1

كيف انتصرت ثورة 1979 التي خلفت الجمهورية الإسلامية الإيرانية

اتسعت الهوة بين الأغنياء والفقراء في سبعينيات القرن الماضي في إيران، وتدهور الوضع الاقتصادي الإيراني، وطالت الاتهامات الشاه محمد رضا بَهْلَوي وأسرته بالديكتاتورية والقمع والفساد ومشروع “التغريب” (التشبه بالغرب) الذي حاول أن يغير الهوية الإيرانية.

انتصرت الثورة الإسلامية في إيران بعد إطاحة النظام الملكي في نهاية ذالك العقد وبحلول عام 1979، لتنتقل البلاد ولأول مرة في تاريخها من نظام ملكي دام لقرون إلى نظام جمهوري أُسس على نظرية “ولاية الفقيه” من قبل الزعيم الديني روح الله الخميني.

وخلال 16 شهراً استمرت الأحداث الحاسمة من مظاهرات وإضرابات في أرجاء البلاد حتى شكلت مشهداً سياسياً قل نظيره، شارك فيه معظم التيارات وشرائح المجتمع والأحزاب السياسية المعارضة من داخل وخارج البلاد.

الأسباب

بنى الشاه سياساته الاقتصادية على أساس الرأسمالية، واندمجت السلطة والثروة فأثرت سلباً على معيشة شرائح مختلفة من المجتمع الإيراني عبر التضخم الاقتصادي خاصة بعد مشاهدة المواطنين إسراف أسرة الشاه وبذخها. كما قمع الشاه القوميات الكُردية والعربية والبلوشية والأذرية والتركمانية، وطبّق سياساته في فقدان الحريات العامة، حتى زادت درجة الفوضى الاجتماعية والاقتصادية، وخلقت عاملاً جوهرياً في اندلاع موجات احتجاج متعاقبة كانت قد مهدت لانتصار الثورة.

أما السبب الثاني فهو العامل الديني؛ فقد عمل الشاه على “تغريب” هوية إيران، وأقيم مهرجانات ثقافية على طريقة الأوروبيين، وحفلات غنائية، وإنتاج أفلام على النمط الغربي، وإعطاء مزيد من الحريات للنساء، وتهميش الدين وإبعاد رجاله من السلطة وتحديد موقعهم في المدارس الدينية.

وجاء تأثير رجال الدين وأبرزهم آية الله الخميني في الثورة ومساهمتهم الكبيرة في انتصارها على أساس العامل الديني، حيث كان لهم شعبية واسعة لدى شرائح المجتمع وكانوا يستغلون المناسبات الدينية لحث الناس على المعارضة والنزول إلى الشوارع، وبرزت مكانة الخميني المرموقة كمدافع عن حقوق الفقراء، حتى باتت كلمته تدفع نحو احتجاجات شعبية واسعة.

وكان السبب الآخر يعود إلى المشهد السياسي، إذ منع الشاه نشاط الأحزاب السياسية وكرّس سياسة الحزب الواحد المتمثلة بحزب “رَسْتَاخِيز” (البعث في الفارسية)،  وهو الحزب الحاكم. كما لاحق الشاه معارضيه عبر أساليب عنيفه في تصفيتهم جسدياً أو معنوياً على أيدي جهاز الأمن “السافاك”.

التيارات

توّحدت صفوف المعارضة من اليساريين والليبراليين والقوميات مع الإسلاميين للقضاء على النظام الدكتاتوري، رغم خلافاتها الفكرية والعقائدية وأهدافها الاستراتيجية وخططها التكتيكية. ومنها الطبقة الليبرالية، وهم نخب درسوا في الغرب،  وكانوا يطمحون لتحقق الديمقراطية. ومن رموز هذا التيار: شابور بختيار الذي كان آخر رئيس وزراء عيّنه الشاه قبل إسقاطه في محاولة للاستحواذ على الأزمة، والمهندس مهدي بازَرْكان الذي أصبح أول رئيس وزراء مؤقت بعد السقوط.

أما دوافع التيار اليساري الذي يضم فصائل الماركسيين، والاشتراكيين، واليسار الإسلامي، كانت تتمثل في الثورة الاجتماعية لصالح الطبقات الفقيرة. ومن رموزه: نور الدين كِيانوري، رئيس حزب توده (الجماهیر) الشيوعي، ومسعود رجوي، رئيس منظمة “مجاهدي خلق”.

كما كان للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني والجبهة الديمقراطية الثورية لعرب الأهواز حراك مناهض للشاه في المناطق الكردية والعربية، في جنوب، وجنوب غرب إيران.

أما أبرز رموز الجماعات الإسلامية التي كانت تحرك الجماهير عبر المساجد والحسينيات لإقامة دولة الإسلام: آية الله الخميني وآية الله حسين علي منتظري صاحب نظرية “ولاية الفقيه”، وآية الله محمود طالقاني،  والشيخ محمد حسين بِهِشْتي، والشيخ مرتضى مطهري.

توّحدت التيارات وما كان لها إلا أن تقبل بزعامة آية الله الخميني نظراً لمكانته الدينية والشعبية الجارفة في البلاد. ومما ساهم في ذلك، نفيه من البلاد لفترة 15 عاماً (1964-1979) ووفاة نجله “مصطفى” في النجف العراقية في حالة من الغموض، لتتحول مراسيم عزائه في مدن إيرانية إلى اجتماعات تندد بالنظام.

اعتمدت أنشطة المعارضة تنظيم مظاهرات مليونية، وهجمات مسلحة، وتنفيذ عصيان مدني واسع، وإضرابات مدنية عامة في مؤسسات رسمية كبرى في قطاع الطاقة والنقل، مما أضر باقتصاد الدولة.

الموقف الغربي

ضغط الشاه الإيراني على حزب البعث العراقي، فغادر الخميني العراق إلى فرنسا ليقطن بالقرب من باريس بمنطقة “نوفل لوشاتو” في 6 تشرين الأول/أكتوبر 1978، وليكسب في ذلك توجهاً إعلامياً كبيراً من الغرب، حيث أجريت عشرات اللقاءات الإعلامية معه، والتقى بالكثير من نخب الجالية الإيرانية في أوروبا.

انتقد الغرب وضع حقوق الإنسان في إيران ومواجهة المتظاهرين بالقوة المفرطة، ووافق على تنحّي الشاه من منصبه، كما لم يعارض طموحات التيار الإسلامي، خوفاً من وقوع البلاد بيد الشيوعيين والاتحاد السوفياتي.

اللحظات الأخيرة

أضاع الشاه كل فرص النقل السلمي للسلطة إلى الشعب، عندما ارتكب الجيش وجهاز “السافاك” مجازر مروعة ضد المتظاهرين، خاصة ارتكابها مجزرة “الجمعة السوداء” بعد فتح النار من الطائرات المروحية على مظاهرة تضم نصف مليون مواطن إيراني احتجاجاً على حالة الطوارئ التي أعلنها الملك، راح ضحيتها نحو 4500 قتيل في 8 من أيلول/ سبتمبر من نفس العام.

غادر الشاه البلاد بذريعة العلاج في 16 كانون الثاني/ يناير 1979 نحو القاهرة، واستقبله الرئيس المصري أنور السادات الذي كانت تربطه علاقات صداقة ومصالح استراتيجية بالشاه. وعيّن الشاه المعارضَ شابور بختيار، أحد قادة الجبهة الوطنية، رئيساً جديداً للوزراء، ليفسح بختيار المجال أمام المعارضة في المزيد من التظاهرات، وقبل بعودة الخميني.

عاد الخميني في الأول من شباط/ فبراير من منفاه في فرنسا إلى العاصمة طهران وسط استقبال جماهيري اعتبر أكبر حشد في تاريخ البلاد، وقدّرته مصادر داخلية ودولية بالاستقبال المليوني.

رفض الخميني محاولات رئيس الوزراء المحسوب على المعارضة، للوصول إلى حل سلمي دون انهيار الدولة، وفي الرابع من شباط/فبراير شكل حكومة مؤقتة برئاسة مهدي بازَركان، من الجبهة الوطنية المعارضة التي ينتمي إليها شابور بختيار كذلك.

لم يقبل بختيار بالاستقالة إلا في 11 من الشهر نفسه، ليحل محله زميله في المعارضة مهدي بازركان، وفي نفس اليوم أعلن رئيس أركان القوات المسلحة “حياد الجيش”، ليشكل ذلك اليوم إعلاناً رسمياً لسقوط النظام الملكي ونجاح الثورة.

عشرية الفجر

ومنذ وصول الخميني في الأول من الشهر حتى 11 من شباط/فبراير سنة 1979، وإعلان أول حكومة ثورية مؤقتة، تحتفل إيران بـ”عشرية الفجر” وهي أيام حاسمة شهدت تحولات سياسية بارزة.

في بداية نيسان/أبريل تم إجراء استفتاء شعبي على تأسيس نظام “الجمهورية الإسلامية” مع وجود منصب الولي الفقيه على رأس الدولة، وأعلن الخميني تأييد الإيرانيين لذلك بنسبة 98%، وسط معارضة بعض التيارات على التسمية ومنصب الولي الفقيه. 

تأسيس الحزب الحاكم

في الخامس من أيار/مايو 1979، تم تشكيل “حرس الثورة الإسلامية”، بمرسوم من آية الله الخميني، وانضم الحرس للقوات المسلحة الرسمية. وسمح الخميني بتأسيس حزب الجمهورية الإسلامية.

في ذلك برز دور رجل الدين الشاب علي أكبر هاشمي رفسنجاني، في قرارات الخميني، وبدأ يتحكم في معظم السياسات، كما سطع نجم الشاب علي خامنئي، عندما أصبح خطيب صلاة الجمعة في العاصمة طهران، ليتقلد الاثنان في ما بعد مناصب قيادية كبرى.

ناديا كريمي

المصدر: موقع رصيف 22




المنتدى الروسي الأفريقي يختتم فعاليته واعدًا بمستقبل أفضل

د.زكريا حمودان
في يومه الثاني والأخير اختتم المنتدى الروسي الأفريقي فعاليته بنجاحٍ واعد وفعالية مهمة جدًا ربما ستكون نتائجها أسرع مما يتوقعه البعض.

العالم الذي يتسابق اليوم نحو طموحات متنوعة كان هدفًا تتسارع اليه نتائج المنتدى الروسي الافريقي، فمن عالم متعدد الاقطاب الى عالم القطب الواحد، تتسابق دول العالم ومنظماته لتحدد المسار الدولي، هكذا يمكن وصف البعد الجيوسياسي للمنتدى الروسي الأفريقي.

هذه التعابير لم تكن بعيدة عن التصريحات التي صدرت عن بعض المشاركين الأفارقة أو الروس، لكن من المؤكد بأنَّ الحسابات السياسية تقف في طريق بعض الدول التي تخشى التصريح بكامل وقوفها الى جانب العالم الجديد الذي تسعى دول الشرق بناءه في مواجهة الهيمنة الأميركية.

مشاريع ثابته وواعدة في مستقبل أفريقيا

لا احد ينسى حقبة الجامعات السوفياتية التي شغلت العالم ولعبت دورًا مهمًا بين الاتحاد السوفياتي والعالم الخارج، ها هي اليوم تعود من بوابة الاتحاد الروسي لتلعب دورًا ربمًا أهم، فالكثير من الأمور تبدلت مع تبدل دور روسيا في العالم الحديث وتحالفاتها من الصين القوية اقتصاديًا الى ايران الحاضرة عسكريًا في مواجهة الغطرسة الأميركية في الشرق الأوسط دون ان ننسى دول اسيا الوسطى واليوم أفريقيا.

ايضًا على مستوى المشاريع الاساسية، كانت التجارة حاضرة بحيث تم توقيع العديد من الاتفاقيات وحصول مئات اللقاءات الخاصة في الشق التجاري والاقتصادي والصناعي.

الزراعة قد تجد طريقها الى التقنيات الأحدث

كما حال التبادل التجاري كانت الزراعة حاضرة في المنتدى فتعهد الرئيس الروسي بدعم ٦ دول افريقية بالحبوب في ظل الازمة التي ولدتها الحرب الاوكرانية، بالاضافة الى دعم الزراعة من خلال الاستفادة من تقنيات روسية حديثة دعمت الاستقرار الزراعي في روسيا.

في الخلاصة، كان هناك اجماع لدى من التقنياهم في المنتدى بأنَّ دول القارة الأفريقية اصبح لديهم قناعة فعلية بالبحث عن شراكة دولية عادلة، وان الهيمنة الغربية لم تعد مقبولة لديهم، وانه يجدون في روسيا شريكًا استراتيجيًا يستطيعون التعويل عليه لبناء قدرات شاملة ومتكاملة.

المصدر: موقع العهد




متى يصبح استشهاد سيدنا الحسين مدخلًا إلى الوحدة الإسلامية؟

د.زكريا حمودان

تعود عاشوراء لتحمل معها مآسي الأمة التي نتعب كلما نراها تتبعثر هنا وهناك تحت مسميات عدة، جميعها بعيدة كل البُعد عن رسالة الدين الاسلامي الحقيقية. الاسلام لم يكن يومًا عنوانًا لتفرقة المسلمين، ولم يكن ساحة للشرذمة والصراعات، ولا حتى محطة للاحداث الجيوسياسية.

