«يحتوي التقرير على أدلة تمهّد الطريق لملاحقات قضائية أمام المحاكم المختصّة، واقتراحات لتدابير يفترض اتخاذها لمنع تكرار الجرائم المالية للمصرف المركزي في المستقبل»، ربما كان هذا رجاء غالبية من سمع بتقرير التدقيق الجنائي لحسابات مصرف لبنان، الذي تأخر إصداره تسعة أشهر عن الموعد المحدّد مسبقاً (2022) من قبل شركة (A&M). ليصبح مادة للتداول الواسع بعد نشره وتعميمه مطلع الأسبوع المنصرم. فهل يتحقق فعلاً هذا الرجاء؟
قدّمت شركة «ألفاريز أند مارسال» (Alvarez & Marsal) تقريرها -الذي سمّته تقريراً مبدئيّاً- باعتباره التقرير الذي سيقطع الشكّ باليقين حول مصير الودائع والأموال المنهوبة. إلا أنه لم يكن بحجم التوقّعات. فاللبنانيون الذين ينوؤون تحت وطأة أكبر أزمة اقتصادية مرّت عليهم، كانوا يظنّون أن التّدقيق الجنائي سيشكّل الحجر الأساسي للمحاسبة (راجع «القوس»، 11 آذار 2023، «تقنيات التدقيق الجنائي»)
قد يكون هذا الأمر صحيحاً في كثير من البلدان، إلّا في لبنان، إذ إن أي تدقيق جنائي في أي إدارة عامة سيُظهر تجاوزات قانونية لرأسها، وتحكّمه بالإدارة أو المؤسّسة كيفما يشاء، يشتري ويتبرّع ويقدّم الهدايا ويعقد الصفقات من مال اللبنانيين، وكأن الملك العام ملك خاص له.
أبرز الملاحظات حول التقرير 1. تقرير التدقيق الجنائي «الأوّلي»، هكذا عنونت الشركة التقرير، وليس معلوماً السّبب الذي جعله تقريراً أوليّاً لا نهائياً. 2. لم يتضمّن التقرير تدقيقاً في التّحويلات المالية التي جرت بين عامَي 2019 و2020 رغم أنه يفترض أن تكون مشمولة بفترة التدقيق الجنائي المطلوب. 3. كرر التقرير بيانات سبق أن أعلنها مصرف لبنان، ولم يظهر أي جديد بشأنها. 4. نقص في المعلومات ومنها البيانات المطلوبة حول التحويلات، والتي قال التقرير إنه يقتضي إحضارها ولم يقم بذلك. 5. تضمّن تحليل الهندسات المالية بنداً حول حسابات الحاكم السابق رياض سلامة، في حين أن حساباته الشخصية وحسابات كبار الموظفين التنفيذيين في المصرف يجب أن تكون موضع تدقيق في فصل خاص. 6. تحليل النفقات التشغيلية للمصرف، رغم أهميتها، ليست هي بيت القصيد. فالمشكلة لا تكمن فقط في هدر 50 مليون دولار، أو في شركة يقتضي إدارتها بجدية لتربح، إنما تتعلق بسياسة مالية ونقدية من قبل مصرف لبنان أضاعت ما يزيد على 73 مليار دولار، وهذا ما يفترض الإجابة عنه.
7. أظهر التقرير غياب التعاون الكامل من مصرف لبنان رغم صدور قانون برفع السرية المصرفية لغايات هذا التدقيق. 8. طلبت الشركة مقابلة 47 موظفاً من المصرف فطلب الأخير خفض العدد إلى 9 فقط. 9. لم يسمح للشركة بالاجتماع مع الموظفين واقتصرت المقابلات على المراسلة الكتابية. إذ أرسلت الشركة أسئلة مكتوبة إلى 14 موظفاً في 31 تشرين الأول 2022 وتلقّت ردوداً مكتوبة منهم في 13 شباط 2023 (بعد أربعة أشهر). 10. أزيل جزء من بيانات التحويلات المالية قبل تسليمها للشركة بحجة قانون السرّية المصرفية، وقد حدّ هذا من قدرتها على تحديد المستفيد النهائي من التحويلات الماليّة، مع أن التقرير يورد أن الشركة أُبلغت من وزارة المالية بأن القانون علّق السرّية المصرفية ما يسمح لها بالولوج إلى البيانات.
11. زوّد مصرف لبنان الشركة بعدد من البيانات من دون جداول، أي على شاكلة نصوص غير منسّقة unformatted رغم أنها أرقام، ما استدعى إنشاء قاعدة بيانات لها من جديد. 12. نقل مصرف لبنان الكلفة إلى الخزينة العامة بهدف تجنّب تسجيل الخسائر والاعتراف بها.
13. نُقل بيان الوضع الموجز لمصرف لبنان الذي ينشره المصرف وجمع محتوياته من دون أي تعديل من الشركة.
الاحتياطات الأجنبية في الفترة الممتدة بين 2015 و2020 تدنّت موجودات مصرف لبنان من العملات الأجنبية، وانتقل مصرف لبنان من فائض في العملات الأجنبية قدره 10.7 تريليون ليرة لبنانية (7.2 مليار دولار أميركي) إلى عجز في العملات الأجنبية قدره 76.4 تريليون ليرة لبنانية (50.7 مليار دولار أميركي).
حسابات رياض سلامة أظهرت تحليلات الشركة للحسابات المملوكة من رياض سلامة بأنها تلقّت أرصدة الاعتمادات إلى حد كبير في شكل إيداع شيكات مصرفيّة، صافية من تحويلات العملات الأجنبية إلى 23 تحويلاً بين الحسابات، بقيمة 98.8 مليون دولار أميركي، خلال فترة المراجعة التي تبلغ 6 سنوات بمتوسط 16.5 مليون دولار أميركي سنوياً.
جرى تتبع 75 مليون دولار أميركي من خلال سجلات جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك (SWIFT) إلى 23 بنكاً في سويسرا، وألمانيا، ولوكسمبورغ، والمملكة المتحدة، ولبنان، والولايات المتحدة وفرنسا. تحتاج الشركة إلى مزيد من التحقيقات لتأكيد مصدر هذه الشيكات وتحديد المستفيدين النهائيين من التحويلات الخارجية.
اتفاقات «تلبيس طرابيش» من الاتفاقات التي تتضمّن بيعاً وشراء للسندات الحكومية مع حفظ حق العمولة للعميل، ورد ما يلي: 1. تشتري شركة Societe Financiere Du Liban SAL سندات الخزينة بالقيمة الاسمية 228.000.000.000 ليرة لبنانية (151.243.781 دولار أميركي). 2. يشتري مصرف لبنان سندات الخزينة من Societe Financiere Du Liban SAL بالقيمة الاسمية.
3. يبيع مصرف لبنان 55.619.170.000 ليرة لبنانية (36.894.972 دولار أميركي) من سندات الخزينة إلى Optimum Invest SAL بالقيمة الاسمية. 4. أعاد مصرف لبنان على الفور شراء نفس سندات الخزينة من Optimum Invest SAL مع علاوة قدرها 18.743.660.290 ليرة لبنانية (12.433.605 دولار أميركي). 5. يُحوّل القسط الإضافي وقدره 18.743.660.290 ليرة لبنانية (12.433.605 دولار أميركي) (المدين) من حساب مقاصة العمليات المالية (RTGS) والاعتماد على حساب الاستشارات، وزيادة الرصيد الدائن في الحساب.
55 ألف دولار لتبديل «جاكوار» الحاكم قدّمت شركة Saad & Trad SAL، وفق التقرير، عرض أسعار لـ«جاكوار XJ 2016»، بسعر إجمالي قدره 105,000 دولار أميركي، ويشمل حسم قيمة سيارة «جاكوار 2012» بقيمة 50 ألف دولار ليدفع المصرف المركزي 55 ألف دولار مقابل تبديل سيارة الحاكم القديمة بواحدة أحدث. ويفيد التقرير أن المصرف اشترى سيارة «جاكوار Jaguar XE 2017» ثانية لم يتّضح سبب الحاجة اليها.
333 مليون دولار لشركة «فوري» أرسلت مدفوعات يبلغ مجموعها 333 مليون دولار أميركي بين نيسان 2002 وآذار 2015 من أحد حسابات مصرف لبنان ورقمه: IBAN LB02099900000001001260632009 لحساب HSBC (سويسرا) (SA – HSBC) الذي يحمل اسم «فوري» (Forry Associates Ltd)، الشركة التي أُفيد بأنها مملوكة لشقيق الحاكم رجا سلامة، وهي مسجلة في جزر فيرجن البريطانية (BVI). سُدّدت المدفوعات بموجب اتفاق 6 نيسان 2002 بين مصرف لبنان وشركة «فوري»، فقامت الأخيرة بدور «وكيل طرح منتجات مصرف لبنان»، وحصلت على عمولة عبارة عن 3/8 من 1% من قيمة المعاملات في سندات «اليوروبوند» اللبنانية، وعدد من العمليات التي يجريها المصرف المركزي الذي يفيد بأن ذلك جرى بموافقة المجلس المركزي في 26 كانون الأول 2001.
صادق علوية
المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار
تاريخ طرابلس يمرّ في «خان الخيّاطين»
|
يعكس سوق طرابلس القديم الوجه الحقيقي لـ «أم الفقير» بكل تفاصيلها. فهو نواة المدينة والمكان الذي تعتاش منه وتقطنه أسر طرابلسية كثيرة. يعكس السوق بأزقته ودهاليزه حقبات ازدهار وانحسار طرابلس. فكل من حكمها في مختلف الحقبات، كان لا بد له من أن يضع بصمته المعمارية فيها للدلالة على أنّه «مرّ من هنا». على الرغم من ملازمة الخياطة لطرابلس منذ القدم، إلّا أنّ إنشاء خان مخصص لهذه الحرفة يظهر الاهتمام الكبير بها. تاريخياً، لا وثيقة تحدّد تاريخ بناء «خان الخياطين» وهوية مؤسّسه، وفق ما يؤكّد المؤرّخ عمر تدمري في كتابه «تاريخ طرابلس الحضاري والسياسي». لكن الروايات المتداولة ترجّح أنّ يكون قد شيّد سنة 1341 على يد الأمير بدر الدين في العهد المملوكي. وتفيد بأنّ المماليك كانوا يسعون إلى تحويل الخياطة من موهبة إلى مهنة وتجارة، وخصوصاً بعد عثورهم على أكثر من 4 آلاف نول حياكة باقية من عهد الصليبيين. عمدوا إلى إيجاد مكان مناسب ليمارس الخياطون مهنتهم باحتراف، في إطار سعيهم إلى الحفاظ على حرفة الخياطة التي تشتهر بها طرابلس. هكذا، وُلد «خان الخيّاطين» الذي يشكّل شارعاً كاملاً من منطقة باب الحديد (تبلغ مساحته حوالى 1200 متر مربّع)، ويتكوّن أعلاه من سلسلة متناسقة من القناطر التي تجمع جهتيه اليمنى واليسرى، يفصل بينهما ممرّ عريض، وهو من طبقتين. كما أنّه يتميّز بأنّه مقفل ومسقوف. علماً أنّ الخانات قديماً كانت تُعرف باحتوائها على نزل للمسافرين في الطبقة العلوية تمكّنهم من الاستراحة من أعباء السفر، في الوقت الذي كانت فيه الطبقة السفلية تعجّ بالأسواق.
ازدهر «خان الخيّاطين» في العهد العثماني، وخصوصاً في القرن التاسع عشر، حيث كان عامل جذب للزبائن القادمين عبر البحر من المدن الأوروبية، فأصبح منصة لتصدير الأقمشة القادمة من حمص وحماه وحلب، كما استخدم لتصنيع الحرير الذي أضحت تجارته تشكل جزءاً كبيراً من اقتصاد متصرفية جبل لبنان. أصبح المزارعون القرويون في جبل لبنان يقصدونه بعد استخراج الحرير ليخيطونه حسب الطلب أو بالأشكال التي تعبّر عن أزياء المنطقة في مختلف الحقبات، تمهيداً لبيعه لاحقاً في أسواق الخان.
في تلك الفترة، كان الخان الذي عُرف أيضاً باسم «خان الحرير»، يعدّ من أهم نقاط خط التجارة العالمية، نظراً إلى جودة بضائعه والطلب الكبير على الحرير الجبلي اللبناني ومنتجاته، فضلاً عن قربه من البحر. فكان من الطبيعي أن يكون محصّناً يصعب الدخول إليه، وأن تكون المنتجات غالية الثمن في مكان بعيد عن متناول الزوّار.
أرخى تغيّر طرق صناعة الألبسة بظلاله على الخان، إذ احتلت الألبسة الجاهزة أسواقه في وقت لاحق، بسبب سهولة صنعها وانخفاض كلفتها. ومع سنين الحرب اللبنانية، تحوّل «خان الخيّاطين»، في ظلّ الإهمال الكبير، من نقطة حيوية ومهمّة إلى مجرّد جزء بسيط من سوق طرابلس القديم، يختصّ اليوم ببيع الأزياء الفولكلورية المتمثّلة في الطربوش، العباءة الرجالية، القفطان الرجالي، الشروال، القنباز والثوب النسائي المطّرز. ولا يقتصر شراء هذه القطع على السيّاح فقط، بل تسعى الفرق الفنية إلى شرائها.
لقطة حديثة بعدسة جمال ساعاتي مع تبدّل وظيفة الخان من تجاري إلى سياحي ينشط بشكل خجول في المواسم، بات أكثر انفتاحاً على الزوّار تزامناً مع سهولة عرض البضائع بطريقة جذّابة، وخصوصاً مع عملية الترميم التي خضع لها عام 1992 بتمويل ألماني وطالتها انتقادات واسعة. ناهيك بأنّها استغرقت وقتاً طويلاً، جاءت نتيجتها غير منسجمة مع السياق التاريخي والثقافي للمكان، وأسهمت في ترسيخ الطابع التجاري ــ السياحي فقط. اليوم، أضحى «خان الخيّاطين»، ككلّ خانات السوق القديم، كنزاً لا يمكن للمارّين فيه تصوّر أهميّته التاريخية والمراحل البارزة التي شهد عليها. إذ أصبح أشبه بأي من أقسام سوق طرابلس، أو أي سوق حديث كـ «الأحد» أو «صبرا». أما المساحات التي كانت غرف إقامة للمسافرين، فأمست مستودعات يستأجرها سكان المدينة والتجّار. «خان الخيّاطين» صورة مصغّرة عن حجم الإهمال الممنهج الذي يطال «الفيحاء» وأبناءها، منذ قيام الجمهورية اللبنانية. لكن قد يكون لذلك جانب إيجابي يتمثّل في حماية المدينة من الانسلاخ عن هويتها، ومنع استبدال معالمها التراثية بموقف سيّارات ربّما أو مركز تجاري كبير أشبه بمدينة أشباح على الطريقة البيروتية.
الملا هبة الله يواجه تحدياً لسلطته من داخل التنظيم
مع احتدام الصراع على السلطة داخل التنظيم الفضفاض المسمى «طالبان الأفغانية» بعد أن تولت الجماعة المسلحة السلطة في كابل في أغسطس (آب) 2021، باتت القصص والشائعات والتقارير غير المؤكدة حول الانقسامات العميقة التي تضرب «طالبان» في العمق روتين حياة يومياً للشعب الأفغاني.
الخبراء المعنيون بالشأن الأفغاني – خاصة من أبناء أفغانستان ـ والصحافيون والمراقبون بات الآن بجعبتهم الكثير من القصص حول الانقسامات داخل تنظيمات أفغانية. ومع ذلك، لم يرد ولو تقرير واحد مؤكد عن القتال المسلح بين فصائل مختلفة من «طالبان».
