1

قصور الشاه بالأمس… متاحف طهران اليوم

عندما تذهب إلی طهران، تجد أن القصور المتبقیّة من العهد الملکي أصبحت اليوم مقاصد للسّیاح؛ وهي القصور التي سكنها محمّد رضا شاه آخر ملوك إيران وأعضاء أسرته. کان الشاه یستخدم هذه القصور حتى آخر أیام حکمِه ومغادرته إيران قبیل انتصار الثورة عام 1979 بسبب تصاعد حدّة الاحتجاجات.

وغادر محمد رضا شاه آخر ملوك إیران قصر “نيافَران” (Niavaran) الواقع شمال شرق طهران یوم 16 ینایر 1979 متّجهًا نحو مطار “مهرآباد” في طهران، ومن هناك غادر البلاد أبدًا. وقبل أيام من مغادرته القصر دعا الشاهُ الصحفيين الأجانب لتفقّد القصر من الداخل والخارج ليُشهدهم على أنه سيترك كلّ شيء، ولن یأخذ معه أيّ شيء من القصر، وقد زار الصحفیّون أماکن خاصة کـداخل خزانات الألبسة، وذلك لأوّل مرة. وبعد انتصار الثورة الإسلامیة عام 1979 بقیادة الخمیني، اقتحم الشعب والثّوار قصور الشاه التي کانت تحت حمایة قوّات الحرس الملکي (غارْد جافیدان). وبما أن هذه القوات کانت تتجنّب مواجهة المحتجّین حتى في الشوارع، فقد حافظ الثّوار على هذه القصور من النهب بعد انتصار الثورة الإسلامیة. وبعد تشکیل اول حکومة بعد الثورة أصبحت مسؤولية الحفاظ على هذه القصور على عاتق منظمة التّراث الثقافي قبل أن تتحوّل إلی متاحف.

والآن عندما تزور طهران یمکنك زیارة هذه القصور المحوّلة إلی متاحف، ورؤیة نوعية الهندسة المعمارية المستخدمة فيها، والمعالم الفنیة والثقافیة الفریدة. وثمة قصور كثيرة في طهران كانت تابعة للأسرة الملکیة من أبرزها قصر “سعْدآباد” و”نیافَران” و”مَرمر” و”کُلِستان”، وکان للأسرة الملکیة قصورٌ أخری خارج العاصمة طهران وفي مدنٍ إیرانیة أخرى منها مدینتا “رامْسَر” شمالي إيران و”کَرَج”. مجموعة قصور سعْدآباد تقع مجموعة قصور “سعدآباد” شمال طهران، وهي عبارة عن حديقة شاسعة تضمّ عددًا من القصور التي كان قد شیّدها ملوك القاجار في طهران في القرن التاسع عشر، ثمّ تمّ توسيعها في عهد الحکم البَهلويّ، حیث تمّت إضافة قصور أخری لها.

تقع المجموعة بالقرب من منطقة “دَربَند” الواقعة على سفح الجبل في شمال طهران، وهي مقصد لکثیر من سكّانِ طهران خلال عطلة آخر الأسبوع، حیث يقع الکثیر من المطاعم، وتزيّن المنطقة شلّالات جميلة، جعلت منها إحدی أکبر المتنزهات في العاصمة الإيرانية. “القصر الأبیض”، هو أکبر قصور مجموعة سعدآباد، وکان المقرّ الصیفيّ لـمحمّد رضا شاه البهلوي وزوجته وأبنائه. في مدخل القصر الأبيض کان هناك تمثال معدنيّ ضخم لـرضا شاه (الشاه الأب)، وقد تمّ قصّه بعد الثورة من فوق الجزمة، فلم یتبقّ من التمثال سوی جزمته الکبیرة. وکان یعرف رضا شاه بـ “صاحب الجزمة”. وفي القصر الأبیض أيضًا تمّ وضع فاصل زجاجي أمام مداخل الغرف لمنع الزوّار من الدخول، حیث یمکنهم رؤیة داخل الغرف والصّالات من فوق الفاصل الذي لا یتجاوز ارتفاعه المتر الواحد، وتمتلئ هذه الغرف والصّالات بالکراسي التي تضمّ الأرائك والسجّاد والستائر الفخمة التي تشکّل تدرّجات لونية جميلة.

السجّاد المنسوج بأیدي نساجین محترفین من إصفهان وکاشان وغیرها من المدن الإیرانیة، والأرائك والستائر الفرنسیة الفخمة، بالإضافة إلی اللوحات الفنیة والهدایا المقّدمة من مختلف أنحاء العالم، بما فیها التماثیل المعدنیة للنخیل وأثمارها الذهبیة المهداة من أمیر البحرین آنذاك إلی شاه ایران، نراها كلّها في القصر الأبيض.

ویمکن للزائر مشاهدة جمیع الغرف والصّالات بما فیها غرفة الانتظار، وغرفة العمل، وغرفة الاستقبال، وقاعة الطعام، وغرف النوم، وغرف أخرى كانت متعلقة بعائلة الشاه. تضمّ مجموعة سعدآباد للقصور العدید من القصور التي تحوّلت جمیعها إلی متاحف بما فیها مطبخ القصر الذي تحوّل إلی متحف “المطبخ الملکي”، وهو لم یکن سوی بناء صغیر في وسط الحديقة. وفي متحف المطبخ الملکي یمکن مشاهدة قائمة طعام الشاه وأفراد أسرته الیومیة، کما یمکن مشاهدة جهازيْن ألمانيَّي الصناعة لفرم اللّحم وتقطیع البطاطا، بالإضافة إلی عدد کبیر من الصحون النحاسیة وأواني تقدیم الشاي من الفناجین والصحون والمعالق والسّماورات وأباریق الشای بمختلف الأحجام، والمزینة بنقوشٍ تقلیدیة. وقد تحوّلت جمیع القصور بما فیها قصور “الملکة الأم” و”القصر الأخضر” و”قصر وليّ العهد” إلی متاحف مستقلّة. علی سبیل المثال ملابس أفراد الأسرة الملکیة معروضة في “متحف الأزیاء الملکیة”، والصور الفوتوغرافیة وألبومات صور حفل زواج محمد رضا شاه من “فوزية”، شقیقة الملك المصري آنذاك، معروضة في “متحف الصّور الملکیة”، والهدایا والمعالم الفنیة التي كانت قد أُهديت للشاه أو قد جلبها بنفسه فمعروضة في متاحف مستقلة تحمل العنوان نفسه.

وقد تمّ تحویل أحد القصور إلی متحف لعرض المعدّات التاریخیة والقدیمة التابعة للجیش الإیراني، وقصر آخر لعرض لوحات الرّسم للفنان الإیرانی الشهیر “فرشجِیان”. كما تمّ تخصیص جزء من قصر سعدآباد إلی رئاسة الجمهوریة حیث یعمل الرئیس بعضًا من لقاءاته في هذا القصر. وجزء آخر من القصر قد تمّ تخصیصه لاستقرار الضّیوف الأجانب من المستویات العلیا بما فیهم زعماء الدول. قصر نيافَران ومن القصور الملكية الأخرى التي قد تحوّلت إلی متحف هو قصر نيافَران الواقع في شمال شرق طهران، حیث تقع حديقة کبیرة في نهاية شارع نيافَران، وهو الشارع الذي قد تغيّر اسمه بعد الثورة، فصار یُعرف اليوم باسم شارع باهنر؛ وهو قصر یبدو وكأنه بیتٌ لرجلٍ غنيّ، ولیس قصرًا ملکیًّا.

وهو المكان الذی احتفل به الرئیس الأمریکی “جیمي كارتر” في آخر رحلاته الی ایران (1977) بـعید رأس السنة الميلادية برفقة الشاه في الطابق الأرضي للقصر، وهناك وصف کارتر إیران بـ”جزیرة الاستقرار”؛ القول الذی تبین في أقل من عام أنه غیر صحیح، حیث سقط الحکم البهلوي الذي کان يعدّ الأقرب إلی واشنطن، وحلّ مکانه أشدّ حکومات الشّرق الأوسط عداءً لأمریکا. وهناك معالم ثقافیة وفنیة تکسو جمیع أنحاء القصر مصمّمة كما كان يروق لـِفَرح، زوجة الشاه الثالثة والأخيرة، والتي كانت قد درست فرع الهندسة المعمارية في باريس، وكانت مهتمّة بالفنّ والثقافة.  وقد تمّ استخدام تقنیة ألمانیة فی سقف القصر المتحرّك الذي یمکن فتحه وإغلاقه. كما یمکن مشاهدة النقوش الإیرانیة في جمیع زوایا القصر. ومن الأماکن الأکثر جاذبیة هي مکتبة القصر، حیث تضمّ کمًّا کبیرًا من الکتب ذات المواضیع المتنوعة بما فیها الکتب التي قدّمها الأمريكي “والت دیزنی” لأبناء محمّد رضا شاه خلال رحلتهم إلی أمریکا. وکان قصر نیافَران المأوی الأخیر للأسرة الملکیة، حیث أقامت الأیام الأخیرة قبل مغادرتها إیران في هذا المكان. وكان الشاه وزوجته وأبناؤهما يسمعون صوت المتظاهرین والشعارات المناهضة للشاه کـ”الموت للشاه”، وهم داخل القصر، كما كان یمکنهم تخمین عدد المتظاهرین.

وإلى جانب قصر نیافَران تقع قصورٌ أخری منها قصر “جَهان نَما”. وفي هذا القصر توجد مجموعة من اللوحات الفنّیة الخاصة بزوجة الشاه سواء تلك التي حصلت علیها كهدیة أو التي قامت بشرائها، وتضمّ هذه المجموعة لوحاتٍ وتماثیل لفنّانین إیرانیین وعالمیین من أمثال بیکاسو.