لقد استشهد سيدنا الحسين(ع) بأبشع طريقة ممكن ان تحصل في تاريخ البشرية، وهو الذي كلما قعد مسلمٌ للصلاة ذكره في صلاته قائلًا: اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد. فهل هكذا يكون التعاطي مع آل سيدنا محمد، أليس السيف الذليل ممرٌ للتفرقة هو وضاربه؟

نعيش في كل عام ذكرى استشهاد الحسين حفيد النبي الأكرم، سيد من سيدا أهل الجنة، ونقف نبكي الحسين والحسرة تدمي قلوبنا، لكن كذلك يجب ان نتوقف لبرهة عند عالمنا الاسلامي، لندعو لوحدته، لتكن رسالة الحسين(ع) فيما خص الدنيا هي شعارنا، ولنتوحد فالآخرة لن تزل والسلام.

المسلمون اليوم يعملون وكأن الدنيا باقية وهو الذي استشهد وكأن الدنيا لم تكن، لذلك يجب ان نتوقف عند ما نريد من هذه الدنيا لهذه الأمة، فالحسين(ع) استشهد لتبقى الأمة، وما ذكراه اليوم الا رسالة لنا، توحدوا على حب الحسين(ع) وعلى استشهاد الحسين(ع)، توحدوا على دين محمدٍ وآل محمد، توحدوا وكأن الآخرة لم تزل.

ماذا يحصل اذا توحدنا كمسلمين في تاريخ استشهاد الحسين(ع)؟

اذا عاد بنا التاريخ الى الوراء ووقفنا وقفة عاقلٍ متعقل لواقع الأمة الاسلامية لوجدنا انفسنا نبحث عن الوحدة الاسلامية دون ان ندري، وسنجدها دون ان ندري.

نتوقف هناك حيث استشهد الحسين(ع)، ونبدأ ببناء تاريخنا الاسلامي بعقلانية ودون تعصب، نتوقف عند مسيرة آل بيت رسول الله وصحبه الأبرار المنتجبين، ونأخذ ما اجتُمع حوله وما اختُلف فيه، نتحاور دون شروط مُسبقة ومع ثوابت واضحة ومرتكز رئيسي هو الاسلام ونبينا محمد وآل بيته، ولننطلق دون قيود او شروط او احكام، ولا نتشبث برأي ولا نعبث ببعضنا البعض تاركين لاعداء الاسلام جميع الامكانيات التي تسمح لهم بالاستفراد بنا وبتفاصيل ديننا الحنيف، فسروها كما يريدون واعطونا اياها لنرمي بعضنا البعض بها.

التفرقة التي حذرنا منها الرسول الاكرم

يُردد البعض عبارات مُهمة جدًا ولكن لا يُطبقون منها الا ما هو مناقض لها، يتسابقون هنا وهناك ليقولوا انه لا فرق بين عربي واعجمي الا بالتقوى، ثُمَ يتهجموا على كل من يختلفون معه سياسيًا، فيتهجم بعدها اتباعهم حتى على دين اخيهم المسلم ناسفين كل القيم التي اتت في فحوه رسالة الدين الاسلامي. وهذه المعضلة التي يعيشها المسلمون اليوم متواجدة لدى مختلف الجهات بشكلٍ متفاوت ولكنها حيثما وُجدت هي خطيرة.

في الحديث عن التفرقة لا بُدَّ وان نتوقف عند العمل الذي تقوم به الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا في تغذية التفرقة، فها هي منصات المشايخ وقنواتهم تنشط في بريطانيا، وها هو الاميركي لم ينهي فتنته الخبيثة في الشرق الاوسط وعبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ما نحتاجه اليوم فعلًا ان نقف جميعنا كل يوم لنبكي على انفسنا لان بعضنا لم يعي رسالة استشهاد الحسين(ع) حتى الآن، ولم يبرح ينتظر هذه الذكرى ليخرج الحقد على باقي المسلمين، فيأخذ صور لبعض المبالغين في حبهم للحسين(ع) ليُروج مواد تُفرق ولا تجمع، في المقابل تراه يُبالغ أكثر لو حصل مع مشغليه من اصحاب الفتن عارض صحي بسيط، فيندب ويلطم الى ما شاء الله، هكذا هم، وهكذا واقعنا الاسلامي وهكذا نرى استشهاد الحسين(ع)، مدخلًا الى الوحدة الاسلامية وممرًا طبيعيًا لكل المسلمين نحو تجديد بيعتهم لآل رسول الله صل الله عليه وسلم.

المصدر: موقع العهد




تعليق الخرزة الزرقاء وحفلات العقيقة و”الكرافة”.. الطقوس الشعبية لاستقبال المولود في العراق

انتشرت أديان كثيرة في بلاد الرافدين على مرّ القرون، وتمكّن أصحاب كل دين منها من الاحتفاظ بشعائرهم وعقائدهم داخل الوسط الخاص بهم، بينما شكّل الجميع صورةً فسيفسائيةً مميزةً لتنوع ديني-فكري ندر وجوده في أي من المجتمعات الإنسانية التي عرفها العالم عبر العصور. تُعدّ طقوس استقبال المولود الجديد من الطقوس المميزة للطوائف الدينية العراقية. ما هي تلك الطقوس؟ وكيف تشابهت في الكثير من شعائرها؟

الإسلام

توجد العديد من الطقوس الشعبية التي اعتاد العراقيون المسلمون ممارستها قديماً، عندما يولد لهم طفل. من ذلك أن أمّ الطفل كانت تخيط له طاقيةً، كان يُطلَق عليها “كبع”، وتخيط بهذه الطاقية من أعلاها، عرفاً مصنوعاً من جلد الذئب. وتعتقد الأم أن جلد الذئب سوف يجعل ابنها شجاعاً جريئاً. أما بالنسبة على الأنثى، فإن الأم تقوم بوضع عرف من الريش في الطاقية، وذلك لكي تشبّ البنت رقيقة القلب، وناعمةً بنعومة الريش.

بحسب الموروثات العراقية، يوضع الطفل في قماط ليشدّ عوده، ويمنع لين عظامه. وتهتم الأسرة بتعليق بعض الأحجار الكريمة على هذا القماط. تفسر إحدى الأمهات العراقيات أهمية تلك الأحجار بقولها: “الخرز كما نسميه له فوائد متعددة للطفل، فنحن نعلّق على قماطه عدداً من أنواع الخرز مثل حجر الكهرب، وهو ذو رائحة مميزة ‘ويحفظ الطفل’، وأيضاً لدينا العقيق اليماني الذي يُلبَس للصلاة، وهو أيضاً ‘لحفظ الطفل’ ولكي يكون إنساناً مؤمناً في المستقبل، وكذلك هناك الخرز الخاص بالحليب، وهو حجر أبيض يُعلّق مع باقي الخرز، وفائدته تكمن في زيادة الحليب في صدر الأم، بالإضافة إلى الخرز الذي يقيه من الحسد، ويكون لونه أزرق، كذلك تُعلّق قطعة من الذهب كخاتم زواج الأم مثلاً، ‘لتحفظه من العين’، اعتقاداً بأن من يراه سيلمح الذهب فيغض النظر عنه، ويهتم بمنظر الذهب. وهذا الخرز هو من بعض المعتقدات التي توارثناها عن أمهاتنا وجداتنا، وما زلنا نطبّقها مع بناتنا وأحفادنا”.

يبدأ الأقارب والجيران بتقديم التهاني للأسرة التي وُلد فيها الطفل عند عودة الأم إلى منزلها مع وليدها. تقدّم المهنئات قطعاً من الذهب يتم تعليقها بدبوس على غطاء الطفل بحيث يمتلئ بالمجوهرات ويتم الاحتفاظ بها إلى الأبد. في بعض الأحيان، يقوم بعض الميسورين بوزن هذا الغطاء ويوزعون قيمته مالاً على الفقراء. وتقدّم الأسرة أطباق الطعام ضيافةً للمهنئين. ويكون معظم تلك الأطباق من التمر.

يقوم الأب بعد ذلك بإقامة حفل ختان للمولود الجديد. تُذبح الخراف في هذا الحفل لإطعام الأهل والأقارب والجيران والفقراء، وفي بعض الأحيان يُدعى المطربون والموسيقيون لإحياء الحفل. وفي أحيان أخرى، يُستغَلّ هذا النوع من الاحتفالات في الترويج لأسماء بعض المرشحين في الانتخابات المحلية. وكثيراً ما تُقام تلك الاحتفالات في الأحياء الشعبية والأكثر فقراً. من الجدير ذكره، أن العديد من تلك الاحتفالات تُقام في شهر شعبان على وجه الخصوص، وذلك تزامناً مع ليلة النصف من شعبان التي تحظى بمقام معتبر في الثقافة الشيعية الإمامية.

المسيحية

عرف العراق المسيحية منذ القرون الأولى للميلاد. انتشرت الكنائس والأديرة في شتى أنحاء بلاد الرافدين. حالياً، ينتشر المسيحيون العراقيون في الكثير من مناطق العراق، ويشكلون تجمعات كبيرةً في كل من الموصل وأربيل وبغداد والبصرة.

يعرف المسيحيون العراقيون العديد من الطقوس المرتبطة بميلاد طفل جديد. يُعدّ طقس المعمودية أهم تلك الطقوس على الإطلاق. يذكر الباحثان عاصم حاكم عباس الجبوري وعلي طالب عبيد السلطاني، في بحثهما “العادات والتقاليد في المجتمع النسطوري في القرن التاسع عشر”، أن المسيحيين العراقيين اعتادوا منذ قرون تعميد أطفالهم في عيد الدنح/الغطاس، الذي يحين موعده في شهر كانون الثاني/يناير من كل سنة، وذلك لما يحيط بهذا العيد من البركة والقداسة.

بحسب الأعراف والتقاليد التي يمارسها المسيحيون العراقيون، من المعتاد أن يتم اختيار أحد أقارب الطفل في أثناء تأدية طقس المعمودية ليكون “الشبين” (كلمة سريانية الأصل بمعنى وصي أو حارس)، الخاص به. يقوم الشبين بحمل الطفل في أثناء التعميد، ويكون في ما بعد بمثابة الأب الروحي للمُعمّد.

حالياً، يحتفل المسيحيون بمعمودية أطفالهم بطرائق شتى. من الطرائق المتوارثة، وضع الأطفال على الخشبة المسماة “كوجا”، ورش الجوز واللوز والحلويات الموضوعة في الغربال فوق رؤوسهم. يتشابه هذا الطقس الاحتفالي إلى حد بعيد مع طقوس “السبوع” في الفلكلور المصري.

المندائية

يذكر الباحث عزيز سباهي في كتابه “أصول الصابئة المندائيين ومعتقداتهم الدينية”، أن هناك آراءً مختلفةً في ما يخص تحديد الأصول الأولى للدين المندائي.

يذهب البعض إلى أن المندائيين ظهروا في منطقة جنوب العراق، وأنهم تأثروا بالثقافات البابلية والسومرية المحيطة بهم، في حين يذهب آخرون إلى أن المندائيين الأوائل ظهروا في أرض فلسطين، وأنهم اضطروا إلى الهجرة إلى العراق بعد نشوب الصراع بينهم وبين اليهود هناك.

في السنوات الأخيرة هاجر الآلاف من الصابئة المندائيين من العراق بعد اجتياح تنظيم داعش لمناطق واسعة في البلاد في سنة 2014 م. ويعيش من بقي منهم في العراق الآن في مدن بغداد، وميسان، والناصرية، والديوانية.

يحظى طقس الصباغة/التعميد بأهمية كبرى في بنية الشعائر المندائية. جاء في الكتاب المندائي المقدس المعروف باسم كنز ربا” “اصبغوا نفوسكم بالصبغة الحية التي أنزلها عليكم ربكم من أكوان النور، والتي اصطبغ بها كل الكاملين المؤمنين. من وسم بوسم الحي، وذكر اسم ملك النور عليه، ثم ثبت وتمسّك بصبغته وعمل صالحاً، فلن يؤخّره يوم الحساب مؤخّر”.

يذكر التقليد المندائي أن يوهانا موصبانا -وهو نفسه النبي يحيى/يوحنا المعمدان في الديانات الإبراهيمية- اصطبغ -تعمّد- بعد ثلاثين يوماً من ولادته، وصار لزاماً على جميع المولودين الجدد أن يصطبغوا اقتداءً به وذلك حتى يُسمح لهم بالمرور من العالم المادي السفلي إلى العالم العلوي النوراني.

يشرف أحد رجال الدين المندائيين على عملية الصباغة، ويرتّل مجموعةً من التراتيل المقدسة التي يرددها أبو الطفل وراءه، وتتم الصباغة بعد أن يضع رجل الدين كفوفاً ثلاثة من الماء على رأس وجسد الطفل. بموجب ذلك الطقس ينضم الطفل إلى المجتمع المندائي وذلك بحسب ما يذكر قيس مغشغش السعدي، في كتابه “طقوس الصابئة المندائيين… رموز ومعانٍ”.

من الجدير بالذكر أن التقاليد المندائية تحرّم إجراء عملية الختان للطفل سواء كان ذكراً أو أنثى، وتفسر ذلك بأن الإنسان يولد مكتملاً في أفضل صورة، ولا يجوز قطع أي جزء من جسده.

