1

بعلبك.. رسالة الشمس والموسيقى من باخوس إلى الكون

أسدلت مدينة بعلبك في لبنان، الأسبوع الفائت، الستارة على آخر عروضها الفنية لهذا العام ضمن مهرجانات بعلبك الدولية التي تُقام سنويًا داخل هياكل المدينة الأثرية، وتحديدًا عند معبد باخوس، وكان العرض الأخير لعازف البيانو اللبناني- الفرنسي سيمون غريشي ترافقه الراقصة الإيرانية رنا غرغاني بعد فعاليات متنوعة انطلقت في الثامن من هذا الشهر رغم الأوضاع الاقتصادية والسياسية السيئة التي مر ولا يزال يمر فيها لبنان والتي بالترافق مع انتشار وباء كورونا أدّت إلى توقف فعاليات هذا الحدث السنوي منذ العام 2019. على أن تلك الظروف لم تمنع المشرفين من استضافة الأوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية عام 2020 في معبد باخوس من دون جمهور حيث أضيئت أعمدة قلعة بعلبك مع حفل واحد بعنوان “صوت الصمود”، وفي العام 2021 أقيم حفل بعنوان “شمس لبنان لا تغيب” لمجموعة من المواهب الموسيقية الشابة، وتمّ بثّ الحفلتين عبر شاشات التلفزة؛ علمًا أن تاريخ المهرجان يعود للعام 1955 وشهد على أعمال موسيقية ضخمة على الصعيد العربي والعالمي ولم يتوقف إلا مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 حتى العام 1997، لأن بعلبك هي المدينة التي تؤثّث للفرح والموسيقى والجمال رغم كل مآسي هذا اللبنان الصغير.

أول مدينة في العالم؟

تقع مدينة بعلبك في شمال شرقي لبنان على بُعد 85 كيلومترًا من بيروت، وعلى بُعد 56 كيلومترًا من دمشق. يحكي المؤرخون أن النقوش المحفورة على جدران المعابد القديمة بالمدينة تُظهر أنها كانت مأهولة قبل أكثر من عشرة آلاف عام، وأن الفينيقيين بنوا أول هيكل في المدينة لإله الشمس الموجود خلف أعمدة “معبد جوبيتير” في المنطقة الأثرية. كما تم العثور على مغارة للطحين تعود لآلاف السنين. وثمة حكايا وقصص كثيرة عن مدينة بعلبك؛ إحدى الحكايا تقول إن قابيل هو من أنشأ مدينة بعلبك، وأنها أول مدينة في العالم وأسماها “أخنوع” على اسم ابنه، وهي المدينة الوحيدة التي نجت من “طوفان نوح”، كما يُعتقد أن “جبل سعيد” في المدينة هو الجبل الذي كان النبي إبراهيم سيذبح فيه ابنه إسماعيل. كما أن هناك بعض الآثار في المدينة التي يُقال إنها تعود لقصر النبي سليمان ودير النبي إلياس، وفي المدينة أيضًا قبر النبي نوح، وقد ذُكرت المدينة في سفر يشوع بـ”بعلغاد” وفي سفر الملوك بـ”ببعلاث” المُدرجة ضمن مدن النبي سليمان. كما أن موقعها جعل منها ممرًا للقوافل التجارية القديمة فكانت تقع على مفترق طرق بين سورية وفلسطين والساحل المتوسطي.

وتأتي تسمية بعلبك من “بعل” و”بك”؛ وكان الفينيقيون يطلقون اسم “بعل” على إله الشمس كما أن “بك” تعني البيت. ويذكر الكاتب أنيس بن فريحة في كتابه “معجم أسماء المدن والقرى اللبنانية” أن “بعل” يعني الرب، و”بك” تعود لسهل البقاع الذي يمتد على طول 120 كيلومترًا بين سلسلتي جبال لبنان الشرقية والغربية، وأنّ الاسم يعني إله وادي البقاع. عندما غزا الإغريق مدينة بعلبك في العام 332 ق.م أطلقوا عليها اسم “هليوبوليس” وتعني “مدينة الشمس” في إشارة إلى عبادة الإغريقيين للشمس. كما أطلقوا على المدينة اسم “أهراءات روما” لوفرة محاصيلها الزراعية. وقد أمر يوليوس قيصر ببناء الثالوث الروماني “معبد جوبيتير” وهو إله السماء أو أب السماء، و”معبد باخوس”، وباخوس هو إله الخمرة، وهذا المعبد أصغر حجمَا من معبد جوبيتير ولكن ما يميزه أنه لا يزال محافظًا على معالمه رغم الزلازل والحروب التي مرت على المدينة، و”معبد فينوس” إلهة الحب والجمال. واستمر التوسع في بناء الهياكل الرومانية من عام 64 قبل الميلاد حتى عام 305 ميلادي على أيدي أكثر من 25 ألف عامل كما يذكر المؤرخون، كما أنه تم استقدام مهندسين ونحاتين، ويُقال إن النحاتين كانوا يستوحون تماثيلهم من صور عشيقاتهم وينحتونها بالصخر على شكل آلهة أو أنصاف آلهة. كما تبيّن لعلماء الأثار أن معبد جوبيتير تم بناؤه على أنقاض معبد قديم. وتتميز هذه الهياكل بضخامتها وبنقوشها الرائعة. وكانت بعلبك في المرحلة الرومانية مستعمرة وكان سكانها يتمتعون بنفس حقوق السكان في روما وعليهم نفس الواجبات، وقد أهدى “يوليوس قيصر” المدينة لابنته “جوليا دومنا” وسُميت وقتها “هيليوبولس جوليا دومنا كولني”، وقد صُكّت عملة تحت هذا الاسم.

ويعزو الكثير الفضل في الإعلام عن أهمية هياكل بعلبك في أوروبا إلى المعماري الأيرلندي روبرت وود (1717 – 1771)، وزميله جايمس داوكينز (1722 – 1757)، إثر زيارتهما إلى بعلبك بعدما زارا مدينة تدمر في سورية سنة 1751، وأصدرا كتابهما “أطلال بعلبك أو هليوبوليس في سوريا المجوفة” في لندن سنة 1757. وزوّدا كتابيهما برسوم عن القلعة وأعمدتها التسعة، وكان ذلك قبل أن يضرب زلزال عنيف بعلبك بقوة 9 ريختر في 19 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1759 فتسقط ثلاثة أعمدة، وقد أرسل الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني عام 1904 بعد زيارته للمدينة وفدًا من علماء الآثار للقيام بعمليات الترميم، وكذلك أرسلت فرنسا في العام 1930 وفدًا لمتابعة الحفر وإجراء الدراسات عن هياكل بعلبك. وفي العام 1984 تم ضمّ هذه المنطقة الأثرية إلى قائمة التراث العالمي لليونيسكو.

في العام 2021 تم إطلاق تطبيق “بعلبك ريبورن” Baalbeck Reborn أي “بعلبك تولد من جديد”، بالتعاون بين المديرية العامة للآثار اللبنانية والمعهد الألماني للآثار وشركة “فلاي أوفر زوون” الأميركية للتعرّف على القلعة الأثرية قبل تغيّرها عبر الزمن وذلك من خلال محاكاة بصرية ثلاثية الأبعاد صدمت المشاهدين. وكان هذا التطبيق ثمرة عمل استغرق عامين وشارك فيه مؤرخون وعلماء آثار ومهندسون، ويُظهر التطبيق أن الأعمدة المتبقية من هياكل بعلبك ويعرفها حاليًا زوار القلعة ليست سوى جزء صغير من هياكل كبيرة بناها الرومان تقوم على أعمدة كثيرة تهدّمت عبر العصور. 

كتبوا عنها

لم تكن مدينة بعلبك وهياكلها الأثرية عنصرًا جاذبًا لعلماء الآثار والمهندسين المعماريين فقط، فقد كتب عنها الأدباء منذ امرؤ القيس والمتنبي حتى يومنا هذا، ونعرض هنا لعدد منها.

للشاعر خليل مطران (1872- 1949) وهو من مدينة بعلبك قصيدة طويلة عن مدينته بعنوان “روائع الآثار” نختار منها هذه الأبيات: 

إِيهِ آثَارَ بَعْلَبَكَّ سَلاَمٌ/ بَعْدَ طولِ النَّوَى وَبُعْدِ المزَار../ ذَكَرِيني طُفُولَتِي وَأَعِيدِي/ رَسْمَ عَهْدٍ عَنْ أَعْيُنِي مُتَوَارِي…/ حَبَّذَا هِـنْدُ ذِلكَ العَهْـــدُ لَكِنْ/ كُلُّ شَيءٍ إِلَى الرَّدَى وَالبَوَارِ/ هَدَّ عَزْمِي النَّوَى وَقَــوَّضَ جِسْـمِي/ فَدَمَارٌ يَمشِي بِدَارِ دَمَارِ/ خِرَبٌ حَارَتِ الْبَرِيَّة فِيهَا/ فتْنة السَّامعِينَ وَالنُّظارِ/ مُعْجِزَاتٌ مِــنَ البِنَاءِ كِبَارٌ/ لأُنَاسٍ مِلْءَ الزَّمَانِ كِبَارِ…/ مَعْبَدٌ لِلأَسْرَارِ قَامَ وَلَكِنْ/ صنْعُهُ كَانَ أَعْـظَمَ الأَسْرَارِ/ مثّل القَوْمُ كُلَّ شَيء عَجِيبٍ/ فِيهِ تَـمْثِيلَ حِكْمَةٍ وَاقْتِدَار/ صنَعُوا مِنْ جَمَادِهِ ثَمَرًا يُجْنَى/ وَلَكِنْ بالعـقلِ وَالأَبـصارِ/ وَشُمُـوسًا مُـضِـيئَةً وَشِعَاعـًا/ بَاهِـرَاتٍ لَكِنَّهـَا مِنْ حِجَار/ وَطُيُورًا ذَوَاهِـبـًا آيِبَاتٍ/ خَالِدَاتِ الغَدُوِّ وَالإِبكار/ في جنانٍ معَلَّقاتٍ زَوَاهٍ/ بِـصُـنُوفِ النُّجـُومِ وَالأَنْوَارِ/ وَأُسُودًا يُخْـشَى التَّحـَفـزُ منها/ ويروعُ السَّكوتُ كالتَّزْآر/ عَابِـساتِ الوُجوهِ غَيرَ غِـضابٍ/ بَـادِيَاتِ الأَنْيَابِ غَيرَ ضوَارِي…/ تـلْكَ آيَاتُهُم وَما بَـرِحتْ فِي/ كلِّ آنٍ رَوَائِعَ الزُّوَّارِ/ ضمَّهـا كُلَّهَا بَدِيعُ نِظَامٍ/ دَقَّ حَتَّى كَأَنَّها في انْتِثارِ/ فِي مقامٍ لِلحُسْـنِ يُـعْـبَـدُ بَـعْـدَ/ العَـقْـلِ فِـيـهِ وَالعَقْلُ بَعْدَ الْبَارِي/ منْـتَهَـى ما يُجادُ رَسْـمـًا وَأَبْهَـى/ ما تَحُجُّ الْقُـلُوبُ فِـي الأَنْـظَـارِ/ أَهلَ فِيـنيقِيا سَـلاَمٌ عَـلَيْكُم/ يَوْمَ تَفْنَى بَقِيَّة الأَدْهَارِ/ لَكُمُ الأَرْضُ خَالِدِينَ عَلَيْهَا/ بِعَظيمِ الأَعمال والآثار/ خضتم البحر يوم كان عَصيـًا/ لم يُـسخَّر لقوَّةٍ مِن بُخارِ/ وَرَكِـبتُمْ منهُ جوادًا حرُونـًا/ قلقـًا بِالمُمَرَّسِ المِغوَارِ/ إِنْ تمَادَى عدْوًا بِهمْ كَبَـحُوهُ/ وَأَقالُوهُ إِنْ كـبا مِنْ عِثَارِ/ وَإِذَا مَا طغى بِهِـمْ أَوْشَـكوا أَنْ/ يأْخذُوا لاَعبِينَ بالأَقْـمَارِ/ غَـيْـرُ صَعْـبٍ تَخلِيدُ ذِكْرٍ عَلَى الأَرْ/ ضِ لِمنْ خَلَّدُوهُ فَـوْقَ البِحَارِ/ شَيَّدُوها لِلشَّمـسِ دَارَ صَلاَةٍ/ وَأَتَـمِّ الرُّومانُ حَلْيَ الدَّار/ هُـم دُعاةُ الفَلاحِ في ذلِكَ/ العَصْرِ وَأَهْلُ العُمْرَانِ فِي الأَمصارِ/ نحـتوا الرَّاسِـيَـاتِ تَـحْـتَ صُـخُـورٍ/ وَأَبانُوا دَقائِقَ الأَفكَارِ/ وَأَجادُوا الدمَى فَجَازَ عَـلَيْهِـمْ/ أَنَّها الآمِـرَاتُ في الأَقدَارِ/ سَجَدُوا لِلَّذِي همُ صَنَعُوهُ/ سجَـدَاتِ الإِجلاَلِ وَالإِكـبارِ…

ويكتب الشاعر اللبناني وديع عقل (1882-1933) في قصيدته عن بعلبك:

يا بعلبك أطوف فيك كأنني/ شبحٌ يطوف بمدفن الأجيالِ/ وأطلُّ منك على الوجود فلا أرى/ في الشرق غير مفاخر الأطلال/ ذهب التليد ولا طريف بعده/ وعفا الجديدُ فكل شيءٍ بال/ لم يبقَ للأحفاد من أجدادهم/ إلا رسوم معاقل ومعالي/ هممٌ طوينَ وما ولدن نظائرًا/ وأماثلٌ درجوا بلا أمثال/ وحقيقة مرت وما تركت لنا/ إلا مجال توهّمٍ وخيال/ إن الأُولى في بعلبك تزاحموا/ لعبادة الأوثان والأبعال/ بلغوا من الدين المسفه فوق ما/ بلغ الأولى عبدوا الاله العالي/ فلو أن دين الشرق دين واحد/ لوقفت لا أرثي الزمان الخالي.

ولجبران خليل جبران (1883- 1931) قصيدة “كم وقفة في بعلبك وقفتها” يقول فيها:

كم وقفة في بعلبك وقفتها/ أرمي الجهات بناظر رواد/ بينا أعيد الطرف عنها راويا/ عجبًا وإعجابًا إذا هو صاد/ أرنو ومربأتي بقايا هيكل/ من أعجب الآثار والأبلاد/ الروضة الخضراء تحت مظلة/ من ناصع النوار في الأعواد/ والسهل يبسط للنواظر بعدها/ طرفًا روائعها بلا تعداد/ لطف التناسق بينها حتى انتفى/ ما بينها من شاسع الأبعاد.

ويقول الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي (1897-1977):

جــئت أطـلال بـعـلبـك أنـاجي/ ذكريات لها بقـلبـي انتفاض/ زرتها والشـباب غـضٌّ وباقٍ/ مني اليوم مثلها أنقاض/ لسـت أفنى وليـس تـفـنـى كلانا/ جوهـر لا تزيله الأعراض/ يشتهي الشعر وصفها والخيال الـ/ نـسـر قـصّـت جـناحـه الأمراض.

أما إيتيل عدنان (1925- 2021) فكانت لها مطوّلة شعرية بعنوان “بعلبك” نختار مقتطفات منها:

من “أورفيوس” إلى “ماياكوفسكي”/ دارت الشمسُ حول رأسي/ تتوهّج كتلةَ من ذَهَبٍ ونُور/ هي الألوهة الأولى/ التي انتصبتْ/ من أجلها/ معابدٌ من حجر/ تزورني/ وهي الأخيرة بالتأكيد/ بين الأنصاب والأعمدة الأعلى منها/ أدركتُ، طفلةَ/ أن مملكتي ستكون/ من هذه الحجارة/ ومن لَيلها.

أمسكني الجفافُ/ من حلقي/ لن أغني/ المعبدُ موجود، حقًا موجود/ ومدرجاته صلدة/ والآلهة/ كي لا يبارحنه، رقصوا/ ثم قرروا ان يموتوا/ خلّفوا وراءهم شمسًا/ أحببناها/ مع أنها همجية.

الجدول الجاري/ تحت المعبد/ هو سِلك “آريان”/ الذي يقودني إلى “المينوتور”/ قبل أن يغور في مزارع القطن..

هنا الهواء جاف/ والأحياء يهربون/ مثل خيول جامحة/ تعدو في البعيد/ بين سلسلة لبنان الغربية/ وسلسلة لبنان الشرقية.

يتمتّع العالم بذكاءٍ تام/ ونحن لنا/ كل الأعمدة المنتصبة/ أينما كانت/ لأننا الوحيدون الذين نعتني بها.

عند منقلب الجبل/ يمتد البحر الأبيض المتوسط/ ينفخ في مراكب/ تخترق جسدَه/ مع أنه بقي على قيد الحياة/ بعد قرطاجة وأفلاطون/ والمتنبي/ مثلنا/ هل إن هؤلاء متفردون/ أم متحاورون؟/ من أين لنا أن نعرف؟

ما شأن الذاكرة/ بين هذه الحجارة/ التي تتكرر أبدًا/ وهي الأعتق من الخليقة/ وتصرّ على قول ذلك/ “أورفيوس” يتنّزه في ساحة القرية/ لهذا، الريح في براءتها/ تُبعِثر الشموسَ التي تغيب/ وتلتحق بلهاثنا/ لتقودنا إلى هذه الأمكنة، حيث “التاريخ” و”العدم” يمزجان مياههما العظيمة.

كان الأسد/ أولَ حيوان أحببته/ منحوتًا على جدار من حجرٍ/ وبَرْد/ أما الثاني/ فقد كشف لي/ عُمقَ البَشَرة المذهل/ والعطرَ الذي تختزنه/ كان الحجر/ في الشرق/ أما الحُب/ ففي مكان آخر.

إحذروا الماضي/ إنه سُمُّ/ حقولنا الجافة/ إحذروا أعمدته/ إنها أشجار بلا/ ربيع ولا شتاء/ يتآكلها هي أيضًا/ القلقُ في مواجهة القَدَر.

عادت الحجارة إلى حواراتها/ لكي نعترف بأن المادة/ تتجاوز مداركنا/ الأشياء هي أطفال ظلالها.

في بعلبك/ معبدٌ لمجد “باخوس” و”بوليناس”/ هو “قصر الليل”/ الذي تحرسه “جوان كيغر” بأشعارها/ فقد شاهدتهما بعيون طفولتي التي كانت/ تجذب صغار ماسحي الأحذية/ في أزقة بيروت/ فيما البحر يتفجّر بالنُور والقيظ.

من تحت أقدامنا/ ترتفع ذكرى خفيفة/ لا تلبث أن تتبخّر/ ضاجةً أو هامسةً/ لأن بلادنا لن تلبث/ أن تتبدّد في دخان.

أود أن ألقاني وسط بدايات تلك الآثار/ في نوع من جنون سائل/ يتحوّل إلى سماء/ فوق رأسي/ في وتيرة متسارعة/ لا اسم لها.

نعم، أنا في جوع إلى تلك الحجارة التي أركض بينها/ في زمنٍ سابق على ما قبل التاريخ/ الرغبات والأفكار المودعة في الذاكرة/ تنطفئ/ واحدة بعد أخرى/ سوف أسافر طوال ذلك الليل/ دون حراك.

صعدتُ مدرّجات الغرانيت الوردي/ ومن ذلك الارتفاع/ شاهدتُ ولادة آسيا/ أعظم القارات/ حيث اجتمع التاريخ واللازمن/ ثم توقّف كل شيء/ لم يبقَ غير السماء/ قاسية، نائية، خالدة/ فجأةً/ بدا أن كل شيء صار أليفًا/ يسهم في نظام واحد:/ لا شيء أقرب إلى المقدّس من العدم.

لن أعود لاسمع غناء “إلّلا فيتزجيرالد”/ ينداح فوق الأعمدة/ ولا هي سوف تعود.

لآثار ذخائر ونحن أنسباؤها/  بغض النظر عن السلالة.

طلال حيدر أقرب إلى الحقيقة مني/ ما دام ينتمي إلى هذا المكان/ كان يلتقط القمر بين الحجارة/ ويحمله إلى سريره وهو ينحني، في هذه الأيام/ ليلتقط زهرة/ فيعثر على خيط دَم.

