1

استخدام المهاجرين كورقة ضغط: صربيا وهجرة التونسيين غير الشرعية إلى أوروبا

في الفترة الممتدّة بين العامَين 2020 و2022، سافر مهاجرون تونسيون إلى دول أوروبا الغربية بشكل غير شرعي سالكين طريق صربيا بدلًا من طريق البحر المتوسط المحفوف بالمخاطر والخاضع لرقابة أشدّ. وتضمّنت عوامل الطرد في تونس تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد والرضوخ الحكومي، فيما شملت عوامل الجذب في أوروبا انتشار شبكات تهريب المهاجرين وتغاضي السلطات الصربية عن أنشطتها. صحيحٌ أن صربيا عمدت إلى إغلاق حدودها في وجه التونسيين في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2022، لكن طالما أن دول العبور تستخدم ورقة الهجرة غير الشرعية لتعزيز نفوذها الجيوسياسي، فستبقى هذه الأنشطة مستمرّةً على قدم وساق.

محاور أساسية

  • ساهم تدهور الأوضاع الاقتصادية في تونس بعد تفشّي وباء كوفيد-19، والانقلاب الذي نفّذه الرئيس قيس سعيّد في تموز/يوليو 2021 وأدّى إلى عزل البلاد عن الجهات المانحة الدولية والمستثمرين، في مفاقمة الهجرة غير الشرعية.
  • ثبُت أن طريق صربيا أكثر أمانًا وأقل رقابةً من طريق البحر الأبيض المتوسط.
  • فضّل المهاجرون من ولاية تطاوين المهمّشة طريق صربيا، وحصلوا على مساعدات مالية من تونسيين يعيشون في أوروبا ويتحدّرون من هذه الولاية الجنوبية.
  • رحّبت الدولة التونسية أيضًا بطريق صربيا. فكلّما زاد عدد المهاجرين، ازدادت التحويلات المالية. ومنح هذا الطريق الحكومة فرصة الإنكار المعقول لأن التونسيين لم يحتاجوا آنذاك إلى تأشيرة للدخول إلى صربيا وتركيا.
  • كان أحد عوامل الجذب في أوروبا انتشار شبكات التهريب، التي كان الكثير منها من شمال أفريقيا، وتولّت تنظيم عبور المهاجرين من صربيا إلى المجر ودول أخرى.
  • شكّل التباس موقف صربيا في التعاطي مع الهجرة غير الشرعية عامل جذب آخر. فقد استخدمت بلغراد ورقة المهاجرين للحصول على النفوذ السياسي، إلى أن منعت دخول التونسيين إلى أراضيها من دون تأشيرة.

خلاصات وتوصيات

  • نظّمت شبكات التهريب نفسها وفقًا للانتماءات الإثنية واتّسمت بقدرتها الكبيرة على التكيّف، ما سمح لها بتلبية الارتفاع الكبير في الطلب على خدماتها في العامَين 2021 و2022.
  • أدّى التنافس بين مختلف شبكات التهريب إلى تنظيم تدفّق المهاجرين باستخدام منصات التواصل الاجتماعي، ووضع إجراءات للتحويلات المالية، وآليات النقل والسكن.
  • تمكّنت صربيا، من خلال السماح للمهاجرين بعبور أراضيها، من تحقيق تفوّق نسبي على الاتحاد الأوروبي في سياق تبدّد آمالها بالانضمام إليه، وخلافاتها الحدودية مع كوسوفو، والضغوط التي تتعرّض لها من أجل حملها على الالتحاق بالعقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا.
  • مع أن صربيا أغلقت الطريق أمام التونسيين في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، وجّهت ممارساتها رسالة إلى الاتحاد الأوروبي مفادها أن انضمامها إلى الاتحاد هو السبيل الوحيد لمعالجة قضية المهاجرين بطريقة حاسمة.
  • قد تستمرّ دول العبور في غضّ الطرف عن الهجرة غير الشرعية إذا كانت تساعدها في تحقيق أهداف سياسية أو مالية أو جيوسياسية يصعب بلوغها بوسائل أخرى.
  • يتعيّن على الاتحاد الأوروبي توفير آفاق استراتيجية للدول الواقعة في جواره، تستند إلى الازدهار المشترك بهدف خفض وتيرة الهجرة. وما لم يبلور الاتحاد الأوروبي آلية فعّالة ومشتركة للتعامل مع الهجرة غير الشرعية، فسيبقى عرضةً للضغوط.

مقدّمة

بين العامَين 2020 و2022، تسارعت على نحو ملحوظ وتيرة الهجرة التونسية غير الشرعية إلى أوروبا الغربية عن طريق صربيا، إذ كان المهاجرون يبحثون عن طرق بريّة بديلة عن الطريق البحري عبر البحر المتوسط. وقد مارس الاتحاد الأوروبي ضغوطًا على صربيا من أجل إغلاق طريق غرب البلقان أمام التونسيين في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، ولا تزال تداعيات ذلك مستمرة حتى اليوم، ولا سيما أن بعض الدول لديها ربما مصالح وطنية أوسع ستدفعها إلى تبنّي إجراءات مماثلة في المستقبل، في حين أن الجهات غير الدولتية المنخرطة في مثل هذه الأنشطة ستستفيد من إبقاء هذا الطريق مفتوحًا.

أظهر طريق صربيا الذي سلكه تونسيون ومهاجرون آخرون من جنسيات مختلفة، كثرٌ منهم من شمال أفريقيا، أن الهجرة غير الشرعية أصبحت، في عالمنا الشديد الترابط، سلاحًا غير تقليدي يُستخدَم من أجل الحصول على النفوذ السياسي، وجني الموارد، والتأثير على دول أقوى وأكثر ثراءً. تُدرك البلدان الواقعة إلى جنوب الاتحاد الأوروبي وشرقه تداعيات الهجرة الجماعية غير الشرعية التي تتسبّب بحدوث تشنّجات وانقسامات حادّة داخل الاتحاد، وسَعت في مناسبات عدة إلى الضرب على هذا الوتر من أجل دفع الاتحاد الأوروبي إلى تقديم تنازلات محدّدة.

تعيّن على الاتحاد الأوروبي، في إطار مساعيه من أجل ضبط الهجرة غير الشرعية، ولا سيما من دول شمال أفريقيا، معالجة تحديات كثيرة. ولم تقتصر هذه التحديات على عوامل الطرد السكاني القوية في دول المنشأ وحسب، بل شملت أيضًا عوامل جذب في أوروبا، من بينها أجندات السياسة الخارجية، ومصالح دول العبور غير المُنتمية إلى الاتحاد الأوروبي، ناهيك عن الأهداف الجشعة لشبكات المرتزقة المعنية بتهريب المهاجرين بصورة غير شرعية وغيرها. وتجلّى ذلك خصوصًا في العام 2015 حين سمحت تركيا للمهاجرين وطالبي اللجوء بالإبحار نحو أوروبا للضغط على الاتحاد الأوروبي من أجل إبرام اتفاق تحظى أنقرة بموجبه على مساعدة بقيمة 6 مليارات دولار مقابل استضافتها للاجئين. إضافةً إلى الاتفاق المالي الذي أُبرم في العام 2016، وافق الاتحاد الأوروبي على تخفيف القيود المفروضة على منح تأشيرات دخول للمواطنين الأتراك، وتحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي مع أنقرة، واستئناف المحادثات المتوقفة بشأن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.1 وقد أحدثت جمهورية بيلاروس أزمة مهاجرين في العام 2021 حين عمدت إلى تيسير إجراءات دخول المهاجرين الوافدين من الشرق الأوسط إلى أراضيها، ثم تسهيل عبورهم حدودها المشتركة مع دولٍ أعضاء في الاتحاد الأوروبي.2 وشكّلت هذه الإجراءات ردًّا على العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على البلاد.

صحيحٌ أن صربيا لم تُحدث أزمات توازي في حجمها ما تسبّبت به تركيا وبيلاروس، إلا أنها نظرت إلى قضية الهجرة غير الشرعية باعتبارها ورقة تمنحها نفوذًا أكبر في إطار علاقتها المعقّدة مع الاتحاد الأوروبي. نتيجة الارتفاع المطّرد في أعداد المهاجرين وتشديد الضوابط على طول طريق البحر الأبيض المتوسط، بدأت شبكات التهريب العابرة للحدود الوطنية في البحث عن بدائل أقل خطورة، على الرغم من أنها أطول وأكثر كلفةً. استفاد المهاجرون غير الشرعيين من إمكانية سفر التونسيين إلى تركيا وصربيا من دون تأشيرة، واعتمدوا على شبكات التهريب في شمال أفريقيا لمساعدتهم على عبور الحدود الصربية المجرية ومتابعة طريقهم إلى النمسا ودول أخرى في أوروبا الغربية.

ونتيجةً لذلك، سجّلت أعداد المهاجرين التونسيين غير الشرعيين الذين رُصدوا على طريق غرب البلقان ارتفاعًا ملحوظًا من 190 مهاجرًا في العام 2020، إلى 842 في العام 2021، لتبلغ 6,782 مهاجرًا في العام 2022.3 وقد سلك هذا الطريق بشكل خاص آلاف الشباب المتحدّرين من ولاية تطاوين التونسية المهمشّة والواقعة على مقربة من الحدود الليبية. وعبّر هذا الواقع عن توجّه أوسع نطاقًا،4 إذ كشفت الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس) عن عبور 145,600 مهاجر لا يحملون الوثائق المطلوبة طريق صربيا في العام 2022، أي بزيادة قدرها 136 في المئة عن العام 2021.5 وهذا أعلى رقم يُسجَّل على هذا الطريق منذ العام 2015، ويُمثّل حوالى نصف حالات الدخول غير القانونية المبلَّغ عنها إلى دول الاتحاد الأوروبي في العام 2022.6

يقدّم طريق صربيا خير دليل على آليات التحكّم بتدفّقات المهاجرين في زمن العولمة والشعبوية. وقد نجم هذا الوضع عن التقاء مصالح جهات دولتية وغير دولتية، وكيانات قانونية وغير قانونية، وشمل الدولتَين الصربية والتونسية والشبكات الناشطة في تهريب المهاجرين. واستفادت جميع هذه المكوّنات في المرحلة الأولى من غياب الاستجابة المتّسقة لهذا الوضع من جانب الاتحاد الأوروبي، ما سمح لها باستغلال مواطن الضعف من أجل تحقيق أهدافها المالية أو الاجتماعية أو الجيوسياسية.7 وهذه حقيقة سيتعيّن على الاتحاد الأوروبي أن يأخذها في الحسبان بشكل مستمر. ويشير ذلك إلى أن التركيز فحسب على معالجة عوامل الطرد المحفّزة على الهجرة غير الشرعية في دول المنشأ قد لا يكون كافيًا، إذ إن عوامل الجذب في الدول المحيطة بالاتحاد الأوروبي ستبقى مهمة على الأرجح، على الرغم من اختلافها بين دولة وأخرى وفقًا للظروف.

العوامل المحفّزة على الهجرة في تونس

منذ منتصف العام 2020، أصبح طريق صربيا ممرًّا بديلًا للتونسيين الراغبين في الهروب من الوضع الاقتصادي المزري والمأزق السياسي الذي تتخبّط فيه البلاد. ففي ظل تشديد الضوابط في البحر الأبيض المتوسط، شكّل طريق غرب البلقان معبرًا لآلاف الشباب وعائلاتهم، باعتباره ينطوي على مخاطر أقل من الطريق البحري، ويمنح الدولة التونسية فرصة الإنكار المعقول أمام شركائها الدوليين. 

أنهكت التداعيات الناجمة عن وباء كوفيد-19 كاهل تونس، بعد أن سجّلت نموًا ضعيفًا طوال عقد من الزمن، ما سرّع وتيرة موجات الهجرة.8 وفي العام 2020، تراجع إجمالي الناتج المحلي بنسبة 9 في المئة، وخسر أكثر من 200,000 تونسي وظائفهم،9 وأقفلت آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم أبوابها،10 وازدادت نسبة السكان الذين يعيشون ما دون خط الفقر من 15 إلى 21 في المئة.11 وفي تموز/يوليو 2021، نفّذ الرئيس التونسي قيس سعيّد انقلابًا استولى خلاله على السلطة، ثم عمد إلى تجميد عمل البرلمان، وإعفاء رئيس الوزراء من مهامه، وتعزيز صلاحياته القضائية، الأمر الذي فاقم المأزق السياسي في البلاد وفاقم عزلة تونس عن محيطها الخارجي من جهات مانحة ومستثمرين وشركاء دوليين.12 لذا، باتت الهجرة الخيار الوحيد لعشرات آلاف التونسيين، ولا سيما أولئك المتحدّرين من المناطق المحرومة. في هذا السياق، أظهر مسح وطني أُجري في العام 2021 أن 40 في المئة من التونسيين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا يرغبون في مغادرة البلاد.13

لكن هذا الشعور لم يكن جديدًا، إذ إن موجات الهجرة غير الشرعية انطلقت في مطلع التسعينيات، وبلغت ذروتها في العام 2011 بعد سقوط الرئيس زين العابدين بن علي. ففي ذلك العام، استغل 28,800 تونسي انهيار الضوابط الحدودية التونسية ليعبروا البحر الأبيض المتوسط.14 وعلى مدى نصف عقد، بقيت تدفّقات المهاجرين من تونس، ومن ضمنهم الأشخاص من غير التونسيين الذين استخدموا البلاد كنقطة عبور، ثابتة إلى حدٍّ كبير، إذ بلغ متوسط الوافدين إلى أوروبا 2,500 شخص سنويًا، ثم بدأت هذه الأرقام بالارتفاع تدريجيًا في العام 2017.15 وفي مطلع العام 2020، ازدادت هذه الأرقام بشكل حاد، على الرغم من اعتماد تونس وإيطاليا إجراءات أكثر تشدّدًا لضبط حدودهما البحرية، بحيث وصل في ذلك العام 12,900 مهاجر تونسي بصورة غير شرعية إلى إيطاليا، فيما تم اعتراض سبيل 13,500 شخص.16 وتسارعت وتيرة هذا الارتفاع في العام 2021، فبلغ سواحل إيطاليا 15,700 تونسي، فيما مُنع 25,700 مهاجر آخر من إكمال رحلتهم.17 وفي العام 2022، واصلت الهجرة غير الشرعية من تونس مسارها التصاعدي، إذ وصل 18,100 شخص إلى إيطاليا، ومُنع 38,400 آخرين من استكمال عبورهم، ما أظهر بوضوح نجاح الإجراءات الأكثر تشدّدًا في ضبط الحدود.18

في هذا الإطار، تُعتبر معضلات تطاوين، وهي مصدر أساسي للهجرة غير الشرعية في تونس، خير مثال على الديناميكيات القائمة. وربما تُعزى أبرز الأسباب التي حثّت شريحةً من التونسيين على مغادرة البلاد إلى تردّي الوضع الاقتصادي في الولاية خلال السنوات الماضية وتبدّد آمال ما يُعرف باسم حراك الكامور الاحتجاجي الذي دارت أحداثه في الولاية على مدى أشهر خلال العام 2017.19 وتكمن المفارقة في أن تطاوين تزخر بالموارد الهيدروكربونية، إذ تسهم حقول النفط والغاز الطبيعي فيها بنسبة 20 في المئة من إنتاج تونس للغاز الطبيعي و40 في المئة من إنتاج البلاد للنفط،20 إلا أنها تعاني قصورًا فادحًا في التنمية، في ظلّ شلل قطاعها الخاص، وارتفاع نسبة البطالة فيها بشكل يفوق متوسط نسب البطالة في جميع ولايات تونس. ففي العام 2021، سجّلت البطالة في تطاوين أعلى معدّلاتها في البلاد، إذ بلغت 32.5 في المئة، مقارنةً مع المتوسط الوطني البالغ 15.3 في المئة.21 علاوةً على ذلك، تسجّل تطاوين أحد أعلى معدّلات البطالة في أوساط حملة الشهادات العليا في البلاد، قُدّرت نسبتها بـ58 في المئة في العام 2019.22 تاريخيًا، هاجر سكان هذه الولاية إلى فرنسا، التي تضمّ أعدادًا كبيرة من المهاجرين المتحدّرين من جنوب تونس.23 إضافةً إلى ذلك، كانت ليبيا قبل العام 2011 تمثّل سوق عمل جذابًا لشباب تطاوين، لكن هذا الدور انتهى بعد اندلاع الصراع هناك.24

ومن أجل فهم الاستياء المتنامي الذي دفع الشباب إلى الهجرة من تطاوين، لا بدّ من مقاربته على ضوء ثلاثة عوامل أشعلت إوار أزمة متشعّبة في الولاية. يتمثّل العامل الأول في تراجع دور ليبيا كشريان حياة اقتصادي لسكان تطاوين، إذ فاقم تدهور الاقتصاد الحدودي، وما رافقه من فقدان آلاف الأشخاص وظائفهم وحرمان أهالي المنطقة من مداخيل هم في أمس الحاجة إليها، المشاكل الجسيمة التي تعانيها هذه الولاية في الأساس.25 أما العامل الثاني فهو العسكرة المتزايدة في المنطقة الحدودية، إذ لم يُلحق هذا الواقع الضرر بالاقتصاد الحدودي فحسب، بل قلّص أيضًا مناطق الرعي، وفاقم أزمة الزراعة الرعوية التي تواجه تحدّيات كبرى نتيجة الجفاف وتغيُّر المناخ. وتضرّر اقتصاد تربية الماشية المحلّي بسبب ارتفاع الأسعار وما ترتّب عنه من نقص في أعلاف الحيوانات.26 ويكمن العامل الثالث في الاستياء المحلّي نتيجة فشل حراك الكامور الاحتجاجي الذي طالب الدولة بإطلاق مبادرات لاستحداث فرص عمل وتحقيق مشاريع تنموية في تطاوين.27 وعلى الرغم من أن المحتجّين تمكّنوا من انتزاع تنازلات من السلطات من خلال التوصّل إلى اتفاق في حزيران/يونيو 2020 اعترف بالكثير من مطالبهم، فإن الدولة لم تنجح في الوفاء بوعودها منذ استيلاء سعيّد على الحكم، ما تسبّب بتنامي السخط المحلّي.28

نتيجةً لذلك، هاجر آلاف الشباب من المناطق الحدودية الجنوبية، بدءًا من العام 2020، أو حاولوا ذلك.29 وحظيَ طريق صربيا بشعبية كبيرة لسببَين رئيسَين: أولًا، هو أكثر أمانًا من الطريق البحري، حيث يُعدّ احتمال قبض السلطات على المهاجرين مرتفعًا أيضًا؛ وثانيًا، استطاع المهاجرون التعويل على دعم المهاجرين من جنوب تونس المقيمين بشكل أساسي في فرنسا، الذين حوّلوا لهم الأموال لتغطية تكاليف رحلاتهم، ما خفّف العبء المالي الناجم عن عبور طريق غرب البلقان الذي يستغرق مدةً أطول. وعلى الرغم من غياب أرقام محدّدة لأعداد المهاجرين، يبدو أن آلاف الأشخاص قد سلكوا هذا الطريق في العام 2022، وفقًا لتقديرات مراقبين من تطاوين.30 ويشكّل التونسيون من المناطق الجنوبية الشرقية 12.7 في المئة من الشتات التونسي، فيما يعيش أكثر من 7 في المئة من سكان هذه المناطق في خارج تونس.31

لقد كانت الدولة التونسية مستفيدًا رئيسًا من طريق صربيا الذي وفّر لها مزايا مهمة. فقد منح في الدرجة الأولى آلاف الشباب غير الراضين عن واقعهم طريقًا بديلًا للخروج من بلادهم بعد أن أصبح عبور وسط البحر الأبيض المتوسط أصعب بسبب تشديد الإجراءات الأمنية. وتشكّل تحويلات المهاجرين إلى ذويهم مصدرًا للعملات الصعبة التي تشتدّ الحاجة إليها في تونس. وخلال العقد الممتدّ بين العامَين 2011 و2021، أصبحت التحويلات بالعملات الأجنبية أحد أهم مصادر العملة الصعبة في البلاد، إذ حقّقت عائدات أعلى من عائدات القطاع السياحي والاستثمارات الأجنبية المباشرة.32 كذلك، شهدت هذه التحويلات في تلك الفترة مسارًا تصاعديًا، إذ فاقت في العام 2021 بنسبة 28 في المئة ما كانت عليه في العام 2020، وشكّلت لوحدها 4.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي التونسي.33 وفي العام 2022، تجاوزت تحويلات المهاجرين 9 مليارات دينار (3 مليارات دولار)، ما يمثّل زيادة بنسبة 13.5 في المئة عمّا كانت عليه في العام 2021.34

على ضوء اعتماد الدولة التونسية على التحويلات المالية وتزايد الضغوط من إيطاليا والاتحاد الأوروبي للحدّ من الهجرة غير الشرعية عبر البحر، وفّر طريق صربيا إلى تونس درجة من الإنكار المعقول للمسؤولية عن موجات المهاجرين الوافدين إلى أوروبا. ويُعزى سبب ذلك إلى أن التونسيين لا يحتاجون تأشيرةً لدخول صربيا وتركيا، ولم ترَ تونس أي فائدة تُجنى في الحدّ من سفرهم إلى هاتَين الدولتَين، ولم تتكبّد أي ثمن نتيجة السماح لهم بذلك. لكن بُعيد الانقلاب الذي نفّذه سعيّد في تموز/يوليو 2021، اتّضح للأفرقاء السياسيين التونسيين البارزين أن الهجرة ستؤدي دورًا أساسيًا في تحديد موقف المجتمع الدولي من نظام الرئيس. وفي هذا الإطار، حذّر راشد الغنوشي، آخر رئيس لمجلس نواب الشعب قبل أن يعلّق سعيّد عمل البرلمان، من أن غياب المساعي الرامية إلى إعادة إرساء الديمقراطية، “يمكن أن يرغم أكثر من 500,000 مهاجر تونسي على محاولة الوصول إلى السواحل الإيطالية في وقت قصير جدًّا”.35 وأظهر ردّ سعيّد الدفاعي مدى حساسيته تجاه هذه المسألة، مُعلنًا أن المعارضة هي التي تدفع للتونسيين للذهاب إلى أوروبا، ما يُلحق الضرر بمصالح تونس وعلاقاتها مع الدول الأوروبية.36

أثارت موجة الهجرة من تونس قلق الاتحاد الأوروبي.37 فبين العامَين 2018 و2021، شكّل التونسيون أكثر من ثلث عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين وصلوا إلى إيطاليا عبر البحر.38 وشكّلوا أيضًا حوالى نصف المهاجرين البالغ عددهم أكثر من 25,000 شخص من جميع الجنسيات، والذين قبعوا في مراكز الاحتجاز الإيطالية في العام 2020.39 وفي ظل تزايد موجات الهجرة، زادت أوروبا ضغوطها على تونس مطالبةً إياها بضبط حدودها وتنفيذ تدابير سريعة لترحيل المهاجرين غير الشرعيين إلى وطنهم. وفي 17 آب/أغسطس 2020، توصلّت إيطاليا وتونس إلى اتفاق حول الهجرة، بعد زيارة أجراها وزيرا الخارجية والداخلية الإيطاليان إلى تونس،40 لكن تفاصيل هذا الاتفاق لم تخرج إلى العلن. وبحسب وثيقة نشرها صحافيون استقصائيون إيطاليون، شمل الاتفاق حول الهجرة منح تونس تمويلًا بقيمة ملايين اليورو مقابل التزامها بإعادة المهاجرين غير الشرعيين إلى وطنهم.41 ويُذكر أن هذا الاتفاق المالي تضمّن تخصيص 8 ملايين يورو (حوالى 9.1 ملايين دولار) لخفر السواحل التونسي وإنشاء صندوق بقيمة 30 مليون يورو (حوالى 34 مليون دولار) على مدى ثلاث سنوات (2021-2023) بهدف مساعدة تونس على مكافحة الهجرة غير الشرعية.42

وعلى الرغم من السخط الشعبي والانتقادات التي وجهّتها منظمات المجتمع المدني على خلفية غياب الشفافية بشأن الاتفاق، اكتفت السلطات التونسية بالتزام الصمت. ففي سياقٍ من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية الحادّة وتفاقم عزلة نظام سعيّد عن المانحين والمستثمرين الدوليين، عبّرت هذه الخطوة عن رغبته في استخدام الاتفاقات حول الهجرة لتأمين دعم الشركاء الدوليين، أو على الأقل تخفيف معارضتهم لتقويض الديمقراطية في عهده.43

الأكيد أن سعيّد عزّز انتشار القوات البحرية وخفر السواحل على طول الحدود البحرية التونسية، لكن ذلك أسفر عن ارتفاع عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين تم اعتراض سبيلهم في البحر في العام 2021 بواقع ستة أضعاف عن العام 2018.44 وأدّى التعاون في الحدّ من تدفّق المهاجرين إلى تسريع عمليات إعادة قبولهم. ففي العام 2020، جرت إعادة 1,922 تونسيًا من إيطاليا، ما يمثّل 73.5 في المئة من إجمالي عدد العائدين من جميع الجنسيات، وهو رقم أكبر بكثير من عدد المصريين والألبان.45 وقد بلغ عدد المهاجرين التونسيين غير الشرعيين الذين تم ترحيلهم 1,872 شخصًا في العام 2021،46 و1,700 شخص بحلول تشرين الأول/أكتوبر من العام 2022.47

قدّم طريق صربيا ميزة ثالثة، إذ وفّر صمّام أمان اجتماعيًا للسلطات التونسية وشركات النفط العاملة في تطاوين. كان من المحتمل أن يؤدّي فشل الحكومة والشركات في الوفاء بالوعود التي قطعاها لحراك الكامور إلى اندلاع احتجاجات جديدة، لذا تنفّس الجانبان الصعداء مع رحيل الشباب الذين كانوا ربما سيقودون الحراك. وكان يمكن لذلك أن يعرقل إنتاج النفط مجدّدًا، كما حدث في العام 2020، ولا سيما في خضم أزمة الطاقة التي تسببت بها الحرب في أوكرانيا.48 وفيما أفرغت موجات الهجرة المنطقة من شبابها، استنتج مراقبون أن هذا الواقع قلّل احتمال اندلاع حراك احتجاجي جديد قريبًا.49 وفي موازاة رحيل الآلاف من الشباب المتمردين، أُدين عددٌ كبير من قادة احتجاجات الكامور ومنظّميه في العام 2022 أمام محاكم عسكرية وسجنوا على خلفية أفعال تعود إلى أحداث العامَين 2017 و2020.50

لطالما عوّضت الهجرة في تونس عن فشل المسؤولين في تلبية تطلّعات الشباب والاستجابة لمطالبهم. وينطبق هذا الواقع بشكل خاص على الشباب المتحدّرين من بيئات اجتماعية واقتصادية محرومة. في هذا الإطار، أظهر تقرير صدر في آذار/مارس 2022 عن مجموعة من المنظمات غير الحكومية، واستند إلى عيّنة من المهاجرين الذين تم ترحيلهم من إيطاليا، أن غالبية المهاجرين التونسيين هم بشكل أساسي رجال من بيئات محرومة لديهم مؤهلات مهنية محدودة.51 يُشار إلى أن 75 في المئة من المهاجرين العائدين تتراوح أعمارهم بين عشرين وثلاثين عامًا، ولا يتعدّى تحصيلهم العلمي المستوى الابتدائي أو الثانوي، و50.9 في المئة منهم عاطلون عن العمل. علاوةً على ذلك، لا يتقاضى نصفهم أي دخل، فيما يكسب 11 في المئة منهم ما بين 200 و400 دينار (أي ما بين 70 و120 دولارًا) شهريًا، ويتقاضى 19 في المئة ما بين 400 و600 دينار (أي ما بين 120 و200 دولار) شهريًا. ومن بين الأشخاص الذين تمكّنوا من العبور، استطاع 26 في المئة الوصول إلى إيطاليا بعد محاولات عدّة.52

وعلى ضوء هذا الوضع، اكتسى طريق صربيا حيّزًا كبيرًا من الأهمية، فيما اصطدمت عوامل الطرد المحفّزة على الهجرة غير الشرعية في تونس بالجهود المتنامية التي يبذلها الاتحاد الأوروبي للحدّ من تدفّق المهاجرين. مع ذلك، لم تقتصر الاستفادة من طريق صربيا على تونس والتونسيين وحدهم، إذ تُعدّ عوامل الجذب في هذا الإطار مهمة للغاية أيضًا في مختلف أنحاء منطقة المتوسط.

