA) ووكالة الطاقة الدولية (IEA) أن حصة الطاقة الجديدة والمتجددة، خلال العقد الماضي، لم تتجاوز 3% من الاستهلاك العالمي للطاقة، في حين إن الاستهلاك العالمي للطاقة زاد بنسبة تجاوزت 18% خلال المدة الزمنية نفسها (2010-2020).

من ناحية أخرى، نجد أن تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي نتيجة حرق هيدروكربونات الوقود الأحفوري، مثل الفحم والنفط والغاز -أيضًا- قد سجل ارتفاعًا ينذر بالخطر، إذ ارتفع التركيز خلال العقد الماضي من 389 جزء في المليون في عام 2010 إلى 417 جزء في المليون عام 2021 (كما هو موضح في الجدول)، وهو يسير بتزايد مستمر، إذ تجاوز التركيز 421 جزءًا في المليون خلال هذا العام.

الجدول التالي يوضح حصة الطاقة المتجددة من الاستهلاك العالمي:

 حصة الطاقة المتجددة من الاستهلاك العالمي

وكما هو معلوم، أن تركيز الكربون هو المقياس المُعتَمَد لمعرفة شدة الاحتباس الحراري، وأن هذا المقياس لا يقيس فقط تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، بل يقيس تركيز كل غازات الدفيئة بعد تحويل شدّتها إلى مكافئ ثاني أكسيد الكربون.

وعلى الرغم من شيوع غاز ثاني الكربون بصفته غازًا حابسًا للحرارة، فإن غازات الدفيئة الأخرى، مثل غاز الميثان وغاز أكسيد النيتروس، تتجاوز شدتها بعشرات الأضعاف، بل أكثر من ذلك، في حبس الحرارة عن غاز ثاني أكسيد الكربون.
غاز الميثان -على سبيل المثال- له القدرة في المدى القصير (20 عامًا) أن يكون أكثر ضررًا من غاز ثاني أكسيد الكربون بـ 80 ضعفًا.

استعمالات ثاني أكسيد الكربون

على الرغم من التأثيرات السلبية لغاز ثاني أكسيد الكربون، فإن هناك العديد من الطرق الممكنة لاستعمال ثاني أكسيد الكربون لإنشاء منتجات أو خدمات ذات قيمة، ويمكن الاستفادة منها، وتُسمى هذه الاستعمالات المفيدة لغاز ثاني أكسيد الكربون أو التقاط ثاني أكسيد الكربون واستعماله.

يمكننا هنا سرد بعض الأمثلة لهذه الاستعمالات الإيجابية:

  • وقود كربوني محايد: وهي عملية يعمل بها ثاني أكسيد الكربون المحتجز من الغلاف الجوي أو أيّ مصدر آخر بصفته مصدرًا رئيسًا للهيدروكربونات.
  • توليف مركبات كيميائية: عملية يُحَوَّل فيها ثاني أكسيد الكربون إلى مجموعة واسعة من المنتجات، مثل البوليمرات والبلاستيك والأسمدة والأدوية.
  • مواد بناء: يمكن استعمال ثاني أكسيد الكربون لإنتاج مواد مثل الأسمنت والركام والخرسانة والطوب.
  • الزراعة: يمكن استعمال ثاني أكسيد الكربون لزيادة إنتاج العمليات البيولوجية أو إنتاج علف حیواني.
  • الماس: شکل من أشکال الكربون، وصناعة الماس الطبیعي ممکنة -أيضًا- بخلق بيئة مماثلة لتلك التي من خلالها يتكون الماس الطبيعي بدرجات حرارة عالية وضغط مرتفع.

هناك خيارات وطرق أخرى کثيرة لها جاهزية تکنولوجية وقابلية اقتصادية، ومع ذلك، هناك أيضًا عوائق وتحديات لا بد من التغلب عليها لجعل ثاني أکسيد الكربون المهمل مفيدًا للإنسانية ومتطلباتها.

* الدكتور عبدالله بلحيف النعيمي وزير التغير المناخي والبيئة الإماراتي السابق.




شركة شل العالمية أكبر مستورد للغاز المسال العماني

ستكون شركة شل العالمية أكبر مستورد للغاز المسال العماني خلال السنوات القليلة المقبلة، بعد التوقيع رسميًا على اتفاقية البنود الملزمة لصفقة ضخمة.

وفي هذا الإطار، أعلنت الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال توقيع اتفاقيات البنود الملزمة بهدف إنتاج وتسليم ما يصل إلى 0.8 مليون طن متري من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لشركة شل العالمية للتجارة في الشرق الأوسط، و0.75 مليون طن متري من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لشركة أوكيو للمتاجرة.

تهدف اتفاقيات تشويق الغاز المسال العماني، وفق بيان حصلت منصة الطاقة على نسخة منه، إلى تعزيز تطلّع الشركة الدائم نحو تطوير مجالات الشراكة والتعاون مع غيرها من الشركات العاملة بمجال الطاقة.

تفاصيل الصفقات الجديدة

بموجب الخطوة، ستقوم الشركة العمانية للغاز المسال بتزويد شركة شل العالمية للتجارة في الشرق الأوسط بإجمالي 0.8 مليون طن متري سنويًا من الغاز الطبيعي المسال على مدى 10 سنوات، بدءًا من عام 2025.

كما ستقوم الشركة بتزويد شركة أوكيو للمتاجرة بنحو 0.75 مليون طن متري سنويًا من الغاز الطبيعي المسال، وفق عقد تصل مدّته إلى 4 سنوات، بدءًا من عام 2026.

وتعدّ الاتفاقيات إنجازًا مهمًا يضاف إلى سجلّ الشركة الحافل، إذ وصل إجمالي حجم الإنتاج والتوريد بموجب كل الاتفاقيات التي وقّعتها الشركة مؤخرًا إلى 10.4 مليون طن متري سنويًا، وإجمالي 80 طن متري على مدار 10 سنوات.

وتسهم الخطوة بدورها في تحقيق أهداف الشركة لتجديد عقودها لمرحلة ما بعد عام 2024، خلال أقلّ من عامٍ واحد منذ انطلاق الخطة الإستراتيجية لهذه المرحلة.

كما يأتي توقيع الاتفاقية خطوةً مكملة للاتفاقية التي وقّعتها الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال في مطلع العام مع شركة شل العالمية للتجارة في الشرق الأوسط، وبهذا تغدو شل أكبر مستورد للغاز المسال من الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال.

وتسهم الاتفاقية أيضًا في فتح آفاقٍ جديدة للتعاون الإستراتيجي بين الشركة العمانية للغاز المسال وشركة أوكيو للمتاجرة، والتي تعدّ واحدة من أبرز الشركات العاملة بقطاع النفط والغاز في سلطنة عمان.

أسواق الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال

جاء توقيع الاتفاقيات تحت رعاية وزير الطاقة والمعادن سالم بن ناصر العوفي، إذ وقّع الاتفاقية الرئيس التنفيذي للشركة العمانية للغاز المسال، حمد بن محمد النعماني، ورئيس مجلس إدارة شركة شل عُمان، وليد هادي، والرئيس التنفيذي لشركة أوكيو للمتاجرة، وائل الجمالي.

قال النعماني: “يأتي توقيع الاتفاقيات في إطار جهود الشركة الدائمة لترسيخ مكانتها، إذ لا يقتصر دور هذه الاتفاقيات على تعزيز فرص النمو والاستفادة من الفرص الاقتصادية فحسب، بل يتعدى ذلك ليشمل دعم الاقتصاد الوطني وتنمية الشراكات الاستراتيجية مع شتى الشركات العالمية”.

وأضاف: “كما تسهم الخطوة في تنمية الإستراتيجية التسويقية والتي أدت دورًا مهمًا في الحفاظ على مكانة الشركة التجارية، بالرغم من الظروف الجغرافية والسياسية وتحديات ما بعد الجائحة”.

وتأتي الاتفاقية لتعزز السمعة التجارية التي حققتها الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال، والصورة الإيجابية التي رسمتها منذ إنشائها بصفتها مصدرًا معتمدًا وموثوقًا للغاز المسال في السوق العالمية، إلى جانب الإدارة الفعّالة لعمليات الشركة المتمثلة في إنتاج مصدر نظيف للطاقة، وتسويقه وتوصيله بطريقة آمنة، وموثوق بها لكلّ العملاء في أنحاء العالم.

الطاقة في سلطنة عمان

من جانبه، قال رئيس مجلس إدارة شل:” تفخر الشركة بكونها من ضمن أصحاب الشأن، واستشاريّة للشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال منذ انطلاقها”.

وأضاف أن “توقيع اتفاقية البنود الملزمة يؤكد سعينا المشترك للاستفادة من مصادر الطاقة في سلطنة عمان بما يتناسب مع المحاور الثلاثة: الاستدامة والتكاليف والسلامة”.

وأشار إلى أن الاتفاقية تشكّل خطوة مهمة لتطوير المشروعات الهيدروكربونية والتوجه نحو مستقبل خالٍ من الانبعاثات الكربونية والأعباء المالية.

كما قال الرئيس التنفيذي لشركة أوكيو للمتاجرة: “بصفتنا الوسيلة الدولية لتجارة الطاقة والسلع التابعة لحكومة عمان، يسعدنا أن نضيف هذا الاستحواذ الإستراتيجي إلى محفظتنا”.

وأضاف: “تنفيذ هذه الورقة الأولية يمثّل أول اتفاق طويل الأجل بين منظّمتينا بعد سنوات من التعاون.. ونحن ملتزمون بتطوير علاقة قوية ومستدامة لصالح مساهمينا وسلطنة عمان على المدى الطويل”.

تعدّ إيرادات الغاز المسال العماني أكبر مصادر الدخل الوطني في السلطنة بعد النفط، وتعمل الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال من خلال مؤسستها التنموية بتمويل العديد من المشروعات المختلفة في كل المجالات.

المصدر: منصة الطاقة




حقوق للدولة لا تجبيها… مليارا دولار سنوياً

من التهريب الجمركي والتهرّب الضريبي وسوء الجباية وتقلّبات سعر الصرف

إقرار قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي يضع حدّاً للسوق النقدي والتهرّب الضريبي
ضاهر: 75% من إيرادات الدولة ضريبية و25% ناجمة عن أرباح المرافق العامة
تقديرات وزارة المالية للنفقات بالليرة اللبنانية جانبت الصواب تماماً في موازنة 2022

من المتوقّع أن يرتفع إجمالي عائدات الدولة للعام 2023 بنسبة 2% عن 2022، من 6% الى نحو 8% من إجمالي الناتج المحلي بعد أن قفزت العائدات بنسبة كبيرة منذ شهر أيار الماضي.

فإجمالي الناتج المحلي إستناداً الى صندوق النقد الدولي 21,8 مليار دولار في 2022 والمرجح ان يبلغ 16,2 مليار دولار في العام الجاري (الرقم الذي تعتبره وزارة المالية غير دقيق والذي تقدره بقيمة 20 مليار دولار). وبذلك تكون نسبة العائدات المتوقعة للدولة للعام الجاري 8% من 16.2 مليار دولار اي 1.296 مليار دولار و1,6 مليار دولار وفق ناتج بقيمة 20 مليار دولار.

إلا أنه اذا حصلت تعديلات وإصلاحات في موازنة 2023 إستناداً الى معلومات وزارة المالية فمن المفترض أن تقارب العائدات نسبة 14% من إجمالي الناتج المحلي، علماً ان النسبة كانت تتجه نحو 20% قبل بدء الأزمة المالية في البلاد. واذا صحّت نسبة الـ14% نتيجة للإصلاحات، فذلك يعني أن الدولة تجبي عائدات تمكّنها من سدّ حاجاتها خصوصاً اذا كانت النفقات هزيلة، واذا وسّعت قاعدة عائداتها بالدولار كأن تشمل الجباية بالدولار قطاع الكهرباء وقطاعات اخرى فتتجنّب الإقتراض من مصرف لبنان.