ومتحف السّیارات أیضًا هو من الأماکن السیاحیة في قصر نیافَران، ویضمّ هذا المتحفُ أنواعَ السّیارات بما فیها تلك التي صنعتْها شرکة “رولز رویس” خصيصًا للشاه، والسّیارات الکهربائیة التي کان يلعب بها أبناء الشاه عند طفولتهم، والعربات التي یبدو أن أفراد الأسرة الملکیة کانوا یستخدمونها عند سفرهم إلی شمال البلاد، وللتجوال في ساحلِ البحر بحسب ما تظهره الصور. قصر “كُلستان” وقصر “مَرمر” يقع قصر “کُلستان” بالقرب من السّوق الكبير (البازار) فی طهران، ویضمّ مبنى “شمس العمارة” الذي يعود إلی العهد القاجاري، وکانت يعدّ كأعلی عمارة في طهران، ورمزًا للمدينة آنذاك، حیث یبلغ طولها 35 مترًا. وقد شُیّد قصر “کلستان” قبل 440 عامًا، وقد تمّ تسجيله من قبل لجنة التراث العالمي للیونسکو. کان قصر “کلستان” محلّ تتویج محمد رضا شاه، حیث أقیم حفل التتویج في صالة “آئینه” (المرآة)، الصالة الرئیسیة للقصر والمغطاة جدرانها بقطعٍ زجاجیة، وهو فنٌّ إیراني قدیم یستخدم لتزیین الأماکن. وکان غالبًا ما یتمّ استخدام قصر “کلستان” من قبل الملوك القاجاریین، ومازال یحتفظ القصر ببعض معالم الحکم القاجاري. ویقع قصر “مرمر” بالقرب من قصر “کلستان”، وقد تمّ تغییر اسمه إلی “عمارة قدْس” بعد الثورة الإسلامية. وکان یستخدمه الرئیس الإیراني السابق، أکبر هاشمي رفسنجاني، مکتبًا له حتی وفاتِه. کان قصر “مرمر” محطةً للعدید من الأحداث التاریخیة؛ حیث تعرّض شاه إیران فی هذا القصر إلی محاولة اغتيال فاشلة في ابریل 1965. کما أنه کان قصرًا لرضا شاه (الشاه الأب) قبل أن یعتلي ابنه العرش، وقد کتب رضا شاه نصّ استقالته في هذا القصر، وذلك بعد تعرّضه إلی هجوم من قبل قوّات الاتحاد السوفیتي شمالاً والقوات البریطانیة جنوبًا، خلال الحرب العالمیة الثانیة. ویعدّ قصر “مرمر” الذي یتمیز بقبّته الجمیلة جزءًا من العمارات المستخدمة حکومیًّا، ولذلك لا یمکن زیارته، ولم یتحوّل إلی متحف کما حال القصور الأخری. وهكذا تحوّلت قصور الملوك الإيرانيين إلى متاحف في طهران، وأصبحت محطّة للاطلاع على تاریخ الحکم في إیران على مدى قرون.  

خديجة حيدري

المصدر: موقع رصيف 22




السجاد الإيراني ونقوشه الأثيرية… كنز قد يدفن؟

عندما نقرأ أو نسمع عبارة “السجاد الفارسي” أو “السجاد الإيراني” أو “العجمي”، تتبادر إلى أذهاننا تلقائياً صور الأزهار والبساتين والقصور الملكية الجميلة المزينة أرضياتها بهذا السجاد، فهذا الفن البديع الإيراني، لطالما اعتبر من أرقى القطع الأثرية التي تتواجد في أكبر القصور في أنحاء العالم وحتى في البيوت البسيطة لأصغر القرى الإيرانية.

للسجاد الفارسي أشكال وتصاميم وأساليب عديدة، حيث تختلف أساليب تصميمه وحياكته من منطقة إلى أخرى، أو من حائك/ إلى آخر/أخرى، فعلى سبيل المثال: السجاد الكاشاني (مدينة في وسط إيران) يختلف تماماً عن السجاد المشهدي (مدينة في شمال شرق إيران)، فثقافة وذوق الناس في كل منطقة يؤثران مباشرة على الشكل النهائي لهذه التحف الفنية.

وإذا عمقنا النظر بالسجاد الفارسي، وتمعنّا في تفاصيله، سنجد اختلافاً كبيراً بين كل سجادة وغيرها، فمن الممكن أنها حيكت في نفس المنطقة وحتى على يد الفنان/ة ذاته/ا، لكننا سنجد بالتأكيد اختلافاً في التفاصيل، وهذا هو ما يميز السجاد الإيراني عن غيره في جميع أنحاء العالم.

تاريخ طويل مليئ بالجمال

لهذا الفن البديع الإيراني تاريخ طويل ومعروف في جميع أنحاء العالم، فتظهر الأدلة التاريخية أن استخدام السجاد كان شائعاً منذ العصر الأخميني. يكتب عالم الآثار الأوروبي كينيث كروشا عن هذا: “في التاريخ القديم لإيران، تظهر الشواهد أن هناك فترة أضرم فيها جيش إسكندر المقدوني النارَ في برسبوليس (تخت جمشيد)، وأحرق فيها السجاد الأخميني الفاخر والرائع”. کما ذكر المستكشف الروسي سيرغي رودينكو: “نشر الإسكندر سجاداً إيرانياً منسوجاً بجودة ولكنه سميك أمام عرشه الملكي”.

ونجد في النصوص القديمة، للمؤرخين اليونانيين أنهم أوردوا في كتبهم أن الإيرانيين ينشرون السجاد تحت أسرّتهم لجعلها ناعمة، وتأتي في الوثائق الصينية وتحديداً في التقويم الصيني، أن الصين استوردت في العصر “الساساني” سجادة صوفية من إيران.

بازيريك أعتق سجادة في العالم

سجادة “بازيريك” تثبت صحة هذه الأقاويل، فهذه السجادة التي تم اكتشافها من قبل سيرغي رودينكو، في قبر مجمد لأحد حكام السكيثيين في عام 1949، في “وادي بازيريك” بروسيا، وسميت كذلك بسبب مكان اكتشافها، مزينة بإطار زهري وصور لفرسان وغزلان ترعى وحيوانات أسطورية برأس نسر وجسم أسد، حيث لاحظ مكتشف هذه السجادة بعد فحص هيكلها ونقوشها، التشابهَ الكبير بينها وبين نقوش برسيبوليس، على الرغم من أن معظم الباحثين يعتبرون هذه السجادة تنتمي إلى فترة البارثيين أو الميديين، إلا أنه لا تزال هناك نظريات مختلفة حول العمر الفعلي لهذه السجادة. تعرض سجادة بازيريكر حالياً في متحف “هيرميتاج” في مدينة سان بطرسبورغ.

حتى الملوك يفتخرون بها

ولا يستخدم السجاد الإيراني لمجرد غرض تغطية الأرض والبلاطات، إذ أنه يصنف منذ القدم مع السلع الثمينة والأثرية العتيقة منها والجديدة، ويفتخر بها كل من يغتنمها كونه يمتلك عمل من أجمل الأعمال الفنية التراثية.

محل للسجاد الإيرانيمحل للسجاد الإيراني

كثيرة من قصور العالم تستخدم السجاد الإيراني للتزيين، فقصر باكنغهام والبيت الأبيض ومجموعة القصور في طهران وقصور أخرى في شتى أرجاء العالم، تستخدمه كقطع أثرية وعتيقة، ترفع من مستوى هذه الأماكن.

إلى جانب القصور نجد السجاد الفارسي موزعاُ في مختلف متاحف العالم، مثل متحفَي ميونيخ وبرلين (ألمانيا) ومتاحف بوسطن ومتروبوليتان والمنسوجات (الولايات المتحدة الأمريكية) ومتحف بولدي بيزولي (إيطاليا) ومتحف جوبيلين (فرنسا) ومتحف فيكتوريا وألبرت (إنجلترا)، ومتاحف عديدة أخرى في أرجاء العالم.

السجاد الفارسي عالم بلا حدود

مثلما أبدع الرسام فان جوخ بأسلوبه الانطباعي، وأبهر بابلو بيكاسو العالم بلوحاته التكعيبية، وفنانون تشكيليون آخرون نالت لوحاتهم الشهيرة إعجاباً واسعاً، فالسجاد الإيراني يلمع بذات التميز والإبهار، حيث أن نقوشه وحياكته، فن لا يعرف أحد أسراره سوى النساجين/ات الإيرانيين/ات.

ولهذا السجاد أساليب مبهرة ومتنوعة في التصاميم والنقوش، منها: القديمة والإسلامية والشاه عباسية والأرابيسكية والاقتباسية والأفشانية والتركمانية والمشجّرة والطوبية والسمكية والهندسية والمحرابية والتلفيقية والعشائرية، وتصاميم أخرى كثيرة يصعب عدّها في مقال واحد.

حياكة السجاد الإيرانيحياكة السجاد الإيراني

على سبيل المثال في التصميم المشجّر “على الرغم من أن الأغصان والأوراق تشكل أساس نقوشه، إلا أن تشكل الأشجار والشجيرات الصغيرة والكبيرة، هي النقوش الرئيسية لهذا السجاد الفاخر”.

وفي التصميم الهندسي، لا تنقش فيه أي شجرة أو زهرة أو حيواناً، وهو ما اعتدنا عليه في السجاد الإيراني، فالسجادة الهندسية “تتكون جميع نقوشها من أشكال وخطوط هندسية” ليس إلا، ويعتبر هذا التصميم من أقدم التصاميم للسجاد الفارسي.