وكتب الأخوان رحباني لبعلبك قصيدة “بعلبك أنا شمعة على دراجك”، وغنتها فيروز:

بعلبك/ أنا شمعة على دراجك/ وردة على سياجك/ أنا نقطة زيت بسراجك/ بعلبك/ يا قصّة عزّ عليانة/ بالبال حليانة/ يا معمّرة بقلوب وغناني/ هون نحنا هون/ لوين بدنا نروح/ يا قلب يا مشبّك/ بحجارة بعلبك/ عالدهر/ عَ سنين العمر/ هون نحنا هون/ وضوّ القمر مشلوح/ عا أهلنا الحلوين/ عَ بيوت غرقانين/ بالعطر/ بغمار الزهر/ هون رح نبقى نسعد ونشقى/ نزرع السجرة، وحدّا الغنّية/ وللدني نحكي حكاية إلهية/ وبعلبك بهالدهر مضوية/ وعَ إسمها السهرات مسمية.

كما كتب الأخوان رحباني قصيدة “يا قلبي لا تتعب قلبك” وغنتها فيروز، ومنها:

يا قلبي لا تتعب قلبك/ بحبك على طول بحبك/ بتروح كثير وبتغيب كثير/ وبترجع ع دراج بعلبك/ يا قلبي لا تتعب قلبك/ ماشي والقمر ماشي .. تبْعَتْ مَرَاسيلْ/ يا قلبي الْـ متل فراشِة .. حَوْل القناديلْ/ لا بتعرف وَهْج النار .. ولا بتكَفّي المشوارْ، وملبَّك بالحبّ ملبَّك/ وتروح وترجع عَ بْعَلْبَك…

وللشاعر عبد الغني طليس (مواليد 1955)، وهو من بلدة بريتال (من قرى قضاء بعلبك)، قصيدة “كأني سوف أرثي بعلبك” نختار مقتطفًا منها:

الصُّبْحُ في عرشِهِ الأنقى يؤاخيها/ والليل مجنون موسيقى يُناجيها/ تلك الجميلةُ تُدْعى بعلَبَكَّ ولِي/ نبعٌ منَ الحبِّ قد أَجرَيتُهُ فيها/ يا بَعْلَبَكُّ هنا أهلي أُسلّمُهُمْ/ روحي، وأطلِقها والربُّ راعيها/ وكلّما جئتُ رأسَ العين يخنِقُني/ الحنينُ، يُبعَثُ حيًّا إذ أُحَيّيها/ أنا تَنَشّقتُ عطرًا منْ بنفسَجِها/ أنا حفَظتُ صلاتي في فَيافِيها/ وعندَ قلعتِها سَلّمْتُ أسلِحتي/ لكي تُزوّدَني  تيجانُها  تِيها/ أجِيئُها اليوم ..لا أدري لِمَ انْفتَحَتْ/ بيَ الجروحُ ..كأني سوف أرْثيها/ مِنْ بَعْلَبَكّ، أنا الطيرُ ارتَفَعْتُ غِوىً/ وما قَبلْتُ لصوتِ الريحِ تَنبيها/ يا خُبزَ تَنُّورِ سِتّي ما أكلْتُ أنا/ مِنْ بَعدِكَ الخبزَ  إلّا كانَ تَمويها…/ يا بعْلَبَكُّ وقد كنا على طَرَبٍ/ نُغوي حبيباتنا بالبدرِ تَشبيها/ وما تذكّرتُ حبًّا فيكِ مَرْمَرَني/ إلّا طلبْتُ لنفسي مَن يُداويها/ و”خَولةٌ” في “مقامٍ”  فَقْرُهُ مَلِكٌ/ تُعطيكَ من قبلِ أن تَبْدَا تَرجّيها/ وذاكَ خَطُّ قطارٍ ضاعَ سائقُهُ/ في السهلِ بين حكايا، ضاعَ حاكيها/ أينَ البساتينُ، هل ما زال يغمُرُها/ ثلْجٌ يُسَطّرُ أشعارًا ويُلقيها/ وليلةُ العِيدِ؟، لا نَومٌ، وأسألُكُمْ/ هل كانَ أطولَ يومُ العيدِ تَرفيها؟/ وجَمْعةُ الأهلِ والوِلْدانِ أينَ خَبَتْ/ والدارُ مِنْ حسَدٍ ضاقت نَواحيها/ وكيفَ حالُ الرّفاقِ الحاملينَ معي/ كأسَ الطفولةِ في أبهى معانيها/ لِلسيفِ أنت ولِلضيفِ الكريمِ ولِلْ/ رِجالِ خاضوا من الدنيا دَواهيها…/ إذا السياسةُ لا عَقلٌ يُحاسِبُها/ إذن سيطلُبُ أهلُ الكهفِ تَنويها!/ ما هكذا الأرضُ كانت، بَعْلَبَكُّ أنا/ عَرَفْتُها إذ تُنادي الحَقّ يأتيها/ كانت بروعةِ ما كنّا  نُدلِّلُها/ بالشوقِ نُطعِمُها، بالصبرِ نَسقيها/ لكنها الآنَ لا نَهرٌ  يُسامِرُها/ ولا رفيقٌ على البَلْوى يُواسيها/ يا بَعْلَبَكُّ أعِيدينا إلى لُغةٍ/ فيها نُعيدُ الأماني مِنْ مَنافيها/ وعلّمينا بأنّ اللهَ ليس لنا/ لِوَحدِنا، وبنا الأكوانَ يُنْهيها/ كنتِ العروبةَ لمّا لمْ يكنْ عربٌ/ وتلك راياتُ عِزٍّ  ليس نُخفيها/ وكنتِ أنشودةَ الإسلامِ ما رُفِعَتْ/ فيكِ المصاحفُ تَدْلِيسًا وتَسْفيها/ وكنتِ صوتَ فلسطينٍ وفِتْيَتِها/ وغيرُنا عاشَ حاميها حَراميها!…

امرؤ القيس والمتنبي

ويذكر امرؤ القيس بعلبك في قصيدته “لك شوق بعدما كان أقصر” يقول فيها:

لقد أنكرتني بعلبك وأهلها/ وجوًّا فَرَوّى نخل قيس بن شمّرا.

أما المتنبي فقد أقام في عدة أماكن لبنانية ومنها قرية نحلة من قرى قضاء بعلبك حيث كان في ضيافة صديقه أبي علي هارون بن عبد العزيز الأوراجي (الكاتب الذي كان يذهب إلى التصوف)، والذي مدحه المتنبي في قصيدة أخرى في ديوانه. يقول المتنبي:

ما مقامي بأرض نحلة إلا/ كمقام المسيح بين اليهود/ مفرشي صهوة الحصان ولكنّ/ قميصي مسرودة من حديدِ/ وفي هذه القصيدة أبيات في الفخر مشهورة، هي/ لا بقومي شرفتُ بل شرفوا بي/ وبنفسي فخرتُ لا بجدودي/ وبهم فخرُ كل من نطق الضادَ/ وعوذُ الجاني وغوثُ الطريدِ/ إن أكن معجبًا فعجبُ عجيبٍ/ لم يجد فوق نفسه من مزيد/ أنا تربُ الندى وربُّ القوافي/ وسمامُ العدى وغيظُ الحسود/ أنا في أمة تداركها الله/ غريبٌ كصالح في ثمود.

وفي قصيدته الأخرى يقول المتنبي:

أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت/ وإذا نطقتُ فإنني الجوزاءُ/ وإذا خليتُ على الغبيّ فعاذرٌ/ أن لا تراني مقلة عمياءُ/ بيني وبين أبي عليّ مثلُهُ/ شمُّ الجبالِ ومثلهنّ رجاءُ/ وعقاب لبنان وكيف بقطعها/ وهو الشتاءُ وصيفهن شتاءُ/ لبس الثلوج بها عليّ مسالكي/ فكأنها ببياضها سوداءُ/ وكذا الكريم إذا أقام ببلدةٍ/ سال النضارُ بها وقام الماءُ.

لوحات تشكيلية

أما تشكيليًا فقد كان لبعلبك نصيب من الحب من فنانين بارزين في العالم، نختار هنا ستة أعمال فنية لفنانين من العالم صوّروا القلعة في أوقات مختلفة وهم:

لويس فرانسوا كاساس  Louis-François Cassas‏ (1756- 1827) هو رسام مناظر طبيعية ومعماري وأثري وجامع تحف فرنسي. تجول في الشرق ورسم العديد من الآثار والمناظر في كل من سورية وفلسطين ولبنان ومصر. عام 1785، زار كاساس مصر، حيث رسم آثار الإسكندرية والأهرامات ومساجد القاهرة، كما زار تدمر ورسم آثارها، وزار فلسطين ورسم بعض آثارها ورسم هياكل مدينة بعلبك. وعند اندلاع الثورة الفرنسية، عاد كاساس إلى فرنسا سنة 1792. وفي سنة 1799، نشر أعماله في كتاب “رحلة تصويرية في سورية وفينيقيا وفلسطين ومصر السفلى”  وقد أودعت أصول لوحاته الزيتية التي أنجزها في هذه الرحلات بالمكتبة الملكية الفرنسية. لوحته عن بعلبك بعنوان “بعلبك: معبد جوبيتير” ويتخيل فيها هياكل بعلبك قبل تعرّضها للدمار بسبب الحروب ومرور الزمن.

ديفيد روبرتس David Roberts (1796-1864)  وعمله بعنوان “مدخل قلعة بعلبك الذهبية”، وديفيد روبرتس هو رسام سكتلندي. اشتهر بمجموعة لوحاته التوثيقية عن مصر وعدد من بلدان الشرق الأوسط، أنتجها خلال فترة أربعينيات القرن التاسع عشر في رحلاته الاستكشافية عن المنطقة جاعلة منه من أهم المستشرقين البارزين.

فاسيلي بولينوف Vasily Polenov (1844-1927)  رسام روسي يهتم برسم المناظر الطبيعية. أطلق عليه معاصروه لقب “فارس الجمال” لأنه جسّد التقاليد الأوروبية والروسية للرسم. تم تلخيص رؤيته للحياة على النحو التالي: “يجب أن يعزز الفن السعادة والفرح”. كان يؤمن بالمهمة الحضارية للفن والثقافة والتعليم. عام 1881 قام برحلة إلى الشرق الأوسط فكانت له عدد من اللوحات عن الأماكن الأثرية في الشرق الأوسط، ورسم عن بعلبك عددًا من اللوحات منها لوحة “معبد جوبيتير- معبد الشمس” ينقل فيها رسمًا حيًا للقلعة وللمكان الذي يحيط بها، ولوحة “بعلبك” يرسم فيها مدخل القلعة.

إرنست كارل يوجين كورنر Ernest Karl Eugen Koerner  (1846-1927) وهو فنان تشكيلي ألماني عُرف برسمه للمناظر الطبيعية. أمضى معظم أيام حياته في السفر إلى بحر الشمال ودول البلطيق وجبال هارز وفرنسا وإنجلترا وإيطاليا واسكتلندا وإسبانيا. من عام 1873 إلى 1886، قام برحلات عديدة إلى مصر والشرق الأوسط، حيث رسم بعضًا من أشهر لوحاته ومنها لوحاته عن العمارة المصرية ولوحته الشهيرة عن بعلبك بعنوان “الساعة الذهبية بين المناظر الطبيعية” حيث رسم قلعة بعلبك قبيل غروب الشمس.

جورج ماكو George Macco (1863-1933) كان رسامًا ألمانيًا اهتم برسم المناظر الطبيعية، واشتهر في المقام الأول بأعماله الاستشراقية، فقد سافر في جميع أنحاء منطقة البحر الأبيض المتوسط، اسطنبول وبعلبك والقدس والقاهرة ومكة. أصبحت الأعمال التي أنتجها نتيجة لهذه الأسفار أكثر أعماله شعبية. عمله “بعلبك-لبنان” يصوّر فيه القلعة وخلفها يبدو جانب من سلسلة جبال لبنان الغربية المكسوة بالثلوج.

ألكسندر كريسويل Alexander Creswell (مواليد 1957) فنان بريطاني مشهور بمهاراته الفنية في الرسم بالألوان المائية. يجمع أسلوبه المميز في الألوان المائية بين التلوين الخفيف والبراعة الماهرة في الرسم جنبًا إلى جنب مع عمق الضوء الطبيعي. رسخ كريسويل مكانته في الرسم المعماري وهو معروف عالميًا بقدرته الاستثنائية على التقاط روح المكان. يعد السفر عنصرًا أساسيًا في عمل كريسويل، فهو يرسم باستمرار في رحلاته العديدة ويعيد المواد إلى الاستوديو الخاص به في المملكة المتحدة. رسم على نطاق واسع في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة وروسيا ومصر والشرق الأقصى والشرق الأوسط. قام مؤخرًا بإنشاء مجموعة من اللوحات من طريق الحرير في أوزبكستان، ويعمل حاليًا على سلسلة أعمال عن القدس والأراضي المقدسة. عمله “قلعة بعلبك” يرسم فيه معبد باخوس بدقة لامتناهية وكأننا أمام صورة حية للمكان.

دارين حوماني

المصدر: موقع ضفة ثالثة




“بين القصرين”: السراسقة من بيروت إلى روما

قبل فترةٍ غير بعيدة، أعيد افتتاح متحف سرسق في بيروت. المتحف، الذي كان قصرًا من قصور العائلة التي يحمل اسمها، يحوي ما تحويه المتاحف عادةً: الفنون البرجوازية، والتاريخ البرجوازي، والعلاقات في ما بينهما. لكن تاريخ العائلة أكبر من قصرها. وهو فصلُ قصير من فصول البرجوازية اللبنانية، وأدوارها التي تتجاوز الفنون والسياسة، إلى المشاركة في بناء المدينة ونسج العلاقات الاجتماعية فيها، وفي الانسحاب منها بعد أفول الزمن الإمبراطوري وظهور الدولة القومية. في القصر، ليست التحف فقط ما يمكنك أن تراه.
بعد أقل من شهر على انفجار المرفأ، توفيت السيدة إيڤون سرسق متأثرة بجراحها. في لحظة الانفجار، كانت على الشرفة. وكانت الشرفة التي تطلّ على تاريخ سحيق، معزولة تقريبًا عن التحولات في المدينة منذ وقتٍ بعيد، منذ انكفاء العائلة عن كل شيء إلا عن تاريخها البرجوازي، ودور هذا التاريخ في تشكيل هذا الجزء من المدينة، الذي بقي قائمًا حتى الانفجار. وكانت الراحلة، هي الابنة الوحيدة لألفرد سرسق، من زوجته ماريا تيريزا سيرا دي كاسانو. أما فرانشسكو سيرا، جد إيڤون، فكان دوق كاسانو السابع، الذي تعود أصوله إلى البحر أيضًا. لكن إلى جنوى، وليس إلى القسطنطينية، أو إلى بيروت. أحد أجداد السيدة إيڤون، في قرونٍ غابرة، كان هو الآخر ملكًا على سردينيا.
ولا تتوقف الدماء الإيطالية في عائلة سرسق على ما تركته ماريا تيريزا من كاسانو في عروق ابنتها الراحلة إيڤون. في أوائل القرن السادس عشر، تحديدًا عام 1527، هاجم جنود شارلز الخامس روما. ولولا التحالف الذي عقدته عائلة كولونا الإيطالية مع إمبراطورية الهابسبورغ لكان القصر قد تعرض للنهب والتخريب، كما حلّ بمعظم القصور في حادثة “احتلال روما” آنذاك. هذا القصر الرهيب ستسكنه سيدة لبنانية، وتترك أثرًا كبيرًا فيه، حتى رحيلها أواخر ثمانينيات القرن الفائت. هذه السيدة هي إيزابيل سرسق، التي ولدت في بيروت عام 1889. غالبًا في الشارع نفسه الذي هزّه انفجار المرفأ قبل عامين. في كثيرٍ من المصادر الإيطالية، حتى المعاصرة منها، يعرّف عن “دونا إيزابيل إيلين سرسق” بأنها من عائلة مسيحية أورثوذكسية يونانية من أصل بيزنطي، وأنها من أهم العائلات في بيروت. وفي أحيانٍ كثيرة، لا نجد أثرًا لتجارة الحرير التي كان لها دور كبير في صعود العائلة، وإنما يبدأ التحقيب في تاريخ عائلتها منذ قدومها إلى إيطاليا. وفي ذلك الوقت، كان “السراسقة” مصرفيين وصرافين وأثرياء للغاية فعلًا. كذلك، لا تعترف هذه المصادر بمحل إقامتها العثماني في الزمن الإمبراطوري، ولا اللبناني في بداية نشوء القوميات، وبالتالي بهويتها لحظة ذهابها إلى روما لكي تتزوج مارك أنطونيو السابع. زوجها، الذي يعود نسله هو الآخر إلى العرش البابوي المنتصر على العثمانيين في معركة ليبانتو عام 1571، والتي كانت أساسية لتأكيد السيطرة الغربية على البحر الأبيض المتوسط.
وكما لعبت إيڤون سرسق في ترميم قصر العائلة ومتحفها في بيروت، لعبت إيزابيل دورًا كبيرًا في ترميم “قصر كولونا”، الذي بني على أسس معبدٍ روماني شهير هو سيرابيس في روما، وعبر مراحل عدة تاريخيًا. من بين المهندسين الكبار الذي عملوا بإشرافها في ترميم القصر، أندريا بوزيري، ڤيشي وفدريكو زِري، وتوماسو بوتزي. وخلال عملية الترميم، نقلت إيزابيل معها أطيافًا من بيروت إلى روما. بلغةٍ أكثر دقة، كان يمكننا القول: نقلت شيئًا من المعرفة البرجوازية الناشئة على الحوض الشرقي للمتوسط، إلى البرجوازية العريقة في غربه. وإن لم تكن هذه المعرفة معرفةً بالمعنى الذي نتخيله، بل كانت مجرد رخام. فتاريخ البرجوازيات للأمكنة والأزمنة هو تاريخها نفسها في تلك الأزمنة وفي تلك الأمكنة، وليس تاريخًا واقعيًا للعالم وللعلاقات بين جميع الطبقات. يبقى أنّ ذلك الرخام الشرقي كان حدثًا، وقد رأى نقاد إيطاليون وقتها أنه يحوي شيئًا من “روح الشرق الأدنى الفرنسي”. والتسمية في حد ذاتها تفتح نقاشًا طويلًا عن العلاقات الاستعمارية بعد الاستعمار، وعن التحالفات البرجوازية قبله، وعن تاريخ المتوسط المأسور بهذه العلاقات.

لا ورثة للسراسقة. والقصد أنه لا ورثة للدور الأرستقراطي الذي لعبته العائلة في زمانها. رغم ذلك، في زمنها، لقبت إيزابيل سرسق كولونا بأنها “وصيفة ملكة إيطاليا”، لشدّة ما كانت كاريزمية، ولشدّة ما كانت محبوبة في أوساط البرجوازية الإيطالية. كان دورها كبيرًا في حماية القصر في كولونا، وفي حماية تحفه وأثاثه خلال الغزو النازي لروما في الحرب العالمية الثانية، بعد أن خبأتها في ملجأ تابع للسفارة الإسبانية، وأعيدت إليه بعد الحرب. يشمل هذا الأعمال الانطباعية الكلاسيكية في القصر، ولا سيما أعمال ڤانڤيتِللي، وپينتوريكّيو، وپومارانشو، بالإضافة إلى أعمال پيتر موريل، وغاسپار دوغيت.
يمكننا التسليم أن ما بين كولونا وسرسق هو علاقات طبيعية بين الأسر البرجوازية في ذلك الوقت. كذلك الأمر العلاقة بين القصرين وبين محتوياتهما التحفية، لما نعرفه عن العلاقة بين تلك الأسر والفنون. قد يكون الأمر برمته مجرد رخام. لكن “تفسير الرخام”، على ما يذهب الشاعر، ليس أمرًا سهلًا. تعود أصول آل سرسق إلى القسطنطينية قبل سقوطها، ولكن ليس أصول القصر. فالقصر بيروتي ولبناني وشاهد على مرحلةٍ لبنانية. مرحلة أفرطت التقاليد اللبنانوية في التأريخ بأسطرتها، وكذلك أفرطت السرديات المضادة في ذمها والتقليل من حضورها في مراحل نشوء المدينة وتطورها. لكن التاريخ يبقى تاريخًا، تهيمن عليه الأيديولوجيا أحيانًا، وفي أحيانٍ أخرى يمحو الوقت أجزاءً من الصورة. كيف لا يكون كذلك، وقد عاشت العائلة العريقة في مرسين العثمانية قبل وصولها إلى جبيل على السواحل الشمالية للبنان، قبل أن يكون “لبنان الكبير”، وهذا يعني أن أصولها الثقافية، قبل أن تصبح واحدة من أكبر البرجوازيات في المنطقة، هي أصول مختلطة. في جبيل، أقامت العائلة في البربارة، وهي واحدة من 7 قرى شكلت “قرنة الروم” على السواحل الشمالية اللبنانية، قبل وصولها إلى بيروت. والمقصود بهذه القرنة، القرى الأورثوذكسية في المحيط الماروني. وفي بيروت، لا يبدو تتبع الأيام الأولى للعائلة سهلًا، فقد عاشوا في بيروت منذ 1712، لكن الوثيقة الأولى التي تثبت وجود السراسقة في بيروت تعود إلى 1832، وقد كانت المدينة محتلة آنذاك من قوات إبراهيم باشا. لكن الوثائق الأخرى في أرشيف العائلة كثيرة، وهي التي دقق فيها الباحث الإيطالي لورنزو ترومبتا. تشير هذه الوثائق إلى أن أشياء كثيرة حول تاريخ البرجوازية اللبنانية وعلاقاتها مع السلطات العثمانية، وبين البرجوازية وبين ممثلي الدول الغربية في سياقٍ مواز.