عوامل جذب الهجرة غير الشرعية عبر صربيا

ثمة عوامل جذب كثيرة في أوروبا دفعت مجموعةً من الجهات الدولتية وغير الدولتية إلى استغلال المزايا التي ينطوي عليها طريق صربيا. برزت جاذبية طريق البلقان نتيجة رغبة بلغراد في الاستفادة من تدفّقات المهاجرين، وذلك جزئيًا من أجل ترقية أهدافها السياسية الخاصة في ما يتعلق بالاتحاد الأوروبي. وصبّت هذه الخطوة أيضًا في صالح بعض المؤسسات الأمنية في صربيا، وخدمت الممارسات الفاسدة لبعض أعضائها. ونتيجةً لهذه الديناميكيات، نشأت بيئة خصبة لازدهار شبكات التهريب النشطة.

شبكات تهريب مُربحة وقادرة على التكيُّف

تندرج شبكات التهريب من شمال أفريقيا في صُلب عمليات الهجرة غير الشرعية عبر صربيا. في العام 2015، أسفر التدفّق الهائل للاجئين إلى أوروبا عن زعزعة استقرار الاتحاد الأوروبي بشكل كبير. فقرّرت مقدونيا إغلاق حدودها مع اليونان في شباط/فبراير 2016، وأبرم الاتحاد الأوروبي اتفاقًا مع تركيا في 20 آذار/مارس من العام نفسه، وأسهمت هاتان الخطوتان في خفض تدفّق المهاجرين عن طريق البلقان إلى حدٍّ كبير.53 لكن التدابير التي اتُّخذت لكبح جماح الهجرة غير الشرعية أفضت إلى تكاثر مجموعات التهريب في المنطقة.54 ونظرًا إلى أن هذه التدابير زادت المخاطر التي يواجهها المهاجرون، من احتجازٍ واعتداءٍ واعتقالٍ وترحيلٍ ولجوءٍ إلى طرق هجرة أخطر وأطول، بات الراغبون في الهجرة يعتبرون أن شبكات التهريب لا غنى عنها لإنجاح مساعيهم.55 واستغلّت هذه الشبكات بدورها الثغرات الإجرائية أو الأمنية في أوروبا، ما سمح لها بتنظيم حركة المهاجرين عبر الحدود على طريق البلقان.

نظّمت شبكات التهريب نفسها وفقًا للانتماءات الإثنية، وتراوحت بين شبكات شمال أفريقية، أو مغاربية، وسورية، وأفغانية، وتركية. وبدءًا من منتصف العام 2020، ركّزت شبكات تهريب المهاجرين من شمال أفريقيا عملياتها على الحدود الصربية المجرية، وعزّزت اتصالاتها في تركيا وشمال أفريقيا من أجل التواصل مع المهاجرين وتأمين مرافقتهم ونقلهم عبر المعابر الحدودية نحو دول أوروبا الغربية.56 وعادةً ما سُمّيت هذه الشبكات تيمّنًا بألقاب قادتها، واشتُقَّت في الغالب من مسقط رأسهم، مثل “الكزاوي”، نسبةً لمهرّب من كازابلانكا أو الدار البيضاء في المغرب، أو “التطواني” نسبةً لمهرب مغربي آخر من تطوان. وسلّط انتشار هذه الشبكات ذات الخصوصيات الإثنية أو الوطنية الضوء على أن سوق التهريب في دول البلقان لم تكن حكرًا على منظمة واحدة.

لقد سمح الانتشار الواسع لهذه الشبكات بتلبية الارتفاع المفاجئ في الطلب على خدمات التهريب عبر الحدود بين العامَين 2021 و2022. وأدّى التنافس بين مختلف الشبكات إلى تنظيم تدفّق المهاجرين باستخدام منصات التواصل الاجتماعي، ووضع إجراءات للتحويلات المالية، وآليات النقل والسكن. فجمعت منصات التواصل الاجتماعي بين المهاجرين والمهرّبين، وساعدت في تنظيم هذه التدفّقات.57 والجدير بالذكر أن الشبكات المغاربية كانت منظّمة تنظيمًا جيدًا، إذ تولّى أفرادٌ عملية نقل المهاجرين في صربيا إلى المجر والنمسا، فيما كان آخرون مسؤولين عن تنظيم عبورهم الحدود الصربية المجرية.58

كشف استخدام هذه الشبكات لوسائل التواصل الاجتماعي، على غرار فايسبوك وواتساب وسيغنال، لجذب المهاجرين المحتملين، عن مدى فاعليتها،59 إذ حدّثت صفحاتها على فايسبوك بشكل يومي (ثم محت المضمون في وقت لاحق)، وأضافت صورًا ومقاطع فيديو للمعابر الحدودية، ووضعت قوائم بأسماء المهاجرين الذين نجحوا في الوصول بأمان إلى وجهاتهم النهائية في أوروبا الغربية. قدّمت هذه الصفحات إذًا صورة مفصّلة عن سوق هجرة تتنافس فيه شبكات التهريب لتقديم أفضل الخدمات وكسب رضى المهاجرين أو العملاء المستقبليين. وعادةً ما تم انتقاء الشبكات بحسب مصداقيتها وموثوقيتها واحترامها للمبالغ التي تتقاضاها، وقد أدّت منصات التواصل الاجتماعي دورًا مهمًا في تشكيل وجهات نظر المواطنين حول هذه القضايا.60 علاوةً على ذلك، عمد بعض المهاجرين أيضًا إلى توثيق رحلاتهم عبر تسجيلات الفيديو أو نقلها بالبثّ المباشر، مقدّمين نصائح وتوصيات للمهاجرين المُحتملين. وانتشرت بشكل سريع الشائعات حول طرق هجرة جديدة أو دول عبور محتملة أو صعوبات أو قيود يُمكن مواجهتها، ما سلّط الضوء على مرونة هذه الشبكات وقدرتها على التكيّف.

مال المهاجرون التونسيون إلى التفاوض مع المهرّبين لإبرام صفقات شاملة أطلقوا عليها اسم “التسليمة”.61 وأتاحت هذه الصفقات للمهاجرين الاستفادة من خدمات المهرّبين من أجل عبور المجر والوصول إلى النمسا، في حين أن من دفع مبلغًا أدنى كان مضطرًّا لعبور المجر بمفرده.62 وتطلّب ذلك درجة عالية من التخطيط والتعبئة في أوساط الشبكات العابرة للحدود، إذ تعيّن على المهرّبين أن يغيّروا باستمرار مسارات رحلاتهم وأساليب نقل المهاجرين. فقد نُقِل المهاجرون داخل صربيا وصولًا إلى الحدود مع المجر، ومكثوا في مزارع ومصانع مهجورة بالقرب من الحدود المجرية، قبل تهريبهم إلى داخل المجر ثم إلى النمسا.63 وفي بعض الأحيان، كانت وجهاتهم دولًا أخرى في أوروبا الغربية.

تراوحت تكلفة الرحلة الواحدة للتونسيين بين صربيا وأوروبا الغربية من 4,000 إلى 7,500 يورو (أي من 4,300 إلى 8,100 دولار)، من دون احتساب نفقات السفر إلى تركيا ومن تركيا إلى صربيا، إذ لا يتم تسيير رحلات جوية مباشرة بين تونس وصربيا.64 في هذا الإطار، أدّت الجالية التونسيّة في الخارج دورًا حيويًا في تمويل هذه الرحلات بسبب القيود المالية المفروضة في تونس، إذ إن الحكومة التونسية لا تسمح للمسافرين بحمل أكثر من 6,000 دينار (أي حوالى 1,800 يورو) معهم سنويًا، لذا لجأ المهاجرون إلى أقاربهم بحثًا عن سبُل بديلة لتسديد الأموال إلى المهرّبين. فطلب كثرٌ من أقاربهم في أوروبا الغربية إرسال المبالغ باليورو، وقاموا بتسديدها لهم بالدينار التونسي.65 وقد حوّل الأقارب الأموال إلى صربيا باستخدام شركات تحويل الأموال، على غرار ويسترن يونيون.66 وكشفت هذه القنوات عن مرونة الترتيبات المالية القائمة لتلبية الارتفاع المفاجئ في الطلب على الهجرة عَقِب تفشي وباء كوفيد-19. وبحسب المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، حقّقت شبكات التهريب العاملة على طول طريق غرب البلقان (بدءًا من تركيا، ثم في صربيا والمجر) عائدات لا تقل قيمتها عن 50 مليون يورو (54 مليون دولار) في العام 2020.67 كذلك، تراوحت عائدات شبكات التهريب العاملة في المناطق الحدودية بين صربيا والمجر من 8.5 ملايين يورو إلى 10.5 ملايين يورو في العام 2020 (أي ما يعادل 9.7 ملايين دولار إلى 11.9 مليون دولار).68

التباس موقف الدولة الصربية في التعاطي مع الهجرة غير الشرعية

أدّى موقف السلطات الصربية الملتبس من شبكات الهجرة والتهريب العاملة داخل حدودها دورًا مهمًا في إنعاش ممرّ غرب البلقان بعد العام 2015 وزيادة جاذبتيه للتونسيين خصوصًا، ولسكّان شمال أفريقيا عمومًا.

أُعيد افتتاح هذا الممر في سياق من انعدام الثقة بين الاتحاد الأوروبي وصربيا. فقد اشتبه الاتحاد الأوروبي بأن السلطات الصربية تمارس لعبة مزدوجة، من دون أن يوجّه لها تهمة علنية بذلك.69 فمن جهة، أكّدت بلغراد من جديد التزامها العمل من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ومن جهة أخرى استشعر الاتحاد بأن صربيا تقدّم مساعدة غير مباشرة لروسيا من خلال تأجيج الشقاق داخل الاتحاد الأوروبي عن طريق السماح بتدفّق المهاجرين. وهذا تكتيك استخدمته سابقًا دول حليفة لروسيا، مثل بيلاروس، على طول الحدود مع الاتحاد الأوروبي.70 لم تعمد صربيا إلى استعمال المهاجرين كسلاح مثلما فعلت بيلاروس في العام 2021، ولكنها استغلّت بحنكةٍ ورقة الهجرة. فقد لمست، من خلال السماح للمهاجرين بعبور الأراضي الصربية، فرصةً سانحة لتحقيق تفوّق نسبي على الاتحاد الأوروبي في سياق تبدّد آمالها بالانضمام إلى الاتحاد، وخلافاتها الحدودية مع كوسوفو، والضغوط التي تتعرّض لها من أجل حملها على الالتحاق بركب العقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا.71 وقد أدّى إجهاد التوسّع في الاتحاد الأوروبي إلى الحدّ من الحوافز الصربية للامتثال إلى شروط الاتحاد في السياسة الخارجية، وتنظيم الهجرة، وحتى الحوكمة الديمقراطية.72

بدا أن الخلافات بين صربيا والاتحاد الأوروبي تتأثّر بشدّة نتيجة انعدام التقدّم في مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد، والتي بدأت في العام 2014.73 وتسبّبت الخلافات حول العقوبات التي فُرِضت على روسيا بعد غزوها لأوكرانيا في العام 2022 بزيادة حدة التشنّجات. فقد رفضت بلغراد، على الرغم من دعمها قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أدانت الغزو، تعليق رحلات الخطوط الجوية الصربية من موسكو وإليها.74 ومثلما حدث في العام 2014، بعد الاحتلال الروسي للقرم، تردّدت بلغراد في الاصطفاف إلى جانب الاتحاد الأوروبي في فرض عقوبات تجارية ومالية على روسيا.75 ورفضت صربيا أيضًا وقف استيراد الغاز الطبيعي الروسي تماشيًا مع الهدف الذي حدّدته المفوضية الأوروبية،76 حتى إنها وقّعت اتفاقًا جديدًا مع موسكو لشراء الغاز في أيار/مايو 2022.77

أثّرت هذه التشنّجات على الموقف الصربي من الهجرة غير الشرعية. فقد سجّلت الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل 145,600 حالة عبور غير شرعي في العام 2022،78 وهو أعلى رقم يُسجَّل على الطريق الصربي منذ أزمة العام 2015، ويوازي تقريبًا نصف حالات العبور غير الشرعي إلى الاتحاد الأوروبي المبلَّغ عنها في العام 2022.79 شكّلت موجات الهجرة هذه، إضافةً إلى وصول مهاجرين من جنسيات لم يسبق لها أن سلكت هذا الطريق بأعداد كبيرة، تهديدًا لدول الاتحاد الأوروبي بحدوث تدفّق كبير للمهاجرين عن طريق غرب البلقان، بعدما كان قد خُيِّل لهذه الدول أن المشكلة حُلَّت في العام 2016.

كان التلاعب بموجات الهجرة ممكنًا أيضًا بفضل التواطؤ بين شبكات التهريب وعناصر الشرطة الصربية، بالتزامن على الأرجح مع تغاضي وكالة الاستخبارات الأمنية التي يقودها مسؤول موالٍ للروس عن ذلك.80 وقد أتاح هذا الواقع للسلطات الصربية فرصة الإنكار المعقول، ولا سيما نظرًا إلى التواطؤ المعروف في صربيا بين الأجهزة الأمنية وشبكات الجريمة المنظّمة.81 كانت شبكات التهريب تضمّ شرطيين فاسدين على قائمة مستخدَميها كإجراء احترازي ضد عمليات إنفاذ القوانين، وإنما أيضًا لمساعدتها على مزاحمة الشبكات المنافسة.82 وهكذا ازدهر اقتصاد الحماية عند الحدود الصربية المجرية مع توسّع سوق الهجرة. وقد لجأت مجموعات تهريب كبيرة إلى ممارسات التخويف أو العنف ضد المجموعات الأصغر، وكذلك ضد المهاجرين الذين لا يستعينون بـ”خدماتها”. وغالبًا ما أسفر ذلك عن مواجهات مسلّحة. على سبيل المثال، في 2 تموز/يوليو 2022، وقع اشتباكٌ بين مجموعتَي تهريب في بلدة سوبتيتسا عند الحدود مع المجر.83

كان يُفترَض أن تسهم العملية الهادفة إلى انضمام صربيا إلى الاتحاد الأوروبي في الحدّ من نفوذ شبكات الجريمة المنظّمة وروابطها مع الدولة، لكن ذلك لم يحدث. بل على النقيض، أصبحت تلك الروابط أقوى في ظل الحزب التقدّمي الصربي الحاكم حاليًا بقيادة الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش.84 وكانت هذه العلاقات موضع انتقاد علني من الاتحاد الأوروبي باعتبارها عنصرًا أساسيًا في تقويض الحوكمة في صربيا، ما يعرقل انضمام البلاد إلى الاتحاد الأوروبي.85 ومنذ ذلك الحين، سلكت الأمور منحىً أسوأ، إذ خُفِّض تصنيف صربيا من دولة “حرّة” إلى دولة “حرّة جزئيًا”، يستشري فيها الفساد على نطاق واسع، وترزح معارضتها السياسية وإعلامها المستقل ومجتمعها المدني تحت وطأة الضغوط الممارسة عليها.86 في ظل هذه الأجواء التي تنطبع بغياب الشفافية، وانعدام المساءلة، وممارسة الإكراه على المجتمع المدني ووسائل الإعلام، يصبح من الأسهل على أجهزة الدولة التلاعب بقضية الهجرة غير الشرعية.

بصورة عامة، وجّه التباس موقف بلغراد من تنظيم الهجرة غير الشرعية إلى الاتحاد الأوروبي، رسالةً مفادها أن الدول الواقعة عند أطراف الاتحاد قد تقرّر أن تحذو حذوها. توصَف البلدان التي تلعب هذه الورقة بـ”أنظمة الاستقرار السلطوي”.87 يمتلك “نظام الاستقرار السلطوي” القدرة على استخدام الاستقرار المزعوم بمثابة ورقة مساومة للحصول على الشرعية الخارجية وتحقيق الأهداف الاستراتيجية، على الرغم من شوائبه على صعيدَي الديمقراطية وحقوق الإنسان. لقد استخدمت دول في جوار الاتحاد الأوروبي، مثل تركيا وصربيا والمغرب ومقدونيا، الاستقرار للحصول على المعونات الاقتصادية والدعم السياسي من الغرب مقابل المساعدة على تسوية المشاكل الإقليمية، مثل ضبط موجات اللجوء والهجرة. أما الاستراتيجية الصربية فكانت مدفوعةً أكثر برغبة في اقتناص اللحظة الجيوسياسية لتذكير العواصم الأوروبية التي تساورها شكوك بشأن توسيع الاتحاد، ولا سيما باريس ولاهاي، بأنها مخطئة في اعتقادها أن بإمكانها إبقاء مصير دول البلقان معلَّقًا إلى ما لا نهاية في عملية توسيع الاتحاد الأوروبي.88

نهاية الممر الصربي؟

دفعت التشنّجات المتعاظمة بين صربيا والاتحاد الأوروبي ببروكسل إلى اتهام بلغراد بعدم التعاون وعدم الاستعداد لمواءمة إجراءاتها في مجال تأشيرات الدخول مع إجراءات الاتحاد الأوروبي. في هذا الصدد، اعتبر مسؤولون في الاتحاد الأوروبي أن المشكلة هي في الأنظمة المُعتمدة في صربيا لإعفاء دول في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط من تأشيرة الدخول، ومنها بوروندي ومصر والهند والمغرب وتونس.89 في تشرين الأول/أكتوبر 2022، هدّد مفوّض الاتحاد الأوروبي للشؤون الداخلية بالتوقف عن إعفاء صربيا من الحصول على تأشيرة لدخول منطقة شنغن إذا لم تضع حدًّا للهجرة غير الشرعية عبر أراضيها.90

كان لهذا التهديد مفعولٌ فوري، ففي أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2022، أُرغِم نحو 60 مهاجرًا تونسيًا وصلوا إلى بلغراد من تركيا على العودة إلى اسطنبول.91 وبعد أقل من شهر، أي في 20 تشرين الثاني/نوفمبر، فرضت بلغراد شروطًا على مواطني تونس وبوروندي للحصول على تأشيرة دخول، ما أشار ظاهريًا إلى انتهاء الهجرة الجماعية من تونس عبر الطريق الصربي. صحيحٌ أن صربيا رضخت في نهاية المطاف لضغوط الاتحاد الأوروبي، إلا أنها استطاعت من خلال ممارساتها أن توجّه رسالة له بأن انضمامها إلى الاتحاد هو السبيل الوحيد لمعالجة قضية المهاجرين بطريقة حاسمة، وحتى ذلك الوقت، سيبقى الالتباس سائدًا على هذه الجبهة. والحال هو أن على صربيا، إذا أرادت الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، أن تنتهج سياسةً لمنح تأشيرات دخول تكون متوائمة مع سياسات دول الاتحاد الأوروبي. وهذا يعني أن على بلغراد أن تعتمد عاجلًا أم آجلًا إجراءات لمنح تأشيرات دخول لا تنطبق فحسب على المواطنين التونسيين، إنما أيضًا على مواطني البلدان الأخرى الذين لا يحتاجون حاليًا إلى تأشيرات لدخول منطقة شنغن. إذًا، كانت حركة المهاجرين غير الشرعيين عبر صربيا مفيدة جزئيًا في الضغط على الاتحاد الأوروبي لتسريع عملية التوسيع. واكتسب ذلك فعاليةً متزايدة في ضوء استنزاف قدرات الاتحاد الأوروبي على استيعاب اللاجئين والمهاجرين، بسبب موجة اللجوء من أوكرانيا. فقد تسجّل نحو 5 ملايين لاجئ أوكراني في برامج الحماية الوطنية في أوروبا منذ الغزو الروسي لبلادهم في شباط/فبراير 2022.92

في الأشهر التي أعقبت فرض القيود، لم يكن واضحًا كيف ستتكيّف شبكات التهريب مع الوضع الجديد، وما إذا كانت الإجراءات ستكبح أيضًا تدفّق المهاجرين من جنسيّات أخرى. ولكن يتبيّن في ضوء الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في العام 2016 أن أعداد المهاجرين غير الشرعيين قد تنخفض، إلا أن الوضع الجديد سيُرغم شبكات التهريب على التكيّف مع نقل أعداد أقل من المهاجرين. كذلك، أظهر إغلاق الحدود بعد الاتفاق مع تركيا كيف لجأت شبكات التهريب الصغيرة الحجم إلى الجرائم الصغيرة للتعويض عن الإيرادات التي خسرتها، في حين أن الشبكات الأكثر تطوّرًا بحثت عن طرق بديلة لمواصلة تهريب المهاجرين، ما تطلّب مستويات أعلى من الفساد.93

والاحتمال كبيرٌ أيضًا بأن يحاول المهرّبون من بلدان شمال أفريقيا والمهاجرون التونسيون غير الشرعيين أن يسلكوا طرقًا أطول وأكثر خطورة وكلفة للالتفاف على القيود. وقد جرّب بعض المهاجرين بالفعل العبور إلى صربيا من بلغاريا، معرّضين أنفسهم لخطر التوقيف والترحيل، أو لمخاطر أسوأ من ذلك في الغابات بين البلدَين. علاوةً على ذلك، إذا مُنِع المهاجرون من تونس وبوروندي من الدخول إلى صربيا، لا يزال بإمكان المهاجرين من دول أخرى سلوك هذا الطريق أو إيجاد طرق جديدة. هذا هو مثلًا حال الكوبيين الذين بدأوا باستغلال قدرتهم على السفر من دون تأشيرة إلى روسيا وصربيا لعبور طريق الهجرة البلقاني إلى الاتحاد الأوروبي.94

منذ العام 2015، ينصبّ تركيز دول الاتحاد الأوروبي بصورة أساسية على “إخماد النيران” في ما يتعلق بقضايا الهجرة، فتتعامل هذه الدول مع الأزمات من خلال إغلاق الطرقات وإبرام الصفقات. وقد كان الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في العام 2016، والتهديدات التي أرغمت صربيا على إغلاق طريق غرب البلقان تدابير مؤقّتة بهدف كسب الوقت. والحال هو أن الاتحاد الأوروبي سعى إلى استنساخ الاستراتيجية التي اعتمدها مع تركيا عبر تنفيذها في أماكن أخرى، ما يُلقي بمسؤولية التوصّل إلى حلول للهجرة غير الشرعية على عاتق الجهات الخارجية، عبر دفع حكومات دول العبور إلى إرغام المهاجرين واللاجئين على ملازمة أماكنهم. لقد وقّع الاتحاد الأوروبي اتفاقات مع أثيوبيا ونيجيريا والسنغال من هذا المنطلق.95 وهذا ما حدث أيضًا بصورة أساسية على طريق وسط البحر المتوسط. ففي أعقاب موجة الهجرة غير الشرعية من ليبيا بين العامَين 2014 و2019، وافقت إيطاليا على تمويل مراكز احتجاز تديرها الميليشيات داخل ليبيا، حيث قبع آلاف المهاجرين الأفارقة الذين كانوا يحاولون العبور إلى أوروبا.96

ولكن هذه الترتيبات لا تكون فعّالة إلا في ظل حالة من التقاء المصالح بين الاتحاد الأوروبي وهذه البلدان. ما هو أكيد في ما يتعلق بطرق الهجرة المحتملة إلى دول الاتحاد الأوروبي أن بلدان العبور قد تستمر في غضّ نظرها عن الهجرة غير الشرعية إذا كانت تساعدها في تحقيق أهداف سياسية أو مالية أو جيوسياسية يصعب بلوغها بوسائل أخرى.97 تدرك تركيا وبيلاروس وصربيا، وكذلك البلدان الأضعف مثل تونس وليبيا، هذا الواقع، لذا يتعيّن على الاتحاد الأوروبي توفير آفاق استراتيجية أوسع لهذه البلدان. ومن الأفكار التي يمكن استكشافها في هذا الصدد تدابير لاستحداث فرص عمل في دول الجوار الواقعة جنوب أوروبا وشرقها، مثل قيام شركات أوروبية بإنشاء مرافق تصنيع في البلدان المجاورة التي يمكن أن يتدفّق منها المهاجرون، بدلًا من إنشاء هذه المرافق في دول شرق آسيا. والأساس المنطقي خلف هذا الطرح هو أن الازدهار المشترك يسهم في خفض الهجرة. والفكرة الثانية هي توسيع الهجرة الشرعية من خلال منح أذون عمل مؤقتة في بعض القطاعات، ما يتيح الهجرة الدائرية وفرصة تناوب العمّال على العمل بين وطنهم الأم والبلدان المضيفة. أما الفكرة الثالثة فهي تكوين شراكات استراتيجية تسهّل الاندماج الاقتصادي، وذلك أيضًا بهدف إرساء الاستقرار في البلدان الواقعة شرق الاتحاد الأوروبي وجنوبه من خلال تعزيز الازدهار. ولكن هذه التدابير تستهدف فقط عوامل الطرد المحفّزة على الهجرة، ولا تعالج عوامل الجذب في أوروبا. ففيما تنقسم أوروبا حول مسائل أساسية متعلقة بعملية توسيع الاتحاد الأوروبي، غالب الظن أن قضايا الهجرة ستبقى ورقة جامحة سوف تنزع بلدانٌ كثيرة إلى استخدامها من جديد.

خاتمة

واجه التونسيون تحدّيًا كبيرًا بعد أن قرّرت السلطات الصربية فرض تأشيرات عليهم ليتمكّنوا من دخول أراضيها. إضافةً إلى الأزمات التي تعاني منها تونس على مستوى المواد الغذائية وموارد الطاقة نتيجة الحرب في أوكرانيا، ألحق نقص الأمطار أضرارًا فادحة بالقطاع الزراعي في البلاد، ما أسفر عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتهديد سبل عيش سكان الأرياف. ولا شك أن ذلك سيؤدّي إلى استمرار مساعي التونسيين الرامية إلى الهجرة نحو أوروبا. وعلى الرغم من المشقات الاقتصادية في تونس، بقي الحراك الاحتجاجي محدودًا على نحو ملحوظ في العام 2022، ما يشير إلى أن البلاد تشهد نوعًا من الإعياء السياسي، مقرونًا بحالة من الاستكانة والركون لدى شرائح واسعة من السكان. تشرح هذه العوامل مجتمعةً لماذا ستبقى الهجرة على الأرجح واقعًا ملموسًا في المستقبل المنظور.

