1

“حرب الآبار”.. فلسطينيون يتمسكون بأرضهم رغم جبروت الاحتلال

يتشبث المزارع الفلسطيني جابر دبابسة البقاء في أرضه ومنزله منذ عام ٢٠١٨ رغم التضييقات الإسرائيلية، فأهالي قريته خلة الضبع في منطقة مسافر يطا جنوب الخليل جنوب الضفة المحتلة؛ يتعرضون لحرب معلنة منذ عدة سنوات بهدف تهجيرهم من أرضهم.

كان دبابسة يملك عدة آبار مياه لري أرضه الزراعية؛ ولكن آلة الهدم الإسرائيلية كانت تلاحقه وتهدمها في كل مرة، ليصل عدد الآبار التي تم هدمها له أكثر من ستة، من بين ٤٠ بئرا تعرضت للهدم أو تم تسليم أصحابها إخطارات بذلك.

ويقول المزارع لـ”عربي٢١”؛ إن الآبار في القرية معظمها كان محفورا منذ أكثر من ثمانين عاما، فقام الأهالي بترميمها وإصلاحها لاستخدامها في الري والحياة اليومية، وذلك بسبب عدم وجود شبكة مياه تخدم القرى والتجمعات البدوية في منطقة المسافر.

البنية التحتية المعدومة في مسافر يطا جزء من الخطة الإسرائيلية التي وضعت قبل أكثر من خمسة أعوام للسيطرة على أراضيها لصالح التوسع الاستيطاني، حيث سمحت سلطات الاحتلال بإقامة ست بؤر استيطانية عشوائية في المنطقة، بعد أن صادقت المحكمة العليا على طرد السكان الفلسطينيين الأصليين منها، بذريعة أنها منطقة تدريبات عسكرية وإطلاق النار الحي.

والبؤر الاستيطانية العشوائية تكون على شكل مزارع يوجد في كل واحدة منها قطيع من المواشي على الأقل، وأقيمت بالقرب من البؤر الاستيطانية العشوائية “متسبي يائير” و”أفيغيل” و”حَفات ماعون”.

ويوضح الدبابسة أن أهالي خلة الضبع يعتمدون على الزراعة في حياتهم بشكل رئيسي، ما يعني حاجتهم المستمرة للمياه، مبينا أن الاحتلال بدأ يعمل على حرمانهم منها، وفق خطة استراتيجية محكمة لاقتلاعهم من أرضهم.

الهجمة على الآبار تزامنت مع اعتداء واسع على الأهالي في عام ٢٠١٨، حيث تم هدم المنازل بشكل مكثف، وقطع شبكات المياه والكهرباء في منطقة مسافر يطا لتحقيق هدف تهجير الفلسطينيين.

وحين فشلت كل تلك الإجراءات في طرد الفلسطينيين من أراضيهم، قام الاحتلال بإطلاق يد المستوطنين عليهم، حيث بات السكان هدفا لمجموعات المستوطنين التي حرقت الأراضي، وهاجمت المنازل واعتدت على الأهالي.

 “تم هدم منزلي خمس مرات، خلالها خسرت ما يقارب ٣٠٠ ألف شيكل (٨٥ ألف دولار)، ولكنني لم أيأس وظللت أبنيه في كل مرة، وهدموا لي ما يقارب ست آبار، ولكنني مصر على البقاء في أرضي رغم عدم توفر أي دعم رسمي لنا”، يقول دبابسة.

في شهر  أيلول/ سبتمبر من العام الماضي أصدرت محكمة الاحتلال قرارا بإخلاء عشرين تجمعا فلسطينيا في مسافر يطا لصالح الاستيطان بينها خلة الضبع، بالطبع لم يستجب الفلسطينيون للقرار الذي وصفوه بالعنصري، فزاد الاحتلال من انتهاكاته بحقهم، حتى باتت تسجل عمليات هدم شبه يومية في التجمعات البدوية.

ويضيف المزارع؛ أن الأهالي الآن بعد هدم آبار المياه، يضطرون لشراء خزانات في كل يوم بتكلفة لا تقل عن ٦٠٠ شيكل (قرابة ٢٠٠ دولار) لكل منها، علما أنه تم تمديد شبكة مياه جديدة لخدمة مسافر يطا، ولكنها تعرضت للتخريب من المستوطنين.

ويتابع:” نحن نزرع أشجار اللوز والحمضيات والفواكه والخضروات، ولكنها تكفي حاجتنا فقط، ونعتني بها كي تساعدنا على تثبيتنا في أرضنا”.

عنصرية كاملة
البؤر الاستيطانية الجديدة في مسافر يطا ومناطق جنوب الخليل بشكل عام، يمكث فيها شبان وفتية من المستوطنين خلال الليل ويخرجون لرعي المواشي في النهار، بينما يسكن المستوطنون الأكبر سنا في البؤر الاستيطانية المقامة منذ سنين، وهذا النمط الاستيطاني معروف في مزارع استيطانية أخرى في أنحاء الضفة الغربية، حيث تتسع ظاهرة رعي المستوطنين الأبقار والأغنام بشكل كبير في السنوات العشر الأخيرة، وتوجد 23 بؤرة استيطانية عشوائية على شكل مزارع مواشي في منطقة جنوب جبل الخليل وحدها.

المستوطنون الرعاة، يمارسون الترهيب من أجل إبعاد وطرد الرعاة الفلسطينيين عن المناطق التي يرعون مواشيهم فيها منذ عشرات السنين، ويرسل المستوطنون مواشيهم إلى حقول الفلسطينيين المزروعة بالشعير والأشجار المثمرة من أجل تدمير المحاصيل فيها.

مسؤول اللجنة الشعبية في مسافر يطا فؤاد العمور قال لـ”عربي٢١”؛ إن عدد الآبار التي تم هدمها خلال عامي ٢٠٢٢ و٢٠٢٣  فاق ٣٥ بئرا في التجمعات البدوية، وخاصة آبار الجمع التي تم إنشاؤها منذ عشرين عاما.

وأوضح أن عمليات الهدم كانت تتم تحت حجة عدم الترخيص، أو أنها تقع في مناطق مصنفة على أنها “أراضي دولة” بحسب مزاعم الاحتلال، لكن الملاحظ أنه باستخدام المستوطنين، سيطر على عدد كبير من الآبار القديمة التي تعرف باسم “الكفرية”، أي التي يزيد عمرها على مئة عام.

السيطرة تلك كانت تتم بإقامة مستوطنات بالقرب من هذه الآبار، واستكمال المخطط بإقامة بؤر جديدة على مقربة منها وخاصة البؤر الرعوية، كما هو الحال في تجمع “الطوبا” وما تعرف بمنطقة “بير القط”، ففي منطقة الطوبا خلال هذا الأسبوع، تم السيطرة على بئر مياه فيها كان يخدم قرية كاملة، حيث جمع المستوطنون أغنامهم من الساعة الحادية عشرة صباحا حتى الساعة الثالثة عصرا حول البئر.

وأضاف: “هناك مخطط أخطر من مجرد السيطرة على البئر، هو  مخطط محو التاريخ الفلسطيني وتزييف الحقائق، لإظهار تاريخ آخر للمستوطنين على أنهم أصحاب الأرض”.

ويوضح أن الاحتلال يستهدف كذلك الغرف الزراعية إلى جانب الآبار في مسافر يطا، حيث يقوم جنود الاحتلال بتصوير أي منشأة زراعية وتقديمه للقضاء الإسرائيلي، الذي يصدر إخطارا بالهدم والإخلاء أو وقف البناء، حيث باتت كل الغرف والمنشآت مخطرة بالهدم، ومنها ما تم تنفيذ أمر الهدم بحقها.

مسافر يطا تجمع من القرى الفلسطينية يعيش فيها حوالي ١٣٠٠ فلسطيني على تلال جنوب الخليل، وتواجه خطرا متزايدا بالإخلاء، وكجزء من عمليات التهجير حدد الاحتلال منذ أوائل الثمانينيات مساحات واسعة من مسافر يطا، ومن ضمنها تجمعات سكنية كمناطق عسكرية مغلقة لأغراض عسكرية، أو ما تسمى مناطق إطلاق النار.