آخر “الورثة” المعاصرين والمعروفين في بيروت هو نقولا، الذي أصبح القصر متحفًا بناءً على رغبته. ومن ناحية تقنية، يجب الإشارة إلى أن المتحف خضع لعملية ترميم قبل انفجار المرفأ، وبعده أيضًا. وهو يحوي اليوم مجموعات ثابتة، في مثل المجموعة الشرقية، التي يمكن تبدأ بالأيقونات البيزنطية، وتمر بالتحف الإسلامية، وتنتهي ببعض الأعمال التي تعود إلى المراحل الأخيرة في العهد العثماني. وكذلك، هنالك مجموعة الفن المعاصر، التي تضم أعمالًا متنوعة لفنانين متنوعين. وهناك مجموعة فؤاد دباس للصور الفوتوغرافية، والتي تشكّل أرشيفًا بصريًا ثمينًا يمتد على قرنٍ كامل (بين أواسط القرن التاسع عشر وأواسط القرن العشرين) ليس فقط للبنان، إنما لكل المنطقة. وفي المتحف أيضًا، تمثال “الباكيتان” الشهير، ليوسف الحويّك، الذي أزيل من ساحة الشهداء في وسط بيروت قبل الحرب الأهلية. لكن ما ليس موجودًا في التحف قد يكون موجودًا في الوثائق التاريخية. في أبحاثه، يذكر ترومبتا أن آل سرسق كانوا ملاكًا غائبين للعقارات في مرج ابن عامر شمال فلسطين. ومن بين ما يذكره أن منظمات الاستيطان أبرمت عقودًا لشراء 71356 دونمًا في المرج من آل سرسق، مشيرًا إلى أن حادثة البيع هذه مشهورة، وإلى أن السلطات العثمانية فشلت في منع الوكالة اليهودية من الاستحواذ على أراضي الفلسطينيين، لأنها “كانت مقيدة بالضغوط الأوروبية، وبجشع كبار المالكين للأراضي”. بعد هذه العملية، تم طرد المزارعين الأصليين. أما الحجة التي تذرع بها البريطانيون، فكانت أنّ المزارعين يدفعون العشور لآل سرسق، مقابل حقهم في العمل في الأراضي التي استحوذت عليها العائلة الأرستقراطية في أوقاتٍ سابقة. هكذا تذرع الانتداب البريطاني بأن المزارعين كانوا “مُستأجِرين”، وأيدوا عملية الشراء التي قام بها الصندوق القومي اليهودي.

 لعبت إيڤون سرسق دورًا في ترميم قصر العائلة ومتحفها في بيروت

في مكان إقامتهم، كان الأمر مختلفًا. كان آل سرسق راسخين في بيروت… وفي روما. لا تعرف إن كان القصر متحفًا، أم أن الحدس خاطئ، والأمر بالمقلوب، فيكون المتحف قصرًا. وهذا فصل من فصول العلاقة بين البرجوازية وبين تاريخ الفنون، التي خضعت لهيمنة طويلة واحتكار طويل من أصحاب القدرة على الهيمنة والاحتكار. وإن كان نبذ التسلّط الطبقي وهيمنة الناتج عنه من تأريخ ومعارف مسألة طبيعية، إلا أن فتنة الفنون تبقى حدثًا يبعث دائمًا على الدهشة، وتدفع دائمًا إلى رغبةٍ بالتمسك بها كجزء من هوية جماعية، لا يمكن التنصل منها. هناك في سرسق على باب المتحف، ينتهي القصر وتبدأ بيروت. يمكن معاينة المطرانية القريبة والمباني البرجوازية الأخرى والطريق مفتوح إلى شرايين الأحياء. أما المدينة فهي خلف الحديقة. مدينة كان وجودها في الزمن البرجوازي حديقةً خلفية للقصر، واليوم صارت، أكثر من أي وقتٍ مضى، حاجةً ملحة للمتحف، وهو حاجة ملحة إليها، قبل أن تصير كلها أشلاء في ذاكرة.
تعبر الذاكرة إلى روما، من خلف القصر، عبر البحر المتوسط. كثيرون هم الذين يذكرون أودري هيبورن على دراجة نارية. تلك الصورة الشهيرة من عام 1953، على ملصق فيلم “عطلة رومانية”، أحد أبرز الأفلام السينمائية عن روما. الفيلم الذي ينتهي هناك، في قصر كولونا، في زمن سيدة القصر نفسها التي تحدثنا عنها. ولا نقصد أودري هيبورن، إنما ايزابيل سرسق. وصيفة ملكة إيطاليا كما لقبت في الأوساط (البرجوازية) الإيطالية، الآتية من بيروت، من حي سرسق الشهير بالتحديد، الذي سيدمره انفجار هائل، عصر الرابع من آب/ أغسطس عام 2020.

أحمد محسن

المصدر: موقع ضفة ثالثة




الحرب على السردية الفلسطينية: محاصرة المحتوى الفلسطيني على شبكات التواصل الاجتماعي

تعالج الدراسة قضية العدوان المسلط على المحتوى الرقمي الصادر عن الجهات الفلسطينية أو الداعمة لها، وذلك في أشكاله المتعددة، مثل: الحجر والمنع والإقصاء والحذف والحظر والتبليغ، وغيرها من أشكال العدوان الرقمي ومظاهره التي قد تلحق الأفراد بمجرد أن يتضمن منشور ما أو تدوينة تعاطفًا أو ميلًا لتبليغ صورة منقوصة من سردية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. وترى الدراسة أن المشكلة حول الموضوع المطروح تنبع من أن ما اصطُلِح عليه بالعدوان الرقمي فيه انتهاك للحقوق والحريات الرقمية، ومن ثم فإن حرية التعبير مهددة عالميًّا. كما أن قراءة إطار الصراع في حاجة ماسة إلى الانتباه لهذا المعطى بما يضمن تطور القراءة في ظل انتشار المسكوت عنه لقلَّة البيانات أو لطغيان الأيديولوجيات.


مقدمة

ما زالت القضية الفلسطينية مدار الاهتمام الإعلامي منذ بداية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. وقد شكَّل إطار الصراع محور قراءات عديدة ومتنوعة، لكن المُلاحَظ هو أن أشكاله قد عرفت تطورًا بدءًا بالمواجهة بالسلاح وصولًا إلى أشكال جديدة ساحتها ليست الواقع المعيش بقدر ما هو الواقع الافتراضي.

على هذا الأساس لا يُمكن بأي حال من الأحوال تجاهل تأثير ظهور تكنولوجيا الاتصال الحديثة التي أحدثت ثورة في تغطية هذا الصراع. وقد أصبحت سرعة تدفُّق المعلومات وانتشارها الواسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي تجذب انتباه الجمهور الراغب في متابعة الأخبار المتعلقة بالإطار موضوع الحديث، بل إنها ومن جهة مقابلة لهذا الانتقال النوعي في التأطير تظهر النتائج على مستوى التلقي؛ إذ يؤثر استعمال وسائل التواصل الاجتماعي على قرارات السياسة المتعلقة بالصراع في ضوء ما يتوافر من المعلومات وتلقي الرأي العام لها.

أما على مستوى الأكاديميا، فركزت مجموعة كبيرة من المؤلفات المتوافرة حول تغطية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي إما على مصادر الاتصال التقليدية، مثل: التليفزيون والراديو والصحف، أو منصات التواصل الاجتماعي بما في ذلك منصتا فيسبوك وتويتر وغيرها(1)، لكن وبالرغم مما توافر من معطيات، فإن مسألة العدوان الرقمي ظلت قليلة التناول في الدراسات العلمية.

إن هذا الوضع الذي اصطلحنا عليه في هذه الدراسة بالعدوان الرقمي أو الحرب على السردية الفلسطينية قد نبَّه إليه بعض الباحثين، لكن دون تسمية مباشرة تتعلق بحذف المحتوى بل بعدم توافر إمكانية إجراء عمليات بحث عبر محركات بحث محلي. فعلى سبيل المثال، انتظر الفلسطينيون إلى حدود شهر أغسطس/آب عام 2009 عندما أطلقت شركة غوغل موقع (Google.ps)، وهو محرك البحث المحلي في فلسطين، مما سمح للفلسطينيين بتلقي نتائج بحث محلية من الأراضي الفلسطينية. أما في السابق، أي قبل 2009، فكان على مستخدمي الإنترنت الفلسطينيين الانتقال إلى مواقع (Google.jo) أو (Google.eg) أو (Google.co.il) لإجراء عمليات بحث محلية باللغة العربية ولتفادي عجزهم والتضييق على حريتهم في استقصاء المعلومات بالرغم من أنه في عام 2000 مُنحت فلسطين الوضع الرسمي على الإنترنت من خلال اسم المجال الوطني أو ما يُسمَّى (Country code top level domain) الذي يرمز إليه اختصارًا بـ(CcTld). وهذا من شأنه أن يوضح مدى صعوبة استخدام الإنترنت في الفضاء الفلسطيني(2) .

في هذا السياق، تحاول الدراسة التعاملَ مع مسألة حذف المحتوى الفلسطيني في شبكات التواصل الاجتماعي من مدخل نظرية التأطير الإعلامي مع التركيز على أساليب هذا الحذف ومداخله والأسس التي تتحكَّم فيه، والكيفيات التي يحاول بها الفلسطينيون تحدي إجراءات هذه الشبكات، ومواصلة نضالهم ضمن إطار الصراع المتواصل في الزمان وانتقاله إلى أماكن وفضاءات جديدة (الإنترنت) وما يرتبط بها من مواقع ووسائط أصبحت اليوم تشهد إقبالًا واسع النطاق من قِبَل الرأي العام العالمي.

1. اعتبارات منهجية

خلفية الدراسة ومشكلتها

تشير جملة من الدراسات ذات الطابع الإحصائي والتحليلي، لاسيما التي أُنتِجت في الفضاء الناطق بغير العربية والمعنية بمتابعة تراكمات ظاهرة الرقمنة وعلاقتها بما هو إنساني تأثيرًا وتأثُّرًا، إلى حقيقة مفادها أن العالم شهد على امتداد السنوات القليلة الماضية توسعًا بالغ الأهمية على مستوى تأثير الإنترنت باعتبارها وسيلة لنشر المعلومات نشرًا بلغ فيما بلغ درجة تحدي وسائل الإعلام التقليدية وما يحف بها من الضوابط التي تفرضها حكومة ما، أو أي سلطة بالمعنى العام، لها تأثير على المنطوق التعبيري للفرد أو الجماعة بحسب سياسة ما يُراد لها أن ترسخ في الفضاء العمومي.

إن هذا التأثير المتزايد والمشار إليه في ثنايا الكلام سابقًا هو في واقع الأمر يتأتى بشكل مباشر من النمو الحاصل في عدد مستخدمي الإنترنت حول العالم؛ إذ إن أكثر من ملياريْ شخص لديهم الآن إمكانية الوصول إلى الإنترنت واعتمادها وسيلة من وسائل مباشرة الواقع ونقله من منظور ما أو حتى الحكم عليه نقدًا واستشرافًا لنماذج جديدة في تسييره، سواء أكان ذلك من مدخل يتم فيه تجزئة الموجود أو العمل عليه بما هو كلٌّ.

وبالرغم مما قد يبدو من تعاظم في استخدام الإنترنت، والوسائل المرتبطة بها مثل شبكات التواصل الاجتماعي، فإنه لا مراء في تقلص هامش الحقوق والحريات الأساسية ذات الصلة باستخدام هذه الوسائل والإنترنت بشكل عام. ذلك أن واقع الحال اليوم يشير بجلاء إلى أن عددًا كبيرًا من الأشخاص يستخدمون الإنترنت للتواصل، أو الحصول على المعلومات، أو الاختلاط بالآخرين من غير مواطنيهم وبلدانهم ودون قيد الجغرافيا والمكان، أو حتى لممارسة التجارة والأعمال ذات الطابع الربحي. ومع ذلك كثفت الحكومات، وكل ما يمكن تصنيفه في عداد السلطة، جهودها لتنظيم واقع الإنترنت، وفي بعض الحالات قد يصل الأمر بما هو في عداد السلطة تقديرًا أو تعيينًا إلى السيطرة الصارمة والكلية على الإنترنت، وكل ما يرتبط بها من وسائط وأدوات، ومن ثم الحريات التابعة لها ولاستخدامها.

يثير هذا الواقع ملاحظة ذات صلة بالخطاب الواصف للظاهرة أعلاه تتجلى فيما رُصد من زيادة في عدد التقارير عن ظواهر من قبيل حجب المواقع الإلكترونية، أو إغلاقها إغلاقًا كليًّا، والتلاعب بمحتوى المواد المنشورة في علاقة بموضوع هو مدار رفض من السلطة، وكذلك شنِّ حملات على المدونين واعتقالهم وسجنهم، ومن ثم خرق حرية التعبير والرأي.

في هذا السياق، وقصد مزيد إلقاء الضوء على طبيعة هذا التضييق على حرية التعبير أو الحرية الرقمية أو الحرية على النت، أو حرية الإنترنت في خيار ترجمة ممكنة للمعادل الإنجليزي (Freedom on the Net)، بما هي مصطلحات مرادفة لحرية التعبير وشكل من أشكالها الممكنة في عصر الرقمنة هذا، أجرت مؤسسة فريدوم هاوس دراسة شاملة في العام 2011 عن حرية الإنترنت في 37 دولة حول العالم، وفي العام 2022 بلغ عدد الدول التي كان محورًا للدراسة 70 بلدًا(3). وليست هذه التقارير سوى امتداد لتصور سابق في الزمن؛ إذ تم نشر نسخة تجريبية سابقة في العام 2009 بعنوان: “الحرية على النت: تقييم عالمي للإنترنت والوسائط الرقمية”. وقد غطت النسخة الأولى إحصائيًّا عينة تتكوَّن من 15 دولة، وهو ما يعني أن مسائل الاعتداء على الحقوق والحريات الرقمية أصبحت في مقدمة مشكلات الأبحاث والدراسات ووجب الانتباه إليها والاهتمام بها باعتبارها ظاهرة قابلة للدراسات بالنظر إلى توافر عناصر الطابع الإشكالي فيها وكذلك ملامحه الدالة عليه(4).

وعلى الرغم مما تشير إليه هذه الدراسات كل واحدة من جهتها إلى أن التهديدات لحرية الإنترنت في تزايد مستمر، وهي على درجة واسعة من التنوع وكذلك إلى معارضة مستخدمي الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي لهذه التهديدات مما دفع بكثير منهم إلى البحث عن طرق لتجاوز هذه القيود واستخدام قوة المنصات الجديدة القائمة على الإنترنت والإقبال المتزايد عليها قصد الترويج لديمقراطية أكثر في التعبير وأكثر ارتباطًا بحقوق الإنسان، إلا أن تلك الدراسات اتسمت بالاختصار من حيث العينة المدروسة، بل غيَّبت بشكل صارخ قضية الحرية الرقمية في فلسطين، حيث لا إحالة عليها لا تصريحًا ولا تلميحًا(5).

ولسائل أن يسأل عن الكيفية التي يتم من خلالها كتمان حرية التعبير عبر الوسائل الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي من منظور داخلي. ثم إن هذا المنظور المعتمد بشكل أساسي في الأدبيات الغربية الناطقة بالألمانية تحت مسمى (Innenperspektive)، والسائد في الدراسات الكمية والنوعية على حد سواء، من شأنه الكشف عن عمق المدى الإشكالي للقضية المطروحة، وهو ما يقابل حركة السعي التي يعتمدها الباحث لفهم عناصر تكوين ما من الداخل حتى إذا ما باشر حركتها في سياقاتٍ ما فهم ما لها وما عليها في هذه العناصر في مجمل التكوين وما جعلها تكون على ذلك النحو بتوافر الأسباب.

من منظور داخلي يقوم المتحكِّمون في شبكة الإنترنت بحملة لتقسيم الإنترنت المفتوح إلى ما يمكن أن نُسمِّيه خليطًا من الجيوب القمعية، وبموجب ذلك تمارس الحكومات -وكل من يمكن أن يلعب دورًا رقابيًّا بالمفهوم الفوكوي نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (Michel Foucault)- أكثر من أي وقت مضى فعلَ السيطرة على ما يمكن للأشخاص الوصول إليه ومشاركته عبر الإنترنت عن طريق حظر مواقع الويب الأجنبية، وتخزين البيانات الشخصية، وتركيز البنية التحتية التقنية لبلدانهم لتكون موائمة لهذه الاتجاهات؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع حرية الإنترنت العالمية. وقد وصلت الرقابة على الإنترنت إلى أعلى مستوياتها، وذلك مع قيام عدد قياسي من الحكومات بحظر المحتوى السياسي أو الاجتماعي أو الديني. وغالبًا ما تُستهدف مصادر المعلومات الموجودة خارج حدودها بشكل كبير، لأن هذه المصادر قد تلعب دورين متلازمين هما تهييج الداخل، والتشهير به ثانيًا على نطاق خارجي.

ومن منظور إحصائي، يعيش أكثر من ثلثي مستخدمي الإنترنت في العالم الآن في بلدان تُعاقب فيها السلطات الأشخاص لممارستهم حقهم في حرية التعبير على الإنترنت. كما أن المثير للقلق أن هذه الانتهاكات المعادية للديمقراطية ليست العامل الوحيد وراء انقسام الإنترنت إلى قطاعات مسموحة وأخرى محظورة؛ إذ من الواضح أن بعض الحكومات تزرع مساحة رقمية محلية تُهيمِن فيها الروايات التي تدعمها الدولة، وتُقمَع فيها وسائل الإعلام المستقلة والمجتمع المدني والأصوات المهمشة بسهولة أكبر.

ويتزايد القلق والطابع الإشكالي في القضية المطروحة عمومًا بمجرد الانتباه إلى وجود أطراف هم في العادة غير مرتبطين مباشرة بسلطة الرقابة فيساهمون عن غير قصد في الحواجز من خلال جهودهم لمعالجة المعلومات المُضَلِّلة وحماية بيانات المستخدم وردع الجرائم الإلكترونية. ومهما كانت الأهداف والغايات التي تحكم أي فعل رقابي مقصود أو غير مقصود، فإن ذلك يؤدي إلى التجزئة المتزايدة للإنترنت، وتترتب عنه عواقب وخيمة على الحقوق الأساسية من جهة، وتعميق سلطة المشرفين الذين يسعون بشكل دائم إلى احتواء المعارضة عبر الإنترنت من خلال منع المواطنين من الوصول إلى مصادر المعلومات العالمية من جهة أخرى. ولكي يكون الطابع الإشكالي لمعالجة القضية المدروسة أكثر وضوحًا وجب التنبيه إلى أن مسألة كتمان الحرية هي جزء من منافسة عالمية متعددة الأوجه للسيطرة على المجال الرقمي. ومن هذا المنطلق، يمكن القول: إن واقع التضييق هو أكثر حدة وإشكالية في علاقته بالقضية الفلسطينية التي تواجه أشد أنواع التضييق وأكثر أشكال القيود على الحقوق والحريات(6).