ظهرت بعض هذه الاختلافات بين القيادة العليا لـ«طالبان» عندما أدلى زعيم فصيل «حقاني» التابع لـ«طالبان»، سراج الدين حقاني، بتعليقات في فبراير (شباط) 2023 انتقد فيها الوضع في أفغانستان خلال مناسبة عامة، السبت الماضي، وسط حديث أن الملا هبة الله زعيم الإمارة يواجه تحدياً لسلطته من داخل التنظيم.
الملا هبة الله أخوند زاده… يُعرف عن حاكم الحركة أنه غير محب للظهور الإعلامي ونشرت له «طالبان» صورة واحدة فقط
وبحسب حقاني في كلمته التي ألقاها خلال التجمع، فإن «الوضع الحالي لا يطاق. إذا تطورت الأوضاع العامة للأسوأ وباتت غير مستقرة، فمن واجبنا علاج الأمر».
رجل أمن «طالبان» لال محمد يقرأ كتاباً دينياً في مقر الشرطة في منطقة داند بإقليم قندهار… بالنسبة للال محمد البالغ من العمر 23 عاماً جلبت عودة «طالبان» إلى السلطة مزيداً من الاستقرار الاقتصادي (أ.ف.ب)
فسر الخبراء الأفغان هذا البيان على خلفية تطورين متوازيين كانا يحدثان في المجتمع الأفغاني في المرحلة الحالية: أولاً، المجتمع الأفغاني يعاني من أزمات إنسانية واقتصادية حرمت الملايين من الدعم اللازم لإنقاذ حياة الناس.
مقاتل من «طالبان» يقف في حراسة في حين تنتظر النساء تسلّم حصص غذائية توزعها مجموعة مساعدات إنسانية في كابل بأفغانستان يوم الثلاثاء 23 مايو 2023 (أ.ب)
ثانياً، جاء بيان حقاني في أعقاب توجيهات صارمة للغاية أصدرها المرشد الأعلى لـ«طالبان» تستهدف النساء «ويجري النظر إلى هذه التوجيهات باعتبارها سبباً إضافياً للعزلة المفروضة على البلاد عن المجتمع الدولي».
تحضر الفتيات الفصل في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في كابل السبت 25 مارس 2023… بدأت السنة التعليمية الأفغانية الجديدة لكن المدرسة الثانوية ظلت مغلقة أمام الفتيات للعام الثاني بعد عودة «طالبان» إلى السلطة في 2021 (أ.ب)
في توقيت متزامن تقريباً، قال وزير الدفاع بالإنابة الملا محمد يعقوب، ابن مؤسس الحركة الملا عمر، إن «طالبان» يجب أن تستمع دائماً إلى «المطالب المشروعة للشعب». وأدلى العديد من قادة «طالبان» الذين كانوا جزءاً من الحكومة بتصريحات مماثلة، ما شكل تحدياً مباشراً لسلطة المرشد الأعلى لـ«طالبان» هبة الله أخوند زاده الذي لطالما أصدر هذه المراسيم المتشددة وكان يقود مجموعة من قادة «طالبان» المتشددين الذين يعارضون أي نوع من الاتصال المنتظم مع الغرب.
وأضاف محمد يعقوب قائلاً: «يمكن أن تؤدي الخلافات المستمرة والصراعات على السلطة إلى المزيد من الانقسامات، مما يجعل ما يسمى بالإمارة الإسلامية غير قادرة حتى على التصرف في مسائل الحكم وتقديم الخدمات للشعب الأفغاني. وبالمثل، فإن قدرة (طالبان) على الحفاظ على نفوذها والتفاوض مع الجهات الفاعلة الخارجية قد تتعرض للخطر أيضاً، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي المتوتر بالفعل في أفغانستان».
مقاتلو «طالبان» يحرسون خارج مركز للشرطة في كابل (د.ب.أ)
ويرى الكثير من خبراء الشؤون الأفغانية أن الخلافات والصراعات بين مختلف فصائل «طالبان» الأفغانية ليست بالجديدة؛ إذ قال العديد من الخبراء في تصريحات لصحيفة «الشرق الأوسط» إنه منذ وفاة الزعيم المؤسس لحركة «طالبان» الأفغانية، الملا عمر، ظل القتال بين فصائل «طالبان» أمراً اعتيادياً.
أعضاء وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحضرون مؤتمراً صحافياً يخاطبه نائب وزيرها سعيد أحمد في كابل في 14 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)
وبحسب الخبير الأفغاني المقيم في إسلام آباد، أحمد علي، فإن «خطوط الصدع الداخلية المتجذرة في الآيديولوجيا والولاءات القبلية والانتماءات الإقليمية والسيطرة على الموارد، بما في ذلك تجارة المخدرات وما إلى ذلك، جميعها تنافت مع ما يشاع عن (طالبان) أنها تنظيم موحد ومتماسك». وأضاف قائلاً: «داخل تلك الإمارة، يصطدم المعتدلون نسبياً مع المتشددين في معركة مستمرة لكسب نفوذ أكبر فيما يخص شؤون الدولة، بما في ذلك المسار العام للتنظيم. وبينما يدعو البعض إلى تغيير نهج الحكم بأسلوب يتسم ببعض الاعتدال، يلتزم آخرون بالتفسير الصارم للمبادئ الإسلامية، غير راغبين في التراجع عن موقفهم المتشدد؛ ولذلك فإن التواصل بين هذه الفصائل لا يزال مفقوداً».
وتكشف الصراعات الداخلية بين «طالبان» الأفغانية عن الديناميكية المعقدة والصراعات على السلطة داخل الجماعة. وهذه الصراعات تنشأ كنتاج لمجموعة متنوعة من العوامل، بما في ذلك الاختلافات الآيديولوجية، والتنافسات الإقليمية والقبلية، والطموحات الشخصية للقادة الكبار، والنهج المتباين للحكم وعلاقات الدولة الخارجية.
عمر فاروق
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
الحراك السياسي في العراق يدور حول الدولار والكهرباء والانتخابات المحلية
|
وسط التحديات المتراكمة أمام حكومة محمد شيّاع السوداني
يقول متابعون للوضع السياسي في العراق: إن رئيس الوزراء العراقي محمد شيّاع السوداني بعمل على مدار الساعة من أجل تنفيذ برنامج حكومته؛ وذلك من أجل تحقيق الخدمات الملحّة للمواطن والبدء في تنفيذ مشروعات البُنى التحتية في البلاد، سواءً ما تأخر منها أو جرى تأجيله في الماضي… أو ما هو جديد منها وبوشر العمل فيه. وحقاً، بالنسبة لكثيرين تبدو جهود رئيس الحكومة واضحة على صعيد المتابعة اليومية لعمل فريقه الوزاري، وهذا فضلاً عما يقوم به من زيارات بعضها مفاجئة لمؤسسات الدولة ودوائرها، يرافقها اتخاذ قرارات مباشرة. ولكن في المقابل، يبدو السوداني من جانب آخر وكأنه محاصر بسلسلة من العوائق غير المتوقعة على الرغم مما يتمتع به العراق من مظاهر الاستقرار السياسي راهناً، وهو واقع يمكن أن يمنح الحكومة مرونة عالية في تنفيذ برنامجها وخططها.
تمتعت الحكومة العراقية الحالية، التي أنهت شهرها التاسع، بخلاف حكومات أخرى سبقتها، بقدر معقول جداً من الظروف المساعدة. وعلى سبيل المثال، كانت حكومتا عادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي، بالذات، قد جوبهتا بالكثير من المعوّقات. إذ اصطدمت حكومة عبد المهدي بتظاهرات أكتوبر (تشرين الأول) 2019 التي أطاحتها بعد نحو سنة ونصف السنة من توليها الحكم. أما حكومة الكاظمي، الذي أتي به من أجل «عبور أزمة» بعد سلسلة تكليفات لمرشحين قبله لرئاسة الحكومة، أخفقت في نهاية المطاف نتيجة تصادم الإرادات السياسية.
ومن ثم، سرعان ما جرى التخلي عن الكاظمي وحكومته، بعدما لم يتمكن إلا من إجراء انتخابات أواخر عام 2021. وهذه الانتخابات، كما هو معروف، انتهت بخلافات تطوّرت إلى اعتصامات طالت أشهراً بين أبرز قوتين شيعيتين في البرلمان، وهما كتلتا «الإطار التنسيقي» التي تضم قيادات عدة وكتلة «التيار الصدري» التي يتزعمها السيد مقتدى الصدر. ولاحقاً، تفاقم الوضع بين الجانبين، ليصل إلى حد الصدامات المسلحة بينهما راح ضحيتها المئات بين قتيل وجريح.
محمد شيّاع السوداني، بالمناسبة، رجل دولة تدرّج في المناصب الحكومية الرسمية حتى قبل عام 2003؛ إذ كان مديراً للزراعة في محافظة ميسان (جنوب شرق العراق) ومن ثم تدرّج صعوداً في مناصب عليا عدة، من بينها وزير لخمس وزارات ونائب لدورات عدة، وكانت محطته الأخيرة والحالية توليه رئاسة الحكومة… وكانت لدى تسميته قد وجد نفسه موضع شبه إجماع سياسي في أعقاب تغلبّه على أكثر من 14 مرشحاً لرئاسة الحكومة، من بينهم قادة من الخط الأول.
من ناحية أخرى، على الرغم من أن السوداني يُعدّ من رجال «الخط الثاني» من جيل السياسيين الشيعة (إذ يبلغ من العمر 53 سنة)، فإنه بدا حازماً في مواجهة الملفات الضاغطة، وأبرزها ملف الخدمات التي وضعها ضمن سلم الأولويات. وبينما بدا إنه مدعوم من ائتلاف سياسي ونيابي كبير، هو «ائتلاف إدارة الدولة»، الذي يضم كل قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي والكرد والسنّة، فإنه بدا أنه يسير في «حقل ألغام» سياسي. ذلك أن المُعارض الأكبر مقتدى الصدر، زعيم «التيار الصدري»، الذي سحب نوابه الذين كانوا يشكلون القائمة الفائزة الأولى في الانتخابات بقي صامتاً طوال الأشهر الماضية، وهذا الصمت فسّره مراقبون ومحللون راصدون للتوازنات بأنه «شبه دعم ضمني» للسوداني وحكومته.
وفي ما يخصّ كلٍّ من الكرد والسنّة، ظهر أن الجانبين كانا راضيين عن مسار السوداني، وذلك سواءً في معالجة ما يريانه استحقاقات يجب أن تتحقق لهم بموجب الاتفاق الذي سبق توقيعه – وبينهم الكتلة الشيعية الأكبر (أي «الإطار التنسيقي») قبيل تشكيل الحكومة والتي سُمي «ورقة الاتفاق السياسي» – أو عبر معالجاته مختلف الجوانب الخدمية… وفي الدرجة الأولى والأساسية طبقاً للبرنامج الحكومي الذي كان قد جرى التصويت عليه من قِبَلهم في البرلمان، والذي بموجبه نالت حكومة السوداني الثقة.
من السفارة إلى خطوط الطاقة
على صعيد ثانٍ، صحيح أن تظاهرات كثيرة كانت قد خرجت في العراق طوال الأشهر الماضية، إلا أنها في غالبيتها بدت مطلبية أكثر مما كانت سياسية. وأكثر من هذا، كانت أعداد المتظاهرين الذين شاركوا فيها متواضعة لدى مقارنتها مع المظاهرات التي كانت تخرج أيام التحشيد من قِبل الصدريين.
وهنا نشير إلى أن بعض القوى المدنية حاولت تنظيم مظاهرات ذات نكهة سياسية محاولة إدخال الصدريين على الخط. بيد أن الصدريين لم يتجاوبوا؛ الأمر الذي جعل سقف تلك المظاهرات لا يتعدى العشرات وربما المئات في أقصى حالاتها. ومن جهة أخرى، بدا أنه لم يكن السوداني أو حكومته طرفاً في «المماحكات» التي سبقت إقرار الموازنة المالية للسنوات الثلاث المقبلة، بل كان الملمح الأغلب خلافات وصراعات سياسية استطاع رئيس الحكومة من كسب معركتها في النهاية.
في سياق موازٍ، وفي حين حاول الكثير من القوى السياسية عرقلة تشريع موازنة لثلاث سنوات، فإن هذه المحاولات باءت بالفشل. ثم أن الإضافات التي حاولت بعض الأطراف السياسية إضافتها إلى الموازنة طعن فيها السوداني بعد إقرارها؛ وهو ما سهّل عليه مرونة تطبيقها، لا سيما وأنها الميزانية الأكبر في تاريخ العراق. ولكن مع هذا، سرعان ما حدث ما لم يكن متوقعاً. إذ إن الواقعة التي حدثت السويد، وتمثلت بإقدام لاجئ عراقي على حرق نسخة من المصحف الشريف، ارتدت تأثيراتها وبقوة في الداخل العراقي. وبعدما بقي زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر صامتاً طوال الأشهر التي تلت تشكيل الحكومة الحالية – على الرغم من محاولات جرّه إلى حلبة التنافس السياسي من جديد – جاءت حادثة حرق نسخة من المصحف الشريف في السويد، ثم تكرارها، لتدفع الصدر إلى الخروج بمظاهرات كبيرة مرتين:
في المرة الأولى وصلت المظاهرة إلى أبواب السفارة السويدية في بغداد قبل أن يُصار إلى سحبها بقرار منه. وفي المرة الأخرى، بعد نحو أسبوعين – حين حصلت حادثة الحرق الثانية – اقتحم المتظاهرون من مناصري الصدر مبنى السفارة السويدية وأقدموا على إحراقها. وفي الحقيقة، أثارت عملية اقتحام مبنى السفارة وإحراقه غضباً دولياً، كما أنها أحرجت الحكومة العراقية، وبالتزامن جاء قرار العراق بقطع العلاقات مع السويد، الذي كان قراراً ظهر من وجهة نظر الشارع العراقي قراراً شجاعاً ومسؤولاً، لولا سلبيات تداعيات حادثة إحراق السفارة.
اليوم، على الرغم من أنه لا توجد مؤشرات حتى الآن على إمكانية مشاركة الصدريين في انتخابات مجالس المحافظات، المقرر تنظيمها نهاية العام الحالي، فإن الصراع بين القوى السياسية يتصاعد. وهذا ينطبق بالأخص على حال القوى السياسية الشيعية التي تنافس الصدر في «الجغرافية الشيعية» بمناطق وسط العراق وجنوبه، حيث بمقدور كل طرف من الأطراف المتنافسة استغلال أي حادثة أو واقعة يمكن أن يستفيد منها على صعيد كسب الشارع خلال تلك الانتخابات.
حرب المتضررين والمضاربين
في هذه الأثناء، على الرغم من كشف السوداني عن تفاصيل أزمة الدولار، التي وصفها رئيس الوزراء العراقي بأنها «معركة» طوال الأشهر الماضية، فإن هذه «المعركة» تعكس جانباً من الصراع الأميركي – الإيراني الذي دائماً ما يتخذ من الأراضي العراقية ساحةً له… أياً كانت طبيعة هذا الصراع، عسكرية أم اقتصادية.