من أين تأتي الإيرادات؟

وفي هذا السياق أكّد مستشار رئيس الحكومة للشؤون الاقتصادية سمير ضاهر لـ»نداء الوطن»أن إيرادات الدولة المقدّرة من الناتج تبلغ 1,6 مليار دولار». لافتاً الى أن «نسبة 75% من تلك الإيرادات هي ضريبية و25% غير ضريبية ناجمة عن أرباح من المرفأ ومطار بيروت ورسوم الهبوط وغرامات وتسويات، والريجي، والكازينو (كان يحوّل 40 مليون دولار للخزينة العام الماض وهو رقم صغير) والهبات التي ترد للبلاد.

بالنسبة الى العائدات الضريبية وهي الضرائب المباشرة (الضريبة على الدخل، الرواتب والأرباح للشركات) فهي تمثل نحو 30% وغير المباشرة 70% (أي TVA ورسوم، مع الإشارة الى أن الضريبة العادلة تصاعدية وهي على الرواتب وتصل الى نسبة 25%.

حساب التهرّب

واذا اتخذت إجراءات للتخفيف من التهرّب الضريبي فإن العجز في الموازنة البالغ نسبة 2.5% من الناتج المحلي، سيتضاءل وقد يزول. ووفق تقرير المادة الرابعة Article 4 من صندوق النقد الدولي فإن التهرّب نتيجة التلاعب بالتصريح عن القيمة الحقيقية للإستيراد تشكّل نسبة 4.8% من الناتج المحلي»، (960 مليوناً اذا احتسب الناتج 20 مليار دولار) و800 مليون دولار خسارة (اذا احتسب الناتج على 16.2 مليار دولار). الى ذلك يضاف مبلغ مليار دولار آخر بسبب التهرب من الضرائب المباشرة وسوء الجباية وعدم القدرة على احتساب سعر الصرف كما يجب اولاً بأول.

وفي هذا السياق يقول ضاهر «يمكن الحدّ منها من خلال إجراءات لضبط التهرب والتلاعب بالرسوم الجمركية على الحدود. يضاف الى ذلك تفعيل الدوائر العقارية والسير والنافعة، ووقف سرقة الجمارك والتهرب الجمركي».

وذكّر ضاهر بالعائدات التي خسرتها الدولة بعد بدء الأزمة المالية مثل العائدات الضريبية من الفوائد المصرفية على الودائع التي تبلغ 1,5 مليار دولار والتي صارت اليوم صفراً، وعائدات قطاعات أخرى مثل شركات الخلوي والتي كانت 1,5 مليار دولار.

مصدران أساسيان للإيرادات

وشدد على أن هناك مصدرين أساسيين للإيرادات: الـ TVA والرسوم الجمركية، اذا فرضت رسوم على التبغ على سبيل المثال والكحول كونهما مضرّان بالصحة عندها تدرّ الدولة عائدات اكثر.

ويذكر أن نصف الإقتصاد نقدي، اذ أن بعض التجار يبيع منتجات من دون فاتورة وبذلك لا تترتب عليهم ضريبة على القيمة المضافة فيتهربون من الـTVA، من هنا تكمن ضرورة اقرار قوانين اعادة هيكلة المصارف والكابيتال كونترول لضبط النقد بالتداول وتوثيق عمليات البيع والشراء والتحويلات والحدّ من التهرّب الضريبي.

أساليب التهرّب

يرى خبير المحاسبة المجاز جمال ابراهيم الزغبي خلال حديثه مع «نداء الوطن» أن التهرب الضريبي يتم بعدة أشكال: فهناك الأشخاص الذين يقومون بأعمال التجارة والصناعة وكذلك الخدمات من دون تسجيلها في وزارة المالية، وبالتالي فان كافة إيراداتهم غائبة عن ضريبة الدخل، وكذلك الضريبة على القيمة المضافة وكافة الضرائب الأخرى كضريبة الرواتب في حال كان لديهم موظفون. وهناك الأشخاص المعنويون المسجلون في وزارة المالية الذين يتبعون أساليب غير قانونية للتهرب من كافة الضرائب، وذلك من خلال طرق عدة:

– الطريقة الأولى، تخفيض الإيرادات المحققة عما يجب أن تكون عليه، وبالتالي تخفيض ضريبة الدخل. ويتبعها كذلك ضريبة القيمة المضافة، إذ أنها تتبع مباشرة للايرادات وذلك بإصدار فواتير بقيمة مخفضة أو التلاعب بقيمة المبيعات وذلك بعد عملية البيع.

– الطريقة الثانية، زيادة النفقات من دون وجه حق مما يؤدي إلى انخفاض في الأرباح وبالتالي انخفاض في الضريبة المتوجبة.

– الطريقة الثالثة، القيام بالشراء والبيع لكافة العمليات الصناعية والخدماتية والتجارية عن طريق الشراء والبيع بدون فواتير رسمية مما يعني عدم تسجيل هذه العمليات وهروبها من الضرائب.

ضرائب لا تُجبى

وهناك انواع عدّة من الضرائب لا تتمّ جبايتها، حول ذلك قال الزغبي «صدر قانون خلال العام 2002 ينص على دفع رسم مقطوع سنوي على كافة المؤسسات والشركات والمهن وذلك بمبالغ مختلفة، حسب نوع الشركة، ولكن كان مصير هذا الرسم تأجيل تنفيذه سنوياً. كما هناك ضريبة غير المقيمين وتُدفع عن كل شخص مكتوم غير مسجل في وزارة المالية ولا يصدر فواتير وبالتالي تستحق عليه هذه الضريبة، ولكن لا يتم التصريح عنها في معظم الشركات والمؤسسات».

تخبط في تطبيق التعاميم وسعر الصرف

اذا قارنا التهرّب الضريبي بين الفترة السابقة والفترة الحالية، يتبيّن لنا استناداً الى الزغبي أن «التهرّب الضريبي زاد حالياً عن السابق بنسبة كبيرة جداً، إذ جرى تخبّط كبير في قراءة المراسيم والتعاميم الصادرة عن وزارة المالية ومصرف لبنان، ما أفسح المجال للاجتهادات المتعددة وبالتالي التلاعب بتفسيرها وأدّى حتماً إلى انخفاض كبير جداً في إيرادات الدولة.

ومن الأمثلة على ذلك، انخفاض تحصيل نسبة الضريبة على القيمة المضافة البالغة 11 في المئة على مبيع السلع والخدمات الخاضعة لها، بسبب تعدد اسعار الصرف منذ بدء الأزمة».

وأضاف الزغبي: «كانت تُباع السلع والخدمات على سعر صرف السوق، بينما كانت تسجل الضريبة على القيمة المضافة على سعر الصرف الرسمي والذي كان حتى كانون الثاني ٢٠٢٣ على سعر ١٥٠٧.٥ وارتفع في شهر شباط إلى 15000 ليرة، و في أول أيار ارتفع إلى سعر منصة «صيرفة «، ما يعني انخفاضاً كبيراً في تحصيل هذه الضريبة رغم التحسّن الكبير بعد رفعها في شهر أيار لتكون على منصة «صيرفة». وبذلك، نخلص في هذا الباب إلى القول إن المراسيم والتعاميم الصادرة كانت مساهمة في التلاعب بالضرائب التي من المفترض أن تكون على كاهل المكلف.

وفي قانون موازنة 2022، تمّ احتساب الدولار على سعر 15000 ليرة، بينما كان سعر الصرف وقت صدور الموازنة أكثر من 35 الف ليرة، ما يعني أن تقديرات وزارة المالية للنفقات بالليرة اللبنانية غير صحيحة. كذلك تقديراتها للايرادات غير صحيحة، لذا لا يمكن الاعتماد على موازنة 2022 لمعرفة مقدار الضرائب المفترض أن يقتطع من المكلّفين، وكانت الموازنة اقرت في 15 تشرين الثاني وبالتالي كانت كافة العمليات في الشركات قبل هذا التاريخ تتمّ على سعر رسمي هو ١٥٠٧.٥ ليرات، مما يعني أن لا وجود لسعر صرف الموازنة الا بعد اول شباط 2023».

خاطر: المستفيدون من الفساد والتَهَرُّب الضريبي وعدم الإمتثال يُطبِقون على مفاصل الحُكم

إن النظام الضريبي في لبنان كما أوضح الكاتب والباحث في الشؤون الماليَّة والاقتصاديَّة البروفسور مارون خاطر لـ»نداء الوطن» غير فعَّال وغير عادل ويحتاج لإصلاحات جذرية تعزز الامتثال الضريبي وتعمل على توسيع القاعدة الضرائبيَّة. يبقى ذلك مستحيلاً قبل استعادة الثقة بالدولة وتحقيق استقرار سياسي يَنتج عنه استقرار اقتصادي يضمن النموّ. مع الإشارة الى أن الاقتصادات النامية تَعتمد على الضريبة غير المباشرة كالجمارك والضريبة على القيمة المضافة».

ومعلوم أن الـTVA تؤمّن جزءاً كبيراً من ايرادات الدولة، وفي السياق قال خاطر «إنها تصطدم بالتهرُّب الضريبي. في ظلّ عدم ضبط الحدود والفساد المستشري في مؤسسات الدولة الرقابيَّة من جهة، وانهيار القطاع المصرفي ومعه ميزان المدفوعات والحساب الجاري من جهة أخرى، فأصبح تقييم وتتبُّع التدفقات النقدية الناتجة عن الضرائب غير المباشرة شبه مستحيل. من المُهِم في هذا السياق الإشارة إلى الخطر المتأتي من تنامي الاقتصاد النقدي الذي يَمنع بدوره تتبُّع حركة العمليات والأموال».

باتريسيا جلاد

المصدر: صحيفة نداء الوطن

مرة ً أخرى، تبرهن الوقائع كما قال «أنَّ حَلّ المُشكلات الاقتصاديَّة والماليَّة والنقديَّة والضريبية في لبنان لا بُدَّ أن يَنطلق من السياسة. فالاستقرار السياسي حاجة ملحة وملزمة من أجل توسيع الوعاء الضرائبي بهدف رفع الامتثال الضريبي لدى الأغنياء وأكثرهم من أصحاب النفوذ والسلطة، ولدى الفقراء المُهَمَّشين عبر تثقيفهم. السياسة نفسها ضرورية من أجل إقرار وتطبيق إصلاحات تعزز سيادة القانون على الحدود وفي الداخل وتضمن سير العدالة وتعيد الثقة إلى الدولة ومؤسساتها».

واعتبر أن «استعمال ايرادات الضرائب من أجل تحسين الواقع الاجتماعي والانمائي للمكلفين يساعد ببناء الثقة المفقودة مع الدولة. ليس ضعف تنفيذ القوانين واحترامها سوى نتيجة مباشرة لغياب المساواة بين اللبنانيين في حقوقهم وواجباتهم أمام دولتهم. فالبعض منهم لا يعترف بالدولة أصلاً والبعض الآخر يُسَخّر امكاناتها لخدمة مصالحه في إطار الزبائنيَّة السياسية المُتَجَذّرة. لقد اعاقت السياسة محاولات تحديث النظام الضرائبي بطريقةٍ مُمَنهجة بهدف الدفاع عن مصالح السياسيين وأزلامهم».

وعزا تحقيق الضرائب المباشرة إيرادات متدنية أيضاً الى الخلل في الضرائب التصاعديَّة وبسبب قانون السريَّة المصرفيَّة وعدم اعتماد ضريبة موحدة بالإضافة إلى الأسباب التي ذكرها سابقاً. معتبراً أن «تخطي العوائق السياسية بُغية الانتقال إلى «الحكومة الرقميَّة»، يشكّل المدخل الأساسي لمعالجة الناحية العملانية المتعلقة بثغرات بالنظام الضرائبي. فـ»الرَّقمنة» تساعد على التخفيف من التدخل المباشر للسياسيين النافذين في مفاصل الإدارة الضرائبية خدمةً للزبائنيَّة السياسيَّة. وتساعد «الرَّقمنة» على مكافحة التهرب الضريبي وتوسيع الوعاء الضريبي وعلى كشف السلوك الاحتيالي للمكلفين عبر وصل البيانات بين الجمارك والمصارف والشركات».

ورأى خاطر في المُحَصّلة «أن إصلاح النظام الضرائبي اللبناني يتطلب تصميماً ثابتاً يرتكز على قرار سياسي ودعم شعبي لا يمكن أن يتحقق ما دام المستفيدون من الفساد والتَهَرُّب وعدم الامتثال يُطبِقون على مفاصل الحُكم ويَعمَلون على إطالة مُدَّة حكمهم إلى منتهى الدُّهور!