كما يتنوع السجاد الإيراني بأشكاله، فتحاك السجادات بعض الأحيان بشكل دائري أو مربع أو مستطيل، أو أي شكل هندسي آخر، نظراً لتصميمها واستخدامها. وكل مدينة يحاك فيها السجاد لها خصائصها في الحياكة؛ فمثلاً إذا تم صنعها في مدينة تبريز (شمال غربي إيران)، ستنسج السجادة بخيوط الحرير والصوف، بنسيج دقيق وصغير جداً ومكثف بسطور كثيرة من الحياكة ذات سمك قصير.

وإذا نظرنا للسجاد الكاشاني (وسط إيران)، سنجده أنه منسوج بسماكة أكثر من السجاد التبريزي، وتقتصر الألوان المستخدمة فيه على ألوان العاج والرمادي والبني، وهكذا تتغير السجادة الإيرانية مع تغيير مكان نسجها.

صادرات السجاد الفارسي

كما ذكرنا، لهذا السجاد تاريخ عريق في الصناعة والتصدير، حيث جاب العالم منذ زمن بعيد، وكسائر السلع في السوق الإيرانية، تتدهور تصديراته بعد أن كان في ذروته، فالمشاكل الاقتصادية داخل إيران بسب العقوبات الأمريكية تحرق الأخضر واليابس ولم ينج أي قطاع منها.

سجاد إيرانيسجاد إيراني

وفقاً للإحصائيات، فإن أكبر تصدير للسجاد الإيراني حصل في عام 1994، حيث سجلت إيران في ذلك العام، رقماً قياسياً بلغ ملياري و 132 مليون دولار من صادرات السجاد المنسوج يدوياً، واستحوذ تصدير السجاد على 44% من إجمالي الصادرات الإيرانية غير النفطية في تلك السنة.

ولكن الفرحة لم تدم طويلاً، فبعد سنة فقط تضاءلت هذه النسبة من الصادرات لتصل إلى ميليار دولار، وفي عام 1996 انخفض هذا العدد من المليار ليصل إلى 657 مليون دولار، وبقيت وتيرة الصادرات في تدهور وانحدار شديد، حتى سقطت في عام 2021، لتصل إلى خمسين مليون دولار فقط.

لهذا التدهور أسباب عديدة، تأتي العقوبات على رأسها، فمن المؤكد أن العقوبات هي أهم دليل في إطفاء بريق هذه الدرر الإيرانية، ولفهم مدى تأثيرها يكفي القول إن في عام 1994 استوردت الولايات المتحدة الأمريكية 25% من إجمالي صادرات إيران للسجاد في ذلك العام.

والسبب الآخر في هذه المحنة الاقتصادية هو التزييف، المشكلة الكبيرة التي يواجهها جميع مصنعي/ات للسلع في أنحاء العالم، فكما الحال في سائر القطاعات، للسجاد الفارسي نسخ رخيصة وغير أصلية تباع في أنحاء العالم، والبلاد الأكثر تصنيعاً للسجاد المزيف، هي: الصين والهند وباكستان.

وحول هذا الموضوع صرحت رئيسة المركز الوطني للسجاد الإيراني فرحناز رافع أن: “بعد العقوبات، حلت الهند محل إيران في السوق العالمية للسجاد المنسوج يدوياً”، فهنا العقوبات تأتي إلى جانب التزييف وتزيد من جراح هذا القطاع في إيران.

الكنز المدفون لا ثمن له

برغم جميع هذه المشاكل، يتفق الجميع على جمال وروعة السجاد الفارسي، هذا الفن الإيراني العريق الذي يكون بمثابة كنز فني، لكنه بات شبه مدفون اليوم، فالعقوبات والتزييف وأسباب عديدة أخرى، كفيلة بأن تخفي هذا الفن في جميع مجالاته، فلا صناعة اليوم ولا صادرات مزدهرة مثل السابق.

شكوه مقيمي

المصدر: موقع رصيف 22




وهم إعادة التوطين… احتيال عبر انتحال صفة موظفي مفوضية اللاجئين

يستغل محتالون أوضاع اللاجئين اليائسة وحاجتهم للاستقرار وتأمين ظروف إنسانية لأسرهم في نصب شراك احتيال عبر ادعاء قدرتهم على إعادة توطينهم في بلد ثالث مقابل المال، وهو ما يخالف قوانين المفوضية السامية للأمم المتحدة.

– خسر الستيني السوري المقيم في تركيا يوسف حمد، كل مدخراته في عملية احتيال على يد موظف سابق في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، (يحتفظ العربي الجديد باسمه)، إذ زعم أنه يعمل في مكتب إدارة الهجرة التركية في شيشلي بإسطنبول، ويمكنه مساعدة حمد وأسرته على السفر إلى كندا.

لم يشك حمد في الأمر إذ جرى استدعاؤهم إلى مقابلة في مقر إدارة الهجرة في إبريل/نيسان 2022، و”كانت جميع المؤشرات مطمئنة” لأنهم داخل مقر دائرة حكومية محاطة بالأمن ولا يدخلها المراجعون إلا بمواعيد وبعد سلسلة تفتيش طويلة، ما جعله يستبعد أي احتمال لوقوعه في احتيال، خاصة أنه قابل 7 أسر سورية جاءت لذات الغرض كما يقول.

وبعد مضي 3 أيام من الإجراءات، فوجئ حمد بزيارة شخص يدعي أنه من مكتب إدارة الهجرة جاء ليخبرهم أن مسألة السفر إلى كندا ستطول وأن السبيل الوحيد لتسريع الملفات هو إعادة توطينهم في بريطانيا مقابل دفع 2500 يورو للشخص الواحد شاملة تكاليف السفر، يقول حمد أنه وبقية العائلات دفعوا مبلغ 86 ألف يورو، وفي 8 إبريل 2022 تلقوا رسائل عبر البريد الإلكتروني تفيد بأن الملف الأمني والطبي لهم جرى قبوله في المملكة المتحدة وتم تحديد يوم مغادرتهم في 25 يونيو/حزيران 2022، ومن بعدها فقدوا الاتصال بكل الأطراف، ما اضطرهم إلى الذهاب إلى مقر الدائرة حيث قدموا أوراقهم، فتلقوا إجابة مفادها أن لا أسماء لهم ولا ملفات، فأيقنوا حينها أنهم كانوا ضحية عملية احتيال منظمة، وما يؤكد ذلك، إعلان صادر عن مكتب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في كندا، في 9 إبريل 2022، يكشف أن الموظف المتورط والموجود في تركيا، تم إيقافه عن العمل بسبب ثبوت تورطه في الاحتيال على العديد من الأسر وخداعهم بالسفر إلى كندا.

وهم التوطين2
رسائل وهمية تلقاها لاجئون سوريون عبر البريد الإلكتروني بشأن تحديد سفرهم إلى بريطانيا (العربي الجديد)

وتكرر ما وقع لأسرة حمد مع 20 حالة احتيال يوثقها التحقيق، تعرض لها اللاجئون السوريون في الأردن وتركيا ولبنان، من قبل أشخاص يتظاهرون بأنهم موظفون لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أو المنظمات غير الحكومية أو يزعمون أنهم وكلاء أو سماسرة يمكنهم مساعدتهم في إعادة توطينهم في بلدان أوروبية في غضون أشهر، مقابل دفع مبالغ مالية.

كيف تُنصب الشراك؟

تُعرّف إعادة التوطين بأنها “عملية تؤدي إلى حل دائم في بلد ثالث للاجئين الذين لا يستطيعون الاندماج محليا أو العودة إلى بلدهم الأصلي وممن لديهم احتياجات حماية مستمرة في البلد الذي يعيشون فيه”، بحسب ما نشرته المفوضية على موقعها، موضحة أنها تتضمن اختيار اللاجئين ومساعدتهم على السفر من البلد الذي فروا إليه والتمسوا الحماية فيه، والذهاب إلى بلد آخر دقق ملفاتهم ووافق على قبول الفرد/الأسرة وتوفير الإقامة الدائمة لهم، وتعتبر فرص إعادة التوطين محدودة للغاية، ولا تتوفر إلا للاجئين الذين تتعرض حياتهم، أو حريتهم، أو سلامتهم، أو صحتهم، أو حقوقهم الإنسانية الأساسية للخطر في البلد الذي يلتمسون فيه اللجوء، وتحدد المفوضية اللاجئين الذين ستقوم بإعادة توطينهم، وبعد أن تجري معهم المقابلة الأولية، تعدّ ملفا لهم، حسب البيانات المنشورة على موقعها.

ويستغل المحتالون استعانة بعض دول إعادة التوطين بمنظمات ذات صلة تقدم الدعم لترتيبات السفر والفحوصات الطبية والتوجيه الثقافي، مثل المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، وممثلين عن حكومات دول إعادة التوطين، ووكالات الخدمة الاجتماعية في بلد إعادة التوطين، وكذلك المنظمات غير الحكومية المتخصصة بالخدمات القانونية، للتحايل على لاجئين سوريين بالادعاء أنهم تابعون لواحدة من هذه الجهات، ويطلبون مبالغ مالية تحت ذريعة إتمام إجراءات إعادة توطينهم كما يوثق التحقيق، علما “أن كل تلك الخدمات من هذه المنظمات مجانية مثل المفوضية، ولا ينبغي لأي منظمة أن تطلب أموالا أو دعما من اللاجئين” وفق ما تقوله المفوضية على موقعها، وبحسب رد مكتب المفوضية في الأردن على “العربي الجديد”، فإنه :”لا تتم إعادة التوطين من خلال طلب خاص، ولا ينبغي افتراض اللاجئ أن لديه ملفا لإعادة التوطين إلا بعد الحصول على مشورة من قسم إعادة التوطين في مكتب المفوضية”.