وبعد أشهر عدة من التجاذب بشأن كيفية التعامل مع أزمة الدولار الأميركي مقابل الدينار العراقي في السوق الموازية – مرة بسبب تأخر العراق في دخول نظام المنصة الإلكترونية، ومرة بسبب حرمان أميركا 14 مصرفاً عراقياً من التحويل بالدولار – عقد السوداني مؤتمراً صحافياً. وفي هذا المؤتمر قال إن «أزمة الدولار ليست أزمة، بل معركة بين الدولة، التي تصرّ على إكمال إصلاح النظام المالي والمصرفي، وفئة متضرّرة هي عبارة عن مجموعة من المضاربين والمهربين». وأضاف رئيس الوزراء: «نحن مستمرون بكل عزيمة لملاحقة مضاربي ومهربي العملة الأجنبية»، مشيراً إلى أن «قرار الخزانة الأميركية حيال 14 مصرفاً عراقياً ليس عقوبة… والخزانة الأميركية قالت إن المصارف الـ14 لا نريدها أن تتعامل بالدولار، ولكن هذه المصارف موجودة وتتعامل بالدينار العراقي والعملات الاخرى».
أيضاً، بينما يواصل السوداني «حربه» ضد مختلف أذرع الفساد بالدولة، وبخاصة، عمليات المضاربة في أسعار الدولار التي تقف خلفها مافيات محمية سياسياً، فإن الأجهزة الأمنية العراقية تمكّنت من تنفيذ عملية كبيرة على صعيد هؤلاء المضاربين حين ألقت القبض على شبكة منهم، بحسب ما قاله السوداني. وهذا قبل أن يضيف أن «جهاز الأمن الوطني نفذ عملية بطولية أطاحت شبكة للمضاربين الكبار بالعملة… إن هؤلاء المضاربين كانوا يحددون سعر صرف ويتواصلون مع أشخاص يسحبون لهم الدولار من السوق». ثم يتابع: «المضاربون الكبار ارتبطوا بآخرين في إقليم كردستان كان يجري تهريب العملة من خلالهم… ولكن بفضل التعاون مع إقليم كردستان أمكن كذلك إطاحة شبكة للمضاربة في مدينة أربيل».
أزمتا الدولار والكهرباء
أما حول موضوع الكهرباء، فقد ثبت أن ليس بوسع أي حكومة عراقية تشكّلت بعد عام 2003 أن تتخطّى أزمة الكهرباء، لا سيما خلال فصل الصيف الحار جداً في العراق. ومع أن طقس العراق لا يختلف كثيراً من حيث درجات الحرارة العالية في الصيف عن طقس بعض الدول المجاورة له، يبقى الفارق الرئيسي بين العراق وهذه الدول «أزمة الكهرباء» التي تظهر آثارها الكارثية خلال هذا الفصل حين تبلغ درجات الحرارة نصف درجة الغليان (50 درجة مئوية)، وأحياناً تتعداها ولكن من دون حلول.
بالنسبة للقوى السياسية المتصارعة دائماً، والمتنافسة باستمرار غالباً، ما تستخدم أزمة الكهرباء ورقة رابحة في تصفية الحسابات مع الحكومة ومع من يقف خلفها من ائتلاف سياسي. وهذا الأمر لم يختلف كثيراً مع الحكومة الحالية التي يقف خلفها ائتلاف سياسي كبير هو – كما سبقت الإشارة – «ائتلاف إدارة الدولة» المكوّن من القوى الشيعية الرئيسة – عدا «التيار الصدري» – والكرد والسنّة.
ومع أن هذا الائتلاف يعلن دائماً وقوفه إلى جانب الحكومة، التي تحاول العمل على تحقيق برنامجها الحكومي وتحديد أولوياتها في تنفيذه، فإن الحكومة واجهت معضلة مزدوجة هذا العام. وأثناء اشتداد حر الصيف، تجسّدت هذه المعضلة بأزمتي الكهرباء والتذبذب في سعر الدولار. وبالتحديد، ارتبطت مرة بأزمة الديون الإيرانية المستحقة على العراق؛ الأمر الذي أدى إلى قطع الغاز الإيراني عن العراق نتيجة رفض واشنطن تسديدها؛ كون طهران مشمولة بالعقوبات. ومرة ثانية، بسبب تذبذب أسعار صرف الدولار الأميركي نتيجة المضاربين و«مافيات» الفساد. وبينما بدا أن أزمة الكهرباء حُلّت جزئياً بعد عقد العراق صفقة مع إيران يبيع من خلالها إليها النفط الأسود مقابل الغاز الإيراني، ظلت أزمة التذبذب في أسعار الدولار تتراوح بين ضغوط أميركية غير منظورة على حكومة السوداني من جهة والمضاربين ومَن يقف خلفهم من قوى سياسية من جهة أخرى.
محمد شياع السوداني
لعبة «جر حبل» بين طهران وواشنطن
> في إطار لعبة «جر الحبل» بين كل من الولايات المتحدة الأميركية وإيران فإن كلا الطرفين يتقافز كرة الدولار والكهرباء.
الولايات المتحدة تتحكم بسعر صرف دولارها أمام الدينار العراقي مرة عبر «شروط» يضعها الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) الأميركي، ومرة أخرى عبر فرض عقوبات على مصارف عراقية بشأن التعامل بالدولار ما يرفع الطلب عليه. أما إيران، فتلعب لاهية بورقة الكهرباء عبر بوابة الديون.
زعيم تحالف «الفتح» هادي العامري عدّ أن «استقلال العراق لا يزال بيد الخزينة الأميركية». وقال العامري خلال كلمة له في مناسبة دينية أخيراً: إن «من المعيب علينا أن يتحكم فينا موظف بالخزانة الأميركية… إنني أطالب القوى السياسية باتخاذ موقف موحّد لاستقلال العراق».
من ناحية أخرى، بينما كانت واشنطن تعتمد نظام «السماحات» للعراق بشأن التعامل مع إيران خارج نطاق العقوبات الأميركية المفروضة على الحكومات العراقية في عهود حيدر العبادي وعادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي، فإنها أوقفت تلك «السماحات» على عهد رئيس الوزراء الحالي محمد شيّاع السوداني. ولقد فعلت ذلك رغم النشاط غير المسبوق للسفيرة الأميركية في بغداد الينا رومانسكي، وإعلانها دعم بلادها المستمر خطوات السوداني في ميادين الإصلاح ومحاربة الفساد وتعزيز التواصل مع الجانب الأميركي على مختلف المستويات.
للعلم، بدأت مشكلة العراق مع الخزينة الأميركية عندما أخذت أسعار الدولار الأميركي ترتفع مقابل الدينار العراقي الذي سجّل انخفاضاً واضحاً مع بداية العام الحالي (2023). ولقد عزت واشنطن هذا الأمر بسبب تلكوء العراق في اعتماد نظام المنصة الإلكترونية بعد سنتين من التحذير الأميركي بشأن تحويلات الدولار عبر نافذة بيع العملة التي يعتمدها منذ سنوات البنك المركزي العراقي. إلا أن أوساطاً عراقية، وبخاصة تلك التي تناصب واشنطن العداء، تعدّ أن ما تفعله الخزانة الأميركية ومعها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يأتي بمثابة عقوبة ضد العراقيين.
وراهناً، ترى بعض القوى السياسية العراقية التي تتأهب لانتخابات مجالس المحافظات المقبلة أن ما حققته «إنجازات»، وهي وإن كانت وهمية… تبقى قابلة للتسويق جماهيرياً في سياق الاستدعاء المستمر لـ«نظرية المؤامرة». لكن، رئيس الحكومة السوداني يحاول، في هذه الأثناء، النأي بنفسه عن الصراعات التي تخوضها الكتل السياسية. وهو يعمل من أجل ترسيخ قواعد عمل سليمة عبر اتباع آليات، إما لتسديد الديون الإيرانية عبر البنوك العُمانية؛ وهو ما جعله يرسل أخيراً وفداً لهذا الغرض، أو بيعه النفط الأسود لإيران مقابل استيراد الغاز الإيراني لكي تستقر حالة الكهرباء في البلاد.
محافظ البصرة أسعد العيداني
«أم قصر» على خط المزايدات الانتخابية
> تجد سخونة الطقس وسخونة التحضير للانتخابات المقبلة في العراق تجد دائماً صداها في كل مسار وتحرك سياسي، طالما أنه يوفّر رصيداً يمكن استخدامه بعد أشهر أثناء إشتداد الحملات الانتخابية.
وفي سياق محاولات التعمية على ما يمكن أن تقوم به الحكومة من إجراءات، فإن المتنافسين المبكّرين في الانتخابات المحلية وجدوا في زيارة وزير الخارجية الكويتي سالم عبد الله الجابر الصباح، وشكره محافظ البصرة أسعد العيداني على إزالة مساكن مواطنين عراقيين في الشريط الحدودي بين البلدين مادة للتنافس الانتخابي «تنازلاً جديداً» أقدم عليه العراق لصالح الكويت. وهكذا، دخل «على الخط» ميناء أم قصر العراقي، حيث تقع منازل لمواطنين عراقيين في أراضٍ أصبحت تابعة للكويت بموجب القرار الدولي 833 الصادر عام 1993، والذي وافق عليه الرئيس العراقي السابق صدام حسين وصادق عليه المجلس الوطني العراقي (آنذاك) عام 1994.
وزير الخارجية الكويتي وجّه خلال المؤتمر الصحافي، الذي جمعه مع وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، شكره لمحافظ البصرة أسعد العيداني بشأن إزالة منازل المواطنين العراقيين ونقلهم إلى مجمّع سكني بناه الكويتيون لهم داخل الأراضي العراقية. غير أن هذا الشكر جلب انتقادات واسعة للمحافظ من بعض القوى العراقية، بلغت حد اتهامه بالتنازل عن أراضٍ عراقية جديدة لصالح الكويت. ولكن العيداني، في سياق ردّه على هذه الاتهامات أكد أن المنازل المقصودة تقع على شارع رئيسي يفصل بين العراق والكويت طبقاً لترسيم الحدود بين البلدين طبقاً لقرار مجلس الأمن الدولي. وللعلم، فإن الشارع المقصود، طبقاً لتصريحات المحافظ، هو داخل الأراضي العراقية ضمن محافظة البصرة الواقعة أقصى الجنوب العراقي.
حمزة مصطفى
المصدر: صحيفة الشرق الاوسط
أحمد الحشاني… رئيس الحكومة التونسية الخامس في عهد قيس سعيّد
|
أولوياته اقتصادية مالية ولم ينخرط في المعارك السياسية
فاجأ الرئيس التونسي قيس سعيّد التونسيين المصطافين والسياسيين، الذين دخلوا موسم الإجازات الصيفية والعطلة البرلمانية السنوية، بالإعلان عن تعيين أحمد الحشاني، المسؤول السابق في البنك المركزي التونسي، رئيساً جديداً للحكومة خلفاً لنجلاء بودن التي كان قد اختارها لتولي هذا المنصب قبل سنتين. وبذا يكون الحشاني خامس رئيس حكومة منذ انتخابات 2019، إلا أن الاختيار وقع هذه المرة على شخصية قانونية اقتصادية مصرفية لم تنخرط في المعارك السياسية التي شهدتها البلاد منذ يناير (كانون الثاني) 2011، إذ تعاقب على قصر الحكومة بالقصبة كل من رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد حتى أواخر فبراير (شباط) 2020، وخلفه وزير المالية الأسبق إلياس الفخفاخ حتى صيف العام ذاته، ثم وزير الداخلية الأسبق هشام المشيشي من سبتمبر (أيلول) 2020 حتى 25 يوليو (تموز) 2021 تاريخ القرارات الرئاسية التي اتخذها سعيّد، وبينها حل البرلمان وتغيير الحكومة واعتماد خريطة سياسية جديدة. وكانت نجلاء بودن رئيسة الحكومة الرابعة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2021.
خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال أحمد كرم، الرئيس السابق لعدد من المصارف (البنوك) وللجمعية التونسية للبنوك والمؤسسات المالية، إنه عرف أحمد الحشاني، زميله السابق في الإدارة العامة للبنك المركزي، منذ توظيفه منذ أكثر من 35 سنة.
ووصف شخصية رئيس الحكومة الجديد بـ«الهادئة»، وأردف أنه «خبير كبير» في القوانين، وأيضاً في المعاملات مع كل المؤسسات البنكية والمالية والاقتصادية التونسية والدولية، لا سيما تلك التي تحتاج إلى بحث ملفاتها مع القسم القانوني في البنك المركزي والحصول على موافقته.
أسرة تونسية – فرنسية
ولد أحمد بن صالح الحشاني عام 1957 لأم فرنسية من إقليم البريتاني (أقصى شمال غربي فرنسا) وأب تونسي عسكري كان من بين الضباط الشبان الذين تخرّجوا في فرنسا وبنوا المؤسسة العسكرية التونسية. وكان كثيرون من هؤلاء – مثل والده – قد تزوّجوا بأوروبيات قبل العودة إلى تونس على غرار الزعيم الحبيب بورقيبة وثلة من المقربين منه.
كان الطفل أحمد الحشاني في الخامسة من عمره عندما أوقفت في ديسمبر (كانون الأول) 1962 قوات الأمن التونسية والده الرائد صالح الحشاني، قائد الوحدات العسكرية في محافظة قفصة الجنوبية على الحدود الجزائرية – التونسية، وذلك بتهمة المشاركة في المحاولة الانقلابية الفاشلة 1962 ضد الرئيس الحبيب بورقيبة، التي نظمها ضباط عسكريون وأمنيون ومسؤولون في الدولة والإدارة بقيادة الأزهر الشرايطي، مدير عام الأمن الرئاسي والزعيم السابق للمجموعات المسلحة التي قاومت الاستعمار الفرنسي. وبالمناسبة، كانت الزوجة الثانية للشرايطي بدورها أوروبية من أصل سويسري.
وهنا نذكر أن الأب العسكري لرئيس الحكومة الجديد كان قد بدأ مسيرته ضابطاً برتبة ملازم في جيش آخر ملوك تونس، محمد الأمين باي، ثم انضم إلى الجيش الجمهوري إثر إلغاء الملكية في 25 يوليو (تموز) 1957. ومن ثم رقّي لاحقاً إلى رتبة «رائد».
مصادرة أملاك العائلة
وكان أحمد في السادسة من عمره عندما جرت محاكمة والده وحكم عليه بالإعدام. وحقاً نفذ الحكم فيه مع غالبية المتهمين العسكريين والمدنيين، في حين أحيل رفاقهم الذين حوكموا بالسجن والأشغال الشاقة إلى السجون.
هذا، وكشف المحامي والحقوقي اليساري عبد الرؤوف العيادي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن أن شقيقة لأحمد الحشأني وشقيقه – وهو ضابط في الجيش الفرنسي – نظما تحركات بعد أحداث 2011 في تونس من أجل «التعريف بالمظالم التي تعرّضت لها الأسرة بعد إعدام الوالد، من بينها مصادرة أملاكها والتشهير بها».
كذلك شارك الشقيق والشقيقة مع الحقوقيين والمعارضين السابقين في اعتصامات ومظاهرات من أجل معرفة مكان دفن ذويهم بعد إعدامهم، وإعادة الاعتبار لهم ولعائلاتهم. وبالفعل، استجابت السلطات في عام 2013، وحصل الأهل على رفات ذويهم، ومُكنوا بالتالي من إعادة دفنهم في مقابر عادية، بينما أحيلت الملفات الباقية إلى المحاكم المختصة في «قضايا العدالة الانتقالية».
ولكن، من جهة أخرى، لم يعرف عن أحمد الحشاني نفسه أنه شارك لا في التحركات ولا في جلسات المحاكم التي كانت تنظر منذ عشر سنوات في القضايا التي رفعتها عائلات ضحايا المحاكمات السياسية ما بين 1955 و2011. وأيضا، لم يعرف عنه انحياز واضح لأي تيار سياسي، بما في ذلك التيار «القومي العروبي»، الذي قيل إن غالبية المشاركين في المحاولة الانقلابية لعام 1962 كانوا ينتمون إليه أو يتعاطفون معه.