المحاكم الإسرائيلية رفضت كل الالتماسات التي قدمت لها فيما يخص إخطارات الهدم والتهجير والإخلاء، منذ العام 2000 حتى 4 أيار/ مايو الماضي، وهذا الأمر يأتي تمهيداً لقرار الإخلاء الأخير، حيث ينفذ الاحتلال أساليب متعددة لتنفيذ قرار التهجير.

فيحاء شلش

المصدر: موقع عربي 21




كيف تُعزز المشروعات الاقتصادية علاقات القاهرة وأنقرة؟

اتجاه لإنشاء منطقة صناعية تركية في مصر

بدأت مصر وتركيا مباحثات اقتصادية رسمية لتعميق التعاون بينهما، على وقع تقارب سياسي أنهى 10 سنوات من «التوتر في العلاقات بين البلدين»، إذ بحث وزيرا التجارة والصناعة في البلدين إمكانية «إنشاء منطقة صناعية تركية في مصر»، في خطوة يعدها مراقبون «رافعة مهمة لتعاون شامل».

والتقى (الخميس) وزير التجارة والصناعة المصري، أحمد سمير، وزير الصناعة والتكنولوجيا التركي، محمد فاتح كاجر، في إطار زيارته الحالية للعاصمة التركية أنقرة، حيث استعرض الوزيران «سبل تعزيز التعاون الصناعي المشترك لا سيما في المجالات التي تتمتع فيها مصر وتركيا بخبرات (وافرة) ومقومات مؤهلة لتحقيق طفرة على مستوى التعاون الصناعي»، وفق بيان لوزارة التجارة المصرية. ووفقاً للبيان، فقد تناول اللقاء بين الوزيرين المصري والتركي «إمكانية إنشاء منطقة صناعية تركية في مصر، وتبادل الخبرات والتكنولوجيات في بعض الصناعات التي تسعى مصر لتوطينها مثل صناعة السيارات وصناعاتها الغذائية».

وأوضح الوزير سمير أنه بحث مع الجانب التركي إمكانية وضع خطة مشتركة حتى يونيو (حزيران) 2024 للفرص والقطاعات والمجالات ذات الأولوية للتعاون المشترك، خاصة في قطاعات الأثاث والسجاد والصناعات الكيماوية، إلى جانب بحث إمكانية الدخول في صناعات مشتركة مع الجانب التركي في عدة مجالات.

وتفتح الزيارة، وهي الأولى لوزير تجارة مصري إلى أنقرة منذ 10 سنوات، أفقاً جديداً لتطوير العلاقات الاقتصادية، إذ يبلغ حجم الاستثمارات التركية في مصر حالياً ملياري دولار».

كما ارتفع حجم التبادل التجاري بين مصر وتركيا ليصل إلى 7.7 مليار دولار خلال عام 2022، مقابل 6.7 مليار دولار خلال 2021 (بزيادة 14 في المائة)، وفق البيانات الرسمية، الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، بينما كانت قيمة التبادل التجاري بين البلدين عام 2019 عند حدود 5.4 مليار دولار، وفق بيانات معهد الإحصاء التركي.

واحتلت تركيا المركز الأول في قائمة أكبر الدول المستوردة من مصر خلال عام 2022، فيما جاءت في المركز الثامن كأكبر الدول المصدرة لمصر.

من جانبه، رحب وزير التجارة التركي بمقترح إنشاء مجموعة عمل مشتركة تضم مسؤولي الوزارتين للتنسيق في ما يخص الموضوعات ذات الاهتمام المشترك، وبما يسهم في تحقيق التكامل الاقتصادي بين مصر وتركيا، لافتاً إلى أن الزيارة «تفتح صفحة جديدة في العلاقات الاقتصادية بين البلدين».

وفي أواخر مايو (أيار) الماضي، قرر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره التركي رجب طيب إردوغان، البدء في ترفيع العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين. وأعلن البلدان مطلع يوليو (تموز) الماضي تسمية السفراء لدى البلدين.

ويرى حسن الشاغل، الباحث في الاقتصاد الدولي، الخبير بمركز الأناضول للدراسات، أن «العلاقات الاقتصادية ظلت بمنأى عن التوتر السياسي الذي شهدته العلاقات المصرية – التركية منذ عام 2013»، مشيراً إلى أن الإبقاء على المصالح الاقتصادية كان بمثابة «تعبير عن إمكانية استعادة العلاقات الثنائية لطبيعتها عبر بوابة الاقتصاد، وهو ما تحقق في ما بعد». وأضاف الشاغل لـ«الشرق الأوسط» أن السنوات الماضية شهدت «ارتفاعات ملموسة في معدلات التبادل التجاري، وبخطى استبقت المسار السياسي»، لافتاً أن أزمة الطاقة في أعقاب الحرب الروسية – الأوكرانية كان لها «تأثير إيجابي في اعتماد تركيا على الغاز المصري، والتسريع في وتيرة التقارب السياسي»، موضحاً أن التعاون الاقتصادي «يمكن أن يحمل انعكاسات إيجابية على البلدين، كما يدعم التقارب السياسي».

وتصدرت تركيا قائمة مستوردي الغاز الطبيعي من مصر بقيمة تبلغ 917.2 مليون دولار خلال عام 2022، وفقًا للبيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر.

في السياق نفسه، يرى محسن عوض الله، الباحث المصري في الشأن التركي، أن التعاون الاقتصادي «يمكن أن يكون أسهل في تحقيق إنجازات ملموسة من (التفاهمات السياسية)»، مشيراً في هذا الشأن إلى أن البلدين حافظا على التعاون الاقتصادي في «ذروة التوتر السياسي». وأضاف عوض الله لـ«الشرق الأوسط» أن الملفات السياسية بين البلدين خصوصاً الموقف في ليبيا وفي شرق المتوسط «ربما تشهد (تعقيدات) ترتبط بمنظور كل دولة لمصالحها الأمنية والاستراتيجية، ومن ثم يُمكن إحراز تقدم بطيء فيها، على عكس الملفات الاقتصادية التي تمثل مصلحة متبادلة لكلا الطرفين»، خصوصاً في ظل اتساع الدور الذي تلعبه منظمات الأعمال في البلدين ورهان مصر على الاستثمارات التركية، وتعويل الأتراك على مصر لدخول الأسواق الأفريقية.

وكان رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، قد عقد اجتماعاً في منتصف فبراير (شباط) الماضي، مع وفد من ممثلي شركات تركية تعمل في مصر، أو ترغب في بدء استثمارات جديدة خلال المرحلة المقبلة، في أول لقاء من نوعه منذ 10 أعوام، وجرى الإعلان خلال الاجتماع عن التزام الشركات التركية بـ«ضخ استثمارات جديدة في مصر تبلغ نحو 500 مليون دولار».

وترتبط مصر وتركيا باتفاقية للتجارة الحرة وقعت عام 2005، ودخلت حيز النفاذ في 2007 بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي بين الطرفين، وإزالة المعوقات والقيود الماثلة أمام التجارة السلعية مع توفير ظروف عادلة للمنافسة في التجارة بين الطرفين، إلى جانب خلق ظروف مواتية لزيادة وتشجيع الاستثمارات المشتركة بين الدولتين.

أسامة السعيد

امصدر: صحيفة الشرق الأوسط




قائد جيش النيجر يحذّر من سيناريو «لبناني أو ليبي» في بلاده

محور «لمّ الشمل» يتشكل ما بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو

حذر الجنرال ساليفو مودي، وهو القائد السابق للأركان العامة للجيش في النيجر، ونائب رئيس المجلس العسكري الحاكم في البلد منذ أكثر من أسبوع، من أن أي تدخل عسكري أجنبي في بلده سيقود منطقة الساحل عموماً نحو «السيناريو اللبناني»، مؤكداً في الوقت ذاته أنهم لن يقبلوا تحويل النيجر «ليبيا جديدة».