الإيزيدية

يعتقد الإيزيديون بأن دينهم ظهر في فترة موغلة في القدم، وأن عمره يزيد عن أربعة آلاف سنة. ينتشر الإيزيديون الآن -بنسب متفاوتة- في كل من سوريا ولبنان وتركيا وإيران. ويوجد اختلاف حول سبب تسمية الدين الإيزيدي بهذا الاسم. ويؤمن الإيزيديون بإله واحد، ويعتقدون بوجود سبعة ملائكة، أهمهم الملك طاووس.

وينقسم المجتمع الإيزيدي إلى ثلاث طبقات متمايزة، وهي الشيوخ، والدعاة، والمريدون. ومن المعروف أن الدين الإيزيدي دين منغلق، وغير تبشيري. ينتشر الإيزيديون في العراق في سنجار، وبعشيقة، وبحزاني، وتلعفر.

تُحاط ولادة الطفل الجديد في الديانة الإيزيدية بمجموعة من الطقوس المهمة، الواجب اتّباعها. يلقي عبد الرزاق الحسني، في كتابه “اليزيديون في حاضرهم وماضيهم”، الضوء على أهم تلك الطقوس. يُعدّ التعميد الطقس الأول. يجري هذا الطقس بعد أسبوع من ولادة الطفل في أغلب الأحيان. يصطحب الوالدان المولود الجديد إلى معبد لالش الذي يقع على مسافة 60 كم شمال غرب مدينة الموصل، ويصلان به إلى كانيا سبي/العين البيضاء، وهي البئر المقدسة التي تفيض بالمياه منذ آلاف السنين بحسب التقليد الإيزيدي.

يقوم رجل الدين بتغطيس الطفل ثلاث مرات في مياه تلك البئر، لتكتمل عملية التعميد على الوجه الأمثل. يتمثل ثاني تلك الطقوس في عملية الختان. يخضع كل مولود ذكر للختان بشكل إلزامي بحسب التقاليد الإيزيدية. ومن الشائع أن ترتبط عملية الختان بطقس “الكرافة”. في هذا الطقس يختار الأب لابنه الوليد “كريفاً”. من المفترض أن يكون هذا “الكريف” مناصراً ومعاوناً للطفل الصغير في المستقبل.

تحدث “الكرافة” عندما يتم ختان الطفل وهو في حضن “الكريف”. تنعقد الصلة بين الشخصين مع سقوط أول قطرة من دماء الختان على ثوب “الكريف”. من الجدير بالذكر أن “الكريف” يُختار في الكثير من الأحيان من خارج الطائفة الإيزيدية، وأنه يحرّم الزواج بين “الكرفاء” لأجيال عديدة.

أما الطقس الإيزيدي الثالث المرتبط بالولادة فهو طقس “البسك”. في هذا الطقس يقوم أحد الشيوخ بقص خصلة من شعر الطفل الذكر بعد مرور 40 يوماً من ولادته. يتلو الشيخ بعدها دعاءً لمباركة الطفل، وتُقام حفلة ووليمة يُدعى إليهما أقرباء الطفل وأصدقاء أبويه، وتُقدَّم الهدايا للمولود.

محمد يسري

المصدر: موقع رصيف 22




المكتبة الوطنية في طهران.. خزانة المخطوطات العربية وعنوان الوجاهة الإيرانية

تعدّ إيران إحدى أبرز خزائن المعرفة في العالم الإسلامي، إذ تقتني مكتباتها المنتشرة في معظم مدنها على أكثر من 200 ألف مخطوطة عربية وإسلامية، هذا بخلاف الوثائق التاريخية النادرة والدرر النفيسة التي تزخر بها أرفف تلك المكتبات، خاصة المكتبة الوطنية.

وينظر المؤرخون إلى إيران على أنها واحدة من البلدان ذات التنوع الثقافي، نظرًا إلى تعدد الأعراق وتبايُن الحقب التاريخية على حكمها، فعلى مدار أكثر من 3 آلاف عام تقلّبت على الإيرانيين عشرات الأنظمة الحاكمة على رأسها الإمبراطورية الساسانية (224- 651م).

وهناك مسألة تاريخية كانت مثار جدل بين المؤرّخين تتعلق بهوية ونقاء الثقافة الإيرانية، فبينما يعرف الصفويون أنفسهم على أنهم أصحاب ثقافة نقية لا شوائب بها، يؤكّد باحثون أن تلك الثقافة هي خليط ومزيج من عدة ثقافات البلدان المجاورة لها، والتي كانت في يوم من الأيام خاضعة لسيطرتها، مثل أوزبكستان وأفغانستان وباكستان وطاجيكستان وتركمانستان وأذربيجان وأرمينيا وتركيا وإقليم كردستان العراق.

التراث.. أهمية فائقة

تتعامل الحكومات الإيرانية مع التراث من باب “الوجاهة والتفاخر” بين الحضارات والأمم. فالنظام الإيراني الذي أنجبته الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 يولي الثقافة والعلم أهمية فائقة، كما أن

الشعب الإيراني من الشعوب المولعة بالثقافة بصفة عامة وتقدّر علماءها ومفكريها.

وفي الوقت الذي تعاني فيه إيران من أزمات اقتصادية طاحنة، تجدها تفتح خزائنها لتطوير مكتباتها وتنقيح تراثها والحفاظ على مخطوطاتها، إذ يتجاوز الرقم المرصود لتطوير وصيانة المكتبة الوطنية فقط 20 مليون دولار سنويًّا، وهو الرقم الذي ليس له مثيل في أي مكتبة في العالم الإسلامي بحسب نائب المدير العام للمكتبة، فريبرز خوسري، خلال تصريحاته لصحيفة “السفير” اللبنانية.

ويستشهد خوسري في تفسيره للقيمة الكبيرة التي توليها بلاده للمكتبات والمخطوطات والثقافة بوجه عام، بمقولة للخطيب والسياسي والأديب الروماني المعروف شيشرون: “من يمتلك مكتبة وحديقة لا يحتاج إلى أي شيء آخر في العالم”، مؤكدًا على أن الثقافة والمحافظة على التراث إحدى أهم الركائز لدى النظام الإيراني.

لم تكن المخطوطات العربية والإسلامية هي الكنز الوحيد الذي تمتلكه إيران، إذ يمتلك التراث المسيحي أيضًا مكانة كبيرة بين تلك المخطوطات التراثية، ومن أبرز تلك المخطوطات المسيحية أقدم إنجيل باللغة الأرمينية، بجانب مخطوطات لحضارات أخرى مثل الحضارة الزرادشتية وغيرها.

نفائس المخطوطات العربية

تحتل المخطوطات العربية قائمة المخطوطات التراثية في الخزائن المعرفية الإيرانية، وكثيرًا ما كتب باحثون وأشاروا إلى أن المكتبات الإيرانية، لا سيما الموجودة في طهران والبالغ عددها 35 مكتبة، تكتظّ بالمخطوطات العربية النفيسة، بل إن بعضها نسخ أصلية فريدة، متسائلين عن كيفية وصولها إلى إيران.

في ورقة بحثية، استعرض الباحث في المخطوطات العربية، إياد الطباع، أبرز المخطوطات الموجودة في المكتبات الإيرانية، والتي أحصاها تقديريًّا بقرابة 1500 مجلد مخطوطات عربية، لتأتي في المرتبة الثانية مناصفة مع الهند بعد تركيا، وذلك وفق ما اطّلع عليه بنفسه خلال زيارته للمكتبات الإيرانية أكثر من مرة.

وينقل الباحث عن المؤرّخ صلاح الدين المنجد حين رأسَ بعثة معهد المخطوطات العربية لزيارة إيران، قوله: “لا تزال إيران تحفظ في مكتباتها العامة والخاصة العدد الكبير من المخطوطات العربية النادرة وقد دُهشتُ جدًّا عندما رأيتُ هذه الوفرة، وثمة أمرٌ يدعو إلى الدهشة هو أن هذه المخطوطات فيها الكثير ممّا يرجع تاريخه إلى زمن بعيد جدًّا، وعلى الأخص من القرن الثالث حتى السادس، أما ما كُتب بعد القرن السادس فكثير”.

الرأي ذاته أكّده الباحث الأثري حسين علي محفوظ خلال بحثه المعنوَن بـ”نفائس المخطوطات العربية في إيران”، حين أوضح أنه وبعد زيارة 30 مكتبة إيرانية في 6 مدن، هي طهران وتبريز وأصفهان وزنجان وقم ومشهد، اكتشف أن المقتنيات العربية تستحوذ على نصيب الأسد بين المخطوطات، وأن بعضها كُتب بخطوط مؤلفيها ويعود لقرون متقدمة.

ومن أبرز النفائس العربية التي عثرَ عليها الطباع خلال زيارته لإيران ما عاينه بنفسه في خزانة حاج حسين ملك التمار في طهران، وعلى رأسها “ديوان الأدب” للفارابي نُسخ عام 419هـ، كتاب “شرح الثمرة لبطليموس” لأحمد بن يوسف المصري المهندس كاتب آل طولون نُسخ عام 371هـ، “الوجيز” للغزالي نُسخ عام 584هـ، “الشفاء” لابن سينا نُسخ عام 509هـ و”القانون في الطب” نُسخ عام 591هـ.

أما في دار الكتب الرضوية في العاصمة، ففيها “نثر الدر” للآبي نُسخ عام 565هـ، “ديوان المتنبي” نُسخ عام 597هـ، “معاني القرآن” للأخفش الأوسط نُسخ عام 511هـ، “حقائق التأويل” للشريف الرضي نُسخ عام 522هـ، “زاد المسير في التفسير” لابن الجوزي نُسخ عام 634هـ و”نهج البلاغة” بخطّ ياقوت المستعصمي نُسخ عام 701هـ.

بينما وجد دررًا وكنوزًا نفيسة في دار الكتب الوطنية، بعضها لا يوجد لها مثيل في الخزائن العربية، منها “حاشية تفسير البيضاوي” لأسد بن معين الدين بخطه عام 993هـ، “الوشي المرقوم في حل المنظوم” لضياء الدين بن الأثير بخطه، “الوسيط في المذهب” للغزالي نُسخ عام 752هـ، “الطبقات” لابن سعد نُسخ عام 679هـ، “بدائع الزهور في وقائع الدهور” لابن إياس بخط المؤلف، “شرح الحكم العطائية” لابن عبّاد الرندي نُسخ عام 705هـ و”المغرب في اللغة” للمطرزي نُسخ عام 646هـ.

المكتبة الوطنية

تعدّ المكتبة الوطنية (بالفارسية: کتابخانه ملی ایران) الواقعة في منطقة حقاني شمال طهران، قلعة إيران التراثية وعنوانها الأبرز أمام حضارات العالم المختلفة، إذ يحتوي هذا البنيان، المؤسَّس عام 1937 على مساحة 98 ألف متر، على أمّهات المؤلفات والوثائق التي توثّق عشرات الحقب التاريخية والحضارات القديمة والحديثة، كما أنها تتميز بنمط طرازي معماري أشبه بالمكتبة البريطانية والكونغرس ومكتبة الإسكندرية.

ويعتبر الباحثون أن المكتبة الوطنية هي امتداد لمكتبة معهد دار الفنون الذي تأسّس عام 1851، كذلك مكتبة الوطن التي أُنشئت في طهران عام 1899 لكنها لم تكن على هذه الشاكلة المعمارية ولا تمتلك هذا الزخم التراثي، إضافة إلى أنها لم تَنَل هذا القدر الكبير لدى السلطة والحكومة.

وحين تأسّست المكتبة تمَّ تخصيص قسم للمخطوطات، وكان يحتوي بداية الأمر على 3 آلاف مخطوطة خاصة بمكتبة العلوم السلطانية، غير أنه وبعد الثورة الإسلامية تمَّ إنعاش القسم بمحتويات المكتبة البلهوية، بجانب مجموعات نفيسة كانت بمكتبة آل الشيخ جعفر شوشتري ومكتبة آل ملا محسن قزويني.

وتتراوح التقديرات بشأن عدد المخطوطات الموجودة بالمكتبة، فهناك من يرى أنها 18 ألف مخطوط وآخرون يذهبون إلى أن الرقم يتجاوز 37 ألفًا و500 مخطوط، إلا أنه وبحسب إحصاء عام 2004 كان عدد المخطوطات 18 ألف مخطوط بجانب مئات الآلاف من النسخ المصوّرة لمخطوطات نادرة في مكتبات إسطنبول وأوروبا.

وتزخر المكتبة بالمخطوطات النادرة والنفيسة، حيث يقول عنها حسن توكلي، حافظ المخطوطات الذي يعمل بها منذ 13 عامًا: “هنا أقدم مخطوطة تعود إلى العام 1030 ميلادية وتحوي 7 رسائل، وهنا ثاني أقدم مخطوطة بعنوان “كتاب الخلاص” وتعود إلى 960 عامًا، وهنا أول معجم فارسي عربي من تأليف إيراني، وهنا أجمل نسخ القرآن الكريم وأقدمها، وتعود إلى 215 عامًا وقد صنعها 35 فنانًا إيرانيًّا، في مقدمتهم الخطاط زين العابدين المحدّث، وتطلبت هذه النسخة 10 أعوام لإنجازها”.