حملات إعلامية
عرف عن رئيس الوزراء الجديد تفرّغه للدراسة في المدارس العمومية ثم في كلية الحقوق والعلوم الاقتصادية بجامعة تونس، التي تخرج فيها عام 1983، خلال الفترة ذاتها تقريباً التي درس فيها في الكلية رئيس الجمهورية قيس سعيّد، ثم شقيقه المحامي والأكاديمي نوفل سعيّد ونخبة من زملائه لاحقاً، في الدولة وفي البنك المركزي، بينهم الجامعي والخبير الاقتصادي فتحي زهير النوري، عضو مجلس إدارة البنك المركزي سابقاً.
وبعد التخرّج، لم ينخرط أحمد الحشاني مباشرة في الحياة السياسية والحزبية بل تفرّغ لوظيفته في البنك المركزي، ثم في أنشطة اجتماعية ثقافية اقتصادية ضمن جمعية قدماء البنك ومتقاعدي المؤسسة.
بيد أن مصادر في حزب «نداء تونس»، الذي أسّسه وتزعّمه الرئيس الراحل محمد الباجي قائد السبسي، أوردت أن الحشاني انخرط في الحزب الذي فاز في انتخابات 2014 الرئاسية والبرلمانية: «لكنه كان في الصف الثاني، ولم يتحمل أي مسؤولية في هيئاتها الوطنية».
شخصية هادئة
في أي حال، شخصية أحمد الحشاني، الطفل والشاب ثم الكهل، قد تكون تأثرت بالظروف التي نشأ فيها وعائلته، ولا سيما، عندما كان بورقيبة ومساعدوه يشنون حملات إعلامية قادها بورقيبة نفسه، واتهم فيها «جهات خارجية» – بينها الجزائر بزعامة الرئيس أحمد بن بلا – بدعم «المعارضين» و«المتآمرين» ضده، ممن عدهم من «اليوسفيين» (مناصرو غريمه الزعيم التونسي صالح بن يوسف) و«القوميين العرب».
ما يستحق الإشارة، أن بورقيبة كان حينذاك في «أزمة مزدوجة»…
الوجه الأول، مع فرنسا بقيادة الجنرال شارل ديغول، بسبب «المذبحة» التي ارتكبها الجيش الفرنسي في مدينة بنزرت (بشمال تونس) في يوليو 1961، عند قمع مظاهرة شعبية ضخمة تطالبه بالجلاء العسكري الكامل، والتململ داخل ثكنات الجيش التونسي.
والوجه الثاني، توتر علاقاته مع مَن تبقى من معارضيه الموالين للزعيم الثاني للحزب الدستوري والحركة الوطنية الوزير صالح بن يوسف – الذي اغتاله مناصرون لبورقيبة في ألمانيا صيف 1961 – بسبب تزعمه تمرّداً منذ 1955. وفي حينه، تحالف بن يوسف مع «القوميين العروبيين» والتيار القومي العربي المصري بزعامة جمال عبد الناصر والجناح القومي العربي في جبهة التحرير الوطني الجزائرية بزعامة بن بلا.
الأولوية للملفات الاقتصادية
في هذا السياق العام يبرز رئيس الحكومة الجديد في موقع «الشخصية التأليفية» التي اختارها الرئيس سعيّد وفريقه عشية الانتخابات العامة للغرفة الثانية للبرلمان المقرّرة لشهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) المقبلين. إذ إنه شخصية تبعث برسائل «طمأنة» عديدة لأبناء الجهات المُهمّشة والداخلية والضواحي الفقيرة للمدن في مرحلة استفحال الأزمة الاقتصادية الاجتماعية وتجاوز نسب الفقر والبطالة – بصفة رسمية – حد الـ20 في المائة.
وفي الوقت عينه، يبدو أن قصر قرطاج (مقر الرئاسة) أراد أن يستفيد من علاقات الحشاني وفريقه الآتي من داخل البنك المركزي والبنوك التونسية، وذلك للمضي في تنفيذ سياسته التي تعتمد أكثر على «التداين من السوق الداخلية»، وترفض «الإذعان لإملاءات» صندوق النقد الدولي والمؤسسات الأوروبية والعالمية، لا سيما فيما يتعلق برفع الدعم وإغلاق المؤسسات العمومية المفلسة، أو بيعها للقطاع الخاص بما في ذلك شركات النقل العمومية التي تقدر ديونها بنحو 3 مليارات دولار.
«النخبة الجديدة»
في الواقع، تتوفر في الحشاني: «الإنسان» و«الخبير القانوني والاقتصادي والإداري» مزايا «المسؤول المثالي» بالنسبة للرئيس سعيّد وفريقه منذ انتخابات 2019. بل بالأخص منذ منعرج 25 يوليو (تموز) 2021 مع تركّز جل السلطات في قصر قرطاج (مقر رئاسة الجمهورية). فرئيس الحكومة الجديد يشبه عددا من الشخصيات التي سبق أن اعتمد عليها سعيّد ومنحها ثقته، لأنها كانت أساساً «إدارية ومحايدة» ولا تحوم حولها «شبهات مالية وسياسية وحزبية»، فضلاً عن كونها لا يمكن أن تكون عرضة للانتقادات من قبل شخصيات عمومية أو وسائل الإعلام التي قد تطعن في ماضيها.
لذلك فإن معظم الوزراء والمسؤولين الذين عيّنهم سعيد في حكومات ما بعد 2019، ثم ما بعد 25 يوليو 2021، يشبهون أحمد الحشاني من حيث سيَرهم الذاتية القصيرة؛ إذ يشترط ألا تثير هذه السيَر الذاتية «شبهات» أو «حملات إعلامية» قد يوظّفها بعض المعارضين ضد الرئيس. ومن هؤلاء، أولئك الذين قد يشككون في حرص سعيّد على نظافة اليدين والشفافية والنزاهة سواءً بالنسبة له أو لكل كبار المسؤولين في الدولة.
أبرز مقاييس الاختيار «من خارج المنظومات»
وفعلاً، تذكّر شخصية الحشاني بشخصيات عديدة سبق لقصر قرطاج أن قرّبها أو أمر بتعيينها على رأس مؤسسات سيادية في الدولة، لأن الشرط الرئيسي الذي توافر فيها هو «الولاء للوطن ولرئيس الدولة» والاستعداد لتنفيذ «المشروع السياسي لرئيس الجمهورية والتوجهات التي يرسمها للحكومة»، كما أورد زياد كريشان، رئيس تحرير صحيفة «المغرب» اليومية والمعلق السياسي لإذاعة «موزاييك» الخاصة.
إذ جاء تعيين الحشاني بعد مسار انطلق منذ 2019، بادر فيه سعيّد إلى تعيين شخصيات «من خارج كل منظومات الحكم والمعارضة السابقة». ومعلوم، أن الرئيس التونسي يعد كل تلك «المنظومات التي تحكّمت بالدولة» إبان عهدي بورقيبة (1955 – 1987) وبن علي (1987 – 2011) ثم بعد ذلك، كانت فاشلة وتحوم حولها شبهات «الفساد والتبعية للخارج». ولهذا اختار رئيس الحكومة الجديد مثلما اختار من قبل عدداً من المسؤولين السابقين من خارج «النخب المزيفة» والمتورطة بـ«الانقلاب على نضالات الشباب» المهمش الذي ثار من أجل الشغل والخبز والكرامة في المناطق الفقيرة في 2008 و2010 ومطلع 2011.
وعلى سبيل المثال، عندما عين إلياس الفخفاخ رئيساً للحكومة مطلع 2020 كان في طليعة أسباب التعيين اتفاقه معه على ضرورة «إقصاء الفاسدين» ورفض «المصالحة المغشوشة» مع حزب «قلب تونس» وزعيمه نبيل القروي، ومع رموز المنظومات التي حكمت تونس في عهد زين العابدين بن علي.
وفي السياق ذاته وللاعتبارات ذاتها، قرّب سعيّد إليه هشام المشيشي، الموظف السابق في الهيئة العليا لمكافحة الفساد، فعينه وزيراً للداخلية ثم رئيساً للحكومة في سبتمبر (أيلول) 2020 قبل أن يبعده في يوليو 2021. ووفق تلك المقاييس – أي عبر استبعاد «مَن تحملوا مسؤوليات عليا في الحقبات السابقة» وقع الاختيار على نجلاء بودن وفريقها وعدد من كبار المسؤولين.
في هذا الإطار، يجدر التذكير بأن سعيّد أعلن بوضوح منذ 2013 – أي قبل وصوله إلى الحكم بسنوات -، ثم بعد انتخابه رئيساً، أنه يريد إبعاد «النخب القديمة» بمختلف ألوانها وآيديولوجياتها وأحزابها. ومن جهة ثانية، أكد أنه يراهن على «نخبة جديدة غير متورطة في غلطات السياسيين ورجال الأعمال الفاسدين» وقادة الأحزاب الذين هيمنوا على أوضاع تونس خلال السنوات السبعين الماضية عموماً، وخصوصاً بعد 2011 أي في «عشرية الخراب». وهذه التسمية يطلقها سعيّد على كل «النخب» السياسية و«اللوبيات» القريبة منها و«المافيات» و«الكارتيلات» الاقتصادية والمالية خلال مرحلة ما بعد ثورة 2011.
ولقد سبق لسعيّد أن خاطب الشباب والأوساط الشعبية متكلماً عن كل السياسيين والمثقفين الذين ينتمون إلى «عقود الخراب» منذ الخمسينات إلى اليوم. إذ قال: «فليرحلوا… فليرحلوا جميعاً»… في إشارة إلى الأحزاب التي فازت في انتخابات 2011 وحكمت البلاد حتى 2013. وكذلك إلى «جبهات المعارضة» التي تشكلت لإسقاطها بزعامة الباجي قائد السبسي وقيادات حزب «نداء تونس» و«التحالف من أجل تونس» والأطراف السياسية والنقابية التي تنتسب إلى عهدي بورقيبة وبن علي.
استبعادات بالجملة
وبعد إسقاط البرلمان والحكومة الائتلافية التي كانت تشارك فيها قيادات من أحزاب العقد الماضي، استبعد سعيّد جلّ «النخب السابقة»، بما في ذلك النخب «الحداثية» التي كان يتزعمها يوسف الشاهد، رئيس الحكومة الأسبق وزعيم حزب «تحيا تونس»، أو محسن مرزوق الوزير السابق وزعيم حزب «مشروع تونس»، وإلياس الفخفاخ زعيم حزب «التكتل الديمقراطي»، والأحزاب الاجتماعية الديمقراطية بزعامة عصام الشابي وخليل الزاوية وغازي الشواشي وحمة الهمامي.
أيضاً، بعد منعرج يوليو 2021، استبعد الرئيس حتى النخب والشخصيات البرلمانية والنقابية والسياسية التي كانت تعد نفسها «مقربة جداً» من قصر قرطاج، ومنها نور الدين الطبوبي وقيادات «الاتحاد العام التونسي للشغل» ومحمد عبو وغازي الشواشي وزهير المغزاوي وهيكل المكي وبقية قيادات الكتلة القومية العربية واليسارية في البرلمان السابق.المعركة المقبلةهذا، وفي حين تحفظت المعارضة وقيادات من «جبهة الخلاص الوطني»، بزعامة أحمد نجيب الشابي، على صيغة هذا التعديل الحكومي الجديد، صرّح المحامي والناشط السياسي عماد بن حليمة بأنه يتوقع أن تفسّر «الأجندات الانتخابية القادمة» الاختيار الذي وقع على «شخصية من دون ماض سياسي» مثل أحمد الحشاني وتسليمه رئاسة الحكومة الجديدة. ويعتقد بن حليمة أن رئيس الحكومة الجديد جاء من قطاع البنوك وعالم المال والأعمال والقانون في سياق «استعدادات الرئيس سعيّد وفريقه لانتخابات الغرفة الثانية للبرلمان المقررة لشهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) المقبلة والانتخابات الرئاسية المقرّرة في الربع الأخير من العام المقبل».
رئيس حكومة ما بعد «الخريطة السياسية»وحسب المواقع الاجتماعية التابعة للشخصيات والأطراف السياسية المحسوبة على قصر قرطاج فإن الرئيس سعيّد يعد نفسه نجح في إنجاز «الخريطة السياسية»، وسيبدأ مع رئيس الحكومة الجديد معاركه الاقتصادية مع «مافيات التحايل والاحتكار والفساد». وهذا، بعدما عاد إلى توجيه نيرانه إليها خلال موكب تنصيب رئيس الحكومة الجديد، عندما حملها مسؤولية نقص المواد الغذائية والأساسية من الأسواق، بما في ذلك الخبز والعجين ومشتقاته.
ختاماً، في كل الحالات، يبدو أن مستقبل أحمد الحشاني السياسي رهين بضعة عوامل؛ من بينها أنه سيُسمح له بلعب دور رئيس حكومة اقتصادية سياسية بصلاحيات واسعة… كيلا يظل مجرد «وزير أول» و«منسق عمل الفريق الحكومي» على غرار نجلاء بودن.
كمال بن يونس
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
هل تدعم «المؤسسة السياسية» الديمقراطية ميشيل أوباما لدخول البيت الأبيض؟
|
وسط المشاكل والانقسامات والشكوك في حظوظ الرئيس الأميركي جو بايدن
في أحوال عادية، كان من الممكن لخبر «عادي» عن سباق الرئاسة الأميركية المقبلة عام 2024، ألّا يثير ضجة كبيرة في خضم كم الأخبار والدراما الناجمة عنها. غير أنه في الأيام الأخيرة، بدا أن تسريب خبر احتمال ترشح السيدة الأولى السابقة، ميشيل أوباما، لتحل محل الرئيس الديمقراطي جو بايدن، قد يحمل صدقية، بل وفي طريقه للتحوّل إلى حقيقة واقعة. ثم سرعان ما تحول هذا «الاحتمال»، إلى مادة تحقيقات وتغطيات تزداد وتيرتها في وسائل الإعلام الأميركية والغربية، «المحايدة» منها و«المنحازة»، على حد سواء. وآخر المنضمين لهذه التغطية، كان محطة «فوكس نيوز»، اليمينية المحسوبة على الجمهوريين، التي تساءلت في برنامج خاص، قبل يومين، عمّا إذا كانت ميشيل أوباما، ستكون هي المرشحة الديمقراطية للرئاسة عام 2024، إذا لم يكن الرئيس بايدن هو المرشح، وذلك في ضوء المشاكل التي تواجهه، ووسط استطلاعات رأي تضعه في منافسة شديدة متقاربة مع المرشح الجمهوري دونالد ترمب، وتشير إلى أن نسبة تأييده تواصل انخفاضها، بسبب سنه (80 سنة) وزلاته وتعثراته المتكررة.
javascript:false
التساؤلات في أروقة واشنطن هذه الأيام، عما إذا كان طرح بعض الجهات اسم ميشيل أوباما لتكون بديلاً عن الرئيس بايدن، إذن لم تأت من فراغ. ولكن، هل اقتربت «المؤسسة السياسية للحزب الديمقراطي» حقاً من تبني ترشحها بوصفه جزءا من خطة وقف «موجة» دونالد ترمب التي لم تتبدد، رغم سيل القضايا الجنائية الخطيرة التي يواجهها، وكان آخرها اتهامه بمحاولة قلب نتائج الانتخابات في ولاية جورجيا، التي يعتقد أنها الأخطر عليه؟
بطاقة تعريف
ميشيل لافون روبنسون أوباما، المولودة يوم 17 يناير (كانون الثاني) 1964، محامية ومؤلفة، وأصبحت «السيدة الأولى» للولايات المتحدة من 2009 إلى 2017. نشأت في الأحياء الجنوبية من مدينة شيكاغو، وتخرّجت في أرقى المعاهد الأميركية العليا، فحصلت على بكالوريوس آداب (علم اجتماع) بتفوّق من جامعة برينستون، وإجازة الحقوق من كلية الحقوق بجامعة هارفارد.