ما سبق يؤكده المحامي السوري زهير مارديني الذي كان يعمل في تركيا قبل انتقاله إلى فرنسا، وتلقى استشارات من لاجئين سوريين هناك بشأن استعانتهم بشركات ومكاتب لإعادة توطينهم، قائلا إن إعادة التوطين من اختصاص المفوضية السامية لشؤون اللاجئين فقط، ولا صلة لمكاتب أو شركات فيها، مشيرا إلى أن هناك مكاتب أيضا مختصة بتسهيلات الهجرة وإعداد ملفات مقدمي طلبات الحصول على تأشيرات، “هذه يكون عملها مشروعا في حال كانت معتمدة من سفارة الدولة المستضيفة”، ويفترض أن تتقاضى رسوما إدارية بسيطة ولا صلة لها بإعادة التوطين، بينما غير المعتمدة من السفارات هدفها الأساسي التحايل من أجل جمع المال، على الرغم من معرفتها بأن نسبة الحصول على الموافقة للهجرة ضئيلة لكنها تستمر في استهداف الضحايا.

“ويستخدم المحتالون قنوات مختلفة للتواصل مع اللاجئين، بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي، وتبلغ المفوضية السُلطات بهذه المخطّطات وتنسق معها، مع تفعيل حملات التوعية للاجئين لتجنب الوقوع في شرك المحتالين والتبليغ عنهم فورا”، بحسب رد مكتب المفوضية في لبنان الذي تلقاه “العربي الجديد” لكن  تحقيق “العربي الجديد” رصد 20 صفحة على فيسبوك تحمل أسماء ذات صلة بإعادة التوطين ويدّعي القائمون عليها أنهم قادرون على مساعدة اللاجئ في ذلك مقابل المال.

لماذا يصدق اللاجئون المحتالين؟

تواصل “العربي الجديد”، مع شركة يحتفظ باسمها، تزعم أن مقرها في تركيا، وأكدت خلال ردها على استفسارات معدة التحقيق قدرتها على إعادة توطين اللاجئين السوريين المقيمين في تركيا ولبنان والأردن، لكنها لا تباشر في العمل على الملف إلا بعد أن تستلم 780 دولارا، على أن يستكمل المعنيّ باقي الرسوم بعد انتهاء العمل وهي 4000 دولار للفرد، أما الأسرة فتدفع 8000 دولار بغض النظر عن عدد أفرادها، مؤكدة على أنها ليست منظمة خيرية ولا تستقبل الحالات الإنسانية وفي حال عدم توفر الرسوم  لدى اللاجئ لا يقبل الملف ويتم إتلافه.

شركة تركيا
ردود شركة تدّعي أنها مختصة بخدمات إعادة توطين اللاجئين (العربي الجديد)

وتزعم الشركة أن هناك حالات تتسبب بإلغاء ملف إعادة التوطين مثل وجود أي قيد إجرامي أو حكم قضائي بحق اللاجئ وفي حال وجود أي مرض معد أو إرفاق أوراق مزورة، مدعية أنها تمكنت من إعادة توطين  170 ألف عائلة من عدة بلدان، وهم الآن يستفيدون من المزايا التي تمنحها الحكومة الكندية من سكن ودراسة للأطفال وعمل، وراتب لمدة عام.

و”دفعت سنوات اللجوء إلى جانب الأزمة الاقتصادية الحالية في لبنان بالعديد من العائلات إلى الفقر المدقع وأجبرتهم على اتخاذ قرارات صعبة وخيارات يائسة، إذ بات 90% من اللاجئين في لبنان بحاجة إلى مساعدات إنسانية حيويّة، لذلك فإن هذه الظروف تدفع اللاجئين إلى تصديق المحتالين والتعلق بالوهم على الرغم من استمرار حملات التوعية والتي تؤكد على حقيقة أن جميع خدمات المفوضيّة ومن بينها إعادة التوطين مجانية، كما تقدّم المفوضية للاجئين المشورة بشأن العملية القانونية ومجرياتها”، بحسب ما جاء في رد مكتب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان المكتوب، على أسئلة “العربي الجديد”.

وهم التوطين 4
تنشر المفوضية تحذيرات متكررة من “وسطاء إعادة التوطين” ل (العربي الجديد)

وعلى الرغم مما تنشره المفوضية من تحذيرات على صفحاتها على فيسبوك منذ عام 2018، لتنبيه اللاجئين من الوقوع في فخ وهم إعادة التوطين، صدق اللاجئ السوري في مدينة جبيل شمال بيروت، عبدالله حاج عبدالله، وعود شاب يقيم في تركيا، وتحتفظ “العربي الجديد” باسمه وبياناته، زعم أن بإمكانه إعادة توطينه هو وأسرته في فرنسا بالتعاون مع المفوضية.

ويلتقط المحتال ضحاياه عبر مجموعات منتشرة على فيسبوك يتبادل فيها اللاجئون معلومات حول إعادة التوطين والهجرة، وهو ما حصل مع حاج عبدالله الذي بدأ تواصله مع المحتال عبر فيسبوك، ليعده بأنه بمجرد وصوله لفرنسا سيحصل على منزل وراتب شهري من الحكومة الفرنسية، وتعليم أطفاله مجانا وتوفير فرصة عمل له.

ودفعت تلك الاحتياجات حاج عبدالله إلى منح المحتال 25 ألف دولار تكاليف إعادة توطينه هو وأسرته، وفق روايته لـ”العربي الجديد”، قائلا: “أرسلت الحوالات للشاب في تركيا على دفعات بتواريخ 26 ديسمبر/كانون الأول 2021، وفي 21 فبراير/شباط 2022، وفي 23 مارس/آذار 2022، مقابل إعداد ملفي وتقديمه للمفوضية، وكانت الدفعة الثانية مقابل فحوصات طبية، والدفعة الأخيرة مقابل تذكرة السفر لي ولأسرتي”، إلا أن المماطلة وتهرب المحتال من الرد عليه بعد ذلك، جعل حاج عبدالله يعرف أنه وقع في فخ، وبدأ يطالب المحتال باسترداد أمواله التي دفعها إلا أنه لم يستجب له حتى اليوم.

وهم التوطين5
المبالغ المالية التي أرسلها اللاجئ عبدالله حاج عبدالله للمحتال (العربي الجديد)

ويُجمع السوريون الذين يوثق التحقيق حالاتهم على أن مزايا الحصول على بيت وعمل وراتب شهري وتعليم الأطفال، لمن يسعى للهروب من الظروف البائسة التي يعيشونها في بلدان اللجوء وأملا بحياة كريمة في أي دولة أوروبية، كانت كفيلة بدفعهم إلى تصديق المحتالين الذين يزعمون أنهم قادرون على تأمينهم عبر إعادة التوطين.

انتحال صفة موظفي المفوضية

تكشف الدعوى رقم 1164/2019 والتي نظرت فيها محكمة صلح جزاء عمان حول حادثة احتيال تعرض لها لاجئ سوري بحسب محرك البحث القانوني “قسطاس”، أن ثلاثينيا أردنيا أوهم لاجئا سوريا بأنه موظف في مفوضية الأمم المتحدة ويستطيع أن يؤمن له ولأفراد عائلته توطينا من خلال السفارة الكندية بدون مقابل شريطة دفع رسوم الطلب وقدرها خمسمائة دينار أردني (705 دولارات)، ووافق اللاجئ على ذلك وسلم المشتكى عليه المبلغ وجوازات السفر الخاصة به وبأفراد عائلته، إلا أن الشاب الأردني وبعد استلامه للمبلغ والجوازات توارى عن الأنظار، وتقدم اللاجئ السوري بشكوى بحقه، وقضت المحكمة في 28 فبراير/شباط 2019 بأنه ارتكب جنحة الاحتيال وفقا للمادة 417 من قانون العقوبات الأردني، وحكمت عليه بالحبس ستة أشهر ودفع الرسوم وغرامة 100 دينار (141 دولارا) ونظرا لإسقاط المشتكي حقه الشخصي قررت المحكمة وعملا بأحكام المادة 100 من قانون العقوبات تخفيض العقوبة بحقه لتصبح الحبس ثلاثة اشهر ودفع الرسوم وغرامة خمسين دينارا (70 دولارا).

وبالبحث عبر محرك البحث القانوني (قسطاس)، تبين أن المحاكم الأردنية نظرت في ثلاث قضايا متعلقة بقضايا احتيال على السوريين في مسألة إعادة التوطين، وكذلك 6818 قضية متعلقة بقيام أشخاص بإيهام اللاجئين بقدرتهم على تهجيرهم إلى بلد أوروبي.

النعيمي
خداع اللاجئين السوريين برسائل مزيفة (العربي الجديد)

من بين هؤلاء، السوري المقيم في عمّان، أبو عبود النعيمي (اسم مستعار بناء على طلبه)، والذي التقى بشخص يزعم أنه موظف في مكتب المفوضية في الأردن ويمكنه مساعدته في مسألة إعادة توطينه وأسرته في كندا، وبناء على ذلك حول له 1135 دولارا بتاريخ 14 أبريل 2022 بحسب ما يظهره سند التحويل الذي اطلعت عليه “العربي الجديد”، ثم تلقى النعيمي في 16 مايو/أيار 2022 رسالة نصية عبر هاتفه اطلع عليها “العربي الجديد”، تخبره أن لديه موعدا في السفارة الكندية في 16 يونيو/حزيران 2022 وتمت الموافقة على إعادة توطينهم في كندا بنجاح، تلاها اتصال من شخص يدعي أنه يعمل لدى مكتب المفوضية في الأردن أيضا، ليبلغه أن ملفه لإعادة التوطين تم قبوله، وما لبث أن فقد الاتصال مع المحتال الذي استلم المال، فلجأ النعيمي إلى مكتب المفوضية التي أكدت له أنها لم تستدعه للمقابلة ليكتشف بعدها أنه ضحية احتيال.