وتبذل طهران جهودًا حثيثة للحفاظ على هذا الكنز التراثي، وتخصّص لذلك عشرات الملايين من الدولارات سنويًّا، حيث تستخدم أحدث طرق الحفظ والعناية، بجانب أنه يتمّ حفظ المخطوطات على درجة حرارة لا تتعدّى 17 درجة، وهي النسبة العلمية المثلى للحفاظ على المخطوطات، كما أنها مجهّزة بأنظمة إنذار للحرائق متطورة، بجانب نظام إطفاء متطوّر مصنوع من غاز “إف إم 200” قادر على إطفاء أي حريق يشبّ في غضون 7 ثوانٍ فحسب.

رنده عطية – كاتبة وباحثة مصرية

المصدر: موقع نون بوست




بريطانيا مطالبة بإنصاف ضحايا جرائمها المروعة في فلسطين

 شهد أهالي البصة على الوحشية الإمبراطورية عندما داهم الجنود البريطانيون القرية بعد الفجر. فُتحت مدافع رشاشة مثبتة على سيارات رولز رويس مدرعة النار على سكان القرية الفلسطينية ثم وصلت مجموعات البنادق الملكية الإرلنديّة ومعها مشاعل نار وأحرقت المنازل بالكامل، بينما اعتُقل الناجون من أهالي القرية ليُجبروا في وقت لاحق على قيادة حافلة فوق لغم أرضي ليموت جميع من كانوا على متنها.

صوّر شرطي بريطاني هذا المشهد بينما كانت النساء يجمعن رفات موتاهن قبل دفن الأشلاء المشوهة في حفرة. كان ذلك في خريف 1938 وكانت القوات البريطانية تواجه تمردًا في فلسطين، التي كانت تحت السيطرة البريطانية بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية قبل عقدين من ذلك.

كانت الغارة البريطانية على البصة جزءا من سياسة معلنة من قبل القائد المحلي في إجراء “عقابي” ضد قرى فلسطينية بأكملها، وذلك بعد أن تسببت قنبلة مزروعة على جانب الطريق في قتل أربعة جنود بريطانيين، بغض النظر عن وجود أي دليل عن الطرف المسؤول.

صورة
نُشرت صور آثار انفجار قرية البصة في مذكرات جندي بريطاني.

 رُفع الستار عن هذه الفظائع في روايات الجنود وأهالي القرية بعد عقود من مغادرة المملكة المتحدة البلاد. وقد أصبحت هذه الروايات تشكل جزءا من ملف يُعرض على الحكومة البريطانية للمطالبة بالمساءلة على ما تعرّض له الفلسطينيون من جرائم حرب مزعومة  من قبل القوات البريطانية.

تطالب العريضة، التي تضم 300 صفحة من ملفات الأدلة، بإقرار واعتذار رسميين عن الانتهاكات خلال فترة الحكم البريطاني لفلسطين من سنة 1917 حتى 1948، وهي الفترة التي انسحبت بعدها بريطانيا بسرعة وتم الإعلان عن “دولة إسرائيل”.

تتضمن مراجعة البي بي سي للأدلة التاريخية المدرجة تفاصيل عن القتل التعسفي والتعذيب واستخدام الدروع البشرية وهدم المنازل كعقاب جماعي. نُفّذت معظم هذه الإجراءات في إطار المبادئ التوجيهية للسياسة الرسمية للقوات البريطانية في ذلك الوقت أو بموافقة كبار الضباط.

قال عيد حداد، وهو ابن اثنين من الناجين من البصة، في حديث خلال برنامج “بي بي سي نيوزنايت”: “أردت أن يعلم الناس أن والديّ كانا يعانيان منذ أن كانا في سن المراهقة. وعلينا الآن أن نتحدث نيابة عن الأشخاص الذين لاقوا حتفهم”. وفي بيان لها، قالت وزارة الدفاع البريطانية إنها كانت على علم بوجود ادعاءات تاريخية ضد أفراد القوات المسلحة خلال تلك الفترة، وإن أي دليل يتم تقديمه سيخضع “لمراجعة شاملة”.

من المرجح أن يؤدي طلب الاعتذار إلى إعادة إحياء النقاش حول تحقيق المساءلة العصريّة عن جرائم الحقبة الاستعمارية، بينما يسلّط الضوء أيضًا على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني المستمر. يُقيّم هذان المجتمعان الإرث التاريخي لبريطانيا من وجهات نظر مختلفة، وقد قاوم كلاهما في أوقات مختلفة العداء أو الإساءات أو الوعود الكاذبة خلال حكم المملكة المتحدة.

جاء هذا الطلب من طرف منيب المصري (88 عاما)، وهو رجل أعمال فلسطيني وسياسي سابق معروف أصيب برصاص القوات البريطانية عندما كان صبيا في سنة 1944. تحدّث المصري مع بي بي سي في منزله في نابلس بالضفة الغربية المحتلة قائلا: “أثّر [الدور الذي اضطلعت به بريطانيا] علي كثيرا لأنني رأيت كيف يتعرض الناس للمضايقات.. ليس لدينا أي حماية على الإطلاق ولا أحد ليدافع عنا”.

طلب المصري من محاميين دوليين معروفين مشاركين في المشروع إجراء مراجعة مستقلة للأدلة، وهما لويس مورينو أوكامبو، المدعي العام السابق في المحكمة الجنائية الدولية، والمحامي البريطاني بن إيمرسون، المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب.

يقول إيمرسون إن الفريق القانوني قد اكتشف أدلة على “جرائم مروعة ارتكبتها عناصر معينة من قوات الانتداب البريطاني بشكل منهجي ضد السكان الفلسطينيين”، وصرّح لبي بي سي “أن بعض هذه الجرائم على درجة كبيرة من الخطورة لدرجة أنها كانت لتعتبر حينها انتهاكات للقانون الدولي العرفي”.

أقفاص الأسلاك الشائكة

من المقرر أن يقدم المصري الملف إلى حكومة المملكة المتحدة في لندن في وقت لاحق من هذا العام، ويشير التماسه إلى فظاعة أخرى وقعت في صيف 1939 عندما أجرى جنود من فوج بلاك ووتش عملية تفتيش للأسلحة في قرية حلحول الواقعة في الضفة الغربية.

وصفت الروايات المتعددة من كل من السكان والجنود البريطانيين بالتفصيل الطريقة التي تمت بها مداهمة المنازل واعتقال أهالي القرية تحت تهديد السلاح، قبل أن يتم جمع ما يصل إلى 150 رجلا في مكان خلف أحد المساجد وإجبار العديد منهم على البقاء داخل أقفاص من الأسلاك الشائكة. يقول محمد أبو ريان (88 عاما)، الذي كان صبيا عندما اقتحم الجنود البريطانيون منزله واحتلوا السطح: “هؤلاء ليسوا ثوارا بل مزارعون ذلك أن الثوار الحقيقيين يختبئون في الجبال”.

صورة
“تحوّلت الدولة بأكملها إلى سجن” البروفيسور والمؤرخ العسكري، ماثيو هيوز.

كان أبو ريان يعرف الكثير من الناجين من أقفاص حلحول. خلال أسبوعين من تعرّضهم للأسر في الحر الشديد، توفي 13 شخصا بسبب الجفاف، بينما أصيب شخص واحد على الأقل برصاصة أثناء محاولته الهرب. قال أبو ريان لبي بي سي في منزله في حلحول: “لقد بدأوا في حفر التربة محاولين أكل الجذور، ووضعوا الأوساخ المبللة على جلدهم فقط في محاولة لتبريد أجسادهم”.

قدر مسؤول بريطاني في ذلك الوقت أن عدد القتلى سجّل انخفاضا طفيفا. وكتب مفوض المقاطعة آنذاك إدوارد كيث روتش في رسالة خاصة: “بعد 48 ساعة من المكافحة، كان معظم الرجال مرضى للغاية وتوفي 11 من كبار السن والضعفاء، وقد تلقيت تعليمات بعدم إجراء تحقيق مدني”.

كشف وصف استثنائي قدمه المقدم اللورد دوغلاس جوردون، وهو تابع سابق لفوج بلاك ووتش، عن وجود “قفص جيد” يحتوي على خيام للمأوى وكميات مياه غير محدودة، بجوار “القفص السيئ حيث لم يكن لديهم مأوى، لقد تم توزيع، على ما أعتقد، نصف لتر من الماء يوميًا”.

توترات متزايدة

بدأت سيطرة بريطانيا على فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى عندما طردت قواتها الإمبريالية القوات التركية العثمانية. في سنة 1917، تعهد وزير الخارجية آرثر بلفور للحركة الصهيونية بإنشاء وطن قومي لليهود فيما أصبح يعرف باسم وعد بلفور.

مُنحت المملكة المتحدة تفويضًا بالحكم، مما سمح بارتفاع مستويات الهجرة اليهودية والاستحواذ على الأراضي وأدى ذلك إلى تأجيج التوترات المتزايدة مع العرب الفلسطينيين والتي كثيرًا ما تحولت إلى أعمال عنف.

شهد الوجود البريطاني الذي دام ثلاثة عقود سلسلة من الانتكاسات الفوضوية في السياسة حيث كافحت القوات لاحتواء العنف المتزايد – بين الفلسطينيين واليهود، وفي مرات مختلفة، بين الجماعات المسلحة من كلا الجانبين ضد القوات البريطانية. اندلعت ثورة فلسطينية – تُعرف بالثورة العربية – منذ سنة 1936، وأغرقت لندن البلاد بالقوات.

صورة
قاد العرب في فلسطين ثورة ضد الحكم البريطاني من سنة 1936 إلى سنة 1939.

كانت الفظائع التي ارتكبتها بريطانيا في فلسطين “عنيفة ومثيرة” ولكنها “استثنائية”، وفقًا للمؤرخ العسكري البروفيسور ماثيو هيوز، الذي قال إن تكتيكات القوات البريطانية لم ترقَ عادة إلى مستويات الوحشية التي تمارسها في بعض المستعمرات الأخرى.

بدلاً من ذلك، فرضت بريطانيا – على حد تعبيره – نظام “التهدئة اليومية” الذي كان “أكثر جوهرية وتراكمية واستنزافًا في إنهاك الفلسطينيين”، مستشهدًا بإجراءات تشمل القيود على الحركة وحظر التجول ومصادرة الممتلكات أو المحاصيل كإجراءات عقابية فضلاً عن الاعتقال التعسفي واستخدام السخرة لبناء الطرق والقواعد العسكرية.

يقول البروفيسور هيوز، مؤلف كتاب “التهدئة البريطانية لفلسطين”: “أصبحت البلاد بأكملها سجنًا”. ويضيف أن المبادئ التوجيهية العسكرية للمملكة المتحدة سمحت للقوات بتنفيذ “عقوبات جماعية” – غالبًا ما تنطوي على هدم منازل – بالإضافة إلى “الانتقام” وإطلاق النار على مثيري الشغب، بينما كان من الشائع أيضًا إطلاق النار على المشتبه بهم الذين كانوا يفرون.

“ربطهم بالأحزمة وضربهم”

عُثر على مذكرات العديد من الجنود وضباط الشرطة البريطانيين في فلسطين في أرشيفات متحف الحرب الإمبراطوري في لندن. وتشرح بعض شرائط الفيديو التاريخية بالتفصيل روايات عن الحملات “العقابية” واستخدام الدروع البشرية والتعذيب.

قال فريد هوبروك، ضابط في كتبية مانشستر، إنهم ذهبوا إلى القرى و”هدموا بعض المنازل وأشياء من هذا القبيل” بينما كان السكان فقط يشاهدون ما يحدث. وصف جندي آخر من كتيبة مانشستر يدعى آرثر لين، كيف كانوا “ينزلون إلى سجن عكا ويستعيرون خمسة أو ثلاثة ثوار، ليجعلوهم يجلسون على غطاء محرك السيارة ليتمكن الرجل الموجود في أعلى التل من رؤية رجل عربي في الشاحنة حتى لا يفجرها … إذا كان الثائر سيئ الحظ، فإن الشاحنة القادمة من الخلف ستضربه. لكن لم يكلف أحد نفسه عناء جمع الجثث. لقد تُركوا”.

كما تحدث عن ممارسة فظيعة تسمى “الركض بين القفازات” حيث يُجبر الفلسطينيون المشتبه بهم على الركض بين صفين من الجنود البريطانيين حيث يتم “ربطهم بالأحزمة وضربهم” بأعقاب البنادق والفؤوس. وقال “كل من يموت، يُنقل إلى عربة الطبيب أخرى ثم يُرمون في إحدى القرى بعيداً”.

صورة
تم توثيق الممارسة الفظيعة “الركض بين القفازات” من قبل الجندي البريطاني آرثر لين.

شهدت فترة الانتداب البريطاني في نهاية المطاف استخدام “أساليب سيئة للسيطرة” على كل من اليهود والعرب، كما يقول المؤرخ الإسرائيلي توم سيغيف، مؤلف كتاب “فلسطين واحدة، كاملة”. وقال لبي بي سي: “أدرك البريطانيون في وقت مبكر من سنة 1937 أنه لا يمكن أن ينجح الأمر، وأنه يجب عليهم الخروج من هنا حقًا … وأن الصراع بين اليهود والعرب ليس له حل فعلياً”.

