1

آدم موصيري رئيس «إنستغرام» ومطلق «ثريدز»… سلاح «ميتا» القوي في مواجهة «تويتر»

هاجر والده اليهودي من مصر إلى الولايات المتحدة بعد ثورة 1952

قد يكون اسم آدم موصيري، رئيس تطبيق «إنستغرام» منذ 2018، معروفاً لدى مستخدمي التطبيق، البالغ عددهم أكثر من ملياري مستخدم، خصوصاً أن لديه أكثر من مليوني متابع على التطبيق نفسه. بيد أنه مع تعيينه الآن قائداً فعلياً للتطبيق الجديد «ثريدز»، الذي صعقت انطلاقته الصاروخية، تطبيق «تويتر»، تهافتت وسائل الإعلام، وكذلك الرأي العام، على محاولة التعرّف أكثر على شخصية هذا الرجل. بعض التحليلات أشارت إلى أن موصيري، قد يلعب دوراً حاسماً في تحويل منصة «ثريدز»، إلى منافس «قاتل» لتطبيق «تويتر»، وطموحات مالكه المثير للجدل، إيلون ماسك، خصوصاً أن بصمات موصيري السابقة على منتجات شركة «ميتا»، التي كانت تُدعى «فيسبوك» سابقاً، حاسمة في إظهار النجاحات التي حققها عملاق وسائل التواصل الاجتماعي، منذ نحو أكثر من عقد. ثم، على الرغم من أن مارك زوكربيرغ، هو الوجه الأبرز لشركة «ميتا»، فإن تطبيق «ثريدز» الذي يشبه «تويتر» ويقوم على خلفية تطبيق «إنستغرام»، أصبح التطبيق الأسرع نمواً في تاريخ الشركة، وهو يقع ضمن اختصاص رجل مختلف. فمَن هو آدم موصيري، البالغ 40 سنة؟ وكيف حقق هذا الصعود في مسيرته المهنية؟

وُلد آدم موصيري يوم 23 يناير (كانون الثاني) 1983، في ضاحية تشاباكوا بشمال مدينة نيويورك من عائلة يهودية. وهو الأخ الأكبر للملحن الموسيقي والممثل، إميل موصيري، الذي اعتنق مع شقيقه المسيحية، وهما يحتفلان بأعيادها أيضاً، بحسب عديد من المراجع والمقالات الصحفية الأميركية.

التحق آدم بمدرسة غالاتين للدراسات الفردية، بجامعة نيويورك لدراسة تصميم الإعلام والمعلومات، وتخرج بدرجة البكالوريوس في تصميم المعلومات في عام 2005. وفي عام 2003، أثناء دراسته في جامعة نيويورك، أسس موصيري شركة استشارات التصميم الخاصة به المسماة «بلانك موصيري»، التي ركزت على تصميم الغرافيك والتفاعل والمعارض. وكانت لشركته مكاتب في نيويورك وسان فرنسيسكو.

وفي عام 2007، انضم موصيري إلى شركة «نوك بوكس» بوصفه أول مصمم للشركة. ثم في عام 2008، انضم إلى «فيسبوك»، بوصفه مصمم منتج. وفي عام 2009، أصبح مديراً لتصميم المنتجات، وعام 2012 أصبح مدير التصميم لتطبيقات الأجهزة المحمولة الخاصة بالشركة. وبين عام 2012 و2016، أشرف على قسم موجز الأخبار على «فيسبوك»، ومن 2016 إلى منتصف 2018، شغل منصب نائب رئيس منتجات الشركة.

تقدر ثروة موصيري الشخصية اليوم بفضل وظائفه وأنشطته المتعددة، بأكثر من 120 مليون دولار أميركي، إذ كان راتبه الشخصي عن كل منصب، يتخطى 120 ألف دولار شهرياً. وإبان فترة عمله في «فيسبوك»، أشرف أيضاً على «فيسبوك هوم»، لكنها كانت محاولة فاشلة لإحضار الشركة شاشة رئيسية متنقلة إلى أجهزة «آندرويد».

وبعد الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016، أخذ موصيري على عاتقه أن يصبح الناطق الرسمي لشركة «فيسبوك» عن «الأخبار المزيفة». ثم في مايو (أيار) 2018، عُيّن نائباً لرئيس تطبيق «إنستغرام»، ليتولى في 1 أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، منصب الرئيس المباشر للتطبيق، بعد استقالة مؤسسَي تطبيق مشاركة الصور، كيفن سيستروم ومايك كريغر، خلال سبتمبر (أيلول) 2018. وللعلم، يختلف لقب موصيري بوصفه رئيساً لـ«إنستغرام»، عن لقب الرئيس التنفيذي، إذ يحتفظ مارك زوكربيرغ، باللقب على كل منتجات شركة «ميتا».

الشبكة الاجتماعية

في أولى مشاركاته على «ثريدز» قال آدم موصيري: «ها نحن ذا»، ما يوحي بثقته في نجاح التطبيق. وحقاً، في غضون 5 أيام فقط، حصد «ثريدز» أكثر من 100 مليون مستخدم، ما أدى إلى إخراج معظم منافسيه المباشرين مثل «بلوسكاي» و«ماستودون» من السباق.

بالنسبة لموصيري – الذي يعمل مع زوكربيرغ منذ 2008 – فإن الانطلاقة السريعة للتطبيق، تمثل «أكثر أسبوع جنوني في العمل منذ سنوات عديدة»، بحسب ما نشره على التطبيق، في الأيام الأولى لانطلاقته. ومع أن «فيسبوك»، لا يزال يحتفظ برؤية زوكربيرغ الأصلية للشبكة الاجتماعية، فإنه كان قبل انضمام موصيري إلى الشركة، مجرد مكان لمشاركة الصور ونشر تحديثات باهتة، وكتابة رسائل أعياد الميلاد والتعازي… على صفحات الأصدقاء. ولكن في السنوات التي تلت ذلك، تحوّل موقع «فيسبوك» من مكان للحصول على التحديثات من الأصدقاء والأقارب، إلى مكان يمكنك فيه قراءة المقالات الإخبارية والتقارير المصورة، ويصار إلى ربطك بالحجج السياسية مع أشخاص لم تكن تعرفهم حتى.

وحقاً، كان لموصيري دور محوري في مثل هذه التغييرات، بعدما تولى منصب مدير تصميم المنتجات في عام 2009. ولاحقاً، مع تحول الهواتف إلى «ذكية»، منذ نجاح ستيف جوبز بإطلاق هاتف «آيفون»، تسلم موصيري إدارة التطبيقات على «فيسبوك». وبينما كان التطبيق يدور على إغراء المشتركين بتمضية أكبر قدر ممكن من الوقت على المنصة، ومتابعة تفاعلاتهم للحصول على عائدات الإعلانات، أشرف موصيري على موجز الأخبار المحوري على «فيسبوك»، بين عامي 2012 و2016، وهي الفترة التي شهدت تركيزاً متزايداً على جذب انتباه المستخدمين إلى السياسة والأخبار.

معالجة الأخبار المزيفة

ثم في السنوات التي تلت ذلك، اعترف مارك زوكربيرغ، بأنه كان يجب أن يأخذ المخاوف بشأن انتشار الأخبار المزيفة على المنصة بجدية أكبر قبل الانتخابات الأميركية 2016. وإثر صدور نتائجها وفوز دونالد ترمب، بالسباق الرئاسي متغلباً على هيلاري كلينتون، كان موصيري هو مَن كتب مدونة للشركة تتناول «الخداع والأخبار الكاذبة» على «فيسبوك». بل، لقد اعترف بأنه «عانى من الأرق» بسبب الدور الذي ربما لعبه موقع «فيسبوك» في انتشار العنف في ميانمار، إثر تقرير للأمم المتحدة يزعم أن المنصة، غذت الكراهية لمسلمي الروهينغا في تلك البلاد. وأيضاً، اعترف في عام 2018، عندما أصبح نائب رئيس المنتجات في الشركة، بأن «ربط العالم لن يكون دائماً أمراً جيداً». ويرى بعض المحللين، أنه ربما يكون هذا هو سبب رفض موصيري فكرة أن الأخبار والسياسة، يجب أن تكونا هما محور تركيز الموضوعات.

عام 2018، وبعد 6 سنوات على شراء زوكربيرغ تطبيق «إنستغرام» مقابل مليار دولار، واستقالة مؤسسيه السابقين، عيّن آدم موصيري، رئيساً له، وهو الآن لديه أكثر من ملياري مستخدم. غير أن فترة عمله لم تكن خالية من الجدل. إذ كان على «إنستغرام» أن يدافع بانتظام عن موقفه من الاعتدال، ومن نشر المواد التي يمكن أن تكون لديها تأثيرات مميتة، لا سيما العام الماضي، بعدما كشفت التحقيقات أن المراهقة البريطانية مولي راسل – التي شاهدت محتوى مؤذياً على المنصة – انتحرت لاحقاً بسببه.

ويذكر أن هذه هي التهمة نفسها التي وُجّهت إلى تطبيق «تيك توك» الصيني، الذي دفع موصيري «إنستغرام» للتشبه به، بعدما التقى عدداً من كبار المؤثرين والنجوم على التطبيق، أمثال كيم كارداشيان وكايلي جينر، للترويج للمنصة عبر نشر ما يسمى «ريلز» – أو بَكَرات الصور – على «إنستغرام». ولقد سعى هؤلاء إلى «مطالبة المشتركين بالكف عن أن يكونوا من جماعة «تيك توك»، والاكتفاء فقط بالصور الجميلة واللطيفة للأصدقاء»! وعلى الرغم من دفاعه عن تلك التغييرات، فإن موصيري اعترف لاحقاً بأن المنصة «ركزت بشكل زائد» على الفيديو في عام 2022.