في غضون ذلك، تتوقّع الدول الأوروبية أن تواصل حركة الهجرة غير الشرعية ارتفاعها المطّرد خلال العام 2023.98 يُشار إلى أن الهجرة كانت مدفوعةً في العام 2022 بتداعيات الحرب في أوكرانيا، ولا شك أن هذه الظاهرة ستستمر في العام 2023 على وقع ارتفاع الأسعار مختلف أنواع السلع، ولا سيما أسعار المواد الغذائية وموارد الطاقة. وسيعتمد حجم الهجرة غير الشرعية في العام 2023 على دهاء شبكات التهريب وقدرتها على التكيّف مع فرض إجراءات وضوابط جديدة، واغتنام الفرص، والعثور على طرق جديدة لتسلكها. وما لم يبلور الاتحاد الأوروبي آلية فعّالة ومشتركة للتعامل مع الهجرة غير الشرعية، فسيبقى عرضةً للضغوط والاستغلال. ونظرًا إلى غياب الإجراءات الموحّدة لإدارة موجات الهجرة داخل الاتحاد الأوروبي، إضافةً إلى غياب آلية فعّالة لتقاسم مسؤولية طالبي اللجوء، فسيبقى الاتحاد في مهبّ الأزمات كلّما شهدت دوله تدفّقًا كبيرًا للمهاجرين غير الشرعيين إلى أراضيها.

تقدّم تونس خير دليل على المرونة التي تتّسم بها التحركات البشرية العابرة للحدود الوطنية في عالمنا اليوم الشديد الترابط. فالجهات غير الدولتية في وسعها تعديل أساليب عملها بسرعة، وهذا الأمر ينطبق أيضًا على استراتيجيات مختلف الدول المنخرطة في عمليات الهجرة. ويكشف لنا النموذج الصربي الكثير من الأمور حول تنظيم الهجرة، والقضايا الجيوسياسية المرتبطة بذلك، والعلاقات التي تجمع بين الجهات الدولتية والجهات غير الدولتية في محاولة استغلال قضية الهجرة غير الشرعية خدمةً لمصالحها الخاصة. وتجدر الإشارة إلى أن نجاح الاتحاد الأوروبي راهنًا في إغلاق طريق صربيا في وجه المهاجرين التونسيين لا يعني بالضرورة أن هذه الممارسات لن تستمر على قدم وساق في أماكن أخرى. فالدوافع التي تحدو بالكثير من الدول الواقعة عند أطراف أوروبا إلى السماح للمهاجرين بمواصلة التدفّق عبر أراضيها ستبقى قائمة في المستقبل.

شُكر

يودّ المؤلّف أن يتوجّه بالشكر إلى كلٍّ من تسنيم عبد الرحيم، وساسا دجوردجفيك، وأنيسا أغوفيك من المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية لمساهماتهم القيّمة في هذه الدراسة.

تم إصدار هذه الدراسة بدعمٍ من شبكة البحث المحلية حول القضايا العابرة للحدود الوطنية(X-Border Local Research Network)، وهي جزء من برنامج الصراعات العابرة للحدود – الأدلة والسياسات والاتجاهات (X-Border Conflict Evidence, Policy and Trends) (XCEPT) التابع لوزارة الخارجية والكومنولث والتنمية في المملكة المتحدة، والمموّل من الحكومة البريطانية من خلال مشروع UK Aid. شبكة البحث المحلية حول القضايا العابرة للحدود الوطنية عبارة عن شراكة بين مؤسسة آسيا ومركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط ومعهد الأخدود العظيم، تهدف إلى إجراء الأبحاث من أجل تحقيق فهم أفضل لأسباب النزاعات في المناطق الحدودية وتأثيراتها وأبعادها الدولية. وهي تدعم اعتماد أساليب أكثر فاعلية لصنع السياسات وبلورة البرامج الإنمائية، وبناء قدرات الشركاء المحليين. إن النتائج والتحليلات والخلاصات الواردة في هذه الدراسة تخصّ مؤلّفها فقط، ولا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط أو الحكومة البريطانية.

حمزة المؤدب

المصدر: موقع مركز مالكوم كير-كارنيغي

هوامش

1 Kyilah Terry, “The EU-Turkey Deal, Five Years On: A Frayed and Controversial but Enduring Blueprint,” Migration Policy Institute, April 8, 2021, https://www.migrationpolicy.org/article/eu-turkey-deal-five-years-on.

2 Mark Galeotti, “How Migrants Got Weaponized: The EU Set the Stage for Belarus’s Cynical Ploy,” Foreign Affairs, December 2, 2021, https://www.foreignaffairs.com/belarus/how-migrants-got-weaponized.

3 تمّ جمع الأرقام من: Migratory Map, February 24, 2023, https://frontex.europa.eu/we-know/migratory-map; انظر أيضًا: أليس بيسافنتو، “لماذا فرضت صربيا التأشيرة على التونسيين والتونسيات؟”، موقع انكفاضة، 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2022، https://inkyfada.com/ar/2022/11/22/صربيا-فيزا-تأشيرة-تونس/

4 عيسى زيادية، “الهجرة عبر صربيا.. “خيط” الأمل الجديد لشباب تطاوين”، موقع انكفاضة، 5 أيلول/سبتمبر 2022، https://inkyfada.com/ar/2022/09/05/الهجرة-عبر-صربيا-خيط-الأمل-الجديد-لشب/

5 “EU’s External Borders in 2022: Number of Irregular Border Crossings Highest Since 2016,” Frontex, January 13, 2023, https://frontex.europa.eu/media-centre/news/news-release/eu-s-external-borders-in-2022-number-of-irregular-border-crossings-highest-since-2016-YsAZ29.

6 المصدر السابق.

7 Alia Fakhry, Rodrick Perkes, Andras Racz, “Migration Instrumentalization: A Taxonomy for An Efficient Response,” Hybrid CoE Working Paper 14, March 2022, https://www.hybridcoe.fi/wp-content/uploads/2022/03/20220308-Hybrid-CoE-WP-14-Migration-instrumentalization-WEB.pdf.

8 Matt Herbert, “Losing Hope: Why Tunisians Are Leading the Surge in Irregular Migration to Europe,” Global Initiative Against Transnational Organized Crime, January 5, 2022, https://globalinitiative.net/analysis/tunisia-migration-europe/.

9 Moussa Diop, “Tunisie: Près de 200.000 Tunisiens Ont Perdu Leur Emploi à Cause du Covid-19, Selon le Patronat” [Tunisia: Around 200,000 Tunisians Lost Their Jobs Because of Covid-19 According to the Employers Union], Le 360 Afrique, November 3, 2020 https://afrique.le360.ma/tunisie/economie/2020/11/03/32431-tunisie-pres-de-200000-tunisiens-ont-perdu-leur-emploi-cause-du-covid-19-selon-le-patronat-32431/.

10 “L’impact du Covid-19 sur les Entreprises Tunisiennes,” [The Impact of Covid-19 on Tunisian Firms], Institut Arabe des Chefs d’Entreprises (IACE), March 2020, https://iace.tn/limpact-du-covid-19-sur-les-entreprises-tunisiennes/.

11 “الدراسة التشخيصية المنهجية عن تونس: إعادة بناء الثقة والوفاء بالتطلعات من أجل المزيد من الرخاء والشمول”، البنك الدولي، 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، https://www.albankaldawli.org/ar/country/tunisia/publication/tunisia-systematic-country-diagnostic-rebuilding-trust-and-meeting-aspirations-for-more-prosperity-and-inclusion

12 Sarah Yerkes and Thomas Hill, “Tunisian Foreign Policy under Kais Saied,” Carnegie Endowment for International Peace, January 11, 2023, https://carnegieendowment.org/2023/01/11/tunisian-foreign-policy-under-kais-saied-pub-88770.

13 Maurine Mercier, “ Tunisie, Une Personne sur Cinq Veut Quitter le Pays, Selon une Enquête Nationale” [Tunisia: One Out of Five Persons Wants to Leave the Country, According to a National Survey, Radio France Info, December 13, 2021, https://www.francetvinfo.fr/replay-radio/en-direct-du-monde/en-tunisie-une-personne-sur-cinq-veut-quitter-le-pays-selon-une-enquete-nationale_4862551.html.

14 Katharina Natter, “Tunisia’s Migration Politics Throughout the 2011 Revolution: Revisiting the Democratisation-Migrant Rights Nexus,” Third World Quarterly, Volume 43, Issue 7, 2022, pages 1551–1569 https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/01436597.2021.1940126?scroll=top&needAccess=true&role=tab.

15 Souhail Karam, “Surge in Migrant Crossings Brings Tunisia’s Crisis to Europe,” Bloomberg, November 3, 2022, https://www.bloomberg.com/news/articles/2022-11-03/surge-in-migrant-crossings-brings-tunisia-s-crisis-to-europe?sref=QmOxnLFz#xj4y7vzkg.

16 Abeer Abu Omar and Souhail Karam, “There is No Hope Left: Five Charts Show Tunisia’s Descent,” Bloomberg, January 29, 2023, https://www.bloomberg.com/news/articles/2023-01-29/-there-is-no-hope-left-five-charts-show-tunisia-s-descent?sref=QmOxnLFz.

17 المصدر السابق.

18 المصدر السابق.

19 عيسى زيادية، “الهجرة عبر صربيا.. “خيط” الأمل الجديد لشباب تطاوين”، موقع انكفاضة، 5 أيلول/سبتمبر 2022، https://inkyfada.com/ar/2022/09/05/الهجرة-عبر-صربيا-خيط-الأمل-الجديد-لشب/

20 Carole Nakhleh and Thomas Lassourd, “Assessing Tunisia’s Upstream Petroleum Fiscal Regime,” Natural Resources Governance Institute, September 2019, https://resourcegovernance.org/sites/default/files/documents/assessing-tunisia-upstream-petroleum-fiscal-regime.pdf.

21 “ولاية تطاوين بالأرقام”، وزارة الاقتصاد والتخطيط التونسية، تشرين الأول/أكتوبر 2022، http://www.ods.nat.tn/upload/files/pdf/CHIFTATAOUINE.pdf

22 Lilia Blaise, “Tataouine: Tunisia’s Jobless Search for Answers After Deadly Protest,” Middle East Eye, June 13, 2017, https://www.middleeasteye.net/news/tataouine-tunisias-jobless-search-answers-after-deadly-protest.

23 Hassen Boubakri, “Émigration Commerçante en France et Nouveaux Comportements Immobiliers à Ghomrassen, Sud-Est Tunisien” [Business Migration to France and the New Behavior in the Real Estate Market in Ghomrassen, Southeastern Tunisia], Les Annales de la Recherche Urbaine, 1985, No. 25, pages 96–103.

24 Hassan Boubakri, “Les Migrations en Tunisie Après La Révolution” [Migrations in Tunisia After the Revolution], Confluences Méditerranée, 2013/4 (No. 87), p. 31–46, https://www.cairn.info/revue-confluences-mediterranee-2013-4-page-31.htm.

25 حمزة المؤدّب، “الحدود التونسية-الليبية المأزومة: السياسة الأمنية لتونس في مواجهة فصائل الميليشيات الليبية”، مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط، 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، https://carnegie-mec.org/2020/11/04/ar-pub-83004

26 “أزمة الأعلاف تهدد الثروة الحيوانية في ولاية تطاوين”، باب نات، 14 تموز/يوليو 2016، https://www.babnet.net/rttdetail-128293.asp

27 حمزة المؤدّب، “حدودٌ متوتّرة: كيف أرغمت احتجاجات تطاوين الحكومة على تقديم التنازلات”، مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط، 16 شباط/فبراير 2021، https://carnegie-mec.org/2021/02/16/ar-pub-83885

28 أشرف الشيباني، “”الحلم الأوروبي”: خط البلقان طوق نجاة شباب تطاوين من براثن البطالة”، موقع مشكال، 27 أيلول/سبتمبر 2022، https://meshkal.org/الحلم-الأوروبي-خط-البلقان-طوق-نجاة-شب/

29 المصدر السابق.

30 Khadija Mohsen-Finan interview with Hassen Boubakri, “En Tunisie, la Migration Est Un Projet Partagé par des Pans Entiers de la Société” [In Tunisia, Migration Is a Project Shared Among Large Swathes of Society], Orient XXI, October 19, 2022, https://orientxxi.info/magazine/en-tunisie-la-migration-est-un-projet-partage-par-des-pans-entiers-de-la,5928.

31 هيفاء مزلوط، “الهجرة التونسية في أرقام”، موقع انكفاضة، 18 كانون الأول/ديسمبر 2022،
https://inkyfada.com/ar/2022/12/23/أرقام-هجرة-تونسيون-تونسيات/

32 World Bank, Personal Remittances Received as a Percentage of GDP in Tunisia (1976–2020), https://data.worldbank.org/indicator/BX.TRF.PWKR.DT.GD.ZS?locations=TN.

33 أليس بيسافنتو،”التونسيون·ـات المقيمون بالخارج: حين لا يعترف المال بالحدود”، موقع انكفاضة، 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2022،
https://inkyfada.com/ar/2022/12/02/تونسيون-مقيمون-بالخارج-تحويلات-مالية/

34 المصدر السابق.

35 Matt Herbert, “Tunisia: Growing Irregular Migration Flows Amid Worsening Political Fragility,” Global Initiative Against Transnational Organized Crime, July 2022, page 2, 
https://globalinitiative.net/wp-content/uploads/2022/06/Human-smuggling-and-trafficking-ecosystems-TUNISIA.pdf.

36المصدر السابق.

37 Vincent Collen, “Migrants : L’Europe Veut Mieux Contrôler la Route des Balkans” [Migrants: Europe Wants to Improve Its Control Over the Balkans Route], Les Échos, December 5, 2022, https://www.lesechos.fr/monde/europe/migrants-leurope-veut-mieux-controler-la-route-des-balkans-1886016.

38 Matt Herbert, “Tunisia: Growing Irregular Migration Flows Amid Worsening Political Fragility.”

39 Yasha Maccanico, “Tunisian Deportees in Italy Denied Rights Under European ‘Migration Management’ Policies That Seek to Exclude,” Statewatch, May 12, 2022,
https://www.statewatch.org/analyses/2022/tunisian-deportees-in-italy-denied-rights-under-european-migration-management-policies-that-seek-to-exclude/.

40 Francesco Bangarra, “Italy gives Tunisia €11m Euro to Stem Migrants Flow,” Arab News, August, 18, 2020, https://www.arabnews.com/node/1721346/amp.

41 Mourad Teyeb, “What’s Behind Tunisia and Italy’s Phantom Migration Pact,” New Arab, February 10, 2022, https://www.newarab.com/features/whats-behind-tunisia-and-italys-phantom-migration-pact.

42 المصدر السابق.

43 Seif Soudani, “Un ‘Accord Tacite’ D’expulsion des Migrants Tunisiens en France?” [A Tacit Agreement to Expel Tunisian Migrants From France?], Courrier de l’Atlas, November 11, 2021, https://www.lecourrierdelatlas.com/un-accord-tacite-dexpulsion-des-migrants-tunisiens-en-france/.

44 Yasha Maccanico, Tunisian Deportees in Italy Denied Rights Under European ‘Migration Management’ Policies That Seek to Exclude.”

45 المصدر السابق.

46 المصدر السابق.

47 “Tunisia: 1,700 Tunisians Sent Back ‘Forcibly’ By Italy, Claims Former MP,” Middle East Monitor, November 22, 2022, https://www.middleeastmonitor.com/20221122-tunisia-1700-tunisians-sent-back-forcibly-by-italy-claims-former-mp/.

48 أشرف الشيباني، “”الحلم الأوروبي”: خط البلقان طوق نجاة شباب تطاوين من براثن البطالة”.

49 المصدر السابق.

50 “محكمة تطاوين: إيقاف الناطق باسم تنسيقية اعتصام الكامور”، الشارع المغاربي،
https://bit.ly/3Kzq82P

51 نُشرت هذه الدراسة التي تحمل عنوان “دراسة حول وضعية ومسارات المهاجرين.ات التونسيين.ات المرحلين.ات من إيطاليا”، بالاشتراك مع منظمة محامون بلا حدود وجمعية الدراسات القانونية حول الهجرة في إيطاليا والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، آذار/مارس 2022،
https://ftdes.net/ar/etude-sur-les-conditions-de-sejour-et-les-trajectoires-des-migrant-e-s-tunisien-ne-s-rapatrie-e-s-en-italie/

52 Yasha Maccanico, “Tunisian Deportees in Italy Denied Rights Under European ‘Migration Management’ Policies that Seek to Exclude.”

53 Manos Moschopoulos, “The ‘Balkan Route’ Three Years After Its Closure,” European Institute of the Mediterranean (IEMED), Mediterranean Yearbook, 2019, https://www.iemed.org/wp-content/uploads/2021/01/The-Balkan-Route-Three-Years-after.pdf.

54 Tuesday Reitano and Mark Micallef, “Breathing Space: The Impact of the EU-Turkey Deal on Irregular Migration,”Institute for Security Studies, December 8, 2016, https://reliefweb.int/report/turkey/breathing-space-impact-eu-turkey-deal-irregular-migration.

55 Gabriella Sanchez and Luigi Achilli, “Critical Insight on Irregular Migration Facilitation: Global Perspective,” European University Institute, 2019, https://cadmus.eui.eu/bitstream/handle/1814/62384/MPC_MSO_Book_2019.pdf?sequence=6&isAllowed=y.

56 Suhail Khmira and Faisal Edroos, “Tunisians Turn to Online Smuggling Networks for Land Route to Europe,” Middle East Eye, December 1, 2022, https://www.middleeasteye.net/news/tunisia-kazawi-army-smuggling-network-europe.

57 المصدر السابق.

58 مقابلة مع مهاجرين سافروا عبر طريق البلقان، باريس، شباط/فبراير 2023.

59 مغني الراب التونسي تاتي ج 13 كتب أغنية تكريمًا للكزاوي، قائد شبكة تهريب،
https://www.youtube.com/watch?v=g6x2dZsk8dE

60 مقابلة مع مهاجرين سافروا عبر طريق البلقان، باريس، شباط/فبراير 2023.

61 المصدر السابق.

62 أشرف الشيباني، “”الحلم الأوروبي”: خط البلقان طوق نجاة شباب تطاوين من براثن البطالة”.

63 المصدر السابق.

64 مقابلة مع مهاجرين سافروا عبر طريق البلقان، باريس، شباط/فبراير 2023.

65 المصدر السابق.

66 Sasa Dragojlo, “Crossing Borders: In a Belgrade Café, Codes, Cash and a Cut for the State,” Balkan Insights, June 3, 2021, https://balkaninsight.com/2021/06/03/crossing-borders-in-a-belgrade-cafe-codes-cash-and-a-cut-for-the-state/.

67 Walter Kemp, Kristina Amerhauser, Ruggero Scaturo, “Spot Prices: Analyzing Flows of People, Drugs, and Money in the Western Balkans,” Global Initiative Against Transnational Organized Crime, May 2021, https://globalinitiative.net/wp-content/uploads/2021/05/Spot-Prices-Analyzing-flows-of-people-drugs-and-money-in-the-Western-Balkans-1.pdf.

68 المصدر السابق.

69 Dimitar Bechev, “Hedging its Bets: Serbia Between Russia and the EU,” Carnegie Europe, January 19, 2023, https://carnegieeurope.eu/2023/01/19/hedging-its-bets-serbia-between-russia-and-eu-pub-88819.

70 Suzanne Lynch and Jacopo Barigazzi, “EU Fumes That Serbia is Fanning New Migrant Route,” Politico, October 14, 2022https://www.politico.eu/article/eu-fumes-that-serbia-is-fanning-new-migrant-route/.

71 Dimitar Bechev, “Hedging its Bets. Serbia Between Russia and the EU.”

72 Paul Taylor, “EU Must Seize the Geopolitical Moment in the Balkans,” Politico, December 14, 2022, https://www.politico.eu/article/eu-balkans-accession-russia-china-geopolitics/.

73 Dimitar Bechev, “What Has Stopped the EU Enlargement in the Western Balkans?” Carnegie Europe, June 20, 2022, https://carnegieeurope.eu/2022/06/20/what-has-stopped-eu-enlargement-in-western-balkans-pub-87348.

74 “After Criticism From the EU, Serbia Will Reduce Number of Flights to Moscow,” Schengen Visa News, March 18, 2022, https://www.schengenvisainfo.com/news/after-criticism-from-the-eu-serbia-will-reduce-number-of-flights-to-moscow/.

75 Dimitar Bechev, “What Has Stopped the EU Enlargement in the Western Balkans?”

76 Luke McGee, “Serbia’s Gas Deal with Putin Has Created a Fresh Headache for Europe,” CNN, June 1, 2022, https://edition.cnn.com/2022/06/01/europe/serbia-russian-gas-eu-analysis-intl-cmd/index.html.

77 المصدر السابق.

78 “EU’s External Borders in 2022: Number of Irregular Border Crossings Highest Since 2016,” Frontex, January 13, 2023, https://frontex.europa.eu/media-centre/news/news-release/eu-s-external-borders-in-2022-number-of-irregular-border-crossings-highest-since-2016-YsAZ29.

79 المصدر السابق.

80 “Serbia Appoints Pro-Russian Politician as New Spy Chief,” Euronews, December 2, 2022, https://www.euronews.com/2022/12/02/serbia-appoints-pro-russian-politician-as-new-spy-chief.

81 Walter Kemp, “Crooked Kaleidoscope Organized Crime in the Balkans,” Global Initiative Against Transnational Organized Crime, June 2017, https://globalinitiative.net/wp-content/uploads/2017/07/OC_balkans.pdf;
انظر أيضًا:
Predrag Petrović and Jelena Pejić Nikić, “Security Sector Capture in Serbia: An Early Study,” Belgrade Centre for Security Policy, Belgrade, June 2020, https://bezbednost.org/wp-content/uploads/2020/06/NED-eng-screen-fin.pdf;
انظر أيضًا:
Jelena Pejić Nikić, “Fighting Organized Crime in a Captured State: Is Serbia’s ‘War on Mafia’ Genuine?” Italian Institute for International Political Studies (ISPI), October 8, 2021, https://www.ispionline.it/en/publication/fighting-organized-crime-captured-state-serbias-war-mafia-genuine-31920.

82 Sasa Dragojlo, “With Police Connections, Serbian-Syrian Translator Turned People-Smuggler,” Balkan Insight, June 22, 2022, https://balkaninsight.com/2022/06/22/with-police-connections-serbian-syrian-translator-turned-people-smuggler/.

83 Sasa Dragojli, “Shootings, Stabbing Reported Near Serbian Migrant Camp,” Balkan Insight, June 24, 2022, https://balkaninsight.com/2022/06/24/shootings-stabbing-reported-near-serbian-migrant-camp/.

84 Sasa Dragojlo, “In Serbia, State’s Ties to Crime Become Hard to Miss,” Balkan Insight, February 16, 2021, https://balkaninsight.com/2021/02/16/in-serbia-states-ties-to-crime-become-hard-to-miss/.

85 European Commission, Directorate-General for Communication, “A Credible Enlargement Perspective for An Enhanced EU Engagement with the Western Balkans: Six New Flagship Initiatives to Support the Transformation of the Western Balkans,” Publications Office, 2018, https://data.europa.eu/doi/10.2775/902991;
انظر أيضًا:
Bojan Elek, “The Fight Against Organized Crime in the Balkans: The EU’s Push and Pull,” Italian Institute for International Political Studies (ISPI), October 15, 2021 https://www.ispionline.it/en/pubblicazione/fight-against-organized-crime-balkans-eus-push-and-pull-31875.

86 Freedom House, “Serbia: Freedom in the World 2022,” Country Report, https://freedomhouse.org/country/serbia/freedom-world/2022.

87 Srda Pavlovic, “Montenegro’s ‘Stabilitocracy’: The West’s Support of Đukanović is Damaging the Prospects of Democratic Change,” LSE Blog, December 23, 2016https://blogs.lse.ac.uk/europpblog/2016/12/23/montenegros-stabilitocracy-how-the-wests-support-of-dukanovic-is-damaging-the-prospects-of-democratic-change/.

88 Paul Taylor, “EU Must Seize the Geopolitical Moment in the Balkans.”

89 Jacopo Brigazzi, “EU Preps Plan to Quell Migrant Influx from the Balkans,” Politico, November 24, 2022, https://www.politico.eu/article/eu-preps-plan-to-quell-migrant-influx-from-the-balkans/.

90 Sasa Dragojlo, “Serbians’ EU Visa-Free Travel Threatened by Migration Policy,” Balkan Insights, October 14, 2022, https://balkaninsight.com/2022/10/14/serbians-eu-visa-free-travel-threatened-by-migration-policy/.

91 “Une Soixantaine de Tunisiens Détenus à L’aéroport de Belgrade” [Some Sixty Tunisians Are Detained at Belgrade Airport], Kapitalis, October 2022, https://kapitalis.com/tunisie/2022/10/31/une-soixantaine-de-tunisiens-detenus-a-laeroport-de-belgrade/.

92 “4,890,639 Refugees from Ukraine registered for Temporary Protection or similar national protection schemes in Europe,” Operational Data Portal, UNHCR, March 7, 2023, https://data.unhcr.org/en/situations/ukraine.

93 Tuesday Reitano and Mark Micallef, “Breathing Space: The Impact of the EU-Turkey Deal on Irregular Migration”.

94 Tommaso Siviero, “Cubans Exploit Russia, Serbia Visa Deals to Hit Balkan Migration Path,” Balkan Insight, September 15, 2022, https://balkaninsight.com/2022/09/15/cubans-exploit-russia-serbia-visa-deals-to-hit-balkan-migration-path/.

95 Eric Maurice, “EU Hails First Result in Africa Migration Deals,” EU Observer, October 18, 2016, https://euobserver.com/migration/135551.

96 Arturo Varvelli and Matteo Villa, “Italy’s Libyan Conundrum: The Risks of Short-Term Thinking,” European Council on Foreign Relations (ECFR), November 26, 2019, https://ecfr.eu/article/commentary_italys_libyan_conundrum_the_risks_of_short_term_thinking/.

97 Alia Fakhry, Rodrick Perkes, Andras Racz, “Migration Instrumentalization: A Taxonomy for An Efficient Response.”

98 “EU Braces for Migrants Spurred by Food Crisis,” EURACTIV, July 12, 2022,
https://www.euractiv.com/section/justice-home-affairs/news/eu-braces-for-migrants-spurred-by-food-crisis/.




الجولان يواجه محاولات تطبيع الاحتلال

غم كل الرهانات الإسرائيليّة، مازال الشباب الجولاني يبدي علامات المقاومة في وجه محاولات تطبيع الاحتلال ومشاريع دمج الجولان بالداخل الإسرائيلي.