وفي قراءة من مدخل حقوقي، يمكن القول: إن جميع هذه القيود المفروضة تشكِّل انتهاكًا واضحًا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يُقنِّن الحق في أن “لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود”(7).

ومما لا شك في قيمته الجوهرية أن مسألة الحقوق الرقمية تُعد امتدادًا لحقوق الإنسان وفلسفتها والإيتيقا التي تحكمها. فهذه الحقوق تتنزَّل -كما ذُكِر آنفًا- ضمن السياق التطوري الذي يخضع إليه فعل الوجود الإنساني، والذي يترجم من مدخل الزمانية، وهو تعبير صريح عن حاجة إنسانية ماسَّة في عصر الرقمنة الذي يجب ألا يكون حكرًا على مجموعة دون أخرى، وأن يلحق ما هو إنساني في كليته بعيدًا عن منطق التجزئة الفردية.

وفي هذا الإطار، لابد من الإشارة إلى أن القانون يحتاج إلى تكييف لحماية الحقوق الأساسية وضمانها. فالحقوق الرقمية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحرية التعبير والخصوصية؛ إذ إنها اليوم تتنزَّل منزلة الضرورة التي تسمح للأشخاص بالوصول إلى الوسائط الرقمية واستخدامها وإنشائها ونشرها، فضلًا عن الوصول إلى أجهزة الكمبيوتر والأجهزة الإلكترونية الأخرى وشبكات الاتصالات واستخدامها(8).

على هذا الأساس، يجب أن تكون هذه الحقوق -في فلسفتها وفي ضبطها التشريعي- معترفًا بها ومحمية بموجب القوانين والمعاهدات الدولية. فقد أقرت الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان عددًا من القرارات التي تنص على أن نفس الحقوق التي يتمتع بها الناس في العالم الواقعي، يتوجب حمايتها أيضًا على الإنترنت. ويشمل هذا المصطلح الحق في حرية التعبير، والحق في الخصوصية، والحق في التحرر من الرقابة على الإنترنت، والحق في الوصول إلى شبكة الإنترنت التي تشكِّل في مجملها المفاهيم الأساسية للحريات الرقمية وفلسفتها، وجزءًا لا يتجزأ من حقوق الإنسان على عكس ما يذهب إليه كثيرون في اعتقادهم(9).

وبالرغم من أهمية هذه الحقوق ووضوحها إلا أن شبكات التواصل الاجتماعي على الإنترنت تواصل حربها ضد المحتوى الفلسطيني، من خلال حظر وإغلاق معظم الصفحات الفلسطينية التي تنقل الرواية الفلسطينية، وتفضح ممارسات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين. وحتى الدراسات التي تتناول مسألة الحرية الرقمية -كما أسلفنا الذكر- لا تشير إلى فلسطين، وتنتهج منهج الاختصار وعدم التوضيح.

انطلاقًا مما سبق بيانه يتضح بجلاء عمق المدى الإشكالي لمسألة العدوان على الحقوق الرقمية الفلسطينية. فالظاهرة مركَّبة إلى حد التعقيد في خصوصيتها الفلسطينية وفي علاقتها بقضية الحريات الرقمية والتحكُّم فيها عمومًا.

أسئلة الدراسة

تنطلق الدراسة من مجموعة من الأسئلة الموجِّهة لأبعاد المشكلة البحثية، والتي نلخّصها في:

– ما الحقوق الرقمية؟ وكيف تعبِّر عن مشكلة بحثية، وعن تطور في منظومة الحقوق والحريات الإنسانية؟

– كيف تتجلى أهمية استخدام الفلسطينيين لشبكات التواصل الاجتماعي في الدفاع عن حقوقهم وقضيتهم؟

– ما دوافع حذف وحجب المحتوى الفلسطيني على شبكة الإنترنت؟

– ما الإستراتيجيات المُوجِّهة للحذف وفيم تتمثَّل الأساليب المتبعة لتحقيق تلك الإستراتيجيات؟

– ما الجهات التي تدفع شبكات التواصل الاجتماعي لاتخاذ هذه القرارات؟

– ما الأدوات والأساليب والخطوات التي يجب اتخاذها لوقف هذا العدوان على المحتوى الرقمي الفلسطيني؟

– إلى أي مدى يمكن الحديث عن إستراتيجيات دفاعية يعتمدها الفلسطينيون لممارسة حقهم في التعبير عبر شبكات التواصل الاجتماعي؟

أهمية وأهداف الدراسة

تكمن أهمية الدراسة في كونها تهدف إلى:

– تسليط الضوء على منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، وإنستغرام، وتويتر) في علاقتها بالقضية الفلسطينية وحرية التعبير التي ترافق هذه القضية.

– شرح مجمل الأساليب والآليات التي تعتمدها هذه المنصات في الرقابة على المحتوى الفلسطيني بكل أشكاله وحجب وإغلاق الحسابات، وذلك من خلال أرقام وإحصاءات وأمثلة لحسابات فلسطينية تم حجبها.

– تجاوز النقص الحاصل في المعطيات المتعلقة بالحريات الرقمية في فلسطين، والتي تكاد تكون ثغرة في الدراسات غير منتبه إليها أو مسكوتًا عنها لسبب من الأسباب.

منهجية الدراسة

تعتمد الدراسة المنهجَ الكيفي والكمي التحليلي من خلال دراسة محتوى حسابات فلسطينية وإسرائيلية حكومية وغير حكومية، والاستعانة بنظرية الإطار الإعلامي التي تقوم على تفسير الأحداث ومحاولة التنبؤ بها، وتساعد أيضًا في الكشف عن الطرق والآليات التي استخدمتها هذه الحسابات، سواء أكانت فلسطينية أو إسرائيلية، في تأطير القضايا والأخبار التي تنشرها. وتجدر الإشارة إلى أن الحاجة المنهجية إلى نظرية التأطير تنبع من كونها تهدف إلى تحديد المخططات التي يدرك من خلالها الأفراد العالم. ويتضح ذلك بجلاء بتتبُّع جذور هذه النظرية التي غالبًا ما تُعزى إلى عالم الاجتماع، إيرفينغ غوفمان (Erving Goffman)، الذي اعتبر أن النماذج أو التصاميم التفسيرية تشكِّل عناصر مركزية للتجربة اليومية في العالم. وبهذا تساعد الأطر على تقليل تعقيد المعلومات في علاقتها بتفسير الواقع وإعادة بنائه. ومن هذا المنطلق، فليس من المستغرب إذن أن تصبح نظرية التأطير مهمة لمجموعة متنوعة من القطاعات داخل مجتمع الإعلام اليوم، لاسيما أن العديد من الباحثين الإعلاميين يرونها مفيدة لتحليل الاختلالات وهياكل السلطة الكامنة التي تتحكَّم في الكثير من القضايا المتداولة في الواقع(10).  

ولتحري مزيد من الدقة في الضبط المنهجي للدراسة نشير إلى أن الإطار المتَّبع في قراءة العدوان على الحقوق الرقمية الفلسطينية هو إطار الصراع الذي يتناول القضايا المتعلقة بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي والتطورات على أرض الواقع، وكذلك إطار الاهتمامات الإنسانية المتعلقة بالقضايا الإنسانية والاجتماعية الفلسطينية المختلفة، ثم الإطار الإستراتيجي قصد تسليط الضوء على مدارات المشكلة وتحليلها تحليلًا ذا إضافة.

2. أشكال العدوان الرقمي على المحتوى الفلسطيني

يُعد ظهور شبكات التواصل الاجتماعي من أحدث وأهم مظاهر الثورة الرقمية وتقنيات الاتصال التي كانت، منذ عدة عقود، إيذانًا ببداية حقبة ما بعد الصناعة، أي عصر المعلومات. وقد رافق هذا الظهور على نطاق عالمي سهولة في الانتشار بطريقة غير مسبوقة، ولُوحظ ذلك في السنوات الأخيرة من خلال الارتفاع السريع لتصنيع الأجهزة المحمولة المتصلة بالإنترنت كالحواسيب وأجيال الهواتف الذكية.

وأدى هذا الواقع إلى فرض واقع آخر تمثَّل في اعتماد هذه الوسائل قنوات للمعرفة، ومنابر للتصريح بالرأي وبالكلمة الحرة المبنية على رغبة الشخص فيما يريد أن يكون. وبهذه الحال أصبح كل فعل تعبيري تواصلي منخرطًا في سياق حرية التعبير، ويوضح ذلك مدى الإقبال على الوسائط الرقمية؛ إذ بقدر ما يتعاظم الإقبال تتكاثف الحاجة إلى فضاء حر يُعطي لكل فعل تواصلي معناه ضمن أفق التغيير الرقمي.

على هذا الأساس ومن منظور إحصائي، وبالنسبة إلى العديد من الأشخاص حول العالم، يمكن القول: إن وسائل التواصل الاجتماعي مثَّلت المصدر الرئيسي للمعلومات. ففي عام 2016، حصل 62% من المواطنين الأميركيين على أخبارهم من وسائل التواصل الاجتماعي بنسبة 44% من فيسبوك وحده(11).

وضمن هذا الإطار الإحصائي نفسه ووفقًا لدراسة أجريت على حوالي 5 آلاف شاب من 26 دولة، فإن شبكات التواصل الاجتماعي تجاوزت بالفعل التليفزيون كمصدر رئيسي للمعلومات لدى هذه الفئة(12).

إن هذا التحول المذهل في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من شأنه أن يكون له تأثير على جميع جوانب الحياة، كالتعليم والاقتصاد والسياسة. وقد أدى تطور طرق الاتصالات والحوسبة وتخزين البيانات إلى تغييرات جذرية في مفاهيم الخصوصية والهوية والحقوق والحريات والحدود الوطنية.

ولفهم هذا الوضع المتحول والأنساق المتحكمة فيه، يكفي الانتباه على سبيل المثال إلى أن استعمال موقعي تويتر وفيسبوك يجعل من صوت المستخدمين مسموعًا مع السماح لهم بالاتصال بتكلفة أقل، وبخصوصية أكبر والتواصل مع بعضهم البعض بشكل مباشر أكثر من أي وقت مضى. هذا فضلًا عن أن إخفاء الهوية الممكن تقنيًّا، أي باسم بديل عن الاسم الشخصي الحقيقي، على شبكات التواصل الاجتماعي، يمكن أن يتيح أكثر من إمكان لممارسة الخصوصية. بينما يعتبره بعض الدارسين خيارًا تقنيًّا حاملًا لتناقض داخلي، ويتيح استعمالات تجمع في عمقها بين المباح والمحظور من منظور إيتيقي إذا ما افترضنا جدلًا أن استخدام شبكات التواصل الاجتماعي خاضع لإيتيقا ما قبلية يلتزم بها المستخدم. ولسائل أن يسأل عن هذه الازدواجية، وفي هذا الصدد يمكن القول: إن الخيار التقني المتمثِّل في إخفاء الهوية يمكن أن يشجع أولئك الذين ينشرون خطاب الكراهية، وكذلك أولئك الذين يحاربون الأنظمة الاستبدادية دون خوف من الانتقام على نشر خطابه.

وفي المحصلة يمكن القول: إن استخدامات شبكات التواصل الاجتماعي تنبني على خفايا وممكنات لا يمكن الحسم في أمرها، ولعل ذلك ما يُغري بمزيد متابعة دورها في ظل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي؛ إذ توفر فرصًا جديدة لأولئك الذين يسعون إلى تعطيل نظام ما من خلال الاستفادة من الانفتاح المتأصل في الفضاء السيبراني. كما يمكن أن تُستغل شبكات التواصل الاجتماعي سلاحًا للتجنيد والدعاية. وقد تستخدم للتأثير في الديمقراطيات والكشف عن تهافتها، وتهافت الروايات الرسمية حولها، ونقد عمل المؤسسات، وكذلك لإظهار مدى تدخل الهامش في الشأن العام وفي حركة فاعلية المركز، هذا فضلًا عن تأطير أحداث الواقع اليومي المعيش إعلاميًّا بدرجة تفوق تغطية وسائل الإعلام التقليدية لها. هذا بشكل عام، أما في علاقة بموضوع الدراسة فيمكن الافتراض أن إطار الصراع عبر شبكات التواصل الاجتماعي أكثر إشكالية وأشد خصوصية مما يؤهله إلى مرتبة المعطى التحليلي. من هذا المنطلق تتساءل الدراسة -واضعة في اعتبارها البعد الإشكالي لاستخدام شبكات التواصل الاجتماعي- عن مظاهر العدوان الرقمي على الفلسطينيين من داخل إطار الصراع؟

أثناء الاعتداءات الإسرائيلية التي استهدفت الفلسطينيين، في حي الشيخ جراح وباب العمود والمسجد الأقصى، في شهر مايو/أيار 2021، ندد العديد من الأصوات بـ”الرقابة” على المحتوى المؤيد للفلسطينيين عبر شبكات التواصل الاجتماعي. في هذا الإطار، تعرض موقع فيسبوك، على وجه الخصوص، لانتقادات بسبب حذفه العديد من المنشورات المؤيدة للفلسطينيين دون إبداء أسباب مقنعة. وتحت وسم (هاشتاغ) “فيسبوك يحجب القدس”، خاض نشطاء وصحفيون فلسطينيون حملة ضد عملاق شبكات التواصل الاجتماعي الأميركي المتهم بمحو المحتوى المؤيد للفلسطينيين من منصته عبر خوارزمياته.

إن إدارات مواقع التواصل لها سلطة رقابية كبيرة على المحتوى المنشور عبر صفحات مستخدميها، وتكتسب في ممارسة هذه الرقابة مشروعية من خلال ما تقرُّه من شروط الاستخدام التي يقتضي استعمال شبكات التواصل الاجتماعي الالتزام المسبق بها والموافقة عليها. ولئن اختلفت هذه الشروط من موقع ومن وسيط إلى آخر فإنها تتفق إجمالًا على الحق في مراجعة المحتوى أو حذف أي مضمون أو حساب يخالف سياسة الاستخدام(13).

فما مظاهر هذا التحكُّم في المحتوى الفلسطيني وكيف يمكن قراءته ضمن أفق نظرية التأطير الإعلامي أو بالأحرى عبر الأطر المتحكِّمة في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي؟

يرصد الجدول رقم (1) استنادًا إلى وثائق من الصحافة العالمية ووكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية مجموعة منتخبة من مظاهر التدخل العدواني على المحتوى الفلسطيني، سواء أكان هذا المحتوى صادرًا عن أفراد أو جهات رسمية فلسطينية أو داعمة لفلسطين. وتجدر الإشارة إلى أن اختيار هذه الأحداث أخذ بعين الاعتبار شهرتها وما فيها من تنوع على مستوى وسائل الرقابة وطبيعتها، هذا فضلًا عن قابليتها للتحليل ضمن إطار الصراع. كما تجدر الإشارة إلى أن التحليل ينطلق من الخاص بمعنى الحالة المذكورة مشارًا إليها بحسب عددها الترتيبي ومن ثم الوصول إلى العام قصد إظهار الأنساق التي تدير هذا التحكُّم. كما يجب أن نضع في الاعتبار وجود حالات فردية متفرقة في الزمان والمكان ليست معلومة. وقد تم اقتباس نظام الجدولة هذا عن تقرير الوكالة الفلسطينية للأنباء والمعلومات (جدول تقييد حرية الصحافة لسنة 2018).

جدول (1): نماذج لمظاهر قمع المحتوى الفلسطيني

م التاريخ الإجراء الرقابي الوسيط التواصلي
1 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 حذف محتوى يُوثِّق لعنف الشرطة فيسبوك
2 11 أكتوبر/تشرين الأول 2015 حذف قناة حركة حماس بناء على طلب من الخارجية الإسرائيلية يوتيوب
3 16 أبريل/نيسان 2016 إغلاق موقع تويتر لحساب المتحدث الرسمي باسم كتائب القسام تويتر
4 مطلع العام 2017 إغلاق 90 صفحة تابعة لحركة المقاومة الفلسطينية فيسبوك
5 2012 حجب الرسائل بناء على تشريعات دولة الاحتلال تويتر
6 4 ديسمبر/كانون الأول 2021 حذف مقطع فيديو نشرته الصحفية، كريستين ريناوي، يُظهر قوات الأمن الإسرائيلية في القدس وهي تطلق النار على رجل فلسطيني ملقى على الأرض فيسبوك
7 2021 وفقًا لمركز صدى سوشيال، الذي يعنى بتوثيق الانتهاكات الرقمية ضد المحتوى الفلسطيني، تم حذف 600 حساب فيسبوك
8 3 ديسمبر/كانون الأول 2018 حذف مقاطع فيديو صورها الصحفي محمد غفري فيسبوك
9 غير محدد قسم “الإنترنت” في وزارة العدل الإسرائيلية يبلغ عن المحتوى الذي يعتبره ضارًّا فيسبوك وتويترويوتيوب

* ملاحظة: لا تلتزم هذه النماذج بكرونولوجية أحداث ومظاهر قمع المحتوى الفلسطيني بقدر ما تُعنى بإبراز أشكال العدوان الرقمي، أما عن الزمانية فإنها متأصلة في قدم الصراع؛ إذ ليس الغرض رصد الاعتداءات عبر الزمن بل النظر في طبيعة الاعتداءات وأنماطها.

3. البنى الحاكمة للعدوان الرقمي وتشكُّل إطار الصراع

نلاحظ من خلال الجدول السابق، ووفقًا لقراءة عامة، أن شبكات التواصل الاجتماعي، وعلى اختلاف منصاتها وأهدافها، تتبع سياسة واحدة مشتركة في تعاملها مع المحتوى الفلسطيني. ولئن تنوعت هذه السياسة في مضامينها كالحذف في الحالات (1 و2 و6 و7)، أو الحجب في الحالة (5)، أو الإغلاق في الحالات (3 و4)، أو الإبلاغ في الحالة (9)، فإنها جميعًا تدل على عمل إقصائي رافض لكل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية في تعدٍّ صارخ على حرية التعبير التي أصبحت ذات صلة جوهرية باستخدام الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي المرتبطة بها. كما تفضح هذه السياسة العدوان الصارخ على كل ما يمكن أن يكشف رواية بديلة ومن منظور آخر مخالفة للروايات الرسمية التي يصدرها المتحكِّمون في الشأن العام.

وهنا، يمكن أن نلاحظ أن الإجراءات الرقابية المذكورة تبدو أكثر في حدتها وفي منسوبها منذ العام 2010، لكنها شهدت أشد تجلياتها خلال أحداث الشيخ جراح والمسجد الأقصى سنة 2021، حيث عرف الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي نقلة من حيث الآليات والإستراتيجيات المُوجِّهة له وفي توازنات القوى؛ إذ إن المواطن الفلسطيني ليس مطالبًا اليوم بالنزول إلى الشوارع للتظاهر أو للمواجهة المباشرة، فهو قادر من وراء شاشة حاسوبه أو هاتفه الذكي على نقل واقعه وتوجيه انتقادات وضربات موجعة من شأنها الكشف عن جرائم الجيش الإسرائيلي والمستوطنين.

في هذا الإطار، لا ينكر المتخصصون في قراءتهم لتلقي الدفق التعاملي بوسائل التواصل الاجتماعي أن النظر في توازن القوى بين الجهات الحكومية في النظام الدولي وبين من هم في إطار صراع ومواجهة، سواء أكانت معلنة أو غير معلنة، يتطلب الآن وأكثر من أي وقت مضى مراعاة القضايا المتعلقة بالفضاء السيبراني؛ ذلك أن أجهزة الكمبيوتر أصبحت أداة حيوية للتشغيل السليم لهياكل الدولة والرفيق اليومي لجزء كبير من الإنسانية مقارنة بالفترات الأولى لانبعاثها مكونًا من مكونات الواقع. كما أن توازن القوى هذا لم يكن يومًا لصالح كفة من يمتلك الأدوات والقدرة على السيطرة، وإن بدا هذا الأمر كذلك خاصة قبل العام 2010 الذي يعد حدثًا قادحًا؛ إذ يمثِّل تاريخ اندلاع ما يسمى بالربيع العربي الذي غالبًا ما يُصوَّر على أنه دخول وحشي لأنظمة المنطقة العربية في العصر الرقمي الجديد، وكأن منطقة جغرافية كبيرة كهذه يمكن إخراجها منه. هذا إذا ما سلمنا جدلًا بأن من يكتب ينطلق من خلفية التفوق تكنولوجيًّا ضمن رؤية تقرن بين التكنولوجيا والحضارة بالتلازم أو التوالد. ومهما يكن من أمر ذلك فمسألة الخمول التكنولوجي حاصلة لا محالة في تقدير من يقدر وذات مدى تأثيري غير قابل للإنكار(14).