يظل العديد من الإسرائيليين ممتنين لوعد بلفور، يقول سيغيف إنه بحلول الأربعينيات من القرن الماضي، ازداد التوتر بين الصهاينة والبريطانيين “بشكل سيئ للغاية”، ويضيف: “شعر بعض اليهود أن البريطانيين يخونونهم”. وشهدت تلك الفترة إعادة بريطانيا لسفن الناجين من المحرقة النازية الذين كانوا يحاولون الوصول إلى فلسطين. ويتابع: “لقد كان البريطانيون قادة أقوياء للغاية وكل ما أرادوه هو: “اصمت، لا تزعجنا بمشاكلك، فنحن لا نهتم حقًا بمن هو على صواب ومن على خطأ”. ولذا فقد طبقوا أساليب إدارة سيئة للغاية.

في غضون ذلك، يسعى السيد منيب المصري إلى إظهار أن الصراع الذي أعقب ذلك ترك الفلسطينيين معرضين للخطر تمامًا، حيث تبنت “دولة إسرائيل” المنشأة حديثًا بعض الصلاحيات الاستثنائية التي تركها البريطانيون. حيال هذا الشأن، يقول: “يجب على بريطانيا أن تنظر في سبل ووسائل التعويض.. وأن تكون شجاعة وتقول: “نعتذر على ما ارتكبناه”.

توم بيتمان – مراسل البي.بي.سي في القدس

المصدر: بي بي سي




التاريخ السري للحرب البيولوجية التي شنتها “إسرائيل” عام 1948

في 25 أيلول/ سبتمبر 1997، سمم عملاء الموساد من وحدة القوات الخاصة في كيدون رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في عمان (العاصمة الأردنية)، إذ قام أحد العناصر بحمل أنبوب صغير ورش أذن مشعل بالسم.

تتمثل طريقة عمل الموساد في إرسال أحد أطبائها إلى ساحة العمليات في حالة إصابة أحد عملائها وحاجته إلى علاج طبي وذلك دون المخاطرة بالكشف عن نفسه في مستشفى محلي. وقع  الاختيار على طبيبة لمرافقة ميشكا بن دافيد، أحد ضباط استخبارات الموساد، لتنفيذ المهمة في الأردن. تظاهرا بأنهما زوجان إسرائيليان يقضيان إجازة في أحد فنادق عمان. وكان لدى الطبيبة وبن دافيد ترياق من شأنه أن يُبطل السم إذا تسرب وأصاب أحدهم بالخطأ، بينما احتفظت “إسرائيل” بترياق احتياطي في موقع آخر في عمان.

 لكن المهمة فشلت. أظهر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إهمالاً وغطرسة في تنفيذ عملية على الأراضي الأردنية، الحليف الاستراتيجي لـ”إسرائيل” في الشرق الأوسط. قبل ثلاث سنوات فقط، وقّع الأردن معاهدة سلام مع الدولة اليهودية. كما كان من الصعب جمع معلومات استخباراتية، وكان أداء العناصر الميدانية دون المطلوب. ألقي القبض على عناصر الموساد الذين يحملون جوازات سفر كندية مزوّرة،  بينما لجأ أربعة آخرون إلى السفارة الإسرائيلية.

في ذلك الوقت، هدّد العاهل الأردني الملك حسين باقتحام السفارة وإعدام العملاء. إرضاءً للملك وافقت “إسرائيل” على إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين مؤسس حماس وزعيمها الروحي وإنقاذ حياة مشعل. أعطت الطبيبة وبن دافيد الترياق لضابط مخابرات أردني، الذي أرسله بدوره إلى طبيب أردني. أنقذت “إسرائيل” حياة مشعل، العدو اللدود لـ”إسرائيل” حتى اليوم.

إلى جانب الأضرار التي ألحقتها “إسرائيل” بمصالحها الوطنية، كان أحد أكثر التداعيات إثارة للقلق حقيقة أن قضية مشعل أجبرت “إسرائيل” على الاعتراف علنًا بأنها استخدمت السم – وهو شكل من أشكال الحرب البيولوجية من خلال إجراء واحد على الأقل. حتى ذلك الحين، كانت التقارير حول استخدام عملاء المخابرات الإسرائيلية للسموم تُنسب دائمًا إلى “مصادر أجنبية”.

صورة
وديع حداد سنة 1970.

تحدّثت الصحافة العالمية عن واقعتين على الأقل من هذا النوع، كانت إحداها في سنة 1978 بعد وفاة وديع حداد، ضابط العمليات في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. كان حداد مهندس عملية الاختطاف المذهلة للطائرات الإسرائيلية والدولية في السبعينيات، بما في ذلك رحلة الخطوط الجوية الفرنسية التي تم تحويلها إلى عنتيبي في أوغندا في سنة 1976. وفي عملية جريئة، قتل الكوماندوز الإسرائيليون عناصر تابعين لحداد من بينهم أعضاء ألمان في “جماعة بادر ماينهوف” وأنقذوا معظم الرهائن.

على إثر ذلك، قرر الموساد الانتقام. ونظرا لأنهم يعلمون أن حداد يحب الحلويات، جنّد الموساد أحد مساعديه ليكون جاسوسًا. وفقًا لتعليمات موظفي الموساد، اشترى المساعد شوكولاتة كادبوري إنجليزية الصنع في بلجيكا. كانت الشوكولاتة مليئة بالسم الذي أعده علماء إسرائيليون للموساد. قام المساعد الفلسطيني بتسليمها بنفسه إلى حداد، فأكلها بمفرده. توفي حداد، الذي كان يعاني من أمراض خطيرة، بعد بضعة أسابيع في أحد مستشفيات برلين الشرقية. حتى اليوم، لا يزال قدامى المحاربين في الموساد يتجادلون حول ما إذا كان حداد قد مات بالسم أو بسبب مرضه، أو بسبب مزيج من العامليْن.

بعد مرور 13 سنة من محاولة الاغتيال الفاشلة التي استهدفت مشعل، نفّذ الموساد عملية أخرى. في سنة 2010، سمم عملاء الموساد الناشط الكبير في حماس محمود المبحوح – الذي عمل مع إيران لتهريب أسلحة إلى غزة – وهو في غرفة فندق في دبي. مات المبحوح وعاد جميع الأعضاء المنفذين للعملية سالمين إلى “إسرائيل”. لكن شرطة دبي تمكنت من إعادة تركيب الأحداث، وكشف أن الموساد استخدم جوازات سفر غربية مزورة لتنفيذ هذه العملية. في المقابل، تضررت هيبة الموساد وصورته، ناهيك عن أن القضية أضرت بعلاقات “إسرائيل” الخارجية.

صورة
قائد شرطة دبي يقدم أدلة على اغتيال محمود المبحوح في دبي سنة 2010

يحظر بروتوكول جنيف لسنة 1925 استخدام الأسلحة البيولوجية. بعد خمسين سنة، تم التوقيع على اتفاقية دولية أخرى: اتفاقية حظر تطوير وإنتاج وتخزين الأسلحة البكتريولوجية (البيولوجية) والتكسينية وتدمير تلك الأسلحة، التي يشار إليها عمومًا باسم اتفاقية الأسلحة البيولوجية. وبينما صادقت 183 دولة على المعاهدة، رفضت “إسرائيل” مع مصر والصومال وإريتريا وجزر القمر الانضمام إليها.

يُفترض على نطاق واسع أن المواد السامة المختلفة التي استخدمها الموساد للحالات التي تم الكشف عنها بالفعل، وقليل منها بقيت سرية، تم تصنيعها في المعهد الإسرائيلي للبحوث البيولوجية في نيس زيونا، الذي يقع على بعد 20 كيلومترًا جنوب تل أبيب. تأسس المعهد، الذي يعمل تحت إشراف مكتب رئيس الوزراء ووزارة الدفاع، في سنة 1952 ليحل محل الهيئة العلمية للجيش. وكان ألكسندر كينان أول مدير له.

صورة
ألكسندر كينان، أول مدير لمعهد “إسرائيل” للبحوث البيولوجية

هذه الوحدة الآن هي بطلة مقال يكشف عن التاريخ السري للحرب البيولوجية التي شنتها “إسرائيل” سنة 1948. وهذا المقال بعنوان “ألق الخبز: الحرب البيولوجية الإسرائيلية خلال حرب 1948″، من تأليف المؤرخين بيني موريس، أستاذ فخري في جامعة بن غوريون في بئر السبع، والأستاذ الفخري بنيامين زئيف كيدار من الجامعة العبرية في القدس، ونشرته مؤخرًا مجلة دراسات الشرق الأوسط.

يعد هذا المقال نادرًا لسببين. أولاً، يتعارض البحث والنشر ضد رغبات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي حاولت منذ سنوات منع الوصول إلى أي وثائق تاريخية محرجة عن تلك الحرب تكشف جرائم الحرب ضد العرب، مثل قتل الأسرى والتطهير العرقي وتدمير القرى. ثانيًا، يستند المقال إلى وثائق أصلية محفوظة في أرشيف دولة “إسرائيل” وأرشيفات أخرى.

كان موريس وكيدار قد اكتشفا بالفعل أن الاسم الرمزي للعملية كان “ألق الخبز” – مأخوذ من آية في سفر الجامعة (11: 1). واستنادًا إلى أبحاثهم، قاموا بتفصيل كيفية مشاركة علماء من الفيلق العلمي، جنبًا إلى جنب مع وحدات ساحة المعركة، في حملة منهجية لتسميم آبار المياه ونشر بكتيريا التيفود في القرى والمدن العربية وكذلك بين الجيوش الغازية لمصر والأردن. وكان الهدف تخويف السكان العرب الفلسطينيين وإجبارهم على المغادرة وإضعاف الجيوش العربية.

صدر أمر استخدام الحرب البيولوجية أو على الأقل وافق عليه مؤسس الدولة اليهودية ديفيد بن غوريون، الذي كان أول رئيس للوزراء ووزير دفاعها والذي تشاور مع كبار العلماء في ذلك الوقت، بمن فيهم البروفيسور ديفيد إرينست بيرغمان، الذي يعتبر الأب الروحي للبرنامج النووي الإسرائيلي؛ والبروفيسور إفرين كاتسير، الرئيس اللاحق للدولة؛ والبروفيسور أليكس كينان مؤسس معهد البحوث البيولوجية. 

ضمّت أعلى المستويات العسكرية المطلعة على العملية السرية الجنرالان يوهانان راتنر وإيغال يادين، الذي كان بحكم الواقع رئيس الأركان خلال حرب 1948، ثم العقيد موشيه ديان، رئيس الأركان ووزير الخارجية لاحقا، الذي سلّمه العلماء الأنابيب التي تحتوي على بكتيريا التيفود. وكانت مهمته تسليمها إلى مرؤوسيه. وكانت التعليمات تقضي بصبها في آبار المياه قرب أريحا حيث انتشر الجيش الأردني وفي قرى منطقة القدس حيث دارت أعنف المعارك.

صورة
موشيه ديان في آب/ أغسطس 1948

ولكن أحد أنابيب دايان انكسر وأصيب ابنه عاصي الذي كان يبلغ من العمر 3 سنوات (كاتب وممثل ومخرج أفلام لاحقا) وظل طريح الفراش لعدة أيام. كما تم إرسال جراثيم التيفود في زجاجات إلى الجبهة الجنوبية. لكن القادة المحليين من ذوي الميول اليسارية رفضوا المشاركة في هذه العمليات. وقد اشتكوا إلى قائدهم الكبير حاييم بارليف، الذي سيكون أيضًا رئيسًا للأركان ووزيرًا في الحكومة لاحقا، والذي طلب منهم التخلص من الزجاجات. لكن عددا قليلا من الجنود الإسرائيليين اعتقدوا أن الزجاجات تحتوي على مشروبات غازية وشربوها، لكنهم لم يمرضوا بشكل خطير.

يسلط المقال الذي كتبه موريس وكيدار الضوء على عدد قليل من الحالات التي تم فيها الاستعانة بجنود إسرائيليين لتسميم قرية عكا وقرية عيلبون في الجليل. وحسب وثائق بريطانية عربية والصليب الأحمر، فقد أصيب العشرات من سكان عكا بالتسمم وأصيبوا بأمراض خطيرة، ومات عدد غير معروف منهم.

اُستُخدِم نفس الأسلوب أيضًا في أيار/ مايو 1948 في غزة بعد أسبوع من إعلان “إسرائيل” الاستقلال. تنكّر جنديان يهوديان من وحدة القوات الخاصة بزي عربي وتسلّلا إلى غزة بأنابيب تحتوي على جراثيم التيفود. كانت مهمتهما تسميم بئر المياه بغزة لوقف تقدم الجيش المصري. لكن تم اعتقالهما وتعذيبهما وحُكم عليهما بالإعدام في آب/ أغسطس 1948 من قبل محكمة عسكرية مصرية.