«ثريدز» تطبيقه الشخصي

إلا أن إطلاق تطبيق «ثريدز»، يعد – بلا شك – أكبر وأهم لحظة في فترة تولي موصيري رئاسة «إنستغرام». مع الإشارة إلى أن هذا الأخير، بخلاف كل منتجات شركة «ميتا» التي حاولت تقليد تطبيقات سابقة – مثل قصص «سناب شات» و«ريلز» من «تيك توك» – كان التطبيق الخاص بموصيري شخصياً.

ومع بناء موصيري على خلفية «إنستغرام»، ضَمن ترحيل حسابات المشتركين، ما يساعده بسرعة على تجميع قاعدة مستخدمين ضخمة، تضم ممثلين ورياضيين ومشاهير وعلامات تجارية وملصقات عادية. ولقد علّق موصيري، الذي يعيش الآن في العاصمة البريطانية (لندن) مع زوجته مونيكا وأطفاله الثلاثة، عن شعبية «ثريدز» خلال الأسبوع الأول من إطلاقه بالقول: «إنه جنون، لا أستطيع أن أفهمه».

ومع ذلك، بدا أنه على أتم الاستعداد لتلبية طلبات تحديث التطبيق، وانفتاحه على الأمكنة التي يحتاج فيها إلى التحسينات في أيامه الأولى، بدءاً من الافتقار إلى القدرة على البحث عن موضوعات ومصطلحات محددة، إلى غياب خيار لتخصيص جدول المشتركين الزمني للأشخاص الذين تُجرى متابعتهم فقط. ولمّح موصيري إلى الإضافات المستقبلية ذات الأولوية الأقل، مثل علامات التصنيف، والموضوعات الشائعة، وعرض المنشورات المفضلة، وتحسين تطبيق سطح المكتب. ووفق الخبراء فإن رؤيته، تبدو منبثقة من تجربته في العمل على صفحة «فيسبوك». ذلك أنه كتب على «ثريدز» ما يلي: «لن نحبط أو نخفّض من شأن الأخبار أو السياسة»… «لن نحاكمهم كما فعلنا في الماضي».

وهنا يقول البعض، إن موصيري الذي ربما تطارده الخلافات التي دارت في السنوات الماضية، حول «أنه لا توجد أخبار أفضل من الأخبار السيئة»، قد يكون مضطراً للقبول بها، خصوصاً إذا استمر نمو «ثريدز» بهذا الشكل.

والده هاجر من مصر

عاش آدم موصيري الذي يحمل الجنسيتين الأميركية والإسرائيلية، طفولته بين إسرائيل وأميركا، وذلك بعدما هاجر والداه من مصر عام 1957، إثر «ثورة الضباط الأحرار» يوم 23 يوليو (تموز) 1952. والطريف أن آدم يرفض الكشف عن اسم والديه، ويتبع نهجاً محافظاً جداً في الكشف عن حياته الشخصية. إلا أنه قال لصحيفة «يديعوت أحرنوت» الإسرائيلية، إنه يحب أكلة «الملوخية» على الطريقة المصرية القديمة.

يذكر أن عائلة موصيري معروفة بين أبرز عائلات يهود مصر. وهي عائلة يهودية سفارادية (أي إسبانية الجذور) عاشت في إيطاليا. ثم استقرت في مصر خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وبحسب المؤرخ والباحث اللبناني المولد شاهين مكاريوس (1853 – 1910م)، فقد احتفظت العائلة بالجنسية الإيطالية، وحقَّق يوسف نسيم موصيري، الجد الأكبر للعائلة، ثروته من التجارة. وكان للعائلة، عديد من النجاحات في مصر، بعد انتقال نسيم موصيري، إليها عام 1750؛ وعلى سبيل المثال، أسست عائلة موصيري شركة فنادق مصر الكبرى، وبنت فنادق مصرية شهيرة، مثل: «مينا هاوس» و«سان ستيفانو» و«سافوي وكونتيننتال». وأيضاً أسس أبناء نسيم بك موصيري (إيلي، ويوسف، وجاك، وموريس) «بنك موصيري» في مصر، وكان نسيم بك يشغل موقعاً مميزاً ضمن الطائفة اليهودية في مصر. وفي عام 1915، أسس جوزيف موصيري شركة رائدة في صناعة السينما هي شركة «جوزي فيلم»، التي أسست وأدارت دور السينما واستوديو للإنتاج السينمائي، وكانت واحدة من أكبر الشركات الرائدة في صناعة السينما المصرية. وبعد وفاته عام 1876، أسَّس أبناؤه الأربعة «مؤسسة يوسف نسيم موصيري وأولاده». وتزوج الابن الأكبر نسيم بك موصيري (1848 – 1897) من ابنة يعقوب قطاوي، الذي تولى رئاسة الطائفة اليهودية في القاهرة، وكانت تسمى «الطائفة الإسرائيلية» حينذاك. وأصبح نسيم موصيري، نائب رئيس الطائفة، وهو منصب توارثته العائلة من بعده.

ولكن لم تحقِّق عائلة موصيري انطلاقتها الحقيقية إلا في أوائل القرن العشرين (1904) عندما أسَّس إيلي موصيري (1879 – 1940)، ابن نسيم (بك)، بالتعاون مع إخوته الثلاثة يوسف (1869 – 1934)، وجاك (1884 – 1934) وموريس، «بنك موصيري». وحقَّق إيلي مكانة مرموقة في عالم المال والأعمال في مصر، وكان قد درس الاقتصاد في بريطانيا وتزوج من ابنة فيليكس سوارس، أحد كبار الأغنياء المصريين اليهود. وكانت تربطه علاقات وثيقة بإسماعيل باشا صدقي، رئيس الوزراء المصري الأسبق، كما كانت له مصالح عديدة في فرنسا وعلاقات وثيقة ببيوت المال الأوروبية اليهودية مثل «روتشيلد» و«لازار» و«سليغمان»، كما كان يمثل المصالح الإيطالية في مصر.

إيلي يوسف

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




صور وأسماء من حياة يهود مصر منذ القرن الـ19

لليهود تاريخ قديم جداً في مصر، ولكن خلال القرنين الـ19 والـ20 لعب اليهود المصريون رغم تقلص حجم الطائفة (3 آلاف يهودي في القاهرة إبان الحملة الفرنسية)، دوراً بارزاً على 3 أصعدة هي الاقتصاد والثقافة والسياسة. وكان تركزهم الأساسي في القاهرة بحي السكاكيني في منطقة الظاهر بحي غمرة. وعلى الصعيد الاقتصادي، خصوصاً حققوا القدر الأكبر من النجاح. وقادت عائلات سوارس، وقطاوي، ومنشّه (منشّي/ ده منشه)، وموصيري ورولو وادّا عملية تأسيس شركات مصرية مهمة، منها «شركة السكر» في كوم أمبو، وسكك حديد حلوان والدلتا وقنا/أسوان، و«أوتوبيسات سوارس»، و«شركة الملح والصودا»، و«البنك الزراعي المصري» و«شركة مياه طنطا» وغيرها.

بجانب نجاحات عائلة موصيري، أسست عائلة شيكوريل، تحت ريادة عميدها مورينو شيكوريل، عدداً من المتاجر الكبرى المشهورة، ونشط أولاده من بعده (سولومون وجوزيف وسلفاتور) وطوّروا مؤسساتهم، وبات «شيكوريل» أكبر وأهم متجر من نوعه في مصر، كما شارك جوزيف شيكوريل بتأسيس «بنك مصر»، وتولى رئاسة منظمة القاهرة الصهيونية. وبعد وفاة سولومون وجوزيف، واصل سلفاتور إدارة أعمال العائلة وأسس بجانب المتجر الشهير سلسلة متاجر «أوريكو» وترأس سلفاتور (بك) غرفة التجارة المصرية لسنوات عدة. وعُين قاضياً في المحاكم المختلطة. وحتى بعد ثورة 1952 حرصت الحكومة المصرية على استشارته في القضايا الاقتصادية. وبجانب نشاطه الاقتصادي اهتم مثل أخيه جوزيف بشؤون طائفته فاختير رئيساً للطائفة اليهودية المصرية خلفاً لرينيه قطاوي.

يوسف أصلان قطاوي باشا

وعائلة سوارس بدورها حققت شهرة كبيرة في مجال التجارة وملكية الأراضي والأعمال الخيرية، وأُطلق اسمها على ميدان في القاهرة، يعرف اليوم بـ«ميدان مصطفى كامل».

إلا أن النجاح السياسي الأكبر كان من نصيب عائلة قطاوي، التي توارثت الغنى والجاه والنفوذ جيلاً بعد جيل بدءاً من عميدها يوسف بن إسحق سمبري قطاوي في القرن الـ17، الذي ألّف كتاباً بالعبرية عن تاريخ مصر. وبعد يوسف جاء دور ابنه يعقوب الذي عينه الخديو عباس الأول رئيس الصرافين، واحتفظ بهذا المنصب لفترة طويلة، ثم لمع نجم ابنه مويز في مجالات البنوك والصيرفة والصناعة والتجارة والقضايا اليهودية. وخلف مويز في رفع لواء العائلة يوسف أصلان قطاوي (باشا) حفيد يعقوب وابن أصلان شقيق مويز، الذي حاز شهرة واسعة وثراءً كبيراً. ودخل يوسف الحقل السياسي، فأصبح عضواً في الهيئة التشريعية (البرلمان) بين 1915 و1921. ثم انتُخب في البرلمان اللاحق عام 1923 نائباً عن دائرة كوم أمبو (جنوب مصر) وتكرر انتخابه عنها مرات عدة. ثم دخل الحكومة وزيراً للمالية ثم للمواصلات، وأصبح عام 1927 عضواً في مجلس الشيوخ، وخلف يوسف جده رئيساً للطائفة في القاهرة حتى وفاته عام 1942. كذلك، أصلان قطاوي بك – ابن يوسف باشا – جمع السياسة إلى المال والأعمال فدخل مجلس الشيوخ، وكان رئيساً لمجلس إدارة «شركة قناة السويس». بينما تولى أخوه رينيه قطاوي بك إدارة «شركة كوم أمبو» وانتخب نائباً في البرلمان عن دائرة كوم أمبو. ثم خلف أباه رئيساً للطائفة اليهودية في القاهرة.