الزراعة… قطاع مهمل رغم طاقاته الكامنة الكبيرة

غياب الكفاءة في استخدام المياه وعوامل الإنتاج وسوء حالة البنية التحتية

القوانين تفتقر إلى التنفيذ الفعّال لتحسين جودة الإنتاج والامتثال للمعايير الدولية

محدودية التمويل ونقص التقنيات وتحديات متعلّقة بالتوظيف واليد العاملة

عدم فعالية خدمات الإرشاد الزراعي والدعم المؤسسي المنسّق شبه غائب

أعدّ المركز اللبناني للدراسات دراسة عن القطاع الزراعي في لبنان أكّد فيها تأثّر القطاع بشكل كبير جرّاء الأزمة الاقتصادية التي يشهدها البلد. وأشار الى أنه في ظلّ التقلّبات الاقتصادية والسياسية المستمرّة، تبرز تحديات كثيرة أمام المزارعين تحدّ من قدرتهم على إنتاج المحاصيل والثروة الحيوانية. وفي ما يلي الجزء الأول من الدراسة:

قبل الأزمة، التي بدأت في شهر تشرين الأول من العام 2019، واجه القطاع الزراعي في لبنان بالفعل العديد من القيود التي تحول دون تعزيز الإنتاجية، إلى جانب محدودية مصادر التمويل ونقص التقنيات الزراعية والتحديات المتعلّقة بالتوظيف واليد العاملة، وغياب الكفاءة في استخدام المياه وعوامل الإنتاج الزراعي، وسوء حالة البنية التحتية وعدم فعالية خدمات الإرشاد الزراعي، والدعم المؤسسي شبه الغائب، بالإضافة إلى عدم المساواة بين الجنسين في ما يتعلّق بالوصول إلى الموارد والتحكّم فيها واتّخاذ القرارات والحصول على التمويل.

مع بروز الأزمة

ومع بروز الأزمة، تفاقمت المشكلات القائمة وأرخت بظلالها على القطاع الزراعي، وشكّلت تهديداً للأمن الغذائي في البلد كما عرّضت الكثير من المزارعين لخطر الإفلاس. وفي سياق التقلّبات السياسية والتحرّكات الاحتجاجية، وجد المزارعون صعوبة في نقل بضائعهم إلى الأسواق، ما تسبّب في تلف منتجاتهم وتكبيدهم خسائر مالية فادحة. ومع إغلاق الحدود والمعابر بسبب القيود المفروضة لمكافحة جائحة كوفيد 19 تعطّلت أسواق التصدير، ما أثّر بدوره على إيرادات المزارعين.

أبرز التحديات

ومن أبرز التحديات التي يواجهها المزارعون منذ سنوات، افتقارهم إلى الضروريات الأساسية مثل المحروقات والكهرباء ومصادر مياه الريّ الكافية. وكان لذلك أثر كبير على المحاصيل وجودتها وتكلفتها. يُشار إلى أن الحكومة وجدت صعوبة متزايدة في توفير إمدادات كافية من الوقود والكهرباء، ما أدّى إلى نقص كبير في الوقود وانقطاع متكرّر للتيار الكهربائي. وازدادت الأمور سوءاً عندما رفع الدعم عن الوقود في شهر أيلول 2022، فارتفعت أسعارها بشكل ملحوظ. علاوة على ذلك، وبسبب التدهور التدريجي لقيمة العملة الوطنية في لبنان، بات من الصعب على المزارعين تحمّل تكاليف عوامل الإنتاج الزراعي التي يحتاجون إليها، مثل الأسمدة والبذور والمبيدات، واستحالة الحصول على القروض بسبب انهيار القطاع المصرفي. والجدير ذكره أن برنامج «كفالات» كان من أكثر البرامج المفضّلة لدى المزارعين اللبنانيين وذلك لسهولة استخدامه (مع إطلاق برنامج تعزيز الاستثمار في العام 2015 بقيمة 30 مليون دولار) بيد أن المصرف المركزي لم يعد يوافق على منح مثل هذه القروض المدعومة.

إنخفاض الإستهلاك

بالإضافة إلى ذلك انخفض الاستهلاك عندما ارتفع سعر سلّة الحدّ الأدنى للإنفاق – وهو مؤشِّر تستخدمه المنظمات الإنسانية لتقدير الاحتياجات – حيث ارتفع من 38 ألف ليرة لبنانية في شهر أيلول من العام 2019 إلى 790 ألف ليرة لبنانية في شهر أيار من العام 2022 أي بزيادة قدرها 1300% تقريباً.

لمحة عامة

يهدف هذا الملخّص إلى تقديم لمحة عامة موجزة عن الوضع الحالي للقطاع الزراعي، وتسليط الضوء على التوصيات السياساتية الرئيسية لإحداث تغييرات جذرية. ولمعالجة هذه المسائل الملحة وإطلاق العنان لإمكانات القطاع الكاملة، لا بدّ من أن يولي صانعو السياسات الأولوية للإصلاحات الشاملة والحلول المبتكرة. إنه، ومن خلال التركيز على الممارسات المستدامة، واعتماد التكنولوجيا، وتنويع الأسواق والتنمية الريفية، يمكن زيادة الإنتاجية الزراعية مع تعزيز النمو الشامل في المجال الزراعي.

بعض الإحصاءات

تؤدي الزراعة دوراً ثانوياً نسبياً في اقتصاد لبنان وذلك على الرغم من احتواء البلاد على أعلى نسبة من الأراضي الصالحة للزراعة في العالم العربي. فمع أكثر من 200,000 هكتار(494,000 فدان)، تمثل الزراعة ما يناهز 5 في المئة من إجمالي الناتج المحلي الوطني، وتستأثر بـ8 في المئة من اليد العاملة الفعّالة. ويُعتبر القطاع، بالإضافة إلى إنتاجه الزراعي الأساسي مساهماً رئيسياً في صناعة الأغذية الزراعية المهمة في لبنان والتي بدورها تسهم بنسبة 5 في المئة إضافية في إجمالي الناتج المحلي، وتوفّر فرص العمل لشريحة إضافية من القوى العاملة الفعّالة بنسبة 8 في المئة، وباتت تشكّل مصدراً رئيسياً ومتزايداً للوظائف في الاقتصاد.

وبحسب التقديرات، بلغ إجمالي المساحة الزراعية المزروعة ما يناهز 271,412 هكتاراً في العام 2021 (259,809 هكتارات في العام 2016) أي ما يشكّل حوالي 25% من مساحة الأراضي اللبنانية. وتشمل الحقول المزروعة بالمحاصيل الموسمية والأشجار المثمرة، بالإضافة إلى البيوت البلاستيكية.

شكّلت قيمة الإنتاج النباتي في عام 2016 (محاصيل موسمية 44%، ومحاصيل دائمة 66%) ما يناهز 73% من إجمالي قيمة الإنتاج الزراعي. وفي العام 2021 يُظهر الإحصاء انخفاضاً طفيفاً (-5 نقاط) في إنتاج الموارد النباتية، مقروناً بزيادة في الإنتاج الحيواني (+ 5 نقاط). إن الانخفاض في الإنتاج النباتي تحوّل إلى زيادة في الإنتاج الحيواني.

وفقاً لوزارة الزراعة، ينتج لبنان مجموعة متنوّعة من المنتجات الزراعية، بما في ذلك الفاكهة، مثل العنب (118,794 طناً)، والحمضيات (333,796 طناً)، والتفاح والفاكهة ذات النواة (552,850 طناً) والدرّاق والنكتارين (74,784 طناً)، والتبغ والزيتون (169,941 طناً)، وكذلك المنتجات ذات القيمة المضافة العالية. وفي هذا السياق، يُعتبر إنتاج النبيذ المحلي (6 ملايين زجاجة) من أهم الصناعات في قطاع الزراعة اللبناني. أمّا في ما يتعلّق بالإنتاج الحيواني، فتُقدّر القيمة الإجمالية (للأبقار والأغنام والماعز والدواجن والنحل) في العام 2021 بما يناهز 7,461 مليار ليرة لبنانية، ومن ضمنها 45% للدواجن، فيما بلغ إنتاج العسل ما يقارب 311 مليار ليرة لبنانية في العام 2021 مقابل 71 مليار ليرة لبنانية في العام 2016.

تغطية 20% من الحاجات

وتجدر الإشارة إلى أنّ المواد الغذائية الزراعية تشكّل نصيباً مهماً في التجارة اللبنانية. تُعدّ الزراعة (ومعظمها من الفواكه والخضراوات والتبغ الخام والتوابل والماشية) والأعمال التجارية الزراعية (ومعظمها من الأغذية المصنعة وشبه المصنعة) مصدراً رئيسياً للصادرات، إذ تستأثر بأكثر من 21% من إجمالي الصادرات. ومع ذلك، يعتبر لبنان مستورداً صافياً للغذاء، حيث يُلبّي الإنتاج المحلي 20 في المئة فقط من الاستهلاك المحلي ما يجعله عرضة لتقلب أسعار المنتجات الغذائية والزراعية.

الإستيراد والتصدير

بلغت المستوردات الزراعية في العام 2016 ما يقارب 3,27 مليارات دولار أميركي وتقدر بـ 14% تقريباً من إجمالي الواردات (22 مليار دولار أميركي),، كما سجلت المستوى نفسه في العام 2021. بيد أن الإحصاء يُظهر انخفاضاً في إجمالي الواردات والواردات الزراعية للعام2021، وذلك لأسباب عديدة أهمها تدهور قيمة الليرة اللبنانية وانتشار جائحة كوفيد – 19. أما بالنسبة إلى الصادرات الزراعية، فلا تزال الدول العربية تمثل سوق الصادرات الرئيسية للمنتجات الزراعية اللبنانية، إذ تشكّل أكثر من 90% من إجمالي الصادرات الزراعية. وتستأثر خمس دول عربية رئيسية (وهي الكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر وسوريا) بما يناهز 68.4% من إجمالي الصادرات. وتمثل صادرات الفاكهة ما يُقارب 48% من الصادرات الزراعية.

بيئة السياسات العامة

على أية حال، إن بيئة السياسات العامة في لبنان تتميّز بغياب أنظمة شاملة للزراعة؛ فالقوانين التي تم اعتمادها تفتقر إلى التنفيذ الفعّال. وفي سعيها لتحسين جودة الإنتاج والامتثال للمعايير الدولية، قامت الحكومة بعدة مبادرات بهدف جعل المنتجات الغذائية اللبنانية أكثر أماناً وتنافسية في أسواق التصدير. في هذا السياق، تمّ تكليف لجنة خبراء متخصّصة بصياغة قانون يراعي قانون المجموعة الاقتصادية الأوروبية رقم 91/2092 لمراقبة الإنتاج العضوي في لبنان. ولم يسنّ قانون تنظيم الإنتاج العضوي حتى العام 2020 لضمان مطابقة المنتجات العضوية لمواصفات مؤسّسة المقاييس والمواصفات اللبنانية (ليبنور)، بحيث تستوفي جميع الشروط المطلوبة للإنتاج العضوي. كذلك، تكشف السياسات التي تنظم السوق، وصناعة الأغذية، والمسائل المتعلقة بسلامة الأغذية والآثار البيئية المهمة للتصنيع الغذائي، عن ثغرات مهمة في التشريع والتنفيذ. فالقوانين والأنظمة القائمة تطبق بشكل سيّئ بسبب الغرامات المنخفضة ونقص التنسيق بين الوكالات الحكومية المتعدّدة. ومن المعروف أن اتّساق السياسات في لبنان غائب، ويعود سبب ذلك جزئياً إلى نقص التنسيق بين المؤسسات الحكومية.

مخاوف السلامة

وأخيراً، يُشكّل التنفيذ الفعّال مصدر قلق يؤثر على الكثير من هذه التدابير السياساتية. وأشار تقرير حديث نشرته الجامعة الأميركية في بيروت في شهر تموز من العام 2022 إلى أن إدارة الغذاء والدواء الأميركية صادرت مواد غذائية من لبنان بسبب مخاوف تتعلّق بالسلامة الغذائية، ما قد يحدّ من صادرات البلد من الأغذية الزراعية، ما يشير إلى أن هذه القوانين والمقاييس اللبنانية قد تكون سيئة، أو ربما لا يتمّ إنفاذها كما ينبغي. ومن الأمثلة على هذه المنتجات، طحينة السمسم التي ضُبطت لتلوّثها ببكتيريا السالمونيلا.