في بداية مسيرتها القانونية، عملت ميشيل مع قلة من المحامين السود في مكتب سيدلي أوستن الشهير للمحاماة، وهناك قابلت باراك أوباما. وعملت لاحقاً في منظمات غير ربحية، وبصفتها عميدا مشاركا لخدمات الطلاب في جامعة شيكاغو، وكذلك نائب الرئيس للشؤون المجتمعية والخارجية في المركز الطبي بجامعة شيكاغو. تزوّجت من باراك أوباما عام 1992 وأنجبا ابنتين هما ماليا وناتاشا – المعروفة بـ«ساشا».
والدها فريزر روبنسون، كان موظفاً في محطة مياه بمدينة شيكاغو، وتوفي جراء إصابته بمرض التصلّب العصبي الانتشاري، وكان لمعاناته تأثير عميق عليها. أما أمها ماريان شيلدز، فكانت ربة منزل، وبعدما دخلت ميشيل المدرسة الثانوية، عملت بعد ذلك سكرتيرة في متجر كتالوغات.
جذور عائلتي الأب والأم، روبنسون وشيلدز، تعود إلى الأميركيين الأفارقة في ولاية ساوث كارولينا، قبل الحرب الأهلية الأميركية، خلال فترة العبودية. وتذكر ميشيل أنها كانت تخشى كيف ينظر إليها الآخرون، بيد أنها تجاهلت أي سلبية من حولها واستخدمت الظروف غير المساعدة حافزاً للصمود والنجاح والبقاء بعيداً من المشكلات وتحقيق أداء جيد في المدرسة.
ثم إنها تذكر أنها واجهت التمييز بين الجنسين في أثناء نشأتها. وتقول، على سبيل المثال، إنه بدلا من سؤالها عن رأيها في موضوع معين، كان الناس عادة يميلون إلى سؤالها عما يعتقده شقيقها الأكبر. وفيما بعد، قالت إن دخول شقيقها إلى جامعة برينستون العريقة المرموقة، ألهمها الالتحاق بها عام 1981. وبالفعل، درست هناك علم الاجتماع وتخصّصت في الدراسات الأميركية الأفريقية، ونالت بكالوريوس الآداب بتفوق في عام 1985، على أطروحة بعنوان: «برينستون، المتعلمون السود والمجتمع الأسود».
ميشيل تضيف هنا أن بعض معلميها في المدرسة الثانوية حاولوا ثنيها عن التقدم لبرينستون، وحذّروها من «النظر عالياً جداً». وبحسب ما ورد في سيرتها، حاولت والدة زميلتها البيضاء في الغرفة نقلها منها بسبب أصول ميشيل العرقية. وقالت إن وجودها في برينستون، كان المرة الأولى التي أصبحت فيها أكثر وعياً بعِرقها.
ثم إنه، على الرغم من استعداد زملائها في الفصل والمعلمين للتواصل معها، ظلت لفترة تشعر وكأنها «زائرة في الحرم الجامعي». وفضلاً عن التمييز العِرقي، عانت ميشيل أيضاً من التمييز الطبقي الاجتماعي. إذ تقول «أتذكر أنني شعرت بالصدمة من طلاب الجامعات الذين يقودون سيارات (بي إم في»… فأنا لم أكن أعرف حتى آباء يقودون تلك السيارات».
دورها حاسم في حملات زوجها
انخرطت ميشيل في حملة ترشّح زوجها للرئاسة طوال عامي 2007 و2008؛ حيث ألقت خطاباً رئيسياً في المؤتمر الوطني الديمقراطي عام 2008، وفي مؤتمرات الحزب أعوام 2012 و2016 و2020 ألقت أيضا خطباً لافتة جداً. وبوصفها أول سيدة أولى من أصل أفريقي، نشطت ميشيل أوباما بوصفها نموذجا يحتذى به للمرأة، ومدافعة عن التوعية بالفقر وأهمية التعليم والتغذية والنشاط البدني والأكل الصحي والتصدي للتمييز العنصري. ودعمت المصممين الفنيين الأميركيين وعُدت أيقونة الموضة. وبعد نهاية رئاسة زوجها، ظل تأثيرها كبيراً، وتصدرت عام 2020 استطلاع «غالوب» لأكثر النساء إثارة للإعجاب في أميركا، وذلك للعام الثالث على التوالي.
للعلم، خلال مقابلة معها عام 1996، أقرّت ميشيل أوباما بوجود «احتمال قوي» أن يبدأ زوجها حياته السياسية، لكنها قالت إنها كانت «حذرة» من هذه العملية. وأردفت: إن هذا يعني أن حياتهما ستكون عرضة للتدقيق وكانت شديدة الخصوصية. وعلى الرغم من أنها شاركت في حملات نيابة عن زوجها منذ بداية حياته السياسية وترشّحه لانتخابات مجلس النواب عام 2000، من خلال اللقاءات المباشرة وجمع الأموال، فإنها لم تستمتع بهذا النشاط في البداية. كذلك عارضت ترشحه للفوز بمقعد في مجلس الشيوخ، وبعد هزيمته في محاولته الأولى، فضّلت أن يراعي الاحتياجات المالية للعائلة بطريقة أكثر عملية، قبل أن تتأقلم مع طموحه وتدعمه.
وبالنسبة لانتخابات الرئاسة، أيضاً كانت لدى ميشيل، في البداية، تحفظات على حملة زوجها بعد إعلانه ترشحه بسبب مخاوفها من تأثير سلبي محتمل على بناتهن. وتذكر أنها تفاوضت معه على اتفاق للإقلاع عن التدخين مقابل دعمها لترشحه. وقالت عن دورها في الحملة الانتخابية لزوجها «وظيفتي ليست كبيرة المستشارين»، لكنها ناقشت خلال الحملة، قضايا العِرق والتعليم باستخدام الأمومة إطار عمل.
في مايو (أيار) 2007، بعد ثلاثة أشهر من إعلان باراك ترشحه للرئاسة، خفضت ميشيل مسؤولياتها المهنية بنسبة 80 في المائة، من أجل دعم حملته الرئاسية. وفي وقت مبكر من الحملة، لعبت دوراً محدوداً، وحضرت مناسبات سياسية يومين فقط في الأسبوع. ولكن بحلول أوائل فبراير (شباط) 2008 زادت مشاركتها بشكل ملحوظ، فحضرت 33 مناسبة في ثمانية أيام. وظهرت في عدة حملات مع أوبرا وينفري، وكتبت خطاباتها الخاصة بالحملة الرئاسية لزوجها، وارتجلت بشكل عام بعض الكلمات والملاحظات.
من جهة أخرى، إبان الحملة، وصف الإعلامي اليميني كال توماس – في قناة «فوكس نيوز» – ميشيل أوباما، بأنها «امرأة سوداء غاضبة»، وسعت مواقع يمينية عدة على شبكة الإنترنت إلى الترويج لهذه الصورة، لكن ميشيل ردت قائلة: «لقد مضت حتى الآن سنوات عدة علينا أنا وباراك ونحن تحت نظر الجمهور، ولقد طورنا جلداً سميكاً على طول الطريق. عندما تشارك في الحملات، فستكون دائماً هناك انتقادات. أنا فقط أتعامل مع الأمر».
وبحلول المؤتمر الوطني الديمقراطي لعام 2008 في أغسطس (آب)، لاحظت وسائل الإعلام أن وجودها في مسار الحملة الانتخابية قد أصبح أكثر ليونة عنه في بداية السباق، مع تركيزها على إثارة المخاوف والتعاطف مع الجمهور بدلاً من إلقاء التحديات عليهم. وحقاً كانت تلك الحملة الرئاسية أول ظهور لميشيل أوباما على الساحة السياسية الوطنية. وقبلها، كانت تعد الأقل شهرة بين زوجات المرشحين.
أكثر الشخصيات شعبية في أميركا
غير أنها في حملة إعادة انتخاب باراك أوباما عام 2012، أصبحت بدءا من عام 2011 أكثر نشاطاً مما كانت عليه في انتخابات 2008.
وبحلول الدورة الانتخابية، كانت قد طوّرت لنفسها صورة عامة أكثر انفتاحا. وعدها بعض المعلقين العنصر الأكثر شعبية في إدارة أوباما، مشيرين إلى أن نسبة شعبيتها في الاستطلاعات، لم تنخفض قط إلى أقل من 60 في المائة منذ دخول زوجها البيت الأبيض. وذهبت مسؤولة بارزة في حملة باراك أوباما أبعد فوصفتها بـ«الشخصية السياسية الأكثر شعبية في أميركا». ولقد كان هذا التقييم الإيجابي مرتبطاً بدورها النشط في حملة إعادة انتخابه، من دون أن يؤدي إلى تشويه شعبيتها، على الرغم من النظرة «الاستقطابية» التي كان يُنظر بها إلى زوجها.
مع هذا، بقدر ما طرحت التساؤلات عن مؤهلات ميشيل أوباما، وبالتالي، عن حظوظها في الظفر بترشيح المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي في الصيف المقبل، طرح أيضا العديد من الأسئلة التي تعكس قلق الديمقراطيين من مواجهة مصاعبهم، التي لا تقف عند حدود شخصية مرشحهم، بل وبرنامجهم السياسي المثير للجدل.
إذ إنهم منقسمون بشكل حاد مع الجمهوريين والرأي العام الأميركي، على قضايا تتراوح من الموقف من الاقتصاد وآفاقه، والخلافات الثقافية، والتعامل مع قضايا الجندر والتمييز العنصري والحق في الإجهاض، مروراً بدور المرأة الأميركية ومدى قبول توليها أبرز منصب سياسي في البلاد، – ولا سيما، في ظل تجربة هيلاري كلينتون -،… ووصولا إلى السياسات الخارجية.
ومن نافلة القول، أن هذه قضايا جدية، يزداد انقسام الأميركيين حولها ويتصاعد تململهم من تبعاتها على مستقبل البلاد، في مرحلة توصف بأنها «دقيقة»، في مواجهة المتغيرات العالمية والصراع مع القوى الكبرى، على رأسها الصين، وتداعيات الحرب الأوكرانية. والواضح أن التطرفين «اليميني» و«اليساري»، يزحفان جدياً للهيمنة على «المؤسسة السياسية» في واشنطن، وسط خلافات حادة على الأولويات بين الحزبين. هذا الأمر قد يخلّف آثاراً سلبية، حتى على فرص ميشيل أوباما في أن تكون «رافعة» للديمقراطيين، وسط الشك بقدرتها على الفوز بإجماع، ليس فقط الأميركيين، بل والديمقراطيين أيضاً.
مع هذا، يراهن البعض على أنه إذا أخرج الرئيس بايدن من السباق العام المقبل، بسبب تهم الفساد التي تحيط بعلاقته بابنه هانتر بايدن، أو قرّر بنفسه التنحي وسط ازدياد علامات الضعف العقلي وتراجع معدلات قبوله، فإن السيدة الأولى السابقة فقط، هي التي تتمتع بالاسم المعروف والشعبية الكبيرة… للدخول بديلا في اللحظة الأخيرة.
باختصار، ميشيل أوباما، تظل واحدة من أكثر الأشخاص تمتعاً بالإعجاب في البلاد، وستكون لديها فرصة ممتازة للفوز.
هانتر بايدن
الديمقراطيون متخوفون من مرشح جمهوري شاب
لا تقتصر مخاوف قيادات الحزب الديمقراطي على احتمال أن تؤدي «اتهامات الفساد» التي تطال هانتر بايدن إلى التأثير على قدرة أبيه الرئيس بايدن على مواصلة حملة انتخابية ناجحة، مع العلم أن الجمهوريين لم يقدّموا بعد أي دليل صلب على تربّح الرئيس من المشروعات التجارية لابنه في أوكرانيا والصين. الحقيقة، إن أكثر ما يخشونه هو أن تؤدي إدانة دونالد ترمب، وحرمانه من خوض السباق الرئاسي، إلى نتائج عكسية على بايدن، في حال فاز مرشح جمهوري شاب بالسباق التمهيدي. وهنا يرجّح أن يكون المرشح حاكم ولاية فلوريدا رون ديسانتيس، الذي يحتل المركز الثاني مباشرة في استطلاعات التفضيل لدى الجمهوريين. ولتجنب هذا الاحتمال، بدا أن طرح اسم ميشيل أوباما، وتحضيرها لدخول السباق الرئاسي، بعد انسحاب جو بايدن، وقبل الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، أمرٌ جديّ. مصادر مطلعة على الطموحات الرئاسية للسيدة الأولى السابقة، تقول إن ميشيل أوباما عضو «المؤسسة السياسية»، ستتوّج بصفتها مرشحة للحزب خلال المؤتمر الوطني، في أغسطس (آب) 2024. وتوقعت هذه المصادر أن ينسحب بايدن من السباق، وينهي فجأة حملته لإعادة انتخابه، في وقت ما خلال الأشهر الـ12 المقبلة. وحتى صحيفة «التلغراف» البريطانية المحافظة توقّعت في تقرير لها الخميس الماضي، أن السباق الرئاسي سيكون على الأرجح، بين ميشيل أوباما ودونالد ترمب، في حال لم يُدن. ونقلت الصحيفة عن سياسي أجنبي قوله، إن حكومته «تفترض أن بايدن لن يكون المرشح الديمقراطي»، بل سينسحب قبل الانتخابات التمهيدية، بحيث يكون الوقت قد فات لمرشح من القاعدة الشعبية للحزب لدخول السباق وتنظيمه حملة انتخابية ناجحة، لمصلحة مرشحة «المؤسسة» السياسية الديمقراطية، ميشيل أوباما. من جهة ثانية، يرى مطلعون أن ولاية بايدن الأولى، كانت فعلياً «امتداداً» لعهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، وهي فكرة يُزعم أن أوباما نفسه عززها خلال مقابلة عام 2021، بوصفها سببا وراء احتمال ترجيح ترشح ميشيل أوباما بدلاً من بايدن. إذ قال الرئيس الأسبق في المقابلة «بشكل أساسي… فإن جو والإدارة يكملان المهمة»، مضيفا أن «90 في المائة من الأشخاص» الذين عملوا في إدارته، يعملون تحت إدارة بايدن. وأفاد موقع «رادار أون لاين» سابقاً، بأن أوباما التقى مؤخرا بايدن، وحذره من «نقاط القوة السياسية» لترمب في انتخابات العام المقبل، معرباً له بشكل خاص عن مخاوفه بشأن أرقام استطلاعات الرأي المخيّبة للآمال لبايدن وعمره.