عائلة منشّه (منشّي/ ده منشه)، برزت في الإسكندرية وبدأت صعودها في حقل الصيرفة بالتعاون مع شركات آل سوارس وآل قطاوي. ومن أبرز أفرادها البارون يعقوب ده منشه (الذي وُلد في مصر عام 1810 وتوفي في الإسكندرية عام 1883). وعام 1869، عندما جاء إلى مصر إمبراطور النمسا، فرنسوا جوزيف، لحضور الاحتفال بافتتاح قناة السويس، كان البارون منشه، على رأس مستقبليه بصفته رئيساً للمصالح النمساوية والطائفة الإسرائيلية في مصر. وفي عام 1875، منحه الإمبراطور لقب بارون، الذي توارثه أبناؤه من بعده. وقد انتُخب جاك منشه عام 1903 رئيساً للطائفة في الإسكندرية.

السياسة والفن والصحافة

عودة إلى السياسة، كان هنري كورييل من أعمدة الفكر والتنظيم اليساري في مصر، وإليه تنسب بدايات الحركة الشيوعية فيها، التي تبلورت في تجمع «حدتّو» (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني). وفي المقابل نشط عدد من اليهود المصريين خصوصاً في دعم الحركة الصهيونية، بينهم إيلي ليفي أبو عسل، الكاتب والصحافي الذي كان يدعو صراحة للصهيونية عبر مؤلفاته ومقالاته الصحافية. إلا أن الشخصية الأهم سياسياً وثقافياً وفنياً، هي شخصية يعقوب صنّوع «أبو نظارة» (1839 ـ 1912) الذي ترك بصماته على الصحافة والتأليف والسخرية والمسرح، وكتب عنه وعن تأثيره في الثقافة المصرية المعاصرة الكثير. وكذلك لمع مراد فرج (توفي 1956) الشاعر والمؤلف والمترجم.

أما في مجالات الفن فاشتهر الموسيقار الكبير داود حسني، والمخرج توجو مزراحي، والمطربة والممثلة الكبيرة ليلى مراد (اعتنقت الإسلام فيما بعد) وشقيقها الملحن منير (موريس) مراد، والممثلة الكبيرة راقية إبراهيم ـ واسمها الحقيقي راشيل ليفي ـ والممثلات نجمة إبراهيم ونجوى سالم واستير شطاح وفيكتوريا كوهين.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




هل تهزم «براغماتية» ميتسوتاكيس «تعقيدات» التاريخ والجغرافيا؟

حكومته الثانية قد تحمل تحولات جوهرية في «شرق المتوسط»

يبدو رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس شخصية هادئة، لم تُعرف عنه الحدة قولاً أو فعلاً، ولم يُضبَط يوماً وهو يمارس سياسة القرارات الصادمة، بل أبدى خلال سنوات حكمه نمطاً «براغماتياً» يوازن بين إدارة تحولات بلاده، التي لا تزال مثقلة بأعباء أزمتها السابقة التي وصلت بها إلى حافة الإفلاس، وبين إدارة سياسة خارجية لا يتمتع من يديرها بأريحية كاملة. هذا السياسي المحافظ المعتدل مثقل، في الواقع، بأعباء وهموم تاريخية لطالما أدخلت اليونان في مواجهات مع جيران بالإقليم، وتعقيدات جغرافية كادت تؤجج جذوة حروب قديمة. لقد تعلم ميتسوتاكيس (55 سنة) من الأميركيين الذين تخرج في أرقى جامعاتهم (هارفارد) القدرة على إدارة المتناقضات. وتعوّد عبر عمله الطويل السابق في شركة «ماكينزي» الأميركية للاستشارات دقة الحسابات، والتحسب المسبق للخطر. وفي حين أكسبه ميراثه السياسي العائلي العريق (بما في ذلك كونه نجل كونستانتينوس ميتسوتاكيس، رئيس وزراء اليونان من 1990 حتى 1993) فهماً عميقاً للماضي وسطوته، فإنه لا يزال يحتفظ بذلك الشغف اليوناني القديم بالمستقبل وجرأته. واليوم، يعزّز ميتسوتاكيس موقعه السياسي، بشعبية كبيرة و«تفويض واضح» -كما وصفه هو نفسه- عقب فوز حزبه اليميني «الديمقراطية الجديدة» بغالبية مطلقة في الانتخابات اليونانية الأخيرة ما مكّنه من تأمين 158 مقعداً في البرلمان المكون من 300 مقعد، مقابل 47 مقعداً فقط لمنافسه اليساري حزب «سيريزا». ومن ثم، تبدو اليونان مقبلة على تحولات جوهرية تفرضها طبيعة المتغيرات العميقة في الإقليم، لا سيما في أعقاب الحرب الروسية – الأوكرانية، والتسابق الإقليمي والدولي على منطقة شرق المتوسط، التي باتت «بحيرة» الطاقة الواعدة في ظل اكتشافات الغاز الكبيرة خلال السنوات الأخيرة. وهذه الطاقة، وإن بدت أداة لصناعة مستقبل اقتصادي كبير لدول المنطقة، فهي في الوقت ذاته يمكن أن تكون عود الثقاب الذي يطلق الشرارة الأولى في منطقة معبأة برائحة الغاز وأعباء الماضي.

الولاية الحكومية الأولى لرئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس، التي بدأت عام 2019، اختتمت عقداً من الأزمات عانت اليونان خلاله تداعيات ثقيلة لما عُرفت بأزمة «الديون السيادية»، التي عصفت بالبلاد في أبريل (نيسان) 2010 حين عجزت عن سداد ديونها الخارجية. وآنذاك طلبت أثينا من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي إنقاذها من خطر الإفلاس والتخلف عن السداد عبر تفعيل خطة إنقاذ تتضمن تقديم قروض ضخمة مقابل تنفيذ أثينا إجراءات تقشف.

تلك كانت فترة مثقلة بأعباء استمرار خطة التقشف، لكنها أيضاً كانت فرصة لإعادة إطلاق مسار علاقات خارجية أكثر انفتاحاً لوريثة الحضارة الإغريقية، لا سيما في منطقة شرق المتوسط، واستعادة اليونان دورها كلاعب محوري في معادلة التأثير في منطقة تتعاظم أهميتها الجيو – استراتيجية والاقتصادية بشكل متسارع.

سياسات متوازنة

استطاع ميتسوتاكيس الاستثمار في الشراكات الثنائية لبناء سياسة خارجية إقليمية نشطة تقوم على الدبلوماسية، بعكس حكومة «جاره» الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي اتخذ نهجاً صدامياً مع جيرانه في المنطقة وحلفائه الغربيين، وهكذا حافظت اليونان على علاقات دفاعية وثيقة مع واشنطن وباريس. وبينما كان إردوغان يقود تركيا باتجاه تقارب كبير مع موسكو، كان ميتسوتاكيس يقود اليونان في الاتجاه المقابل نحو مزيد من الاندماج الغربي، مولّياً ظهره لميراث التقارب اليوناني – السوفياتي إبان حكومات أثينا اليسارية.

وبالفعل، نجحت اليونان خلال السنوات الأخيرة في بناء شبكة من التحالفات والعلاقات الوثيقة مع دول منطقة الشرق الأوسط، من دون أن تتورط في مشكلات المنطقة. وبناءً عليه، نجحت في تعزيز الروابط مع ليبيا على الرغم من الانقسام السياسي فيها، وتقديم المساعدة للبنان بعد انفجار مرفأ بيروت. لكن ربما جاء نجاحها الأكبر عبر صياغتها استراتيجية موازنة إقليمية من خلال التعاون مع دول الجوار الرئيسية مثل مصر وإسرائيل.

لقد مثّل التقارب اليوناني مع مصر في إطار «تحالف ثلاثي»، يضم قبرص إلى جانبهما، واحدة من قصص نجاح إدارة السياسة الإقليمية لحكومة ميتسوتاكيس الأولى، ومساراً يراهن عليه رئيس الوزراء اليوناني في حكومته الجديدة. ثم إن هذا التعاون الثلاثي يتجاوز إطار منتدى غاز شرق المتوسط الذي أُسس في مطلع 2019، وتستضيف القاهرة مقره الأساسي، وتشارك فيه اليونان ومصر وقبرص إضافةً إلى إيطاليا، والأردن، وفلسطين، وإسرائيل. وقد اكتسب المنتدى زخماً كبيراً مع حرص البنك الدولي على حضور جميع فعالياته، وكذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والإمارات العربية المتحدة بصفة مراقبين.

الدكتور عبد اللطيف درويش، أستاذ الاقتصاد وإدارة الأزمات بجامعة «كارديف متروبوليتان» البريطانية -المقيم في العاصمة اليونانية– أوضح في حوار مع «الشرق الأوسط» أن سياسة اليونان تجاه الشرق الأوسط، «سعت حقاً إلى تحقيق التوازن، اتساقاً مع الموقف الرسمي اليوناني والأوروبي الملتزم بحل الدولتين في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية» إلا أنه من الملاحَظ أن «التقارب مع الكيان الصهيوني والعلاقات قد فاقا كل الأزمنة من حيث التعاون العسكري والأمني والدفاعي وشراء الأسلحة والطائرات المسيّرة وغيرها من التجهيزات العسكرية الإسرائيلية وذلك بغرض مواجهة تركيا».