إستراتيجية وخطة عمل سدّ الثغرات 

تحت عنوان استراتيجية وطنية وخطة عمل للتغذية (2021-2026)، وضعت وزارة الصحة العامة استراتيجيتها الخاصة في عام 2021 أقرّت فيها أيضاً بتشعّب النظم والهياكل الإدارية التي تنظم التغذية بين هيئات متعدّدة، بالإضافة إلى نقص التنسيق بين الوزارات، مشدّدة على أهمية الهيئة التنسيقية، ولكن هذه المرّة بالنسبة إلى قطاع التغذية. في الوقت الحالي، معظم المنتجات الشائعة في السوق ليست مغذية و/ أو مستوردة. السبب الرئيسي، وفقاً للاستراتيجية، هو الثغرات في الإنتاج الزراعي المحلي والتنويع مدفوعاً بضعف إدارة المزارع والموارد، والتنسيق المحدود بين الجهات الفاعلة.

كذلك، تُحدّد هذه الاستراتيجية الثغرات الموجودة في النظام الغذائي اللبناني على النحو التالي: المحتويات الغذائية للمنتجات غير الخاضعة للرقابة وتوسيمها غير المطابق، والإنفاذ غير المُحكّم لقانون سلامة الغذاء، وغياب الاكتفاء الذاتي، وزيادة حجم الواردات. وفي الوقت الراهن، نجد أن معظم المنتجات الشائعة في السوق ليست مغذية و/أو هي مستوردة. ويعود السبب الرئيسي لذلك، وفقاً للاستراتيجية، إلى الثغرات في الإنتاج الزراعي المحلي والتنويع، ونتيجة لضعف إدارة المزارع والموارد والتنسيق المحدود بين الجهات الفاعلة في سلسلة القيمة، والنقص في المعدات والمرافق للحفاظ على جودة المنتج في عملية الإنتاج وما بعد الحصاد.

الأمن الغذائي مشتّت المرجعيات

في الإطار المؤسسي اللبناني الحالي، يُعتبر الأمن الغذائي شأن عدة وزارات بموجب صلاحيات كل منها من هنا تبرز أهمية إنشاء هيئة تنسيق فعّالة لضمان مواءمة العمل بين جميع الوزارات والمؤسسات العامة المعنية، بالإضافة إلى المجتمع المدني، والقطاع الخاص، ومراكز الأبحاث والجامعات، وشركاء التنمية، وأصحاب المصلحة الآخرين فهذه خطوة ضرورية لتنفيذ استراتيجية وزارة الزراعة وتعبئة الموارد اللازمة، فضلاً عن تحديثها بانتظام لمواكبة الأزمة الاقتصادية والمالية المتسارعة التي يواجهها البلد.

المصدر: المركز اللبناني للدراسات




وسطية المجتمع الغزي واعتداله

لطالما انعكست الحالة والمزاج الإسلامي العامّ في المنطقة العربية؛ بتلويناتها وتوجهاتها، على قطاع غزّة، الذي احتضن منذ خضوعه للاحتلال الصهيوني؛ بعد عام 1967، حالاتٍ إسلاميةً متباينةً، فرديةً وجماعيةً، حركيةً كانت أو دعويةً، حيث توافرت البيئة الخصبة، والظروف المواتية، لبروز حركات التحرر الوطني، بكافّة انتماءاتها وسردياتها الفكرية، في ما كان صوت الحالة الإسلامية خافتًا، وحضورها المجتمعي والسياسي غائبًا، حتّى تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، وسيطرت حركة حماس على غزّة عام 2007، إذ تنتمي حماس فكريًا إلى التيّار الإسلامي الوسطي الإخواني، فلم يكن لجماعة التكفير والهجرة؛ بنسختها المصرية، أيّ تواجدٍ تنظيميٍ باستثناء أفراد منعزلين اجتماعيًا، سبق ذلك ظهور مجموعاتٍ عسكريةٍ عديدةٍ، نشطت ضدّ الاحتلال الصهيوني، في ثمانينيات القرن الماضي، تحت مسمياتٍ إسلاميةٍ جهاديةٍ.

لكن الحضور الفعلي للحركات الإسلامية المتطرّفة بصيغتها الجهادية السلفية، كان امتدادًا لصعود السلفية الجهادية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتّحدة، وبروز النسخة الأكثر تطرفًا لتنظيم القاعدة في العراق، في سياق صعود الحالة الجهادية ضدّ الاحتلال الأميركي في أفغانستان والعراق، واندلاع صراعٍ طائفيٍ داخليٍ ببعده الاقليمي الإيراني، إذ وصل الحضور السلفي الجهادي في غزّة ذروته بين الأعوام 2008-2012، ثم تراجع تدريجيًا بعد عام 2014، لينحسر بعد ذلك، ويتحوّل إلى أفرادٍ متناثرين، لا يزالون على ولائهم للفكرة والتوجه، والقناعة بنهج السلفية الجهادية.

وبتعبيرٍ أكثر دقةً وموضوعيةً؛ لا يمكن الحديث عن تيّاراتٍ أو جماعاتٍ أو حركاتٍ أو منظّماتٍ سلفيةٍ جهاديةٍ في غزّة، فهي أقرب إلى مجموعاتٍ متناثرةٍ، تعاني سيولةً مزمنةً في أعداد المنتمين لها، وهي متعددة الولاءات، وأكثر ارتباطًا بقياداتٍ وأشخاصٍ محددين، انفرط عقد معظمها بعد غيابهم لسببٍ أو لآخر، كما افتقدت قياداتٍ كاريزميةً وازنةً شرعيةً وعلميةً ملهمةً، والمَعلم الأبرز هو أنّ ما يجمعهم أقلّ بكثيرٍ من ما يفرقهم. مثلت كلٌّ من جمعية دار الكتاب والسنة؛ السلفية الدعوية، ومجموعات لجان المقاومة الشعبية المسلّحة، التي لا تنتمي فكريًا لأيّ جماعةٍ إسلاميةٍ، وعددٌ من الشباب المنتمين لحركة حماس، من المعترضين على مشاركة الحركة في انتخابات عام 2006، الروافد الأساسية لهذه الجماعات، ومن أشهر المجموعات في تلك المرحلة، جيش الإسلام، وجماعة أنصار الله في محافظة رفح، بقيادة الراحل عبداللطيف موسى، وأنصار السنة، وجيش الأمة؛ أهل السنة والجماعة، ولواء التوحيد، ومجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس، التي أعلنت عن نفسها عام 2012، تولى مسؤوليتها هشام السعيدني (أبو الوليد المقدسي)، لأشهرٍ عديدةٍ، حتّى قتل باستهدافه من قبل جيش الاحتلال، بالإضافة إلى مجموعاتٍ صغيرةٍ بمسمياتٍ مختلفةٍ، مثل مجموعات “جلجلت”، الاسم الأكثر شهرة، لدى المواطنين في غزّة لظاهرة السلفية الجهادية، في سنواتها المبكرة قبل عام 2006.

قطاع غزّة لم يكن بيئةً مواتيةً ومشجعةً لتطوّر الحالة السلفية الجهادية، فالمجتمع الغزّي بطبيعته مجتمعٌ محافظٌ نسبيًا، يميل إلى الوسطية والاعتدال

إجمالًا؛ لم يكن أداء هذه المجموعات والتشكيلات السلفية بحجم الضخ الإعلامي، والهالة الكبيرة داخليًا، وتعاطي العالم الخارجي معها؛ على الأقلّ من الناحية الإعلامية والبحثية المُبالغ فيها، أغلبها لم يكن الاحتلال الصهيوني هدفًا لها، بل كانت بوصلتها داخليةً لمحاربة “الاعداء القريبين وطواغيت العصر، الذين لا يحكمون بما أنزل الله”؛ وفقًا لها؛ كما أساءت في كثيرٍ من أعماله إلى القضية الفلسطينية، وشوهت الحالة الوطنية والنضالية للمقاومة في قطاع غزّة، ومن أبرز هذه العمليات اختطاف جيش الإسلام للصحفي في هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) آلان جونسون؛ في مارس/آذار 2007، واحتجازه لحوالي أربعة أشهر، قبل إطلاق صراحه بعد مفاوضاتٍ مضنيةٍ بوساطة حركة حماس، وكذلك خطف وقتل الناشط الايطالي فيكتور أريغوني، في إبريل/نيسان 2011، على يد مجموعةٍ سلفيةٍ، أطلقت على نفسها اسم “جماعة الصحابي محمد بن مسلمة”، وكذلك تفجّيرٌ انتحاريٌ على الحدود المصرية، في أغسطس/آب 2017، أسفر عن مقتل شرطيٍ، وتفجيران انتحاريان في أحياء مدينة غزّة الغربية، في أغسطس/آب 2019، أسفرا عن مقتل ثلاثةٍ من الشرطة الفلسطينية، بالإضافة إلى إطلاق صواريخ محلية الصنع باتجاه المستوطنات المحيطة بقطاع غزّة، وعملياتٍ أخرى على الحدود الشرقية للقطاع.

بخلاف مناطق أخرى في المنطقة العربية والإسلامية، التي وجد فيها التيّار السلفي الجهادي تربةً خصبةً لنشر أفكاره، وتطوير أداءه، والعمل لسنواتٍ طويلةٍ، فإن قطاع غزّة لم يكن بيئةً مواتيةً ومشجعةً لتطوّر الحالة السلفية الجهادية، فالمجتمع الغزّي بطبيعته مجتمعٌ محافظٌ نسبيًا، يميل إلى الوسطية والاعتدال، كما أنّ حركات المقاومة الفلسطينية ذات التوجهات الإسلامية، مثل حركتي حماس والجهاد الإسلامي، مثلتا الإطار الذي ضم أغلبية الشباب من ذوي التوجهات الإسلامية، ومنهم الذين تأثروا بالأفكار المتطرّفة، في سياق مقاومة الاحتلال، وتوجيه طاقاتهم نحو الاستعداد الدائم للالتحام مع الجيش الصهيوني، والأهمّ من ذلك؛ المقاربات التي تبنتها السلطة الحاكمة في غزّة، والتي تراوحت بين الشدة القصوى والعصا الغليظة، وبين الحوار والاقناع والمحاججة الشرعية والاحتواء التنظيمي، ولعل المثال الأبرز للشدة القصوى؛ التصدّي المسلّح لإعلان زعيم جماعة أنصار الله عبد اللطيف موسى، في خطبة يوم الجمعة الموافق في 14 أغسطس/آب 2009، في مسجد ابن تيمية في مدينة رفح، الذي ينص على “قيام الإمارة الإسلامية في أكناف بيت المقدس”، وسط العشرات من أنصاره الذين كان بعضهم مسلّحًا، وطالب بقيام إمارةٍ إسلاميةٍ، وطالب الحكومة في غزّة “حكومة حركة حماس” بالخضوع لأحكام الشريعة الإسلامية، حينها اعتبرته السلطة الحاكمة في غزّة تمردًا مسلّحًا، وبادرت بعمليةٍ عسكريةٍ، أدت إلى مقتل زعيم الجماعة ونائبه، وحوالي 18 آخرين، أما المقاربة الأخرى فكانت ساحتها السجون، حيث تم احتواء أو تحييد العشرات فكريًا، من خلال النقاشات والحوارات الشرعية الهادئة.

حاليًا، لا يمكن نفي وجود حالاتٍ فرديةٍ متطرفةٍ، لا تزال على الفكر السلفي الجهادي، وربّما هناك خلايا نائمةٍ عدّةٍ، مبعثرةٍ من بقايا الجماعات السلفية، التي تفتت وغابت عن الساحة منذ سنواتٍ، إلّا أنها لا تمثل ظاهرةً بعينها، ولا يمكن اعتباراها حالات مقاومةٍ للاحتلال، وتبقى الحركات الإسلامية المسلّحة المقاومة للاحتلال متمثلةً بحركتي حماس والجهاد الإسلامي، ذات التوجه الإسلامي الوسطي، والجماعات الإسلامية ذات الصبغة الدعوية، والصوفية، والسلفية الدعوية هي الجدار الذي يحول دون تغلغل الفكر السلفي الجهادي، أو التكفيري، للفئة الشابة والفتية في المجتمع الغزّي.