هيلاري كلينتون
أيضاً قال معلّق سياسي الشهر الماضي «أوباما يدرك خطورة الموقف مع أرقام استطلاع جو المخيبة للآمال… كان يأمل في أن يتراجع الرئيس ويتنحى من تلقاء نفسه في هذه المرحلة، لكن الواضح أن هذا لم يحدث». وأضاف المعلّق «مع اقتراب عام 2024 أكثر فأكثر، كان عليه (أي الرئيس أوباما) أن يتصرّف لأنه يخشى ما يبدو من أن يكون جو قد تقدم في السن وبات أضعف من أن يفوز». ورغم نفي ميشيل أوباما، حتى الآن، أن لديها أي نية للترشح للرئاسة، فوفقا لصحيفة «التلغراف»: «عادة ما تكون هذه علامة مؤكدة على أن شخصاً ما مهتم بالأمر». أما فيما يخص نفوذ هانتر بايدن و«تواطؤ» والده المزعوم، فهذا موضوع لا يلوث فقط رئاسة جو بايدن، بل ويلقي أيضاً بظلال كثيفة على «بيت أوباما الأبيض». ومع أن ميشيل لم تكن الرئيسة في حينه، لكن سمعة زوجها وإنجازاته في الصورة. وسيتساءل الناخبون الأميركيون قريباً، ما الذي كان يعرفه الرئيس أوباما حقاً عن أعمال نائبه في ذلك الوقت، ومتى علم بذلك؟ ليس مستبعداً أن ادعاءات «فوكس نيوز» المنحازة للجمهوريين جزء من حملتها الإعلامية «المفهومة» لشيطنة إنجازات الإدارات الديمقراطية. غير أن الأدلة، تشير إلى أن إدارة أوباما، التي طالما وصفت بأنها «خالية من الفضائح»، ربما تكون قد غضّت الطرف عن أنشطة «عائلة بايدن»، أو على الأقل، استثنت نائبه، الرئيس الحالي جو بايدن. هنا تزعم «فوكس نيوز» أن كبار المسؤولين في إدارة أوباما، على رأسهم وزير خارجيته جون كيري، وجايك سوليفان نائب مساعد الرئيس أوباما (آنذاك) ومستشار الأمن القومي الحالي، وعاموس هوكشتين المبعوث الخاص لأوباما والحالي لسياسة الطاقة، كانوا على علم بتعاملات هانتر بايدن، وترى أنه «لا شك بأن أوباما كان يعرف ذلك أيضاً». ومن ثم تتساءل المحطة، عمّا إذا كان هذا هو سبب إحجام أوباما عن تأييد طموحات بايدن الرئاسية عام 2016، ودعمه لهيلاري كلينتون بدلاً منه؟ والمعروف أن ميشيل أوباما، أيّدت هيلاري كلينتون، وألقت عدة خطابات رفيعة المستوى لمصلحتها، بينها كلمتها خلال المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي عام 2016 في فيلادلفيا. كذلك ظهرت عدة مرات في حملتها الانتخابية، سواءً في ظهور فردي أو مشترك مع كلينتون. وتنهي «فوكس نيوز» بتساؤل قد يقدّم إجابة عن احتمال وقوفه وراء ترشح ميشيل: هل معرفة باراك أوباما بصفقات شركة بايدن، تفسّر حماسه الفاتر لدعم جو في سباق 2020؟
رون ديسانتيس
إيلي يوسف
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
أفرقاء ليبيا لـ«تبريد الأزمة»… وباتيلي يفتش في أوراقه
|
عام آخر يوشك على الرحيل من دون انتخابات
دخلت الأزمة الليبية إلى مساحة جديدة في العلاقة بين البعثة الأممية وبعض الأفرقاء السياسيين بالبلاد. ولم تخل هذه المساحة من استخدام «لغة خشنة» واتهامات متبادلة بـ«الفشل» في إيجاد حل لقضيتهم المستعصية، بينما تتهيأ العاصمة الفرنسية باريس لاحتضان اجتماع جديد للأفرقاء الليبيين. فمع قرب الدخول في الثلث الأخير من العام الحالي – الذي ضربت فيه البعثة موعداً لعقد الانتخابات العامة – بدت الأوضاع متجهة إلى مزيد من التعقيد والانتظار، لما قد يتوافق عليه «مجلس النواب» و«مجلس الدولة» من قوانين لازمة للاستحقاق، مع إصرارهما على «الاستئثار بالحل»، بعيداً عن «اشتراطات» البعثة، وفق رؤية متابعين.
مع الخضة الأمنية التي شهدتها العاصمة الليبية طرابلس، أخيراً، انتقلت التشنجات بين البعثة الأممية والقوى السياسية في ليبيا من الكواليس إلى العلن. وهذا عبّر عنه عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، في تصريحات صحافية عدة، قال فيها إن «(المبعوث الأممي عبد الله) باتيلي ليس حاكماً في بلادنا حتى يستطيع التغيير أو التعيين، ولا يحق له الحديث أو تشكيل لجنة توجيهية للحوار الليبي».
ولمزيد من التأكيد على حق مجلسه في إدارة الأزمة وإصدار القوانين المطلوبة للانتخابات، رأى صالح أن «المجتمع الدولي مقتنع بمسار (النواب) في المرحلة المقبلة، قبل أن يواصل انتقاده للبعثة، وما رآه «تدخلاً منها في الشؤون الداخلية لبلاده، وتجاوزها اختصاصاتها».
ومن جهة ثانية، يتخوف ساسة ليبيون التقتهم «الشرق الأوسط» مما وصفوه بمحاولات «تبريد الأزمة» و«إضاعة فرصة ثانية» لإجراء الانتخابات مع قرب انقضاء هذا العام. واتهم الساسة «القائمين على الأجسام السياسية بتثبيت الأوضاع لأهداف شخصية».
ووسط خلافات حول «حكومة جديدة»، مع تمسك مجلسي النواب و«الدولة» بضرورة تشكيل «حكومة جديدة» خلفاً لحكومتي «الوحدة» و«الاستقرار» وفقاً لـ«خارطة الطريق» التي أعلن عنها الأول، لاحت بوادر صدام مع البعثة التي سارعت بانتقاد الأمر؛ إذ ذكرت البعثة أنها «أخذت علماً بموافقة مجلس النواب على خارطة طريق، وإعلانه عن فتح باب الترشيحات لحكومة جديدة»، محذرة من أي مبادرات أحادية الجانب لمعالجة الانسداد السياسي في ليبيا.
ردود فعل غاضبة
موقف البعثة الأممية، الرافض لتشكيل حكومة جديدة، أثار ردود فعل غاضبة من المجلسين؛ إذ نفى المتحدث باسم «النواب» عبد الله بليحق ما ورد في بيان البعثة حول اعتماد مجلسه لـ«خارطة طريق» المسار التنفيذي، و«الادعاء بأنه فتح باب الترشح لرئاسة الحكومة الجديدة». وصعّد في مواجهة البعثة، فوصف كلامها بأنه تضمّن «معلومات غير صحيحة»، ولا سيما قولها إن ما أقدم عليه المجلس «إجراءات أحادية الجانب»؛ إذ قال: «هذا غير صحيح، ومن المفترض أن يكون دور البعثة داعماً لتحقيق التوافق بين الليبيين».
غير أن المبعوث الأممي باتيلي يفسر رفضه تشكيل حكومة جديدة، بأنه «لا يمكن بناء ليبيا الجديدة إلا عن طريق عملية انتخابية يصار من خلالها إلى انتخاب أعضاء البرلمان ورئيس الدولة، وعند ذلك تُنتخَب حكومة جديدة ويحل الاستقرار في البلاد. وتابع باتيلي مصعّداً باتجاه المطالبين بتشكيل حكومة جديدة، في أثناء مشاركته في «ملتقى حكماء ونخب منطقة فزان»، فقال: «مَن يريد ترتيبات انتقالية وحكومات انتقالية أخرى يريد تقاسم الكعكة وسيذكر التاريخ ذلك».
في المقابل، رأى سياسي ليبي تحدث إلى «الشرق الأوسط» أن «عملية شد الحبل» بين مجلس النواب والبعثة الأممية «لن تثمر إلا مزيداً من إضاعة الوقت وإهدار الفرص» لإجراء الانتخابات التي ينتظرها الليبيون منذ الفشل في عقدها نهاية عام 2021.
وتخوف السياسي (الذي طلب إغفال اسمه) من أن يؤدي إبعاد البعثة الأممية عما يجري بمجلسي النواب و«الدولة» من مباحثات حول قوانين الانتخابات قد يؤدي إلى «تبريد الأزمة». وذكر أن «متصدري المشهد السياسي يعملون على تحقيق مصالح شخصية وجهوية، والسعي لإبقاء الوضع على ما هو عليه». وأيّد ما ذهب إليه باتيلي في انتقاده ما يجري، بأنه «لا يمكن إعادة بناء ليبيا بوجود ترتيبات وحكومات انتقالية لا نهاية لها»، متوقعاً ألا يُجرى الاستحقاق خلال العام الحالي، وسط تعثر المجلسين في إعداد قوانين الانتخابات.
ومع أن باتيلي كان قد قال: «لسنا هنا لمحاباة أي أحد، وعلى القادة الليبيين الذهاب مباشرة للانتخابات من أجل السلام والاستقرار»، يعتقد ساسة ليبيون عديدون أن المبعوث الأممي ما زال يحتفظ بأوراق كثيرة سيفتش فيها، ما يمكنه من اللعب بها، في ظل دعم دولي ملحوظ».
اللافت هنا أن صالح عندما استقبل باتيلي في مكتبه ببنغازي، عقب توتر العلاقة بينهما، لم يتغاض عما صدر من المبعوث، بل استغل الفرصة للتأكيد على «ضرورة تشكيل حكومة جديدة مهمتها الأساسية إجراء الانتخابات»، بالإضافة إلى الاعتراف بمخرجات اللجنة المشتركة لإعداد القوانين الانتخابية «6 – 6». ومضى صالح مناشداً باتيلي «استسقاء المعلومات الخاصة بمجلس النواب من مصادرها الرسمية».
حول التبريد السياسي
في هذه الأثناء، اعتبر السفير إبراهيم موسى قرادة، كبير المستشارين سابقاً في الأمم المتحدة، أن «عملية التبريد السياسي الحالية تعود لرغبة الأطراف المسيطرة على المشهد في تطويل أمد استفادتها ولمزيد من حصد المغانم». وتكلم قرادة لـ«الشرق الأوسط» عن احتمال تغيّر موقف اللاعبين الإقليميين والدوليين المؤثرين في الأزمة الليبية، وأرجع ذلك «إما لتغير أولوياتهم لما يحدث في دول السودان والنيجر ومالي، واستطالة الحرب الروسية الأوكرانية، وإما للإرهاق واستنزاف البلاد من جهات عدة». ولفت إلى أهمية «عدم إهمال دور الأطراف السياسية الليبية المقصاة من المشهد»، والتي قال إنها «تتحين الفرص أو تختلقها لإيقاف حالة (التبريد السياسي) هذه لإعادة نوع من التوازن بالتشارك والتقاسم السياسي والاقتصادي».
أجواء «الجمود السياسي» التي تعانيها ليبيا راهناً دفعت أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، إلى القول في تقريره بشأن الوضع، إن «العملية السياسية بلغت مرحلة حرجة، وأصبح من المحتم على الأطراف كافة أن تُبرهن على التزامها المُعلن بإجراء الاستحقاق».
تَكالة و«دوامة القوانين»
تتمحور الأزمة راهناً حول شكل القوانين التي ينتظرها المجتمع السياسي لبدء تحريك عجلة الانتخابات حول مدى إجراء تعديل على القوانين التي أصدرتها لجنة «6 – 6»، لا سيما بعد انتخاب محمد تكالة رئيساً للمجلس الأعلى للدولة، ورحيل سلفه خالد المشري. كثيرون من أعضاء مجلس النواب، بينهم سالم القنيدي، رأوا أن «أي تعديل على القوانين الانتخابية التي أقرتها لجنة (6 – 6) يعني أن التعديل الدستوري الـ13 الذي سبق وأصدره مجلس النواب، أصبح باطلاً»، لكونه يشير إلى أن قرارات اللجنة «ملزمة ونهائية، والتعديل عليها يعني عدم الاعتراف والالتزام بشرعيته الدستورية».
وللعلم، منذ تسلم تكالة منصبه، وهو يشدد على التعاون مع الأطراف الليبية كافة لمواصلة المساعي للتجهيز للاستحقاق الانتخابي وتلبية طموح الشعب، لكن القوانين التي أصدرتها لجنة «6 – 6» تبقى محل الخلاف، بسبب مطالبة البعثة بوضع قوانين توافقية، ودعوة باتيلي لتكالة للعمل بروح من التوافق والتسوية من أجل الوصول إلى «اتفاق سياسي واسع».
ومع أن باتيلي لم يوضح المقصود بالاتفاق السياسي «الواسع»، هناك من يربط ذلك «بقلة رضاه» عن القوانين الانتخابية الصادرة عن اللجنة. بينما تعهد تكالة بالعمل على التعاطي مع الملاحظات الفنية المتعلقة بعمل اللجنة توصلاً إلى قوانين توافقية تؤدي إلى إجراء الانتخابات. وبالمناسبة يعد تكالة أحد أفراد التيار الرافض للتعديل الدستوري الـ(13) بالمجلس الأعلى. وتتمحور الملاحظات التي اعترض عليها مجلس النواب بشأن مخرجات اللجنة حول حتمية الجولة الثانية لانتخابات رئيس الدولة التي اعتبر صالح «لا مبرر لها، في حال تمكن أي مرشح من الحصول على نسبة (50 في المائة 1) من الجولة الأولى حتى لا يؤدي ذلك إلى انقسام البلاد».
اللافت أن جُل أعضاء المجلس الأعلى للدولة يتحدثون عن أن موعد وجدول أعمال الجلسة المقبلة لمجلسهم لم يحدد بعد، كما أنه لا أحد يعرف الموقف من التعديل الـ(13) للإعلان الدستوري، الذي سبق وأصدره مجلس النواب، في ظل الانقسام حوله بين رافض ومؤيد.
وهنا، اعتبر إبراهيم قرادة أن وضع الانتخابات الليبية راهناً «أكثر تبريداً من أي ملف آخر، بل هي مجمّدة في (الفريزر)»، إلا «إذا دفع حدوث تسخين سياسي للتعجيل بهذا الخيار»، مستدركاً: «إجراؤها في ظل سيطرة طرفين متنازعين يجعلها فاشلة ومنتجة لأزمة ربما أطول وأعقد».
الدبيبة وطرابلس
ومع اتجاه «تبريد الأزمة» الذي يتحدث عنه السياسيون الليبيون هذه الأوقات، سعى عديد الأطراف السياسية لـ«إبقاء الوضع على ما هو عليه»، مشترطين «وجود قوانين انتخابية تحظى بالقبول لديهم»، ودون ذلك، فهم يرفضون إجراء الانتخابات.
وفي فعاليات عديدة، قال عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، إن «رؤية حكومته تجاه الانتخابات مبنية في تأسيسها على ضرورة قوانين عادلة وقابلة للتنفيذ». شدد على أن «القوانين القابلة للتنفيذ شرط أساسي لإنجاح العملية الانتخابية».
وللعلم، يؤكد الدبيبة في غالبية لقاءاته بالسفراء الأجانب لدى ليبيا، عزم حكومته على تنفيذ هذا الاستحقاق «وفق قوانين عادلة في أقرب الآجال»، ويشير إلى أن الليبيين «اختاروا طريق الاستقرار ولا سبيل أمامهم إلا الانتخابات؛ وأي سبيل آخر وهْم يتلاشى».