وكانت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، قد لوّحت بالتدخل عسكرياً في النيجر إذا لم يستجب الانقلابيون في النيجر لمطلبها بإعادة الرئيس المنتخب محمد بازوم إلى الحكم، في مهلة مدتها أسبوع وتنتهي بعد غدٍ (الأحد)، في وقت أعلنت دول عدة، من بينها السنغال، أنها مستعدة لإرسال جنود للتدخل في النيجر.

ولكن قادة الانقلاب في النيجر يرفضون مطالب المنظمة الإقليمية، واتخذوا قرارات مناهضة لفرنسا، وتوجهوا نحو توثيق التعاون مع مالي وبوركينا فاسو، وذلك بالتزامن مع إرسال وفد عسكري رفيع يقوده الجنرال ساليفو مودي إلى عاصمتي البلدين على التوالي؛ باماكو وواغادوغو، أمس (الخميس)، والتقى الرئيس الانتقالي المالي الكابتن آسيمي غويتا، والرئيس الانتقالي في بوركينا فاسو النقيب إبراهيم تراوري.

«رسالة شكر وامتنان»

وبعد البحث مع الرئيس الانتقالي المالي، قال الجنرال النيجري إنه حمل «رسالة شكر وامتنان» من رئيس المجلس العسكري الجنرال عبد الرحمن تشياني، موجهة إلى مالي على «موقفها الداعم للنيجر في وجه التهديدات بالتدخل العسكري من طرف مجموعة (إيكواس)».

وأضاف الجنرال أن مجموعة «إيكواس» في بيانها الصادر يوم 30 يوليو (تموز) 2023، هددت بالتدخل عسكرياً في النيجر إذا لم يرجع الرئيس محمد بازوم إلى منصبه في غضون أسبوع، مشيراً إلى أن ذلك «من شأنه أن يقود منطقة الساحل عموماً نحو سيناريو الحرب الأهلية اللبنانية».

وأوضح الجنرال النيجري، أن موقف حكومة مالي كان واضحاً «حين حذّرت المنظمة الإقليمية من مغبة أي مغامرة في هذا الإطار، وعبرت عن دعمها للشعب في النيجر»، وأكد الجنرال مودي أن البلدين «يقيمان علاقات جوار وصداقة ممتازة، خاصة فيما يتعلق بالملف الأمني».

وخلص في تصريحه من العاصمة المالية إلى التأكيد على أن مالي والنيجر «لديهما عدو مشترك، هو الإرهاب. ومن أجل محاربته لا بد من الاعتماد أولاً وقبل كل شيء على قواتنا المسلحة وقوات أمننا».

«الوضع هادئ وتحت السيطرة»

وبعد محادثاته مع الرئيس الانتقالي في مالي، غادر الجنرال النيجري متوجهاً نحو بوركينا فاسو، حيث التقى الرئيس الانتقالي هناك، وخرج من عنده ليعلن أنهما تباحثا حول الأوضاع في النيجر، مؤكداً أن «الوضع هادئ وتحت السيطرة»، وأضاف: «تحدثنا أيضاً في موضوع الدعم، ويجب القول إننا تلقينا دعماً قوياً جداً من بوركينا فاسو؛ لأنه كما تعلمون هنالك عدد من بلدان مجموعة (إيكواس) قرّروا فرض عقوبات قاسية على النيجر».

وأضاف الجنرال مودي في تصريحه، أنه ناقش مع النقيب تراوري تخطيط دول «إيكواس» لعملية عسكرية في النيجر، وقال: «إنهم يطرحون إمكانية تدخل عسكري، لقد تحدثتُ مع الرئيس حول هذه الوضعية؛ لأننا لا نريد للنيجر أن يصبح ليبيا جديدة، وسنوحد جهودنا حتى لا يحدث ذلك». وأكد القائد السابق لأركان الجيش ونائب رئيس المجلس العسكري الحاكم في النيجر، أنه «بالتنسيق مع إخوتنا في بوركينا فاسو (وفي مالي) قررنا القيام معاً بمجموعة من الأنشطة، من أجل أن نقف في وجه هذه الوضعية»، دون تحديد طبيعة هذه الأنشطة.

وبينما يتعزز مستوى التقارب بين الدول الثلاث، حذّرت السلطات في مالي وبوركينا فاسو، في بيان مشترك صدر الاثنين الماضي، من أن أي تدخل عسكري في النيجر سيكون بمثابة «إعلان حرب» على البلدين. ويأتي هذا التقارب بعد ثلاث سنوات من الجفاء، حين كانت النيجر في ظل حكم محمد بازوم تعارض الانقلابات العسكرية التي وقعت في البلدين، وترفض سياسات الانقلابيين المناهضة لفرنسا، وهو الجفاء الذي جاء بعد سنوات من التنسيق الأمني المكثف لمواجهة خطر الإرهاب.

تنظيم «داعش»

وكانت الحدود بين الدول الثلاث هي المنطقة التي يتمركز فيها تنظيم «داعش»، وتعرفُ منذ سنوات في التقارير الأمنية باسم «المنطقة الثلاثية»، وهي واحدة من أخطر المناطق في الساحل، وسبق أن قتل فيها عشرات الجنود الفرنسيين وعدد من أفراد القوات الخاصة الأميركية، ولكن الحلقة الأضعف كانت الضحايا المدنيين الذين وصلوا إلى الآلاف.

وخلال السنوات الثلاث الأخيرة توقف التنسيق الأمني بين الدول الثلاث لمواجهة الجماعات الإرهابية؛ ما زاد من تعقيد الوضع الأمني في المثلث الحدودي؛ ما يعني أن التقارب الجديد سيمكّن البلدان الثلاث من «لمّ الشمل»، رغم أنه سيغير كثيراً من موازين القوى في شبه المنطقة.

وفي ظل التطورات الأخيرة، وبعد عودة الوفد العسكري النيجري من باماكو وواغادوغو، صدر في نيامي قرار بإبطال اتفاقات التعاون العسكري والأمني مع فرنسا، بالإضافة إلى سحب سفراء البلد في أربع دول من ضمنها فرنسا والولايات المتحدة، كما بدأت قافلات من الشاحنات تتحرك من مالي نحو النيجر، تعرّضت لهجوم قرب الحديد شنه مقاتلون من تنظيم «داعش في الصحراء الكبرى».

كما أعلن حكام النيجر الجدد أنهم سيردون «فوراً» على أي «عدوان أو محاولة عدوان» ضد بلادهم من جانب المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، وذلك قبل ثلاثة أيام من نهاية مهلة أعطتها المنظمة الإقليمية من أجل عودة النظام الدستوري في النيجر.

وقال أحد أعضاء المجلس العسكري عبر التلفزيون الحكومي: إن «أي عدوان أو محاولة عدوان ضد دولة النيجر ستشهد رداً فورياً ودون إنذار من جانب قوات الدفاع والأمن النيجرية».

ورغم طرح الخيار العسكري، زار نيامي وفد من «إيكواس» مساء الخميس، في محاولة لإيجاد مخرج «سلمي» للأزمة، وقدم الوفد ما قيل إنها «طلبات» من قادة دول المنظمة الإقليمية إلى قادة الانقلاب، كما عبّر رئيس نيجيريا بولا تينوبو عن رغبته في «حل ودي» للأزمة.

الشيخ محمد

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




هل ستقيم واشنطن علاقات دبلوماسية مع «طالبان»؟

طالبت الولايات المتحدة كابل بتحسين وضع حقوق الإنسان وحقوق المرأة

عَرَضَ دبلوماسي أميركي رفيع المستوى، في وقت سابق من الأسبوع الماضي، على حركة «طالبان» تقديم المساعدة الفنية لتحقيق الاستقرار في الوضع الاقتصادي في أفغانستان ومكافحة تهريب المخدرات.