التوتر مع تركيا

محدد المواجهة مع تركيا يبدو أحد العناصر الرئيسية في صياغة تحركات اليونان الخارجية، سواء خلال عهد الحكومة الأولى لميتسوتاكيس، أو حتى في سنوات حكومته الثانية. وللتاريخ هنا تأثير لافت، وذاكرة الصراع بين أثينا وأنقرة تمثل عبئاً ثقيلاً على البلدين، لا سيما أن نوازع التوتر حاضرة بقوة، ومتوافرة طوال الوقت. وقد فرضت الطبيعة الجغرافية لانتشار الجزر اليونانية، التي لا يبعد بعضها عن الساحل التركي سوى كيلومترين فقط، حالة تماس دائم واشتباك محتمل.

وهنا يرى الدكتور درويش، أن الكثير من الدول الأوروبية والولايات المتحدة «تسعى إلى الضغط على الطرفين (تركيا واليونان) لخلق تقارب بهدف مواجهة موضوع اللاجئين واستغلال الثروات البحرية بين الطرفين وتيسير اللقاءات بين رئيس الوزراء اليوناني والرئيس التركي على هامش اجتماعات الناتو كبداية لإيجاد أرضية مشتركة… ومن هنا يمكن القول إن سياسة الحكومة اليونانية تتجه غرباً وتلتزم بالمواقف الأوروبية والأميركية».

ومن ثم، يذهب درويش إلى القول إن اليونان «رأت أن الخلاف المصري – التركي لمصلحتها ولا ترى في التقارب إيجابية، بل ترى أنها تخسر قوة يمكن أن تعينها وتفيدها في الصراع مع تركيا… ولكن يمكن القول إنه قد يساعد على إمكانية الاستفادة من الثروات البحرية من خلال خفض التوتر أو من خلال انضمام تركيا إلى منتدى غاز شرق المتوسط للغاز».

من جهة أخرى، مع أن جذور التوتر في العلاقات التركية – اليونانية تمتد إلى أمد بعيد، سواء في عهد الدولة العثمانية أو بعد تأسيس الجمهورية التركية، فإن تطورات الواقع في المنطقة تُبقي نوازع التوتر قابلة دوماً للاشتعال. ولقد اقتربت مياه منطقة شرق المتوسط من درجة الغليان في أغسطس (آب) 2020، عندما أصبحت المنطقة على أعتاب مواجهة عسكرية مباشرة بين تركيا واليونان، على خلفية مواصلة أنقرة التنقيب عن الغاز في المناطق المتنازَع عليها بالقرب من الجزر اليونانية. وما زاد من تعقيد الأوضاع التصادم البحري بين فرقاطة يونانية وأخرى تركية، أعقبه نشر فرنسا سفناً حربية لإجراء تدريبات مشتركة مع البحرية اليونانية، علاوة على نشرها مقاتلات فرنسية من طراز «رافال» في جزيرة كريت اليونانية. غير أن مساعي دبلوماسية متعددة، كان أبرزها تلك التي بذلتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (آنذاك)، أسهمت في نزع فتيل الأزمة ولو مؤقتاً.

وهنا يُبدي الدكتور أحمد قنديل، رئيس وحدة العلاقات الدولية ورئيس برنامج دراسات الطاقة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، تصوراً يقوم على أنه «رغم كل اعتبارات التوتر التي يمكن أن يقدمها السياق التاريخي للمنطقة، فإن ثمة متغيرات كثيرة تفرض نفسها على جميع الأطراف، ومن بينها الأزمات الاقتصادية التي باتت شبحاً يخيِّم على جميع دول العالم، في مرحلة ما بعد جائحة (كوفيد – 19) والحرب الروسية – الأوكرانية».

ويعتقد قنديل أن هناك أيضاً «تحولات لافتة باتجاه تقاربات إقليمية في منطقة شرق المتوسط، فضلاً عن إدراك كثير من صناع القرار أن إدارة العلاقات البينية وفق نموذج المصالح المشتركة هو الأفضل للجميع». ومن هنا يمكن بناء تصوّر يقول إن التقاربين المصري – التركي، واليوناني – التركي، اللذين انعكسا في أعقاب أزمة زلزال فبراير (شباط) الماضي يمكنان أن يكونا «خطوة على طريق يُفضي إلى نوع من التفاهمات نحو ترسيم الحدود البحرية التركية – اليونانية». وهو ما يراه قنديل «حجر زاوية في إرساء تفاهمات خفض التوتر في شرق المتوسط». هذا، ويتوقع الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن تسلك أثينا «مساراً تصالحياً» في هذا الشأن. «لأنه مع إعادة انتخاب ميتسوتاكيس، وكذلك إعادة انتخاب إردوغان، تبدو الحاجة إلى إجراءات لبناء الثقة العسكرية والأمنية بين البلدين، وربما ترسخت قناعة لدى قيادتي البلدين أن استمرار التوتر يحرم الجميع من الاستفادة من عوائد استغلال الثروات البحرية في المنطقة»، وهنا يمكن لـ«دبلوماسية الغاز» أن «توفر إطاراً فعالاً لحلحلة صراعات تاريخية مثل الأزمة القبرصية وترسيم الحدود البحرية، وإحراز تقدم في ملف تجنب عسكرة الجزر اليونانية القريبة من الحدود التركية»، وفي كل الأحوال «ستبقى اليونان لاعباً مهماً في معادلة الأمن والاستقرار في شرق المتوسط، وستحدد تحركات حكومتها في الفترة المقبلة الكثير من ملامح المستقبل»، حسب قنديل.

هوية جيو – سياسية جديدة

في سياق متصل، «المستقبل» كلمة لا تبدو دائماً حاضرة عند النظر إلى المشهدين السياسي والأمني في شرق المتوسط. إذ إن الماضي ربما يكون أكثر تأثيراً على طبيعة العلاقات داخل تلك المنطقة، كونه يفرض حضوراً طاغياً عند قراءة سطور ملف العلاقات اليونانية – التركية، أو القبرصية – التركية، أو العربية – التركية، أو العربية – الإسرائيلية. ولكن يبدو أن اليونانيين، الذي اهتموا منذ قرون بعيدة بقراءة المستقبل، باتوا أكثر ميلاً لاستشراف المستقبل. واليوم، ثمة أدوات ووسائل أخرى لبناء المستقبل، ومن الواضح أن حكومة ميتسوتاكيس تراهن على أن مستقبلها يتجه غرباً، رغم انخراطها تاريخياً في الشرق، حيث تقوم أثينا ببناء هوية جيو – سياسية جديدة كحصن للغرب في شرق المتوسط… ويرى كثيرون أنه يمكن إسناد مسؤوليات جديدة إلى اليونان في إطار تخطيط حلف شمال الأطلسي «ناتو» وأوروبا لمسارات الأمن الإقليمي.

ويذهب تحليل نشرته مجلة «فورين بوليسي» في سبتمبر (أيلول) 2020 إلى أن «أثينا تعيد إحياء نفسها كقوة دبلوماسية»، مستشهداً بتحركات يونانية مكثفة بين إسرائيل وفلسطين، وذهاب رئيس وزرائها في جولة إلى شمال أفريقيا شملت طرابلس والقاهرة، وتوثيق العلاقات الاقتصادية والعسكرية مع المملكة العربية السعودية، وتنشيط العلاقات الدبلوماسية مع ليبيا، والحفاظ على تنامي العلاقات بصورة غير مسبوقة مع مصر والأردن والإمارات وقبرص.

وحقاً، تسعى اليونان، التي تتمتع بموقع متميز بين ثلاث قارات، وتمتلك أكبر أسطول تجاري يعمل على مستوى العالم، ولديها في موانئ بيرايوس وتيسالونيكي وألكساندروبوليس «بوابات» للاتحاد الأوروبي ومنطقة البحر الأسود، إلى استغلال قدراتها تلك لتعزيز وجودها كقوة في شرق المتوسط، سواءً كمركز للطاقة بين الأسواق الأوروبية والمنتجين الإقليميين، أو كقوة عسكرية عبر تعزيز قدراتها بالتعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا.

وبالمناسبة، أعلن رئيس الوزراء اليوناني في منتصف سبتمبر (أيلول) 2020، عن «برنامج مهم» لتعزيز القدرات العسكرية للبلاد، يشتمل على شراء أسلحة بينها 18 مقاتلة «رافال» فرنسية، وأربع فرقاطات متعددة المهام، فضلاً عن تجنيد 15 ألف جندي إضافي، كما تخطط أثينا أيضاً لزيادة حجم إنفاقها العسكري خلال السنوات العشر المقبلة، ليصل إلى 10 مليارات يورو.

ثم إن اليونان، على الرغم من الأزمة المالية التي هزّتها خلال العقد الماضي، تأتي في مرتبة متقدمة بين الدول الأعضاء في «الناتو» من حيث نسبة الإنفاق العسكري بالنسبة لحجم الاقتصاد الوطني. فخلال العام الماضي، أنفقت اليونان نحو 2.29 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي على السياسات الدفاعية، علماً بأن متوسط حجم الإنفاق الدفاعي في دول الحلف (قبل الحرب في أوكرانيا) تراوح بين 1.2 و2 في المائة.