ونتيجة للتحول المشار إليه سابقًا في مدى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي خاصة بعد العام 2010، يتضح بجلاء أن هذه التطبيقات التواصلية أصبحت تلعب دورًا رئيسيًّا في إعلام وتعبئة وتنظيم حركات فكرية ونضالية وإنسانية تمتد من دولة إلى أخرى بغض النظر عن الحدود. هذا فضلًا عما بثته من آمال وأمنيات في التحرر كما هي الحال مع القضية الفلسطينية؛ إذ أسست لشعور بالثقة في الذات. لكن في المقابل أدى انتشار استخدام التطبيقات بكل ما فيه من أمل وعزم بدوره إلى تعاظم دور الرقابة. وبالرغم من كل ما قيل فإن هذا التطور الرقمي لم ينبثق من صحراء رقمية. إنه، بطريقة ما، إرث التطور البطيء للصحافة العابرة للحدود والقنوات الفضائية وظهور وسائل الإعلام عبر الإنترنت التي سمحت بظهور شبكة ويب جديدة ونشيطة مما أعطى مكانة بدرجة الفخرية للمدونات ثم تطبيقات الوسائط الاجتماعية(15).  

على هذا الأساس، فإن تزايد الرقابة على المحتوى الفلسطيني بتنوعاته كما يظهر في الجدول (1) يُعد نتيجة طبيعية لانخراط الطرف الفلسطيني -كغيره في المنطقة العربية- في مسار الثورة التكنولوجية والاستعمال المكثف لشبكات التواصل الاجتماعي بديلًا عن الإعلام التقليدي وبديلًا عن أساليب المواجهة القديمة. ولئن تغيرت هذه الأساليب ورسمت أفقًا آخر يوسع من مفهوم إطار الصراع فإن الفعل الرقابي في جوهره يُعد أكثر رسوخًا في ممارسات السلطة وإن تبدلت مظاهره، كما نظَّر لذلك ميشيل فوكو الذي اعتبر أن ثمة ثلاث طرائق رئيسية في المجتمع الرقابي الحديث؛ تتمثَّل الأولى في اتباع كل كيان في النظام لكيان أعلى بشكل متدرج هرمي من خلال التفاوت الحاصل في الأدوار. وهذه التراتبية قد تكون ظاهرة ماكروفيزيائية أو مخفية ميكروفيزيائية. أما الطريقة الثانية فهي الإصلاح تأديبيًّا، وتتبع المجتمعات الحديثة، أو بالأحرى يتحكَّم في العلاقة بين صاحب السلطة ومن تمارس عليه هذه السلطة ثنائية الفرض والتطبيع، بمعنى أن السلطة تسعى في عملها إلى فرض القانون وعادة ما يكون سائدًا ليسري في التداول بين الناس وقد يلحق حتى المناهج التعليمية. وتتمثَّل الطريقة الثالثة في الفحص، وهي تجمع بين الطريقتين السابقتين وتسمح بتوجيه الآراء والمواقف بناء على ما تريده السلطة أن يكون(16).

من هذا المنطلق يُشرع في تبيُّن الإجراءات الرقابية على المحتوى الفلسطيني في عملية إحياء لنظرية فوكو التي لم تُطرح ضمن أنظمة السلطة التي عالجتها مسألة وسائل التواصل الاجتماعي وهذا ليس خللًا بطبيعة الحال؛ إذ إنها جاءت في سياق مخصوص. ولو واصل فوكو عمله وامتد إلى الفترة الراهنة لكانت وسائل التواصل الاجتماعي في مقدمة أجهزة السلطة. فآليات من قبيل الحذف والحظر والإغلاق أو التبليغ تتَّبِع في اشتغالها النسقَ الذي رسمه فوكو في نظريته.

فالحالة الأولى على سبيل المثال في الجدول (1) تتمثَّل في حذف محتوى يُوثِّق اعتداء الشرطة الإسرائيلية؛ يعبِّر عن إجراء فحص للمحتوى المذكور ويأخذ في الاعتبار وجود قانون سائد يجب التطبيع معه، وهو أن الشرطة الإسرائيلية تمارس عملها الطبيعي في مقاومة الشغب وليس القمع كما في تقدير الطرف المقابل في إطار الصراع، وكل تجاوز لهذا القانون -أي قانون مكافحة الشغب ونقده والتشهير به- هو ضد عمل جهاز الشرطة في مكافحة الشغب. هذا فضلًا عن كونه فضحًا لسرية العمل الأمني، ينضاف إلى ذلك ما يعرف عن هذا الجهاز من كونه ذا وجود منطقي وإلزامي في الدول، وهو موضوع لأجل العامة لحمايتها وفرض حالة من الاستقرار تسمح بممارسة الحياة بشكل طبيعي ومنظم.

على هذا الأساس، فإن فحص المحتوى يتم بشكل ظاهري من قبل الوسيط التواصلي تحت غطاء الموضوعية كما يشرَّع لذلك في سياسات الاستخدام وقد يُتعامل مع المحتوى باعتباره حاملًا لمشاهد عنف لا يقبلها كل المتلقين بنفس الدرجة وفي ذلك موضوعية أيضًا، لكن هذه الموضوعية تنطوي على تحيز كبير ومن شأنها إخفاء جزء كبير من الواقع الفلسطيني المؤلم، هذا فضلًا عن الشروع في ممارسة المعاقبة باعتبارها خطوة طبيعية لفعل الفحص.

أما عن الحالة التاسعة فتتمثَّل في الإبلاغ عن المحتوى لفترات تعبِّر في عمقها عن الرقابة الممارسة عبر أجهزة السلطة الميكروفيزيائية غير الظاهرة في العلن، ذلك أن التبليغ عملية سرية يباشرها المحتكر للسلطة وعبرها يتمكن من فرض منهجيته في تصريف الواقع وكذلك روايته الرسمية.

إن هذه الأدوات الرقابية والإستراتيجيات الخاضعة لها تكشف عن عمق الصراع وتأججه بدرجة تفوق ما هو عليه في الواقع. فلئن كانت المواجهات المباشرة رغم تكرارها تتسم أحيانًا بالسكون والاستقرار فإنها في الفضاء الافتراضي ليست ثابتة على حال بل في تطور دائم، لاسيما إذا ما نُظر إلى إستراتيجيات المراقبة والتحكُّم من منظور آخر خارج دائرة المحدد الفوكوي.

تجدر الإشارة إلى أن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي الذي انتقل إلى شبكات التواصل الاجتماعي يُجسد نقطة ساخنة في مسار تشكُّل إطار الصراع، ومن هنا يمكن فهم أسباب الحذف والتبليغ وكل أشكال العدوان على المحتوى الفلسطيني. فهو ليس مجالًا للفعل بمفهومه المادي في إطار ما هو افتراضي، بقدر ما هو مجال للفعل بمفهومه القولي، ويفرض حالة نفي للتقاتل الذي قد تتكاثف حوله الأهواء والتقييمات والمشاعر حتى ولو كانت إنسانية فضلى وهو أيضًا غير خاضع لتفاوت في العدد أو في القدرة على مستوى العتاد والسلاح، لأنه في نهاية الأمر يفرض نسقًا من تحاور الأفكار والآراء التي تلعب على خلق تأثير فاعل لدى المتلقي، كما يسمح بإتاحة فرصة لفهم القضية وإنصاف أطراف الصراع على عكس ما يوجد في الحرب من تقاتل وما يصاحبها من فوضى في تلقي مختلف الأحداث.

وقد شرعت بعض الدراسات بالفعل في البحث عن محامل جاهزة وهادئة لقراءة إطار الصراع حيث يهدف بعض الدارسين إلى البحث في الكيفية التي تجعل من الكلمات المنطوقة سببًا ومبررًا لاستبعاد الآخر من أجل خلق استجابة بشكل أفضل لمطالب مجموعة رأي ما وللتعامل العقلاني مع التهديد الذي يمثِّله رأي الخصم ومواقفه وممارساته وربما لتبرير استخدام العنف ضده(17). فهذا الصنف من الدراسات يركز أساسًا على الإستراتيجيات الخطابية المعتمدة في المحتوى الذي ينشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

لذلك يُلاحظ، خلال تحليل تمثيلات الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني على فيسبوك، تكرار موضوعات من قبيل أوجه التشابه التي تم رسمها مع الحرب العالمية الثانية، وخاصة الحقبة النازية الألمانية.

تمثِّل هذه المقارنة مع النازية وسيلة غالبًا ما تستخدم بشكل متكرر لتشويه سمعة الخصم ونزع الصفة الإنسانية عنه(18). ومن المثير للاهتمام في هذا السياق أن هذا الشكل من التجريد من الإنسانية يعكس إستراتيجية خطابية لتأطير الصراع وجعله أقرب إلى المتلقي الغربي الذي يحمل في داخله خوفًا من تلك الحقبة ورفضًا كبيرًا. هذا فضلًا عن أن هذه المقارنة تذكِّر اليهود بمسألة المحرقة ومعاناتهم، وفي المقابل هم يُظهرون عدم اكتراث لما هو إنساني ولحق الشعوب في تقرير مصيرها ليخرجوا بذلك إلى العالم في حالة من المرض النفسي؛ حيث إنهم  يُعامِلُون غيرهم كما كانوا يُعامَلُون بعنف وبربرية، وقد بنوا نظامهم على الانتقامية لا على عقد اجتماعي واضح المعالم يسمح بتسميتهم شعبًا ذا قضية بقدر ما هم عبارة عن قبيلة تبرم الأحلاف مع الإدارات المتحكمة والمالكة لوسائل التواصل الاجتماعي كي تغطي على جرائمهم الشنيعة، لاسيما موقع فيسبوك الذي يعكس تحيزًا كبيرًا وضروبًا شتى من الاستقطاب الواسع(19). ولعل هذا التحيز يظهر في التعامل مع مصطلحات وكلمات من قبيل عبارة “الشهيد”؛ حيث يُعامِل هذا الموقع العبارة بالحظر كما في الحالة التي يجسدها منشور للشاعر التونسي، سالم المساهلي، وهو لا يمثِّل إلا عينة من نماذج أخرى عديدة.

صورة (1): حجب أبيات شعرية للشاعر التونسي سالم المساهلي بعد استخدامه عبارة “الشهيد” والتهديد بتعطيل حسابه على فيسبوك(20)

1

ثم إن الصراع يزداد تعقيدًا وعمقًا بمجرد الانتباه إلى مسائل من قبيل أن أقسام التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي هي قبل كل شيء مساحات لتأكيد الذات وتقوية الروابط من خلال الشعور بالانتماء المشترك(21). وتعكس من خلال ما تتيحه من وسائل تعبيرية عبر أكثر من وسيط تبليغي كالكلام والصورة والرمز مشاريع المشترك الممكن والتفاوض بشأن الهويات(22)، لذلك يلاحظ دائمًا العمل على إضافة خوارزميات للتصرف فيها من قبل صاحب المنشور والتقليل منها.

يتضح بجلاء مما تقدم أن شبكات التواصل الاجتماعي على اختلافها أصبحت تمثِّل فضاء للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي يعضد واقع الصراع في الأراضي المحتلة. ولعل أركان هذا الصراع المتجدد في إطار القضية التاريخية الدائمة أكثر دقة وعمقًا دلاليًّا ضمن المسار النضالي العام، لكن أزمة العدوان الإسرائيلي لم تنفك تمارس ضغوطات وإجراءات رقابية مستغلة في ذلك تحيز الإدارة الأميركية وسياسات الخصوصية التي وضعتها الوسائط التواصلية للتضييق على الكلمة الحرة في اعتداء صارخ على حرية التعبير التي لابد أنها تطورت بموجب التطور التكنولوجي الذي لحق مختلف أصقاع العالم بدرجات متفاوتة.

تتنوع وسائل التضييق وأشكال العدوان وتكشف المنشورات على مواقع فيسبوك وتويتر ويوتيوب وغيرها عن إستراتيجيات خطابية ترسم في مجملها إطارًا عامًّا للصراع. فهي تكاد تكون غير قابلة للحصر العددي أو المضموني، كالحذف والحظر والإلغاء والتبليغ ورفض استعمال مصطلحات وعبارات من قبيل “الشهيد” أو “القدس عاصمة فلسطين” وغيرها من المصطلحات والعبارات التي تتشكَّل في سياق الأزمات تحت ما يسمى بـ”الهاشتاغ”. وقد يصل الأمر إلى الحيلولة دون إنشاء المحتوى حيث تعمد سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى محاصرة الناشطين والمدونين والصحفيين الفلسطينيين ومصادرة معدات عملهم واعتقالهم وتنظيم المحاكمات لهم مما يذكِّر بما ضربه فوكو في صلب نظريته عن السلطة وأدوات تحكمها فيمن يعيشون في كنفها وفي أفق ثنائيتي المعرفة والسلطة والمراقبة والمعاقبة.

ولتفادي العدوان الإسرائيلي على المحتوى الإلكتروني يسعى الفلسطينيون إلى تحدي خوارزميات شبكات التواصل الاجتماعي عبر المراسلات والتشهير والإدانة وابتداع شعارات ورموز تجعل المحتوى الذي ينشرونه يستمر في الظهور، ويحتل الصدارة في الأخبار العالمية، ويكون بذلك مصدرًا بديلًا للخبر الإعلامي. إن هذه الإجراءات الدفاعية التي يبتدعها الفلسطينيون يوميًّا لتفادي العنف الإلكتروني والتآمر على قضيتهم من شأنه أن يفتح الباب أمام مجالات ودلالات بحثية جديدة وأن يلفت النظر إلى مفهوم جديد للصراع.

كما تجدر الإشارة إلى أن الإجراءات الدفاعية التي ينتهجها الفلسطيني اليوم يجب أن يعضدها غطاء قانوني يتمثَّل في السعي إلى تفعيل الضمانات الحقوقية الدولية اللازمة لممارسة حرية التعبير وحق الحياة الخاصة، وفي التراسل بشكل خاص دون تدخل أو تعسف. وهذا ينطبق بشكل صريح على استعمال شبكات التواصل الاجتماعي؛ إذ تقر المادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أنه “لا يجوز تعريض أحد لتدخُّل تعسُّفي في حياته الخاصة أو في شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، ولا لحملات تمسُّ شرفه وسمعته. ولكلِّ شخص حقٌّ في أن يحميه القانون من مثل ذلك التدخل أو تلك الحملات”(23). وكما أسلفنا الذكر، فإن استخدام وسائط التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها ينضوي تحت هذا الحق، ويتقاطع بشكل متلازم مع التشريعات ذات الصلة بحرية التعبير والحق في الكلمة. ثم إن الاطلاع على النصوص والتشريعات الدولية، وضمنها ما ذُكر سابقًا، له دور فاعل في تنمية النضال الرقمي الفلسطيني، لاسيما إذا ما تم العمل عليه بشكل منظم قصد نيل التفعيل في الواقع، خاصة أن النصوص موجودة وهي مدار عمل دائم وثابتة في صيغتها التقريرية ولا يمكن المساس بها. وفي هذا الإطار، يمكن التذكير بأن “لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود”(24).

ولسائل أن يسأل في هذا الصدد: كيف نجعل هذه الحريات واقعًا غير قابل للنقاش قصد الاعتداد بها في عمليات النضال الرقمي الذي يُعد مسارًا جوهريًّا في فلسفة الحريات وتشريعها؟

يتطلب ذلك العمل على توفير بيئة تنظيمية وقانونية تسمح بظهور إعلام رقمي ونشاط على الإنترنت متعدد الآراء ومنفتح. ولابد كذلك من تفعيل دور الإدارة السياسية لدعم ذلك والضغط لتوفير القوانين واللوائح والقرارات الضامنة لاستمرارية وضع نضالي رقمي تحت عنوان نشاط رقمي منفتح. كما تتطلب هذه الحريات وجود قانون يضمن الحصول على المعلومة دون شرط أو قيد، وخاصة المعلومات عن الفضاء العمومي واليومي. هذا فضلًا عن العمل على توفير الكفايات التعليمية اللازمة لدى منتجي الأخبار والمحتوى ليتمكنوا من تحليل المعلومات تحليلًا نقديًّا وتجميع ما يصلهم منها لاستخدامها في حياتهم اليومية ولبناء روايات مؤثرة على الجمهور المتلقي بطريقة تجمع بين مخاطبة العقل والقلب.

استنتاجات

إن ما يمكن قوله على سبيل المراجعة والتلخيص لمحاور الدراسة:

– إن مفهوم الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي لم يعد مفهومًا تقليديًّا، بل عرف نقلة نوعية على مستوى الإستراتيجيات والسياسات الخطابية؛ الأمر الذي من شأنه أن يعدل موازين القوى بين الطرفين، لأنه ينبني على الرمز والكلمة والفعل التعبيري القولي. هذا فضلًا عن أن درجة تلقيه وطريقته قد سجلت تحولًا كبيرًا، وأصبح بذلك للفلسطينيين وقضيتهم مساندون أكثر عددًا بعيدًا عن منطق الاصطفاف الذي ركز عليه الطرف الفلسطيني في بداية مساره النضالي.

– شبكات التواصل الاجتماعي على اختلافها تعيش لحظة مهمة من عمرها تتعلق بمدى ارتباطها بحقوق الإنسان ومدى مواكبتها لها والتزامها بها، ويُعد الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي دافعًا لمراجعات عميقة في العصر الراهن.

– الطرق التي يبتدعها الفلسطينيون لمواجهة غيرهم من شأنها أن تخلق مجتمع معرفة جديدًا؛ ففي خضم هذه المقاومة ترتسم لغة جديدة ورموز تعبيرية تفرض صلاحيتها الدراسية من منظور تحليل الخطاب والدراسات اللسانية والثقافية.

نُشِرت الدراسة في العدد الثاني من مجلة الجزيرة لدراسات الاتصال والإعلام، للاطلاع على العدد كاملًا (اضغط هنا)

نور الدين الميلادي – أستاذ الإعلام والاتصال ورئيس قسم الإعلام بجامعة قطر سابقاً

أنوار العرفي – صحافية وباحثة في مجال الصحافة والإعلام

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات




الانقلاب العسكري في النيجر: الأسباب والتوجهات

من المحتمل أن يضع الانقلاب العسكري بالنيجر منطقة الساحل في وجه عواصف جديدة من الاضطراب، خصوصًا أن النيجر تتوسط بؤرًا من الأزمات من أكثرها عنفًا الحرب المشتعلة في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع، فضلًا عن الأزمة الليبية والوضع المتأزم بالتشاد والأوضاع المضطربة ببوركينافاسو ومالي.


بعد الانقلابين العسكريين في مالي، في 24 مايو/أيار 2021، وفي بوركينا فاسو، في 24 يناير/كانون الثاني 2022، جاء الدور على جارتهما بمنطقة الساحل، وهي النيجر التي عرفت يوم أمس، 26 يوليو/تموز 2023، انقلابًا عسكريًّا يتجدد بموجبه التدخل العسكري في الشأن السياسي في منطقة تعرف إعلاميًّا وسياسيًّا بأنها منطقة نفوذ فرنسي بامتياز، كما تعرف بأنها منذ أزيد من عقد تعيش حالة أمنية معقدة نتيجة الوجود الدائم لمجموعات مسلحة منها ما هو محسوب على تنظيم القاعدة ومنها ما هو محسوب على تنظيم الدولة.

بعد أزيد من اثنتي عشرة ساعة من الأوضاع المتوترة ومن الأخبار المتضاربة، أعلن المتحدث باسم المجلس العسكري، اللواء أمادو عبد الرحمن، في بيان عبر شاشة تليفزيون النيجر الوطني، وهو محاط بتسعة ضباط سامين، الإطاحة بحليف فرنسا المفضل بمنطقة الساحل، الرئيس محمد بازوم.

ومن الواضح من صور الضباط الانقلابيين على الشاشة أن جميع أسلاك الجيش والأمن الوطني كانت حاضرة في تفاصيل الانقلاب، ومشاركة في تنفيذه؛ فإذا كانت بداية حجز الرئيس المطاح به، محمد بازوم، على أيدي الحرس الرئاسي فإن الجيش والدرك والشرطة قد انضمت له وتناغمت معه مما يعني إجماعًا من طرف جميع الأسلاك العسكرية على الانقلاب.