خلال الأعوام الماضية، راهنت إسرائيل على تطبيع احتلالها منطقة الجولان في الجنوب السوري، بالاستناد إلى مجموعة من المؤشّرات والتطوّرات المستجدة، ومنها تزايد عدد طالبي الجنسيّة الإسرائيليّة في صفوف دروز الجولان.

بهذا الشكل، تعتبر إسرائيل أنّ هناك تلاشيًا في الروابط السياسيّة والاجتماعيّة التي تجمع أهل الجولان المحتل بالداخل السوري، وهذا ما يمهّد لدمج الجولان سياسيًا بإسرائيل. أمّا الهدف النهائي، فهو طمس قضيّة احتلال هذا الجزء من سوريا وطوي صفحتها، بشكل هادئ ومتدرّج، بعد الاستفادة من التفكك السياسي الذي تشهده سوريا اليوم.

لكن في المقابل، يعترض أهالي الجولان بشدّة ويرفضون كلّ مشروع يهدف من خلاله الاحتلال إلى تعزيز حضوره الاستيطاني في المنطقة ودمج المنطقة اقتصاديًا واجتماعيًا بالداخل الإسرائيلي. كما تتكرّر المناسبات التي يظهر من خلالها أن الغالبيّة الساحقة من الجولانيين مازالوا يرفضون التسليم والاعتراف بالسيادة الإسرائيليّة على الجولان، ما يمثّل تحديًا كبيرًا للمخططات والنوايا الإسرائيليّة.

بالنتيجة، لم تنجح إسرائيل بعد بابتلاع الجولان وتنفيذ خطّة ضمّه رسميًا إليها، بالرغم من وجود قانون إسرائيليّ ينص على ذلك منذ العام 1981، وبمعزل عن اعتراف الولايات المتحدة الأميركيّة بضم الجولان إلى إسرائيل عام 2019.

وهذا الواقع لا يرتبط فقط برفض الأمم المتحدة الاعتراف بسيادة إسرائيل على المنطقة، واعتبارها أنّ الوجود الإسرائيلي هناك مجرّد احتلال لا يرتّب أي آثار قانونيّة، بل يرتبط أيضًا برفض القوى المجتمعيّة الجولانيّة هذا الواقع حتّى هذه اللحظة.

الرهان التاريخي على دمج الجولان بإسرائيل

في حزيران/يونيو من العام 1967، شنّت إسرائيل حربًا خاطفة على ثلاث دول عربيّة مجاورة لها، هي سوريا والأردن ومصر. وخلال ستّة أيّام من تلك الحرب، تمكنت إسرائيل من الاستيلاء على شبه حزيرة سيناء في مصر، والضفّة الغربيّة والقدس الشرقيّة التي كانت تحت الإدارة الأردنيّة، بالإضافة إلى مناطق واسعة من الجنوب السوري، وصولًا إلى مدينة القنيطرة.

وبعد أقل من خمسة أسابيع من انتهاء الحرب، بدأ أوّل مشروع إستيطانيّ في الجولان في يوليو/تمّوز 1967، تحت ستار مخيّمات العمل الهادفة إلى جمع قطعان الأبقار المشتتة في المنطقة.

وهكذا، أقيمت أوّل مستوطنة إسرائيليّة، وهي “مروم جولان”، لتنضم إليها لاحقًا 33 مستوطنة يقطنها حاليًا 27 ألف إسرائيلي. وبعد عام واحد من السيطرة على الجولان، أعلنت إسرائيل عام 1968 عن أمر عسكري يقضي بالسيطرة الإداريّة على أكثر من 100 نبع ماء في تلك المنطقة، بهدف بناء نحو 40 مجمعًا مائيًا وبركة اصطناعيّة، لري المزروعات في الداخل الإسرائيلي والمستوطنات المُقامة على هضبة الجولان.

لاحقًا، تمكنت سوريا من استعادة مدينة القنيطرة، بالإضافة إلى مساحات أخرى محتلّة من قبل إسرائيل، بموجب اتفاقيّة فض الاشتباك بين الطرفين عام 1974، إلا أنّ إسرائيل أصرّت على الاحتفاظ بهضبة الجولان منذ ذلك الوقت. وبدا من الواضح أن الاهتمام الإسرائيلي بهضبة الجولان يرتبط بمسائل استراتيجيّة، مثل ارتفاع المنطقة وقدرتها على كشف مساحات واسعة من الداخل الإسرائيلي، وغنى المنطقة بالموارد المائيّة والمساحات الزراعيّة الخصبة.

ولهذا السبب، ظهرت منذ البداية رهانات إسرائيل على قضم الهضبة ودمجها بالأراضي الإسرائيليّة، من خلال تهجير سكّان الجولان العرب الأصليين وإحلال مستوطنين إسرائيليين مكانهم. فقبل احتلال المنطقة، كان العرب السوريون يشغلون نحو 113 قرية، و112 مزرعة، في منطقة الجولان، وبعدد سكان إجمالي يقارب ال138 ألف نسمة.

لاحقًا، وبعد تهجير السكّان الأصليين على دفعات، لم يتبقَ في تلك المنطقة سوى ست قرى عربيّة فقط، يسكنها اليوم نحو 27 ألف نسمة. ورغم محاولة سكّان الكثير من القرى العودة إلى بيوتهم بعد الحرب، حرصت إسرائيل على إفشال هذه المحاولات، عبر الإبقاء على مساحات واسعة من الجولان كمناطق عسكريّة محظورة.

في المقابل، وقبل أشهر قليلة فقط من توقيع اتفاقيّة فض الاشتباك عام 1974، أنشأت إسرائيل المجلس الإقليمي للاستيطان في الجولان، الذي وضع يده على جميع الأراضي الموجودة في منطقة الجولان، باستثناء المناطق الواقعة ضمن القرى العربيّة الستّ. ومنذ ذلك الوقت، تولّى المجلس وضع خطط توطين السكّان الإسرائيليين الجدد، وربط المستوطنات الجديدة بالبنية التحتيّة الإسرائيليّة، تمهيدًا لدمج الجولان بالداخل الإسرائيلي.

هكذا، ومنذ احتلال الجولان، لم تتعامل إسرائيل مع تلك المنطقة كمنطقة مُحتلّة بشكل مؤقّت، كما كان الحال في جنوب لبنان مثلًا، بل تعاملت معها كمساحة تحاول قضمها واستيطانها واستغلال مواردها على المدى البعيد. وهذا ما يفسّر عدم تفاوض الإسرائيليين جديًا على أي مقترح يمكن أن يفضي إلى إعادة الجولان إلى السيادة السوريّة، مقابل توقيع اتفاق سلام نهائي، كما جرى مع مصر بعد انسحاب إسرائيل من شبه جزيرة سيناء.

وفي العام 1981، وبعد سبع سنوات فقط من توقيع اتفاق فض الاشتباك، صدّق الكينيست الإسرائيلي على “قانون الجولان”، الذي فرض القانون والقضاء والإدارة الإسرائيليّة على هضبة الجولان، ما عنى وضع المنطقة عمليًا تحت السيادة الإسرائيليّة.

مقاومة دروز الجولان التاريخيّة الاحتلال

ورغم كل ذلك، ظلّت إسرائيل تواجه طوال العقود الماضية رفض سكّان القرى العربيّة الستّ محاولات تجنيسهم واعتبارهم مواطنين إسرائيليين، كما رفض هؤلاء محاولات ربط قراهم سياسيًا واجتماعيًا بالداخل الإسرائيلي.

وبذلك، تميّز دروز الجولان عن الدروز العرب الموجودين في الداخل الإسرائيلي، الذين استحصلوا –بعد الإعلان عن دولة إسرائيل- على الجنسيّة الإسرائيليّة، وخضع معظم شبابهم للتجنيد الإجباري في الجيش الإسرائيلي أُسوة بالشباب اليهود.

ففي العام 1982، اختار دروز الجولان اللجوء إلى “المقاومة اللاعنفيّة”، فأعلنوا إضرابًا استمرّ ستّة أشهر متواصلة، رفضًا لفرض الجنسيّة الإسرائيليّة عليهم، واعتراضًا على محاولة إسرائيل إدارة القرى الجولانيّة من خلال مجالس محليّة مرتبطة بالسلطات الإسرائيليّة. ثم عادت مقاومة الجولانيين لتتجدد عام 1987، مع الانتفاضة التي أعلنها سكّان قرية “مجدل شمس”، أكبر قرى الجولان المحتل، رفضًا لمنح سكان القرية بطاقات هويّة إسرائيليّة.

بالنتيجة، لم تتجاوز نسبة الجولانيين الذين استحصلوا على الجنسيّة الإسرائيليّة أكثر من 19%، بعدما فشلت إسرائيل في فرض إجراءات تلزم الجولانيين بحمل هذه الجنسيّة، فيما تُرك خيار الاستحصال على هذه الجنسيّة طوعيًا لمن يريد من سكان الجولان.

وفي الوقت عينه، فشلت إسرائيل في تأمين مشاركة الجولانيين في انتخابات المجالس المحليّة، كما فشلت في دفعهم للانخراط بالحياة السياسيّة الإسرائيليّة. فعلى سبيل المثال، لم يصوّت في مدينة عين شمس سوى 272 جولاني، من أصل 12 ألف مقيم في القرية، في انتخابات المجلس المحلّي عام 2018، التي نظر إليها الجولانيون كمحاولة لتشريع الاحتلال الإسرائيلي المنطقة.

وبذلك، تحوّلت معارضة الجولانيين هذا الاحتلال إلى العقبة الأساسيّة التي تحول دون تنفيذ المخططات الإسرائيليّة، التي حاولت تطبيع احتلال المنطقة وتجاوز قضيّتها. كما فشلت إسرائيل في تكرار نموذج علاقتها مع الدروز العرب في المناطق المحتلّة عام 1948، بالرغم من مرور أكثر من نصف قرن على احتلال إسرائيل هضبة الجولان.

إسرائيل تراهن على تحوّلات اجتماعيّة وسياسيّة في الجولان

خلال الأعوام الماضية، باتت إسرائيل تراهن على مجموعة من التحولات السياسيّة والاجتماعيّة، بهدف عكس هذا المسار والتمكن من دمج الجولانيين بالداخل الإسرائيلي. أمّا أبرز هذه التحوّلات، فهو الارتفاع التدريجي والبطيء الذي حصل منذ العام 2018، في أعداد الجولانيين المستحصلين طوعًا على الجنسيّة الإسرائيليّة.

فخلال العام 2021 مثلًا، تقدّم نحو 239 جولاني بطلبات للحصول على الجنسيّة الإٍسرائيليّة، مقارنة ب75 طلب فقط قبل أربع سنوات، خلال العام 2017، ما عكس زيادة بنسبة 218% بين الفترتين. وخلال النصف الأوّل فقط من العام 2022، وصل هذا العدد إلى حدود ال206 طلبات، ما يشير إلى أن عدد الطلبات الإجمالي خلال ذلك العام تجاوز بأشواط مثيله في العام السابق.

ورغم تواضع هذه الأعداد، مقارنة بعدد السكّان العرب في الجولان، البالغ 27 ألف نسمة، إلا أنّ هذه التحوّلات تدفع إسرائيل للتفاؤل بإمكانيّة تليين موقف الجولانيين تجاهها، وخصوصًا إذا قدّمت لهم ما يكفي من حوافز اقتصاديّة. كما تراهن إسرائيل على إمكانيّة رفع نسبة الجولانيين الحاصلين على الجنسيّة الإسرائيليّة على المدى البعيد، بفعل تراكم وتزايد عدد هذه الطلبات بشكل تدريجي كل سنة.

تتعدّد التحليلات التي تحاول تفسير ارتفاع عدد الجولانيين المتقدمين بطلبات للحصول على الجنسيّة الإسرائيليّة. لكنّ السبب الأبرز والأوضح يكمن في الأحداث العسكريّة التي تشهدها سوريا منذ العام 2011، والتي أسهمت في قطع علاقات المجتمع الجولاني بالعاصمة دمشق على المستوى الاجتماعي.

مع الإشارة إلى أنّ عددًا كبيرًا من المعارك وقع تحديدًا في مناطق درعا والقنيطرة، الواقعة على الطرق التي تربط ما بين الجولان وسائر المدن السوريّة. كما أدّت هذه الاشتباكات إلى إقفال معبر القنيطرة، الذي كان يسمح للجولانيين بالدخول إلى المناطق السورية للدراسة والعمل، طيلة أربع سنوات متتالية.

وعلى المستوى السياسي، ساهمت النزاعات المسلّحة في إضعاف رهان الجولانيين على النظام السوري وتأييدهم له، بعدما كانوا ينظرون سابقًا بإيجابيّة إلى مواقفه الرافضة الصلح مع إسرائيل قبل تسوية ملف الجولان المحتل. أمّا الأهم، فهو أن الجولانيين باتوا على ثقة بأنّ الدولة السوريّة المفككة والمنهكة، جرّاء الحرب القائمة، لم تعد تملك أي أوراق قوّة تسمح لها بالتفاوض لاستعادة الجولان، بعد مرور أكثر من 56 سنة على احتلال إسرائيل المنطقة.

أمّا على المستوى الديموغرافي، فثمّة جيل كامل من الجولانيين الذين بلغوا سن الشباب، منذ العام 2012، من دون أن تربطهم بدمشق أو سائر المدن السوريّة سوى حكايات الأهل والأقارب، بفعل الحرب السوريّة. وهذا ما تسعى إسرائيل إلى استغلاله اليوم، من خلال ربط هذا الجيل بسوق العمل الإسرائيلي، كبديل عن الروابط الاقتصاديّة التي لطالما جمعت الجولانيين بالشام ودرعا والقنيطرة.

بوادر المقاومة مستمرّة

رغم كل هذه الرهانات الإسرائيليّة، مازال الشباب الجولاني يبدي علامات المقاومة، في وجه مشاريع دمج الجولان بالداخل الإسرائيلي.

ففي يونيو/حزيران 2023، استقدم الجيش الإسرائيلي تعزيزات ضخمة إلى الجولان المحتل، لمحاولة فرض مشروع “توربينات هوائيّة” في مناطق تابعة لقريتي مجدل شمس ومسعدة. وجاء هذا المشروع كجزء من رؤية الحكومة الإسرائيليّة الهادفة إلى تحويل الجولان إلى “عاصمة تكنولوجيّة للطاقة المتجددة” بحلول العام 2030، بما يحوّل المنطقة إلى مصدر أساسي للكهرباء بالنسبة إلى إسرائيل من جهة، وبما يساعد في ربط الجولان اقتصاديًا وتنمويًا بالبنية التحتيّة الإسرائيليّة من جهة أخرى.

وبالتوازي مع هذا التوجّه، تسعى إسرائيل من خلال هذا النوع من المشاريع إلى زيادة فرص العمل، التي تساعد في توطين المزيد من الإسرائيليين في المنطقة.

سرعان ما تنبّه الجولانيون إلى مخاطر هذا المشروع على المدى البعيد، من جهة مساهمته في تطبيع الاحتلال الإسرائيلي ومشاريعه في أراضيهم. وهكذا، اندلعت احتجاجات صاخبة بهدف عرقلة العمل في هذا المشروع، كما تراجع المزارعون الجولانيون عن العقود التي أجّروا بموجبها أراضيهم لإقامة التوربينات، بعدما كانوا قد وقّعوا هذه العقود قبل أن يتبيّن لهم حجم وأهداف هذا المشروع.

بالنتيجة، وبحلول شهر يوليو/تمّوز 2023، اضطر رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو إلى تأجيل العمل في هذا المشروع، بعدما تيقّن من استحالة فرضه على أهالي القرى العربيّة.

وأظهرت الأحداث المرتبطة بمشروع التوربينات أن الجولانيين لم يفقدوا بعد روحيّة الاعتراض على الاحتلال القائم في منطقتهم، إذ اندفع المزارعون الجولانيون إلى عرقلة المشروع لأهداف سياسيّة صرف، بالرغم من الأرباح الماليّة التي كان يمكن أن تتأتّى من تأجير أراضيهم لإقامتها.

ورغم تفاؤل إسرائيل بزيادة أعداد طالبي الجنسيّة الإسرائيليّة، بات من الواضح أن أعداد المجنّسين مازالت تقل عن خُمس عدد الجولانيين الإجمالي. وهذا ما يشير بوضوح إلى أنّ الغالبيّة الساحقة من الجولانيين مازالت ترفض فكرة تجنيسهم في إسرائيل، على الرغم من التسهيلات التي يمكن أن تأتي مع الجنسيّة الإسرائيليّة.

ولذلك، يمكن القول إنّ إسرائيل مازالت تواجه الفشل في مسعاها لإنهاء قضيّة الجولان، رغم كل الظروف السياسيّة التي أضعفت هذه القضيّة مؤخّرًا.

علي نور الدين

المصدر: موقع fanack.com




العلويون العرب في تركيا: التاريخ والعادات والتبعية

يواجه العلويون العرب في تركيا مشكلةً في إقناع بعض أبناء الجيل الجديد بضرورة التمسك بأصولهم العربية والمحافظة على العادات والموروثات.

يخلط الكثير من الناس بين العلويين الذين ينحدرون من أصولٍ تركيّة ونظرائهم المنحدرين من أصولٍ عربية. ويجمع العلويون في تركيا مزيجاً من المعتقدات الشيعية والممارسات الدينية الصوفية.

ويعود تاريخ وجود العلويين الترك في تركيا إلى بدايات قدوم القبائل التركية إلى منطقة الأناضول. ويعرف هؤلاء بـ”علويي الأناضول”، وهم يتوزعون ما بين كردٍ وأتراك، وسط تضارب في العدد الحقيقي في نسبتهم. وبحسب بعض التقديرات، فإن هؤلاء يشكلون قرابة ربع سكان تركيا، وهو ما يجعلهم الأقلية الأكبر في البلاد.

أما العلويين العرب فيعيش معظمهم على ساحل المتوسط في ولايات هاتاي وأضنة ومرسين وصولاً إلى أنطاليا. ويتواجد بضعة آلاف من العلويين العرب في أنقرة وإسطنبول.

روابط تاريخية

كان العلويون العرب في الأصل تابعين لسوريا حتى عام 1939م، حيث اقتطع لواء الإسكندرون منها خلال حقبة الانتداب الفرنسي عليها وتم ضمه لتركيا بعد إجراء استفتاء. ويعرف حالياً لواء الإسكندرون في تركيا باسم محافظة هاتاي.

وإلى يومنا هذا، ما زال من الممكن اعتبار العلويين العرب الموجودين في تركيا امتداداً للعلويين الموجودين في سوريا. ويرتبط هؤلاء بصلات القربى مع أبناء الطائفة المقيمين في سوريا، وهم يتحدثون اللغة العربية إلى حد ما. كما أنهم يقومون بتعليمها لأولادهم. ويشكل العلويون العرب ما بين 5 إلى %7 من العلويين الأتراك، حيث يقدّر عددهم بنحو 250 ألفاً.

ويطلق الأتراك على سكان اللواء اسم “النصيريين” لتمييزهم عن علويي تركيا الآخرين، وفي إشارة إلى أنهم جزء من علويي سوريا. وتقع جبال النصيرية إلى الجنوب من محافظة هاتاي.

لواء الإسكندرون

كانت منطقة الإسكندرون، قبل ضمها لتركيا في عام 1939، تابعةً لولاية حلب، إبان الحكم العثماني لسوريا. وأصبحت هذه المنطقة تحت إدارة الانتداب الفرنسي، فيما يعرف بالمنطقة الزرقاء، التي تؤكد تعامل فرنسا وتركيا مع اللواء كأرض سورية في حينها.

ويقع لواء الإسكندرون في أقصى الزاوية الغربيّةِ الشماليّة من سوريا بحدودها السياسيّة قبل اقتطاعه من قبل الدولةِ التركيّة. ويحد اللواء من الغرب البحر الأبيض المتوسّط، والمتمثل بخليجي السويديّة والإسكندرون. وإلى الشرق والجنوب الشرقي تقع محافظتا إدلب وحلب، وإلى الجنوب مدينة اللاذقيّة.

وينقسم سكان محافظة هاتاي بين علويين وسنة إلى جانب عدد من الأتراك والشركس والأكراد مع أقلية من الأرمن.

الممارسات الدينية والطقوس

يدمج العلويون مذاهب مختلفة من الشيعة، إضافةً إلى معتقدات وممارسات من ثقافة السكان الأصليين في الأناضول، ما يخلق بنية فريدة تختلف عن الإسلام السني.

ويختلف علويو الأناضول عن العلويين العرب، رغم اتفاقهما على تقديس حضرة علي وآل البيت، وبعض الطقوس الأخرى. ويتشابهون إلى حد كبير مع العلويين في سوريا، ويؤمن العلويون بقدسية علي بن أبي طالب، ابن عم النبي محمد وصاحبه. كما يؤمنون بالتناسخ، ونقل موروثهم من خلال طقوس مخصصة حصرياً للرجال. وبحسب الطائفة العلوية، فإن المرأة ليس لها روح، ولا يمكن إعادة تجسدها. ويحتفل العلويون العرب بعيد الغدير الذي يعتبر من أهم الأعياد عندهم، ويعتقدون أنه اليوم صار الإمام علي فيه ولياً.

ولا يصوم العلويون الأتراك شهر رمضان. وفيما يتعلق بالحج، فإنّ أكثرهم يحج إلى قبر حجي بكتاش ولي، وهو متصوّف وفيلسوف وشاعر صوفي معروف عاش في الأناضول ما بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلادي. وتتميز العلوية الأناضولية عن العربية بطقوس الرقص الصوفي التي اكتسبتها من ارتباطها بالطريقة البكتاشية.

الاضطهاد العثماني

اتّهمت الدولة العثمانية العلويين بمساندة الصفويين في إيران في صراعهم معها. وأدى ذلك إلى ارتكاب حملات إبادة بحقهم، الأمر الذي أثر في تواريهم واعتزالهم في الجبال والانطواء على أنفسهم.

وظل الخلاف قائماً عبر التاريخ مع الأتراك عموماً، والسنّة بشكل خاص، إلى أن وافق السلطان عبد الحميد الثاني على حقيقة أنّ النصيريين مسلمون، وأدخلهم في الجيش العثماني، وذلك خلال الحرب العالمية الثانية.

ويتعرّض المواطنون العلويّون بين الحين والآخر أيضاً للتهديد داخل منازلهم، خصوصاً في مناطق اسطنبول وأنقرة. ويأتي التهديد على شكل رسومات وكتابات معادية وصلبان حمراء توضع على أبوابهم وجدرانهم. وعلى هذا الأساس، يضطر معظم العلويين إلى إخفاء هويتهم.

تهميش وتتريك

يواجه العلويون العرب في تركيا، كغيرهم من الأقليات العرقية والدينية، سياسات الدولة التي تسعى من خلالها لإلغاء هويتهم. ولكنهم، رغم ذلك، يسعون للمحافظة على خصوصيتهم، لا سيما في المناطق الواقعة جنوب غربي البلاد التي يتواجدون فيها بكثافة، كما هو الحال في منطقة هاتاي.

وعانى علويو تركيا العرب من ممارسة ضغوطٍ كبيرة بحقهم. ويشمل ذلك محاولة طمس الصبغة العربية عن محافظة هاتاي عبر تهجير أهالي الريف من المناطق التي ينحدرون منها. كما أن هناك محاولات متواصلة لقطع علاقة من بقي من العلويين العرب مع أقاربهم الموجودين في سوريا.

وتأتي عملية التتريك في منع تعلم اللغة العربية أولاً، وعدم تقليدهم مناصب كبرى أو مهمة في مؤسسات الدولة. يضاف إلى ذلك عدم الاعتراف بهم كطائفة مستقلة أو بالأضرحة ودور العبادة الخاصة بهم، وإدراجها تحت مسمى “مؤسسات ثقافية”.

وما تزال الهوية العربية موجودة في أنطاكيا وحيّة بشكل جيد في معظم المدن القريبة منها، لكنها تكاد تختفي في مدن أخرى يتواجد فيها العرب بكثافة مثل مرسين وأضنة.

العلاقة مع اللاجئين السوريين

على الرغم من السنين التي مرت والتطورات الكثيرة التي حدثت في العلاقات بين اللاجئين السوريين والعلويين العرب في تركيا، إلا أن الاندماج الاجتماعي في البداية ظل محدوداً جداً. ورغم الاختلاط بين الطرفين في العديد من الأمور، بقي أبناء الطائفة العلوية متحفظين إزاء مسألة إسكان السوريين في أحيائهم ومناطقهم، لفترة طويلة.

وكان العلويون في البداية متخوفين من نقل الأزمة السورية إلى بلادهم، ومن حدوث صدامات بسبب الاختلاف الطائفي والسياسي. ودفع هذا الأمر بالكثير من أبناء القرى العلوية إلى تسليح أنفسهم. ويميل معظم علويي تركيا من العرب إلى الوقوف في صف النظام الحاكم في سوريا. ويعتقدون أن الأزمة السورية مفتعلة، وغايتها التخريب، في حين يقف اللاجئون السوريون، وبأغلبيتهم، في الطرف الآخر.

لكن، مع الفترة الطويلة التي مضت والاندماج الذي حدث، والمحاولات الكثيرة التي بذلتها الدولة التركية لتجنب وقوع أية مشاكل، تراجعت مشاعر العداء والترقب والعمليات العنصرية من قبل المناطق العلوية، وزال الخوف تدريجياً.

صراع ما بين هويتين

يتمسك العرب الأتراك بشكل عام، لا سيّما العلويون منهم، بهويتهم العربية. ويتحدث هؤلاء بصورةٍ مستمرة باللغة العربية. كما أنهم يحاولون تعليم هذه اللغة لأولادهم. ومع ذلك، يواجه العلويون مشكلةً في إقناع بعض أبناء الجيل الجديد بضرورة التمسك بأصولهم العربية والمحافظة على العادات والموروثات. ويعود السبب في ذلك إلى ما تبذله الحكومة التركية من محاولات لطمس الهوية، وتأثر هذا الجيل أكثر بالأتراك والقومية التركية.

تقول س ك، 52 سنة، وتعيش في أنقرة، في حديث خاص لفنك: “عندما كنت صغيرة، كان معظم أفراد عائلتي يتحدثون العربية بشكل جيد. وكانت أحاديثهم لا تخلو من ذكر أسماء أقاربنا الذين يعيشون في سوريا، والحكايات التي تجمعهم بهم. أما اليوم، فالوضع قد اختلف. وصار التحدث بالعربية مقتصراً بيننا نحن الجدات والأجداد”. وتضيف: “هذا الأمر مزعج جداً ومخيف. وهذا ما سعت الدولة التركية إليه منذ سلبها اللواء”.

وتضيف: “في المقابل، لا بد لنا وأن نحاول الاندماج في المجتمع التركي بشكلٍ أكبر، سيّما وأنّ الاندماج سيضمن لأولادنا الوصول إلى ما يطمحون إليه. كما أنه سيجنّبهم مخاطر الوقوع في مشاكل مع الدولة التركية، أو مع غيرها من الجماعات المتطرفة الموجودة في المنطقة بشكل عام”.