حاتم يوسف

المصدر: صحيفة العربي الجديد




الطريق إلى القدس يمر من كابول: الجهادية السلفية وتحرير فلسطين

“لا أهمّية لفلسطين ولا لتحريرها في الوقت الحالي، طالما لم تقم دولة الخلافة في محيط فلسطين”، هذا لسان حال السلفية الجهادية، وحجتها، ومنهجها، الذي قلما وضع تحت المجهر، ليس في السنوات الأخيرة من تناميها في العالم فقط، ولكن منذ ثلاثينيات القرن الماضي، مع حركة الإخوان المسلمين، حتّى ظهور القاعدة والحركات الجهادية، وصولًا إلى داعش، والجماعات الجهادية في دول الطوق، القريبة من دولة الاحتلال.

يندرج الصراع الدائر بين القوى الفلسطينية المسلّحة في مخيم عين الحلوة؛ للاجئين الفلسطينيين في لبنان، في أغسطس/آب الحالي، تحت ما يسمي سيطرة القوى السلفية على الجغرافية، كخطوةٍ في طريق إقامة دولة الخلافة، إذ لم تكن تلك المحاولة الأولى في مخيمات الشتات الفلسطيني، خاصّةً في سورية ولبنان، كما في مخيم نهر البارد 2007، ومخيم المية ومية، ثم في مخيم اليرموك في عام 2012.

لم يقتصر وجود تلك الجماعات الجهادية على الشتات الفلسطيني، بل توجد أيضًا في الضفّة الغربية، وفي قطاع غزّة، إذ تنامى وجودها إبان فترة تصدر الحركة الإسلامية؛ حماس، المشهد السياسي، لم تسع تلك الجماعات في قطاع غزة إلى مقاتلة اليهود، والجهاد ضدّ العدوّ، بل سعت إلى مواجهة حماس، التي حادت عن العقيدة، وطبعت علاقاتها مع القوى العلمانية الكافرة؛ من وجهة نظرهم. لكن سرعان ما أدركت حماس الخطر على مكانتها السياسية، خاصّةً بعدما اغتالت تلك الجماعة عددًا من رجال كتائب القسام، فقضت على تشكيل أولِ إمارةٍ إسلاميةٍ في رفح، وقتلت قيادات تلك الجماعة في 2014.

خرج بعض الفلسطينيين السلفيين من فلسطين صوب مصر وسورية، وانخرطوا في تشكيلاتٍ جهاديةٍ، بل قاد بعضهم بعضها

كثيرةٌ هي جماعات الإسلام السياسي، التي تتحدث عن القدس، في قلب هذه الجماعات جماعة الإخوان المسلمين، التي تعد أكبر التنظّيمات الإسلامية، وأقدمها في العصر الحديث، ثم تنظيم القاعدة، وتنظيم داعش، والسلفية الجهادية؛ الأكثر راديكالية من جماعة الإخوان، خطاب هذه الجماعات في ما يخص القضية الفلسطينية لا يتعدى الدور الدعائي والإعلامي، الساعي إلى جذب أكبر عددٍ ممكن من المتعاطفين مع القضية، دون تحريك فعلٍ حقيقيٍ في اتجاه حل القضية، أو التدخل في مسرح العمليات لحلها، على المستوى الجهادي الذي يدعون إليه، ويرددونه في خطابهم، فعلى الرغم من المجازر الكثيرة المرتكبة من قبل الاحتلال الإسرائيلي بحقّ شعب فلسطين، لا تحرك هذه الجماعات ساكنًا، سوى الشجب والإدانة للأنظمة العربية، التي تتخذ منهج الشجب والإدانة نفسه، في المحافل الدولية، أما الجهاد من أجل القضية فليس في برامج هذه الجماعات، إلّا على المستوى البعيد، حتّى أشاع بعضهم أنّ هذه الجماعات ربّما تكون ممولةً من قبل جماعاتٍ صهيونيةٍ، للابتعاد عن منطقة الصراع العربي الإسرائيلي.

•    “فلسطين- القدس” في قلب القاعدة نظريًا

قرابة أربعة عقود مرت على الإعلان عن تأسيس “تنظيم القاعدة”، حقق خلالها التنظيم كثيرًا من الانتشار والتمدد؛ ما جعله شريكًا فاعلًا في جميع الصراعات والحروب الدائرة في العالم الإسلامي، لكنه غاب تمامًا عن أيّ فعلٍ في قضية القدس، وتحرير المسجد الأقصى، مثيرًا بذلك جدلًا واسعًا طال التيّار الجهادي نفسه.

اعتبر شيخ المجاهدين الفلسطيني؛ عبد الله عزام، أفغانستان مناخًا مناسبًا للتدريب والإعداد، بعدها يعود المجاهدون إلى بلادهم، ليؤسسوا الدولة الإسلامية، بعد إزاحة جميع الأنظمة العربية المرتدة، وفي ما بعد تحين خطوة تحرير القدس، خطوةً تاليةً لتأسيس المشروع الإسلامي”. لذا يرى المتخصصون أنّ عزام له أثرٌ واضحٌ في وجود القدس في منهج وخطاب التيّارات المتشددة، ومنها القاعدة، التي كان اسمها الأول “الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين”. فالجيل الأول من المجاهدين؛ إبان فترة الجهاد الأفغاني ضدّ السوفييت، كانوا يرددون الأناشيد والقصائد الخاصّة بالقدس والأقصى، التي تلهب مشاعرهم في النزال، وظلّت تلك الأناشيد والشعارات تتوارث من جيلٍ لآخر، معتبرةً القدس أرض الملحمة والمواجهة الأخيرة بين المسلمين واليهود.

وجد أغلب الباحثين في الحركات الإسلامية، أنّ الجماعات الإسلامية الجهادية لم تنشغل بقضية فلسطين، ولم تشعر في أيّ وقتٍ بأنّها مطالبةٌ بتقديم تبرير لغياب قضية القدس عن خطابها السياسي، إذ انصب تركيزها على نظرية “العدوّ القريب”؛ نظم الحكم في البلاد العربية والإسلامية، التي لا تحكم بما أنزل الله وبشريعته، ثم تطوّرت الرؤية إلى الاهتمام بالعدوّ البعيد؛ الولايات المتّحدة، خصوصًا بعد حرب الخليج عام 1991، ونشر قواتٍ غربيةٍ على الأراضي السعودية، إذ قامت بهجماتٍ مسلّحةٍ في مناطق متفرقةٍ ضدّ الأجانب، كما في مصر ، وضدّ القوات الأميركية في اليمن حتّى عام 1998، دون أن تواجه القوات الإسرائيلية نفسها. ثم بعد مؤتمر شرم الشيخ المنعقد في 1996، والمعني بالقضاء على الإرهاب، ادعت الجماعات الجهادية أنّ المؤتمر موجهٌ ضدّ المسلمين، ويوفر غطاءً للسياسات الإسرائيلية، إذ عقد المؤتمر بعد سلسلةً من الهجمات الانتحارية في إسرائيل.

بعد الحرب على غزة عام 2009، حدث تحوّل نوعيٌ في خطاب أسامة بن لادن، وخطاب قادة الجهاديين في كلٍّ من العراق والمغرب العربي والصومال، حول الجهاد في فلسطين، حتّى لو كان شكليًا، نظرًا للصمود الذي أظهرته حماس، والشعب الفلسطيني وقت الحرب، فقد أحدث هذا الصمود ما يشبه “الزلزلة” في الفكر الجهادي، إذ كيف تنتهك أرض إسلاميةٌ قريبةٌ، وفي الوقت ذاته يدعو قادة القاعدة إلى أرضٍ جهاديةٍ بعيدةٍ جغرافيًا عن القدس وفلسطين. كان خطاب بن لادن وقتها تصويبًا لمسار القاعدة من جهةٍ، ولتهدئة الجماهير الغاضبة من جهةٍ أخرى.

لم يقتصر وجود تلك الجماعات الجهادية على الشتات الفلسطيني، بل توجد أيضًا في الضفّة الغربية، وفي قطاع غزّة

يعترف الشيخ أبو محمد المقدسي البرقاوي؛ وهو من منظري الجهادية السلفية، بأنّ التيّار الجهادي لم يقدم شيئًا لفلسطين وبيت المقدس، ففي رسالةٍ هي الأولى من نوعها، وجه المقدسي انتقاداتٍ لاذعةً لقادة التيّار السلفي الجهادي حول العالم، بسبب تقصيرهم تجاه قضية فلسطين والقدس، تحت عنوان “بيت المقدس في القلب فهل آن لحقوقها أن تظهر على الجوارح؟”، نشرها على موقع “منبر التوحيد والجهاد” في أبريل/نيسان 2009.

•    دولة الخلافة قبل تحرير فلسطين

مع ثورات الربيع العربي، وتولي حركة الإخوان المسلمين حكم مصر وتونس، وما رافقه من مواءماتٍ مع القوى الخارجية والداخلية في كلّا البلدين، كالدستور والبرلمان والاعتراف بكامب ديفيد وغيرها، كانت المفارقة هي ارتقاء أهمّية فلسطين، إذ جعل تحريرها أمرًا وأولويّةً ومركزيًا، في خطب أيمن الظواهري؛ زعيم تنظيم القاعدة في أفغانستان، في حين اختلف عنه خطاب أبو بكر البغدادي؛ زعيم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، والتي عرفت إعلاميًا باسم داعش، رغم كون فلسطين المحتلة على قيد أنملة من مدى أسلحته ودولته.

غابت فلسطين فعليًا عن أهداف الحركات السلفية الجهادية، منذ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 في مصر، وعام 1942 في سورية، ولم ينخرط الفلسطينيون في تلك التشكيلات، إذ توزع المناضلون الفلسطينيون على التيّارات القومية والوطنية والدينية المعتدلة واليسارية، وأسسوا تنظيماتهم الفلسطينية المستقلة، التي تهدف إلى تحرير فلسطين أولًا. في ما اكتفت الحركة الإسلامية الأردنية بموالاة النظام الأردني، أما حزب التحرير الإسلامي في فلسطين فيؤجل “الجهاد” حتّى وجود الخليفة، ويعادي النظام، والحركات القومية واليسارية معًا، حتّى يومنا هذا.

في أوائل سبعينيات القرن الماضي؛ خرج بعض الفلسطينيين السلفيين من فلسطين صوب مصر وسورية، وانخرطوا في تشكيلاتٍ جهاديةٍ، بل قاد بعضهم بعضها فمثلًا تأسس في مصر “تنظيم الفنية العسكرية”، بقيادة صالح سرية، ولعله التجسيد المنظم الأول لـ “السلفية الجهادية” في المنطقة العربية. وفي عام 1974، قام التنظيم بمحاولةٍ مسلّحةٍ بالسكاكين للسيطرة على مقر الكلية الفنية العسكرية، تمهيدًا للاستيلاء على الحكم في مصر، انتهت المحاولة بالفشل، وباعتقال رؤوس التنظيم. وفي عام 1979، وعلى إثر دخول الجيش السوفييتي أفغانستان، أصدر عبد الله عزام؛ الفلسطيني السلفي، بعد خروجه من غزّة، والذي لعب دورًا مهمًا في تشكيل تنظيم القاعدة؛ مع عددٍ من الشيوخ، فتوى ضمنها في كتابه “الدفاع عن أراضي المسلمين أهمّ فروض الأعيان”، وأكد مضمونها في وصية 1986، ومفادها أنّ الجهاد “فرض عينٍ على كلّ مسلمٍ في الأرض…”، وأنّ “الناس كلهم آثمون الآن بسبب ترك القتال، سواء كان القتال في فلسطين، أو في أفغانستان، أو في أيّ بقعةٍ من بقاع الأرض، التي ديست من الكفار، ودنست بأجراسهم.”