وأيضاً، تعاقدت اليونان مع الولايات المتحدة لشراء نحو 20 طائرة من مقاتلات «إف – 35» (الشبح)، مع إمكانية إضافة 20 طائرة أخرى في المستقبل، وانتشرت أنباء عن اتفاق بشأن مشاركة اليونان في برنامج تصنيعها، إلى جانب تعاقدها على ترقية 84 طائرة «إف – 16»، علاوة على شراء المسيّرات الأميركية «إم كيو – 9»، ووضع مشروع تصنيع طائرات مسيّرة يونانية الصنع على أجندة المرحلة المقبلة في إطار مواجهة المسيّرات التركية.

هذا، وتراهن اليونان في مسعاها لزيادة حضورها الإقليمي على علاقات تاريخية تجمعها مع واشنطن. إذ يبدو ملف العلاقات الأميركية مع أثينا واحداً من ملفات معدودة لا يختلف عليها الجمهوريون والديمقراطيون، وتتجه العلاقات بثبات نحو بناء «تحالف استراتيجي جديد» بين البلدين، يمكن أن يكون بمثابة بديل لتركيا… بل تشير تقارير أميركية عدة إلى أن هناك دراسة لاستخدام الجزر اليونانية بديلاً لقاعدة «إنغرليك» الجوية في تركيا. وما يُذكر أن أثينا كانت قد استغلت التوتر بين أنقرة وواشنطن لتوطيد علاقتها بالأخيرة. وفي 12 مايو (أيار) 2022 مدّدت اتفاقية دفاعية مبرمة مع واشنطن لمدة 5 سنوات، ما يسمح للجيش الأميركي بالوصول إلى 3 قواعد في البر الرئيسي لليونان إلى جانب وجوده العسكري في جزيرة كريت.

ومع استراتيجية واشنطن لدعم وحماية شرق أوروبا من التمدد الروسي، خصوصاً مع تفاقم الأزمة بين روسيا و«الناتو» بسبب الحرب في أوكرانيا، زادت واشنطن وجودها العسكري في رومانيا وبلغاريا واليونان. وهو ما دعا نيكولاس بيرنز، السفير الأميركي السابق لدى الناتو وأثينا وأستاذ السياسة الدولية بجامعة «هارفارد»، إلى وصف اليونان خلال فعالية على الإنترنت لـ«صندوق مارشال الألماني» في بروكسل عام 2021 بأنها «أهم شريك عسكري للولايات المتحدة في شرق المتوسط».

كذلك رأى وزير الخارجية السابق مايك بومبيو، الذي يعد أحد مهندسي الاتفاقية العسكرية مع اليونان، في تصريح له -بعد مغادرته منصبه– لصحيفة «كاثميريني» اليونانية في 29 مارس (آذار) 2022، أن «قاعدة كريت العسكرية الأميركية ستُغير موازين قوى المنطقة، وستؤمّن طرق التجارة البحرية العالمية». ومعلوم أن أثينا عززت أيضاً تحالفها مع أبرز شركائها التاريخيين في أوروبا، إذ وقَّعت مطلع العام الماضي مع فرنسا اتفاقية للتعاون العسكري يتضمن صد أي هجوم ضد إحداهما، وهذه الاتفاقية هي الثانية العسكرية بين الدولتين بعد توقيعهما في سبتمبر 2021 على اتفاقية الدفاع الثنائية.

هذه السياسة يراها الدكتور عبد اللطيف درويش «استمراراً لسياسات اليمين اليوناني على الصعيد العسكري»، حيث تسعى الحكومة إلى دعم قواها من خلال الانتشار العسكري الواسع في الجزر وشراء الأسلحة والطائرات من فرنسا والولايات المتحدة، بالإضافة إلى النجاح الدبلوماسي الذي «حال خلال السنوات الأخيرة دون حصول تركيا على طائرات F16 وF52 الأميركية وأنواع أخرى من التجهيزات العسكرية الغربية، الأمر الذي خلق توتراً مع تركيا». ولكن في المقابل يرى الدكتور أحمد قنديل أن تعزيز العلاقات اليونانية – الأميركية، وإن كان يمثل ركيزة لبناء منظومة الأمن اليونانية، فإنه قد «يمثل في الوقت ذاته أداة لإثارة مخاوف تركيا، واستدعاء استقطابات دولية في المنطقة».

كيرياكوس ميتسوتاكيس (إيبا إيفي)

محطات مهمة في تاريخ «شرق المتوسط»

> تبدو منطقة «شرق المتوسط»، وبخاصة على المسرح «اليوناني – التركي – القبرصي»، حافلة بالمحطات التاريخية ذات الدلالة، التي تسهم إلى اليوم في صياغة ملامح العلاقة بين أطراف المنطقة. ولعل من أبرز تلك المحطات ما يلي:

– يرجع توتر العلاقات بين اليونان وتركيا إلى تأسيس دولة يونانية مستقلة عن الإمبراطورية العثمانية عقب حرب الاستقلال اليونانية عام 1820، ومنذ ذلك الحين، لعبت العوامل القومية والدينية والجيو – سياسية دورها كمحفزات دائمة للتوتر بين الدولتين.

– تجدد الصراع بين تركيا واليونان، بعد مشاركة اليونان مع الحلفاء ضمن الحرب العالمية الأولى، في احتلال جزء من الأراضي التركية، وما جاء بعدها من «حرب تحرير» قادها مصطفى كمال «أتاتورك» انتهت بإنهاء «الاحتلال اليوناني» لغرب تركيا وتأسيس الدولة التركية عام 1923.

– بعد الحرب العالمية الثانية، ومن خلال «اتفاقية باريس 1947»، تخلّت إيطاليا عن سيادتها على 14 جزيرة في بحر إيجة لليونان، وهو ما أطلق خلافاً جديداً بين أنقرة وأثينا بسبب قرب هذه الجزر من السواحل التركية. وحتى الآن يبقي موضوع ترسيم الحدود البحرية بين تركيا واليونان في بحر إيجة وشرق المتوسط مشكلة دون حل جذري.

– عام 1966 اتخذ البرلمان التركي قراراً يفيد بأن إعلان اليونان مد حدودها البحرية في بحر إيجة إلى 12 ميلاً بحرياً يعني «إعلان حرب» بين البلدين.

– في 20 يناير (كانون الثاني) 2021 أعلن رئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس مد الحدود البحرية لليونان في البحر الأيوني (جنوب بحر إيجة) إلى 12 ميلاً بحرياً، مع الاحتفاظ بحق اليونان في توسيع هذا الحق إلى بحر إيجة لاحقاً.

– عام 1974 قُسمت جزيرة قبرص عندما غزت تركيا ثلثها الشمالي، رداً على الانقلاب اليميني الذي وقع في الجزيرة بدعم من حكام اليونان العسكريين الانقلابيين.

– في ديسمبر (كانون الأول) 2019 وقّعت تركيا اتفاقية مع «حكومة الوفاق الوطني» الليبية، لترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة بين تركيا وليبيا في البحر المتوسط، وهو ما رفضته مصر واليونان وقبرص.

– في 9 يونيو (حزيران) 2020 أبرمت إيطاليا واليونان اتفاقية لتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة بين الدولتين، ومثّلت الاتفاقية أهمية كبيرة لأنه يمكن استخدامها لتقويض اتفاق تركيا مع «حكومة الوفاق الوطني» الليبية.

– في 6 أغسطس (آب) 2020، وقّعت مصر واليونان اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية بينهما بعد ما يقرب من 13 جولة تفاوضية خلال أكثر من 15 سنة. وتسهم الاتفاقية في إضفاء شرعية قانونية ودولية على كل الأنشطة البحرية المتعلقة باستغلال الثروات الطبيعية في المنطقة المشمولة بالاتفاق، كما أنها تؤمّن حقوق البلدين في أي اكتشافات مستقبلية للغاز في تلك المنطقة، وأعلنت تركيا اعتراضها على الاتفاق. مثّل التقارب اليوناني مع مصر في إطار «تحالف ثلاثي» يضم قبرص إلى جانبهما واحدة من قصص نجاح إدارة السياسة الإقليمية لحكومة ميتسوتاكيس الأولى

أسامة السعيد

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




تفجيرات واغتيالات في الجزائر لكن «الحرب الأهلية ما زالت بعيدة»

السفير البريطاني: الإرهابيون لن ينجحوا في تحويل الجزائر إلى بلد لا يمكن حكمه (3 من 3)

فيما كانت بريطانيا تناقش كيفية تعاملها مع الإسلاميين المتشددين واستقبالهم، وتحلل «اعترافات» المتورطين في تفجيرات إرهابية لتحديد ما إذا كانت قد انتُزعت منهم تحت التعذيب أم لا، لم يكن هناك من شك أن الجزائر كانت تشهد، منذ بداية تسعينات القرن الماضي، حقبة دموية امتدت لسنوات وباتت تُعرف لاحقاً بـ«العشرية السوداء».

فقد كانت تتوالى يومياً أخبار التفجيرات والاغتيالات التي تقوم بها جماعات مسلحة ضد قوات الأمن على وجه الخصوص، ولكن أيضاً ضد المثقفين والإعلاميين والنقابيين الذين يُنظر إليهم على أنهم يساندون الحكم الجزائري. كان مناصرو «الجبهة الإسلامية للإنقاذ»، الحزب الإسلامي الذي كان على وشك الفوز بالسلطة قبل إلغاء الانتخابات في يناير (كانون الثاني) 1992، يقفون وراء كثير من عمليات العنف تلك، كما حصل في تفجير مطار هواري بومدين بالعاصمة الجزائرية في أغسطس (آب) من ذلك العام.