علي العجيل

المصدر: موقع fanack.com




الجزائر تتجهُ شرقًا: تحوّلات عميقة في السياسة الخارجيّة

يسعى تبون اليوم إلى فتح أسواق بلاده أمام الاستثمارات الصينيّة والروسيّة، في الوقت الذي تبحث فيه الصين وروسيا عن المزيد من مساحات النفوذ في أفريقيا.

تتسارع خطوات نظام الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون، باتجاه تعميق علاقات بلاده الاستراتيجيّة مع روسيا والصين، في المجالات العسكريّة والاقتصاديّة والسياسيّة.

في يوليو/تمّوز 2023، حطّت طائرة تبّون في العاصمة الصينيّة بكين، بهدف تطوير الخطّة الخماسيّة للتعاون الاستراتيجي بين البلدين، التي تم الاتفاق عليها قبل سنة واحدة، لتعزيز علاقات البلدين الاقتصاديّة والاستثماريّة وذلك خلال الفترة الممتدّة حتّى العام 2026. مع الإشارة إلى زيارة تبّون مثّلت أوّل زيارة يقوم بها رئيس جزائري إلى الصين، منذ أكثر من 15 سنة، وهو ما أعطى الخطوة دلالة شديدة الأهميّة.

وقبل نحو شهر من هذا الحدث، في يونيو/حزيران 2023، كانت طائرة تبّون قد حطّت في العاصمة الروسيّة موسكو، في زيارة أسهمت في الحد من العزلة الدبلوماسيّة والسياسيّة، التي يعاني منها حاليًا نظام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وفي تلك الزيارة، رفع تبّون عناوين حسّاسة أسهمت في إثارة قلق الولايات المتحدة، مثل التشديد على ضرورة التخلّص من هيمنة الدولار واليورو على الاقتصاد العالمي، واعتماد العملات الوطنيّة في التبادلات التجاريّة. كما تحدّث تبّون عن سعيه لفتح فروع للمصارف الروسيّة في الجزائر، وزيادة الاستثمارات الروسيّة في قطاعات الطاقة والغذاء الجزائريّة، ما مثّل تحديًا للتوجّه الغربي الذي يحاول تطويق روسيا اقتصاديًا.

في النتيجة، انتهت زيارة تبّون إلى موسكو بتوقيع إعلان “الشراكة العميقة” بين البلدين، وهو ما يفترض أن يمثّل اتفاقًا مشابهًا للخطة الخماسيّة للتعاون الاستراتيجي مع الصين. كما تمكّن تبون من انتزاع تأييد موسكو الكامل لانضمام الجزائر إلى مجموعة “بريكس”، وهو ما يفترض أن يطوّر علاقات الجزائر الاقتصاديّة مع روسيا والصين وسائر دول المجموعة، في مواجهة السطوة الغربيّة على النظام المالي العالمي. وأخيرًا، وقّع كل من بوتين وتبون على ثماني معاهدات في مجالات متنوّعة، من بينها منظومة القضاء وقطاعات الزراعة والاتصالات والثقافة واستكشاف الفضاء.

حسابات تبون الاقتصاديّة والسياسيّة

عمليًا، لطالما احتفظت الجزائر منذ استقلالها بعلاقات استراتيجيّة مميّزة مع كل من الصين والاتحاد السوفياتي سابقًا. إلا أنّ الأعوام القليلة الماضية، وخصوصًا تلك التي تلت وصول تبون إلى السلطة عام 2019، قد شهدت تناميًا مضطردًا في علاقات الجزائر السياسيّة والاقتصاديّة مع الدولتين، وهو ما عكس تحوّلًا كبيرًا في وجهة السياسة الخارجيّة الجزائريّة. بل يمكن القول إن الزيارتين الأخيرتين التي قام بهما تبون إلى موسكو وبكين لم تكونا إلا رأس جبل الجليد الظاهر، في العلاقات الجزائريّة مع الصين وروسيا، التي أخذت بالاتساع بسرعة لافتة بين عامي 2019 و2023.

والنقطة الأهم التي ينبغي الالتفات إليها، هي أنّ هذه التحوّلات تتزامن الآن مع تنامي استياء النظام الجزائري من نتائج “اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي”، الذي دخل حيّز التنفيذ منذ العام 2005، دون أن يحقق للجزائر منذ ذلك الوقت أي مكاسب استراتيجيّة واقتصاديّة وازنة.

ومنذ وصول تبون إلى سدّة الرئاسة في الجزائر، تكرّرت مطالباته بإعادة النظر بهذا الاتفاق، دون أن يلقى آذانًا صاغية من جانب الزعماء الأوروبيين. وبذلك، تأتي خطوات تبون الأخيرة كمحاولة لخلق مساحات بديلة للتعاون الاقتصادي، بما يسمح للجزائر بتقليص اعتمادها على علاقاتها الاستراتيجيّة المأزومة منذ مدّة مع الدول الأوروبيّة.

وفي الوقت عينه، يدرك تبون اليوم مدى حاجة دول الاتحاد الأوروبي إلى العلاقة مع نظامه، بالنظر إلى دور الجزائر كمصدّر أساسي للغاز الطبيعي، وفي ظل حاجة الدول الأوروبيّة إلى الغاز الجزائري للتعويض عن تراجع واردات الغاز الروسي. وهذا ما يدفع تبون اليوم للذهاب بعيدًا في تطوير علاقاته مع روسيا والصين، بعيدًا عن المصالح الغربيّة التقليديّة، دون الخشية من الضغوط الغربيّة، ومن دون أن تهدد هذه الخطوات بانقطاع علاقات بلاده الاستراتيجيّة مع الدول الأوروبيّة بشكل كامل.

بل ويمكن القول أيضًا أنّ تنامي العلاقات الجزائريّة مع الصين وروسيا، تعطي نظام تبون المزيد من أوراق الضغط والقوّة التفاوضيّة في وجه أوروبا، بما يسمح له لاحقًا بتحصيل المزيد من المكاسب في العلاقات الخارجيّة مع الدول الأوروبيّة.

ويأتي هذا التوجّه الجزائري الجديد منسجمًا مع السياسة الاقتصاديّة التي انتهجها تبون منذ وصوله إلى السلطة، والتي ركّزت على إنعاش واستقطاب استثمارات القطاع الخاص، وتنمية الصادرات غير البتروليّة، بهدف تقليص اعتماد البلاد المفرط على إيرادات إنتاج الغاز. وذلك ما دفع الجزائر في يوليو/تمّوز 2022 إلى إقرار قانون جديد للاستثمار، بهدف تقديم ما يكفي من الضمانات والحوافز والتسهيلات، الكفيلة باستقطاب الرساميل الأجنبيّة وإنعاش مشاريع القطاع الخاص.

وبذلك، وكجزء من هذا التوجّه العام، يسعى تبون اليوم إلى فتح أسواق بلاده أمام الاستثمارات الصينيّة والروسيّة، في الوقت الذي تبحث فيه الصين وروسيا عن المزيد من مساحات النفوذ في أفريقيا.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم إصرار تبون على الاجتماع ب 200 مستثمر روسي في موسكو خلال زيارته الأخيرة، ضمن فعاليّات “ملتقى رجال الأعمال الجزائري الروسي”، وذلك بالتوازي مع الاجتماعات الرسميّة التي عقدها مع المسؤولين الحكوميين الروس. وضمن فعاليّات هذا الملتقى، عرض تبون أمام المستثمرين تفاصيل برنامج الإنعاش الاقتصادي الجزائري المتعدد الأبعاد، مع كل ما يتضمّنه البرنامج من تعديلات في البيئة الاستثماريّة الجزائريّة، بهدف تطمين المستثمرين واستقطابهم. كما حرص تبون على استعراض تفاصيل الفرص الاستثماريّة الموجودة في كل قطاع من القطاعات الاقتصاديّة في الجزائر، مع استعراض مزايا وآفاق الاستثمار في كل من هذه القطاعات.

خلفيّات تطوّر العلاقات الجزائريّة الروسيّة

تمتلك الجزائر تاريخًا حافلًا من العلاقات الإيجابيّة مع روسيا، منذ حقبة الاتحاد السوفياتي. فخلال حقبة الاستعمار الفرنسي للجزائر، أرسل الاتحاد السوفياتي المساعدات الإنسانيّة والعسكريّة لجبهة التحرير الجزائريّة بشكل غير مباشر، عبر العديد من الوسطاء. وبعد استقلال الجزائر عام 1962، كان الاتحاد السوفياتي الدولة الأولى التي تعترف بالحكومة الجزائريّة الجديدة، وتقيم علاقات دبلوماسيّة مباشرة معها، ما فتح باب دعم الحكومة الوليدة من قبل حكومات المعسكر الاشتراكي الأخرى.

وهكذا، ورغم تحوّلها إلى دولة قياديّة في معسكر دول عدم الانحياز، فقد حافظت الجزائر على علاقات إيجابيّة جدًا مع الإتحاد السوفياتي طوال الحرب الباردة، مقابل إبداء حساسيّة ولهجة حادّة اتجاه فرنسا في معظم المراحل. وكان من الواضح أنّ هذه السياسة الخارجيّة كانت مدفوعة بالجروح التي خلّفتها حقبة الاستعمار الفرنسي للجزائر، والتي مازالت محفورة في الذاكرة الجماعيّة الجزائريّة حتّى اليوم.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، أبدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اهتمامًا خاصًا بالعلاقة مع الجزائر، ما دفعه عام 2006 إلى زيارتها شخصيًا، وإعلان إلغاء جميع الديون الروسيّة المستحقة على الجزائر. وفي المقابل، التزم نظام عبد العزيز بوتفليقة بشراء الأسلحة الروسيّة الخفيفة والثقيلة، بما فيها أنظمة الدفاع الجوي والطائرات الحربيّة والدبابات والسفن الحربيّة.

ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الجزائر ثالث أكبر زبون في العالم يشتري الأسلحة الروسيّة، بعد كل من الهند والصين. مع الإشارة إلى أنّ الجزائر كانت الدولة الأفريقيّة الأولى التي تدخل في شراكة استراتيجيّة من هذا النوع مع روسيا، ما مثّل نموذجًا حاولت روسيا تكراره مع سائر الدول الأفريقيّة.

ومع ذلك، ظلّ نظام بوتفليقة في تلك المرحلة يوازن في علاقته ما بين الشرق والغرب، فالتزم بمندرجات اتفاقيّة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، التي فتحت بدورها الأسواق ما بين الجزائر ودول الاتحاد. ومع الوقت، كانت الشراكة الجزائريّة الأوروبيّة تفضي تدريجيًا إلى اعتماد الجزائر على المنتجات الأوروبيّة المستوردة، فاستفادت بذلك الصناعات الأوروبيّة من إعفاءات جمركيّة تقارب قيمتها ال30 مليار دولار أميركي. ولهذا السبب، لم تتمكن الجزائر من تطوير صناعاتها أو صادرتها غير النقطيّة، كما لم تستفد من الشراكة مع أوروبا على مستوى استقطاب الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة.

من هنا، يمكن فهم التحوّل الكبير الذي قاده تبون بعد مجيئه إلى السلطة عام 2019، من خلال تعميق علاقته مع النظام الروسي، دون التخلّي عن دور الجزائر كمورّد للغاز باتجاه السوق الأوروبيّة.

فبعد فرص العقوبات الغربيّة على روسيا، بات رجال الأعمال الروس بحاجة ماسة إلى أسواق ناشئة ومستقرّة تسمح باستيعاب استثماراتهم، بعيدًا عن أسواق الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركيّة. وهذا ما مثّل فرصة بالنسبة للجزائر، التي تبحثُ عن مثل هذا النوع من الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة، والتي لم تأتِ من دول الاتحاد الأوروبي في المراحل السابقة.

في الوقت عينه، كان النظام الجزائري بحاجة شديدة إلى تطوير عتاده العسكري، في خضم التوتّرات العسكريّة المتصاعدة على حدوده الجنوبيّة مع مالي. وهذا ما دفع بالنظام الجزائري للتوسّع في عقد صفقات استيراد السلاح الروسي، الذي بات يمثّل اليوم 80% من واردات السلاح التي يشتريها الجيش الجزائري. كما ساهم تنامي نفوذ مجموعة “فاغنر” الروسيّة في مالي بدفع النظام الجزائري نحو المزيد من التنسيق الأمني والعسكري مع روسيا، لاستيعاب آثار الأحداث في مالي على الحدود الجزائريّة الجنوبيّة.

ومن جهة أخرى، وتمامًا كما أعلن بوتين بصراحة في القمة الروسيّة الأفريقيّة التي انعقدت في يوليو/تمّوز 2023، تبحث روسيا اليوم عن ممرّات تجاريّة آمنة تربط ما بين روسيا ودول أفريقيا، لزيادة صادرات روسيا، بعيدًا عن الممرّات والمضائق التي تؤثّر عليها دول الاتحاد الأوروبي. وهذا ما يدفع بوتين إلى التركيز على الجزائر، بوصفها أحد المداخل الشماليّة للقارّة الأفريقيّة، التي تسمح بربط الموانئ الروسيّة على شواطئ البحر الأسود بدول وسط وشرق وجنوب أفريقيا. وهذا ما يفسّر تركيز مداولات تبون وبوتين في موسكو على مشاريع الاستثمار الروسي في البنية التحتيّة الجزائريّة.

رهان الجزائر على الاستثمارات الصينيّة

تمامًا كحال علاقتها مع روسيا، تمتلك الجزائر تاريخًا حافلًا من العلاقات الإيجابيّة مع الصين، وهو ما يمثّل قاعدة يستند إليها تبون اليوم لتطوير شراكته الاستراتيجيّة مع نظام الرئيس الصيني شي جين بينغ، وتعزيز الثقة بين الجانبين.

فجمهوريّة الصين الشعبيّة دعمت عام 1962 استقلال الجزائر عن فرنسا، فيما كانت الجزائر إحدى الدول ال23 التي رفعت عام 1971 اقتراح استعادة الصين لتمثيلها ومقعدها الدائم في مجلس الأمن الدولي. وبذلك، ساهمت الجزائر في تلك المرحلة باستعادة اعتراف الأمم المتحدة بالنظام الشيوعي في الصين، بعد أن تمَّ حرمان الصين من وضعها القانوني في الأمم المتحدة منذ انتصار الشيوعيين في الحرب الأهليّة الصينيّة عام 1949.

بعد العام 2019، حرص تبون على تنمية علاقة بلاده مع الصين، بهدف تنويع مصادر تمويل النظام الجزائري. ولهذا السبب، وخلال السنوات التي تلت تولّي تبون رئاسة الجزائر، أصبحت الصين المقرض والمموّل التجاري الأوّل للجزائر، وبنسبة ناهزت ال17%. وفي ديسمبر/كانون الأوّل 2022، وقّعت الجزائر على الخطّة التنفيذيّة لمبادرة “الحزام والطريق” الصينيّة، بهدف اجتذاب الاستثمارات الصينيّة في قطاع البنية التحتيّة الجزائري، بعد أن وقّع الطرفان خلال العام نفسه اتفاقيّة “للتعاون الاستراتيجي الشامل”.

وهكذا، تنامت الاستثمارات الصينيّة في قطاعات النقل والشحن والطاقة والبناء واستخراج الفوسفات في الجزائر، كجزء من الاستراتيجيّة الصينيّة القائمة على التوسّع الاستثماري في أفريقيا.

ثم جاءت زيارة تبون الأخيرة إلى بكين، التي تمكّن خلالها من استقطاب استثمارات جديدة بقيمة 36 مليار دولار. ومن هنا، يبدو من الواضح أنّ رهان تبون على الاستثمارات الصينيّة قد نجح بالفعل خلال السنوات الماضية، إذ تحوّلت الجزائر بحلول العام 2023 إلى أحد أهم أربع وجهات للاستثمارات الصينيّة في أفريقيا، إلى جانب جنوب أفريقيا ونيجيريا والكونغو الديمقراطية. كما بات هناك حاليًا أكثر من 700 شركة ومؤسسة صينيّة نشطة في الجزائر، في مختلف القطاعات الاقتصاديّة.

وفي جميع الحالات، تركّز الجزء الأكبر من الاهتمام الاستثماري الصيني بالجزائر في قطاع الطاقة تحديدًا، وذلك بالنظر إلى وضعيّة الجزائر كمصدّر للنفط والغاز، في مقابل اعتماد الصين على استيراد مصادر الطاقة لتشغيل قطاعاتها الصناعيّة. وبهذا الشكل، تسعى الصين إلى ضمان أمن الطاقة لديها، في ظل الاضطرابات التي شهدتها سلاسل توريد النفط والغاز مؤخرًا. أمّا الجزائر، فتحاول الاعتماد على الشركات الصينيّة، لتطوير أنشطة تكرير النفط وإنتاج مشتقاته، بدل الاكتفاء بتصدير المنتجات البتروليّة فقط.

في خلاصة الأمر، يحاول تبون من خلال هذه المقاربة الابتعاد عن الاعتماد الشديد على علاقات بلاده الاقتصاديّة مع الاتحاد الأوروبي، كما كان الحال سابقًا. وبالتوازي مع ذلك، يسعى تبون إلى تنمية القطاعات الجزائريّة المنتجة، والكفيلة بتوفير فرص العمل وتحقيق التنمية الاقتصاديّة، فضلًا عن تنويع الاقتصاد بعيدًا عن الارتهان لعوائد تصدير النفط والغاز.

لكن من جهة أخرى، يشير كثيرون على ضرورة حفاظ الجزائر على التوازن في علاقاتها الخارجيّة، من خلال الإبقاء على مساحات معيّنة من التعاون الاستراتيجي مع دول الاتحاد الأوروبي، الذي يمثّل السوق الأهم والأكبر للغاز الجزائري. فتنويع العلاقات الخارجيّة، يفرض على الجزائر عدم الإفراط في اعتمادها على تعاونها المستجد مع الصين وروسيا، على حساب الشركاء الاقتصاديين التقليديين.

علي نور الدين

المصدر: موقع fanack.com




النقشبندية الخزنوية في سوريا: بين الرفض وتنامي الأنصار

يتبع الآلاف من المسلمين العرب والأكراد على حدٍّ سواء النقشبندية الخزنوية في سوريا باعتباره من أهم الطرق الصوفية المنتشرة.

تعتبر النقشبندية الخزنوية من أهم الطرق الصوفية المنتشرة في سوريا بشكل عام ومنطقة الجزيرة السورية بشكل خاص. ويتبع هذه الطريقة الصوفية الآلاف من المسلمين العرب والأكراد على حدٍّ سواء، رغم الخلافات والاختلافات الكثيرة بينهم حالياً.

وعرفت سوريا التصوف الإسلامي منذ فترة قديمة جداً. وعاش فيها العديد من أعلام الصوفية عبر القرون. ومن أشهر هؤلاء شهاب الدين السهروردي صاحب “الإشراقات” والذي يقع مقامه في مدينة حلب. وتضم القائمة محيي الدين بن عربي صاحب “الفتوحات المكية“، ويقع مقامه في حي الصالحية بمدينة دمشق. وهناك أيضاً عماد الدين نسيمي الذي عاش الفترة الأخيرة من حياته في شمال سوريا، وتوفي ودفن في حلب.

أصل التسمية

تنسب المدرسة الخزنوية للطريقة النقشبندية، والتي سميت بهذا الاسم نسبة إلى أحد شيوخها، وهو محمد بهاء الدين شاه نقشبند. وتعود الخزنوية في الأصل إلى الشيخ أحمد الخزنوي المولود في قرية خزنة شمال سوريا. وتعلم الخزنوي العلوم الشرعية في عدّة مدارس دينية تركية، ليعود إلى سوريا لنشر العلم والاشتغال بالدعوة إلى للنقشبندية والدين الإسلامي الحنيف. وبحسب مريدي الطريقة الخزنوية، فإن دعوة الخزنوي الجديدة جاءت بعد تفشي البدع والخرافات في منطقة الجزيرة السورية نتيجة الجهل والأمية.

وقام الشيخ أحمد الخزنوي ببناء مدرسة دينية كخطوة أولى. وبمساعدة مريديه وأتباعه، اشترى الخزنوي الكثير من الأراضي ووسع منطقة دعوته، بهدف استقطاب المزيد من الناس والتسويق للمدرسة أكثر. وظلّ على هذا الحال إلى أن توفي عام 1950 تاركاً خلفه أولاداً كثرأً. ومنهم هؤلاء الأبناء الشيخ معصوم، والشيخ علاء الدين، والشيخ عز الدين، والشيخ عبد الغني. وتجدر الإشارة إلى أن الخزنوي لم يقم بتسليم أحد أبنائه الخلافة على المدرسة بصفةٍ رسمية.

وبعد وفاته، انحصرت الخلافة ما بين الشيخ عبد الغني والشيخ عز الدين. وفي نهاية المطاف، تسيّد الشيخ عز الدين زعامة الطريقة. وقام هذا الأخير ببناء معهد شرعي، ووسع دائرة مريديه لتشمل الكثير من المناطق المجاورة وخاصة في العراق وتركيا القريبة من منطقة الجزيرة. وحققت الطريقة الخزنوية على يد الشيخ عز الدين انتشاراً هائلاً. وباتت الطريقة الخزنوية تحظى بمكانة كبيرة في قلوب الناس، وتصل إلى درجات لم يكن من المتوقع أن تصل إليها.

الشيخ عز الدين توفي في عام 1969 وعهد بخلافة الطريقة من بعده لابنه محمد. ودفن الشيخ عز الدين في القبة في تل معروف، إلى جانب والده وأخويه.

ويعتبر محمد مطاع الخزنوي اليوم الممثل الوحيد والشرعي للطريقة الخزنوية. واليوم، يمتلك الشيخ محمد مطاع الخزنوي مئات الآلاف من المريدين في سوريا وبضعة ملايين داخل تركيا وآخرين موزعين في أنحاء العالم.

ومع انطلاق الثورة السورية، رفض الشيخ محمد مطاع الدخول في السياسة، متحججاً بأنه لا يريد أن يغير من منهج الطريقة وما ورثه عن والده وجده من قبله. وأدى هذا الموقف إلى انخفاض نسبة انتشار الطريقة في بداية الحراك الذي شهدته سوريا في عام 2011.

تل عرفان

تعتبر قرية تل عرفان المقر الذي يرتاده أبناء الطريقة النقشبندية الخزنوية. وتقع هذه القرية على بعد 26 كم عن مدينة الحسكة السورية. وقام الشيخ محمد مطاع بتأسيسها من الصفر عام 2007، فقد كانت القرية قبل ذلك خالية تماماً. وسميت بهذا الاسم اشتقاقاً من المعرفة والشكر. وبحسب القائمين على التل، فإن للاسم أصلاً في مصطلحات الصوفية، فكأنه يشير إلى العلم والمعرفة بالله وإلى الاعتراف بفضل الله ومنّه وكرمه.

ويقيم في تل عرفان الشيخ محمد مطاع. وباتت القرية مركزاً علمياً هاماً للراغبين بأخذ العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية، وذلك لوجود معهد العرفان الخزنوي للعلوم الشرعية والعربية فيها. وتنبع أهمية المعهد المذكور من وجود عشرات الفروع له في المدن التركية المختلفة والتي تروِّج بدورها للشيخ وطريقته.

وكانت قرية تل معروف المقر الرئيس للطريقة منذ عام 1920 حتى تأسيس قرية تل عرفان. وجرت عادة الزوار والمريدين زيارة القرية التي أقامها مؤسس الطريقة الشيخ أحمد الخزنوي على أراضٍ كانت في السابق ملكاً لأحد شيخ قبيلة طيء الموجودة في المنطقة.

طرق الخزنوية النقشبندية والمراتب

تشبه الطريقة الخزنوية النقشبندية الكثير من الطرق الصوفية الأخرى، كالقادريّة، من حيث طريقتها وآلية عباداتها. ولعل أبرز ما يجمع الخزنوية النقشبندية بالطرق الصوفية الأخرى مفهوم التوبة بين المريدين. فالتوبة يجب أن تكون دائماً وحصراً للشيخ الذي يحمل سمة الإمام بكل ما تحمله الكلمة من معنى لهذا المريد.

في المقابل، تختلف حلقات الذكر عند الخزنوية النقشبندية عن بقية الحركات المتصوفة. وجرت عادة مريدي الخزنوية النقشبندية عقد حلقات الذكر الخاصة بهم في يومي الخميس والأحد، أي ليلة الجمعة والاثنين. وبصورة مغايرة لما عليه الحال في الطرق الأخرى، فإن صوت مريدي الطريقة لا يُسمع في حلقات الذكر، وإنما يتم سحب المسابح وذكر اسم الله والآيات القرآنية بحركة الشفاه فقط.

كما لا يقوم المريد بإطفاء النور أو خفته كما تفعل بقية الطرق، بل يلجأ إلى تغطية رأسه ووجهه بقماش. وهنا، يتجول الشيخ المسؤول عن حلقة الذكر فوق الرؤوس. ويصحب تجواله بقراءة بعض الأشعار في الأخلاق الحميدة التي يجب أن يكون عليها المريد.

وفي سوريا، لا يضرب أصحاب الطريقة أنفسهم بالأسياخ والسيوف والرماح أو يأكلون الزجاج ويمشون على الجمر، مثلما يفعل البقية. أما في العراق، فلا زالت بعض هذه الطقوس سارية المفعول، وإن كانت على نطاق ضيّق.

أما فيما يخص المراتب بين المريدين والفقهاء، فقد تختلف قليلاً أو تتشابه مع مثيلاتها من بقية الطرق. ويحتل الشيخ أعلى مرتبة دينية في الطريقة. وذكر بعض المريدين بأنهم يتدرّجون في المراتب، فيبدأ المريد بتصنيفه كصوفي، ومن بعدها يصبح عريفاً ومن ثمّ رقيباً فخليفة. وهذه المرتبة الأخيرة يصل إليها المريد عندما يصبح خليفة شيخ الطريقة في مدينةٍ ما أو موقعٍ ما.

التحول الديني نحو السياسة

أثناء تسلّم الشيخ محمد عز الدين الخلافة بزغ نجم شقيقه الشيخ معشوق، الذي كان يحظى بحبّ الأكراد. وزادت الحظوة التي يتمتع بها الشيخ معشوق بعد أن شارك نشطاء المجتمع المدني في سوريا منتدياتهم الثقافية في حقبة “ربيع دمشق“. وتحلّق حينذاك العديد من النشطاء الإسلاميين الأكرد حوله، لتبدأ مرحلة وليدة من النشاط الحزبي الديني في منطقة الجزيرة السورية.

وساهم اسم عائلة الشيخ معشوق وثراؤه وصفته الدينية ومطالبه والأفكار التي كان يطرحها في جعل العديد من الأحزاب تتشارك وإياه أهدافها وتنسق نشاطاتها معه. وتعزّز الأمر بعد طرحه فكرة الحوار مع الإخوان المسلمين في محاضرةٍ له في مركز الدراسات الإسلامية في دمشق. وللمعلومية، فقد كانت تلك الأحزاب إما محظورة من ممارسة أعمالها أو غير مرخصة.