بديعة الصوان

المصدر: صحيفة العربي الجديد




لاجئو السودان في تشاد… الهروب من الموت إلى المجهول

منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” في شهر إبريل/ نيسان الماضي، أُجبر أكثر من 4 ملايين مواطن سوداني على الفرار إلى داخل بلدهم، وإلى البلدان المجاورة، من ضمنهم ما يقرب من 700 ألف لاجئ وطالب لجوء ممن فرّوا إلى البلدان المجاورة، بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومن بينهم سكان إقليم دارفور الذين هربوا إلى دولة تشاد المجاورة بحثاً عن الأمان المفقود في بلادهم.

لجوء مستمر لسكّان دارفور

منذ عام 2013، عانى سكّان إقليم دارفور، غربي السودان من النزوح واللجوء المستمرين بسبب الحرب التي اندلعت حينها بين نظام الرئيس المخلوع عمر البشير والحركات المسلحة، والتي شكّلها أبناء الإقليم رفضاً للظلم والتهميش. والآن وجد سكّان الإقليم أنفسهم على موعد جديد مع الفرار إلى داخل البلاد وخارجها نتيجة الحرب بين الجيش و”الدعم السريع”.

وفرّ الكثيرون في دارفور إلى دولة تشاد المجاورة، وتمّ استقبال من وصل منهم حيّاً في معسكرات بمنطقة أدري التشادية، قبل أن تتزايد أعدادهم وتبدأ عمليات توزيعهم على معسكرات أخرى، وسط معاناة من شحّ المساعدات الإنسانية وهطول الأمطار.

وتقول المفوضية السامية للاجئين إنه مع تجاوز عدد النازحين قسراً حاجز الـ4 ملايين شخص جراء الأزمة القائمة في السودان، فإنها تُعبّر عن بالغ قلقها إزاء تدهور الأوضاع الصحية في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك في مخيمات اللاجئين وكذلك عند نقاط الدخول الحدودية ومراكز الاستقبال المؤقت في الدول المجاورة، والتي يصل إليها الأشخاص المجبرون على الفرار.

وبحسب المفوضية، هناك في تشاد 17 عيادة متنقلة فقط تعمل في 15 موقعاً من المواقع الحدودية ومخيمات اللاجئين التي يصل الأشخاص إليها. وقد وصل أكثر من 2400 جريح بين صفوف اللاجئين والعائدين حتى الآن، ما يتطلب رعاية طبية عاجلة، وقد تم علاج ما يقرب من 130 إصابة يومياً في شهر يونيو/ حزيران الماضي.

ويعاني اللاجئون السودانيون في تشاد من سوء الأوضاع، ويعمل برنامج الغذاء العالمي على تقديم المساعدة للآلاف منهم، أغلبهم من النساء والأطفال، يحتاجون إلى المواد الغذائية والمأوى ومياه الشرب. كما ترك كثيرون ممتلكاتهم خلفهم، ويواجهون مشاكل في التواصل مع ذويهم بسبب فقدان الكثيرين هواتفهم ورداءة شبكة الاتصالات.

أدري التشادية تحتضن اللاجئين

وقالت اللاجئة السودانية الموجودة في منطقة أدري التشادية عند حدود البلدين تيسير يحيى، لـ”العربي الجديد”، إن أوضاعهم كلاجئين عند منطقة أدري الحدودية صعبة للغاية، ولا توجد منظمات إنسانية كافية لتقديم المساعدات لهم بسبب كثافة أعداد اللاجئين الفارين من الحرب في دارفور، موضحة أن اللاجئين كانوا في معسكر واحد ولكن يتم تحويلهم إلى معسكرات جديدة.

وأضافت يحيى أن المساعدات الغذائية التي يحصلون عليها ضئيلة جداً، وأنه منذ دخول اللاجئين إلى أدري منذ نحو 3 أشهر تم توزيع مواد غذائية لهم تتمثل في الزيت وقارورة عصير، ولوبياء. ولفتت إلى أن “هذه الأشياء تنتهي في أقل من 10 أيام، وهذا هو برنامجنا الغذائي”.

وأكدت اللاجئة السودانية أنهم يعانون من صعوبة في السكن بسبب الأمطار الغزيرة، في ظلّ عدم وجود مشمعات للحماية، مبينة أن هناك منظمات فرنسية تعمل على توزيع الملابس والأرز للأيتام والجرحى. وأشارت إلى أنه في الجانب الصحي، لا يتوفر كل شيء يريدونه، لافتة إلى وجود منظمات “أطباء بلا حدود”، والصليب الأحمر واليونسيف (منظمة الأمم المتحدة للطفولة)، والتي تعمل بقدر ما يتوفر لها من مساعدات.

خذلان الجيش و”الدعم السريع”

اللاجئة إنعام محمد تقول إنهم هربوا من مدينة الجنينة نحو الحدود التشادية قبل أكثر من شهر، بعد تزايد الاشتباكات في المدينة، وهجمات المليشيات المسلحة على المواطنين، مؤكدة أن المسلحين لاحقوا الفارين نحو الحدود قبل أن يتوقفوا بسبب وجود الجيش التشادي الذي وفّر الحماية للفارين.

وقالت إنعام لـ”العربي الجديد”، إنهم وصلوا إلى أدري وهم مرهقون بالكامل، ولا يملكون أي شيء. وأضافت: “خذلنا الجيش السوداني ولم يوفر لنا الحماية، لكن الجيش التشادي استقبلنا ووفّر لنا الحماية والطعام”. ولفتت إلى أن “كثيرين منا فقدوا هواتفهم وليس هناك شبكة هنا للاتصال بأهلنا”. وأشارت إلى أن “الوضع في معسكرات اللاجئين صعب للغاية، وهناك شحّ في المساعدات الإنسانية بسبب كثرة الأعداد واستمرار دخول الفارين نتيجة تواصل المعارك في ولايات دارفور”، مؤكدة أن “المتطوعين التشاديين من مدينة أبشي يحاولون التخفيف على اللاجئين بتقديم المساعدات، وكذلك سبق أن شاركت القوات الفرنسية هناك في تقديم المساعدة”.

وأوضح سكرتير والي غرب دارفور السابق، الباحث المتخصص في شؤون الإقليم محمد أحمد آدم، لـ”العربي الجديد”، أن اللاجئين فرّوا من جحيم ولاية غرب دارفور وعاصمتها مدينة الجنينة إلى منطقة أدري في تشاد، والتي تبعد عن الولاية حوالي 28 كيلومتراً، مضيفاً أنهم عانوا جرّاء ما وصفه بالتطهير العرقي والإبادة الجماعية التي مارستها بحقهم قوات الدعم السريع ومليشيات الجنجويد. وأكد أن أوضاع اللاجئين مأساوية للغاية، ويقدر عددهم بحوالي 185 ألف لاجئ بحسب السلطات الرسمية، كما أن هناك تدفقاً يومياً للاجئين بمعدل ألفي لاجئ.

وأوضح محمد أن هناك أيضاً مناطق أخرى تأوي اللاجئين إضافة لمنطقة أدري، وهي تأوي الفارين من جنوب الجنينة، كمنطقة قوز بيضة، جنوب أدري، بالإضافة إلى الفارين من ولاية وسط دارفور.

وبحسب محمد، فإن المشاكل التي تواجه النازحين تتمثل في أن عدداً كبيراً منهم لم يحصلوا على حصتهم الغذائية، بالرغم من مرور شهر أو أكثر، ما أدى إلى ظهور حالات سوء تغذية خصوصاً وسط الأطفال، مشيراً إلى أن جلّ مشاكلهم تتمثل بشكل عام في الغذاء والدواء ومياه الشرب مع النقص في الكوادر الطبية وخصوصاً بالنسبة لمصابي أحداث الجنينة.

أيمن إبراهيم

المصدر: صحيفة العربي الجديد




التحريض على المهاجرين… تعاون رئاسي وحزبي في تونس لاستهداف الوافدين من جنوب الصحراء

كيف جرت صناعة خطاب التحريض على المهاجرين من دول جنوب الصحراء في تونس؟ ومن المسؤول عن ترويج أكاذيب تتهمهم بنشر الإيدز والأمراض المعدية؟ سؤالان يجيب عنهما تحقيق “العربي الجديد” الذي يتتبع من أطلق الشرارة.

– ينهمك المهاجر العشريني السوداني رافي إسماعيل، كما عرّف عن نفسه باسم مستعار خوفا من مناخ التحريض المتفشي بتونس، في نصب خيمة إلى جوار 15 من رفاقه المجهدين ممن يحتمون أسفل مظلات وسط بناية متهالكة في ضاحية البحيرة شمال العاصمة، على مقربة من مقر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، احتجاجا على ما يقع بحقهم من انتهاكات وتعنيف وترحيل على يد السلطات التونسية والأهالي كذلك.

ويتحسر رافي على ما آلت إليه حالهم قائلا: “هربنا من الحرب والتجنيد وجئنا إلى تونس بحثا عن السلام، لكن الناس رفضونا وعنفونا ولا نعلم مصيرنا الآن”.