وعلى الرغم من أن واشنطن لا تقيم علاقات دبلوماسية مع نظام «طالبان» وليس لها أي وجود دبلوماسي في كابل، فإنه ليست هناك طريقة لتقديم هذه المساعدة الفنية لهذا النظام المنعزل دون إقامة شكل من أشكال الاتصال أو الوجود في كابل.

وعلى ما يبدو، طالبت الولايات المتحدة بتحسين وضع حقوق الإنسان وحقوق المرأة بشكل أكثر دقة بوصفه شرطاً مسبقاً لإجراء هذه المحادثات، كما تراقب واشنطن من كثب تعامل نظام «طالبان» مع الجماعات الإرهابية الموجودة في أجزاء مختلفة من أفغانستان.

سيدتان تمران أمام صالون تجميل في منطقة شهر ناو في كابل في 4 يوليو الماضي بعدما أمرت سلطات «طالبان» الأفغانية بإغلاق صالونات التجميل في أنحاء البلاد (أ.ف.ب)

وذكرت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان أصدرته، أن الجانب الأميركي كرر التعبير عن مخاوفه بشأن «تدهور حقوق الإنسان» في كابل، ودعا حركة «طالبان» من جديد إلى إلغاء الحظر المفروض على التعليم الثانوي للفتيات، وتوظيف النساء، والإفراج عن الأميركيين المحتجزين.

وصحيح أن النهج البراغماتي الأميركي في السياسة الخارجية يعد نموذجاً في عالم السياسة الدولية، ولكن أحياناً ما تتعارض مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية مع أهداف سياستها المزعومة وميولها.

فعلى سبيل المثال، بعد أن ارتكبت الهند وباكستان خطيئتهما الكبرى المتمثلة في تفجير قنابل نووية في مايو (أيار) 1998، وبالتالي تجاوز القواعد الدولية لعدم الانتشار النووي التي وضعتها الولايات المتحدة، بدا أن مسارات البلدين قد تباعدت بشكل كبير، ولكن في غضون أشهر، بدأت إدارة الرئيس الأميركي في ذلك الوقت بيل كلينتون في التودد إلى نيودلهي، وكانت رحلتها اللاحقة للوصول إلى مرحلة عقد الصفقات النووية المدنية بين الولايات المتحدة والهند بمثابة قصة عن براغماتية مؤسسات صنع السياسة الخارجية الأميركية وقيادتها، كما تم استقطاب باكستان إلى المدار الأميركي بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001.

وهناك عاملان قد يسهلان انجراف واشنطن المحتمل نحو تبني سياسة براغماتية في تعاملها مع حركة «طالبان»، أولهما أن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان في يوليو (تموز) من العام الماضي يعني أن هذه هي المرة الأولى منذ أكثر من عقدين من الزمن التي لن يكون فيها للولايات المتحدة أي شكل من أشكال الوجود العسكري في المنطقة، بدءاً من شواطئ المحيط الهندي وحتى سهول آسيا الوسطى.

وبحسب ما ورد، نفت باكستان وجود قواعد للجيش الأميركي في أعقاب انسحابها من أفغانستان، كما تعارض الصين وروسيا بشدة إعادة إنشاء القواعد الأميركية في آسيا الوسطى.

أما العامل الثاني فهو أن المسؤولين الأميركيين كانوا يلمحون إلى إمكانية استئناف ضربات مكافحة الإرهاب في أفغانستان من أجل منع عودة ظهور التطرف السُّني والجماعات المسلحة في أفغانستان.

ولكي ينجح نهج البراغماتية الأميركي هذا فإنه سيكون هناك مطلب قوي بأن يستمر نظام «طالبان» ويبقى على قيد الحياة، والبقاء في هذه الحالة يعني ضمان الحركة قدرتها على النجاح في احتواء العنف والسيطرة عليه داخل حدودها، وألا تسمح له بالانتشار إلى البلدان المجاورة، ولكن هذه النتيجة تبدو غير محتملة بسبب الافتقار التام للقدرات والخبرات من جانب «طالبان» للتصدي للعنف من الناحية الفنية بصفتها حكومة وطنية.

عمر فاروق

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




الجيش يرصد تداعيات عين الحلوة: لا مخطّط مسبقاً

يرصد الجيش تداعيات أحداث عين الحلوة، بما هو أبعد من اليوميات العسكرية. وهو إذ لا يتوقف عند سيناريوهات ما قبل المعركة، ينتظر زيارة وفد من حركة فتح، ويتخوّف من تمدّد التفلّت الأمني وتجدّد ظاهرة التنظيمات الأصولية

يتعاطى الجيش بواقعية مع أحداث عين الحلوة. الخطورة في ما جرى تكمن في مستويات عدة، لا تنحصر بالوقائع الأمنية اليومية التي جرت، من اغتيالات متبادلة وقصف وتهجير وتدمير. والإطار السياسي – الأمني الأوسع، يتعلق بقراءة سياسية أمنية، لما قبل وما بعد أحداث عين الحلوة. علماً أن وفداً سياسياً رفيع المستوى من حركة فتح سيزور بيروت قريباً لمواكبة مرحلة ما بعد وقف النار وتثبيته والعمل على محاصرة تداعياته.

كان جلياً أنه لم يتم التعامل سياسياً مع انفجار الوضع الأمني بالاهتمام اللازم مع بدء الاشتباكات. القوى السياسية الرئيسية من الصف الأول، والمسؤولة مباشرة، تصرّفت وكأنّ الحدث الأمني محصور في حدود مخيم عين الحلوة والفصائل الفلسطينية، ولا انعكاس مباشراً له على مجمل الوضع الداخلي. وحكومة تصريف الأعمال تحرّكت لاحقاً، فيما أخذ الموضوع الأمني صداه على قاعدة المطالبين بلجم التدهور من جهة والراصدين لخلفية ما جرى وتداعياته، بما هو أبعد من الساحة اللبنانية ليطاول الضفة الغربية وغزة. ومع تصاعد حدة الاشتباكات وتوسّعها وحجم التهجير الذي رزحت تحته صيدا، انتقل التحرك إلى مستوى أكثر فاعلية.
رغم أن الجيش عمل منذ اللحظة الأولى على محاولة وقف الاشتباكات، إلا أن ثغرة أساسية تعيقه، فهو لا يتواصل إلا مع فتح، ولا صلة مع التنظيمات الأصولية التي عمل وسطاء على التواصل معها. في المقابل فإن ما يُتوقف عنده اليوم أمران، تثبيت وقف النار وعدم الانزلاق مجدداً إلى الاشتباكات، وتسليم «جميع» المطلوبين بالاغتيالات، ولا سيما لمعرفة خلفيات وحقيقة الدوافع التي أملت ما جرى. ومع ذلك، يُنتظر مجيء وفد فتح لوضع الأمور في نصابها ومعرفة حقائق المرحلة المقبلة.

فتحت اشتباكات عين الحلوة العيون على أن مشكلات المخيمات لا تزال قائمة وتحمل جذوراً خطرة في حال قرّر أي من الأطراف استخدامها. فالانشغال اللبناني بالنزوح السوري وبمخيمات النازحين، حجب لأشهر طويلة النظر عن قضايا المخيمات الفلسطينية الاجتماعية والسياسية والأمنية. وبالكاد كان الاهتمام بما يجري فيها من خلافات داخلية، وارتباطها في أحيان كثيرة بما يحصل من مواجهات في الضفة الغربية وغزة مع السلطة الفلسطينية وضدها. لكنّ حجم المشكلات الاجتماعية يضاف إليها تحوّل مناطق في المخيم إلى ملاذ آمن لهاربين من القانون، وتفاقم الخلافات داخل فتح التي أظهرت الأيام الأخيرة عدم تماسكها، وبينها وبين القوى الفلسطينية الأخرى، كلّ ذلك يجعل من أي ساحة عرضة للانفجار في أي لحظة.