واختفى الشيخ معشوق في ظروف غامضة، بالتزامن مع مقتل شقيقه الشيخ محمد بحادث سير في المملكة العربية السعودية، وكان ذلك في مايو 2005. وفي يونيو 2005، تم الإعلان عن مقتل الشيخ معشوق. وقامت مسيرةٌ كبيرة في مدينة القامشلي دعت إليها الأحزاب الكردية التي طالبت السلطات السورية بالكشف عن الجناة الحقيقيين. وأكد حينذاك مرشد، ابن الشيخ معشوق، أنّ العائلة تسلّمت جثة والده وآثار التعذيب بادية عليه قبل القتل.

ودخلت الطريقة بعد ذلك في حالة من التخبط والضياع. وفقدت الكثير من مريديها. كما قامت الكثير من المظاهرات التي تطالب بالثأر للشيخ المغدور، الأمر الذي تطلّب تدخل قوات الأمن السورية. وقامت هذه الأخيرة بتشديد قبضتها على منطقة الجزيرة بشكل عام. وشنت حملة اعتقالات دامت لثلاثة أشهر. وبقي الحال على ذلك حتى تمت تسمية الشيخ محمد مطاع خليفةً لوالده، وهو كما أسلفنا كان صاحب قرار الابتعاد عن السياسة وتحريم دخولها على أهله ومريديه.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك من يتهم أفراد من عائلة الخزنوي نفسها باغتيال الشيخ معشوق، وعلى رأسهم الشيخ محمد مطاع. وما يساعد على تأييد هذه الفرضية، هو تحريم ذكر الشيخ المغدور في المجالس وبين المريدين.

الخزنوية وبارزاني العراق

النقشبندية الخزنوية في سوريا
صورة تم التقاطها في ستينيات القرن الماضي للملا مصطفى بارزاني في الجبال الكردية الموجودة شمال العراق. المصدر: AFP.

تنتمي العائلة البارزانية في العراق، وإلى يومنا هذا، إلى المدرسة النقشبندية الخزنوية. وكان الشيخ عبد السلام شقيق الزعيم الكردي المعروف مصطفى البارزاني، ومن بعده الشيخ أحمد البارزاني أحد شيوخ الطريقة النقشبندية الخزنوية.

وللعلم، فإنّ الشيخ أحمد البارزاني وقف على الحياد أثناء حرب مصطفى البارزاني مع الحكومة العراقية بين عامي 1961 و1963 شرط أن تترك الحكومة العراقية منطقة بارزان ومريديه من السكان وشأنهم.

واليوم، وبعد عدّة أعوام على حصول إقليم كردستان العراق على الحكم الذاتي، يلاحظ المراقبون تنامي الطريقة النقشبندية الخزنوية فيه وغلبتها على الطريقة القادرية، التي كانت أكثر انتشاراً فيما مضى. وباتت الخزنوية تحظى بعددٍ أكبر من الداعمين ومن المساجد التي تبنى هذه الطريقة.

وفي الوقت الراهن، يبدي الكثير من المقيمين في كردستان العراق اعتزازهم بتجربة الشيخ معشوق ويقارنونها بتجربة مسعود البارزاني.

جدلٌ دائم

يدور جدلٌ دائم في الأوساط الإسلامية حول الطرق الصوفية بشكلٍ عام والطريقة النقشبندية الخزنوية بشكلٍ خاص. ويعتقد أغلب الشيوخ أن طقوس الطريقة تخالف معتقد أهل السنة والجماعة في مسائل الإيمان، وأصول العقيدة، وأنّ لها ممارسات مبتدعة كغيرها من الطرق الصوفية. ووفقاً لهؤلاء، فإنه ينبغي الحذر من الطرق الصوفية وعدم الدخول فيها.

وحارب تنظيم “الدولة الإسلامية” الطريقة النقشبندية الخزنوية وغيرها من الطرق الصوفية. واستهدف التنظيم قرية تل عرفان والعديد من مراكز النقشبندية الخزنوية أثناء سيطرته على المنطقة. واعتبر التنظيم كل ما يقوم به الخزنويون باطلاً ولا أساس له من الدين.

علي العجيل

المصدر: موقع fanack.com




دمشق القديمة لا تزال “قارورة عطر” رغم المآسي والتحولات

باب توما وباب شرقي كيف يصنعان سحر المدينة؟

على الرغم من اتساع دمشق واكتظاظها الصاخب، والثقل العمراني المهيمن على العديد من مناطقها، وعلى الرغم أيضا من صورتها الثريّة المتراكمة عبر التاريخ، إلا أن الواصلين إلى العاصمة السورية، بل حتى سكانها، يتحسّسون طريقهم إلى أحيائها القديمة، مختزلين العاصمة بتلك المداخل الضيقة والحارات المتعرّجة. كثير من السحر يمكن اقتفاؤه هناك، سحر يمكن اختزاله بثقافة رمزية خاصة، تجعل دمشق برمتها تتكثّف في باب شرقي وباب توما. كأن المدينة هي هذان الحيّان.

يكمن جمال دمشق، على مرّ الحقب، خلف زاوية معينة أو جهة محدّدة، على الزائر أن يخطو إليها ويتجه نحوها. كل خطوة تتكشف عن رونق القديم فيها، والحاجة الماسة إلى التعلّق بذلك القديم والبقاء لأطول وقتٍ ممكن، فجمال المدينة يكمن في الجهة الشرقية من المدينة القديمة في باب توما وباب شرقي.

لعلّ أبلغ تعبير عن هذا الجمال، هو وصف الشاعر السوري نزار قباني حين قال: “هل تعرفون ما معنى أن يسكن الإنسان في قارورة عطر؟ بيتنا كان تلك القارورة” حيث يقبع في حارات دمشق القديمة.

ما إن يصل السائحون إلى دمشق، سواء أكانوا من أبناء المدن السورية، أم الدول العربية أو الأجنبية، سيعرف الدمشقيون وجهتهم، من هيئاتهم الخارجية أو لهجاتهم المختلفة أو الفضول الظاهر عليهم، وقبل الانتهاء من سؤالهم عن وجهتهم، ستشير أصابع سكان المدينة إلى الشارع المستقيم الذي لا تشوبه أي تعرجات أو نتوءات، يتحتم على الزائر قطع مسافة 1570 مترا هي المسافة التي عبرها القديس بولس الذي مشى من كنيسة حنانيا، حاملا على ظهره المسيحية إلى أرجاء أوروبا. يتدرج الزائر المنقّب عن الجمال على أرصفة ضيقة تكاد تسمح بمرور شخص واحد، إذ يصل عرض الشارع المستقيم إلى 26 مترا، وقد بُني على النمط اليوناني الشبيه بأسلوب المخطط الشطرنجي الهلنستي الذي يقسم الشوارع الصغيرة أحياء أصغر. يمتد الشارع من باب الجابية، غرب المدينة القديمة، إلى باب شرقي، شاطراً المدينة شطرين، شماليا وجنوبيا، أحدهما شارع باب شرقي، والثاني سوق مدحت باشا، ليستريح الشارعان التاريخيان عند قوس النصر الروماني الذي يشغل مساحة وفيرة في قلوب السوريين من عقود طويلة.

على خلاف الكثير من الأحياء القديمة التي فقدتها دمشق تباعا، المدينة القديمة، والأزقة التاريخية، التي لم تجد لها محافظة دمشق خطة لإبقائها، بقي للحيين سحر فريد. المكانة الروحية التي انتقلت الى السكان والسياح وإلى المخيلة أيضا، أسبغت عليهما جمالا خاصا، حولت المكان إلى جسد وراوٍ صامت يتحدّث بلغة خاصة إلى اختلافات عشاقه. أحياء مشابهة أنشات أدبا وفنونا؛ زكريا تامر في إصداراته الأولى، لؤي كيالي في لوحاته الحميمية عن البيوت الملتصقة المتراتبة كشجرة متينة، وصولا إلى الماغوط ونسائه الجميلات اللواتي سرن أمامه وفي دهشته.

يتنوّع عشاق الحيين، بدءا من أبرز الأسماء في مجالات الأدب والثقافة والفنون، وصولا إلى العشاق الجدد ممن مسّهم الحب للمرة الأولى، إلى العمال البسطاء من بائعي الكعك والمرطّبات، الذين أحبوا المكان ولجأوا إليه. فأغلب سكان دمشق لا يزالون يطلقون على الحيين اسم “الحارة” كأنما دفاعا عن الماضي الجميل، وهو ما جعل لتلك الحارات أدبا ودراما وقصصا، قد يكون آخرها، وليس أفضلها، “باب الحارة”، بل ربما قد يكون أجملها رواية “قصر شمعايا” للكاتب الفلسطيني السوري علي الكردي الذي تحدث عن مصائر عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين في هذا القصر ورحلة العذاب التي كابدوها في هجراتهم المتكررة، لكنه لم يغفل عن قصص الحب وحالة التعايش بين اليهود والفلسطينيين التي تجسّدها جولييت اليهودية وروميو الفلسطيني الذي أحرق نفسه احتجاجا على زواجهما المستحيل، لتقرر الحبيبة وضع حد لحياتها عبر تجرّع السم واللحاق به إلى عالم الأموات.

خصوصية معمارية

في مدار الأبنية القديمة والأحياء التاريخية ينشأ ارتباط مع السكان، لكن تعود الخصوصية الدمشقية إلى سحرها. كثير من الأحياء القديمة تلاشى، بفعل النسيان والبناء الحديث، إلا أن الحداثة لم تستطع محو حضور تلك الأبنية. لم يكن سؤالنا للمهندس المعماري خالد أبو سلو فقط عن طبيعة العمران وجماله بل أثره في السكان. يقول لـ”المجلة”: “يشير مصطلح مورفولوجية المدينة إلى تحليل هيكل المدينة وتشكيلها من الناحية الهندسية والمعمارية، ويمكن القول إن دمشق تتميز بمورفولوجية فريدة تعكس التراث الثقافي والتاريخي لها، فالبيوت المتراكبة بنسيج عمراني متضام يعود إلى ما قبل التاريخ وشهدت حقبات عديدة كالرومانية وصدر الإسلام”.

يؤكد أبو سلو أن تصميم المدينة يتّسم بأزقتها المتعرّجة التي تعكس التصميم العمراني التقليدي، حيث استخدام الحجارة والطوب الأحمر في تشييد المباني، إلى جانب أنظمة بناء تعتمد على الطين واللبن مدعوما بخشب الزان، مع وجود زخارف تقليدية معقدة على الجدران والسقوف، ويختم حديثه بأن الأثر النفسي لهذه الأحياء “يتعلق باستخدام عناصر محببة وودودة ونسب تصميمية إنسانية. فمثلا، يشعر الزائر بالرهبة العظيمة أمام مبنى يفوقه في الارتفاع بعشرات المرات، لكنه يشعر بالاحتواء إذا ما وقف أمام مبنى نسبته لا تتعدّى ضعفي طوله، بالإضافة إلى أن حالة التراكب وخلق الظلال في الشوارع تؤمّن جوا بيئيا لطيفا، خاصة في فصل الصيف”.

تشكّل الحارات القديمة، إذن، على الرغم من ضيقها وقدمها، الوجه الجميل والنضر المضاد لتلك الحارات المستندة إلى إسمنت مغشوش وحديد هش في أحياء العشوائيات التي تمثل القبح والبؤس معا. ما الذي يجعل الحيين القديمين مكانين ساحرين وخاصين؟ هل هو مقدار الشعور بالجمال تجاههما ومدى تأثرنا وانغماسنا في ذلك الشعور الذي يمدّنا بالألفة والراحة البصرية عند الولوج داخلهما والرغبة العارمة بالبوح كأننا نتخلص من حمولة مثقلة بالذنوب يعقبها الغفران؟

ملاذ المخذولين

لا يمكن للزائر أن يتخطّى حي حنانيا دون المرور بكنيستها الشهيرة التي تعدّ الأقدم في حي باب توما وتعود الى الحقبة الرومانية. تقودك قدماك نحوها لتنزل إليها عبر درج يفضي إلى فسحة سماوية يصل عمرها إلى اكثر من 2000 عام. أثناء تجول بصرك بين تحفها التاريخية يستوقفك صوت خفي يتضرع إلى الله لتكتشف بعد ذلك عند خروجه أنه يحمل مصحفا صغيرا في يده، وحين تلتفت إلى جهة اليمين تلسعك رائحة الزيت الحار الذي أخذته الأم على عجل وخوف  لشفاء ابنها المريض. عند الخروج تتعثر بشاب وسيم أنيق يفتح معك حديثا متشابكا عن البورصة والسينما بكل طلاقة، ثم يبدأ بالدوران حول نفسه دون تعب، لتستنبط بعد قليل من الجيران أنه مجنون برتبة مثقف، فقد زوجته وطفله في صاروخ حوّلهما أشلاء متناثرة تناثر معها عقله.

Getty Images
كنيسة القديس حنانيا

على الرغم من مرور مئات القذائف فوق رؤوس سكان حيي باب توما وباب شرقي وهمجية القصف والقصف المضاد، غير أن سكانهما وزائريهما والواقعين في غرامهما ظلت أيديهم مرتجفة دون أن يقووا على قطع حبل السرة معهما، فظلوا يواظبون على زيارتهما بعد ساعات قصيرة من إعلان لائحة طويلة من الضحايا في شريط إخباري عاجل، وكأن عزوفهم عن زيارتهما هو بمثابة تهديد لوجودهم  وإشعار رسمي لانتصار الموت، ليصبح السير إليهما علاجا للآلام وتطهيرا من الخطايا أو ربما نذورا يقطعها الناس على أنفسهم إلى حين انتهاء الحرب. تقول السيدة الأربعينية أمل التي لم تنقطع عن زيارة حي باب توما طوال 20 عاماً حتى في أحلك الظروف وأقساها: “اكتسبت عادة المرور بباب توما عندما سكنت في منطقة دويلعة القريبة من الحي القديم، اعتدت السير إليها صباحا أيام الشتاء ومساء في الصيف، واحتفظت بهذه العادة طوال سنوات الحرب، لم أرغب في تركها وهي تتألم من وقع شظايا القذائف، لم أتخلّ عنها أبدا”.

AFP
حي باب توما الشرقي في العاصمة دمشق

لا يقتصر الحيّان على أماكن السهر فقط، بل يتحوّلان إلى تمارين للروح ومحاولة انعتاقها من كل شوائب عالقة فيها. فعلى الرغم من ضوضاء الحيين تحاول مدربة اليوغا تاليا اختيار حيّز ما لتنقية أفكارها، تقول: “أعمل حتى 10 ساعات يومياً، موزعة بين عملي في القطاع الحكومي صباحا، ومدربة يوغا مساء، يتصدّع رأسي من إلحاح المراجعين وأسئلة المتمرنات، إضافة إلى الأعباء المالية وسوء الأوضاع الخدمية، لذا آتي إلى حديقة القشلة بباب توما لأستريح وأطرد الطاقة السلبية”.

كذلك يحاول تامر، وهو شاب عشريني التقيناه في أحد أماكن السهر، مقاومة الضغوط عبر إطلاق العنان لجسده بالرقص، فهي طريقته الوحيدة في النجاة الفردية ريثما تصله تأشيرة الدخول إلى بريطانيا. يقول الشاب: “أعاني من ضغوط اجتماعية، يرفض أهلي أن أرقص، فأنا انحدر من عائلة محافظة، هنا فقط أستطيع ممارسة شغفي، فالناس هنا من جيلي يتقبلون ما أفعله بكل حب”. مهما يكن وصف الحيين، لكن لا يمكن نكران قدرتهما على جعل الحياة أفضل وألطف أو على جعل أحلام شبانهما وشاباتهما قابلة للتدوير، في بلاد تحولت أقصى الأحلام فيها إلى امتلاك مقعد في حديقة أو سيارة أجرة أو سرير في مستشفى.

 

دفء المنازل

تخضع الأحياء الدمشقية القديمة إلى تقسيمات هندسية موزعة بحصص جمالية وحسية بما يوحي بعبقرية العمران في منازلها، فبعد المرور بأزقتها الضيقة إلى حين الوصول إلى باب الدار، على الزائر أولا الطرق عدة مرات باليد المعلقة على جسد الباب الكبير التي تسمى بـ”السقاطة” كي تعطي إنذارا لأصحاب البيت أن أحدا ما في الخارج. بعد ذلك يتوجب الانحناء قليلا للولوج داخله الشبيه بدهليز طويل يقودك إلى باحة واسعة يطلق عليها الدمشقيون تسميتهم المفضلة “أرض ديار” تتوسطها بركة مياه مصنوعة من الرخام في نقوش وزخرفات متشعبة تسيجها دائرة من أزهار النارنج والليمون والورد الجوري وتتفيأ تحت أشجار باسقة من الياسمين أو العنب. أما في صدر الباحة فتجد الإيوان لاستقبال الضيوف وإقامة العزائم والاستقبالات النسائية، بينما تمدّ النوافذ رؤوسها من بين الحجارة الطينية المتكئة بعضها على بعض، وقد تصادف الكثير من الأبواب المواربة أو المفتوحة على مصراعيها، فهي ميزة استأثرت بها بعض العائلات الدمشقية كأنها ترحب بأي عابر سبيل أو غريب أو شريد بلا مأوى.

مطاعم وحانات ومقاه

يتعامل السوريون مع حيي باب شرقي وباب توما بمنطق “صخب الليل يمحو مكابدات النهار”، فالظفر بكرسي في أحد مطاعمهما وحاناتهما يندرج في خانة الانتصارات الصغيرة في ظل انعدام الكبيرة، فالسهر تحت نجومهما المرصعة له سحر خاص لا يضاهيه أي مكان آخر وسط المدينة مهما كان فخما وراقيا، فنشوة السير ليلا والرغبة التي تكتسح السائرين بالمشي حفاة على أروقة أحد أبواب دمشق السبعة تكفي لتجرّع كؤوس من الأمل تكفي لبدء يوم جديد بحمولة خفيفة. تشتدّ أجواء الصخب ويزدحم طالبو السهر في طوابير لا تنتهي يوم الخميس في طقس بهيج يثأرون فيه من كل أيام الحرب، كيف لا وهو متنفسهم الوحيد الذي يذكرهم بأنهم لا يزالون على قيد الحياة. تستمر الحفلات حتى الثالثة فجراً، تعلو خلالها الأصوات وتتمايل أجساد الراقصين حتى التعب.

دمشق القديمة

أما المقاهي القديمة بصورتها التراثية العمرانية فتشكّل هامشاً ثقافياً وحيزاً لممارسة الحريات المنضبطة وتبادل الآراء الاجتماعية الجريئة، وشاهداً على التحولات السياسية. كانت المقاهي الدمشقية في القرن التاسع عشر تحتل مساحة كبيرة في النشاط السوري ويومياته، ليصل عددها إلى أكثر من 110 مقاهٍ، بوصفها حاضنة للعديد من الكتاب والمثقفين العرب وليس السوريين فحسب. كان الشاعر العراقي مظفر النواب أحد الرواد النشطين لمقهى الهافانا، ومن أشهر المقاهي المنتشرة آنذاك مقهى السكرية بباب الجابية، ومقاهي الدرويشية والعصرونية والمناخلية، ومقهى الجنينة في سوق الخيل، ومقهيا العمارة وجاويش في القيمرية، والرطل في باب توما. لكن في السنوات العشر الأخيرة خضعت معظم المقاهي الشهيرة لإعدادات الحداثة واذعنت أخيراً لمعايير العصرنة وما يطلبه الجمهور، إذ وجد أصحاب المقاهي أنها لم تعد تدرّ لهم الأموال كما عهدوها من قبل، وذلك بفعل تغير المزاج العام والحاجة الملحة للترفيه وإدخال المتعة السريعة، فمعظم المقاهي تحولت إلى أماكن لمشاهدة المباريات والغناء والطرب أو مخبأ من قيظ الصيف أو برد الشتاء أو للحصول على ساعات معدودة من الكهرباء والإنترنت المدفوع الأجر، ينجز مرتادوها أعمالهم ودروسهم المتأخرة. أما المقاهي بصورتها المعهودة فباتت شبه مختفية، فخلت المقاعد الواحد تلو الآخر، وأصبحت خاوية من أرواح من جالسوها، منهم من فارق كرسيه بمرض أجبره على ملازمة المنزل، وآخر تخلى مجبرا عن مقعده لسبب قاهر خارج عن إرادته وهو الموت، ولا يزال ذاك الكرسي الأعوج في يسار مقهى النوفرة شاغرا في انتظار صاحبه الذي كان يصر على الجلوس عليه لشدة شبهه بقدمه الملتوية مثله، كان يردّد ممازحا حين يطلبون منه تغيير الكرسي بالقول: “لن أجلس على كرسي سليم كي لا يعيّرني بعاهتي، أما ذاك الأعقف فأنا وهو نتساوى بالاعوجاج”. أما من بقي فتراه يحتسي عشرات فناجين القهوة على شرف الأصدقاء الغائبين.

الحسناء عدرة

المصدر: موقع المجلة




أين بريطانيا من أزمة السودان؟

يتضاءل نفوذ الغرب في السودان والشرق الأوسط وأفريقيا بشكل عام

لا يبدو أن أزمة السودان ستنتهي قريبا، فمنذ أبريل/نيسان، يحارب الجيش السوداني وخصومه في قوات الدعم السريع في جميع أنحاء الدولة الواقعة في شرق أفريقيا، ما دفع أكثر من 2.4 مليون شخص إلى النزوح من بيوتهم وتحولت مناطق كاملة في العاصمة الخرطوم إلى ركام. ولم يألُ المجتمع الدولي جهدا للتوسط في الصراع المتنامي، فعملت المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة معا للتوسط، عبر محادثات جدة، في كثير من عمليات وقف إطلاق النار، التي لم تتوّج بالنجاح في نهاية المطاف. وعرضت الهيئة الإقليمية في شرق أفريقيا، أي الهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد)، بالمثل التوسط ونشر قوات حفظ السلام، بينما استضافت مصر مؤخرا قمة أخرى لجيران السودان لاستكشاف خيارات السلام.

على الرغم من أن هذه الجهود قد أحرزت بعض التقدم حتى الآن، إلا أن الغريب في كل ذلك هو غياب المشاركة البريطانية، ولا سيما أن بريطانيا هي الحاكم الاستعماري السابق ذو العلاقات التاريخية العميقة وهي حامل القلم الحالي للسودان في الأمم المتحدة، إضافة إلى كونها المسؤولة عن قيادة المفاوضات وصياغة القرارات في مجلس الأمن. وفوق هذا وذاك، كانت بريطانيا أحد أكثر الفاعلين الخارجيين انخراطا في السودان منذ الإطاحة بعمر البشير عام 2019، وهي عضو في “الرباعية” غير الرسمية المؤثرة إلى جانب الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. كما اقترحت لندن في المراجعة المتكاملة للأمن والدفاع والتنمية والسياسة الخارجية في مارس/آذار من عام 2021 أن شرق أفريقيا منطقة يمكن للمملكة المتحدة أن تزيد من مشاركتها فيها، وذلك ضمن خطتها “بريطانيا العالمية”، التي أطلقتها بعد مغادرتها الاتحاد الأوروبي.

لكن على الرغم من هذه الطموحات جميعها ومركزها القوي الذي يسمح لها بالمشاركة، بقيت لندن هادئة نسبيا منذ بدء القتال في أبريل/نيسان، ولم يتعدّ تركيزها الأول أبعد من إجلاء المدنيين، وهي مهمة نظر إليها الكثيرون كمهمة غير فعالة. ومع ذلك، لم يكن للوزراء البريطانيين، منذ ذلك الحين، أي مشاركة تذكر.

مصلحة طويلة الأمد

لبريطانيا مصالح قديمة في السودان؛ فنتيجة لفترة حكمها الاستعماري، يوجد في المملكة المتحدة جالية سودانية كبيرة تربو على 20 ألف نسمة. وقد حكمت بريطانيا ما أصبح السودان في الفترة من 1899-1956، نظريا مع المصريين، ولكن مع تمتع لندن بالسيطرة الفعلية. وبعد الاستقلال، آثر السودانيون أن لا ينضموا إلى الكومنولث، أسوة بمصر والعراق وأجزاء أخرى من العالم العربي التي احتلتها بريطانيا. ومع ذلك فقد احتفظت لندن بمصالحها التجارية والدبلوماسية. ونما نفوذ المملكة المتحدة مع انتهاء الحرب الأهلية الثانية في السودان، حين لعبت بريطانيا دورا رائدا كعضو في “الترويكا”، جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة والنرويج، في المساعدة على التوسط في اتفاقية السلام الشامل لعام 2004 (CPA) التي أنهت الحرب ومهدت الطريق لاستقلال جنوب السودان.

وفي السنوات التي سبقت انفصال جنوب السودان عام 2011، طورت لندن دورا مؤثرا؛ ووفقا لتقرير صدر عام 2023 عن المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، كانت الحكومة السودانية تعتبر المملكة المتحدة قوة أكثر اعتدالا وقادرة على التأثير على الولايات المتحدة، التي كانت أكثر تعاطفا مع جوبا من الخرطوم. وفي المقابل، كانت لندن برغماتية، وإن لم تكن صديقة لعمر البشير، الديكتاتور الذي حكم السودان من 1989 إلى 2019. وقد أدانت المملكة المتحدة الإبادة الجماعية المزعومة في دارفور وأيدت لوائح الاتهام الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية ضد البشير وشخصيات بارزة أخرى في النظام.

لكن في الوقت نفسه، رأت بريطانيا أهمية الحفاظ على استقرار السودان في أعقاب انفصال جنوب السودان، وكانت الجهة المانحة الرئيسة لفريق تنفيذ الاتحاد الأفريقي رفيع المستوى بشأن السودان (AUHIP).

وبالمثل، ساعدت بريطانيا في تدريب مسؤولي الأمن، وقدمت مساعدات إنسانية، بل وأعارت السودان ملحقا بوزارة الدفاع ليكون مستشارا عسكريا. ووفق تقرير المعهد الملكي للخدمات المتحدة المذكور أعلاه، فإن هذا الوجود ربما ساعد في تجنب حرب جديدة بين الشمال والجنوب بعد عشرات السنين مباشرة بعد استقلال جنوب السودان.

وجرى إنشاء حوار استراتيجي بين المملكة المتحدة والسودان للمسؤولين لمناقشة القضايا الرئيسة مثل العقوبات والتجارة والهجرة، وهي القضايا التي كانت مثار قلق خاص للمملكة المتحدة. وعلى الرغم من أن البشير لم يكن منخرطا بشكل مباشر، وإنما من خلال وسطاء، فقد منح ذلك المملكة المتحدة درجة من النفوذ ووفقا للتقرير المذكور وزاد من مصداقيتها في الخرطوم.