في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وانتقال مركز ثقل الحركة الوطنية الفلسطينية إلى الداخل، وبروز تيّار “السلفية الجهادية” عربيًا، خاصّةً في مصر وسورية، ومع ما شهده الفلسطينيون؛ في الوطن وفي المنفى، من مخاضٍ سلفيٍ جهاديٍ خاصٍ بهم، عبر عن نفسه من خلال أفراد ومجموعاتٍ صغيرةٍ، ولد في أواخر الثمانينيات تيّارٌ عريضٌ تجسد في “حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين”، و”حركة المقاومة الإسلامية”(حماس)، اللتين رغم انتمائهما الفكري لتيّار الجهادية، لكن نضالهما الوطني اليومي جعلهما يتخذان مسارًا ونهجًا مختلفًا، يجمع بين الوطني والجهادي.

بحسب إحدى تغريدات تنظيم داعش عام 2014 “إن الله في القرآن الكريم لم يأمرنا بقتال إسرائيل أو اليهود حتّى نقاتل المرتدين والمنافقين، ولن تتحرر القدس حتّى نتخلص من هؤلاء الأصنام.

بيسان عدوان

المصدر: صحيفة العربي الجديد




مبادرة جزائرية لحل الأزمة في النيجر: عودة إلى المسار الدستوري في 6 أشهر

أعلنت الجزائر مبادرة سياسية لحل الأزمة في النيجر، وتجنب الحل العسكري، تتضمن استعادة المسار الدستوري في غضون ستة أشهر، بقيادة شخصية مدنية متوافق عليها، والدعوة إلى التحضير لعقد مؤتمر دولي للتنمية في دول الساحل.  

وكشف وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، في مؤتمر صحافي، أن الرئيس تبون قرر إعلان المبادرة ليعرضها على المجتمع الدولي، تتضمن “تحديد فترة زمنية مدتها ستة أشهر للعودة إلى المسار الدستوري وعوة العمل السياسي”، و”وضع الترتيبات السياسية للخروج من الأزمة، والضمانات الكافية، لصياغة ترتيبات سياسية بمشاركة وموافقة جميع الأطراف في النيجر دون إقصاء لأي جهة مهما كانت، على أن لا تتجاوز مدّة هذه الترتيبات ستة أشهر، وتكون تحت إشراف سلطة مدنية تتولاها شخصية توافقية تحظى بقبول كل أطياف الطبقة السياسية في النيجر وتفضي إلى استعادة النظام الدستوري في البلاد”، ما يعني تحييد الرئيس محمد بازوم عن السلطة، في مقابل تنحي العسكريين عنها.

وأكد عطاف أنه “في ضوء المشاورات والاتصالات التي قمنا بها، ارتأى الرئيس الجزائري أن يتقدم بمبادرة حل سياسي للأزمة في النيجر، في إطار رؤية تضمن احترام مبدأ عدم شرعية التغييرات غير الدستورية، وتحقق التفاف الجميع حول الخيار السلمي بعيداً عن أي تدخل عسكري”.

وأضاف أن “هذه المبادرة تثبت أن الحل السياسي ممكن، كما أن إعلان هذه المبادرة وعرضها على المجتمع الدولي، هي بدافع الشفافية وحشد الدعم لها، كما أنها مبادرة تتضمن طابع المرونة على المقترح لتمكينه من استيعاب كل فرص الاجتهاد أياً كان مصدرها، لإثرائه وتقوية فرص الالتفاف حوله، ووضع حل الأزمة القائمة في النيجر في إطار أوسع، وهو الإطار الإقليمي في الساحل، وهذا المقترح مفتوح للتشاور مع كافة الأشقاء والشركاء الراغبين والعازمين على الإسهام في حل الأزمة في النيجر”. 

وأكد عطاف أن المبادرة الجزائرية تُبنى على “تعزيز مبدأ عدم شرعية التغييرات غير الدستورية”، وأن الجزائر قررت أن “تبادر خلال القمة المقبلة للاتحاد الأفريقي بتقديم مقترحات من شأنها تعزيز هذا المبدأ وآليات تجسيده وتكريسه على أرض الواقع لوضع حد نهائي لعهد الانقلابات الذي طالما رهن استقرار العديد من بلدان القارة وحال دون تحقيق التنمية والتطور فيها”.

وربط عطاف ذلك بتقديم الجزائر “الضمانات الكافية لكل الأطراف بما يكفل ديمومة الحل السياسي وقبوله من طرف كافة الفاعلين في الأزمة وفي مسار حلها”.

وأوضح الوزير الجزائري أن المبادرة الجزائرية تتضمن “الدعوة إلى تنظيم مؤتمر دولي حول التنمية في الساحل” بهدف “تشجيع المقاربة التنموية وحشد التمويلات اللازمة لتنفيذ برامج تنموية في هذه المنطقة التي هي أحوج ما تكون إلى البنى التحتية الاجتماعية والاقتصادية، بما يضمن الاستقرار والأمن بصفة مستدامة”، مشيراً إلى رفض الجزائر “تسليط العقوبات الاقتصادية التي يتضرر منها الشعب النيجري”.

وأوضح عطاف أن “مبعث معارضتنا الشديدة لحل استخدام القوة في النيجر، مرتبط بالتداعيات الوخيمة التي يمكن أن يخلفها هذا الحل المشكوك في نجاعته، وتاريخ المنطقة حافل، ولا يزال بالآثار الكارثية للتدخلات لأجنبية”، مؤكداً أن الجزائر “لن تسمح باستخدام أجوائها في تنفيذ عمل عسكري في النيجر”. 

وكشف المسؤول الجزائري النقاب عن ثلاثة لقاءات جرت بين قائد الانقلاب عبد الرحمن تياني، والسفير الجزائري، بشأن ضرورات الحل السياسي، فيما التقى الأمين العام للخارجية الجزائرية لوناس ماقرمان مع وزير الدفاع في النيجر ومع رئيس الحكومة، دون أن يلتقي الرئيس محمد بازوم

عثمان لحياني

المصدر: صحيفة العربي الجديد




احتراف حرب الشوارع في الخرطوم: تاتشر ودراجات نارية و”الكدمول”

عند اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، التي كانت تشكل أكبر وحداته البرية، لم يتوقع الكثير من السودانيين أن يطول أمد الحرب بسبب تفوق عتاد الجيش السوداني، ذي التاريخ المليء بالحروب الداخلية. لكن الصراع دخل شهره الخامس، وطاول معظم ولايات البلاد الثماني عشرة.

وفي صباح 15 إبريل/ نيسان الماضي، استيقظت الخرطوم على أصوات الرصاص الكثيف، في منطقة المدينة الرياضية جنوب العاصمة، حيث تعسكر قوة كبيرة من قوات الدعم السريع.

وسرعان ما دوت أصوات القصف المدفعي، وامتلأت شوارع مدن العاصمة الثلاث، الخرطوم وبحري وأم درمان، بالسيارات العسكرية والمدرعات، ما صعب على المواطنين حتى الخروج من منازلهم.

مضت الأيام والأسابيع والأشهر ولم تُحسم الحرب لصالح أي من الطرفين، إذ أصبحت تدور وسط الأحياء السكنية وداخل الأزقة والشوارع وعلى أسطح المباني. وشكلت أساليب “حرب الشوارع”، التي تستخدمها قوات الدعم السريع، تحدياً أمام التفوق العسكري للجيش السوداني، الذي اتهم “الدعم السريع” بتجنيد الأطفال واستخدام المواطنين دروعاً بشرية، عبر التمركز وسط الأحياء السكنية.

كما أن المروحيات العسكرية التي هاجمت آليات “الدعم السريع” في الأيام الأولى للحرب، تعرضت للاستهداف من المضادات الأرضية المخبأة بين المنازل وتحت الأشجار، ما تسبب في دمار هائل للمساكن والبنى التحتية.

استخدام  “الدعم السريع” أساليب حرب الشوارع في الخرطوم

لجأت قوات الدعم السريع في المعارك داخل الخرطوم وعواصم الولايات التي تشهد اشتباكات، إلى استراتيجية حرب السيارات لمواجهة دبابات وآليات الجيش السوداني المدرعة والاكثر تقدماً، ثم استخدمت بكثافة الدراجات النارية في الهجمات السريعة وعمليات الاستطلاع والمراقبة.

وركزت “الدعم” على استخدام سيارات تويوتا – تاتشر السريعة والاشتباك أثناء الحركة، وعدم احتلال موقع لأكثر من ساعة، ثم التحرك بالسيارات لموقع آخر. وتعد سيارات “تويوتا تاتشر” رمزاً للحرب في السودان، نظراً لأنها سريعة وخفيفة، كما تلطَّخ بالطين مع قص كابينة القيادة وترك المقاعد مكشوفة، بما لا يترك أي زجاج لعكس الضوء أو الشمس.

وسبق أن استخدم هذا الأسلوب من قبل الحركات المسلحة في دارفور، ومن هنا جاءت تسمية “الدعم السريع”. وأدى اتساع هذه الظاهرة في الإقليم منذ شهد حرباً بداية من عام 2003، والتركيز عليها من قبل عصابات النهب والمليشيات التي تهاجم المدن بدارفور، إلى اتخاذ حكومات ولايات دارفور قراراً بحظر استخدام الدراجات النارية هناك، قبل أن تلحق بها ولاية شمال كردفان.

وفي جولة لـ”العربي الجديد”، على عدد من أحياء الخرطوم، ظهر جلياً أن قوات الدعم السريع استفادت من طبيعة المدينة الآهلة بالسكان والمكتظة بالمباني المترابطة بالممرات الضيقة، وهو ما جعلها تنتشر فيها بكثافة، مستخدمة سيارات الدفع الرباعي والدراجات النارية، ونشر القناصة على أسطح المباني العالية.

مشاركة الدراجات النارية في المعارك

وحسب ما رصدت “العربي الجديد” تشارك الدراجات النارية بكثافة في هذه المعارك. فقد استولت قوات الدعم السريع على عدد كبير من الدراجات، انتزعت جزءاً منها من المواطنين والجزء الآخر من مخازن الشركات وأقسام الشرطة والمؤسسات الحكومية، بينما يستخدمها الجيش بعدد قليل.

وقد شوهدت هذه الدراجات يقودها مسلحون صغار في السن، شارك الكثير منهم في الهجوم على سلاح المدرعات أخيراً.

وقال المواطن محمد الشيخ، الذي يعمل في شركة محلية لتجارة الدراجات النارية، لـ”العربي الجديد”، إن قوة من “الدعم السريع” استولت على نحو 300 دراجة نارية من مخازن الشركة، بعد أيام قليلة من اندلاع المعارك في إبريل الماضي، وحملوها في شاحنات، مبيناً أن صاحب الشركة اضطر لتهريب بقية محتويات مخازنه إلى ولاية أخرى.

الكدمول بدل القبعة العسكرية

كما لاحظت “العربي الجديد” أن جنود وضباط “الدعم السريع” في الخرطوم خلعوا القبعات العسكرية النظامية المعروفة التي كانوا يضعونها قبل الحرب، وعادوا للالتزام بما يعرف في السودان باسم “الكدمول”، وهي عمامة تلف على الرأس وتغطي الفم والأنف وتترك العينين فقط، وتكون بألوان متعددة، ليس من بينها الأبيض.

وعُرفت “الدعم” باعتمار “الكدمول”، الذي يمثل شعاراً للتمرد قبل أن تتحول إلى قوة عسكرية رسمية في العام 2013. وكذلك اشتهرت بارتدائه الحركات المسلحة التي كانت تقاتل نظام الرئيس المخلوع عمر البشير في دارفور. وتقي هذه العمامة، التي مُنعت سابقاً داخل مدن دارفور، مرتديها من الشمس والغبار والبرد، حيث إنها تغطي الرأس حتى العنق، وأصبحت تميز عناصر “الدعم السريع” الآن، لأن جنود الجيش لا يستخدمونها.

وخلال الهجمات المكثفة التي تعرض لها سلاح المدرعات وسط الخرطوم قبل أيام، استخدمت قوات الدعم السريع سيارات “تاتشر” السريعة والدراجات النارية، وهاجمت الموقع من اتجاهات متعددة، حيث تتوسط قاعدة سلاح المدرعات خمسة أحياء تربطها شوارع متداخلة.

وجرى الهجوم عبر ما يعرف لدى هذه القوات باسم “الفزعة”، وهي مساندة متعددة الاتجاهات تدعم القوة الرئيسية المهاجمة، وتأتي من مناطق مختلفة.