لا يتصرف الجيش على أن الحدث الأمني مخطّط له مسبقاً، ولا يتعامل مع أي سيناريو متداول من هذا القبيل، ولا مع الاتهامات لأي فريق لبناني بالدخول على خط الاشتباكات. وزيارة مدير الاستخبارات الفلسطينية ماجد فرج للجيش التي قيل الكثير عنها في ما يتعلق بالتنسيق مع الجيش داخل المخيم، علماً أنه زار أجهزة أمنية ورسمية أخرى، بعد جولة له في المنطقة، كان محضّراً لها منذ أكثر من سنة. والجيش كان يعبّر دوماً عن قلقه من أحداث متتالية وقعت في المخيم مسجّلاً 260 حالة إطلاق نار منذ آب 2022، وحرص مراراً على مطالبة القوى الأمنية الفلسطينية بالتحرك لضبط الوضع وتوحيد قواها لمواجهة الأحداث المتفلّتة. انطلاقاً من ذلك، حملت زيارة المسؤول الفلسطيني، إضافة إلى معالجة مشكلات فلسطينية داخلية بين السفارة الفلسطينية ولجنة الحوار الفلسطيني اللبناني وخلافات داخل أجهزة فتحاوية، ترتيب وضع القوى الفلسطينية المشتركة. وتبعاً لذلك لا توضع زيارة فرج في خانة تحريك ساحة المخيم. ولو كان ذلك صحيحاً لكان فريق فتح أكثر استعداداً لوجيستياً للمواجهة، على عكس ما أظهرته الوقائع الميدانية من عدم قدرة على الحسم في الأيام الماضية .

كلّ ذلك لا يعني في المقابل أن أي توقيت للحدث لا يستدعي المتابعة، أو أن حجم ما حصل ونوعية المشاركين وانتماءاتهم، لا تتطلب حصر التداعيات مع البدء جدياً العمل لمواكبة ما سيجري من الآن وصاعداً. لذا يتم رصد دقيق لما جرى من جوانب مختلفة. فمهما كانت خلفية الذين اتهموا حركة فتح بإشعال نار المعركة، وربط مدير الاستخبارات باتجاهات إسرائيلية، فإن حصيلة المواجهة تفترض التنبه لها، إذ إنها أعادت إلى الواجهة الأمنية والعسكرية، الفصائل المتشدّدة والأصولية، ومعظم المشاركين في الاشتباكات من المطلوبين للجيش والعدالة. فما هي مصلحة أي فريق لبناني بتعويم التنظيمات الأصولية مع كل ما ارتكبته في لبنان، وليس الفصائل الفلسطينية المعارضة لفتح وذات الوجه السياسي، وإعادة شد العصب لدى شريحة لا يستهان بها من الشباب الفلسطيني والسوري الذي سبق أن لجأ إلى المخيم بعد حرب سوريا. وتنشيط العامل الأصولي بعد انحساره وفي مرحلة لبنانية حساسة، لا يبشر بالخير ويستدعي نظرة مختلفة من قوى سياسية معنية، كي لا تتكرر تجربة نهر البارد.

في موازاة ذلك، يبرز التخوف الأساسي، في تنشيط هذه الجبهات واستمرار المعارك، من احتمال تمدد ما يحصل إلى مخيمات أخرى، إذا ما استفاد أي طرف من التطورات لتعزيز وجوده في المخيمات الأخرى. وأي حدث مماثل في مخيم آخر، سيكون من الصعب على القوى الأمنية والجيش تحديداً مواجهته في ظل انفلاش التوتر على مساحات أخرى.
من الواضح أنه لا يتم التعامل مع عين الحلوة كحدث معزول عن مقاربة وضعية كل الأطراف المتورّطة فيه وأهدافها. والخشية ليس في تكرار الاشتباكات فحسب، بل في أمرين، التعامل مع الحدث الأمني موسمياً، بمعنى عدم معالجة جذوره وتركه يتفاقم، وتكاثر أدوات الصراعات الداخلية، بما يجعل من الصعب تجاوز تداعياتها ولا سيما أن الجيش مُقيّد إلى حد كبير في التعامل مع الوضع الأمني داخل المخيم. فهذا قرار سياسي كبير يتعدّى الإدارة العسكرية مهما كان حجم الصراع، ولا يبدو أن أحداً مستعدّ لأخذه لا حاضراً ولا مستقبلاً.

هيام القصيفي

المصدر: صحيفة الأخبار




ماذا فعل مدير المخابرات الفلسطينية في اليرزة؟

أعادت أحداث مخيم عين الحلوة تسليط الضوء على الواقع المعقّد لهذا المخيم الذي تتداخل فيه حسابات متضاربة، تبدأ من الزاروب الضيّق وتنتهي عند المحاور الإقليمية.

هكذا، فإنّ المساحة الصغيرة للمخيم تبدو مزدحمة بالأجندات المتفاوتة التي لا تجد متنفساً لها الاّ عبر فوهات البنادق، المتعدّدة المرجعيات.

وعلى الرغم من كل المحاولات الفلسطينية لتنظيم الفوضى في عين الحلوة وربط النزاعات المتنقلة بين أزقته، الاّ انّ مناعته بقيت ضعيفة وساحته متفلتة، ما حوّله مسرحاً لتصفية الحسابات وتبادل الرسائل.

ومن بين المفارقات المدوية في المخيم، انّ بعض المجموعات داخله تلجأ إلى شراء السلاح في أيام السلم من جهات فلسطينية معينة، ثم لا تلبث ان تستخدمه ضّد تلك الجهات نفسها عند اندلاع المواجهات!

وسط هذه التعقيدات المتشابكة، كيف يتصرّف الجيش وما هو هامش تحرّكه على وقع أزيز الرصاص ودوي القذائف؟

رسم الجيش حدود دوره على قاعدة معيارين: منع تمدّد التوتر إلى الجوار اللبناني، وحماية مواقعه المنتشرة على تخوم المخيم.

وفور اندلاع الجولة الأخيرة من العنف، بادر الجيش الى تعزيز تواجده العسكري على مداخل عين الحلوة للحؤول دون «تسرّب» أي عناصر او أسلحة من خارجه إلى داخله، وذلك بهدف تفادي تأجيج الوضع وتأمين مسارب آمنة للمدنيين الفارين من نيران الاشتباكات.

وعقب تعرّض أحد مواقعه لاستهداف مقصود أثناء الاشتباكات، حذّر من أنّه إذا تكرّر الأمر فسيردّ بقسوة على مصادر النيران، علماً انّ المؤسسة العسكرية لا تستبعد ان يكون الغرض من اي استفزاز تتعرّض له هو السعي الى استدراجها نحو الرمال المتحرّكة في المخيم.

تجدر الإشارة إلى انّ الجيش كان على تنسيق ميداني مع القيادات الفلسطينية، ومنها قائد الأمن الوطني الفلسطيني في عين الحلوة العميد الفتحاوي أبو أشرف العرموشي، قبل مقتله، لضبط الأمور في المخيم.

وأمن المخيمات الفلسطينية حضر في اللقاء الذي جمع قبل فترة قصيرة مدير المخابرات في الجيش العميد طوني قهوجي مع مدير المخابرات الفلسطينية اللواء ماجد فرج أثناء زيارته الأخيرة لبيروت.

وكان الرجلان قد التقيا خلال اجتماع لمديري المخابرات العربية عُقد في مصر منذ مدة، حيث أبدى فرج رغبة في زيارة لبنان، وهكذا حصل.

وخلافاً للسيناريوهات التي جرى التداول بها في شأن محتوى اللقاء الذي انعقد في اليرزة، يؤكّد العارفون انّ النقاش تركّز خلاله حصراً على ضرورة تعزيز التنسيق والتعاون بين الجانبين لضبط أمن المخيمات ومكافحة مظاهر التفلّت فيها والتصدّي للمخالفات على انواعها وتسليم المرتكبين والمطلوبين إلى السلطة اللبنانية وتعزيز القوة الأمنية المشتركة داخل مخيم عين الحلوة.