وتعد معاناة رافي ورفاقه جزءا من مشهد تصاعد العنف والكراهية ضد الأجانب من دول جنوب الصحراء في تونس، والذي يوثق “العربي الجديد” كيف ولد وتطور حتى بات المهاجرون وطالبو اللجوء يعيشون في مناخ يتسم بانعدام الأمن والخوف على حياتهم والقلق من المتربصين بهم، وهو ما يتطابق مع ما وثقته منظمة هيومان رايتس ووتش في تقرير نشرته بعنوان “تونس: لا ملاذ للمهاجرين واللاجئين الأفارقة السود” بتاريخ 19 يوليو/تموز 2023، والذي اعتبرت فيه أن “تونس ليست مكانا آمنا لمواطني البلدان الأخرى إذ ارتكبت قوات الشرطة، والجيش والحرس الوطني والبحري انتهاكات خطيرة ضدّ المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء الأفارقة السود، وشملت الضرب، واستخدام القوّة المفرطة والتعذيب والاعتقال والطرد الجماعي والإخلاء القسري وسرقة الأموال والممتلكات”.

من أطلق شرارة العنف ؟

انطلقت الاعتداءات على المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء فعليا في فبراير/شباط الماضي، “بعد البيان العنصري والتمييزي الذي أصدره الرئيس التونسي قيس سعيّد في 21 فبراير 2023، إذ اشتدت العنصرية القائمة بالفعل ضدهم وتعرض عدد كبير منهم في صفاقس وسوسة والعاصمة لأعمال عنف ووجدوا أنفسهم بلا مأوى ودون طعام”، وفق ما يؤكده بيان نشره المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بعنوان ”تونس ليست بلد منشأ ولا ملاذا آمنا لمن يتم إنقاذهم في البحر” في 17 إبريل/نيسان 2023. وهو ما تعكسه تجربة اللاجئ العشريني السوداني سمار كريم (اسم مستعار لخوفه من استهدافه) قائلا ”تعرضنا لكل أنواع الضرب والإهانات ومنعنا السكان من شراء الخبز، حتى أبواب المساجد التي كانت تستقبلنا للوضوء والاستحمام باتت موصدة أمامنا، ومن يريد مساعدتنا يخشى حشود الأهالي الغاضبة”.

وتزايدت وتيرة المشاحنات ووصلت إلى حد نشوب اشتباكات عنيفة بين أهالي صفاقس جنوب البلاد ومهاجرين يقطنون مدينة ساقية الدائر شمال المحافظة، ما أدى إلى مقتل التونسي الأربعيني نزار العمري، في 3 يوليو/تموز الماضي على يد مهاجرين أفارقة، بحسب ما يؤكده لـ”العربي الجديد” وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية في صفاقس عدد 1، فوزي مصمودي قائلا: “جرى توقيف 3 من المهاجرين ينحدرون من جنوب الصحراء بتهمة قتل العمري، بينما لاذ اثنان آخران بالفرار، مشيرا إلى أنهم يواجهون قضايا أخرى مثل الإقامة غير القانونية فوق التراب التونسي”. وأعقب ذلك خروج مظاهرات في المدينة مطالبة بترحيل الأفارقة كردة فعل على الحادثة، بحسب مقاطع مصورة نشرها النائب في مجلس نواب الشعب عن ولاية صفاقس طارق مهدي.

رافعة حزبية تلقفت خطاب سعيّد

أسفر تهييج مشاعر الخوف من المهاجرين عن “خلق رهاب لدى التونسيين” كما يقول الناطق الرسمي للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر.

و”لم يكن العنف ضد المهاجرين وما جرى بعده مفاجئا أو عفويا”، بحسب تفسير خالد طبابي، الباحث في علم الاجتماع بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، قائلا إن “الحزب القومي التونسي (أقصى اليمين) هو الذي بدأ تحريك خطاب عنصري ثم جاء بيان سعيّد والذي كان بمثابة إشارة لانطلاق العنف كونه اعتبر ملف الهجرة أمنيا وله مخاطر اقتصادية وصحية واجتماعية، إضافة إلى ربط المهاجرين الأفارقة غير المسجلين في مفوضية اللاجئين بالجريمة”.

ما سبق يؤكده تقرير هيومان رايتس ووتش آنف الذكر، والذي يربط غالبية حوادث العنف التي ارتُكبت بحق المهاجرين في تونس ببيان سعيّد الذي تضمن أوامر لقوات الأمن بقمع الهجرة غير النظاميّة، وحذر من حشود المهاجرين غير القانونيين باعتبارهم جزءا من “خطة إجرامية لتغيير التركيبة السكانية لتونس” وأنهم مصدر “للعنف والجرائم والممارسات غير المقبولة”.

ووصفت لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز خطاب سعيّد “بالعنصري”، وقالت اللجنة في بيان أصدرته في 4 إبريل/نيسان الماضي، إن مثل تلك التصريحات تتناقض مع الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز العنصري، خاصة أن تصريحات الرئيس أدت إلى تصاعد موجة خطاب الكراهية والوصم تصحبها أعمال عنف ضد أولئك المهاجرين بما في ذلك اعتداءات جسدية واعتقالات وإخلاء من المنازل وطرد من العمل.

ويربط بن عمر  بين خطابات سعيد وزيارات الوفود الإيطالية الى تونس معتبرا أن المعطيات التي تضمنتها التقارير الأمنية الإيطالية تتقاطع مع نظرية المؤامرة التي يؤمن بها الرئيس وتتقاطع أيضا مع الاستراتيجية الأوروبية في حماية الحدود التي لم تعد تقتصر على أجهزة المراقبة، بل تشمل خطابات تصف المهاجرين بالخطر وتدعوا إلى خلق مناطق عازلة في دول الجنوب وهو ما نجحت تلك الدول في نقله إلى تونس وفق تعبيره.

مساهمة عبير موسي في التحريض

خرجت مظاهرات عديدة مناهضة للمهاجرين بقيادة عبير موسي رئيسة الحزب الدستوري الحر (يضم مؤيدي نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي)، أكبرها كانت بتاريخ 25 يونيو/ حزيران المنصرم حين تحركت مع أنصارها إلى صفاقس مطالبة “بمنع مخطط توطين المهاجرين في تونس بـ”تواطؤ من قيس سعيّد المرتهن لأوامر رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني” وفق ما جاء في خطاب ألقته خلال التظاهرة، كما طالبت السلطات ببدء مفاوضات مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لترحيل المهاجرين غير النظاميين وإعادة توطينهم في بلدان قادرة على احتضانهم، قائلة: “لكن سعيّد لا يملك الحزم لقول كل ذلك أمام ميلوني لذلك سيظل يفتح أبواب تونس أمام المهاجرين”.

وسعى “العربي الجديد” إلى الاتصال بموسى لتوضيح موقفها وأرسل كتابا رسميا عبر البريد الإلكتروني الخاص بالحزب، بتاريخ 5 أغسطس/آب 2023 ولم يتلق أي رد، ورغم تواصل معدة التحقيق مع كريم كريفة، النائب السابق عن كتلة الحزب الدستوري في البرلمان المنحل إلاّ أنه اعتذر عن تقديم أية إفادة.

وبلغ التحرض مداه على يد الحزب القومي، الذي نشر مقطع مصور في الرابع من يوليو الماضي، أي بعد ليلة واحدة من حادثة قتل العمري، على صفحته على موقع فيسبوك وشاهده 137 ألف متابع، ظهر فيه الأمين العام للحزب حسام طوبان قائلا: “إن المنظمات الممولة أجنبيا تقوم بتدريب المهاجرين على القوانين التونسية خدمة لمشروع الاستيطان، مشددا على ضرورة الحسم وترحيل مهاجري جنوب الصحراء إلى بلدانهم”.

الحزب
يطالب الحزب القومي بوقف عمل الجمعيات الحقوقية بذريعة دعمها مشروع الاستيطان الأجصي (العربي الجديد)

ولم تكن المرة الأولى التي يبث فيها طوبان خطابا تمييزيا ضد المهاجرين، إذ زعم في مداخلة إذاعية في 23 فبراير الماضي ونُشرت لاحقا على منصة تيك توك التي ينشط فيها الحزب، وسجل المقطع 28.1 ألف مشاهدة، أن أعداد المهاجرين فاقت المليون، وهو ما يعد رقما غير منطقيا إذ بلغ عدد الأجانب المقيمين في تونس 59 ألفا، أي ما يعادل 0.5 % من إجمالي سكان البلاد، منهم 21.466 من دول جنوب الصحراء، وفق تقدير المعهد الوطني للإحصاء في تقرير بعنوان “المسح الوطني للهجرة الدولية” صدر في 7 ديسمبر/كانون الأول 2021.

ويأتي “بث طوبان رقما مهولا حول أعداد المهاجرين بهدف إثارة الريبة في نفوس المواطنين”، وفق ما يؤكده المتخصص في التواصل السياسي فطين حفصية من أن هذه المعطيات تؤجج مشاعر الخوف التي يشحنها الحزب القومي معتمدا على استيراد نظرية الاستبدال العظيم اليمينية التي طرحها الكاتب الفرنسي رونو كامو، كما أن خطاب طوبان يصب الزيت على النار، ويزيد التأليب الشعبي ضد المهاجرين وضد المنظمات الحقوقية.

ومن جهته، اعتبر طوبان أنه بغض النظر عن صحة الرقم الذي قدمه أو عدمها فإن “الخطر الأكبر يكمن في التنظيم وشبكة النفوذ والعلاقات التي يديرها أفارقة جنوب الصحراء الموجودون في تونس لإزالة البلاد من الوجود”، مشيرا إلى أن ”الحزب القومي وثق كل ذلك في تقرير بعنوان مشروع الاستيطان الأجصي وإزالة تونس من الوجود، والمنشور في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2022 على الموقع الرسمي للحزب. 