لم تعترف “إسرائيل” أبدًا بالطبيعة الحقيقية لمهمتهم ولكنها اعترفت بسقوطهم. ولا يحدد المقال العدد الفعلي للخسائر التي تسببت فيها عمليات الحرب البيولوجية. ربما لم يكن مهمًا ولم تكن منتشرة بسبب الطبيعة الهاوية لعملية “ألق الخبز” والصعوبات اللوجستية. مع ذلك، لا عجب أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تخجل من بعض فصول ماضيها وتحاول إخفاء المعلومات.

يوسي ميلمان

المصدر: هاآرتس




خوارزم: موطن علوم الرياضيات والفلك في العالم

قال عنها الرحالة المغربي الشهير أبو عبد الله محمد بن اللواتي الطنجي المعروف بـ”ابن بطوطة” حين زارها: “هي من أكبر مدن الأتراك وأعظمها وأجملها وأضخمها، لها أسواق مليحة، وشوارع فسيحة، والعمارة الكثيرة، والمحاسن الأثيرة، وهي ترتج بسكانها لكثرتهم وتموج بهم موج البحر.. ولم أر في بلاد الدنيا أحسن أخلاقًا من أهل خوارزم، ولا أكرم نفوسًا، ولا أحب في الغرباء، ينتشر في أنحائها الزوايا والمساجد والمدارس والمدرسون الذين يعملون فيها، وكذلك المؤذنون والوعاظ والمذكرون، وكذلك الفقهاء والقضاة الذين يحكمون في القضايا الشرعية، وما كان من سواها حكم فيها الأمراء، وأحكامهم مضبوطة عادلة؛ لأنهم لا يتهمون بميل، ولا يقبلون رشوة”.

وفي وصفها قال المؤرخ ياقوت الحموي: “ما ظننت أن في الدنيا بقعة سعتها سعة خوارزم وأكثر من أهلها مع أنهم قد مرنوا على ضيق العيش والقناعة بالشيء اليسير، وأكثر ضياع خوارزم مدن ذات أسواق وخيرات ودكاكين، وفي النادر أن يكون قرية لا سوق فيها مع أمن شامل وطمأنينة تامة”.

خوارزم، مدينة منضوية تحت إقليم خراسان، تقع غرب أوزبكستان، عند المجرى الأدنى لنهر جيحون، وتحدها من الجهة الشرقية صحراء قزيل كوم (تفصلها عن منطقة ما وراء النهر)، ومن الجهة الغربية صحراء قراقوم (تفصلها عن خراسان)، ومن الجنوب الصحراروان التي يمر النهر بالقرب منها، أما من الشمال فتحيط بها شواطئ بحر خوارزم أو الذي يطلق عليه بحر آرال، التي اكتسبت شهرتها من علمائها وأئمتها الذين ملأوا الدنيا بنور العلم والتقدم والنهضة والرخاء، فأصبحت أحد أشهر عواصم العلم في التاريخ القديم والحديث.

حضارة 7 آلاف عام

تشير الروايات والوثائق إلى أن حضارة خوارزم تعود إلى 7 آلاف عام تقريبًا، وهو ما توثقه الاكتشافات الأثرية التي عثر عليها في تلك المنطقة ويرجع تاريخها إلى ما بين 5000-4000 ق.م، حيث ظهرت آثار لعناصر سكانية فارسية كانت تقطن هذا المكان (تسمى بالعناصر الإيرانية القديمة وشعب ساكا) وآثار أخرى للغات هندية أوروبية.

وخلال القرنين الرابع والسادس قبل الميلاد خضعت خوارزم لحكم الإمبراطورية الأخمينية الفارسية، (كان مقرها غرب آسيا وأسسها كورش العظيم وكانت تمتد من البلقان وأوروبا الشرقية في الغرب إلى وادي السند في الشرق، وتعد أكبر من أي إمبراطورية سابقة في التاريخ، تمتد 5.5 مليون كيلومتر مربع (2.1 مليون ميل مربع))، وفي عهد الإسكندر المقدوني كان بها مملكة مستقلة تسمى “تشوراسمي”، ويذكر المؤرخون أنه في الغالب كانت تلك التسمية هي أصل كلمة خوارزم التي انتشرت بهذا المسمى بعد الفتح الإسلامي لها.

في عام 706 ميلادية من الله على خوارزم بالفتح العربي الإسلامي عن طريق قتيبة بن مسلم الباهلي، ضمن سلسلة الفتوحات التي فتحها الجيش المسلم في تلك المنطقة (أقاليم ما وراء النهر)، وظلت المدينة تحت إشراف ولاة خراسان لفترة طويلة، فكان يعينهم الوالي في العراق خلال العصر الأموي.

ن

تمثال للزعيم المغولي تيمور لنك في مدينة سمرقند

وبعد أفول نجم الأمويين خضعت خوارزم للحكم العباسي، فمكثت تحت قبضة الطاهريين قرابة 50 عامًا، إذ أولوا خوارزم أهمية كبيرة مقارنة بالأمويين، فأدخلوا سكانها الجيش ومنحوهم بعض الامتيازات، ثم توالى الرخاء والنمو في ولاية السامانيون، فنهضت الزراعة والصناعة والتجارة، وتحولت خوارزم إلى مدينة ذات شأن كبير وحضور اقتصادي وعلمي هائل.

وما إن رسخ الحكم الإسلامي أقدامه حتى بدأت المدن الخوازمية الصغيرة تتشكل وفق الهوية الإسلامية، في الشكل والمضمون، فظهرت الإمارات الخوازماشية الشهيرة التي تعاقب على حكمها عشرات الأسر مثل المأمون بن محمد والتوتناش ومحمود بن سبكتكين الغزنوي ثم السلاجقة الذين حكموا المدينة لفترات طويلة، وتعاقب على الحكم فيها ستة حكام يأتي على رأسهم تكش علاء الدين (1193-1199م) الذي زاد من أملاك دولة شاهات خوارزم، ثم خلفه ابنه علاء الدين محمد ومن بعده ابنه جلال الدين منكبرتي (1221-1239م) الذي سقطت المدينة في عهده بأيدي المغول.

وفي عام 1333م زار الرحالة ابن بطوطة خوارزم ووصفها بأنها من أجمل مدن الترك وأفخمها وأكبرها، لافتًا إلى أن موقعها الإستراتيجي كونها أهم مدينة على الطريق التجاري – طريق الحرير – بين شرقي آسيا وشرقي أوروبا أهلها لأن تكون واحدة من أكثر المدن أهمية في ذلك الوقت، ما جعلها مطمعًا للكثير من الحضارات الأخرى، وهو السبب الذي دفع الفاتح التركي المغولي الذي لم يهزم أبدًا، تيمور لنك (1336- 1405م) لغزوها وفتحها فيما بعد.

إلا أن الأوضاع ساءت في المدينة بعد رحيل المغول، حيث انتشرت جرائم السرقة وتفشى الجهل وتدنت أحوال الناس، لكن سرعان ما عادت لرقيها مرة أخرى بعد سيطرة سلالة كونغرات عليها في 1763م، حيث تبنت رؤية إصلاحية جديدة قضت من خلالها على معاول الهدم في خوارزم التي بلغت أقصى اتساع لها فيما بعد في عهد الخان عبد الله قلي (1825-1842م) إذ امتدت سلطته من مصب نهر سيحون شمالًا إلى نهر المرغاب في خراسان جنوبًا.

إلا أن هذا التمدد لم يدم طويلًا، حيث وقعت في قبضة الروس الذين ألغوا نظام الخانية عام 1919 لتستبدل بجمهورية جديدة اسمها “جمهورية خوارزم” دامت قرابة 5 سنوات كاملة قبل أن تلحق بالاتحاد السوفيتي عام 1924، لتقسم أراضيها بين جمهوريتي أوزبكستان وتركمانستان، وجمهورية قراقلبق ذات الحكم الذاتي.

إرث حضاري ومعماري

الفترة التي قضتها خوارزم تحت حكم العباسيين ومن بعدهم المغول كانت أزهى عصور نهضتها ورونقها، حتى إنها تحولت إلى قبلة الحضارة الإسلامية حينها، وهو ما تجسده وتؤرخه المعالم الأثرية الموجودة بها حتى اليوم، التي جعلت منها لوحة ثقافية عظيمة.

لا

قلعة إيجان في خوارزم

تشير الروايات إلى أن هناك أكثر من 50 معلمًا أثريًا في تلك المدينة يعود معظمها للقرن الثامن والتاسع عشر الميلادي، بعضها أصبح مواقع عالمية وضمن لائحة المواقع التاريخية في آسيا، كما هو حال قلعة إيجان التي بنيت في القرن العاشر ويبلغ ارتفاعها أكثر من 10 أمتار، وقد بنيت أسوارها بالطابوق ولها أربعة أبواب على جوانب القلعة، وأعيد ترميم أسوارها أكثر من مرة، وفي عام 1990 صنفتها اليونسكو كموقع تراث عالمي.

وهناك كذلك مئذنة كونلغ تيمور التي بنيت في عهد المغول، وتعد الأعلى ارتفاعًا في منطقة آسيا الوسطى، بجانب الجامع الكبير المبني في القرن العاشر ثم أعيد ترميمه عام 1788م ويتكون من صحن كبير به 112 عمودًا ويشبه في بنائه المساجد القديمة الزاخرة بالعديد من أوجه العمارة المختلفة.

ومن أبرز المعالم الأثرية في خوارزم مدينة خيوه التي يصفها البعض بأنها متحف تحت قبة السماء، تقع على ارتفاع 100 متر فوق سطح البحر، وتحفها مساحات كبيرة من صحراء قزل قوم، فيما يشرب سكانها من مياه قنال بالفان، وتتميز بناياتها بالطراز الإسلامي القديم حيث الأبواب الخشبية المنقوشة بمهارة وبساتين الزروع والثمار التي تحيطها من كل جانب، ومن أبرز معالمها التاريخية: قلعة أرك كوخنا (1686م-1888م) وقصر طوشخولي (1830م-1838م) ومسجد الجمعة (1788م-1789م) ومنارة كالتا مينور غير مكتملة البناء (1835م-1955م) ومنارة إسلام خوجه (1910م) وضريح بلفان محمود (1804م-1806م).

قبلة علماء الرياضيات والفلك

تميزت خوارزم كبقية مدن خراسان باحتضانها للعلماء والأئمة في مختلف المجالات، غير أن أبرز ما يميزها تحديدًا أنها كانت موطن أباطرة الرياضيات والفلك وعلى رأسهم العلامة أبي عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي المكنى بـ”الخوارزمي” (781 – 847م)، الذي عد درة تاج علماء الرياضيات المسلمين والعالميين بصفة عامة.

ت

عالم الرياضيات محمد بن موسى الخوارزمي

ويعد الخوارزمي مؤسس علم الجبر وأول من جعله علمًا مستقلًا عن الحساب، وهو الإسهام الذي نقله الأوروبيون عنه، كما أن كتابه الشهير “الجبر” هو المرجع الأساسي لهذا العلم في مكتبات أوروبا، ويرجع إليه الفضل أيضًا في تعريف الناس بالأرقام الهندية، كما اكتشف العديد من القواعد الحسابية الجبرية منها: قاعدة الخطأين والطريقة الهندسية لحل المربعات المجهولة وهي التي تسمي اليوم باسم المعادلة من الدرجة الثانية.

كما أنه أول من نشر الجداول العربية عن المثلثات للجيوب والظلال، وأول من ابتكر مفهوم الخوارزمية في الرياضيات وعلم الحاسوب، لذا أطلق عليه البعض لقب “أبو علم الحاسوب”، وله إسهامات كبيرة في حقول المثلثات والفلك والجغرافيا ورسم الخرائط، تلك الإسهامات التي كان لها دورها في حل المعادلات من الدرجة الثانية التي كان لها الفضل في نشوء علم الجبر.

كما أبدع أبو عبد الله في علوم الفلك ووضع جداول فلكية (زيجا) كان لها الأثر الكبير على الجداول الأخرى التي وضعها العرب فيما بعد، وبلغ من الفهامة والنبوغ أن صحح الخوارزمي أبحاث العالم الإغريقي بطليموس Ptolemy في الجغرافيا، كما أشرف على عمل 70 جغرافيًا لإنجاز أول خريطة للعالم المعروف آنذاك، ومن أشهر كتبه في الجغرافيا كتاب “صورة الأرض”، وغيره من المؤلفات التي أصبحت مراجع لعلماء أوروبا وباحثيها الجغرافيين والفلكيين حتى اليوم.

ومما يحسب لخوارزم أن حكامها كانوا من أشد المتحمسين لنهضتها العلمية، فكان الخوارزمي على اتصال دائم بالخليفة العباسي المأمون الذي قربه منه وولاه على بيت الحكمة في بغداد، لتسجل تلك المدينة الصغيرة اسمها في سجلات العلوم وتاريخها، فيما تحول علماؤها إلى منارات علم على مر التاريخ.

رنده عطية – كاتبة وباحثة مصرية

المصدر: موقع نون بوست




خراسان: كنز من علوم وأعلام المسلمين

تاريخيًا، امتدت حدود خراسان القديمة في الجزء الشرقي من الإمبراطورية الفارسية، وبعد انهيار الإمبراطورية توزعت أراضيها بين الدول المجاورة لها، وهي إيران وأفغانستان وطاجسكتان وتركستان وأوزبكستان، واليوم صارت محصورة تحديدًا بين شرق إيران وشمال غرب أفغانستان وبعض المدن في طاجكستان وأوزبكستان.