ويشير المطلعون الى انّ المداولات بين قهوجي وفرج لم تتجاوز هذا الإطار، جازمين بأنّه لم تُطرح في سياقه مسألة منع حركتي «حماس» و»الجهاد الاسلامي» من إيصال اي شكل من أشكال الدعم الى الداخل الفلسطيني المحتل، كما افترض البعض.

ويؤكّد المطلعون انّ الوحدة بين الفصائل في فلسطين المحتلة تؤثر ايجاباً على علاقاتها داخل المخيمات، وانّ كل ما أُثير حول نقل رسائل اسرائيلية الى لبنان لا يمتّ الى الواقع بصلة، لافتين الى انّ الجيش يهمّه فقط أن تبقى المخيمات تحت السيطرة والنظر لحماية الاستقرار اللبناني والأمن الفلسطيني على حدّ سواء.

كذلك، يوضح العارفون انّ قضية نزع السلاح من المخيمات غابت عن مداولات اجتماع قهوجي – فرج.

عماد مرمل

المصدر: صحيفة الجمهورية




وقف تمويل الدولة… لعبة عضّ أصابع خطيرة؟

دخل قرار وقف تمويل الدولة حيز التنفيذ منذ اليوم الاول لاستلام نواب الحاكم مهمّة الحاكمية، أي منذ الاول من آب. ويبدو انّ هذه الخطوة تشمل منصّة صيرفة، بدليل توقّف صدور البيانات اليومية عن مصرف لبنان التي تعلن فيها عن حجم حركة التبادل. عدا عن ذلك، نحن أمام استحقاقات مهمّة في الفترة المقبلة، إذ عدا عن الرواتب والاجور للقطاع العام والجيش والقوى الأمنية، هناك مستحقات الإنترنت ودعم أدوية الامراض المزمنة، وتحويل اموال الكهرباء من الليرة إلى دولار… مستحقات قدّرتها الدولة بـ 200 مليون دولار شهرياً.

يوحي حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري ونوابه، بأنّ فصلاً جديداً من التعاطي بين المركزي والدولة قد بدأ، ومنذ اليوم الاول لتسلّمهم المهام أوقفوا تمويل الدولة، بما يؤكّد على جدّيتهم في العمل وإقران الأقوال بالأفعال، وبما يعني انّ الطابة اليوم في ملعب الحكومة. وقد تردّد أمس عن تكليف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وزير المال يوسف خليل بإعداد مشروع قانون اقتراض من مصرف لبنان، على ان يتشاور وزير المال في الصيغة مع الحاكم بالإنابة وسيم منصوري ونواب الحاكم الآخرين.

هذا من حيث الشكل، لكن في المضمون أسئلة مشروعة تُطرح:
– من ناحية الحاكم ونوابه، لا يجوز ان يتركّز عملهم على طلب إعطائهم قانوناً للإقراض فقط، بمعنى آخر «احمونا قانونياً لنصرف الاموال»، ففي هذا استكمال لسياسة المركزي السابقة مع فارق التغطية القانونية.
– لا يجوز ان ينصبّ الاهتمام اليوم على قانونية الإقراض انما المطلوب ايضاً الضغط من اجل إقرار الخطوات الاصلاحية المنتظرة منذ أكثر من 3 سنوات مثل الكابيتال كونترول وغيرها.
في المقابل، ماذا تنوي ان تفعل الدولة؟ هل ستقف موقف المتفرّج مجدّداً واضعة هذه المرة موظف القطاع العام والجيش والقوى الأمنية في وجه مصرف لبنان مثلما فعلت في السابق مع بداية الأزمة عندما وضعت المودع في وجه المصارف؟ كذلك من الواضح انّ احداً لا يريد ان يتحمّل مسؤولية مدّ اليد على اموال المودعين، لذا نرى تقاذف كرة القوننة ايضاً بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، رغم انّ الاجتهادات القانونية تؤكّد اصلاً انّه لا يجوز اصدار قانون يسمح بمد اليد على اموال المودعين.

في هذا السياق، يقول الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف سمير حمود لـ«الجمهورية»: «من الطبيعي ان يكون لنواب الحاكم مقاربة قد لا تتطابق كلياً مع مقاربة الحاكم السابق رياض سلامة». ورأى انّ «ما من خطأ في ما يقوله النواب وما يفعلونه، لكن السؤال الى اي مدى يمكن للنهج الذي سيُتّبع ان يسيّر أمور البلد في خضم الأزمة التي يمر فيها والوضع غير الطبيعي؟».

وتوقف حمود عند كلام منصوري الاخير الذي قال فيه «أدّين الدولة وفق قناعاتي»، أي وفقاً لقانون يُحال من الحكومة الى المجلس النيابي، بما يعطي حق الاقتراض للحكومة وليس حق الإقراض من مصرف لبنان، فهو لم يطلب من الحكومة والنواب اصدار قانون حتى يتمكن من الاقراض، لأنّ في ذلك موافقة على كل المبالغ التي تطلبها الدولة. ولو كان منصوري يريد فقط هذا القانون نكون امام مصيبة كبرى».

ورأى انّه بقول منصوري: «أدّينها من ضمن قناعاتي والقانون» فهو يقصد بمعنى آخر: أوجدوا قانوناً للاستدانة مع معرفته المسبقة انّ قانوناً بهذا الخصوص لن يبصر النور»، وبقوله «ضمن اقتناعاتي» كان يقصد ضمن مبادئ أساسية يضمن من خلالها استرجاع هذه الاموال، وكأنّه يذكّر الدولة بطريقة غير مباشرة «بمصير اموال حقوق السحب الخاصة بلبنان SDR؟ وبماذا فعلت تجاه تخلّفها عن الدفع (default)؟ « وتالياً وأمام هذين النموذجين، كيف سنضمن انّ الدولة ستعيد الاموال التي ستتدينها؟

سيناريوهان في المرحلة المقبلة
ورأى انّ نواب الحاكم اليوم «بين شقوفين» فمن جهة الدولة بحاجة الى دولار ولا يمكنها من دونه، لكن من جهة أخرى هذه الدولة التي تعاني عجزاً بموازنتها امامها خيار من اثنين، اما طبع الليرة وشراء الدولار من السوق لتأمينه، أما ان تتدين الدولار الموجود في المصرف المركزي، أي من اموال المودعين.
وعن التخوف من ارتفاع الدولار في السوق الموازي في حال رفض المركزي مدّ الدولة بالدولار التي ستضطر الى طباعة مزيد من الليرات لتغطية نفقاتها قال حمود: «نحن اليوم امام خيارين: إما صرف 4 مليارات دولار على مدى 4 سنوات ريثما تنتهي ولاية نواب الحاكم وولاية المجلس النيابي، فيبقى لدينا 4 مليارات دولار «ومن بعدي الطوفان» لمن يستلم السلطة بعدها، وفي هذه الحالة على السلطة ان تواجه الناس وتقول: لا نريد ان نستدين بالليرة اللبنانية لأننا نعاني عجزاً في الموازنة والاستدانة بالليرة ستؤدي الى ارتفاع الدولار الذي لا بدّ من ان يترافق مع ارتفاع الاجور وتكبير كتلة التضخم…
أما الخيار الثاني فيكمن في استعمال اموال المودعين بطريقة مغايرة، على امل ان يعود الاستقرار إلى البلد وتنتظم الحياة السياسية وتُعاد بعدها اموال الناس للناس». وقال: «لا يجب ان تكون هناك خشية من ارتفاع الدولار انما من استنزاف كل مقومات الحياة في الدولة، فادخارات المواطنين اليوم هي ادخارات الدولة ولا يمكن تبديدها حفاظاً على استمرارية الدولة وكينونتها».