ووجهت نسخة من تقرير الحزب القومي إلى رئيس الجمهورية بحسب ما أعلنه رئيسه سفيان بن صغير خلال مقابلة تلفزيونية على قناة قرطاج بلوس (خاصة) في يناير/كانون الثاني 2023، أي قبل شهر من البيان الرئاسي الذي فتح أبواب العنف ضد المهاجرين، وبحسب طبابي، فإن كل هذه أحداث متشابهة مترابطة في ظروفها وسياقاتها، ويوافقه فيما ذهب إليه حفصية بإشارته إلى أن “استلهام البيان الرئاسي لمصطلح الاستيطان الوارد في تقرير الحزب وتغيير التركيبة الديموغرافية رسخ استخدام هذا المعجم شعبيا حيث أصبح الجمهور يتداول مسألة الاستيطان والتوطين والتحذير من الخطر الديموغرافي والعرقي الداهم”، مؤكدا أن “الحزب القومي التونسي  استغل ما جاء في بيان رئيس الدولة ليؤسس للفعل والممارسة العنصرية ضد المهاجرين”.

استيطان
حملات تحريض ضد المهاجرين على فيسبوك (العربي الجديد)

ويدعو الحزب القومي الحكومة إلى طرد المهاجرين غير الشرعيين وإيقاف العمل بكل الاتفاقيات والمعاهدات “التي تفرض على الدولة التونسية استقبال المهاجرين غير الشرعيين وتوطينهم بحجة أنهم لاجئون، وهو ما يبيّنه تقرير نشره على موقعه الرسمي بعنوان مطالب حملة تونسيين ضد الاستيطان، وهو ما يعتبره طبابي خطابات عنصرية تحرض ضدّ المهاجرين. وفي شباط الماضي، دعا الحزب التونسيين إلى التوقيع على عريضة إلكترونية تطالب بترحيل المهاجرين المقيمين في البلاد بطريقة غير قانونية من خلال حملة على مواقع التواصل الاجتماعي تشاركتها مجموعات أخرى على فيسبوك.

تصدير الخطاب العنصري للجمهور

“نجح الحزب القومي في تصدير خطابه للجمهور” كما يرى حفصية، ويتجلى ذلك في نشر تدوينات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بواسطة تونسيين يعبرون من خلالها أنهم ضد وجود الأفارقة، ورافضين لتأجيرهم منازلهم بحسب منشورات رصدتها معدة التحقيق في مجموعة  ”سيب التروتوار” وتعني اترك الرصيف، والتي تضم 200 ألف مشترك على موقع فيسبوك والناشطة في صفاقس، وتزايد عدد متابعيها في مطلع يوليو الماضي بالتزامن مع مشاحنات الأهالي والمهاجرين، وهو ما يعكس تأثير الخطاب العدائي الذي بثّه الحزب القومي تجاه المهاجرين بحسب حفصية، مبينا أن “الخطاب التحريضي للحزب تحول إلى فعل” عبر منصاته على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة منصتي تيك توك حيث يبلغ عدد متابعيها 24 ألفا، ويصل عدد المشاهدات على الفيديوهات المنشورة عليها إلى 542 ألف مشاهدة وهو ما يثير مخاوف المتخصصين في التواصل، إذ يوضح حفصية أنه “رغم تنوع المضامين إلا أن ما يلاحظ هو تكثيف الخطاب العنصري للحزب على منصة تيك توك باعتبارها جسرا اتصاليا مستحدثا في تونس ويمس أوسع فئة مجتمعية وعمرية وهي الشباب”.

عنصرية
نشر الرهاب من المهاجرين بين التونسيين بالاستعانة بوسائل التواصل الاجتماعي (العربي الجديد)

وبحسب ملولي فإن الحزب سعى جاهدا لاستمالة نشطاء المجتمع المدني في صفاقس من أجل تنظيم مواجهة مباشرة مع المهاجرين باستعمال الهراوات، لكن النشطاء رفضوا وفق ملولي. بينما ينفي طوبان لـ”العربي الجديد” ذلك قائلا “نكذب هذه الادعاءات الباطلة ونعتبرها من قبيل إثارة الإشاعات. سبق أن دعونا في أكثر من مناسبة إلى الالتزام بالقانون وعدم الدخول في أي مواجهات أو أي شكل من أشكال العنف ضد المهاجرين” ، مشددا على أنهم دعوا فقط إلى قيام الدولة بالحلول القانونية.

إلصاق التهم بالمهاجرين

يؤكد مصمودي لـ”العربي الجديد” أن محاضر التحقيق تثبت أن مرتكبي الجرائم (التي تم إلصاقها بالمهاجرين) منهم تونسيون ومنهم مهاجرون، ولا ترتبط الجرائم حصرا بالمهاجرين، رافضا إلصاق جميع تهم السرقة مثلا والتي تحدث في الجهة بالمهاجرين.

رغم ذلك، يطالب المدون التونسي والناشط في صفاقس زياد ملولي، والذي يدير مجموعة ”سيب التروتوار”، بإيجاد حل للمهاجرين، معتبرا أن “الوضع الأمني والصحي أصبح كارثيا بسببهم لأنهم ضالعون في قتل العمري إضافة إلى النهب وتجولهم بأمراض السل والإيدز”. الأمر الذي ينفيه المدير الجهوي للصحة بصفاقس الدكتور حاتم الشريف لـ”العربي الجديد”، مؤكدا أن تسجيل الإصابات بالأمراض السارية لم يتجاوز المعدلات العادية، مشددا على أن وزارة الصحة تتقصى الوضع الصحي للتونسيين والأفارقة على حد السواء وتنظم عمليات تلقيح لأفارقة جنوب الصحراء، مشيرا إلى عدم وجود أي آفة أو وباء”.

لكن ملولي ينتقل إلى اتهام آخر يتعلق بتلقي المهاجرين أموالا من الخارج عبر البريد التونسي وهو أمر يدعو للتساؤل والريبة وفق تعبيره. الأمر ذاته كان موضوع مجلس أمن قومي أشرف عليه الرئيس التونسي ونقلته الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية على فيسبوك في 14 يوليو 2023، تم خلاله تقديم بيانات مفادها أن تحويلات المهاجرين غير النظاميين خلال النصف الأول من السنة الحالية بلغت 3 مليارات دينار تونسي (971 مليون دولار).

تو
السلطات التونسية تزيل خياما لمهاجري دول جنوب الصحراء (Getty)

ويفسر حفصية مسألة تداول موضوع التحويلات ورمي تلك الأرقام من قبل رئيس الجمهورية بأنه يهدف إلى زيادة الشك وتقبل نظرية وجود مخطط استيطاني وهذا ينعكس على نمط التعامل المجتمعي الذي يتحول إلى عنف وتمييز وكراهية وفق تعبيره.

وكذلك الحال بالنسبة لترويج وتجذر أفكار كالخطر الصحي الذي يمثله المهاجرون ومصدرها فاعلون سياسيون يؤثرون في المجتمع وفق طبابي.

عالقون في وادي المغطى

يتجمع 160 مهاجرا غير نظامي في وادي المغطى الذي يبعد عن محافظة توزر الحدودية جنوب غرب البلاد 20 كيلومترا، وينحدرون من جنسيات مختلفة منها السودان، وغامبيا، وساحل العاج، وبوركينا فاسو ، ومالي وغينيا، وفق تقرير أعده المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وحصل عليه “العربي الجديد” بعنوان “وادي المغطى: فضاء مفتوح للتغييب المضاعف: قصة مهاجرين عالقين ومنبوذين”، والذي يكشف أن هؤلاء المهاجرين يعيشون ظروفا مزرية على طول الوادي وبين مرتفعات الجبال وتحت النخيل وبالقرب من بركة المياه الملوثة، وهو ما يوثقه أيضا فيديو  حصل عليه “العربي الجديد”.

وتتيمز هذه المنطقة بطبيعة وعرة وصعوبة التنقل ومناخ شديد الحرارة، والتقى “العربي الجديد” بطالب لجوء من ساحل العاج طلب عدم كشف هويته حفاظا على أمانه بعد اضطراب الأوضاع واستهداف المهاجرين، وذكر أنه مُنع من دخول التراب الجزائري رغم أنه طالب لجوء، ويمتلك جواز سفر، وظل عالقا في وادي المغطى، من دون القدرة على دخول تونس أيضا في ظل موجة ترحيل المهاجرين، إذ لم تميز السلطات التونسية في حملتها ضد المهاجرين بين حاملي الوثائق من غيرهم بحسب رمضان بن عمر، وأخلت أجهزة الدرك والشرطة المدينة لكبح أعمال العنف وامتصاص غضب الأهالي فنقلت المهاجرين إلى الغابات الحدودية بالتزامن مع توافد آخرين ظلّوا عالقين في المنافذ الحدودية.

وبحسب التقرير السابق الذي ينقل شهادات ميدانية من العالقين أثناء ملء استبيانات وتقديم المساعدات، تبين أنهم مهاجرون وصلوا إلى تونس خلال بضعة أيام أو أسابيع من قبل حادثة مقتل العمري في صفاقس أي في مطلع يوليو 2023، حيث دخلوا على الحدود الجزائرية ووضعتهم السلطات أو أوقفتهم في مدينة قفصة.