يُعرف الإقليم بكونه أحد قلاع العلم والثقافة الإسلامية، ومفرخة الفقهاء والعلماء في شتى المجالات، ممن أثروا في الحضارة الإنسانية بإسهامات لا ينكرها منصف، فظلت حتى اليوم شاهدة على عظمة هذا الجيل الذي استطاع أن يحول تلك البقعة الصغيرة جغرافيًا إلى مركز علمي، ومن أهم تلك الأسماء: البخاري، النيسابوري، الأصفهاني، النسائي، ابن ماجة، مسلم، الطبراني، الحازمي، ابن سينا، الكعبي، البلخي، البيروني، الهمذاني.

ت

يصف الباحث المؤرخ محمود شاكر حال هذا الإقليم في افتتاحية كتابه “خراسان” قائلًا: “كانت حاضرة المناطق ثم غيبتها الأيام، ونسيها سكان الزمان، وتقاسمتها الدول فأغفل المؤرخون ذكرها وأهمل الباحثون دراستها، حيث ضُمت إلى أراضي واسعة فضاعت لصغرها النسبي، وكان الضياع مقصودًا، والإهمال متعمدًا، كانت مدنها العامرة نسبًا لعلمائها الذين ملأوا الدنيا علمًا فعرفتهم أقاصي المعمورة، وطوف ذكرهم البلاد على حين زالت مدنهم وأمحت آثارها أو استبدل باسمها آخر وطمست معالمها”.

ويقول شمس الدين المقدسي، الرحالة وأحد أبرز جغرافيي العالم، “إنها أجل الأقاليم وأكثرها أجلة وعلماء، وهو معدن الخير ومستقر العلم وركن الإسلام المحكم وحصنه الأعظم، ملكه خير الملوك، وجنده خير الجنود، فيه يبلغ الفقهاء درجة الملوك”، وفي موضع آخر “خراسان في غذاء الهواء، وطيب الماء، وصحة التربة، وإحكام الصنعة، وتمام الخِلقة، وجودة السلاح والتجارة والعلم والعفَّة والدراية”.

وفي فضله وصى الخليفة محمد بن عبد الله بن طاهر (820 – 867م) حاكم العراق والمدينة ولاته قائلًا: “عليكم بخراسان فإن هناك العدَدَ الكثير والجَلَد الظاهر، وهناك صدور سليمة وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء، ولم تتوزعها النِّحَل ولم يقدح فيها فساد، وهم جند لهم أبدان وأجسام، ومناكب وكواهل، وهامات ولحى وشوارب، وأصوات هائلة، ولغات فخمة”.

في المادة الأولى من ملف “خراسان العلوم” نلقي الضوء على أبرز المحطات في تاريخ إقليم خراسان وإسهاماته العلمية، مع التعريج سريعًا على أهم البؤر الفكرية التي كانت منصات رئيسية لانطلاق شعاع العلم منذ أن من الله عليه بالإسلام حين فتحت عام 643م في عهد الفاروق عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -.

قبل الإسلام.. محط أنظار الجميع

كان إقليم خراسان جزءًا من الإمبراطورية الأخمينية الفارسية (350 – 330 ق.م) قبل أن يسقط في قبضة الإسكندر الأكبر عام 33 ق.م، وكان يسمى حينها أريانا، وكان أهلها يدينون بالزرادشتية (إحدى أديان الماجوسية القديمة)، وفي القرن الأول الميلادي سقط الجزء الجنوبي من خراسان الذي كان تحت ولاية إيران الكبرى آنذاك، في قبضة إمبراطور كوشان في القرن الأول الميلادي، لتبدأ مرحلة التوسع نحو أفغانستان حيث بنى حكام كوشان عاصمة لهم في باغرام.

ن

الإمبراطور كوشان

ومع تحالف الكوشانية مع الإمبراطورية الساسانية (226 – 651م) قسمت بلاد فارس إلى 4 مناطق: في الغرب خوارافان وفي الشمال آباكستار وفي الجنوب ميمروز، وكانت خراسان في الشرق التي قسمت في الحقبة الساسانية إلى 4 مناطق أخرى هي: نيسابور ومرو وهراة وبلخ.

دخل الساسانيون في صراعات كبيرة مع القوى المحيطة من حولهم وعلى رأسها العرب، ما دفع آخر ملوك الساسانيين في بلاد فارس، يزدجرد الثالث، إلى نقل العرش إلى خراسان بعد سيطرة القبائل العربية على أجزاء كبيرة من غرب الإمبراطورية، وبعد معارك ضارية سقط الملك قتيلًا، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ خراسان حين فتحها المسلمون عام 647م.

في كنف الإسلام.. إنجازات حضارية

بعد انتصار المسلمين على الفرس في معركة نهاوند عام 643م وهي المعركة التي اعتبرها المؤرخون فاتحة الفتوحات لبلاد فارس، أمر أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب بالتوغل أكثر داخل مناطق فارس وفتحها، وبالفعل تجهز جيش جرار مؤلف من سبعة ألوية لتلك المهمة، ووكل فتح خراسان للأحنف بن قيس رضي الله عنه.

ونظرًا لمكانة هذا الإقليم الساحر جغرافيًا – ثم علميًا لاحقًا – حرص العديد من الصحابة والتابعين على الاستقرار فيه، وبعضهم أصر على البقاء حتى وفاته، إذ يقول الحاكم في المستدرك: “نزل خراسان من الصحابة وتوفي بها بريدة بن حصيب الأسلمي ومدفون بمرو وأبو برزة الأسلمي والحكم بن عمرو الغفاري وعبد الله بن خازم الأسلمي المدفون بنيسابور وقثم بن العباس المدفون بسمرقند”.

وما إن أقام المسلمون في خراسان حتى عمروها وبذلوا لأجل ذلك الوقت والجهد لتحويلها من إقليم صحراوي يقبع سكانه في براثن الجهل والماجوسية والكفر إلى قلعة من النور والإيمان، وبالفعل انشقت الأرض من تحت أقدام المسلمين لتخرج عشرات البقاع والمناطق التي تحولت فيما بعد إلى مراكز علمية عريقة.

يستعرض الباحث المؤرخ راغب السرجاني في مقال له أبرز المراكز العلمية التي دشنها المسلمون في خراسان بعد فتحها، منها “الدينور” الواقعة في الجهة الغربية الشمالية من إيران الحديثة وينسب إليها الفضل في الأدب والحديث والعلوم، كذلك “همذان” دار السنة في قلب خراسان التي تحتضن علماء الفقه والحديث منذ عام 200 للهجرة.

ن

المنتزه الوطني التاريخي والثقافي في مدينة مرو القديمة

ومن أبرز تلك المراكز “جرجان” الواقعة جنوب شرقي بحر قزوين في نهاية الخط الحديدي القادم من طهران وهي مفرخة الأدباء والعلماء والفقهاء والمحدثين، شأنها شأن “نيسابور” الواقعة جنوب مشهد الإيرانية وتسمى دار السنة والعوالي، مثلها مثل “مرو” التي تقع اليوم ضمن بلاد التركمان (تركمانستان) وهي مركز الأعيان وعلماء الدين.

وهناك “بلخ” إلى الغرب من مدينة مزار شريف، وتحتل مكانة مقدسة لما يرافقها من الكثير من السرديات التي يكذب المؤرخون الكثير منها، منها ما يتعلق بكونها مدفن الصحابي الجليل علي بن أبي طالب، وهي من المدن الأفغانية المهمة في الوقت الحاضر.

ومن أعظم المناطق التي يشار لها بالبنان “بخاري” الواقعة في جمهورية أوزبكستان، وهي المدينة التي ينتمي إليها البخاري والمسندين وبجوارها “سمرقند” ثاني أكبد مدن أوزباكستان، التي ينسب إليها الفضل في الفقه وعلوم الدين ومن أعلامها أبي عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ومحمد ابن نصر المروزي، وهو شأن “خوارزم” بجانب “أصبهان” أحد أشهر المدن الإيرانية اليوم.

خراسان والحركة العلمية

قدمت خراسان للحضارة والإنسانية ما لم تقدمه غيرها من العواصم، بل إنها تنافس القاهرة وبغداد ودمشق ومعهم الأندلس في ريادة الحركة الفكرية والعلمية، الدينية والدنيوية، التي توثقها شهادات المؤرخين وصفحات الموثقين وأرفف المكتبات في المشرق والمغرب، ففي علوم الفقه ساهم علماؤها في إنعاش المكتبة الإسلامية بعشرات التصنيفات ومن أبرزهم أبي حاتم محمد بن حبان التميمي السمرقندي وأبو بكر محمد بن المنذر النيسابوري وأبو بكر بن فورك الأصفهاني الأصل، الأصولي المتكلِّم، كذلك أبو بكر أحمد بن الحسن البيهقي الحافظ الشافعي.

كما تزخر مكتبات علوم الفقه والحديث بأمهات الكتب التي كتبها المحدثون والفقهاء الخرسانيون من بينهم البلخي والسرخسي والخوارزمي والسمرقندي والفارابي والبخاري والترمذي والصاغاني والأبيوردي والقاشاني والشاشي والنيسابوري والمرْوَزِي والهَرَوي والفرغاني والزمخشري والصُّغدي والبيهقي والبُسْتي.

ح

تمثال الفارابي في الجامعة التي تحمل اسمه في كازخستان

ومن علوم الفقه إلى الفلسفة، شهدت خراسان نهضة فلسفية غير مسبوقة في العواصم الإسلامية والعربية، ويرجع الفضل في ذلك إلى أبو زيد أحمد بن سهل البلخي، الذي جمع بين الفلسفة والعلوم الشرعية والأدب، الذي قاله فيه أبو حيان التوحيدي: “الذي أقوله وأعتقده أني لم أجد في جميع من تقدم وتأخر ثلاثة لو اجتمع الثقلان على تقريظهم ومدحهم ونشر فضائلهم في أخلاقهم وعلمهم ومصنَّفاتهم ورسائلهم مدى الدنيا لما بلغوا آخر ما يستحقه كل واحد منهم، أحدهم أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ والثاني أبو حنيفة الدينوري، فإنه من نوادر الرجال، جمع بين حكمة الفلاسفة وبيان العرب، له في كل فن ساق وقدم، ورواء وحكم، والثالث أبو زيد أحمد بن سهل البلخي، فإنه لم يتقدم له شبيه في الأعصر الأول، ولا يظن أنه يوجد له نظير في مستأنف الدهر، ومن تصفَّح كلامه في كتاب أقسام العلوم، وفي كتاب أخلاق الأمم، وفي كتاب نظم القرآن، وكتاب اختيار السيرة، وفي رسائله على إخوانه، وجوابه عما يُسأل عنه ويُبْدَه به عَلِمَ أنه بحر البحور، وأنه عالم العلماء، وما رُثي في الناس من جمع بين الحكمة والشريعة سواه، وإن القول فيه لكثير”.

ومن أعلام الفلسفة في الإقليم أبو القاسم عبد الله بن أحمد الكعبي بن علي بن سينا، من بلخ، وكان من المتكلمين العظام، له مذهب خاص وأتباع يقال لهم الكعبية، وكان له دور كبير في نشر الحركة الفلسفية والعقلية في خراسان ووفر إلى جوار أقرانه البيئة المناسبة لتخريج علماء أفذاذ على شاكلة الفيلسوف الكبير والطبيب العلامة ابن سينا.

وفي علوم الطب كان لخراسان باع طويل في إثراء الحركة العلمية في هذا المجال، حيث برز أعلام ومشاهير قدموا تصنيفات لا تزال تمثل المرجعية الأساسية لأطباء العالم حتى اليوم، ومن أبرزهم: سهل النيلي النيسابوري، الذي من أقيم مؤلفاته “شرح مسائل حنين”، وهناك أبو بكر الإبراهيمي النيسابوري وأبو الحسن المروزي صاحب الموسوعة الخالدة “فردوس الحكمة” التي حوت عشرات البحوث في الطب والفلك والظواهر الجوية وعلم النفس، وهو صاحب اكتشاف أن مرض السل ينتقل بالعدوى بين البشر، وله مؤلفات عدة في فوائد الأطعمة وأنواع الأغذية الجيدة والعقاقير وخلافه، ولا يقل عنه في إسهاماته الجليلة تلميذه النجيب أبو بكر الرازي صاحب مؤلفات “الجدري والحصبة” و”الحصى في الكلى والمثانة” و”دفع مضار الأغذية” و”برء ساعة” وكتاب “الفاخر في الطب”.

f

أحد أهم مؤلفات بنو موسى بن شاكر في مجال الميكانيكا

وفي الرياضيات، ظهر أبو محمد الشعراني الرازي (توفي عام 353هـ ) المولود في نيسابور وهو من أعظم من كتب في علوم الحساب والجبر والهندسة، إضافة إلى محمد القهستاني وبن حمدوية الفرائضي وأبو الحسن الحاتمي والوفاء البوزجاني، أحد أعلام الهندسة وصاحب المؤلفات العظيمة ومنها “مجسطي” و”العمل لجدول الستيني” وكتاب “الزيج الشامل”.