وعن التركيز اليوم على الاقتراض بدل الضغط باتجاه إقرار الاصلاحات يقول حمود: «لا شك انّ الاصلاحات مطلوبة انما هي مسار طويل سيستغرق سنوات قبل ان تظهر مفاعيله، بينما موضوع الاقتراض من المركزي آني أكثر، فنحن امام مشكلة مستعجلة تكمن في تأمين رواتب القطاع العام، والّا فإنّ عدم تأمينها سيؤدي الى انفجار اجتماعي». وأشار حمود إلى انّ الجزء الأكبر من الاموال التي تطلبها الدولة اي الـ 200 مليون دولار سيباع للمصرف المركزي كي يتدخّل في السوق للحدّ من صعود الدولار في السوق الموازي».

ايفا أبي حيدر

المصدر: صحيفة الجمهورية




منصوري وحيداً: فعلت المطلوب مني… ماذا عنكم؟

يواجه حاكم مصرف لبنان بالوكالة، النائب الأول للحاكم، وسيم منصوري تحدّياً غير مسبوق منذ 1 آب، تاريخ استلامه للمهمّة الجديدة بعد انتهاء ولاية رياض سلامة الذي أورث خَلَفه كما اللبنانيين تركة ثقيلة جداً تنوء بها الجبال.

يعرف منصوري انّه وُضع تحت المجهر وانّ هناك من يريد أن يضعه تحت المقصلة، ولذلك فهو كان يسعى، قبل استلامه الحاكمية، إلى تأمين شبكة حماية سياسية وقانونية له وللمصرف، تقيهما من مخاطر الأعيب الطبقة السياسية التي تحترف التحايل على الحقائق والوقائع، ويمكن ان «تضحّي» به بكل بساطة لشراء مزيد من الوقت على قاعدة تقطيع المرحلة كيفما كان وبأي كلفة، ومن بعدنا الطوفان.

يدرك منصوري انّ المجازفة كبيرة وانّه بمن وما يمثل في بلد التصنيفات المذهبية والطائفية، يخوض تحدّي إثبات القدرة على إدارة أهم مركز نقدي – مالي في الدولة اللبنانية ومنع حصول مزيد من الانهيار في سعر الصرف، وسط بيئة عامة غير صالحة وغير آمنة، يملؤها الكيد والنكد، وهو بالتأكيد لا يريد أن تحرقه هذه التجربة ولا أن يترحّم الناس على حقبة سلامة المنتهية بالمقارنة مع ايامه.

ويوحي منصوري بأنه لم يستلم موقع الحاكم للاستمرار في إدارة الأزمة، بل هو تصرّف والنواب الآخرون على قاعدة تحويل التهديد الى فرصة، وبالتالي عدم الاكتفاء بتصريف الأعمال في البنك المركزي وإنما البناء على خروج سلامة لتغيير السياسات النقدية الملتوية التي كان يعتمدها، والتأسيس لمرحلة جديدة تحكمها الضوابط القانونية وتحمي ما «نجا» حتى الآن من أموال المودعين.

وانطلاقاً من هذه المقاربة، طرح منصوري والنواب الآخرون خطة اصلاحية ترمي إلى الخروج المتدرج من دهاليز سلامة وسياسات الحكومات المتعاقبة، بدءاً من تأمين التغطية القانونية لإنفاق مصرف لبنان على الاحتياجات الضرورية للدولة، ضمن فترة محدّدة وانتقالية، على أن تعمد الحكومة الى سداد القرض بعد حين، وصولاً الى إقرار موازنة وقوانين إصلاحية تنهي عصر الفوضى المالية والنقدية.

دلّ منصوري الحكومة على الوسائل الممكنة والعملية لتتكّل على نفسها وتزيد إيراداتها، من دون أن يقطع عنها التنفّس الاصطناعي عبر «أوكسيجين» الاقتراض بين ليلة وضحاها، فوافق على الاستمرار في تمويل نفقاتها الالزامية لأشهر قليلة، انما على أساس تأمين التشريع القانوني لهذا التمويل وتعهّد الحكومة بأن تعيد الدين خلال مهلة محدّدة.

حصل منصوري ورفاقه بعد التلويح الشهير بالاستقالة على تطمينات وضمانات بأنّ ما يطلبونه سيتحقّق، ولكن سرعان ما بدأ التنصّل من الاتفاقات والتعهّدات عندما حان أوان تسييلها.
ولعلّ اكثر ما يخشاه منصوري ان يكون قد حصل على شيكات من دون رصيد، وان يظهر انّ الإيجابيات التي أوحى بها بعض مَن في السلطة عشية رحيل سلامة تفتقر إلى «السيولة» السياسية، وسط محاولات لتضييع المسؤوليات ورميها من مكان إلى آخر.

بهذا المعنى يشعر منصوري بأنّه تُرك وحيداً في لحظة الحقيقة، بعدما فعل ما يتوجب عليه من تحمّل للمسؤولية وعدم الاستقالة ووضع سياسة نقدية متوازنة ومتزنة وضبط سعر الدولار الذي كان يتخوّف البعض من انفلاته، فيما تنكّر الآخرون لواجباتهم وأنكروا التزاماتهم حتى قبل صياح الديك.

ويؤكّد العارفون انّ منصوري لوّح أمس بالتوقف عن تمويل الدولة كلياً من مصرف لبنان إذا لم يتوافر التشريع اللازم، في ما يبدو أنّه نوع من الضغط على القوى السياسية لإقرار قانون تغطية الإنفاق، وهو أبلغ القريبين منه بأنّه لن يهتز ولن يتأثر بأي تهويل لثنيه عن خياراته ودفعه الى مواصلة سياسة الخضوع لطلبات السياسيين، مرّة بالمونة ومرة أخرى بالضغط، كما كان يجري في حقبة سلامة.

ويوضح المطلعون انّ منصوري يعتمد حالياً استراتيجية تستند إلى الركائز الآتية:
– الانسحاب التدريجي من ميدان الإنفاق على متطلبات الدولة لحماية ما تبقّى من ودائع وتثبيت الاستقرار النقدي، وبالتالي لا مجاملات في الصرف وكذلك لا صرف من دون تدقيق.
– محاولة ضبط سعر الليرة من دون المساس بالاحتياطي الالزامي. وقد نجح خلال الأيام الأولى لتولّيه الحاكمية في إبقاء الدولار مستقراً خلافاً لكل التوقعات، على الرغم من التوتر الأمني في مخيم عين الحلوة والمراوحة السياسية.
– تسديد رواتب موظفي القطاع العام على أساس منصّة صيرفة لئلا يكونوا ضحية التصحيح المالي كما كانوا ضحية الإخفاقات.
– مراعاة مطالبات القوى العسكرية والأمنية لحماية الاستقرار الداخلي.
– اعتماد الشفافية في إدارة البنك المركزي وعرض الأرقام المتعلقة به على الملأ. وعُلم في هذا الإطار انّ منصوري في صدد الكشف عن موجودات العملة الصعبة واحتياط الذهب، لتبيان ما له وما عليه عندما يسلّم موقعه الى حاكم أصيل.

ويأمل منصوري في أن تتخلّى بعض القوى السياسية عن الشعبوية والمزايدة في سلوكها، وان تقتنع بأنّه لم يعد ممكناً لها الاستمرار في «طعجة» الصرف غير المقونن، وانّ لا بدّ من إقرار الإصلاحات التي توقف الاعتماد على مصرف لبنان.

وإذا كانت سوق النقد قد تجاوزت بسلام حتى الآن صدمة عدم تعيين حاكم أصيل، واذا كان منصوري قد وُفّق في «ترويض» الدولار لغاية اليوم، فلا يجب الاطمئنان الى انّ الخطر انتهى، ولا تجوز المجازفة بالثبات النقدي الظرفي المتحقق، لأنّ هذا الستاتيكو سينهار ما لم تتمّ مواكبته بمعالجات جذرية تطوره نحو حلول مستدامة.

عماد مرمل

المصدر: صحيفة الجمهورية




الحاكم بالوكالة يضع الكرة في ملعب السُلطة

د. زكريا حمودان

بعد مخاض شاق وعاصف انتهت ولاية حاكم المصرف المركزي رياض سلامة وبدأت مرحلة جديدة وتاريخية في حاكمية مصرف لبنان، ولكن، مع نائب الحاكم بحكم الفراغ الرئاسي.
مرحلة جديدة وواعدة بدأها نائب الحاكم الذي لم نعتد على كلامه في الإعلام، كما اننا لم نعتد على هكذا نوع من العرض للملفات التقنية على المستوى المالي تحديدًا.