ويوثق التقرير حالات إنسانية مستعجلة، يزيد إنقاذها تعقيدا صعوبة وصول سيارات الإسعاف، ما يجعل المهاجرين والنساء والأطفال والرضع عالقين وسط ظروف مناخية قاسية لا يجدون الماء الصالح للشرب، حتى أن بعضهم لجأ إلى بركة مياه ملوثة حسب التقرير ذاته، لكن منظمة الهلال الأحمر تحاول التخفيف من وقع الأزمة وتعمل على تقديم المساعدة، إذ  توفر 4500 وجبة للمهاجرين في صفاقس إلى جانب مياه الشرب وتقديم الدعم النفسي لهم، كما يقول أنس الحكيم مدير الهلال الأحمر في صفاقس لـ”العربي الجديد”.

سناء عدلوني

المصدر: صحيفة العربي الجديد




ميدفيديف: روسيا قد تضم الإقليمين الانفصاليين في جورجيا

قال الرئيس الروسي السابق، دميتري ميدفيديف، الذي يشغل الآن منصب نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، إن بلاده قد تضم إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا الانفصاليين في جورجيا.

وكتب في مقال نشرته صحيفة “أرغومنتي إي فاكتي” الروسية، مساء الثلاثاء، “فكرة الانضمام إلى روسيا لا تزال تحظى بشعبية في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية”.

وأضاف “من الممكن جداً تنفيذها إذا كانت هناك أسباب وجيهة لذلك”.

وكانت روسيا قد شنّت حرباً خاطفة على جورجيا، عام 2008، قالت إنها جاءت رداً على اعتداءات على وحدة روسية كانت مكلفة بحفظ السلام في أوسيتيا الجنوبية التي تقطنها أغلبية روسية.

وأكدت حينها أنها أطلقت العملية بهدف “الإرغام على السلم”. وتوقفت الحرب بعد خمسة أيام بوساطة فرنسية، ونتج عنها خسارة جورجيا إقليمين مهمين هما أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، اللذين أعلنا لاحقاً استقلالها.

واعترفت روسيا بالجمهوريتين الانفصاليتين في 26 أغسطس/ آب 2008، على الرغم من المناشدات الغربية بعدم فعل ذلك. وبعد 13 عاماً على إعلان استقلالهما من جانب واحد، لم تحظيا باعتراف دولي حتى من أقرب حلفاء روسيا، واقتصر الاعتراف على نيكاراغوا، وفنزويلا، وناورو وفانواتو، وهما جزيرتان صغيرتان في المحيط الهادئ. وفي 2018 اعترف النظام السوري بهما.

المصدر: وكالة رويترز




السودان: تجار الحرب ينهبون المساعدات الإغاثية

بات الوضع الإنساني والمعيشي في السودان كارثيا، وما فاقم منه قيام عصابات منظمة بالسطو على المساعدات الإغاثية والإعانات العينية وتحصيل أرباح كبيرة منها عبر بيعها في الأسواق.
ويأتي ذلك بينما تزداد معاناة الشعب السوداني والنازحين بسبب الحرب المستعرة التي مر عليها 4 أشهر بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأدّى النزاع الدائر الى نزوح أكثر من أربعة ملايين شخص من القتال، سواء داخل السودان أو إلى بلدان مجاورة، حسب الأمم المتحدة.
وأصبحت التجارة في المساعدات الغذائية والسلع المسروقة مصدر رزق لعصابات منظمة، عبر أسواق جديدة لهذه السلع مستفيدة من حالة الفوضى المترتبة على الاقتتال العسكري في العاصمة الخرطوم ومناطق أخرى، إذ تباع فيها غنائم الحرب من مختلف المسروقات، بأسعار بخسة مقارنة بالموجودة في المحلات التجارية.
وأكد مواطنون ومراقبون لـ”العربي الجديد” أن التجارة بالمساعدات الغذائية والسلع المسروقة انتعشت خلال الفترة الأخيرة في ظل غياب أجهزة الدولة وانشغال الجميع بالحرب.

وقال مواطن رفض ذكر اسمه، لـ”العربي الجديد” إنه وجد مساعدات غذائية وسلعاً أخرى تباع بأثمان بخسة اشتراها تجار من اللصوص وخزنوها في أمكان مختلفة ثم يبيعونها في أسواق جديدة بأسعار أقل من السوق.
وحسب فرانس برس، أمس، نشأ سوق جديد على جانبي الطريق الذي يربط بين الخرطوم ومدينة ود مدني جنوب الذي يحمل اسم “دقلو”، على اسم قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو. يقع سوق “دقلو” شمال ولاية الجزيرة التي استقبلت معظم النازحين من الخرطوم التي فرّ منها ثلاثة ملايين شخص منذ بدء الحرب في 15 إبريل/ نيسان الماضي. ويفرش الباعة بضائعهم على الأرض من أجهزة كهربائية ومواد بناء وقطع غيار سيارات إلى الأدوية والمواد الغذائية.
وفي هذا السياق، أوضح المحلل الاقتصادي كمال كرار، لـ”العربي الحديد” أن وضع الاقتصاد كان على حافه الهاوية منذ ما قبل الحرب، وصار الآن في عمق الهاوية، مؤكدا استنزاف الحرب للموارد وخلق وضع اقتصادي صعب.
وقال: “اللافت أن المواد الإغاثية التي یعلن عنها عبر المؤسسات الدولية استولى علیها تجار الحرب ومافیا الأزمات، یحدث هذا والحكومة تتفرج”.
وأوضح تعرض ملايين من الشعب السوداني للهلاك في هذه الحرب اللعينة ونهب وحرق منازلهم وممتلكاتهم، وتعطل الأعمال والأنشطة الاقتصادية والتجارية.
وتابع كرار أن “معظم الإیرادات ذهبت للحرب، فلا أجور ولا معاشات ولا تعلیم ولا صحة ولا حتی اهتمام بمعاناة الناس

وأشار إلى أن الخروج من هذا الوضع یتطلب وقف الحرب أولا وإجبار طرفي القتال علی الانسحاب من المدن وفتح الطرق لاستعادة الخدمات الأساسية.
وأضاف: لا أمل یرجی من المجتمع الدولي أو الجهاز الحكومي لمعالجة هذا الوضع والتعویل فقط علی إرادة الناس والتعاون والتضامن الشعبي ودعم المغتربین.
ومن جانبه، رهن المحلل عثمان التوم في حديث لـ”العربي الجديد” تجاوز الوضع الاقتصادي والإنساني المتدهور بالبلاد بانتهاء الحرب أولا، وبمعزل عن ذلك لا يمكن وضع تصور عملي وقابل للتطبيق على أرض الواقع. وقال: نهاية الحرب تحدد من سيكون على قمة السلطة وأولوياته وموقف المجتمع الدولي منه.
وتتواصل معاناة النازحين، وسط أوضاع معيشية متدهورة، إذ تقول المواطنة السودانية فاطمة الزين من سكان مدينة الكلاكلة بالخرطوم والتي لجأت وأسرتها لولاية الجزيرة هربا من جحيم الحرب، لـ”العربي الجديد” إن الولاية تشهد شحا في السلع الاستهلاكية الضرورية لتزايد أعداد النازحين للولاية وتوقف السلع الواردة إليها من الخرطوم.
وتشير إلى نفاد مخزون الأغذية التي كانت تزود بها أسرتها منذ مجيئها للجزيرة، وصعوبة الشراء بالأسعار الحالية السائدة بالأسواق لانعدام السيولة.
ويلف المواطن ضو البيت الحاج، النازح من أم درمان لولاية نهر النيل مدينة شندي في حديثه لـ” العربي الجديد” إلى الأوضاع القاسية التي يعيشها وعائلته جراء النزوح من دياره وعدم توفر المواد الغذائية الإغاثية ونفاد السيولة بأيدي غالب النازحين بالمنطقة.
ويصف الوضع الإنساني والصحي بالكارثي، متوقعا تأزمه أكثر بسبب الخريف والسيول والأمطار، داعيا لسرعة حسم التمرد ليتمكنوا من العودة لمنطقتهم وممارسة أعمالهم.

وزاد العدد التقديري للأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي بحدة في السودان بوتيرة أسرع من المتوقع إلى 20.3 مليوناً، أو ما يعادل 42 في المائة من السكان، في الوقت الذي يؤدي فيه الصراع إلى تعميق الأزمة الإنسانية في البلاد، حسب ما جاء في “التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي”، وهو عبارة عن شراكة بين وكالات الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية وجماعات أخرى.
ومن جانبه، قال المحلل الأكاديمي محمد الناير لـ”العربي الجديد” إن السودان بما يملكه من موارد طبيعية ضخمة في باطن وظاهر الأرض قادر على معالجة إفرازات الحرب بالرغم من أن الآثار السالبة لم تكن ناتجة من الحرب نفسها، بل نتيجة عمليات النهب والسلب وإتلاف العديد من المصانع، في ظاهرة تعتبر غريبة على المجتمع السوداني. وزاد: لكي يتم تجاوز الوضع الراهن لا بد من تعيين حكومة طوارئ مؤقتة لحين انتهاء الحرب ثم حكومة كفاءات مستقلة ليس لديها أي انتماءات حزبية أو نزعة قبلية ثم الانتقال لمرحلة الانتخابات.
وأضاف: لا بد من الاهتمام بالقطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني خاصة أن 85% من المساحات المستغلة تقع في ولايات آمنة حتى لا تحدث أي فجوة في الغذاء، كما يجب منح امتيازات لأصحاب المصانع الذين نقلوا مصانعهم إلى الولايات وتشجيع الاستثمار الصناعي في الولايات مستقبلا.

هالة حمزة

المصدر: صحيفة العربي الجديد