غير أن سفارات الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، في إطار دعم دولها للمسار الأممي، شددت على ضرورة معالجة جميع العناصر المتنازع عليها في الإطار الانتخابي لجعلها قابلة للتنفيذ. وذهبت السفارات الخمس إلى ضرورة مشاركة جميع الأطراف بشكل بنّاء مع باتيلي، من أجل تأمين البيئة السياسية والأمنية والقانونية اللازمة لتلبية هذا الطلب. ودعت إلى أهمية أن «ينصبّ تركيز قادة ليبيا على العمل للاستجابة لمطالب الليبيين المستمرة بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في أقرب وقت ممكن». ومن جهته، يؤيد المبعوث الخاص الأميركي، ريتشارد نورلاند، التوجه الأممي في ضرورة إجراء انتخابات ليبية، وإرجاء تشكيل حكومة موحدة إلى ما بعد الاستحقاق.
استقالة المرشح للرئاسة
وبخلاف ما ذهبت إليه لجنة «6 – 6» بشأن بقاء المرشح للرئاسة في منصبه لحين فوزه في الجولة الأولى من الاستحقاق، دعت كارولين هوراندل، السفيرة البريطانية لدى ليبيا، إلى ضرورة «تكافؤ الفرص» قبل الانتخابات في ليبيا، ورأت أنه من المناسب «تنحي المترشحين عن المناصب الحكومية». وأمام هذه الرؤى المختلفة حول ما يجب على المرشح للرئاسة فعله، يعوّل ليبيون على الاجتماع، الذي من المرجح أن تحتضنه العاصمة الفرنسية باريس قريباً بشأن الأزمة الليبية، بمشاركة المبعوث الأممي وممثلين لدول غربية عدة. ويتوقع سياسيون بأن هذا الاجتماع المرتقب سيمنح باتيلي «تأييداً دولياً أوسع لجهة تشكيل لجنة (رفيعة المستوى) للانتهاء من قوانين الانتخابات، وسيجنبه التفتيش في أوراقه».
هذا، وكان باتيلي تكلم في إحاطته أمام مجلس الأمن الدولي نهاية فبراير (شباط) الماضي، عن مبادرة تتمحور حول تشكيل لجنة رفيعة المستوى لإعداد الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات، تجمع كل أصحاب المصلحة في ليبيا، وتشارك فيها المؤسسات السياسية ومنظمات المجتمع المدني والأطراف الأمنية والنساء والشباب، بهدف تنظيم العملية الانتخابية قبل نهاية العام الحالي.
ولكن بعدما أوشك العام على الرحيل، بات من الصعب عقد هذا الاستحقاق، وفق الأطراف السياسية ذاتها. ومن الرياض إلى القاهرة، دائماً ما تُلقي الأزمة الليبية بظلالها على غالبية الفعاليات الدولية والإقليمية، فلا يخلو لقاء بين مسؤولين إلا وكانت القضية الليبية تتصدره غالباً. ومن بين القضايا التي تطرق إليها اجتماع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، مع نظيره المصري سامح شكري، بالقاهرة، تطورات الوضع في ليبيا.
أيضاً أعلن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن تشاوره مع شكري، في لقاء سابق حول الملف الليبي، ودعم المبعوث الأممي في التوسط بمسار إجراء انتخابات ناجحة.
وفي الإطار ذاته، بحث وزير الشؤون الخارجية التونسي، نبيل عمار، مع شكري، تطورات الملف الليبي لمناسبة زيارة العمل التي يؤديها إلى البلاد. وقالت وزارة الخارجية الجزائرية إن الوزير أحمد عطاف أجرى في واشنطن محادثات بشأن ليبيا على ضوء الجهود التي تقودها الأمم المتحدة، لتهيئة الظروف والشروط الضرورية لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة.
عنصران أمنيان جنوب العاصمة طرابلس (إ.ب.أ)
ألاعيب السياسة أم رصاص الميليشيات… مَن يعطّل انتخابات ليبيا؟
> تعيش العاصمة الليبية طرابلس منذ سنوات في أجواء متوترة بسبب الاشتباكات المتكررة بين الميليشيات المسلحة المختلفة، ما يُعيد طرح السؤال مجدداً – بعد أكثر من 12 سنة على رحيل الرئيس الليبي معمر القذافي: مَن المتسبب في تعطيل إجراء انتخابات في ليبيا: التشكيلات المسلحة وسلاحها المنفلت، أم ألاعيب الساسة وتحكماتهم وأجنداتهم الخاصة؟
حيال هذه الأوضاع، ينقسم الليبيون بين من يتهم ساسة البلاد بأنهم هم من يعيقون العملية السياسية، وأن المقاربات الأمنية لا تكفي لإنقاذ البلاد، وبين من يرى أن الميليشيات المسلحة التي لا تتردد في استدعاء السلاح وإراقة الدماء، هي المتسببة في تعطيل قطار الانتخابات، ولذا تتجدد المطالبات بضرورة تفكيكها وسحب سلاحها. الفريق أول محمد الحداد، رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، سبق ودعا لضرورة التسريع بدمج المسلحين في الأجهزة العسكرية والأمنية، وسط تساؤلات عن أسباب عدم الاستجابة لمبادرة أممية سابقة بهذه الشأن. وطالب الحداد، بـ«الاهتمام بشباب المقاتلين، وتعويضهم عمّا تعرضوا له خلال السنوات الماضية»، ورأى أن «هؤلاء يحتاجون لمشاريع وطنية ناجحة تحتويهم بعد تعليمهم وتطويرهم، بعد تخليهم عن السلاح».
وحذر الحداد – وهو من المطالبين مبكراً بعملية دمج المسلحين – قائلاً: «إن لم نسارع إلى ذلك، فسنقع في خلل كبير»، ورأى أن هذه التشكيلات التي كانت موازية للجيش والداخلية «تحتاج إلى دعم وتعليم».
من جانب آخر، أمام ما شهدته طرابلس، الأسبوع الماضي، من «حرب شوارع» بين فصيلين مسلحين أوقعت 55 قتيلاً وأكثر من مائة جريح، استغل جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، هذه الأحداث ليؤكد أنها «تمثل تذكيراً حياً بهشاشة الوضع الأمني في ليبيا، والحاجة الملحة لإجراء انتخابات من أجل إيجاد حل سياسي مستدام وشامل».
وتتبنى الأمم المتحدة عبر بعثتها للدعم في ليبيا، المطالب بضرورة تفكيك الميليشيات المسلحة بالبلاد، ودمجها في المؤسسات الأمنية والمدنية. وتنشط هذه الدعوات في الأوساط السياسية والاجتماعية كلما وقع اشتباك مسلح في العاصمة طرابلس، لكن سرعان ما تخفت حدتها.
مصدر أمني بشرق ليبيا عزا عدم تفعيل خطة دمج المسلحين في مؤسسات الدولة الأمنية والمدنية إلى أسباب عدة، من بينها «تعذر توحيد المؤسسة العسكرية في البلاد، والانقسام السياسي بين شرق ليبيا وغربها». وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن عملية الدمج هذه تحتاج إلى «فك الارتباط بين المسلحين في أنحاء البلاد من جهة والزعامات السياسية النافذة في ليبيا من جهة أخرى، وهذا لا يتأتى إلا عن إجراء انتخابات تسفر عن وجود رئيس موحد». وهذا الأمر الذي ينظر إليه على أن الساسة في عموم ليبيا هم من «أفسدوا هذه التشكيلات، ومكنوا لها بالمال، فكان لزاماً أن يتعثر المساران السياسي والعسكري»، وفق محللين.
تتمحور الأزمة راهناً حول شكل القوانين التي ينتظرها المجتمع السياسي لبدء تحريك عجلة الانتخابات
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
«بريكس»… كتلة ثقيلة بإجمالي ناتجها المحلي العالمي وتجارتها الدولية
|
رؤساء دول وحكومات المجموعة يعقدون قمتهم حضورياً في جوهانسبورغ في 24 الحالي
يعقد رؤساء الدول والحكومات لمجموعة «بريكس»، التي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، قمتهم الخامسة عشرة في جوهانسبورغ في الرابع والعشرين من الشهر الحالي.
ومن المتوقع أن تبحث القمة تعميق استخدام العملات المحلية في التجارة بين الدول الأعضاء، وقضايا من بينها إنشاء نظام مدفوعات مشترك، ومن المرجح تشكيل لجنة فنية لبدء النظر في إصدار عملة مشتركة محتملة. إضافة إلى بحث توسيع المجموعة.
وتُعقد القمة، وهي الأولى حضورياً منذ جائحة «كورونا»، في مركز ساندتون للمؤتمرات في جوهانسبورغ، حيث تتولى جنوب أفريقيا الرئاسة الحالية للمجموعة.
من المقرر أن يتوجه الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى جنوب أفريقيا الأسبوع المقبل للمشاركة في القمة. في حين سيشارك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في القمة عبر تقنية الفيديو.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، أعلنت وزيرة خارجية جنوب أفريقيا ناليدي باندور أن قادة الصين والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا، بالإضافة إلى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف سيلتقون بين 22 و24 أغسطس (آب) لإجراء مناقشات تتمحور على «بريكس وأفريقيا».
وتم توجيه دعوات إلى 67 زعيماً لحضورهم شخصياً. ويشمل هؤلاء قادة من أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا ومنطقة البحر الكاريبي.
ولكن ما هي هذه المجموعة، وما هو موقعها في الاقتصاد العالمي؟
أرقام وإحصاءات
تعدُّ دول «بريكس» أهم خمسة اقتصادات ناشئة في العالم. وقد صيغ مصطلح «بريك» في عام 2001 من قبل الاقتصادي في مصرف «غولدمان ساكس» جيم أونيل. وفي عام 2010، تم توسيعه بدعوة من الصين، ليشمل جنوب أفريقيا (على الرغم من أن أونيل لا يوافق على إضافته) ليصبح «بريكس». وبينما تم إنشاء الاختصار كمصطلح غير رسمي لهذه الاقتصادات الناشئة، بدأت دول «بريكس» تعقد مؤتمرات قمة سنوية منذ عام 2009، مع مجالات اهتمام مماثلة لمجموعة دول السبع (التي كانت روسيا أيضاً عضواً فيها من 1997 إلى 2014، إلى أن تم طردها بعد ضم شبه جزيرة القرم).
وتمثل مجموعة «بريكس» 42 في المائة من سكان العالم، وأكثر من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، و16 في المائة من التجارة العالمية، وفق أرقام مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد).
«لعب الاستثمار الأجنبي دوراً مهماً في نمو اقتصادات دول بريكس منذ عام 2001، حيث تضاعفت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر السنوية إلى الكتلة بأكثر من أربعة أضعاف من عام 2001 إلى عام 2021 (من 84 مليار دولار إلى 355 ملياراً) وساهمت بشكل كبير في تكوين رأس المال الثابت الإجمالي» وفق تقرير «الأونكتاد» عن «الاستثمار في بريكس».
كما تشكل «بريكس» مع مجموعة السبع (كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة) 11 من أكبر 12 اقتصاداً في العالم (مع كوريا الجنوبية).
وفي الآتي بعض الأرقام حول المجموعة وفق بيانات موقع «ستاتيكا» للإحصاءات:
– العدد الإجمالي لسكان دول «بريكس»: أشارت التقديرات إلى أن عدد سكان دول «بريكس» في عام 2021 بلغ 3.24 مليار نسمة، وهو ما يزيد عن 40 في المائة من سكان العالم. تعيش غالبية هؤلاء إما في الصين أو الهند، التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 1.4 مليار نسمة لكل منهما، بينما يبلغ عدد سكان البلدان الثلاثة الأخرى أقل بقليل من 420 مليون نسمة.
– الناتج المحلي الإجمالي لدول «بريكس»: تمتلك الصين أكبر ناتج محلي إجمالي بين دول «بريكس»، حيث بلغ 16.86 تريليون دولار في عام 2021، بينما تقل قيمته في الدول المتبقية عن ثلاثة تريليونات. مجتمعة، بلغ إجمالي الناتج المحلي لمجموعة «بريكس» أكثر من 26.03 تريليون دولار في عام 2022، وهو أكثر بقليل من الولايات المتحدة.
– معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في دول «بريكس»: خلال معظم العقدين الماضيين، حققت الصين أعلى نمو للناتج المحلي الإجمالي في أي من دول «بريكس»، على الرغم من تجاوزها من قبل الهند في منتصف عام 2010 التي حققت أعلى نمو في عام 2020. وقد شهدت جميع الدول الخمس انخفاض نمو ناتجها المحلي الإجمالي خلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008، ومرة أخرى خلال جائحة «كورونا» في عام 2020. وكانت الصين الاقتصاد الوحيد الذي استمر في النمو خلال كلتا الأزمتين، على الرغم من نمو اقتصاد الهند أيضاً خلال فترة الركود العظيم.
وفي عام 2014، شهدت البرازيل ركوداً خاصاً بها بسبب مزيج من عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي، بينما دخلت روسيا أيضاً في حالة ركود بسبب انخفاض أسعار النفط والعقوبات الاقتصادية المفروضة بعد ضم شبه جزيرة القرم.
تنمية اقتصادات «بريكس»
منذ استخدام مصطلح «بريك» لأول مرة قبل 20 عاماً، عززت الصين مكانتها كأقوى اقتصادات «بريكس»، لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة (من حيث الناتج المحلي الإجمالي). وقد بدأ الازدهار الاقتصادي للصين في أواخر 1970، عندما تخلت عن العديد من السياسات الانعزالية، وانفتحت على التجارة الدولية وأدخلت إصلاحات السوق الحرة. وشهد التصنيع والتحضر السريع لأكبر قوة عاملة في العالم أن الصين أصبحت تعرف باسم «مصنع العالم». وشهد تدفق الثروة والاستثمار الأجنبي تحسناً كبيراً في مستويات المعيشة وفتح أسواق محلية جديدة.
بالنسبة للبرازيل والهند وجنوب أفريقيا، كانت التنمية الاقتصادية عملية أبطأ وأحدث، وقد اتبعت بشكل عام التطور الديموغرافي. في عام 2010، تفوقت الهند على الصين باعتبارها الاقتصاد الأسرع نمواً في العالم، وتشير بعض التقديرات إلى أنها ستتفوق أيضاً على الولايات المتحدة بحلول منتصف القرن. وإلى جانب الصين، تعد الهند أكبر سوق محلية في العالم، ومن المتوقع أن يعكس تطورها الاقتصادي الواسع الصين من نواحٍ كثيرة، على الرغم من أن الدور الذي تلعبه دولياً سيختلف.
وشهدت البرازيل أيضاً نمواً كبيراً في أوائل عام 2010 قبل أن تؤدي الأزمات الاقتصادية والسياسية إلى ركود.
لكن بالنسبة لروسيا، فقد اختلفت تنميتها الاقتصادية اختلافاً كبيراً عن دول «بريكس» الأربع الأخرى. وخلال أواخر القرن 20، كان سلف روسيا، الاتحاد السوفياتي، ثاني أكبر اقتصاد في العالم. ومع ذلك، أدى الانحلال السوفياتي إلى تراجع اقتصادي في جميع أنحاء 1990، حتى الانتعاش في 2000 عندما كان يعدُّ آنذاك اقتصاداً «نامياً».
بين «بريكس» ومجموعة السبع
باتت دول «بريكس» في العقد الماضي منافساً اقتصادياً لمجموعة السبع. وتشمل العديد من مبادراتها إنشاء مصرف عالمي بديل، مع الحوار الجاري لنظام الدفع والعملة الاحتياطية الجديدة.
فيما يلي نظرة على مساهمة كلتا المجموعتين في الاقتصاد العالمي من حيث معدل تعادل القوة الشرائية (وفقاً لأرقام تم تجميعها من صندوق النقد الدولي):
حصة الناتج المحلي الإجمالي العالمي:
1992: 16.45 في المائة لـ«بريكس» مقابل 45.80 في المائة لمجموعة السبع.