ذروة التأثير

أرست هذه التفاعلات الأساس لما يمكن اعتباره ذروة النفوذ البريطاني في السودان المعاصر، بعد الإطاحة بنظام البشير عام 2019. وبينما كان للولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة نفوذ أكبر، فإن الدور الذي لعبته من قبل بريطانيا كان مهما بشكل ملحوظ. وتشير الرؤى المستمدة من المقابلات التي أجراها سايمون رين، ومايكل جونز، من المعهد الملكي للخدمات المتحدة إلى أن المملكة المتحدة، بالاشتراك مع الولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيقاد)، لعبت دورا كبيرا في إقناع القيادة العسكرية التي قادت الانقلاب ضد البشير بالموافقة على ميثاق دستوري، مهد الطريق لتأسيس حكومة ديمقراطية. كما استفادت لندن، بالتعاون مع واشنطن، من علاقاتها مع الحلفاء في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لممارسة الضغط على نظرائهم داخل الجيش السوداني، مما دفعهم إلى الامتثال. خلال هذه الفترة شكلت هذه الحكومات الأربع تحالف “الرباعي” غير الرسمي– وهو تحالف كان يهدف إلى التداول والتأثير على الأزمة السودانية.

AFP
وزير الخارجية البريطاني السابق دومينيك راب أثناء لقائه برئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك (يمين) خلال زيارته للخرطوم في 21 يناير 2021

وبذلت بريطانيا جهودا كبيرة لضمان حصول الحكم المدني والديمقراطي على فرصة للازدهار بعد إطاحة البشير من السلطة. وقام دومينيك راب، وزير الخارجية البريطاني آنذاك، بزيارة السودان شخصيا في يناير/كانون الثاني 2021 للتعبير عن دعمه لرئيس الوزراء المدني المعين، عبد الله حمدوك. وتزامن ذلك مع زيادة ملحوظة في المساعدات المالية البريطانية التي ارتفعت من 93 مليون جنيه إسترليني في عام 2019 إلى 139 مليون جنيه إسترليني في عام 2020، بهدف دعم الحكومة الانتقالية. وبالفعل، أدت هذه الزيادة في المساعدات إلى رفع مستوى السودان لفترة وجيزة ليصبح عاشر أكبر مستفيد من المساعدات البريطانية.

في أكتوبر/تشرين الأول 2021، وسط احتجاجات شعبية ضدّ تصاعد الأسعار، نفذت قوات الدعم السريع والجيش السوداني انقلابا على الإدارة المدنية، أسفر عن اعتقال رئيس الوزراء حمدوك. وكان أن ردّت بريطانيا على ذلك بتعليق جزء من مساعداتها. ومع ذلك، اضطلعت بريطانيا مرة أخرى بدور بارز في التوسط في المفاوضات بين قادة الانقلاب ومبعوثي الحكومة المدنية.

لعب التحالف الرباعي، الذي يضم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، دورا محوريا في التوسط في اتفاقية إطار العمل في ديسمبر/كانون الأول 2022. ونص هذا الاتفاق على انتقال تدريجي للسلطة وانتخابات نهائية تؤدي إلى حكومة يقودها مدنيون. ومع أن هذه المبادرة تعثرت في نهاية المطاف بسبب الاشتباكات بين الجيش وقوات الدعم السريع التي بدأت في أبريل/نيسان 2023، مما جعل الاتفاقية عفا عليها الزمن إلى حد ما، فقد أكدت على نفوذ بريطانيا المهم في الموقف.

لاعب غائب؟

حتى الآن، ما زالت المملكة المتحدة غائبة إلى حد كبير عن جهود الوساطة المبذولة في عقد الصفقات بين قوات الدعم السريع والجيش منذ لحظة بدء القتال، وذلك على الرغم من تأثيرها السابق. وقد كانت أولوية لندن هي إجلاء مواطنيها؛ إذ تمكنت المملكة المتحدة من إنقاذ 2450 مواطنا بريطانيا وغيرهم من الجنسيات الأخرى من السودان في 30 رحلة استمرت من 25 أبريل/نيسان إلى3 مايو/أيار 2023، على الرغم من أن عملية الإجلاء قد جاءت على أثرِ انتقادات وجهها بعض المواطنين البريطانيين السودانيين والتي مفادها أنه قد بُذل القليل جدا من الجهد في سبيل مساعدتهم. لقد تمكن المسؤولون البريطانيون من استخدام نفوذهم للتفاوض على وقف إطلاق نار مؤقت مع الفصائل المتحاربة في السودان للسماح بعمليات الإجلاء هذه.

ومع ذلك، فإن ذهبنا نحن أكثر من ذلك سنجد أن تدخل بريطانيا كانَ صامتا مقارنة بنشاطها بين عامي 2019-2022. إذ دعمت بريطانيا جهود الوساطة التي قدمها الآخرون. فأيدت دعوات الاتحاد الأفريقي لـ”الاستئناف الفوري للعملية السياسية”. وبالمثل عملت مع حلفائها في الرباعية لدعم المفاوضات المختلفة في جدة، بقيادة المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة. لكن هذا كانَ بمنزلة تخلف كبيرٍ عن الدور البارز الذي كانت تلعبه بريطانيا فيما سلف.

لقد قيل إن عدم قدرة بريطانيا على التأثير على الوضع بشكل أفضل قد يكون مردّه إلى التخفيضات في ميزانية المساعدة. فقد قُلصت المساعدات التي كانت تُقدمها بريطانيا للسودان في الفترة التي سبقت أزمة 2023؛ إذ خفضت بريطانيا ميزانية مساعداتها من 0.7 في المئة إلى 0.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، وترك ذلك أثره على السودان.

فبلغ إجمالي المساعدات البريطانية للسودان 223 مليون جنيه إسترليني في 2021- 2022، لكن تلك المساعدات انخفضت إلى 31.5 مليون جنيه إسترليني فقط في 2022-2023 ووقع كثير من هذه التخفيضات على المنظمات غير الحكومية كمنظمةِ (عالم أكثر أمانا) Saferworld”” التي انخرطت في صفوف المجتمع السوداني، والتي قدمت لبريطانيا رؤى أبعد من النخب الموجودة في الخرطوم. وقالت خلود خير، المديرة المؤسسة لمركز أبحاث “تقرير الملتقى” (Confluence Advisory)، للجنة التنمية الدولية بالبرلمان البريطاني: إن تخفيضات مثل هذه المساعدات قد أثرت على مستوى فهم بريطانيا لأزمة السودان. ونتيجة لذلك، عندما اندلعت الأزمة في السودان، كانت بريطانيا في وضع أدنى من ذي قبل للمشاركة والتأثير.

إن التخفيضات في ميزانية المساعدات إنما هي فقط أحد أسباب تراجع النفوذ البريطاني في السودان. وفي حين تعهدت بريطانيا بتقديم 5 ملايين جنيه إسترليني إضافية لتمويل الإغاثة بمجرد اندلاع القتال عام 2023، إلا أنها لا تشكل شيئا مقارنة بالمبالغ التي تم تخفيضها منذ عام 2021.

لكن لم يكن ما أثّر على قدرات بريطانيا هو خفض التمويل وحسب، بل إن التغييرات الإدارية قد أثرت أيضا. لقد أخبرت خلود خير البرلمانَ البريطانيَ بأن اندماج وزارة التنمية الدولية (DFID) في عام 2020 في وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث لم يكن “انتقالا سلسا”.

ويؤكد ذلك عدة تقارير صادرة عن مسؤولين سابقين بوزارة التنمية الدولية البريطانية، ومفادها أن العمل التنموي البريطاني قد تراجع من حيث الأهمية منذ هذا الاندماج، وهو الأمر الذي أثر على فعالية لندن في مجال برعت فيه ذات يوم. وأشارت خير أيضا إلى أن قرار بريطانيا سحب ملحقها الدفاعي من الخرطوم احتجاجا على الانقلاب الذي جرى عام 2021 قد عنى أنه لم يكن هناك أي شخص على الأرض يُبلغ عن التطورات الجارية في الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، في ظل وجود أقرب مسؤولي الدفاع في القاهرة.

AFP
عناصر من “قوات الدعم السريع” في العاصمة السودانية الخرطوم

لكن هذه القضايا المتعلقة بالسودان تحديدا ليست سوى جزء من الصورة التي تأثرت أيضا بالتطورات المحلية والجيوسياسية لبريطانيا. فعلى الصعيد المحلي، كانت حكومة المملكة المتحدة مشتتة بسبب قضايا أخرى، وافتقرت إلى التركيز على السودان. وتداخلت مشاركة بريطانيا مع السودان في الفترة من 2019 إلى 2021 مع جهود رئيس الوزراء آنذاك بوريس جونسون لإعادة تأسيس المملكة المتحدة على المسرح العالمي بعد عدة سنوات من صرف الانتباه عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وقد يكون هذا هو السبب الكامن خلف إدراج شرق أفريقيا في المراجعة المتكاملة التي جرت عام 2021، وسبب زيارة راب للخرطوم في ذلك العام.

لكن منذ ذلك الحين، طرده حزب المحافظين بزعامة جونسون من السلطة وقضى سحابة عام 2022 في خوض صراعات داخلية انتهت فقط عندما أصبح ريشي سوناك رئيسا للوزراء في نوفمبر/تشرين الثاني. ومع ذلك، فإن سوناك أضعف بكثير من جونسون، وهو غارق حتى أذنيه في القضايا المحلية، ويحاول جهده تفادي الهزيمة المدوية التي يبدو أنها مرجحة الحدوث في الانتخابات العامة المقبلة. وتقتصر القدرة التي يمتلكها للشؤون الخارجية في الغالب على حرب أوكرانيا، وتحسين العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. وليس من المستغرب أن يسقط السودان من قائمة الأولويات.

من الناحية الجيوسياسية، يتضاءل نفوذ الغرب في السودان والشرق الأوسط وأفريقيا بشكل عام، وأصبحت المملكة المتحدة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لاعبا أضعف داخل المجموعة الغربية. كما يتزايد ظهور القوى الخارجية كالصين وروسيا في السودان.

على سبيل المثال، لدى مجموعة فاغنر الروسية مهمّة صغيرة، ولكنها تتصف بالأهمية، في حين تواصل الصين لعب دورها كمستثمر رئيس. وعلى نحو مشابه، يبدو أن عضوي المجموعة الرباعية الشرق أوسطية، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، قد تفوقا على المملكة المتحدة وغيرها من حيث مستوى استثماراتهما وتأثيرهما.

وبينما لا تزال الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والقوى الغربية الأخرى موجودة، إلا أنها تفتقر إلى المركز المهيمن الذي كانت تحتله عندما جرت المفاوضات على اتفاقية السلام الشاملة عام 2004، على سبيل المثال.

نُذر ما هو قادم؟

لاحظ رين وجونز في تقريرهما للمعهد الملكي للخدمات المتحدة أن “المعلقين السودانيين المطّلعين يتوقعون أن يتضاءل تأثير المملكة المتحدة في بلادهم في السنوات المقبلة”. ربما يكون هذا أمرا غير مفاجئ. وفي حين كان من الواضح أن هناك جهودا بريطانية منسقة للانخراط في السودان بعد عام 2004، ثم مرة أخرى بعد عام 2019، فإن قدرة بريطانيا واستعدادها لأن تصبح ذات نفوذ هام في السودان آخذان في التراجع؛ فتخفيض المساعدات والانشغالات الداخلية، وتراجع القوة النسبية داخل المجموعة الغربية والغرب بشكل عام، إلى جانب صعود القوى العالمية والإقليمية المؤثرة تجعل من الصعب على بريطانيا أن تتماشى مع طموحات المراجعة المتكاملة التي تم العمل بها عام 2021. وفي واقع الأمر، ربما كانت هذه الأهداف المتمثلة بممارسة تأثير متزايد غير واقعية في المقام الأول.

ومع ذلك، فهذه ليست ظاهرة فريدة في السودان، إذ إن تخفيض المساعدات البريطانية شاملٌ، والتحولات الجيوسياسية تؤثر على مكانة المملكةِ المتحدةِ في كل مكان، وليس فقط في شرق أفريقيا.

وقد يواجه القادة البريطانيون المستقبليون مشاغل محلية أقل، وستنتهي حرب أوكرانيا في نهاية المطاف، ولكن حتى لندن الأكثر انخراطا ونشاطا ستواجه العوائق الجيوسياسية نفسها. ولربما يكون السودان مجرد واحد من كثير من البلدان التي يتقلص فيها النفوذ البريطاني.

كريستوفر فيليبس

المصدر: موقع المجلة




صراع اليورانيوم… المغرب أكبر المستفيدين

ظهر بشكل مفاجئ على خريطة المنتجين المحتملين الجدد، بفضل مخزونه الضخم من الفوسفات ومشتقاته

التغيرات المناخية، الحرب الأوكرانية، الانقلاب العسكري في النيجر، والتهافت على امتلاك الأسلحة الفتاكة في اكثر من منطقة ساخنة، كلها عوامل مساعدة في ارتفاع أسعار عدد من المواد الأولية والاحفورية والاستخراجية المستعملة في إنتاج الطاقة بأنواعها، على الرغم من الضعف الظاهر في أداء الاقتصاد العالمي، المرشح أن لا يصل النمو فيه إلى 3 في المئة في نهاية السنة الجارية.

اليورانيوم الذي يسيطر عليه عدد محدود من المنتجين في العالم، هو من المواد الأولية الاساسية التي ارتفعت أسعارها الى 57 دولارا للرطل في نهاية يوليو/تموز الماضي، بعدما كان السعر يدور حول 33 دولارا قبل عامين. فقد ارتفع الطلب فجأة لأسباب جيوسياسية وجيواقتصادية، لكن العروض لم تتزايد. ويعتبر اليورانيوم من المعادن المتعددة الاستعمالات، ففي إمكانه استخراج الطاقة الكهربائية من المفاعلات النووية، وتوليد الحرارة والبرودة، وتحلية مياه البحر، وتطوير العلاجات الطبية، وصولا إلى الصناعات الحربية، في حال زيادة معدلات التخصيب. وهي تكنولوجيا تكاد تكون محصورة بين دول قليلة جدا، وتمنع تلك الدول تسريب تقنيات التخصيب إلى دول العالم الثالث خوفا من إنتاج أسلحة فتاكة، قد تؤدي الى تسابق تسلح نووي.

ليس سرا إن كانت فرنسا تدافع عن آخر قلاعها في أفريقيا للحفاظ على هذه الامتيازات المعدنية. فالنيجر وحدها تزود نحو 25 في المئة من حاجات المفاعلات النووية داخل الاتحاد الأوروبي، وتشمل 56 محطة في فرنسا وحدها، في وقت تعطلت الإمدادات من روسيا بسبب الحرب والعقوبات، ورفعت أزمة الطاقة أسعار الوقود شتاء، وزاد الطلب على الكهرباء مع ارتفاع درجة الحرارة صيفا، وتقلصت معها هوامش الخيارات الأوروبية منذ عام ونصف العام. حتى نهاية عام 2021 كانت ثلاث دول تمثل 67 في المئة من واردات الاتحاد من اليورانيوم هي كازاخستان والنيجر وروسيا، بحسب المجموعة الأوروبية للطاقة النووية (Euratom).

وبحسب تقديرات شركة كهرباء فرنسا فإن الاحتياطي العالمي من الغاز قد ينضب بعد 63 سنة، والنفط بعد 54 سنة، واليورانيوم بعد 100 سنة، والفحم بعد 122 سنة.

ظهر المغرب بشكل مفاجئ على خريطة المنتجين الجدد المحتملين لليورانيوم، بفضل المخزون الضخم من الفوسفات ومشتقاته، التي تقدر بنحو 73 في المئة من الاحتياط العالمي، وتكفي مئات السنين بإنتاج سنوي يقدر بـ 40 مليون طن من الصخور الفوسفاتية تسمح باستخراج مشتقات مثل الاسمدة لحساب الزراعة، واليورانيوم لانتاج الطاقة الزرقاء من الحامض الفوسفوري الاصفر.

وتوقع معهد الشرق الأوسط في واشنطن أن يصبح المغرب “عملاقا عالميا في إنتاج مادة اليورانيوم الحيوية، التي من الممكن أن تتجاوز أكبر الاحتياطات العالمية التي تمتلكها أستراليا بثلاثة أضعاف”. وقال التقرير الذي أعده الباحث الأميركي البروفسور مايكل تانشوم إن “المكتب الشريف للفوسفات (OCP) يقوم بتصنيع حمض الفوسفوريك، وهو منتج وسيط في تصنيع الأسمدة الفوسفاتية، ويمكن من خلاله استخراج مادة اليورانيوم”.

وكان المغرب أنتج ما بين 1980 و2020 أكثر من سبعة ملايين طن من حمض الفوسفوريك. وكانت تقنية استعادة اليورانيوم من حمض الفوسفوريك راسخة منذ الثمانينات، وتمثل 20 في المئة في الولايات المتحدة قبل وقف ذلك مع انخفاض أسعار اليورانيوم خلال التسعينات.

وبحسب الدراسات الأميركية التي استند اليها تقرير معهد الشرق الأوسط، يقدر الاحتياط المغربي من اليورانيوم بنحو 6,9 ملايين طن، مما يجعله الأول عالميا ويتفوق على كل الدول المدرجة في قائمة إنتاج هذه المادة، التي سيكثر عليها الطلب بتطور تقنيات الاستخراج، وهي مادة لا تُعرض في الأسواق المفتوحة مثل النفط والغاز، بل يتم توريدها عبر اتفاقات ثنائية تحت مراقبة الوكالة الدولية للطاقة النووية.

أ.ف.ب.
الفوسفات غير المعالج في مصنع ماركا OCP، بالقرب من العيون، الصحراء الغربية

ونظرا الى تأثير التغيرات المناخية على الإنتاج الزراعي، والحاجة إلى مصادر بديلة للري والزراعة والصناعة والسياحة، فإن المملكة المغربية مهتمة بتطوير تقنيات الاستعمالات السلمية في مجال إنتاج اليورانيوم وتخصيبه، انطلاقا من مشتقات الفوسفات. ورصدت الرباط محفظة استثمارية قيمتها 15,5 مليار دولار لبناء عدد من محطات تصفية مياه البحر على المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، لتزويد الشريط الساحلي مياه الشفة الكافية، علما أن تلك المنطقة البحرية تشهد كثافة سكانية وتمركزا صناعيا وسياحيا. وتقدر تلك الاستثمارات بنحو 40 مليار دولار الى عام 2050 بشراكة بين القطاعين العام والخاص الوطني والدولي.

محطة نووية بالتعاون مع روسيا

وأفادت مصادر متطابقة لـ”المجلة” أن المغرب يعتزم الاستعانة بالخبرتين الأميركية والروسية في آن واحد، لإنجاح تجربة إنتاج اليورانيوم من الفوسفات، وإنشاء محطات تعمل بالطاقة النووية لأغراض تنموية، منها محطات معالجة المياه غير الطبيعية.

ويعتبر المغرب ثاني منتج عالمي للفوسفات بعد الولايات المتحدة بصادرات بلغت 12 مليار دولار عام 2022. وتقول المصادر “إن الاعتماد على اليورانيوم المحلي من شأنه خفض تكلفة تحلية مياه البحر، مما يشكل حلولا عملية لأزمة شح المصادر، يحتاجها القطاع الزراعي والاستهلاك السكاني على السواء”.

على هامش القمة الروسية الأفريقية الثانية التي عقدت في سانت بطرسبرغ 27-28 يوليو/تموز الماضي، وقّعت مذكرة تفاهم بين الوكالة المغربية للمياه والطاقة والمجموعة الروسية “Rusatom” لبحث إمكان بناء محطة نووية لأغراض سلمية في المغرب للمساعدة في معالجة مشكل نقص الموارد المائية الطبيعية.

علما أن “روساتوم” ليست خاضعة للعقوبات الأميركية أو الأوروبية على غرار الشركات المملوكة للحكومة الفيديرالية الروسية. وربما يخضع أي تعاون مع الرباط مستقبلا إلى إشراك الوكالة الدولية للطاقة الذرية في جنيف التي سبق أن اعطت الرباط موافقتها على بناء محطات نووية مدنية لمعالجة المياه. 

ويعود موضوع التعاون النووي السلمي بين موسكو والرباط إلى أكتوبر/تشرين الاول 2022، عندما وافقت الحكومة الروسية على إطلاق خطة التعاون في مجال إنتاج الماء عبر تحلية مياه البحار، واستخدام وقود نووي مستخرج من الفوسفات المغربي.

وترغب الشركة الروسية في توسيع مجال أعمالها ليشمل دولا أخرى في الشرق الأوسط وأفريقيا جنوب الصحراء، بالنظر إلى تجاربها السابقة في معالجة مياه البحر وإنشاء محطات نووية سلمية في كل من تركيا ومصر.

الاستثمار الأميركي

تعتبر واشنطن الرباط صديقا وحليفا وشريكا، وهي بدورها مهتمة بتطوير نظام استخراج اليورانيوم الأصفر من الفوسفات، والمساعدة في توفير تقنيات لمعالجة مياه المحيط المالحة. وتمثل مدينة الداخلة في جنوب المغرب إحدى أكثر المناطق اهتماما بالاستثمار الأميركي في مجموع المنطقة على المدى المتوسط. وسيقام فيها ثاني اكبر ميناء على المحيط الأطلسي يطل مباشرة على ولاية فلوريدا بتكلفة تقارب ملياري دولار.

وتقدر الاستثمارات المرصودة لقطاع تحلية المياه بتقنيات جديدة نحو 40 مليار دولار حتى عام 2050. وهي فرصة أمام الشركات الأميركية للدخول إلى الأسواق الأفريقية عبر البوابة المغربية. وهذا ما يفسر ربما هدوء الخطاب الأميركي في الحديث عن أزمة النيجر وبقية مجموعة دول غرب أفريقيا، في مقابل انفعال وهرولة فرنسيين نحو الحرب في الساحل.

غيتي
منجم للفوسفات في المغرب، وتبدو أمامه نساء مع قطيع أغنامهن

وقرر الرئيس جو بايدن الأسبوع الماضي، منع التنقيب واستخراج اليورانيوم في منطقة غراند كانيون في ولاية أريزونا، ضمن خطة حماية البيئة ومواجهة التغيرات المناخية، وجعلها محمية وطنية للسكان المحليين. في وقت زاد الطلب على تلك المعادن في السوقين الداخلية والخارجية. وانتقدت “وول ستريت جورنال” القرار الرئاسي الممهد للحملة الانتخابية، واعتبرته “هدية إلى الرئيس فلاديمير بوتين للسيطرة على سوق اليورانيوم”، مما قد يدفع أميركا إلى البحث عن مصادر أخرى في مناطق جديدة. وكانت واردات واشنطن من اليورانيوم عام 2021 بلغت ما نسبته 35 في المئة من كازاخستان، و15 في المئة من كندا، و14 في المئة من أستراليا، و12 في المئة من روسيا.

قد يكون المغرب أحد الخيارات الأميركية للتزود باليورانيوم على المدى المتوسط، لتغطية الحصة الروسية، بسبب توفر المملكة على أكبر مخزون عالمي من مادة الفوسفات الأساسية لاستخراج الحامض الفسفوري المنتج لليورانيوم. وكانت مجلة “ساينس” الأميركية كتبت قبل سنوات “أن المغرب سيصبح بلدا غنيا قبل 2040 لتوفره على الأسمدة الفوسفاتية، التي سيزداد الطلب عليها لزيادة الإنتاج العالمي من الغذاء، وأكبر التحديات التي تتهددها ظاهرة التغير المناخي وندرة المياه والجفاف”.

 فهل يكون اليورانيوم سببا في التشرذم الدولي، أو يكون مدخلا لتسريع التنمية في أفريقيا؟

محمد الشرقي

المصدر: موقع المجلة




التنافس الأميركي – الصيني… ورغبة الشرق الأوسط في التغيير

تحالفات جديدة في المنطقة في ظل سباق دولي

كان انكماش هيمنة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط أمرا لا مفر منه، بسبب الأولويات العالمية الجديدة أمام أميركا والمتمحورة حول المحيطين الهندي والهادي وأوروبا. إلا أن هذا التحول التاريخي حمل معه حالة من عدم اليقين والارتباك الاستراتيجيين، ليس لواشنطن فحسب، إنما أيضا لشركاء الولايات المتحدة الإقليميين.

وكي تتحرك واشنطن بفعالية في هذه البيئة الجديدة المتنازع عليها في الشرق الأوسط، وعلى الأخص لمواجهة تسلل الصين إلى ذلك الجزء الحيوي من العالم، فإنها تحتاج إلى وضوح في السياسة وإلى إدارة حاذقة لعلاقاتها مع شركائها الإقليميين.

لم تعد سياسة الولايات المتحدة القديمة في الشرق الأوسط مجدية لا في السراء ولا في الضراء. وهي سياسة اقتضت ولاء الشركاء العرب التام لها، وافترضت عداوتهم الجماعية لإيران. فالمصالح الاقتصادية تدفع كثيرا من القوى الإقليمية لزيادة تجارتها مع الصين وعقد مزيد من الصفقات التجارية معها، بينما ينحو النهج الدبلوماسي الجديد للشركاء الخليجيين في مسألة الأمن نحو تهدئة العلاقات مع إيران وتطبيعها.

لذلك، فالمطلوب من أميركا أن تصوغ مجموعة جديدة من قواعد اللعبة، ولا سيما في مسألة المنافسة مع الصين. كما ينبغي صياغة هذه القواعد بعناية وإيصالها، داخليا وخارجيا، على نحو فعال.

رغبة في التغيير

لقد انقضى ذلك الزمن، الذي كانت فيه واشنطن قادرة على فرض خياراتها على شركائها العرب، أو على الأقل إبلاغهم بها بصرامة. فواشنطن تفتقد الآن النفوذ الذي كان لها في المنطقة. كما أمست ثقة شركائها العرب فيها أقل، بعد أن فسروا الانسحاب الأميركي من أفغانستان وتسامحها مع العدوان الإيراني، على أنهما توجه نحو مغادرة المنطقة.

وعلى الرغم من الوجود العسكري الإقليمي الذي لا مثيل له لواشنطن، وأياً كانت مخاوفها وميولها من علاقات الشركاء العرب مع الصين، فإن عليها أن تتعامل معهم بواقعية وتواضع وشفافية.

يدرك المسؤولون الأميركيون جيداً أن مطالبة شركائهم الإقليميين بخفض مستوى علاقاتهم الاقتصادية مع الصين، أمر غير مجدٍ (فالصين مثلاً هي الشريك التجاري الأكبر للمملكة العربية السعودية). كما يدركون أن تشجيع هؤلاء الشركاء على الحد من علاقاتهم السياسية مع بكين ليست بالفكرة المناسبة. والتقارب الكبير بين الجانبين، سيفضي على الأرجح إلى مزيد من التعاون بينهما، حسب مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

AP
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود ونظيره الإيراني حسين أمير عبد اللهيان ووزير خارجية الصين تشين قانغ يتصافحون خلال اجتماع في بكين، في 6 أبريل 2003.

علاقة دفاعية أقوى

الدفاع والأمن هما المجال الرئيس الوحيد، الذي تمتلك فيه واشنطن متسعا كافيا لصياغة أجندة سياسية مع شركائها العرب، والمضي بها قدما إلى الأمام. والتحدي الذي تواجهه واشنطن- وهو تحد كبير- هو حث الشركاء العرب على تجنب التعاون العسكري مع الصين، مع الامتناع عن وعدهم بأشياء لا تستطيع واشنطن الوفاء بها، وعلى الأخص معاهدة دفاع رسمي أو التعهد بضمانات أمنية رسمية.