استخدام الجيش أسلوب حرب الشوارع

أما قوات الجيش فلم تكن بمنأى بدورها عن استخدام تكتيكات حرب الشوارع، إذ عمدت إلى استعمال ذات الأساليب وسط العاصمة لمهاجمة مجموعات “الدعم السريع” الصغيرة والسريعة، مدعومة بالطائرات المسيرة.

ورصدت “العربي الجديد” هجوماً نفذته طائرة مسيّرة في شارع نوباتيا في حي الكلاكلة جنوب الخرطوم (متى)، حيث اشتبكت سيارة للجيش، كانت تحرس الشارع مع مسلحين من “الدعم” في سيارة صغيرة، قبل أن تأتي طائرة مسيرة وتقصف مركبة الجيش، ما أدى إلى مقتل وإصابة عدد منهم.

استخدام الدراجات النارية بالمعارك ليس جديداً

وقال الكاتب والمحلل السياسي، ماهر أبو الجوخ، لـ”العربي الجديد”، إن ظاهرة استخدام الدراجات النارية في حرب الشوارع ليست أمراً جديداً، فهو تكتيك تم استخدامه بشكل كبير خلال معركة هجليج بين السودان وجنوب السودان في مايو/أيار 2012، وهو تطوير لاستخدام الخيول، مع تميز الدراجات النارية مقارنة بالخيول بالسرعة الكبيرة، والملائمة لاستخدام المدن.

وأوضح أن الدراجات تم استخدامها بشكل كثيف في الصراعات القبلية في ولايات دارفور، وبالتالي باتت وسيلة حركة للمقاتلين بدلاُ من الجمال والخيول.

ورأى أبو الجوخ أن ظهورها في الخرطوم خلال الحرب قد يكون هو المشهد غير المألوف لقاطني العاصمة، لكن التحول الجديد في حرب الشوارع هو توظيف أشكال جديدة بهدف التمويه، كاستخدام “التوكتوك” والسيارات الصغيرة، ضمن خيارات التعويض عن الآليات القتالية الأساسية.

وأضاف: “لأن المركبات العسكرية معلومة الشكل وسهلة الاستهداف، لاحظنا في المعارك، التي وقعت في الشهرين الأخيرين، استخداماً لتلك المتحركات (الآليات) البديلة”.

وأشار إلى أن تجنيد الأطفال، وحتى البالغين، أمر يتماشى مع طبيعة الحروب واستمرارها، لأن الأطراف المتحاربة تظل في حاجة دائمة لتعويض مقاتليها، وبالتالي هذه إحدى تداعيات الحرب، لكن هذا التحول من شأنه أن يفرز آثاراً مستقبلية لخلقه لظاهرة الأطفال المحاربين، كما حدث في دول أفريقيا الغربية، وهو ما سيتطلب معالجتها ضمن الحُزم الموضوعة لمعالجة آثار الحرب.

وحسب أبو الجوخ فإنه من المؤكد أن استمرار الحرب سيترتب عليه اللجوء للتجنيد القسري للأطفال، باعتبارهم الأكثر قدرة على القتال والمغامرة لعدم وجود مسؤوليات على عاتقهم، ولذلك فإن ضمان منع تمدد وتطور هذه الظاهرة وخطورتها يستوجب إنهاء هذه الحرب بأسرع ما يكون، لتجنب العديد من الظواهر، بما في ذلك تجنيد الأطفال.

أيمن إبراهيم

المصدر: صحيفة العربي الجديد




جثث في العراء…قتلى حرب السودان يرقدون وسط الأحياء

يدفع قتلى المواجهات بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع ثمن الحرب مرتين، إذ يرقدون وسط الأحياء السكنية ومن لم تنهشه الحيوانات تؤدي عوامل التحلل المتسارعة بفعل الطقس إلى تشويه ملامحه وضياع إمكانية التعرف إليه.

– صُدمت الأربعينية مريم إبراهيم لدى مشاهدتها صورة زوجها ضمن جثث عناصر الشرطة السودانية الملقاة في شارع الإنقاذ بمدينة الخرطوم بحري، والمتداولة على موقع فيسبوك.

منذ 25 إبريل/نيسان المنصرم، كانت مريم تنتظر سماع خبر منه أو عنه، بعد انقطاع التواصل، خاصة أن الحرب كانت في أوجها، إذ ظل هاتفه مغلقا، ولم تكن الطرقات آمنة للبحث عنه، و”اضطررت إلى مغادرة منزلي مع أطفالي الثلاثة بصحبة الفارّين من الحرب إلى مدينة ود مدني جنوب الخرطوم”، وتضيف مريم بأسى: “تأكدنا من مقتله لكن جثته لم توارَ الثرى ولم يتم إخطار أسرته رسميا بحسب ما تنص عليه القوانين”، وهو ما يتكرر وتعاني منه أسر طرفي الحرب، إذ إن من لقوا حتفهم لا تزال رفاتهم في العراء ولم تُدفن بحسب مصادر التحقيق، في الوقت الذي تتمنى العائلات عودتهم بأي طريقة، ومن بينهم تسنيم الأمين، والتي كانت تأمل لقاء شقيقها المجند في قيادة الدفاع الجوي بالخرطوم، لكن مع مرور الوقت وفقدان الأمل لجأت إلى البحث على منصة مفقود (مبادرة على الإنترنت لمساعدة الأسر على معرفة مصير أبنائها). وفي 16 مايو/أيار الماضي بلغهم خبر مقتله، لكن “لم تصلهم أي تفاصيل عن مكان دفنه وحتى اليوم لم يتلقوا إخطارا رسميا”.

جثث في العراء

تلقى القائمون على منصة مفقود 350 بلاغا بشأن مفقودين في الفترة الممتدة بين 15 إبريل و15 يونيو/حزيران 2023، أكثرها في مدينة الخرطوم، تليها أم درمان ثم الخرطوم بحري، وفق إفادة ثيويبة جلاد، الناطقة باسم المبادرة، في حين دوّنت مبادرة ضحايا الإخفاء القسري، والتي تأسست أثناء الحرب الحالية 445 بلاغا لدى شرطة ود مدني بولاية الجزيرة بشأن اختفاء أشخاص في الفترة بين 15 إبريل وحتى مطلع يوليو/تموز الماضي، بحسب عضو المبادرة المحامي عثمان البصري الصادق آدم، موضحا أنهم لجأوا إلى شرطة ولاية الجزيرة بسبب توقف عمل الشرطة بولاية الخرطوم خلال الفترة الماضية.

وبحسب شهود عيان من أهالي مدينة الخرطوم بحري تحدثوا لـ”العربي الجديد” فإن عشرات الجثث بأزياء عسكرية، لا يعلمون إن كانت لأفراد من الجيش أو من الدعم السريع، توجد على الطريق العام الرابط بين السوق المركزي ببحري، وفي حي شمبات المجاور له. وقال المواطنون الذين وثق معدّ التحقيق شهاداتهم، إن حوالي 15 جثة أخرى توجد على طريق الإنقاذ بين محطة الكرين ومقر شركة سيقا، وجثث أخرى بحي الحلفايا.

جثث1
تنتشر جثث الجنود وسط الأحياء السكنية التي تركزت فيها الاشتباكات (العربي الجديد)

ورصد “العربي الجديد” حسابات على موقع فيسبوك تتبع لعناصر الدعم السريع، تتداول صورا لجثث  قتلى من الجيش السوداني، وكذلك نشر مواطنون صورا لجثث قالوا إنها تتبع للدعم السريع ملقاة في سوق الكلاكلة في العاصمة، وأخرى بأم درمان. وتعرضت جثث الجنود من الطرفين لتلف بالغ بحسب ما عاينه معد التحقيق، إما بسبب نهشها بواسطة الكلاب الضالة، أو نتيجة حرارة الطقس. ويؤكد السوداني أحمد عبد اللطيف والذي يقطن في حي شمبات بمدينة بحري أن السكان رأوا جثثا لجنود بقيت في أماكنها لأيام، ولم يتمكنوا من الاقتراب منها خوفا من استهدافهم بواسطة قناصة ربما يختبئون في المباني المجاورة وكثيرا ما شاهدوا كلابا تنهش جثث جنود قتلى.

بلاغات حول مفقودين
بلاغات تقدمها مبادرة ضحايا الإخفاء القسري لدى شرطة ود مدني بشأن أشخاص مفقودين (العربي الجديد)

فوضى التعامل مع الجثامين

يحمّل اللواء السابق بالقوات المسلحة السودانية أمين مجذوب، مسؤولية فوضى التعامل مع الجثامين الملقاة في الميدان لمليشيا الدعم السريع التي تفتقر إلى التدريب اللازم وغير الملمة بقواعد الاشتباك العسكري والبروتوكول الإضافي الأول من مبادئ القانون الدولي الإنساني والذي تضمن ثلاث مواد تتعلق بالتعامل مع ضحايا النزاعات المسلحة، منها المادة 33 والتي تنص على ضرورة إجراء “اتفاق حول ترتيبات تتيح لفرق يمكن أن تكون مشتركة من الجانبين، أن تبحث عن الموتى وتحدد هوياتهم وتلتقط جثثهم من مناطق القتال”. ولذلك ارتكبت تجاوزات كبيرة من جانبها في موضوع التعامل مع الجثث، فلم يلتزموا بإخطار الجهة التي يتبع لها القتيل، وفي حالة السودان لا بد من وجود مندوب من الطرفين قبل دفن الجثث، لكن لعدم  فتح المسارات الإنسانية وعجز الفرق الطبية عن الوصول لمواقع القتلى، تظل الجثث في العراء وبالتالي تضيع الهويات وما يترتب عليها من آثار.

جثث2
تتعرض الجثث في العراء لضرر بالغ يصعب التعرف على هوية صاحبها (العربي الجديد)

ويدحض عضو المكتب الاستشاري للعلاقات الخارجية للقائد العام لقوات الدعم السريع، إبراهيم مخير، ارتكاب مجنديهم تجاوزات في التعامل مع جثث القتلى، قائلا إن “قوات الدعم السريع عسكرية تتبع النظم الإدارية والقواعد التي تخضع لها أي قوة عسكرية”، وتابع أن القتلى من جانب الدعم السريع لا يتم التخلي عنهم، “لكن بسبب القناصين في مناطق سيطرة القوات المسلحة لم نتمكن من الوصول إلى بعض الجثامين، والمزاعم المتعلقة بوجود جثث لأفراد الدعم السريع تم إهمالها، هو أمر خال من الحقيقة ويعتبر كذبا وافتراءات مكشوفة بغرض تشويه سمعة الدعم السريع، كما أن من يسقطون في يد قوات البرهان نعتبرهم مفقودين حتى يتم التأكد من وجودهم على قيد الحياة”. و”جثث القتلى من الطرف الآخر، يتم دفنها التزاما بالنظم العسكرية والمتبعة في قواعد الاشتباك”، بحسب مخير الذي يقول إن وحدة حقوق الإنسان في الدعم السريع هي التي قدمت الأكياس الخاصة للجثامين وأعانت المتطوعين على دفن الجثث من الطرف الآخر في بحري بعد معركة شارع المعونة المشهورة، ثم تحديد مقابرهم بعد تسجيل أسماء القتلى وأرقامهم العسكرية إن وجدت، لكن أكثر الجثث من المستنفرين الذين لا يملكون بطاقات تعريفية ولا يتبعون لوحدات عسكرية نظامية. ويضيف مثالا آخرا على تعاونهم بقوله “منظمة الصليب الأحمر تعمل في المناطق التي نسيطر عليها بحرية تامة وتقوم بمساعدتنا على دفن جثث الطرف الآخر”، على حدّ زعمه، مشيرا إلى أن قيادة الدعم السريع أصدرت توجيها بتأسيس الوكالة الإنسانية للإغاثة والعمليات الإنسانية، وتشمل مهامها أيضا تسهيل وصول المنظمات للأماكن التي يسيطرون عليها، بما في ذلك الصحافيون لاستقصاء الحقائق وتنبيههم إلى القصور وأوجه الضعف إن وجدت لإصلاحها.