وهناك ثلاث دوائر لابد من وضعها في الحسبان لفهم ما دار ويدور في هذه الدولة الغرب إفريقية الفقيرة وغير الشاطئية، والتي تحظى باهتمام أجنبي خاص نظرًا لما تحت أرضها من مواد أولية، من أبرزها اليورانيوم، الذي تعتبر النيجر من أبرز مصدِّريه عالميًّا، وهذه الدوائر هي:

ثنائية سياسية لا يمكنها التعايش

أولًا: الدائرة السياسية: يوجد منذ بعض الوقت صراع مزمن داخل الحزب الحاكم بالنيجر، أي الحزب النيجري من أجل الديمقراطية والاشتراكية (PNDS-Tarayya)، والذي ظل الرئيس السابق، محمدو إسوفو، واضعًا اليد عليه حتى بعد مغادرته السلطة وانتخاب سلفه، محمد بازوم. ويُفهم من الدور المستمر للرئيس السابق، محمدو إسوفو، داخل الحزب الحاكم أن فيه تقليصًا لدور الرئيس المطاح به، محمد بازوم، إذ قد بات من الواضح للمتابعين أن إسوفو يمسك بأجهزة الحزب، هذا فضلًا عن ولاء عدد من الضباط ذوي الرتب العالية في الجيش والذين ظلوا مصطفِّين إلى جانب الرئيس السابق، ويشكلون خلفيته العرقية القوية في الجيش.

ويرى المراقبون للوضع بالنيجر أن هناك صراعًا صامتًا ما فتئ يتفاعل بين الرئيس السابق، إسوفو وسلفه ووزير خارجيته ورفيقه في السياسة الرئيس المطاح به، بازوم. ويظهر ذلك في أنه ما إن بدأ الرئيس بازوم في تعيين قيادات سياسية وعسكرية موالية له في مناصب سامية سواء في أجهزة الدولة أو في المؤسسة العسكرية، ومُقصيًا بذلك حلفاء وأنصار سلفه، الرئيس إسوفو، حتى بدأ الخروج على بازوم يتبلور والتفكير في الإطاحة به يتحدد. وقد فُهم من تعيينات بازوم أنها محاولة لتقليم أظافر سلفه، إسوفو، والإطاحة بالرؤوس التي يعتمد عليها في أجهزة الدولة وفي المؤسسة العسكرية، والتي كانت الضامن لحضوره الفاعل وهو خارج الجهاز التنفيذي.

ومما يؤكد حضور إسوفو المستمر وتأثيره القوي أن محمد بازوم مكث بعد تعيينه رئيسًا للبلاد، في أبريل/نيسان 2021، سبعة أشهر قبل أن يعين أعضاء حكومته، وهو ما فُهم في وقته أنه مقيد بضغط من سلفه، محمدو إسوفو، منعه من تنفيذ إجراءات يمنحها له دستور البلاد. وفعلًا، عكس تعيين الحكومة وغيره من التعيينات في ذلك الوقت أن محمدو إسوفو هو الحاضر الغائب في الشأن النيجري.

ولا ننسى أن مدير الحملة الانتخابية للرئيس المطاح به، محمد بازوم، لم يكن سوى ساني إسوفو محمدو ابن الرئيس السابق، محمدو إسوفو. وهذا الصراع الصامت على النفوذ بين رئيس جديد يريد إحاطة نفسه بشخصياته الموالية له والتي يثق فيها، وبين حليفه وغريمه وسلفه الذي يريد إبقاء نفوذه وتأثيره من خلال زرع أذرعه في مختلف الأجهزة ظل حديثَ الصحافة بالنيجر طيلة السنتين الفارطتين. ولا أدلَّ على ذلك من أن اللواء سالفو مودي، الذي قد يكون له الدور الأهم في الإطاحة بالرئيس بازوم، يعتبر من أخلص قادة الجيش وأقربهم من الرئيس السابق، محمدو إسوفو، بل إنه كان قائد الحرس الرئاسي في عهد إسوفو. ولم تكن إقالة هذا الضابط وتعيينه سفيرًا في أبوظبي إلا أحد الأسباب التي عجلت بالإطاحة بالرئيس بازوم.

المجتمع النيجري وصراع العرقيات المتجذر

ثانيًا: الدائرة العرقية: يذهب بعض المحللين إلا أن الرئيس المطاح به، بارزم، وهو من قبيلة أولاد سليمان العربية القليلة عددًا لكنها نافذة بسبب الثروة والحضور في الشأن العام، لا يملك حواضن شعبية ضاربة كما هي الحال بالنسبة لسلفه، إسوفو، الذي ينتمي لعرقية الهوسا ذات الأكثرية في البلاد، والتي تذهب بعض التقديرات إلى أنها تشكل أزيد من 60% من تعداد السكان، هذا فضلًا عن كون أعضاء المجلس العسكري الذي أطاح ببازوم كلهم من عرقية الهوسا. والقناعة العامة لدى نخبة عرقية الهوسا المدنية والعسكرية هي أنهم من أوصل محمد بازوم للسلطة، ولولا ناخبوهم لما استطاع أن يتبوأ أعلى منصب قيادي في البلاد، وبالتالي فهم يعتبرون أن لهم دالَّة على الرئيس بازوم بمقتضاها ينبغي أن تظل أغلب المنافع وأهم الوظائف بين أيديهم.

ولا شك أن ما تمتلئ به منصات التواصل الاجتماعي بالنيجر من تعليقات وآراء وتحليلات، ربما تصل أحيانًا إلى حد الخطاب العنصري، يدل في مجمله على أن بازوم بدا مؤخرًا وكأنه من خلال تعييناته إنما يقصي عرقية الهوسا مستبدلًا بها عناصر من عرقيات عربية وغيرها، وستكون في المستقبل سنده الذي يؤيده وعناصره التي يعتمد عليها. وفي المقابل، كانت منصات التواصل الاجتماعي المحسوبة على المجموعات العربية في تشاد ولبيبا والسودان تعكس نوعًا من التعاطف والتعاصب مع الرئيس بازوم، مما أعطى انطباعًا لمتابع الشأن النيجري، بل الشأن في منطقة الساحل جميعًا، أن هناك عودة لخطاب عنصري إقصائي طرفاه القبائل العربية والقبائل الإفريقية.

وهذا الجانب العرقي المتمثل في صراع الإثنيات ومحاولة وضعها اليد على أجهزة الدولة لا يمكن إغفاله في أية محاولة لفهم ما يحدث في منطقة الساحل بل وفي أغلب المناطق الإفريقية. وهو ما يفسر جانبًا مهمًّا مما تعرفه دولة النيجر الآن.

الولاءات الأجنبية: هل ستبقى فرنسا حاضرة بالنيجر؟

ثالثًا: الدائرة الأجنبية: لا يُتوقع لحد الساعة أن يحدث في النيجر تغيير في الولاءات أو تبدل في العلاقات الإقليمية والدولية، فإذا كان الرئيس المطاح به، بازوم، أحد الرؤساء الأفارقة المقربين من فرنسا، فإن المجلس العسكري لا يتوقع أن يغير شيئًا في علاقة النيجر بفرنسا، ولا أن يقوم بطرد عناصر الجيش الفرنسي الموجودين في البلاد كما فعل العسكريون في مالي وفي بوركينافاسو من طرد للفرنسيين واستبدال الروس بهم والتقرب من موسكو على حساب باريس. فليس هناك من مؤشرات حتى الآن توحي بهذا التحول الاستراتيجي الموغل في القطيعة مع فرنسا الدولة التي كانت تستعمر النيجر.

لكن لو وقع ضغط شديد على الانقلابيين من طرف منظمة الإكواس والاتحاد الإفريقي لتسليم الحكم للمدنيين وعودة الحزب الحاكم وأنصار بازوم، وغالبًا ما تبارك فرنسا وأميركا والدول الغربية عمومًا هذا التوجه الدبلوماسي وتعززه، فإن المجلس العسكري قد يتجه نحو التشدد خوفًا من محاكمة أعضائه والزج بهم في السجون. وهذا التوجه، لو وقع، فمن المحتمل أن يجد أعضاء المجلس العسكري الحاكم بالنيجر أنفسهم مضطرين للارتماء في أحضان روسيا، ولكن هذا الاحتمال لم يظهر بعد ما يعززه ويدعمه.

وفي الختام، فمن الملاحظ أن الانقلاب العسكري في النيجر قام بتنفيذه قادة عسكريون من الصف الأول ومن الضباط ذوي الرتب العليا، الحاضرين في المركز وليس بالأطراف، على خلاف ما حدث في مالي وبوركينافاسو حيث قام بالانقلاب هنالك ضباط من ذوي الرتب الأقل، وهذا ما يرجح فرضية أن ما حدث أكثر تعالقا بالوضع الداخلي منه بتأثير جهات خارجية كروسيا مثلا، وأن هذا الانقلاب ربما يعكس خلافا داخل النظام وليس انقلابا من خارجه. فالخلاف الحاصل بين ما حدث في النيجر وما سبق أن حدث في مالي وبوركينافاسو يعني، على الأقل في شكله الظاهر، أن الانقلابيين قد لا يغيرون من تحالفاتهم مع فرنسا.

سيدي أحمد ولد الأمير – باحث ومشرف وحدة الدراسات الأفريقية بمركز الجزيرة للدراسات

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات




قمة روسيا – أفريقيا ومستقبل النظام العالمي

في سياق التحولات الجوهرية التي تجري في أنحاء مختلفة على مستوى العالم، انعقدت يومي 27 و28 يوليو/تموز الجاري الدورة الثانية لقمة روسيا وأفريقيا في مدينة سانت بطرسبرغ الروسية.

ما بين القمتين الأولى والثانية حدث أن روسيا استعادت كثيراً من قوة وتطلعات الاتحاد السوفياتي السابق كقوة عظمى، وأن أفريقيا المساحة الجغرافية والكتلة السكانية الأكثر تأثراً بمجريات الأحداث في العالم، خصوصاً ما يتعلق منها بالتوازنات والاستقطابات العالمية، حيث إن الولايات المتحدة هي الأخرى كانت قد استضافت قمة أفريقية في ديسمبر/كانون الأول الماضي وأعقبتها جولة أفريقية قام بها وزير الخارجية الصيني المخلوع تشين غانغ في يناير/كانون الثاني الماضي.

ولانعقاد القمة للمرة الثانية دلالات وتداعيات مهمة، بعد أن استضافت مدينة سوتشي الروسية القمة الأولى عام 2019. ولا تقتصر تلك الدلالات على النطاق الثنائي في العلاقات بين روسيا والدول الأفريقية، بل تشمل أيضاً وبصورة أكبر، طبيعة ومستقبل النظام العالمي.

هذا الارتباط بين قمة روسيا – أفريقيا وتغيرات المشهد العالمي، كان حاضراً بقوة بل وبوضوح في مجريات القمة ونتائجها. وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صريحاً ومباشراً في كلمته الختامية بالقمة، التي اعتبر فيها أن الدول المشاركة في القمة قد أكدت مجدداً “الالتزام بتشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب عادل وديمقراطي”.

أي أن روسيا التي تقوم بتحركات في اتجاهات متعددة من أجل تغيير النظام العالمي القائم وتشكيل نظام عالمي جديد ومختلف، بدأت توسع دائرة تحركاتها لتشمل أفريقيا، بعد أن كانت مقتصرة على قوى كبرى مثل الصين ودول صاعدة مثل البرازيل.

دخول أفريقيا على خط التوازنات الدولية والمشاحنات الجارية بين أقطاب النظام العالمي الحالي، من شأنه أن يضع القارة الأفريقية بشكل عام على خط المواجهة مع الغرب، خاصة القوى الكبرى فيه وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. على أن الأعباء المترتبة على هذا التوجه الأفريقي ستتفاوت في حدتها من دولة أفريقية إلى أخرى.

في الوقت ذاته، كشفت القمة عن وعي رؤساء وقادة دول أفريقيا المشاركة في القمة (49 دولة) بأهمية وصعوبة دورها المطلوب في إحداث تحول جذري في النظام العالمي. وانعكس هذا الوعي في استقبال الطروحات والعطاءات التي قدمتها روسيا خلال القمة، بقدر كبير من الموضوعية والبراغماتية معاً، من دون اندفاع غير مدروس ولا امتناع غير مبرر.

فإن كانت موسكو قد سعت من خلال القمة إلى حشد وتعبئة الدول الأفريقية للاصطفاف إلى جانبها في المواجهة المستمرة مع القوى الكبرى حول إدارة العالم، فإن القادة الأفارقة نجحوا في تجنب انتهاء القمة بنتائج في اتجاه واحد لصالح روسيا وحدها. فنجحت أفريقيا في دفع موسكو إلى تقديم إثباتات عملية لحسن النوايا تجاه أفريقيا، مثل جدولة الديون وتسوية التبادلات التجارية بالعملات المحلية.

البيان الختامي للقمة تضمن بنوداً تلبي مطالب روسيا بوضوح، خاصة فيما يتعلق منها بمستقبل العالم، إذ نص البيان على “إنشاء نظام عالمي متعدد الأقطاب أكثر عدلاً وتوازناً واستدامة”.

وفي المقابل، أكد البيان الاستفادة الأفريقية المنتظرة، عندما أشار إلى أن ذلك النظام المأمول “سيتصدى بحزم لأي شكل من المواجهة الدولية في القارة الأفريقية”. وهي صياغة دبلوماسية لما وصفه بوتين في كلمته للقمة بالعزم المشترك على “النضال ضد الاستعمار الجديد”.

أهم ما في قمة روسيا – أفريقيا، أنها لم تقتصر على تبادل الكلمات أو الصياغة القوية لبنود الإعلان الختامي. فقد اتفق القادة على مأسسة وتأطير القمة كمظلة ثابتة وآلية منتظمة لإدارة العلاقات الروسية الأفريقية، حيث تم الاتفاق على عقدها دورياً كل ثلاث سنوات.

القمة الروسية الأفريقية محطة مهمة باتجاه تشكيل واقع عالمي مختلف، ربما ليس مناقضاً تماماً للحالي. لكن انعقاد القمة للمرة الثانية ومواقف الدول المشاركة فيها، يقدم مثالاً عملياً على أن مستقبل العالم سيكون مختلفاً. سواءً في أقطابه واللاعبين المؤثرين فيه أو في طبيعة قضاياه وملفاته، التي ستختلف بدورها حسب أولويات تلك الأقطاب.

محمد خلفان الصوافي

المصدر: موقع العين الإخبارية




رادار “ريزونانس إن إي” الروسي.. قاهر الأهداف الشبحية

مع زيادة الهجمات الأوكرانية على أهداف روسية باستخدام المسيرات برزت أهمية الرادارات الروسية في التصدي للأمر.

ومن أبرز الرادرات التي تعتمد عليها موسكو هو رادار المدى البعيد “ريزونانس إن إي”.

وتمثل الرادارات إحدى وسائل الحروب الحديثة، وتمثل مكونا رئيسيا في الحروب الجوية، وتمتلك روسيا أكثرها تطورا.

وتقوم الطائرات الحربية والصواريخ بتنفيذ مهام هجومية ودفاعية ضد العدو في البر والبحر والجو، لكن بدون الرادارات لا يمكن تحديد الهدف.

وتتميز الرادارات الحديثة بقدرتها على كشف الأهداف وتمييزها بدقة من مسافات طويلة ونقل البيانات الخاصة بها لمراكز القيادة التي تقوم بتحديد نوع السلاح المناسب لتدميرها.

وتمتلك روسيا مكانة رائدة في تطوير الرادارات العسكرية التي جعلتها تمتلك أفضل شبكات دفاع جوي في العالم، حسب موقع “روس أوبورون إكسبورت” الروسي.

ورادار “ريزونانس-إن إي” مصمم لاكتشاف أي هدف جوي أثناء تحليقه على مسافات بعيدة وارتفاعات عالية.

وتتنوع الأهداف التي يمكن للرادار الروسي كشفها بين أهداف تحلق بسرعات تتجاوز سرعة الصوت، وأهداف مصممة بصفات شبحية، والصواريخ الباليستية، والصواريخ المجنحة، والصواريخ الفرط صوتية، والأهداف الشبحية.

ويبلغ مدى الرادار “ريزونانس-إن إي” من 10-110 كم، ويمكنه رصد الأهداف من خلال زاوية كشف 360 درجة، على ارتفاعات تصل إلى 100 كم، ويبلغ المعدل الزمني لنقل البيانات به من 1 إلى 10 ثوان، ويمكنه العمل على مدار الساعة، كما أن بمقدوره رصد حتى 500 هدف.

ويمتلك “ريزونانس-إن إي” صفات شبحية تجعل عمليات رصده أثناء الاستحواذ على الهدف في غاية الصعوبة.

وقد تم تصميم هذا الرادار الروسي ليكون قادرا على العمل في أسوأ ظروف الحروب تعقيدا، خاصة فيما يتعلق بالتشويش الراداري من العدو واستخدام أنظمة الحرب الإلكترونية المختلفة، التي يمكنها التداخل مع الأنواع الأخرى من الرادارات وتعطيلها أو الحد من كفاءتها.

و”ريزونانس-إن إي” هو رادار مراقبة بعيد المدى متعدد الوظائف يمتاز بأداء عالي، يستعمل للتنسيق بين المعارك المضادة للطائرات الناجحة، وأفواج الصواريخ المضادة للطائرات، وطائرات الاعتراض ومقاتلات السيادة الجوية.

المصدر: موقع العين الإخبارية




روسيا في أفريقيا: شراكة أم خيار آخر للتبعية؟

شهدت مدينة سان بطرسبورغ الرُّوسية، أخيراً، التئام القمّة الثّانية للشّراكة بين روسيا والقارّة الأفريقية، وهذه مناسبة لتقييم تلك الشّراكة وطرح تساؤل بشأنها، مفادُه إن كانت حقّاً شراكة أم واحداً من الخيارات المكرّسة للممارسة نفسها، أي التّبعية، خصوصاً أنّ القمّة تزامنت مع انقلاب في النّيجر، وعدول موسكو عن الاستمرار بالعمل باتّفاق تصدير القمح مع أوكرانيا بوساطة تركيا، والمتضرّر الأوّل، للعمل، هو القارّة وأمنها الغذائي الهشّ.
بداية، يجب الاعتراف بأن القارّة لم تخرج، بصفة كاملة، من التّبعية التي أخذت شكل الاستعمار، بنوعيه الانتداب أو الاستيطان، ثمّ الاستعمار الجديد بمعادلة التّقسيم الدُّولي للعمل أو الاستغلال الغربي بالأدوات الاقتصادية والاستراتيجية. وطبعاً، عبر إغراق القارّة بالمديونية، بحجّة بناء الاقتصاد بوصفات على المقاس من مؤسّستي نظام بريتون وودس، صندوق النقد والبنك الدُّوليين. وكان من أثر فشل تلك الاستراتيجيات الغربية، بالنّسبة للقارّة، انتشار ظاهرة الانقلابات، لأنّ الاستقرار لا يخدم المصالح الغربية. وبذلك برزت النّماذج التّي تعرض نفسها على الدّول الأفريقية بصفتها مساعدة لها، مخلصة لها من مشكلاتها أو بديلاً لها عن خياراتٍ سابقة وصلت بها إلى الفشل.
هناك على الطّاولة، حالياً، نماذج عديدة تريد أن تكون البديل للنّموذج الغربي الفاشل في القارّة، وهي النماذج اليابانية والصينية والروسية، بصفة خاصة، وكلها تعرض مقاربات جديدة تقوم، بالأساس، على النّدّية، احترام السّيادة والمصالح المشتركة، وليس المستقطبة، وهي المعايير التي انطلقت من خلالها تلك القوى عبر منتدياتٍ تُنظّم بصفة دورية، وهو ما شكّل هواجس لدى المستعمر السّابق، خصوصاً فرنسا، بشأن الوجود، المصالح، والاستفادة القصوى بدون بذل أيّة مجهودات وبدون مساعدة الأفارقة على الخروج من دائرة التّبعية.