أما في الفلك فليس هناك أشهر من الأسرة الخراسانية المعروفة، أبناء موسى بن شاكر الثلاثة، محمد وأحمد والحسن، الذين أسهموا بمؤلفاتهم واكتشافاتهم في إثراء علوم الفلك في عهد المأمون الذي أجزل لهم العطاء وخصص لهم دارًا في أعلى ضاحية من بغداد لرصد النجوم رصدًا دقيقًا، ولهم باع طويل في كل ما يتعلق بحساب ومجاري النجوم والشمس والقمر، ومعرفة الطوالع وتيسيرها، كذلك التقاويم وأحوال الأجرام السماوية وأوضاعها وأشكالها.

برعت خراسان أيضًا في علوم الفقه والفلك والرياضيات والطب، أبدعت كذلك في علوم اللغة والأداب، ويعود الفضل في ذلك إلى العلمين الشهيرين: أبا بكر الخوارزمي وبديع الزمان الهمذاني، صاحبا المؤلفات والمعارك الأدبية واللغوية التي تزخر بها مكتبات العالم حتى يومنا هذا، وهناك أيضًا من أئمة اللغة الأزهري أبو منصور محمد بن أحمد الأزهر وأصله من هراة وصاحب كتاب “التهذيب” الشهير، كذلك الجوهري صاحب “الصحاح”.

رنده عطية – كاتبة وباحثة مصرية

المصدر: موقع نون بوست




أصفهان.. بلد الأساطير وموطن علوم الموسيقى

قالوا: “إن الأموات لا يبلون في تربتها ولا تتغير فيها رائحة اللحم ولو ظلت في قدرها شهرًا كاملًا”، وقيل كذلك إن “هواءها من أنقى ما عرفته البشرية”، وعُرفت بـ “مدينة اليهودية”، وفي حقها قال الحجاج بن يوسف الثقفي لأحد ولاته: “قد وليتك بلدة حجرها الكحل وذبابها النحل وحشيشها الزغفران”، بينما وصفها الرحالة الإيراني الأشهر ناصر خسرو بأنه لم يجد في أرض فارس مدينة أكثر جمالًا وعمرانًا منها.

تقع أصفهان وسط هضبة إيران، 700 كيلومتر جنوب العاصمة طهران، واحدة من أكبر مدن الدولة الإسلامية، تناوبت على حكمها حضارات الأخمينية والهيلينية والفارسية، وشكّلت فيما بينها مجتمعة واحدة من أكثر مدن آسيا والعالم ثراءً في العالم، فخرج منها عظماء الدين والأدب والفنون ما لم يخرج من مدينة أخرى في عصرها، كما أنها مسقط رأس الصحابي الجليل سلمان الفارسي.

تضرب بجذورها التاريخية إلى أكثر من 2500 عام، حيث شُيّدت بداية الأمر عام 500 قبل الميلاد، ثم غزاها الإسكندر الأكبر المقدوني عام 334 قبل الميلاد، وجعل منها عاصمة ذات شأن كبير، حتى فتحها المسلمون منتصف القرن السابع الميلادي وجعلوها تحفة ثقافية وعلمية يشار إليها بالبنان حتى اليوم.. فماذا نعرف عن تلك المدينة الساحرة ذات الأساطير الخالدة؟

تاريخ حافل

حين احتلَّ نبوخذ نصر أو بختنصر أو بخترشاه (أحد أقوى الملوك الكلدان الذين حكموا بابل وبلاد الرافدين) مدينة القدس عام 597 قبل الميلاد، وسبى أهلها، حمل معه بعض اليهود وتوجّه بهم إلى مدينة تُسمّى “جي”، لم تكن معروفة في ذلك الوقت، وأقام فيها اليهود السبايا، ومنذ ذلك الوقت عُرفت تلك المدينة التي تحولت فيما بعد إلى أصفهان باسم “اليهودية”.

وفي عام 334 قبل الميلاد غزاها الإسكندر المقدوني وحاول محاكاة البلاط الفارسي في تدشين أصفهان عمارة وثقافة ومجتمعًا، فخلق مزجًا بين الهيلينية والفارسية، حتى وقعت في نهاية المطاف في قبضة ملوك الساسانيين، وكان آخرهم كسرى يزدجرد الثالث (631-651م).

وفي العام 19 أو 20 للهجرة، 640 أو 641 ميلادية، فتح العرب المسلمون بقيادة عبد الله بن عبد الله بن عتبان أصفهان، وذلك عقب فتحهم لنهاوند، بعد هزيمتهم لكسرى آخر ملوك الساسانيين، لتصبح على أيدي المسلمين واحدة من أعظم المدن التجارية والصناعية في بلاد فارس، حيث تميزت بصناعة المواد الغذائية ومواد البناء والأقمشة والمنسوجات الصوفية.

وفي عهد الدولة الصفوية (1501-1744م) اتخذها عباس الصفوي الأول عاصمة له بدلًا من قزوين، وقد أرجع الباحثون اختياره لأصفهان بسبب بُعدها عن الإمبراطورية العثمانية، ومن ثم سيكون بمنأى عن هجماتها وغزواتها، بخلاف أنها في حضن الجبل ويصعب اختراقها بسهولة مقارنة بقزوين القريبة، وهكذا ظلت أصفهان أحد خطوط المواجهة الثقافية والعقدية بين الصفويين والدولة العثمانية حتى وقت قريب.

كنز تراثي

يذهب العديد من الباحثين إلى وصف أصفهان بأنها خزنة ومستودع الوجدان الإيراني الحافل بمستويات المعاني، فرغم أنها ليست المدينة الأكبر مساحة، ولا الأكثر عددًا، ولا الأقوى اقتصاديًّا أو سياسيًّا، لكنها ذات طابع خاص وضعها في منزلة استثنائية لدى الإيرانيين، وهو ما أهّلها لأن تكون ذات قيمة تاريخية وثقافية وأثرية عالية في العقل المجتمعي الإيراني.

نم

مئذنة سرابان في أصفهان

تزخر أصفهان بمئات المواقع التراثية الأثرية، بعضها يعود لمئات السنين، كما تتميز بالمساجد ذات الطابع المعماري الفريد، وبها مآذن تعود لأكثر من 500 عام مثل مئذنة سرابان التى يعود تاريخ بنائها البديع بنقوشها وفسيفسائها وأصباغها إلى القرن الـ 14 ميلادي، كذلك مسجد الشيخ لطف الله الذي يعدّ أحد أشهر مساجد المدينة، حيث يكسو قبّته اللون العاجي ذو البريق الأخّاذ رغم بنائه منذ أكثر من 350 عامًا.

ن

جسر شهرستان في أصفهان

يصف البعض أصفهان بأنها مدينة الجسور، حيث تزخر بالعديد منها على نهر زاينده رود، وتمتاز بعبقرية التصميم وروعة المنظر، ومن أشهر جسورها جسر شهرستان الذي شهد اغتيال الخليفة العباسي الرشيد بالله عام 1138 ميلادي، وجسر سي وسه بل (جسر الثلاثة وثلاثين قوسًا)، وجسر بل خواجو الذي يتَّخذ اسمه من ضاحية خواجو (الكاتب) على الضفة الشمالية من النهر، حيث يربطها بالضفة الجنوبية.

العَلم الأشهر

كانت أصفهان ولّادة للكثير من أهل الأدب والعلم، ممن نشروا التنوير والثقافة في شتى أنحاء العالم، بل إن بعضهم لا يزال حاضرًا بأعماله ومؤلفاته حتى اليوم، كما هو علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم المرواني الأموي، المعروف باسم أبو الفرج الأصفهاني (897-967م)، ذاك الأديب العربي الأشهر، وصاحب الكتاب الأكثر شهرةً “الأغاني”.

ولد ابن الحسين في أصفهان وتوفي في بغداد، وهو من أصول عربية قريشية، ويعدّ من أوائل وفطاحل من كتبوا عن الموسيقى العربية، وصاحب التوثيق الأكثر مصداقية لهذا الفن من القرن السابع إلى التاسع الميلادي، ومن الباحثين والمؤرخين من وصفوه بأنه “أحد الآباء المؤسسين لعلم موسيقى الشعوب الحديث”.

ن

رسمة توضيحية لأبو الفرج الأصفهاني

وللأصفهاني حضور قوي في مجالات العلم المختلفة، إذ يعدّ من الأعلام في معرفة التاريخ والأنساب والسير والآثار واللغة والمغازي، بجانب معارفه المتعمقة في علم الجوارح والبيطرة والفلك والأشربة، ويعدّ كتابه “الأغاني” المكون من 21 جزءًا، جمعه في 50 سنة، أحد أشهر ما كُتب في الموسيقى والأغاني قبل الإسلام وبعده.

وبجانب كتاب “الأغاني” له عشرات المؤلفات، منها: “مقاتل الطالبيين” و”نسب بني عبد شمس” و”القيان” و”الإماء الشواعر” و”أيام العرب” و”التعديل والإنصاف في مآثر العرب ومثالبها” و”جمهرة النسب” و”الديارات” و”مجرد الأغاني” و”الحانات” و”الخمارون والخمارات” و”آداب الغرباء”.

قال عنه شمس الدين الذهبي: “صاحب “الأغاني” العلّامة الأخباري أبو الفرج، كان بحرًا في نقل الآداب، وكان بصيرًا بالأنساب وأيام العرب، جيد الشعر. والعجب أنه أموي شيعي، وكان وسخًا زريًا، وكانوا يتّقون هجاءه”، ووصفه ابن الجوزي البغدادي: “ومثله لا يوثق بروايته، يصح في كتبه بما يوجب عليه الفسق، ويهون شرب الخمر، وربما حكى ذلك عن نفسه، ومن تأمّل كتاب “الأغاني” رأى كل قبيح ومنكر”.

م

كتاب الأغاني الذي أمضى الأصفهاني 50 سنة وهو يكتبه

أما التنوخي فتحدث عنه قائلًا: “كان أبو الفرج يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والآثار والأحاديث المسندة والنسب ما لم أرَ قط من يحفظ مثله، ويحفظ دون ذلك من علوم أخرى منها اللغة والنحو والخرافات والسير والمغازي، ومن آلة المنادمة شيئًا كثيرًا، مثل علم الجوارح والبيطرة ونتف من الطب والنجوم والأشربة وغير ذلك، وله شعر يجمع إتقان العلماء وإحسان الظرفاء الشعراء”.

أما ابن خلدون فوصف كتابه “الأغاني” بقوله: “وقد ألّف القاضي أبو الفرج الأصبهاني كتابه في الأغاني جمع فيه أخبار العرب وأشعارهم وأنسابهم وأيامهم ودولهم، وجعل مبناه على الغناء في المائة صوت التي اختارها المغنون للرشيد، فاستوعب فيه ذلك أتم استيعاب وأوفاه، ولعمري إنه ديوان العرب وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فن من فنون الشعر والتاريخ والغناء وسائر الأحوال، ولا يعدل به كتاب في ذلك فيما نعلمه، وهو الغاية التي يسمو إليها الأديب ويقف عندها وأنى له به”.

ومن أعلام أصفهان أيضًا الحسين بن محمد بن المفضل أبو القاسم الأصفهاني، المعروف بـ”الرَّاغب الأصفهاني”، وُلد في أصفهان في نوفمبر/ تشرين الثاني 954 وتوفى عام 1108، عاش معظم حياته في بغداد، ويعدّ من أقطاب علماء السنّة الذين قضوا حياتهم في مهاجمة الشيعة والمعتزلة، رغم ادّعاء البعض بأنه شيعي نظرًا إلى ولادته في أصفهان ذات الأغلبية الشيعية.

أبحر في علوم القرآن والسنّة واللغة، وأجاد في الحديث، وأبدع في الأخلاق والعلوم الفلسفية، وهو في المقام الأول أديب من الطراز الأول، وامتزجت معظم مؤلفاته -حتى الدينية منها- بدرر علوم المعاجم كالدعاء والنحو والاستذكار، كما تضمنت أعماله قيمًا أدبية وأخلاقية ودينية ولغوية وتاريخية.

أثرى المكتبة الإسلامية بأمّهات الكتب في العديد من المجالات، لكن ما وصل منها أقل بكثير ممّا كتبه، ومن أبرزها: “محاضرات الأدباء”، “الذريعة إلى مكارم الشريعة”، “الأخلاق” ويسمّى “أخلاق الراغب”، “جامع التفاسير” أخذَ عنه البيضاوي في تفسيره، “المفردات في غريب القرآن”، “حل متشابهات القرآن”، “تفصيل النشأتين”، “تحقيق البيان”، “الاعتقاد”، “أفانين البلاغة”، ورسالة في “آداب مخلطة الناس”.

وهكذا كانت أصفهان كما بخارى وسمرقند وخوارزم وشيراز، ومعها الدينور وهمذان وقزوين وجرجان ونيسابور وطوس وهراة ومرو وبلخ والشاش وفرياب، علامات مضيئة في تاريخ خراسان، ما جعلها واحدة من قلاع العلم والأدب والثقافة على مرّ التاريخ، وإحدى الصفحات المشرّفة في تاريخ العرب والمسلمين، ومداد ممتدّ لإنعاش الحضارة الإنسانية قديمًا وحديثًا.

رندة عطية – كاتبة وباحثة مصرية

المصدر: موقع نون بوست