لكن كانت هناك أيضاً جماعات مسلحة أخرى تتخذ مواقف أكثر تشدداً بكثير من «جبهة الإنقاذ» وتقوم ببعض أبشع عمليات العنف التي شهدتها البلاد في تلك الحقبة، برز منها آنذاك «الجماعة الإسلامية المسلحة» (الجيا) التي نجحت لاحقاً (عام 1994) في توحيد جزء من «الإنقاذ» وجماعات أخرى تحت رايتها في إطار ما عُرف آنذاك بـ«لقاء الوحدة». بدت الجزائر في ظل الاغتيالات والتفجيرات شبه اليومية كأنها ذاهبة إلى «حرب أهلية». ظهر انطباع أيضاً بأن الإسلاميين المتشددين يمكن أن ينجحوا في الاستيلاء على السلطة وإطاحة الحكومة المدعومة من الجيش والتي تولّت الحكم عقب تنحي الرئيس آنذاك الشاذلي بن جديد.

كانت تلك إلى حد كبير الصورة التي بدت بها الجزائر آنذاك، على الأقل في كثير من وسائل الإعلام الدولية. لكنها كانت صورة خاطئة، كما أكد السفير البريطاني لدى الجزائر كريستوفر باتيسكوم. أقر السفير، في مراسلات مع وزارة الخارجية بلندن (محفوظة في الأرشيف الوطني البريطاني)، بأن الجزائر تشهد بالفعل أحداث عنف دامية، لكنه تحدث أيضاً عن «الحياة العادية» التي تعيشها العاصمة الجزائرية، مضيفاً أن «الحرب الأهلية» التي يجري الحديث عنها «ما زلنا بالتأكيد بعيدين (عنها) جداً».

عنصر أمن يوقف رجلين من الإسلاميين المشتبه بهم عقب صلاة الجمعة في باب الوادي بالعاصمة الجزائرية يوم 31 يناير 1992 (أ.ف.ب / غيتي)

وبالإضافة إلى قضية الوضع الأمني، تكشف مراسلات السفير أيضاً أن البريطانيين كانوا يبدون آنذاك «تحفظاً» في مواجهة ضغوط فرنسية لتقديم مساعدات مالية من المجموعة الأوروبية للحكومة الجزائرية. وكما هو معروف، كانت السلطات الجزائرية بحاجة ماسة آنذاك لتلك المساعدات، سواء لجهة تمويل حربها ضد الجماعات المسلحة أو لجهة إطلاق مشروعات يمكن من خلالها إرضاء شرائح من المواطنين الذين يمكن أن يستقطبهم الإسلاميون في ظل تردي الأوضاع في البلاد.

الوضع الداخلي في الجزائر

كتب السفير كريستوفر باتيسكوم، في الأول من مارس (آذار) 1993، رسالة إلى أس. فولر في قسم الشرق الأدنى وشمال أفريقيا بوزارة الخارجية في لندن، قائلاً:

«الوضع الداخلي في الجزائر

1- جزيل الشكر لرسالتكم في 17 فبراير (شباط) بخصوص المراجعة السنوية ولملاحظاتكم التي تمتدح تقريرنا عموماً.

2- أتفق إلى حد كبير مع ما تقول في الفقرة 2 من رسالتكم بخصوص الحالة الأمنية. مستوى الأحداث الإرهابية بقي إلى حد كبير من دون تغيير على مدى الشهور الـ12 الماضية مع تسجيل سيل ثابت من الهجمات الخفيفة، واغتيالات الشرطيين، وتفجيرات في أماكن عامة… إلخ، تقطعها أحداث كبيرة أحياناً، على غرار قنبلة المطار في أغسطس (آب)، والكمين الذي قُتل فيه 5 شرطيين في ديسمبر (كانون الأول)، وقتل 4 شرطيين آخرين بهجوم بالرشاشات في الجزائر العاصمة الشهر الماضي، ومحاولة الاغتيال الفاشلة ضد الجنرال نزار (الجنرال خالد نزار، وزير الدفاع آنذاك). أشك كثيراً فيما إذا كان يمكن أبداً للسلطات أن تضع حداً لمثل هذه الحوادث، أكثر مما يبدو أن السلطات الأمنية البريطانية قادرة على منع الهجمات الإرهابية للجيش الجمهوري الآيرلندي في المملكة المتحدة. ولكن في حين أن الوضع الأمني في الجزائر بدا، قبل سنة أو نحو ذلك، كأنه متجه للانفلات كلياً، يبدو لي الآن أن الإرهابيين لن ينجحوا في تحويل الجزائر إلى بلد لا يمكن حكمه أو إرغام الحكومة على تغيير جذري في مسارها. ورغم استمرار حظر التجول وانتشار حواجز التفتيش التي يحرسها شرطيون تبدو عليهم معالم القلق، أعتقد أن معظم زائري الجزائر العاصمة يفاجأون بالحياة العادية بشكل عام هنا. ما زلنا بالتأكيد بعيدين جداً عن الحرب الأهلية التي غالباً ما نرى مكتوباً عنها في تحليلات الصحف الغربية.

قادة جبهة الإنقاذ وبينهم عباسي مدني وعلي بن حاج في 13 مارس 1990 في البليدة (غاما-رافو غيتي)

3- من الواضح أن على المرء أن يضع عدداً من التحفظات (عن هذه الخلاصات). التقارير عن الحوادث الأمنية التي نقرأ عنها في الصحف غير كاملة بشكل واضح ومصممة لطمأنتنا بأن الحكومة لها اليد الطولى. نحن لا نتجول كثيراً في المناطق الشعبية بالعاصمة، ولا في المدن الأخرى، ولا نحتك بالدوائر الإسلامية. توقعاتي أنه رغم كل ما حصل فإن التأييد الشعبي للجبهة الإسلامية للإنقاذ يبقى قوياً، وهذا يبدو ما يؤكده تردد الحكومة في المخاطرة بأي نوع من الانتخابات. لكنني أسجل مدى إعجابي بالطريقة التي واصلت فيها قوات الأمن أعمالها خلال سنة بالغة الصعوبة وبطريقة محافظتها على معنوياتها رغم المشاكل التي كان عليها التعامل معها ومع استمرار الهجمات عليهم (عناصر قوات الأمن). كما أنهم حققوا عدداً من النجاحات اللافتة. معركتهم مع الإرهابيين من المرجح أن تستمر لبعض الوقت ويبقى فيها التوازن بين الطرفين. لكنني أواصل الاعتقاد بأن قوات الأمن هي التي تتفوق تدريجياً (كما قلت في مراسلتي) وليس العكس، رغم أنني لا أتوقع أن يكون النجاح سريعاً، وقد يكون، كما أفترض، هذا النجاح قابلاً لأن ينعكس.

4- إنني أتفق، أو على الأقل أقبل، النقاط الأخرى التي وردت في رسالتكم لكنني سأبدي ملاحظة واحدة بخصوص الفقرة 4. النقطة الآنية التي تشكل محور القضية ستكون على الأرجح ليس كمية الأموال الجديدة من المجموعة الأوروبية (رغم أنني أوافق على أن الفرنسيين ربما سيضغطون من أجل هذا أيضاً) لأن الإفراج عن الدفعة الثانية من مدفوعات القرض من المجموعة الأوروبية يبدو أنه جعل هذه المسألة مشروطة باتفاق مع صندوق النقد الدولي، والإفراج المماثل عن قرض بـ70 مليون وحدة مالية أوروبية لمساعدة برنامج الحكومة لبناء المساكن. لقد اتخذت حتى الآن موقفاً متحفظاً من هاتين المسألتين، لكن ليس لدي شك في أننا سنواجه ضغطاً منسقاً ليس في وقت بعيد من أجل أن نكون أكثر مرونة. سي. باتيسكوم».

طالبات في العاصمة الجزائرية… الحياة عادية في نظر البريطانيين رغم تصاعد أعمال العنف في بدايات تسعينات القرن الماضي (سيغما / غيتي)

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الوحدة المالية الأوروبية (The European Currency Unit (ECU)) كانت آنذاك وحدة قياس للعملة في أوروبا قبل اعتماد عملة «اليورو» وقبل تحوّل المجموعة الأوروبية إلى الاتحاد الأوروبي. ودعا البروتوكول الرابع للمجموعة الأوروبية (يغطي الفترة من 1992 إلى 1996) إلى معاملة أكثر سخاء إزاء الدول المتوسطية مثل الجزائر والمغرب وتونس. وزاد البروتوكول إنفاق المجموعة الأوروبية بـ28 في المائة عما كان في البروتوكول الثالث، وقدّم تمويلاً لمشروعات تقوم بها الجزائر وشركاؤها في اتحاد المغرب العربي. وسمح البروتوكول الرابع أيضاً للجزائر بالحصول على قروض أكبر والسحب من مخصصات بـ70 مليون وحدة عملة أوروبية، مقارنة بـ54 مليون وحدة أوروبية في البروتوكول الثالث. وجاء ذلك التحرك آنذاك بموازاة تحرك موازٍ على خط البنك الدولي الذي زاد مساعداته للجزائر في إطار برنامج للإصلاح الاقتصادي.

وليس واضحاً في الواقع سبب التحفظ البريطاني عن التحرك الفرنسي لتقديم المساعدات المالية الأوروبية للجزائر. لكن المعروف أن الإسلاميين المتشددين كانوا يوجهون اتهامات آنذاك للدول الأوروبية التي تقدم دعماً للحكومة الجزائرية بأنها تدعم «حكم العسكر». كما وجّه متشددون تهديدات بالانتقام من الدول التي تقدّم مساعدات للسلطات الجزائرية، وهو أمر قد يكون أثار مخاوف لدى بعض الدول التي خشيت أن تقديمها مساعدة للجزائر يمكن أن يؤدي إلى قيام متشددين بتنفيذ اعتداءات على مصالحها أو رعاياها.