هل للأفارقة الحقُّ في خيارات شراكة استراتيجية، أم أنّ المفروض عليهم، دوماً، القبول بما يُعرَض عليهم من بدائل، لا تشكّل، وفق التّقييم والتقدير، مخارج من التّبعية والإشكالات الخاصّة بالمشكلات على الأصعدة كافة؟ نحتاج، للإجابة، إلى استطلاع طبيعة تلك الخيارات المعروضة على الأفارقة، بمقاربة التّدقيق، حيث المّسلّم به أنّ الخيارات السّابقة، الغربية، عرفنا شكلها ومضمونها ومخارجها، بصفة خاصّة، والتّي لا بأس من التّعرُّف إليها، بداية.
هناك، الآن، بصفة خاصّة، بالنسبة للقارّة، مقاربتان للشّراكة، أولاهما تلك المؤسّسة على الّتبعية والاستقطاب والاستفادة الأحادية بخلفية أيديولوجية، كان الرّاحل سمير أمين أبرز من فهم كنهها عندما قابل، في سياق تلك العلاقات، بين مركز قوي جاذب لكلّ مصالح ما يسمّيه التّعاون ومستقطباً العلاقة نحو ما يفيده، بصفة حصرية، ومحيط تقع عليه تبعات تلك التّبعية. وتتلخّص مصالحه في أنّ ما يتمُّ استغلاله من موارد أوّلية أو زراعات إنّما هي لتكريس علاقاتٍ من نوع خاصّ بين نخبتي المركز والمحيط، ومسار ذلك عدم الاستقرار ودوام الانقلابات، كما جرى ويجري في القارّة السّمراء. ولعل جديد حلقات ذلك انقلاب النّيجر وما يجري في السُّودان أو أفريقيا الوسطى، على سبيل المثال.
أمّا المقاربة الثّانية، فهي التّي تقترحها، اليوم، كلّ من الصّين وروسيا واليابان، وهي شراكات مغايرة في شكلها ومضمونها، حيث لم يسبق لهذه القوى، في مخيّلة الأفارقة، أن استغلّت شعوب القارّة بالاستعمار، بل، إلى وقت قريب، كانت الصّين واليابان تعانيان من ويلات تعامل الغرب معهما، في حين أنّ روسيا التي نحت نحو الشًّيوعية كانت، قبل سقوط الاتّحاد السُّوفييتي، تعرض نفسها البديل عن استغلالية اللّيبرالية. وبالنتيجة، في النماذج التي تعرض نفسها على أنها البديل عن الغرب نوع من القبول، لولا أن الممارسة أبرزت، فيما بعد، أن الليبرالية والتعامل من خلال مداخل التبعية هي ديدن من تتصف بالبراغماتية من القوى الدّولية أو الإقليمية، حيث لا كلام يعلو عن كلام المصالح، ليكون الأمر، في بعض السُّلوكيات، ذاته الذّي اعتادته الدُّول الأفريقية من الغرب.

لنركّز الحديث على روسيا القادم الجديد، في إطار لعبة التنافس الكبرى في القارّة، فهي تعرض نفسها. ولكن في إطار أدواتٍ عديدة لا تتعدّى توريد أسلحة، مساعدة أمنية/ دفاعية من خلال وسيط يحمل اسم مليشيات فاغنر، أو، الآن، مورد قمح ونفط بأسعار تنافسية جداً، ولكن بشروط هي ذاتها التي تعرضها الدول الغربية التقليدية.
تأتي قمّة سان بطرسبورغ الرُّوسية الأفريقية في ظلّ احتدام الصّراع الغربي الروسي بقصد إعادة تشكيل النّظام الدّولي، وبأدوات تزداد وتيرة الانخراط بها في الصراع شدّة، وخصوصاً منها الطّاقة والقمح، وهي موارد استراتيجية تثقل، بسبب ارتفاع أسعارها، عبء الميزانيات الأفريقية الهشّة، أصلاً، بتكلفة مضافة، تدفعها نحو الاستدانة، أو شراكات مفروضة لا تقل سوءاً عن التي تعتقد أنها قد خرجت منها مع الدول الغربية، وهي شراكات تقودها الصّين وروسيا مع لعبة أدوار أصبحت بادية للعيان، حيث تضطلع الصّين بالدّور الاقتصادي، في حين تلعب روسيا دور المورّد للمساعدة الدّفاعية والأمنية أو الطّاقة. وكلا الاستراتيجيتين، الصّينية والرّوسية، متكاملتان، وفق تحليلات كثيرة، منها تحليل وزير خارجية أميركا، بلينكن، في الحالة الأوكرانية. وحتماً أبعد من ذلك (ربّما يكون هذا فحوى ما حصل عليه كيسنجر من زيارته الصّين، أخيراً، وأوصله إلى مسؤوليها من معلومات استخباراتية أميركية، في هذا الشّأن). وتأتيان بدافع براغماتي يبحث عن النّفوذ وتعزيزه، ولا وجود لما يمكن الاعتقاد أنّه تعامل بديل عن التعامل الغربي اللّيبرالي المحض.

بتحليل تلك الخيارات الصّينية والرُّوسية، بصفة خاصّة، (لا يدّعي البديل الياباني خلفية غير ليبرالية، ولا ينشر ما يمكن اعتباره حافزاً على العمل معه خارج السّردية البراغماتية)، ما يبرز هو اعتبار معايير المصالح والاستقطاب، حتى مع تقديم ذلك باللُّبُوس الأيديولوجي المغلّف بالبديل للنّموذج الغربي، وكأن ما يبحث هو الأفريقي، ليس الخروج من عباءة التّبعية للغرب، بل البحث عن شريك آخر ينخرط في اللعبة نفسها، أي استغلال الفرص الواعدة الأفريقية، إذ إن الغرب رافض للنُّخب الوطنية وللنّماذج التّي ترتبط بصندوق الانتخاب وبالدّيمقراطية، لأنّها نماذج مؤسّساتية، ستعمل، حتماً، على الكشف على مكامن تلك التّبعية والفساد المرتبط معها والنّماذج الصينية والرّوسية. وفي هذا الصّدد، تخاف من تلك النماذج، وتريد تجسيد مصالحها مع من يمنح لها البيئة التي تحقّق استراتيجياتها. والنّتيجة، تبعاً لكل ما سبق، أنّ القارّة ما زالت موطن التّمرُّدات والانقلابات والانفلات الأمني بكلّ أشكاله وأنواعه.
إذا كان هذا هو المنطق الذي سارت فيه العلاقات مع الصين وروسيا، فأين المخرج من مكامن الضّعف والانكشاف الأفريقي الذي يزداد تمدّداً، يوماً بعدد يوم؟ اقترح بعضهم، في القارّة، العمل على مقترحات النّماذج التي تختلف عن النموذج الغربي واستخراج ما يمكن استخراجه من مصالح. ومنها، على سبيل المثال، الحصول على فرصة التّعامل، في المبادلات التّجارية، بعملة غير الدّولار، الولوج إلى المنظمات الاقتصادية الكبرى، على غرار مُقترح الرّئيس الروسي بوتين بمنح القارّة مكاناً في مجموعة العشرين (الاقتصادية) بل وأيضاً لم لا توسيع دائرة البريكس ومنظمة شنغهاي، لتكون البديل عن المؤسّسات المالية الغربية. وهي، كما نرى، مقترحات جادّة، إذا تمّ تجسيدها ستفتح الباب، واسعاً، أمام القارّة للعب والمناورة بين تلك النّماذج والاستفادة منها أقصى ما يمكن الاستفادة.
ما يُعتبر استراتيجياً، بالنّسبة للقارّة، هو الخروج من دائرة التّبعية، والولوج إلى الشّراكة النّدية والمناورة من خلال اكتساب قدرة المشاركة في القرار الدّولي، في المكان الذي يصنع فيه. والمهم، أكثر، أن تكون القارّة فاعلاً معنياً بالتأثير، لا مؤثّراً فيه، أي غير تابع، بل مشارك.

محمد سي بشير

المصدر: صحيفة العربي الجديد




روسيا وأفريقيا.. ارتقاء العلاقة إلى الشراكة الاستراتيجية

اضطرابات عاصفة تلقي بظلالها على العالم، وسط اصطفافات دولية، ومحاولات لعزل روسيا، فيما تلوح في الأفق «أزمة غذاء» مع تطور قضية الحبوب.

عوامل مختلفة أضفت حالة خاصة على القمة الروسية الأفريقية الثانية في سان بطرسبرغ، وعكست في تفاصيلها تلاقي مصالح ورغبة الجانبين في تطوير العلاقات، لمواجهة التحديات الواسعة الناجمة عن التطورات الجيوسياسية العالمية، والبناء على نتائج القمة الأولى التي انعقدت قبل أربعة أعوام.

أخذت أجواء القمة الثانية طابعاً مختلفاً عن «قمة سوتشي» خريف 2019، بالنظر لاختلاف الظروف السياسية والاقتصادية العالمية، وجملة التطورات العاصفة وما صاحبها من متغيرات على صعيد العلاقات الإقليمية والدولية، الأمر الذي يؤكده نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية، السفير صلاح حليمة.ينوّه حليمة عبر «البيان» بما تحظى به العلاقات الروسية الأفريقية من أهمية في ضوء الأوضاع العالمية الحالية، وجملة التحديات التي تواجهها القارة السمراء، متأثرة بهذه الأوضاع، وإن لم تكن طرفاً مباشراً فيها، بينها: تبعات الحرب في أوكرانيا، ومحاولات عزل روسيا، وصولاً لـ«أزمة الحبوب» الحالية.

مساحة وشراكة

وبحسب حليمة، القمة الثانية تشكل مساحة مهمة لتطوير العلاقات ومستوى الشراكة الاستراتيجية المتوازنة، لاسيما وأفريقيا تشهد منافسة كبرى بين قوى دولية (روسيا، والصين، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي)، وأخرى إقليمية، ومع تصاعد التوجهات المرتبطة بإقامة «نظام عالمي جديد»، تتحرك فيه روسيا بصفة أساسية مع دول مجموعة «بريكس» بشكل خاص، يشمل: التوجه لإقامة نظام مالي ونقدي جديد، مبني على أساس التعامل بالعملات المحلية (عوضاً عن الدولار)، فيما دول أفريقية تسعى للانضمام إلى تكتل «بريكس».

ويوضح حليمة أن واحداً من أهم الملفات المرتبطة بالتطورات الجارية، هو «ملف الحبوب»، بعد انهيار اتفاقية الحبوب عبر البحر الأسود أخيراً، وحجم الضرر الواسع المحتمل على الدول الأفريقية بشكل خاص، وفي ضوء تفهم روسيا لاهتمامات القارة في حل الأزمة عبر الوفاء بالالتزامات تجاه دول أفريقيا، فيما يخص الحبوب، والأسمدة، وإنشاء مراكز وطرق لوجستية، فضلاً عن تقديم الحبوب بالمجان لبعض الدول (الأشد احتياجاً، والأكثر فقراً).

وأعلن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، استعداد بلاده لتوريد الحبوب مجاناً إلى ست دول أفريقية في غضون ثلاثة أو أربعة أشهر، هي: بوركينا فاسو، وزيمبابوي، ومالي، والصومال، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وإريتريا)، تقدر بين 25 و50 ألف طن لكل دولة. يضاف إلى الملفات السياسية والاقتصادية التي تجمع الجانبين، ملفات مختلفة، مرتبطة بالأوضاع الأمنية، ومكافحة الإرهاب، والجريمة المنظمة، والاتجار بالبشر، فضلاً عن التعاون في قطاعات اقتصادية مختلفة، بينها: الطاقة، والتعدين، والصناعة، والزراعة، والاستثمار في الثروة السمكية، والطاقة النووية والكهرومائية، والسياحة، والتعليم، علاوة على التعاون المشترك في «الأمن الإنساني»، بحسب حليمة.

وتحظى العلاقات بأهمية خاصة للجانبين، فمن ناحية روسيا، الساعية إلى التغلب على محاولات «العزلة» التي تلاحقها من الغرب، الداعية إلى تأسيس نظام عالمي جديد، عماده التعددية القطبية، والخروج من هيمنة الدولار.

من ناحية مغايرة، تدفع أفريقيا «فاتورة باهظة» بفعل الاضطرابات الداخلية في بعض دولها، كذلك التطورات الجيوسياسية، وارتدادات الحرب الأوكرانية عليها، والظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها، و«أزمة الغذاء» التي تلوح في الأفق.

امتداد استراتيجي

وتلتقي مصالح الجانبين في التكامل، لاسيما على الصعيد الاقتصادي، حيث شركات روسية عديدة تعمل في القارة السمراء، طبقاً لخبير الشؤون الأفريقية، رامي زهدي، الذي يلمّح عبر «البيان» إلى الأهمية الاستراتيجية للقارة ضمن مستهدفات السياسة الخارجية الروسية، كون أفريقيا «امتداداً استراتيجياً» على مختلف المستويات، مبيّناً أن موسكو -في ضوء سعيها لكسر الهيمنة الأمريكية- تنظر إلى علاقات الشراكة مع دول القارة باعتبارها فرصة حقيقية، تبرم لأجلها اتفاقات التعامل بالعملات المحلية، والانخراط في «بريكس» (المجموعة الساعية لإطلاق عملتها الخاصة). ويستطرد زهدي أن ما تمثله القارة السمراء كنافذة مهمة لروسيا، في خضم المحاولات الغربية لعزلها، والعقوبات الاقتصادية المفروضة على موسكو.

إذ تمثل أفريقيا منفذاً مهماً لروسيا، لاسيما أن دولها تشاطر موسكو الرغبة ذاتها في تطوير العلاقات، لما تعانيه من أزمة نقص الغذاء، واعتمادها، بشكل رئيس، على الواردات، خاصة واردات الحبوب من روسيا وأوكرانيا.

ويمكن لروسيا استثمار أزمة الحبوب التي خلقها انهيار «اتفاقية البحر الأسود»، وبنمطية استراتيجية، في توطيد العلاقات مع القارة السمراء، وأخذها إلى مناحٍ أكثر تأثيراً وعمقاً، وفق زهدي.

ولا يتجاهل زهدي تأثير التنافس الدولي بشأن القارة السمراء على آفاق العلاقات بين روسيا وأفريقيا، الأمر الذي يضع جملة تحديات سياسية واقتصادية أمام موسكو.

محمد خالد

المصدر: موقع العين الإخبارية




السويد تعيد النظر في تصريح إقامة لاجئ عراقي أحرق نسخة من المصحف

ذكرت وسائل إعلام أن وكالة الهجرة السويدية تعيد فحص تصريح الإقامة الممنوح للاجئ عراقي كان وراء عدة حوادث لتدنيس المصحف في ستوكهولم في الأسابيع الأخيرة مما أثار غصب المسلمين في جميع أنحاء العالم.

وأفادت وكالة الأنباء السويدية (تي.تي)، بأن الرجل لديه تصريح بالإقامة المؤقتة في السويد من المقرر أن تنتهي صلاحيته في عام 2024 لكن الوكالة تعيد النظر في موضوعه الآن.

وفي رسالة بالبريد الإلكتروني إلى صحيفة “سفينسكا داغبلادت” السويدية، قالت وكالة الهجرة إن المعلومات الواردة من السلطات السويدية أتاحت مبررا لفحص ما إذا كان يجب إلغاء وضع الرجل في السويد.

وأحرق الرجل نسخة من المصحف في الشهر الماضي أمام المسجد الرئيسي في ستوكهولم، كما قام بمظاهرة أمام السفارة العراقية في ستوكهولم في يوليو قال إنه سيحرق فيها نسخة من المصحف، لكنه لم يفعل ذلك.

ووجدت السويد نفسها في بؤرة اهتمام دولي في الأسابيع الأخيرة بعد تدنيس وحرق نسخ من المصحف.

وبالإضافة إلى طلبات حرق المصحف، هناك أيضا العديد من طلبات حرق كتب دينية أخرى مثل العهد الجديد والعهد القديم، ما دفع الكثيرين إلى انتقاد السويد.

وقضت محاكم سويدية بأن الشرطة لا يمكنها منع حرق الكتب المقدسة، لكن حكومة رئيس الوزراء أولف كريسترسون قالت في وقت سابق من يوليو إنها ستدرس ما إذا كان هناك سبب لتغيير قانون النظام العام لتمكين الشرطة من منع حرق المصحف.

المصدر: موقع العين الإخبارية




البيان الختامي لقمة “روسيا-إفريقيا”.. بوتين: اتخذنا موقفا موحدا على تحدي النظام الاستعماري

تبنى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، والزعماء الأفارقة البيان الختامي لقمة “روسيا-إفريقيا”.

كما تم اعتماد خطة عمل منتدى الشراكة الروسي الأفريقي للفترة من 2023 إلى 2026.

وجرى خلال القمة الروسية الأفريقية إبرام عدد من الاتفاقيات والعقود والوثائق الأخرى في مختلف مجالات التعاون الروسي الأفريقي.

وصرح “بوتين” في وقت سابق بإن روسيا أبرمت اتفاقيات تعاون عسكري-تقني مع أكثر من 40 دولة أفريقية.

بوتين: اتخذنا موقفاً موحداً بالقمة الإفريقية الروسية على تحدي النظام الاستعماري

أكد الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، أنه تم اتخاذ موقف موحد بالقمة الإفريقية الروسية على تحدي النظام الاستعماري ومحاولات القضاء على القيم.

وقال “بوتين”، إن روسيا والدول الإفريقية تؤكد على موقفها من تشكيل نظام عالمي عادل ومتعدد الأقطاب.

وأكد “بوتين”، أنه سيكون هناك آلية عمل وتنسيق بين روسيا وإفريقيا في المرحلة المقبلة.

وأضاف: “لدينا خطة عمل مع إفريقيا حتى 2026 وهدف لزيادة التبادل التجاري وبنيته التحتية والانتقال للتسويات بالعملات المحلية”.

ونوه، بأن روسيا ستأخذ بعين الاعتبار مقترحات شركائنا الأفارقة خلال أعمال القمة الروسية الإفريقية.

وتابع، “شركاتنا منفتحة لتسليم الشركاء الأفارقة التكنولوجيا وزيادة التعاون الثقافي والرياضي”.

وشدد “بوتين”، على أن روسيا ستقدم مساعدة للدول الإفريقية لمحاربة الأوبئة وقد وصلت المبالغ المخصصة لذلك إلى مليار ونصف المليار روبل.

كما أشار، إلى أن روسيا ستواصل إمداد الدول الإفريقية بالحبوب على أساس تجاري ومجاني.

البيان الختامي لقمة روسيا ــ إفريقيا يؤكد رفض سياسة العقوبات الأحادية

عبر البيان الختامي لقمة روسيا – إفريقيا عن رفض المشاركين لسياسة العقوبات الأحادية، والعقوبات الثانوية، وتجميد أرصدة الذهب والاحتياطيات النقدية.  

وجاء في نص البيان، الذي نشر على موقع الكرملين على الإنترنت: “نعارض استخدام سياسة العقوبات الأحادية غير المشروعة، والعقوبات الثانوية، وممارسات تجميد أرصدة الذهب السيادي، واحتياطيات النقد الأجنبي.

كما أكد، البيان رفض أساليب الابتزاز السياسي الذي يُمارس ضد قيادات الدول الثالثة، لإجبارها على الانضمام لسياسة العقوبات، أو للتأثير على المسار السياسي والاقتصادي للدول.

 القمة الروسية الأفريقية.. تطور جديد في العلاقات لمواجهة النفوذ الغربي

انطلقت نسخة الثانية من قمة “روسيا – إفريقيا” في مدينة بطرسبورغ الروسية، حيث تأتي في إطار تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين روسيا والدول الإفريقية والارتقاء بها لمستوى جديد.

تنعقد القمة يومي 27 و28 يوليو الجاري، حيث يشارك فيها عدد من قادة الدول الإفريقية، وفي مقدمتهم الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ورئيس جنوب إفريقيا، سيريل رامافوزا.من جهته، أكد مساعد الرئيس الروسي للشؤون الدولية، يوري أوشاكوف، مشاركة 49 دولة إفريقية من أصل 54 في القمة، مشيرا إلى أن 17 رئيسا سيحضرون القمة، بالإضافة إلى رؤساء مفوضية الاتحاد الإفريقي والبنك الإفريقي للاستيراد والتصدير.

وفي رسالة ترحيبية للمشاركين في الحدث، شدد الرئيس الروسي، “فلاديمير بوتين”، على تمسك روسيا بمواصلة تطوير العلاقات مع البلدان الإفريقية والعمل على تحفيز التجارة والاستثمار معها ومساعدتها في مكافحة الفقر.