ضياع حقوق القتلى

يمكن أن يؤدي عدم توثيق بيانات قتلى القوات المسلحة ودفنهم في أماكن مجهولة إلى ضياع الحقوق المادية التي تنص عليها اللوائح المنظمة لما يجري في حالة الوفاة، بحسب اللواء مجذوب، وبالتالي يجب تحديد هوية الجثث وسبب الوفاة ومكانها والالتزام بإجراءات الدفن، كما يوضح المحامي عادل عبد الغني، المختص بالقانون الجنائي، موضحا أنه في بعض الأحيان لا ترافق الوحدات العسكرية كوادر طبية، ومن المحتمل ترك جثث في مواقع العمليات ليقوم المدنيون بجمعها، ومن المهم في هذه الحالة أن يتأكدوا حسب خبراتهم من إثبات الشخصية، ويوثقوا سبب ومكان ووقت الوفاة. حتى أن القوة المعادية، ملزمة أيضا بإثبات ذلك، في حال سيطرت على موقع ووجدت به جثثاً أو أشلاء بحسب قانون الحرب وهو جانب من أجزاء القانون الدولي العام، والالتزامات الأخلاقية، وإذا صعب التعرف إلى الجثة، لا بد من أخذ عينة منها، حيث يتم بتر الإصبع أو تؤخذ من تحت اللسان أو الأغشية المبطنة للفم وذلك لتحديد البصمة الوراثية لاحقا، على أن تعطى الجثة والعينة رقما متطابقا، للتعرف إلى صاحبها بعد فحص العينة الوراثية في وقت السلم أو تبادل الرفات.

وفي 29 إبريل/نيسان الماضي، حددت وزارة الصحة الخطوات التي يجب أن يقوم بها المواطنون قبل دفن الجثث غير المعروفة ونبهت إلى ضرورة ارتداء ملابس واقية وقفازات وكمامات، وفي حال كانت الجثة متعفنة لا بد من رشها بالمبيدات المتوفرة في المنطقة، وترقيم الجثامين وكتابة البيانات في ديباجات (تتضمن المعلومات الشخصية وتاريخ ومكان وسبب الوفاة)، لكن صعوبة الظروف وعدم التعرف إلى الجثث وخوف الناس من انتشار الأوبئة والروائح دفعتهم إلى دفنها وسط الأحياء السكنية فقط دون أي توثيق، وفق إفادات 20 شخصا التقاهم معد التحقيق في جولات ميدانية بالعاصمة.

خطر صحي وبيئي

دفعت الخشية من انتشار الأوبئة والأمراض الأهالي إلى دفن الجثث خوفا على حياتهم كما يوضح المحامي عبد الغني، لافتا إلى أن بعضها نهشتها الكلاب والقطط والفئران وبالتالي قد تتغير العادات الغذائية لهذه الحيوانات والتي قد تستمرئ اللحم البشري ويكون بذلك البشر في الخط الأول لاعتداءاتها، لكن الدكتورة أشواق الطاهر، المتخصصة في الطب الشرعي ومديرة مشرحة المستشفى الأكاديمي الحكومي في الخرطوم، تقول إن بقاء الجثامين في العراء أو دفنها عشوائيا من قبل المواطنين يجعل التعرف إلى هوية الجثث معقدا أو مستحيلا وربما يؤدي إلى عدم الحصول على شهادة الوفاة لإكمال الإجراءات المتعلقة بالحقوق المالية والميراث وغيرها.

جثث3
مخاوف من انتشار أمراض بسبب تعفن الجثث وتحللها في العراء دون دفن (العربي الجديد)

ويشكل انتشار جثث جنود طرفي الصراع في الخرطوم دون دفنها تحديا قانونيا وإنسانيا وصحيا، بحسب الدكتور عيسى محمد عبد اللطيف، الأكاديمي المتخصص في علوم البيئة واستدامة التنمية ورئيس سابق للجمعية السودانية لحماية البيئة، موضحا أن وجود جثث في الطريق العام في أي مكان هو امتهان صارخ لكرامة وحقوق الإنسان، عدا عن أنه مسبب للتلوث البيولوجي، وإن بقاءها في العراء يؤدي لانتشار الأوبئة، الناتجة عن البكتيريا والفيروسات والتي قد تسبب أمراضا قاتلة مثل الطاعون.

وبفعل تعرض الجثامين للعوامل البيئية مثل الحرارة المرتفعة والرطوبة والأمطار تتزايد سرعة تحللها وتعفنها، وبالتالي طمس ملامح المتوفى، ما يؤدي إلى اختفاء أدلة سبب الوفاة، كذلك وجودها في العراء ونهش الحيوانات قد يؤديان إلى فقدانها بالكامل وفق الطاهر.

ما سبق يؤكد عليه كبير مفتشي الصحة العامة بوزارة الصحة الاتحادية، عبد الماجد مردس أحمد، قائلا إن بقاء الجثث لبضعة أيام في العراء قد يتسبب في انبعاث غازات سامة أثناء تحللها، ويقر باحتمالات انتقال أمراض عن طريق التلوث العكسي، والذي يحدث بسبب عدم أخذ الاحتياطات الطبية اللازمة عند تعامل الأشخاص مع الجثث، نتيجة عدم إلمامهم بأساليب الوقاية والتعامل مع الجثمان، مثل عدم التعرّض للسوائل الجسدية والدم، وارتداء الحذاء الثقيل للحماية من الإصابات الناجمة عن اختراق أي جسم ملوث للجسد عبر الحذاء، وغسل وتعقيم جميع المعدات والملابس ووسائل النقل المستخدمة لنقل الجثث.

محمد عبد الباقي

المصدر: صحيفة العربي الجديد




الإعلام الإسرائيلي يشرعن الأخبار الكاذبة

قبل شهر، وفي ظل محاولة حكومة بنيامين نتنياهو التدليل على أن قطاعات واسعة من الجمهور الإسرائيلي تدعم خطة التعديلات القضائية التي طرحتها، لم تتردد قناة 14 التي تمثل اليمين الشعبوي في الاحتلال الإسرائيلي، وتعد أهم أبواق الحكومة الدعائية، في عرض فيديو لتظاهرة ضخمة زعمت أنها مؤيدة للتعديلات القضائية.

أقرت حكومة الاحتلال الإسرائيلي، الشهر الماضي، أول تشريع رئيسي في خطة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لـ”إصلاح النظام القضائي في البلاد”. تسعى الخطة إلى إضعاف المحكمة العليا في البلاد ونقل المزيد من الصلاحيات إلى البرلمان.

وسرعان ما تبين أن الفيديو الذي عرضته القناة كان لتظاهرة نظمتها القوى التي تحتج على التعديلات القضائية، وليس المؤيدة لها. وعلى الرغم من افتضاح الأمر، فإن القناة لم تسارع إلى تصحيح المعلومة أو الاعتذار عن عرض الفيديو.

وقد تحول نشر الأخبار الكاذبة بالنسبة لقناة 14، التي تحظى بدعم رسمي كبير، وسيلة شرعية للترويج للخطاب الدعائي والأيديولوجي لحكومة اليمين المتطرف التي تدير دفة الأمور في تل أبيب.

ونظراً لأن قوى اليمين الديني المتطرف المشاركة في الحكومة تعمل على شيطنة فلسطينيي الداخل وتقدمهم على أنهم يحاولون السيطرة على إسرائيل، عرضت قناة 14 تقريراً حول ما زعمت أنها محاولة فلسطينيي الداخل للسيطرة على مستوطنة تبور، عبر شراء المنازل والأراضي.

وفي تقرير نشرته صحيفة هآرتس، قال الناقد الإعلامي، روجل إلفر، إن التقرير الذي بثته قناة 14 مجرد “خبر كاذب فج”، إذ لم تقدّم شواهد تدلل على صدقية ما أوردته.

لكن القناة لا تنشر الأخبار الكاذبة فقط من أجل الترويج لأفكار اليمين المتطرف وللدفاع عن سياسات حكومة نتنياهو، بل تعتمد هذه الوسيلة في مهاجمة الشركات التجارية التي توقفت عن نشر الإعلانات فيها احتجاجاً على دفاعها عن التعديلات القضائية. فبمجرد أن أعلنت شركتا كوكا كولا وشتراوس وقف نشر إعلاناتهما التجارية لدى القناة، سارع ينون ماغال، أحد أبرز مقدمي البرامج الحوارية فيها، بنشر معلومات كاذبة تطعن بجودة ما تنتجانه، ولم يتردد في تسويغ ما ذهب إليه بزعم الاعتماد على نتائج أبحاث علمية.

الناقد الإعلامي لصحيفة يسرائيل هيوم، نير وولف، جزم بأن ماغال تمكن بالفعل من تغيير شكل وسمات التلفزة التجارية في إسرائيل عبر اعتماد الأخبار الكاذبة.

وحتى وزير الاتصالات شلومو كرعي، المسؤول عن قطاع الإعلام في إسرائيل، والذي لم يتردد في تقديم المساعدة لقناة 14 بوصفها بوق اليمين المتطرف ومنبر ترويج لدعاية حكومة نتنياهو، لم يتمكن من الوقوف صامتاً إزاء حجم الأخبار الكاذبة التي يبثها ماغال. فكرعي وصف ماغال بأنه “سيد الأخبار الكاذبة”، مما أثار حفيظة مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي من أتباع التيارات اليمينية والدينية الذين دافعوا عن ماغال وبرروا له نشر الأخبار الكاذبة.

لكن نشر الأخبار الكاذبة لا يتوقف على قناة 14، فبعض مقدمي البرامج الحوارية من ذوي التوجهات اليمينية الذين يعملون في قناة كان، التابعة لسلطة البث الإسرائيلية، يعتمدون النهج نفسه. ووفقاً لـ”هآرتس”، فقد قدمت إيالا حسون، مقدمة أحد البرامج في قناة كان، خبراً كاذباً حول تكلفة بناء المكتبة الوطنية، إذ استعرضت أرقاماً مبالغاً فيها من أجل مهاجمة القائمين على المشروع.

وامتد استخدام الأخبار الكاذبة إلى السياسيين الذين لا يترددون في تلقف أي خبر، بمعزل عن مصدره، في إطار سعيهم لتحسين مكانتهم السياسية والاجتماعية والمس بمكانة خصومهم. فقد سارع وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال، إيتمار بن غفير، إلى نشر خبر مفاده أن ناشطي حركة الاحتجاج على خطة التعديلات القضائية قد نشروا صور عناصر من الشرطة بزعم أنهم شاركوا في قمع المتظاهرين ضد الخطة. وحسب “هآرتس”، فقد تبين لاحقاً أن ما نشره بن غفير كانت مادة روجت لها مجموعة سيبرانية إيرانية معنية بنشر الأخبار الكاذبة بهدف توسيع هوة الخلاف بين مؤيدي ومعارضي التعديلات القضائية.

وفي تقرير موسع، خلصت صحيفة معاريف إلى أن نشر الأخبار الكاذبة أثر بشكل كبير على نتائج الانتخابات الأخيرة في إسرائيل، مشيرة بشكل خاص إلى دور بعض السياسيين الحاسم في ترويج هذه الأخبار، لافتة إلى أن هؤلاء ليس فقط لم يتراجعوا عما نشروه بعدما تبين أنه غير صحيح، بل إن مكانتهم الاجتماعية والسياسية تعززت كثيراً إثر ذلك.

ولا خلاف في إسرائيل على أن خطة “إصلاح الإعلام” التي قدمها كرعي ستساعد في توفير بيئة تسمح بالترويج للأخبار الكاذبة. فخطة كرعي تلغي وجود المؤسسات الرقابية المستقلة التي تشرف على قطاع الإعلام، وتحديداً التلفزيوني، مما يعني أن نشر الأخبار الكاذبة لن يكون سبباً لمعاقبة وسائل الإعلام.

وأثرت موجة الأخبار الكاذبة على مستوى ثقة الجمهور الإسرائيلي بوسائل الإعلام. فحسب استطلاع أشار إلى نتائجه موقع شكوف، فإن 36 في المائة فقط من الجمهور الإسرائيلي يثق بوسائل الإعلام، في حين يرى 58 في المائة أن نظام الحكم في إسرائيل فاسد. ويرى الموقع أن هناك علاقة وثيقة بين فساد نظام الحكم وبين انتشار الأخبار الكاذبة، وأشار إلى أنه كلما تعاظم مستوى فساد الطبقة السياسية كلما مالت إلى نشر الأخبار الكاذبة للتغطية على الفساد.

صالح النعامي

المصدر: صحيفة العربي الجديد