كميل الطويل

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




مصير الصناعة الدفاعية السودانية بعد حرب الجنرالين

تنتج المدرعات والطائرات والمدفعية والقذائف الموجهة

بدأت الصناعة الدفاعية في السودان تستقطب الانتباه عقب قصف الطيران الحربي الإسرائيلي لـ «مجمع اليرموك الصناعي» التابع لـ«هيئة التصنيع العسكري» السودانية، في أكتوبر (تشرين الأول) 2012، ثم عادت الأنظار لتتركز عليها مجدداً بعد إعلان قوات «الدعم السريع» السيطرة على مجمع اليرموك العسكري في 8 يونيو (حزيران) الماضي، الذي يعد أحد أكبر مجمعات الصناعة العسكرية السودانية.

ولا تعد الصناعة العسكرية والحربية حديثة في السودان. فقد بدأ تأسيسها منذ عام 1959، أي بعد الاستقلال بأقل من ثلاث سنوات، في إطار ما عرف بـ«مجمع الشجرة الصناعي»، والمعروف اليوم بـ«مصنع الذخيرة»، لإنتاج مجموعة متنوعة من ذخائر الأسلحة الصغيرة، لتلبية احتياجات الجيش والقوات النظامية الأخرى، والذي أصبح جزءاً من «هيئة التصنيع الحربي» التي تأسست عام 1993، وعرفت لاحقاً بـ«منظومة الصناعات الدفاعية».

صناعات عسكرية ومدنية

ومنظومة الصناعات الدفاعية مؤسسة حكومية تابعة للقوات المسلحة، وتضم داخلها عدداً من المصانع والصناعات والاستثمارات العسكرية وغير العسكرية، وتنتج مجموعة كبيرة من الأدوات الدفاعية، بما في ذلك الأسلحة والذخائر والمدرعات والدبابات والطائرات والمدفعية، إلى جانب صناعات ذات طابع مدني، مثل صناعة السيارات والجرارات والأجهزة الكهربائية ومواد البناء وغيرها، ويديرها حالياً اللواء ميرغني إدريس، تحت إشراف وزارة الدفاع.

آليات عسكرية للجيش السوداني بأحد شوارع العاصمة السودانية الخرطوم يوم 26 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

وتنقسم المنظومة إلى عدد من المجمعات الموزعة حول العاصمة الخرطوم، وأهمها «مجمع اليرموك العسكري»، الذي افتتح عام 1996، ويقع في منطقة حصين، جنوبي العاصمة الخرطوم، بالقرب من مستودعات المواد البترولية الرئيسية، ويخضع لإجراءات سرية مفرطة. وكان مقرراً وقتها أن ينتج المعدات ذات الاستخدام المزدوج، بما في مواد البناء والنقل والصناعة التحويلية، تحت إدارة جهاز الأمن والمخابرات الوطني، لكن بعد تطور العلاقات السودانية الإيرانية، نشأت علاقة تعاون عسكري، دعمت إيران بموجبه إنتاج الأسلحة في السودان، وكان مجمع اليرموك رأس الرمح في هذه العملية.

قصف إسرائيلي

ثم فوجئ السودانيون ليلة 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2012 بانفجار هائل جنوبي الخرطوم، وقيل وقتها إن الطيران الإسرائيلي قصف المجمع العسكري. وأعلن السودان آنذاك، وعلى لسان وزير إعلامه أحمد بلال عثمان، أن بلاده سترد في الزمان والمكان المناسبين على الهجوم الإسرائيلي، واعتبر القصف الذي تعرض له المصنع منافياً للأعراف الدولية. ولم تعلق إسرائيل رسمياً على العملية، لكن المسؤول في وزارة الدفاع الإسرائيلية عاموس جلعاد، وصف السودان في اليوم التالي للقصف بأنه «دولة إرهابية خطيرة»، واتهمه بنقل السلاح الإيراني إلى من أطلق عليهم «الإرهابيين الفلسطينيين» من حركتي «حماس والجهاد الإسلامي»، عبر سيناء المصرية.

ألسنة اللهب تتصاعد بعد قصف مصنع اليرموك للأسلحة في الخرطوم في أكتوبر 2012 (إ.ب.أ)

ولاحقاً، أعاد الجيش السوداني ترميم المصنع وتطويره بسرية تامة. لكنه عاد مرة أخرى إلى واجهة الأحداث في 8 يونيو (حزيران) الماضي، عقب إعلان قوات «الدعم السريع»، التي تخوض حرباً مع الجيش السوداني منذ 15 أبريل (نيسان) الماضي، السيطرة على المصنع المهم والاستيلاء على عدد كبير من الذخائر والمعدات، ونشرها فيديوهات تؤكد مزاعمها.

إنتاج دبابات ومدرعات

المجمع الثاني ضمن المنظومة هو مجمع «الشهيد إبراهيم شمس الدين للصناعات الثقيلة»، وأطلق عليه اسم العميد شمس الدين، أحد أشهر وأشرس قادة انقلاب الإسلاميين، والذي لقي حتفه في حادث طائرة أثناء الحرب مع قوات جنوب السودان بقيادة الراحل جون قرنق دمبيور. وأنشئ هذا المجمع في عام 2002، داخل مدينة جياد الصناعية جنوب شرقي الخرطوم، لتصنيع وصيانة المركبات المدرعة والمركبات الصناعية الثقيلة.

ويؤكد موقع «منظومة الصناعات الدفاعية» على «فيسبوك» أن مجمع شمس الدين ينتج عدداً من الدبابات الحديثة، وأشهرها «الدبابة الزبير»، إلى جانب الدبابة «البشير» وغيرها من أنواع الأسلحة صينية المنشأ، التي يعاد تصنيعها في السودان.

القوة الثالثة في أفريقيا

ووفقاً لما نشرته مجلة (Military watch) في 2022، فإن السودان أصبح ثالث أكبر قوة عسكرية أفريقية، ويملك صناعة عسكرية رائدة، وأصبحت قواته من أفضل القوات تجهيزاً، وإن السودان أعاد إنتاج الدبابة الصينية (T96) وأطلق عليها اسم «البشير»، وطور طريقة التلقيم الخاصة بها لتصبح آلية، وطور طريقة توجيه القذائف إلى التوجيه بالليزر وتزويدها بمناظير رؤية ليلية، وزودها بمدفع 125 ملم، مما جعلها الأقوى بين مثيلاتها في الخدمة، والأفضل في مواجهة الدروع.

وفي فبراير (شباط) 2023، أعلنت منظومة الصناعات الدفاعية السودانية المشاركة في معرض «إيديكس» بدورته السادسة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وقالت إنها شاركت بنحو 144 منتجاً عسكرياً، تتضمن الأسلحة والذخائر وتسليح الطيران والمركبات القتالية المدرعة وأجهزة الاتصالات، والطائرات المسيَّرة، والمواد الدافعة والمتفجرة، وخدمات تأهيل وصيانة الطائرات، وذلك وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء الرسمية «سونا» وقتها.

السودان أعاد انتاج الدبابة الصينية (T96) وأطلق عليها اسم “البشير” (الرئيس السابق) (أ.ف.ب)

وفي 22 أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت قوات «الدعم السريع» سيطرتها على «مجمع جياد للصناعات»، لكن الجيش نفى تلك المزاعم، وقال إنه يسيطر على المجمع الصناعي المهم. لكن الشهود يقولون إن مراكز سيطرة قوات «الدعم السريع» تنتشر في المكان وعلى طول الطريق المار أمام المجمع.

إلى جانب المجمعين، «اليرموك» و«شمس الدين»، ينتج «مجمع الزرقاء الهندسي»، الذي افتتح عام 2004 شمالي الخرطوم بحري في منطقة «حلفايا»، الأجهزة الإلكترونية والكهربائية والبصرية للجيش السودان، وفي الوقت ذاته يشارك في سوق الاتصالات السودانية، وينتج البرمجيات ونظم التتبع الآلي، وماكينات الدفع الإلكتروني وعدادات المياه، إضافة إلى تصميم البرمجيات العسكرية وغيرها، وهو من المواقع التي تزعم قوات «الدعم السريع» السيطرة عليها. ونقل شهود عيان أن المجمع تعرض لتدمير ونهب واسعين أثناء وبعد العمليات القتالية بين الطرفين.

إنتاج الطائرات والسيارات

ويعد «مجمع الصافات للطيران» أحد أذرع منظومة الصناعات الدفاعية السودانية المهمة. وقد تأسس في 2005 لدعم القوات الجوية السودانية، والحفاظ على قدرات الطيران العسكري السوداني، ويقع شمالي أم درمان. وبدأ هذا المجمع عمله بصيانة وتأهيل الطائرات المدنية والعسكرية، وتطور إلى ترقية الطيران، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 أعلنت منظومة الصناعات الدفاعية إنتاج طائرة سودانية بنسبة مائة في المائة في «مجمع الصافات»، وقالت إن المجمع يمتلك ثلاثة مراكز لصيانة الطائرات الثقيلة والمروحيات وتطوير وتصنيع طائرات الهيلكوبتر، وإنه يعمل بالتعاون مع أوكرانيا على إنتاج طائرات إليوشن وأنتونوف، ومروحيات ومقاتلات من طرز مختلفة.

وبدأ إنتاج الطائرات في «صافات» عام 2009، بإنتاج طائرة التدريب ذات المقعدين (SAFAT-03) المعتمدة على تصميم الطائرة الصربية (UTVA 75)، ثم أنتج الطائرة المطورة (SAFAT- 03)، إضافة إلى تجميع الهليكوبتر الخفيفة (SAFAT 02) المبنية على تصميم (Aerokopter AK1-3) الأوكرانية.