منصوري قدم أوراق البراءة قبل أن يبدأ

كثيرون ممن سارعوا في الحكم على نواب الحاكم، منهم من قال إنهم وافقوا على عمل الحاكم دون أي اعتراض، ومنهم من قال إنهم منتفعون، ومنهم من قال إنهم لا يفقهون شيئًا. المشترك بين مختلف الذين اتهموا نواب الحاكم هو النكد السياسي، في وقتٍ هناك من كان يخطط لاستمرار مسار البلد في الإطار القانوني الطبيعي ولكن ضمن المسار المنطقي وليس المسار المتعرج على الطريقة اللبنانية.

قدم وسيم منصوري ما لديه من أوراق تثبت أولًا أنه على اطلاع على سلبيات وايجابيات نشاط الحاكم. كما أفصح عن الضوابط القانونية التي كانت تسمح له بالتصريح بالاضافة الى تلك التي كانت تمنعه من ذلك، قدم أوراق ومستندات البراءة وسار باتجاه الخطوة الثانية والأهم، ضوابط عمله ونواب الحاكم إلى حين انتخاب رئيس.

“ضوابط الاستقرار ليست عندي”.. منصوري يتبرأ قبل البدء

قبل أن يبدأ مهامه بالوكالة عن الحاكم المنتهية ولايته، قدم منصوري أوراق اعتماده للشعب اللبناني وأبلغهم وبالعناوين العريضة لخطة عمل منطقية وبسيطة، كاشفًا عن الحقيقة دون الغوص في السلبيات.

ما يجب التركيز عليه في حديث الحاكم الجديد بالوكالة هو الجانب المنطقي، تحدد المسؤوليات بوضوح وبالتدريج، كما تحديد هامش المس بأموال المودعين بالإضافة الى علاقته مع الحكومة ومجلس النواب وما تبقى من أموال المودعين، حدد منصوري الضوابط دون ذكر الانهيار.

قد لا يحبذ البعض الحديث عن انهيار في بلد منهار، لكن من يغص في كلام منصوري يدرك أن الرجل أسهب في الشرح لكي يوضح لمن يريد أن يفهم أنه إذا لم تتم المبادرة الى تنفيذ المطلوب فسيحصل الانهيار.

ما عرضه منصوري كان واضحًا، خطة عمل مرتبطة بالآخرين، بممثلي الشعب وبالسلطة التنفيذية، أما حقيقة عمل المصرف المركزي فهي تقنية وتأتي بناء على مسار منطقي لا يحتاج الى الألاعيب الخفية التي كانت تحصل سابقًا.

عرض منصوري خطة علمية وأنهى حديثه بوضوح، أما المسؤولية فهي باتت في عهدة المجلس النيابي والحكومة.

المصدر:موقع العهد




انفجار مرفأ بيروت.. عندما تاجر بعض القضاء بدماء الشهداء

د. زكريا حمودان

منذ دوي صوت الانفجار المهول وسقوط الشهداء الذين كان من الممكن أن يكون أي واحدٍ منا بينهم في 4 آب 2000، بدأ مسلسل قديم جديد يُكتب عبر ضمير بعض القضاة الطامحين دائمًا إلى تحقيق شيءٍ ما على المستوى السياسي أو ربما على حساب الأمن القومي.

أسئلة مشروعة برسم القضاء!

ثلاث سنوات مرت على تفجير مرفأ بيروت. لا شيء يعيد تلك الأرواح البريئة التي سقطت، لكن ما قد يساهم في تبريد قلوب أهالي من سقطوا هو بعض الإجابات عن أسئلة مشروعة لا يمكن التغاضي عنها وأهمها:

١- لماذا سعى القاضي طارق البيطار إلى إبراز أسماء سياسية دون اعتماده تقنيًا على وضع مسؤولية مباشرة على المسبب المباشر للانفجار؟
٢- لماذا لم يتم إخبار أهالي الضحايا بالرواية الحقيقية لقصة النيترات؟ وكيف سُمح أن تُتداول في الإعلام عشرات الروايات التي تهدف الى الفتنة وذات بُعد سياسي؟
٣- لماذا لم يتم اخبار أهالي اللبنانيين عن حقيقة الانفجار؟ كيف حصل ومن هي الجهة التي نفذت اذا لم يكن حادثًا مفاجئًا؟
٤- لماذا لم يُسأل القاضي بيطار عن أسباب تردد السفير الالماني الى منزله وتدخله السافر في ملف تحقيقات مرفأ بيروت؟

وغيرها من الأسئلة التي ربما لا يستطيع القاضي بيطار الإجابة عنها لأنه متورط في صناعة الفتن الداخلية والتي لم ينجح بها بسبب وجود بصيرة تحمي لبنان من هذه المخططات.

خفايا وايضاحات في ملف التحقيقات

عديدة هي الايضاحات التي يجب أن نتوقف عندها ليصبح بعدها القاضي بيطار متهمًا وليس قاضيًا، فهو لم يدخل الى القضية ليكتشف لأهالي الشهداء والجرحى كيف حصل انفجار مرفأ بيروت ومن نقل النيترات وخزنها. لقد ركز القاضي بيطار على نقطة واحدة فقط وهي: كيف يمكن أن أصنع بروباغندا سياسية من خلال تحميل المسؤولية لفريق سياسي وذلك من خلال اتهام بعض المسؤولين بتفاصيل غير اساسية والتغاضي عن الانفجار ومسببه؟

شيء ما يُشبه التفجير الذي اغتيل فيه الرئيس الشهيد رفيق الحريري. اتهام شخصيات من فريق سياسي محدد وزج البعض في السجون دون سبب واطلاق سراحهم وليس اخلاء سبيلهم. محاولات جر البلد الى الفتنه وغيرها من المؤامرات التي شارك فيها القاضي بيطار.

من أغرب القضايا التي تآمر بها القضاء من خلال ذريعة انفجار المرفأ قضيتان، المدير العام للجمارك الاستاذ بدري ضاهر ومدير عام الامن العام السابق اللواء عباس ابراهيم.

في قضية مدير عام الجمارك القضاء الظالم سجنه خلف القضبان، أبعده عن عائلته، ولكن في نهاية المطاف برأه من خلال اطلاق سراحه دون اعادته الى حيث هو حقه الطبيعي في وظيفته، ولم يُصدر القضاء غير العادل اخلاء سبيله بسند اقامة في حق ضاهر بل أطلق سراحه بعد تجريده من وظيفته، فأكملت السُلطة السياسية عدالتها المجهولة ولم تعده الى مكانته الطبيعية.

أما في قضية مدير عام الامن العام السابق اللواء عباس ابراهيم فكانت الكيدية الطائفية البغيضة تغوص في روح القضاء اللبناني، فكيف لهذا الرجل أن يحقق جميع هذه الانجازات؟ وكيف له أن يصول ويجول ويلعب جميع هذه الادوار من تفاوض وتباحث مع الغرب في قضايا هامة لتصب نتائج عمله في خدمة لبنان؟ وكيف للقضاء الساذج أن لا يبحث عن الذي أتى بالنيترات وفجره ولكن يبحث عن ورقة موقعة وأُخرى مرت من هنا، ليتهم جهة محددة وموظفين من جهات محددة، ليخرج تلك الضغينة من نفوس الحاقدين على الوطن؟

اليوم وبعد ٣ سنوات على انفجار المرفأ، لقد تاجر القضاء بدماء الشهداء، واتهم البعض بكيدية سياسية وهم أبرياء، وتغاضى عن أساسيات التحقيق ولم يسع الى تحقيق عدالة حقيقية، لقد سعى الى تنفيذ أجندة غربية فقط.

المصدر: موقع العهد