يمكن للولايات المتحدة أن تتفاوض مع شركائها الرئيسيين على اتفاقيات إطار استراتيجية، ذات منفعة متبادلة، لتحديد المصالح والأولويات والأهداف المشتركة. هذه الاتفاقات التي تشبه ما هو قائم بين واشنطن وأوكرانيا حالياً، ستنصب على عمليات نقل الأسلحة، وخطط التدريب والتمارين المشتركة، والمعدات الموجودة مسبقًا، وبرامج التعاون الأخرى التي تعزز التزام الولايات المتحدة وقدراتها الإقليمية.

ووفقًا لهذه الاتفاقية (أو الاتفاقيات) المحتملة، ستقوم واشنطن بما يلي:

أولاً، تسريع عمليات نقل الأسلحة. فالمعروف عن نظام المبيعات العسكرية في واشنطن أنه نظام بطيء ومرتبط بفترات استحواذ مرهقة في الولايات المتحدة، ومراجعات الكشوف الأجنبية والتحديات المستمرة لسلسلة التوريد العالمية. وإذ يُستبعد أن تتمكن واشنطن من حل هذه المشكلات سريعا، فإن استخدام سلطات مثل المرسوم الرئاسي (الذي كان حاسمًا في حالة أوكرانيا) يمكن أن يسرع عمليات النقل وسيكون مناسبا لتوفير أنظمة دفاع مهمة للشركاء الإقليميين الذين يواجهون تهديدات عاجلة من الطائرات دون طيار ومن الصواريخ.

Getty Images
طائرة بدون طيار تابعة للبحرية الأميركية تحلق فوق مياه الخليج العربي أثناء تدريبات عسكرية مشتركة بين البحرية الملكية البحرينية والأسطول الأميركي الخامس، في 26 أكتوبر 2021.

ثانياً، زيادة دوران القوات والتدريبات العسكرية المشتركة. ويمكن أيضا وضع المعدات مسبقاً والحفاظ على مواقع الطوارئ لدعم هذه الأنشطة. وهذا سيهدئ المخاوف من تخلي أميركا عن المنطقة ومن المخاوف من نقص رغبتها في مواجهة إيران. كما أن انخراط الشركاء في هذه التدريبات أثناء بناء تحالفات متعددة الأطراف وفرق العمل- التي تؤدي فيها القيادة المركزية للقوات البحرية دورا معتبرا- يعزز التزام الولايات المتحدة بالأمن الإقليمي.

ثالثا، متابعة المزيد من برامج الاختبار والتطوير والإنتاج القائمة على التعاون، التي يمكنها أن تنشط العلاقات الدفاعية وتهتم بالرغبة الخليجية المتنامية للإنتاج المحلي، مع توجيه الشركاء بعيدا عن تعاون مماثل مع الصين.

فرص محتملة لتعاون عسكري مع الصين

ومع ذلك، فإن كل هذه المكونات لعلاقة دفاعية أقوى مع الشركاء الإقليميين الرئيسيين والراغبين، ستكون غيرة متوفرة، إذا اتبع هؤلاء الشركاء مسارات العمل التالية:

أولاً، السماح للصين بإنشاء أي نوع من أنواع القواعد العسكرية أو النقاط الأمامية على أراضيها. وليس واضحا إن كانت الصين مستعدة لتخصيص مزيد من مواردها العسكرية لمنطقة بعيدة عن مجال نفوذها المباشر في آسيا، ولكن على واشنطن أن تفعل كل ما تستطيع لخنق هذه العملية في مهدها وقبل أن يشتد عودها.

ثانيا، الحصول على أنظمة السلاح الصينية الاستراتيجية، سواء عبر المبيعات أو عبر التعاون في التطوير أو في إنتاج هذه الأنظمة. وهذا يشمل الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والدفاع الصاروخي والطائرات المتطورة. وإذا حدث أي من هذه الحالات، فإنها ستضر بشكل كبير بقابلية العمل المشترك مع الولايات المتحدة.

ثالثا، غياب أي التزام بحماية أسرار الولايات المتحدة وتكنولوجيتها. فواشنطن توافق فقط على مبيعات أنظمة الأسلحة المصنعة بأحدث التقنيات للشركاء الإقليميين، عندما تكون الفائدة التي تعود على الولايات المتحدة تفوق على نحو مؤكد مخاطر وقوع تكنولوجيا هذه الأسلحة في الأيدي الخطأ. في حالة بيع مقاتلات “F-35” إلى الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، فإن المخاوف من المخاطر الأمنية التي يثيرها وضع تقنيات “هواوي” في شبكة الاتصالات في الإمارات العربية المتحدة قد عرّضت الصفقة في النهاية للخطر.

رابعا، التعاون مع الصين في مجال الطاقة النووية المدنية. وقد دفع غياب التقدم في المفاوضات مع أميركا، إلى اعتبار دول أخرى ومنها الصين، شركاء محتملين في تطوير قدرات دول إقليمية.

خامسا، الانضمام إلى المنظمات الأمنية التي تقودها الصين مثل منظمة شنغهاي للتعاون.

ولكل شريك من شركاء واشنطن الإقليميين حق سيادي في اتباع المسار الاستراتيجي، الذي يرى أنه أكثر فائدة لمصالحه على المدى الطويل. وليس هدف الولايات المتحدة توبيخ أحد أو تهديده، بل عليها تقديم الحجة القائمة على الفرص، كما أن عليها وبالأهمية نفسها، أن تبين بوضوح حدود تسامحها مع العلاقات الدفاعية والأمنية مع الصين. هذا أيضا حق أميركا السيادي.

ومع ذلك، فإن المصداقية والموثوقية أمران أساسيان في خطاب واشنطن. قد يدرك الشركاء الإقليميون جيداً قيمة العرض الأميركي، وتكاليف أو حدود التعاون العسكري مع الصين، إلا أن ثقتهم قليلة في رغبة واشنطن أو قدرتها على وضع ذلك قيد العمل. وهذا هو الوقت المناسب لتقديم إشارات جريئة في الشرق الأوسط، ولكن قبل القيام بأي منها، سيكون الإجماع السياسي الداخلي الأميركي أمراً مطلوباً. لكن ينبغي أن لا يعد هذا أمراً مسلماً به في بيئة شديدة الاستقطاب سياسياً ومشحونة بشدة كالتي في واشنطن.

بلال صعب – ميليسا هورفاث

المصدر: موقع المجلة




“بريكس” المارد العالمي الجديد

أثبتت مجموعة “بريكس” حضورها في السياسة العالمية وقدرتها على دفع النمو الاقتصادي العالمي والابتكار، وهي تسعى لتطوير نموذج حوكمة عالمي موحد وبناء، وإطلاق عملة مشتركة تعزز تأثيرها وترسخ مكانتها كقوة عالمية رائدة، ذات وزن تفاوضي قادرة على منافسة مجموعة السبع.

تعمل “بريكس”، التي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، على إعادة تشكيل النظام العالمي وتحويل مركز النفوذ من “الشمال” إلى “الجنوب”. وتلقت المجموعة في السنوات الأخيرة عشرات طلبات الانضمام إلى التحالف في مسعى للتخلص من هيمنة الدولار وإيجاد بدائل اقتصادية وتمويلية فاعلة وأنظمة تجارية أكثر تنوعا واستقلالية.

على الرغم من التباينات الجمة بين دولها الأعضاء، نجحت “بريكس” في فرض نفسها كمنتدى لمعالجة القضايا العالمية الحرجة مثل التجارة والتمويل وتغير المناخ وأمن الطاقة. وشهدت تحولات سياسية واقتصادية كبيرة عززت ديناميكيتها وفرص انتقالها إلى مصاف قطب عالمي جديد.

تنعقد القمة الخامسة عشرة لدول “بريكس” في 22 أغسطس/آب في جوهانسبورغ برئاسة جنوب أفريقيا، الدولة المضيفة، في ظل عدد من الإشكاليات تتعلق بالحضور وطلبات الانضمام إلى المجموعة والمواضيع المعروضة للنقاش، في مقدمها مشروع الاستغناء عن الدولار، أقلّه في التعاملات البينية، وإطلاق عملة مشتركة لدول “بريكس”.

وقد أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رغبته بحضور القمة في سابقة لم تحصل مع أي رئيس غربي من قبل، وهو أمر لاقى ترحيبا من الصين، عبرت عنه صحيفة “غلوبال تايمز” التي يدعمها الحزب الشيوعي الصيني، مشيدة ببرغماتية ماكرون وجرأته على كسر الحواجز، وهذا ما تجلى خلال زيارته الأخيرة مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين للصين. في المقابل، لاقت رغبة ماكرون تحفظا من روسيا بسبب مشاركة فرنسا في فرض العقوبات عليها بعد غزوها لأوكرانيا.

كذلك، كان حضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين القمة سيكون موضوع إشكالية لوجود مذكرة توقيف في حقه صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية في مارس/آذار الماضي، لمسؤوليته في ارتكاب جريمة حرب، تتمثل في فصل آلاف الأطفال الأوكرانيين قسرا عن عائلاتهم وترحيلهم إلى روسيا، مما يضع جنوب أفريقيا في موقف حرج خصوصا أنها عضو في المحكمة المذكورة. وباتفاق متبادل بين البلدين، ستشارك روسيا في القمة على “المستوى المناسب”، حيث ستتمثل بوزير خارجيتها سيرغي لافروف، تجنبا لهذه المعضلة الشائكة.

وكانت حكومة جنوب أفريقيا قد أصدرت أواخر مايو/أيار الفائت قرارا نشر في الجريدة الرسمية يقضي بمنح حصانة ديبلوماسية لجميع المسؤولين الذين سيحضرون قمة “بريكس” ، مدعية أنه إجراء روتيني لتنظيم المؤتمرات الدولية بغض النظر عن مستوى المشاركة، كما أن الحصانات هي للمؤتمر وليست لأفراد معينين. أثار ذلك الأمر نقاشا قانونيا بين من يرى أن قرار الحكومة لا يعلو على مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، ورأي آخر يرى أن الحكومة تستطيع التنصل من قرار المحكمة إذا تعارض الأخير مع التزامات الحكومة، استنادا إلى المادة 98 من اتفاقية روما المنشئة لهذه المحكمة.

جدير بالذكر أن خلافا مماثلا حصل عام 2005، عندما قدم الرئيس السوداني آنذاك عمر البشير إلى جنوب أفريقيا، لكنه سرعان ما غادرها بعد شيوع خبر أن المحكمة العليا في البلاد على وشك إصدار قرار باعتقاله.

ديانا استيفانيا روبيو

مصطلح “بريك” (BRIC)، هو اختصار للبرازيل وروسيا والهند والصين قبل انضمام جنوب أفريقيا إليها، وظهر للمرة الأولى في تقرير وضعه اللورد جيم أونيل، كبير الاقتصاديين ومدير الأصول في المصرف الاستثماري “غولدمان ساكس” في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2001، بمساعدة معاونته روبا بوروشوتهامان، عن مجموعة اقتصادية تضم الدول الأربع، وتوقع فيه أن تنمو المجموعة، في الفترة ما بين 2000 و2008، بسرعة تفوق تلك لمجموعة السبع التي تشمل كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.

وفي عام 2003، كتب دومينيك ويلسون وروبا بوروشوتهامان تقريرا آخر بعنوان “الحلم مع ’بريك’ : الطريق إلى عام 2050” (Dreaming with BRICs: The Path to 2050) نشره “غولدمان ساكس” أيضا، وذكرا فيه أنه في حلول عام 2050 يمكن أن تنمو مجموعة “بريك” إلى حجم أكبر من مجموعة السبع بمقياس الدولار الأميركي. بالتالي، فإن أهم الاقتصادات في العالم ستبدو مختلفة اختلافا جذريا في غضون أربعة عقود من حيث نصيب الفرد من الدخل.

وكان هدف “غولدمان ساكس” من التقريرين محض استثماري، ويرمي إلى تعريف عملائه، من الشركات المتعدّدة الجنسية، وصناديق التقاعد، والصناديق السياديّة، وغيرها، بالدول التي ستشكل مستقبلا مجالات رئيسة للنمو السريع، وبالتالي للاستثمار في القرن الحادي والعشرين، نظرا إلى حجم أسواقها وديناميّة حركة صادراتها.

وكان أول تفاوض لتشكيل مجموعة الـ”بريك” جرى في سبتمبر/أيلول عام 2006 بين وزراء خارجيتها على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وعقد أول مؤتمر قمة للمجموعة في 16 يونيو/حزيران عام 2009 في مدينة يكاترينبورغ في روسيا حيث تمت مناقشة سبل التعاون المستقبلي بين دول المجموعة في مجال التجارة والغذاء والمناخ والأمن وكيفية الوصول الى موقع أكثر تأثيرا وتمثيلا للأسواق الصاعدة.

منظمة سياسية – اقتصادية

وعقدت القمة الثالثة للمجموعة في 14 أبريل/نيسان 2011 في الصين تحت تسمية “بريكس” – (BRICS)، كإعلان رسمي لقبول جنوب أفريقيا في المجموعة، مما عزز صدقيتها في تمثيل الجنوب على المسرح العالمي، وكانت الانطلاقة لتشكيل واقع جيوسياسي جديد.

ليس لدول “بريكس” ميثاق مشترك يحدد أهدافها، وتشكل إعلانات القمم التي تعقدها سنويا قاعدة لتوجهاتها، مما يشير الى أن “بريكس” لم تعد مجموعة اقتصادية فحسب، بل باتت منظمة سياسية على الرغم من احتفاظها بصورتها الأولى.

يشكل تحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء أحد أهداف المجموعة البينية، لتنمية بناها التحتية وتعزيز فرص النمو القائم على الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة وتنمية المهارات. كذلك، تسعى الدول الأعضاء إلى توفير سبل فاعلة لمنح القروض وتبادلها وتقديم الدعم والمساندة في ما بينها في وقت الأزمات على نحو يتم فيه التحرر من قيود الاقتراض من المؤسسات المالية والدولية التي يسيطر عليها الغرب. كما تعمل على اعتماد العملات المحلية في تسوية المدفوعات البينية وخارج المجموعة، مما يعزز التجارة البينية ويقلل الاعتماد على الدولار.

غيتي

أما على الصعيد العالمي، فتجتهد “بريكس” لتعزيز مكانتها كقوة اقتصادية عالمية ذات وزن تفاوضي قادرة على منافسة مجموعة السبع (G7) التي  تستحوذ على 60 في المئة من الثروة العالمية، كمقدمة لإيجاد نظام اقتصادي عالمي متوازن ثنائي أو متعدد القطب، يكسر الهيمنة والتحكم في رسم السياسات الدولية العامة، ويحسن بيئة الاستثمار العالمي.

تستهدف “بريكس” في هذا الإطار تحقيق إصلاح المنظمات الدولية لجعلها كذلك بكل معنى الكلمة، بدءا بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والمنظمات المنبثقة عن “بريتون وودز”، أي صندوق النقد والبنك الدوليين، وإعادة النظر في القواعد التي تحكم توزيع حقوق التصويت في هاتين المنظمتين لتعزيز مشاركة دول الاقتصادات الناشئة. كما تنفتح “بريكس” على تفعيل التعاون الدولي لحل أزمات مشتركة مثل ترشيد استخدام الطاقة، ومكافحة التغيرات المناخية والحد من أخطار الكوارث الطبيعية، وتعزيز التعاون في العلوم والتعليم والبحوث الأساسية والتطور التكنولوجي، ومكافحة الإرهاب وتسوية الأزمات الدولية، وفي مقدمها الملف النووي الإيراني.

توسع وطلبات انضمام بالجملة

يتعين على القمة المقبلة بت معايير قبول الأعضاء الجدد في “بريكس”، التي تضم إلى جنوب أفريقيا، البرازيل وروسيا والهند والصين، وذلك بسبب العدد الكبير غير المسبوق من طلبات الانضمام، من بينها لدول ذات ثقل اقتصادي ومالي، وأخرى ذات ثقل سكّاني وعسكري. وقد تحولت “بريكس” بفضل مؤسساتها التمويلية متنفسا وعامل جذب، خصوصا لدول الجنوب، للحصول على قروض داعمة لمشاريع الاستثمار أو لتغطية حاجاتها من السيولة، ابتعادا عن شروط الإقراض القاسية للمنظمات الدولية والإقليمية. 

نجاح توسع “بريكس” مرهون بثلاثة أمور: الأول، قوة الضغط الأميركي لعدم انضمام الدول المرشحة إلى تجمع غير متحالف مع النظم الاقتصادية الغربية، خصوصا أن عددا من الدول الراغبة في الانضمام لا تزال في حاجة إلى مساعدات المؤسسات الغربية المتنوعة. الثاني، عدم إثارة نزاعات جديدة، فصحيح أن قبول أعضاء جدد يحمل معه موارد وفرصا إضافية، لكن هناك خشية من استجراره أيضا لتعارضات ونزاعات جديدة بين الأعضاء ومع المصالح الخارجية. أما الثالث، فيتمثل في تأمين اتساق في المواقف السياسية والاقتصادية بين دول المجموعة. فتركيا المرشحة لعضوية “بريكس” مثلا، هي عضو في حلف الناتو، الأمر الذي قد يزيد التعقيدات حول مدى تقارب وجهات النظر في حال قبول العضوية. 

من جهة أخرى، تعيق نيودلهي مساعي بكين لإدراج أعضاء جدد في “بريكس” لعدم رغبتها في رؤية المزيد من الدول في مجموعة تلعب فيها الصين دورا مهيمنا، حيث تخشى مزيدا من النفوذ الصيني على الصعيد العالمي.

إلا أن روسيا والصين لهما وجهة نظر مغايرة، ففي نظرهما، لم يعد الاقتصاد المعيار الأوحد، بل القرار السياسي أيضا، ولن تكون هناك قوة لأي قرار على الصعيد الدولي دون دعم وزخم من أكثرية من الدول الداعمة والمؤيدة، فإذا كانت الدول فقيرة اقتصاديا، فهي غنية كقوة داعمة وهي ذات قدرة استهلاكية وتأثير إقليمي، وقبولها يعزز التوجه لإرساء تعدد الأقطاب، ويصب في أهداف المجموعة الساعية لرفع قوة تصويتها في المؤسسات العالمية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرهما. فدول “بريكس” تمثل راهنا أكثر من 40 في المئة من سكان العالم، لكنها تحوز على أقل من 15 في المئة من حقوق التصويت في المؤسسات الإقراضية.

يعتبر البروفسور الروسي جوليان فركوي، أن الوضع بين الدول المرشحة للعضوية غير متجانس مع “بريكس”، كونها لم تدعم بشكل عام موقف أعضائه في التصويت على قرار الأمم المتحدة في شأن أوكرانيا. وبدا أن القاسم المشترك الوحيد هو موقف حاسم تجاه العقوبات الغربية المتنوعة من تجميد للأصول وحظر لاستعمال  شبكة السويفت وعرقلة لسلاسل التوريد وغيرها.

الدول العربية

أما بالنسبة إلى الدول العربية المرشحة للانضمام إلى “بريكس”، فهناك بواعث عدة للانضمام، منها ما هو مشترك ومنها ما هو خاص، وبعضها سياسي وبعضها الآخر اقتصادي أو يجمع بين السياسي والاقتصادي معا. فمكانة الولايات المتحدة الأميركية السياسية تراجعت في المنطقة العربية نتيجة لسياساتها المتراخية والمتشددة أو المتجاهلة. في المقابل، فرض الوجود الاقتصادي الصيني نفسه في المنطقة العربية. على الرغم من ذلك، يبقى الارتباط مع الغرب حيويا واستراتيجيا بحيث يمكن القول إن الانتساب إلى “بريكس” هو بقصد توفير مساحة أكبر للمناورة الاقتصادية والسياسية.

ولعل في التوجه لانضمام المملكة العربية السعودية إلى “بريكس” أكثر من رد فعل على الخلافات الأخيرة بين الرياض وواشنطن، بسبب عدم الاتفاق على أسعار النفط وإنتاجه، وصولا إلى سياسة بيعه بالدولار التي تتبعها دول “أوبك” منذ السبعينات. 

ويمثل الانضمام إلى “بريكس” تجسيدا لرغبة المملكة في تدعيم ثقلها الاقتصادي العالمي من خلال تنويع آفاقها الاستثمارية الجاذبة. فحجم استثمارات السعودية في الولايات المتحدة، المسلّح الأكبر للمملكة، يتجاوز 800 مليار دولار في مقابل 100 مليار دولار فقط للصين، بحسب تصريحات وتقارير صحافية سابقة من مصادر سعودية متعددة. ومن المتوقع أن يمثل انضمام المملكة إلى “بريكس” تقاطعا واعدا جدا بين خططها ومشاريعها التنموية المطروحة ومبادرة الصين “حزام واحد طريق واحد”.

أما مصر فتهدف أساسا من هذا الانضمام الى الاستغناء عن اعتمادها على الدولار في التبادل التجاري مع أعضائه، مما يمكنها من تخفيف الضغوط نتيجة نقص الدولار. والجزائر ترى في الانضمام خطوة مهمة لتحريك عجلة الاقتصاد الوطني من خلال جلب رؤوس أموال أجنبية للبلاد، للتخلص من الاعتماد على المشتقات النفطية كمصدر أساسي للدخل القومي، والانتقال نحو اقتصاد متنوع المصادر، يتضمن خصوصا تطوير قطاع الخدمات.

وتشكل عضوية “بريكس” لتونس خيارا واعدا بعد وصول نقاشاتها مع صندوق النقد الدولي إلى طريق مسدود بسبب فرض الأخير إملاءات،  وصفها الرئيس التونسي بالشروط التي تؤدي إلى إفقار الشعب وتهديد السلم الاجتماعي.

قمم “بريكس” أبرز مناقشاتها وقراراتها

Shutterstock

16 يونيو/حزيران 2009:
عقدت القمة الأولى في يكاترينبورغ في روسيا، نوقشت فيها سبل التعاون المستقبلي بين دول المجموعة في مجال التجارة والغذاء والمناخ والأمن، وكيفية الوصول الى موقع أكثر تأثيرا وتمثيلا للأسواق الصاعدة. 

15 أبريل/نيسان 2010: 
عقدت القمة الثانية في برازيليا وناقشت الركود العالمي وسبل التعافي منه، وكذلك سبل التعاون بين الدول الأعضاء وقبول انضمام جنوب أفريقيا إلى المجموعة. 

14 أبريل/نيسان 2011:
عقدت القمة الثالثة في الصين تحت تسمية “بريكس” (BRICS)، كإعلان رسمي لقبول جنوب أفريقيا في المجموعة، مما عزز صدقيتها في تمثيل الجنوب على المسرح العالمي، وكانت الانطلاقة لتشكيل واقع جيوسياسي جديد.

29 مارس/آذار 2012:
عقدت القمة الرابعة في نيودلهي في الهند وأُعلِن فيها إنشاء كابل من الألياف الضوئية لتأمين الاتصالات بين دول “بريكس”. 

26 مارس/آذار 2013:
عقدت القمة الخامسة في ديربان  في جنوب أفريقيا، ونوقش فيها اقتراح إنشاء بنك التنمية الجديد واتفاق الاحتياطي الطارئ، وأُعلِن مجلس الأعمال ومجلس “ثينك تانك” التابع له.

14 يوليو/تموز 2014:
عقدت القمة السادسة في فورتاليزا بالبرازيل حيث وقعت اتفاقات عديدة، أنشئ بنك التنمية الجديد، وجرى ترتيب احتياطي طارئ لدول “بريكس”. ودعي رؤساء دول أميركا الجنوبية للحضور حيث نوقشت سبل تطوير التعاون مع هذه الدول.

8 يوليو/تموز 2015:
عقدت القمة السابعة في أوفا بروسيا بمشاركة منظمة شنغهاي للتعاون والاتحاد الأوروبي، ونوقشت فيها الأزمات الاقتصادية العالمية.

15 أكتوبر/تشرين الاول 2016:
عقدت القمة الثامنة في بونوليم في الهند، ونوقشت فيها مكافحة الإرهاب وتغير المناخ. وأُعلنت خطة عمل لتقوية العلاقات بين دول المجموعة وجرى لقاء بين قادتها والقيمين على مبادرة خليج البنغال للتعاون التقني والاقتصادي.

3 سبتمبر/أيلول 2017:   
عقدت القمة التاسعة في شيامين في الصين بمشاركة مبادرة حوار الأسواق الناشئة والدول النامية (Emerging Markets and Developing Countries Dialogue – EMDCD)  وناقشت القضايا الدولية والإقليمية، كما تم توسيع المجموعة إلى “بريكس بلاس”. حضر القمة كمراقبين، ممثلون عن تايلاند والمكسيك ومصر وغينيا وطاجيكستان.  

25 يوليو/تموز 2018:
عقدت القمة العاشرة في جوهانسبورغ بجنوب أفريقيا ونوقش فيها موضوع الصناعة الناشئة لدى الدول الأعضاء وسبل زيادة مساهمتها عالميا. ودعي إلى حضور القمة كل من الأرجنتين وتركيا بصفتها رئيسة منظمة التعاون الإسلامي. 

13 نوفمبر/تشرين الثاني 2019:
عقدت القمة الحادية عشرة في برازيليا، ونوقشت فيها التطورات في مجالات العلوم والإبتكار في دول المجموعة وسبل تطوير التكنولوجيا والعملة الرقمية، وأبرمت خلالها اتفاقات لمكافحة تهريب المخدرات والجريمة المنظمة على الصعيدين الداخلي والدولي، وأُعلِن فيها التزام التعددية وتعاون الدول ذات السيادة للحفاظ على السلام والأمن.

17 نوفمبر/تشرين الثاني 2020: 
عقدت القمة  الثانية عشرة في سان بطرسبورغ في روسيا، بالشراكة مع منظمة شنغهاي للتعاون عبر تقنية التناظر المرئي، بسبب جائحة كوفيد-19، وناقشت تحقيق مستويات معيشية أفضل لشعوب دول المجموعة ووضع خطط لتعزيز السلام والاقتصاد والقضايا الاجتماعية والثقافية.

9 سبتمبر/أيلول 2021:
عقدت القمة الثالثة عشرة في نيودلهي بالهند أيضا، من طريق تقنية التناظر المرئي، وتطرقت إلى عدم المساواة في الحصول على اللقاحات والتشخيصات والعلاجات، خصوصا بالنسبة إلى أفقر سكان العالم وأكثرهم ضعفا.

23 يونيو/حزيران 2022:
عقدت القمة الرابعة عشرة في بكين بالصين بتقنية التناظر المرئي بسبب العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، وذكر خلالها  الرئيس الصيني “أن  مآسي الماضي تخبرنا أن الهيمنة لا تجلب السلام أو الأمن وأنها تؤدي فقط إلى الحروب والصراعات”. وندد بالعقوبات التي فرضت ووصفها بأنها “قصف صاروخي للاقتصاد العالمي” وحث على الوحدة في مواجهة التحديات المالية.

توفيق شنبور

المصدر: موقع المجلة