2002: 19.34 في المائة لـ«بريكس» مقابل 42.34 في المائة لمجموعة السبع.
2012: 28.28 في المائة لـ«بريكس» مقابل 32.82 في المائة لمجموعة السبع.
2022: 30.67 في المائة لـ«بريكس» مقابل 30.31 في المائة لمجموعة السبع.
وبحلول عام 2028، يتوقع صندوق النقد الدولي أن تشكل دول «بريكس» ثلث الاقتصاد العالمي.
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
…
|
السعودية وإيران… خطوات لتطوير العلاقات وتنفيذ اتفاق بكين
بناء على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل
خطت كل من السعودية وإيران خطوة أخرى باتجاه تطوير العلاقات وتنفيذ «اتفاق بكين»، الذي وقع في مارس (آذار) الماضي، وذلك من خلال الاتفاق على تعزيز التعاون في كل المجالات، ولا سيما الأمنية والاقتصادية.
وأكد وزيرا خارجية البلدين، خلال مؤتمر صحافي عُقد الخميس في مقر وزارة الخارجية السعودية بالرياض، إطلاق مرحلة جديدة في العلاقات تتسم بالإرادة والرغبة الصادقة والجدية لتعزيز العلاقات بناء على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
وقال الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، إنه ناقش مع نظيره الإيراني القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وأكد له تطلع المملكة لتعزيز العلاقات بين البلدين.
وعدّ الأمير فيصل استئناف بعثات كلا البلدين، ومباشرة السفيرين أعمالهما، خطوتين أخريين لتطوير العلاقات بين البلدين.
وقال وزير الخارجية السعودي إن اللقاء «يأتي استمراراً للخطوات المتخَذة تجاه تنفيذ اتفاق استئناف العلاقات الدبلوماسية، وما يمثله من محطة مفصلية في تاريخ البلدين ومسار الأمن الإقليمي، وتأكيداً للرغبة الصادقة وجدية الطرفين في تنفيذ بنود الاتفاق، التي تعود بالنفع على البلدين وشعبيهما، من خلال تعزيز الثقة المتبادلة، لتوسيع نطاق التعاون وتعزيز نطاق الاستقرار الإقليمي».
وتابع: «وفي إطار تنفيذ الاتفاقية، فقد استأنفت بعثات كلا البلدين أعمالها، كما تأتي مباشرة سفير السعودية المعيَّن لدى إيران، والسفير الإيراني لدى المملكة، مهام أعمالهما، خطوة أخرى لتطوير العلاقات بين البلدين».
وأكد بن فرحان حرص المملكة على بحث سبل تفعيل الاتفاقيات السابقة، خصوصاً تلك المتعلقة بالجوانب الأمنية والاقتصادية، وأهمية استمرار التشاور والتنسيق في الفترة المقبلة بين وزارتي الخارجية في البلدين.
كما عبّر عن «تطلع المملكة لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، بناء على الدعوة الموجهة من الملك سلمان بن عبد العزيز».
وشدّد وزير الخارجية السعودي على «أهمية رفع مستوى التعاون والتنسيق بين البلدين، وتطلعنا إلى مرحلة جديدة في العلاقات تمتاز بالأخوة الإسلامية، والسعي المشترك لتعزيز العلاقات، بناء على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل».
التعاون الإقليمي
من جانبه، وصف وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان، وزير الخارجية الإيراني، مباحثاته مع نظيره السعودي بـ«المثمرة والهامة»، وقال: «إيران والسعودية تعتبران بلدين مهمين في منطقة غرب آسيا والعالم الإسلامي، والعلاقات بين البلدين تسير في اتجاه صحيح وتشهد تقدماً».
ولفت عبداللهيان، في زيارته الأولى للرياض منذ نحو 7 سنوات، إلى أن «الطرفين عازمان على توسيع وتعزيز التعاون بين البلدين في كل المجالات (…) كلا الطرفين يتفق على صبغ الطابع العملي على الاتفاقيات الموجودة، سواء في الجانب الأمني أم الاقتصادي والتجاري، وغيرها».
الحوار الإقليمي
وأشار الوزير الإيراني إلى أنه طرح على نظيره السعودي فكرة الحوار والتعاون الإقليمي، وهي الفكرة التي سبق أن طرحها على المسؤولين ورؤساء دول الخليج العربي. وأضاف: «أعتقد أنه بإمكاننا العمل في الموضوعات الفورية والعاجلة، بما فيها ما يتعلق بالبيئة والإغاثة والإنقاذ في المنطقة».
وأوضح عبداللهيان أن فكرة تحقيق الأمن والتنمية في المنطقة هي فكرة لا يمكن تجزئتها، وجميع الفاعلين واللاعبين الإقليميين يمكنهم لعب دور في هذا المجال.
كما أعرب الوزير الإيراني عن امتنان بلاده للمملكة العربية السعودية على تسهيل شعائر الحج للإيرانيين، وكذلك للمعتمرين القادمين في المستقبل القريب.
دعوة رئيسي
وبشأن الدعوة التي وجّهها الملك سلمان للرئيس الإيراني لزيارة المملكة، كشف حسين أمير عبداللهيان عن قبول رئيسي الدعوة، وأنه سيقوم بها «في الوقت المناسب»، مبيناً أن المحادثات وتبادل الوفود بين البلدين في الفترة المقبلة سيضع الأرضية لاجتماع القادة.
ورغم طابع المؤتمر السياسي، فإن الرياضة كانت حاضرة من خلال اتفاق الوزيرين على إجراء مباريات ودية بين الفِرق الإيرانية والسعودية ذهاباً وإياباً، كما أعلن الوزير الإيراني دعم بلاده لتنظيم السعودية «إكسبو 2030».
وأكد بن فرحان حرص المملكة على بحث سبل تفعيل الاتفاقيات السابقة، خصوصاً تلك المتعلقة بالجوانب الأمنية والاقتصادية، وأهمية استمرار التشاور والتنسيق في الفترة المقبلة بين وزارتي الخارجية في البلدين.
كما عبّر عن «تطلع المملكة لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، بناء على الدعوة الموجهة من الملك سلمان بن عبد العزيز».
وشدّد وزير الخارجية السعودي على «أهمية رفع مستوى التعاون والتنسيق بين البلدين، وتطلعنا إلى مرحلة جديدة في العلاقات تمتاز بالأخوة الإسلامية، والسعي المشترك لتعزيز العلاقات، بناء على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل».
التعاون الإقليمي
من جانبه، وصف وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان، وزير الخارجية الإيراني، مباحثاته مع نظيره السعودي بـ«المثمرة والهامة»، وقال: «إيران والسعودية تعتبران بلدين مهمين في منطقة غرب آسيا والعالم الإسلامي، والعلاقات بين البلدين تسير في اتجاه صحيح وتشهد تقدماً».
ولفت عبداللهيان، في زيارته الأولى للرياض منذ نحو 7 سنوات، إلى أن «الطرفين عازمان على توسيع وتعزيز التعاون بين البلدين في كل المجالات (…) كلا الطرفين يتفق على صبغ الطابع العملي على الاتفاقيات الموجودة، سواء في الجانب الأمني أم الاقتصادي والتجاري، وغيرها».
الحوار الإقليمي
وأشار الوزير الإيراني إلى أنه طرح على نظيره السعودي فكرة الحوار والتعاون الإقليمي، وهي الفكرة التي سبق أن طرحها على المسؤولين ورؤساء دول الخليج العربي. وأضاف: «أعتقد أنه بإمكاننا العمل في الموضوعات الفورية والعاجلة، بما فيها ما يتعلق بالبيئة والإغاثة والإنقاذ في المنطقة».
وأوضح عبداللهيان أن فكرة تحقيق الأمن والتنمية في المنطقة هي فكرة لا يمكن تجزئتها، وجميع الفاعلين واللاعبين الإقليميين يمكنهم لعب دور في هذا المجال.
كما أعرب الوزير الإيراني عن امتنان بلاده للمملكة العربية السعودية على تسهيل شعائر الحج للإيرانيين، وكذلك للمعتمرين القادمين في المستقبل القريب.
دعوة رئيسي
وبشأن الدعوة التي وجّهها الملك سلمان للرئيس الإيراني لزيارة المملكة، كشف حسين أمير عبداللهيان عن قبول رئيسي الدعوة، وأنه سيقوم بها «في الوقت المناسب»، مبيناً أن المحادثات وتبادل الوفود بين البلدين في الفترة المقبلة سيضع الأرضية لاجتماع القادة.
ورغم طابع المؤتمر السياسي، فإن الرياضة كانت حاضرة من خلال اتفاق الوزيرين على إجراء مباريات ودية بين الفِرق الإيرانية والسعودية ذهاباً وإياباً، كما أعلن الوزير الإيراني دعم بلاده لتنظيم السعودية «إكسبو 2030».
عبد الهادي الحبتور
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
هل تؤثر التعديلات القضائية في إسرائيل على قدرات الجيش؟
|
لا يتوقف الحديث في إسرائيل عن تراجع كفاءة الجيش بفعل التعديلات القانونية التي أقرها الكنيست، والتي أدت إلى موجة غضب واسعة في صفوف الجيش، خاصة سلاح الطيران.
وخلال مداولات سرية الأسبوع الماضي في لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، أقر ضباط كبار بتراجع قدرات الجيش بسبب توقف جنود وضباط عن أداء الخدمة التطوعية وتراجع الحماس لدى العاملين في الجيش، وفقاً لما ذكرته «القناة 11» في هيئة البث الإسرائيلية نقلاً عن مسؤولين مطلعين.
وتشير تقديرات نقلتها القناة إلى أن استمرار أزمة التعديلات القضائية سيؤدي إلى تراجع كفاءة سلاح الجو وشعبة الاستخبارات العسكرية في غضون أسابيع قليلة أو بضعة أشهر، بالإضافة إلى الضرر الذي وقع على جاهزية الجيش وسط توقع مزيد من الأضرار مستقبلاً.
وذكرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أن ضباطاً حذروا خلال الاجتماع من تضرر كفاءة القوات البحرية ووحدات الأنظمة التكنولوجية التابعة للجيش، بالإضافة إلى التشكيلات الطبية.
وقال مسؤولون شاركوا في الاجتماع إن جنود الاحتياط ربما يختارون عدم الامتثال للأوامر أو المشاركة في حرب تنتج عن تصرفات الحكومة غير المسؤولة أو استفزازات أي من أعضائها، بحسب الصحيفة.
وأضافت أن الأمر وصل إلى بحث إمكانية تشكيل لجنة تحقيق من قبل المجلس الوزاري الأمني المصغر لمعرفة سبب تراجع كفاءة الجيش.
انقسام بالجيش
من جانبه، قال جمال زحالقة عضو الكنيست الإسرائيلي لوكالة أنباء العالم العربي إن الانقسام وصل إلى الجيش، مشيراً إلى أن هناك عشرات الآلاف من ضباط وجنود الاحتياط أعلنوا عدم الاستمرار في الخدمة العسكرية إذا تمت دعوتهم.
واعتبر زحالقة أن هذه ضربة قوية وكبيرة للجيش، خاصة القوات الجوية التي تعتمد بنسبة 70 في المائة على قوات الاحتياط التي تضم ضباطاً طيارين، معتبراً جنود وضباط الاحتياط «عصب الطيران الإسرائيلي».
وأضاف أن إسرائيل تواجه مشكلة كبيرة جداً وحساسة، وكل فرق النخب بالجيش الإسرائيلي تعاني من مشكلة كبيرة.
وقال زحالقة: «الأزمة وصلت إلى القوات النظامية، وليس قوات الاحتياط فقط».
وأشار إلى أن إسرائيل أمام مشكلة كبيرة ومرشحة للتفاقم إذا تم سن مزيد من قوانين التعديلات القضائية، لأن هذا سيدفع مزيداً من النخب العسكرية للابتعاد عن الخدمة، مضيفاً أن الجيش يعاني من أزمة كبيرة ولا أحد يعرف إلى أين ستؤدي هذه الأزمة.
وقال إن هناك مشكلات أخرى فيما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة والوضع الاقتصادي، وهذا يؤثر على قدرة إسرائيل على شراء الأسلحة.
أزمة حقيقية
في السياق نفسه، أشار الخبير العسكري اللواء المتقاعد، واصف عريقات، إلى تزايد أعداد جنود الاحتياط والطيارين ورجال الأمن والاستخبارات الذين أعلنوا عن رفض الخدمة.
وقال عريقات لوكالة أنباء العالم العربي إن هناك أزمة حقيقية عند الجيش الإسرائيلي، وإنها تظهر بشكل عميق، وليس كما تظهر في وسائل الإعلام فقط، وإنما في الداخل الإسرائيلي، بدليل أن رئيس هيئة الأركان الأميركي سيحضر إلى إسرائيل الأسبوع المقبل.
وقال إن هذا الأمر إن دل على شيء فإنما يدل على أن هناك أزمة تتعمق يوماً بعد يوم، لافتاً إلى أن هناك تصريحات، سواء من رئيس الأركان أو من وزير الدفاع الإسرائيلي، بأنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه فلن يعود الجيش كما كان في السابق.
وأشار عريقات إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عقد اجتماعاً على عجل مع وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان ورؤساء الأجهزة الأمنية والاستخباراتية ووبّخهم على تصريحاتهم بشأن تراجع قدرات الجيش.
وأضاف أن رئيس الأركان ردّ على نتنياهو قائلاً إنه «عندما يكون الأمر جدياً لا نستطيع الوقوف على الحياد»، بمعنى أنهم يستشعرون الخطر على الجيش وأدائه.
وقال عضو الكنيست الإسرائيلي، عبد الله أبو معروف، لوكالة أنباء العالم العربي، إن الجيش عند المجتمع الإسرائيلي من «أقدس المقدسات»، ولا يمكن المساس به، مضيفاً أنه عندما يُمس هذا الشيء فإنما يُمس شريان أساسي.
وتابع أبو معروف: «عندما يرفض الضباط والاحتياط والطيارون الدخول في عملهم بالجيش متطوعين، فإن هذا يمس الحصانة التي اعتاد عليها الإسرائيليون منذ عشرات السنين»، منوهاً بأن رئيس الأركان الإسرائيلي حذّر من أن هذا الوضع «لا يُستهان به».
مبالغة
على الجانب الآخر، استبعد الخبير العسكري، اللواء المتقاعد يوسف الشرقاوي، تراجع قوة ردع الجيش الإسرائيلي بالشكل الذي تتحدث عنه وسائل الإعلام المختلفة.
وقال الشرقاوي، لوكالة أنباء العالم العربي، إن هناك مبالغة حول تراجع قوة الردع للجيش الإسرائيلي.
وتابع قائلاً: «أعتقد أن الكفاءة ليست لها علاقة مطلقاً بتراجع قوة الردع»، واستدرك قائلاً إن الجبهة الداخلية تُبالغ في تحذيراتها حول التعديلات القضائية وتأثيرها على الجيش.
وأضاف الخبير العسكري أنه في حال كانت هناك حرب أو معركة مع إسرائيل، فإن الاحتياط لن يستطيعوا التقاعس عن الانضمام إلى الوحدات العسكرية، لأن «أمن إسرائيل فوق كل شيء بالنسبة لهم».
ومضى قائلاً: «ما يوحد الإسرائيليين هو الجيش، والجيش الإسرائيلي حديث جداً، ويعتمد على سلاح الطيران الذي لديه قوة كافية»، مضيفاً أن سلاح البر الإسرائيلي «تم ترميمه، ولديه قوة دروع قوية جداً، بالإضافة إلى القوة البحرية كذلك».