ويهدف المنتدى لتنويع مجالات التعاون الروسي الإفريقي، وتحديد تطور هذه العلاقات على المدى الطويل، فيما سيتم تنظيم معرض واسع النطاق، وعقد ورشات عمل في إطار المنتدى.

وسبقت منتدى بطرسبورغ سلسلة من الزيارات والاتصالات المتبادلة على مستوى القادة والمسؤولين في روسيا ودول إفريقيا، أبرزها زيارات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إلى دول القارة السمراء.

وتتمتع روسيا بعلاقات وطيدة مع الدول الإفريقية في ظل حضور لافت للشركات الروسية الكبرى في السوق الإفريقية، وبينها شركة “روسآتوم” التي تنفذ مشروع الضبعة النووي في مصر، أول محطة كهروذرية لإنتاج الطاقة الكهربائية في إفريقيا.

وتشمل فعاليات المنتدى الاقتصادي الإنساني “روسيا – إفريقيا” عدة محاور من أبرزها، الاقتصاد العالمي الجديد، الذي سيركز على توسيع نطاق التعاون بين قطاعي الأعمال الروسي والإفريقي والأمن والعلوم والتكنولوجيا.

وتتضمن الفعاليات جلسات خاصة مرتبطة بالتكنولوجيا النووية والرقمية والقضايا الإنسانية والاجتماعية، ستشمل أنشطة مرتبطة بالتعليم والثقافة والرياضة.
 
وفي وقت سابق، عقد المنتدى الروسي الإفريقي الأول في مدينة سوتشي الروسية، يومي 23 و24 أكتوبر 2019، حيث شاركت فيه أكثر من 6000 شخصية من روسيا، و104 دول وأقاليم.
وحضر القمة 54 من قادة الدول الإفريقية، حيث تم توقيع 92 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة تجاوزت تريليون روبل، كما عقد 569 اجتماعا خلال المنتدى برعاية مؤسسة “روس كونغرس”.

وخلال افتتاحه القمة قال “الرئيس الروسي”

 القمة الروسية الإفريقية ستبحث تعزيز التعاون التجاري والأمن الغذائي، نعمل على توفير القمح والحبوب لدول القارة الإفريقية.

روسيا تسعى لتعزيز التعاون مع الدول الإفريقية في كل المجالات.
روسيا هي شريك مهم لإفريقيا.
نتوقع أن يتم اتخاذ قرار انضمام الاتحاد الإفريقي إلى مجموعة الدول العشرين في القمة المقبلة في الهند.
سنعزز التجارة بين روسيا ودول إفريقيا.
الغرب وضع العراقيل أمام صادرات الحبوب الروسية.
نسعى لإرساء الاستقرار والسلام في إفريقيا.
حجم الصادرات والواردات الروسية مع إفريقيا هذا العام زاد بنسبة 30%.
الغرب استغل اتفاق الحبوب للحصول على احتياجاته وحرم الدول الفقيرة من حقوقها.
نتمسك برفع العقوبات للعودة إلى تصدير الحبوب.
روسيا قادرة على تعويض إفريقيا عن الحبوب الأوكرانية.
مستعدون لتقديم الحبوب لـ6 دول إفريقية دون مقابل خلال الأشهر المقبلة.
 

أما رئيس جزر القمر عثمان غزالي فقد قال:
القمة منصة هامة لمناقشة قضايا التعاون بين روسيا وإفريقيا، وكذلك القضايا الدولية المؤثرة.
العالم يقف على حافة الانهيار وإفريقيا هي الضحية.
 إفريقيا تعاني من الهجرة ومن مشاكل الأمن ونقص المواد الغذائية ومشكلات المناخ وغيرها.
ساهمت الاستثمارات الروسية في التنمية ببلادنا، وروسيا ساعدت إفريقيا في قضايا التحرير.
العالم يواجه تحديات اقتصادية وسياسية ذات أبعاد خطيرة، ولا يفهم كثيرون أهمية استخدام موارد العالم في خدمة البشرية.

“بوتين” يأمل بتشغيل المنطقة الصناعية الروسية في مصر

تحدث الرئيس الروسي، “فلاديمير بوتين”، عن مجموعة من المشاريع العملاقة التي تنفذها روسيا في مصر، وعلى رأسها المفاعل النووي في منطقة الضبعة المصرية.
وقال الرئيس الروسي، خلال الجلسة الافتتاحية لقمة “روسيا /إفريقيا” في مدينة سان بطرسبورغ الروسية، “في المستقبل القريب في مصر في منطقة قناة السويس سوف يطلقون منطقة صناعية روسية، من المقرر توزيع البضائع المنتجة هناك في جميع أنحاء إفريقيا”.

وتابع “بوتين”، “في مصر تحدثت مع الرئيس “السيسي”، وأتمنى أن نفتتح منطقة صناعية روسية في منطقة قناة السويس في المستقبل القريب. ونتوقع أن يتم هذا العام إنشاء أول مرافق الإنتاج الصناعية في المنطقة، وفي المستقبل سيتم تصدير البضائع المنتجة في جميع أنحاء إفريقيا”.

كما أشار “بوتين”، إلى أن العديد من الشركات الروسية تعمل في مجال تطوير حقول النفط والغاز في الدول الإفريقية بما فيها مصر والجزائر، كما أن شركة “روس أتوم” الروسية تبني محطة للطاقة النووية في مصر.

بوتين يعلن عن طبيعة المساعدات الروسية القادمة للقارة الإفريقية

أعلن الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، خلال كلمته أمام المشاركين في قمة روسيا أفريقيا بسان بطرسبورغ عن عزم روسيا فتح عدد من المؤسسات التعليمية الروسية في إفريقيا.

وصرح “بوتين”، بأن روسيا مستعدة لتوفير ما بين 25-50 ألف طنا من الحبوب مجانا إلى بوركينا فاسو وزيمبابوي ومالي والصومال وجمهورية إفريقيا الوسطى وإريتريا خلال الأشهر المقبلة.

وأشار إلى أن الدول الغربية تتهم روسيا زورا بالتسبب في الوضع الراهن للأزمة في سوق الغذاء العالمي، إلا أنها في الوقت نفسه تعيق إمدادنا بالحبوب والأسمدة للدول المحتاجة.

وأضاف: لمدة عام تقريبا من هذه الصفقة المزعومة، تم تصدير ما مجموعه 32.8 مليون طن من الحبوب من أوكرانيا، ذهب أكثر من 70% منها إلى البلدان ذات المستويات المرتفعة والمتوسطة من الدخل، بما في ذلك داخل الاتحاد الأوروبي، بينما بلغ ما وصل إلى دول مثل إثيوبيا والسودان والصومال وعدد من الدول الأخرى أقل من 3%. ولم يتم الوفاء بأي من شروط الصفقة المتعلقة برفع الصادرات الروسية من الحبوب والأسمدة من العقوبات ووصولها إلى الأسواق العالمية، وتم وضع العراقيل أمام تبرعنا بالأسمدة المعدنية لأفقر البلدان المحتاجة. تم إرسال دفعتين فقط من أصل 262 ألف طن من الأسمدة المحجوبة في الموانئ الأوروبية: 20 ألف طن إلى ملاوي و34 ألف طن إلى كينيا والباقي في أيدي الأوروبيين.

وقال: إن حصة روسيا في سوق القمح العالمي هي 20%، حصة أوكرانيا أقل من 5%، وهو ما يعني أن مساهمة روسيا في الأمن الغذائي العالمي كبيرة، وهي مورد دولي قوي ومسؤول عن جزء كبير من المنتجات الزراعية العالمية. وأولئك الذين يجادلون في هذا الأمر، وفي أن فقط توفير ما يسمى بـ “صفقة الحبوب لتصدير الحبوب الأوكرانية” هم ببساطة يشوهون الحقائق، ويقولون الأكاذيب. تلك ممارسات الدول الغربية لعقود، إن لم يكن لقرون خلت، وستستمر بلادنا في توفير الإمدادات الإنسانية لدعم الدول والمناطق المحتاجة.

وأضاف، أنه ستتمكن إفريقيا في المستقبل، من خلال تطبيق التقنيات الزراعية المناسبة والتنظيم المناسب للإنتاج الزراعي، ليس فقط من إطعام نفسها، وضمان أمنها الغذائي، بل ستصبح كذلك مصدرة لأنواع مختلفة من الغذاء، ولن تلاقي في ذلك سوى كل الدعم من جانب روسيا.

وتابع، سنساعد في دعم الزملاء في إفريقيا ليس فقط فيما يتعلق بالتعليم العالي، ولكن كذلك في مؤسسات التعليم العام والثانوي وإعداد كوادر المعلمين. نتطلع إلى تدريس اللغة الروسية في بعض الدول.
 

بوتين: عالم القطب الواحد انتهى.. وملامح الاستعمار “لا زالت موجودة”
قال الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” إننا نعمل ضد استغلال المناخ وحماية حقوق الإنسان وما يسمى بأجندة الأجناس لأغراض سياسية .

وأكد “بوتين” خلال الجلسة العامة للقمة الروسية الإفريقية، أنّنا لا نسمح باستخدام سياسة “القواعد بدلا من القوانين” والذي يضع القواعد هو الغرب.

وشدد،أنّه لا بد من النضال من أجل السيادة، وكما قال نيلسون مانديلا: “لا تحكموا علي بنجاحاتي، وإنما بعدد مرات السقوط والنهوض”.

وتابع، أنّ روسيا وإفريقيا متضامنتان في سعيهما نحو عالم متعدد الأقطاب، مضيفاً أنّ جهود الوساطة الإفريقية لتسوية الأزمة الأوكرانية مهمة لأن إفريقيا على استعداد لحل القضايا الدولية، وليست وساطة من قبل ما يسمى بالعالم “الديمقراطي الحر”.

وأوضح، أننا على استعداد لدراسة مقترحات خاصة بتوسيع تمثيل إفريقيا في هيئة الأمم المتحدة، بما في ذلك ضمن سياسة إصلاح مجلس الأمن الدولي.

وأضاف، أنّ روسيا تهتم بالتعاون الوثيق بين هيئات إنفاذ القانون الإفريقية والأجهزة الروسية المنوطة بذلك، وتهتم بالتعاون الوثيق بين هيئات إنفاذ القانون الإفريقية والأجهزة الروسية المنوطة بذلك.

وأكمل حديثه، يشارك عدد من الدول في التدريبات العسكرية الروسية، ونزود حوالي 40 دولة إفريقية بالأسلحة لجيوشها في إطار الاتفاقيات الثنائية، مشدداً على أنّ تعاود السفارتان الروسيتان في بوركينا فاسو وغينيا الاستوائية إلى عملهما.

وأفاد، أنّ القمة التي جرت تدل على أن روسيا وإفريقيا يريدان توطيد تعاونهما في عدد من القطاعات، ولدى رجال أعمالنا ما يعرضونه على زملائهم في إفريقيا.

واستدرك بالقول، إننا سنزيد من إمدادات الحبوب، في العام الماضي كان حجم التصدير للحبوب 11 مليون طن، والنصف الأول من هذا العام بلغ حجم الإمدادات 10 ملايين طن،  على الرغم من كل العقوبات غير الشرعية ضدنا.
 

بوتين يؤكد سعي روسيا لتعزيز التعاون العسكري مع إفريقيا
أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في ختام القمة الروسية الإفريقية أن بلاده تسعى لتعزيز التعاون العسكري مع إفريقيا، مشيرا إلى أنها تقدم ذخيرة لبعض الدول الإفريقية مجانا لتعزيز الأمن في القارة، وتعتزم تدريب العسكريين ومسؤولي أجهزة الأمن الأفارقة في المؤسسات التدريبية الروسية.

وأكد “الرئيس الروسي”، رفض استغلال المناخ وحماية حقوق الإنسان وما يسمى بأجندة الأجناس لأغراض سياسية، كما دعا إلى إشراك الأفارقة بشكل فعال في المنظمات الدولية.

كما أكد على أن موسكو تسعى لتعزيز العلاقات مع إفريقيا في مختلف المجالات.

وقال “بوتين”، في كلمة خلال الجلسة العامة للقمة الروسية الإفريقية بمشاركة رؤساء الوفود الإفريقية:
علاقات متينة تربط بين روسيا وإفريقيا.
بعض مظاهر الاستعمار ما زالت موجودة في إفريقيا.
عهد القطبية الأحادية في العالم قد انتهى.
نحترم المبادرة الإفريقية بشأن أوكرانيا وندرسها بعناية.
روسيا وإفريقيا متضامنتان في سعيهما نحو عالم متعدد الأقطاب.
زيادة التبادل التجاري وتنويعه يتطلب التعامل بالعملات الوطنية.
نقلنا المختبرات الطبية إلى إفريقيا أثناء جائحة كورونا، وشطبنا ديون بقيمة 23 مليار دولار.
لا نسمح باستخدام سياسة “القواعد بدلا من القوانين” والذي يضع القواعد هو الغرب.
موسكو تدرس “بعناية” المقترحات التي قدمها بعض الزعماء الأفارقة لإنهاء الصراع في أوكرانيا.

وأوضح الرئيس الروسي أن “التسوية الإفريقية للأزمة الأوكرانية مهمة لأن إفريقيا على استعداد لحل القضايا الدولية، وليست وساطة من قبل ما يسمى بالعالم ’الديمقراطي الحر‘”، بحسب ما ذكر موقع “روسيا اليوم” الإخباري.

وأشار “فلاديمير بوتين”، إلى أن روسيا ستزيد من إمدادات الحبوب، منوها إلى أنه في العام الماضي كان حجم التصدير للحبوب 11 مليون طن، بينما بلغ حجم الإمدادات في النصف الأول من هذا العام 10 ملايين طن “على الرغم من كل العقوبات غير الشرعية ضدنا”.

وأضاف، “سنوفر الإمدادات الغذائية في إطار برنامج الأمم المتحدة، سنورد 25-50 ألف طن لكل من الدول الإفريقية الست مجاناً. سندعم الدول في التكنولوجيات الزراعية”.
 

رئيس الاتحاد الأفريقي عثمان غزالي:
من ناحيته، وصف رئيس الاتحاد الأفريقي عثمان غزالي التعاون بين موسكو ودول القارة بأنه “مثالي”.
وقال غزالي: “نقيم التعاون الفعال بين قارتنا وروسيا. لمسنا أثناء عملنا الأجواء الإيجابية والمستقبل الباهر لصداقتنا، لا سيما إذا ما انخرط في هذا العمل الشباب. علينا أن نساعدهم على ذلك ما سيشجع الاستثمارات الأجنبية”.

الكرملين: الغرب حاول بشتى السبل عرقلة القمة الروسية الإفريقية

كشف متحدث الكرملين دميتري بيسكوف أن الغرب حاول عرقلة القمة الروسية الإفريقية المزمعة في بطرسبورغ، بممارسة ضغوط غير مسبوقة على الدول الإفريقية.
وقال: “تعرضت جميع الدول الإفريقية لضغوط غير مسبوقة من الولايات المتحدة، والسفارات الفرنسية التي لم ولا تغفل حتى يومنا هذا، حيث تحاول البعثات الغربية الأخرى المشاركة بنصيبها في هذه الجهود من أجل منع عقد هذه القمة، وتمثيل الدول الإفريقية فيها”.
 
 بوغدانوف: محاولات الغرب لعرقلة القمة الروسية الإفريقية باءت بالفشل
 

قال نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، في حديث لمراسل “تاس”، إن كل محاولات الدول الغربية لعرقلة عقد القمة الروسية- الإفريقية الثانية في بطرسبورغ، باءت بالفشل.
وأضاف بوغدانوف، الذي يشغل كذلك منصب الممثل الخاص للرئيس الروسي إلى دول الشرق الأوسط

وإفريقيا: “لقد فشلت كل هذه المحاولات بشكل قاطع”.
وشدد نائب الوزير، على أن عدد المشاركين في هذه القمة ليس أقل من القمة الأولى – حوالي 20 شخصية من المقام الأول، وهناك عدد كبير فعلا من المقام الثاني.

وتابع بوغدانوف: “نحن لا نفرض أي شيء على أي أحد. وعلى عكس الغرب، نحن نحترم المساواة في السيادة بين الدول، على النحو المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة”.

كما قال نائب الوزير: “يتذكر الأصدقاء الأفارقة مساعدتنا خلال نيلهم الاستقلال وإقامة الدولة. والوضع الحالي لعلاقاتنا هو عمل حقيقي يقوم على مبادئ المعاملة بالمثل والحوار المتكافئ”.
“مواجهة النفوذ الغربي” خبير مصري: “انعقاد القمة الروسية الإفريقية الثانية في هذا التوقيت يمثل ضربة موت للغرب وواشنطن”

أكد أستاذ العلاقات الدولية المصري، الدكتور حامد فارس، على أن انعقاد القمة الروسية الإفريقية الثانية في التوقيت الحالي يمثل “ضربة موت للغرب وواشنطن”، موضحاً أنه يثبت فشلهم في عزلها.

و قال الدكتور حامد فارس: “لا شك أن انعقاد القمة الروسية الإفريقية الثانية في هذا التوقيت يمثل ضربة موت للغرب وأمريكا، وله دلالة واضحة على نجاح روسيا في إثبات فشل الغرب في عزلها، خاصة أن هذه القمه يشارك فيها 49 دولة إفريقية لديها ثقة ويقين في قدرة الدولة الروسية على تحقيق مصالحها الاستراتيجية، فروسيا يوما بعد يوم تفرض نفسها كقوة عظمى مؤثرة في النظام الدولي، فهي تمد يدها بكل خير من خلال أفعال أقوال لرفع الظلم والمعاناة، الذي فرض على الدول الإفريقية لعقود طويلة من خلال القوى الاستعمارية، التي نهبت ثروتها واستباحت دماء أبنائها”.

وأضاف حامد فارس: “وبالتالي، فإن هذه القمه تعقد في ظروف استثنائية بالغة التعقيد، يمر بها العالم أجمع والقارة الإفريقية على وجه الخصوص، التي تمر بظروف قاسية في توفير احتياجاتها من الغذاء، وهو ما شعرت به القيادة الروسية خاصة بعد عدم تمديد اتفاقية الحبوب بسبب التعنت الغربي. وهنا ظهرت ثوابت السياسة الخارجية لروسيا، التي اتخذت قرارا بأنها ستمد القارة الإفريقية باحتياجاتها الغذائية سواء اقتصاديا أو مجانا، وهذا ما أكد عليه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في تصريحاته كرسالة طمأنة للقارة الإفريقية”.

وأردف: “ولم يتوقف العطاء الروسي، فاتخذت موسكو قرارا بإسقاط 20 مليار دولار من الديون الواقعة على عاتق الدول الإفريقية، بالإضافه إلى تنفيذ العديد من المشروعات الاقتصادية والتنموية في كافة ربوع القارة

وفقاً لمبدأ رابح رابح، وهو ما أدى إلى زيادة حجم التبادل التجاري بين روسيا وإفريقيا، ليقترب من 18 مليار دولار.. كل هذا يجعل روسيا شريكا موثوقا به لدى القارة الإفريقية، ويجعل هذه القمة هي قمة نوعية لنقل العلاقات الروسية الإفريقية إلى آفاق أرحب وأعمق”.

وتابع، أستاذ العلاقات الدولية، “لا شك أن العلاقات المصرية الروسية، هي علاقات تاريخيه تضرب بجذورها في أعماق الأرض والتاريخ، فهناك تطابق في الرؤى بين البلدين في الكثير من القضايا الدولية، أو حتى على المستوى الثنائي، فقد أخذت العلاقات المصرية الروسية منحى أكثر قوة وثبات في ظل وجود رغبة وإرادة سياسية مشتركة، لتعظيم وتعزيز العمل المصري الروسي في كافه المجالات”.

وأضاف، “وكانت كلمات الشكر من الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في حق الرئيس بوتين فيما يخص محطة الضبعة النووية، ما هي إلا دلالة على حجم ما وصلت إليه العلاقات المصرية الروسية من رسوخ وثبات.

وإن الفترة القادمه ستشهد الكثير من التقارب الذي سينعكس على شعبي البلدين في ظل ارتفاع التبادل التجاري بينهما ليصل إلى 8 مليار دولار قابلة للزيادة في الفترة القادمة، خاصة أن موسكو تنظر إلى القاهرة باعتبارها هي البوابة الرئيسية للقارة الإفريقية”.

المصدر: موقع أمد