وتتبع لمنظومة الصناعات الدفاعية العديد من المؤسسات المدنية والاستثمارية الأخرى، بما في ذلك «مصنع جياد للسيارات»، والذي ينتج سيارات كورية وصينية من طرز مختلفة، إلى جانب استثمارات في المطاحن والمسالخ، وغيرها من الأعمال المدنية التي تديرها المنظومة، وفقاً لمركز «الحاكم نيوز» الموالي لجهاز المخابرات السوداني.

ودارت معارك سجالية بين الحكومة المدنية بقيادة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وقيادة الجيش السوداني، على ملكية الأصول المدنية، وخضوع استثمارات الجيش لوزارة المالية الاتحادية، وأعلن وقتها أن قيادة الجيش وافقت على الخروج من الأنشطة ذات الطابع المدني، وأن تخضع المنشآت ذات الطابع العسكري لوزارة المالية. إلَّا أن انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021 أطاح بتلك الاتفاقات، وزاد الطين بلة نشوب الحرب بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، المالكين للمنظومة بنسبة 70 في المائة للجيش، و30 في المائة لـ«الدعم السريع».

وتلقت المنظومة ضربة قاسية إثر نشوب الحرب بين الجيش وقوات «الدعم السريع» منتصف أبريل (نيسان) الماضي، بفرض عقوبات على شركة «ماستر تكنولوجي» المنتجة للأسلحة والمركبات العسكرية، و«هيئة التصنيع الحربي»، التي تنتج معدات وأسلحة للجيش السوداني، بينما ظلت المنظومة شبه معطلة منذ اندلاع القتال بين القوتين المتصارعتين، إذ تقع معظم مواقعها في المناطق التي تنتشر فيها قوات «الدعم السريع»، ما عدا «مجمع الصافات» غربي أم درمان، الذي تسيطر عليه القوات المسلحة.

ولا يعرف ما هي أوضاع المصانع والورش التابعة لـ«هيئة التصنيع الحربي» بعد العمليات القتالية العنيفة التي دارت داخلها أو حولها، لكن الحرب في شهرها الرابع، أثرت حتماً بشكل أو آخر على قدرات السودان العسكرية التي كانت تؤهله ليكون «القوة العسكرية الثالثة أفريقياً».

أحمد يونس

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




الاختناق الحراري يحاصر أوروبا وسط دعوات لتسريع خطط التكيّف

مسؤول في الاتحاد الأوروبي حذّر من تأثير ارتفاع درجة حرارة مياه الأطلسي

في الوقت الذي ما زالت مقاطعات الشمال الإيطالي تجهد لاستعادة دورة الحياة الطبيعية وتعويض الخسائر الفادحة التي خلّفتها الفيضانات غير المسبوقة التي شهدتها منتصف مايو (أيار) الماضي، تعيش مقاطعات الجنوب والجزر المتوسطية حالة من شبه الاختناق الحراري الناجمة عن ارتفاع قياسي في درجات الحرارة دفع بالسلطات الصحية إلى إعلان حالة الطوارئ في عدد من المستشفيات ودور العجزة، بعد تكرر الإصابات الخطرة بين المسنين، الذين يعانون من أمراض تنفسية، والتوقعات باستمرار موجة الحر الشديد حتى أواخر الأسبوع المقبل.

وقد أفادت بلدية العاصمة روما بأن عشرات السياح تمّ نقلهم إلى المستشفيات بعد إصابتهم بحالات إغماء خلال انتظارهم تحت الشمس في طوابير الدخول إلى المعالم السياحية مثل «الكولوزيوم» وغيره من الآثار الرومانية، فيما كان المركز الأوروبي للأرصاد الجوية «كوبرنيكوس» يحضّ الحكومات على الإسراع في زيادة طموحات وفاعلية خطط التكيّف مع الارتفاع في درجات الحرارة، «لأن الاحترار المناخي إلى ازدياد مطرد من المستبعد جداً أن يتوقف في المستقبل المنظور».

سياح لجأوا إلى الظل في فينيسيا (رويترز)

في حديث خاص مع «الشرق الأوسط»، قال مدير مركز تغيّر المناخ في الاتحاد الأوروبي كارلو بونتمبو: «للمرة الأولى في سجل الأرصاد الجوية الأوروبية، تحطّم الرقم القياسي لمتوسط درجة الحرارة اليومية للأرض مرتين في أسبوع واحد، وذلك بسبب الاحترار العام الناجم عن الأنشطة البشرية وما يرافقه من ظواهر مناخية قصوى ومتقاربة زمنياً».

ويقول بوتمبو، إن موجة الحر التي تشهدها أوروبا حالياً مرشحة للتفاقم بسبب تزامنها مع ظاهرة مناخية أخرى لا تقل خطورة، هي الارتفاع الشديد في درجة حرارة مياه شمال المحيط الأطلسي، ويضيف: «دخلنا في منطقة مجهولة لا نعرف ما يمكن أن تحمل وراءها من تداعيات».

وبعد أن يذكّر بونتمبو أنها ليست المرة الأولى، وقطعاً لن تكون الأخيرة، التي يجد الخبراء أنفسهم أمام مثل هذه الأوضاع المناخية المجهولة، يقول: «لا أحد بين البشر الأحياء اليوم شهد مثل هذا المناخ الذي نشهده حالياً، وبات من الضروري أن يدرك العالم، والمسؤولون بشكل خاص، أن التغيّر المناخي لن يحصل في السنوات المقبلة، أو بعد عقود من الآن، بل هو يحصل أمام أعيننا، وأن المناخ أصبح مختلفاً كلياً عن الذي عرفه آباؤنا وأجدادنا، وسيكون مختلفاً أكثر على عهد أولادنا وأحفادنا».

سيدة تستفيد من مياه النافورة لمكافحة ارتفاع درجات الحرارة في تورين (إ.ب.أ)

ويقول مدير المركز الأوروبي لتغيّر المناخ إن درجات حرارة البحار في العالم شهدت ارتفاعاً لا سابقة له في شهر مايو (أيار)، وإن هذه الظاهرة استمرت في الشهر الماضي، حيث كان معدل ارتفاع حرارة مياه الأطلسي 1.36 درجة، «وهو أمر غير مألوف ما زال يحيّر الخبراء الذين لم يتمكنوا بعد من تحديد أسبابه بدقة». ويرجّح بونتمبو أن من بين عوامل هذا الارتفاع، التغيير المفاجئ الذي طرأ على دورة الهواء في الفضاء، والتأثير الواضح لتغيّر المناخ الناجم عن الكثافة المتزايدة لغازات الدفيئة. ويعتقد بونتمبو أنه من غير الارتفاع غير المسبوق في درجة حرارة مياه شمال الأطلسي، لما كانت أوروبا تشهد مثل هذه الأرقام القياسية في درجات الحرارة.

أعلنت بعض المستشفيات في إيطاليا الطوارئ بسبب ارتفاع درجات الحرارة (أ.ب)

ويعزو خبراء المركز الأوروبي لتغيّر المناخ بعض أسباب هذا الوضع إلى نهاية ظاهرة «لا نينيا» وبداية ظاهرة «إل نينيو»، التي من خصائصها زيادة درجة حرارة المناطق المدارية في المحيط الهادئ، والتي لها انعكاسات مناخية على الصعيد العالمي. ويذكّر الخبراء أن المناخ العالمي كان تحت تأثير ظاهرة «لا نينيا» طوال السنوات الثلاث الماضية، ما أدّى إلى انخفاض درجات الحرارة الذي خفّف من تداعيات التغيّر المناخي. وكانت وكالة الأمم المتحدة للأرصاد الجوية قد أفادت مؤخراً بأن الظروف أصبحت مواتية لبداية ظاهرة «إل نينيو»، التي يرجح أن تكون خلال الشهر الحالي، حيث من المنتظر أن تسجّل درجات الحرارة أرقاماً قياسية جديدة.

صف طويل من السياح ينتظرون زيارة الأكروبوليس في أثينا الجمعة (رويترز)

ويقول بونتمبو إنه مع ظهور «إل نينيو» في عام 2016، شهد العالم أعلى درجات للحرارة منذ أن بدأ التسجيل الموثوق أواسط القرن التاسع عشر، ويضيف: «ثمة توقعات بنسبة 98 % في أن يشهد العالم خلال إحدى السنوات الخمس المقبلة تحطيم الرقم القياسي لدرجة الحرارة التي بلغها عام 2016».

وإذ يؤكد بونتمبو أن درجات الحرارة التي نشهدها اليوم في أوروبا هي الأعلى منذ 70 عاماً، استناداً إلى سجلات المركز الأوروبي لتغيّر المناخ، يرجح أن تكون الأعلى منذ 150 عاماً أو ربما أكثر.

شوقي الريس

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




إسرائيل تستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي في عملياتها العسكرية المميتة

كشف تقرير صحافي أن الجيش الإسرائيلي يستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي لاختيار أهداف الضربات الجوية وتنظيم الشؤون اللوجيستية في العمليات العسكرية المميتة التي ينفذها بفلسطين وضد إيران.

ونقل التقرير الذي نشرته وكالة «بلومبرغ» للأنباء، عن مسؤولين عسكريين قولهم إن الجيش يستخدم الآن نظام توصية بالذكاء الاصطناعي يمكنه معالجة كميات هائلة من البيانات لتحديد أهداف للضربات الجوية، كما يستخدم نموذجاً يسمى «Fire Factory»، يعتمد على هذه البيانات حول الأهداف لاقتراح جدول زمني للقيام بالضربات وحساب أحمال الذخيرة، وتحديد الأولويات والضربات التي ستنفذها الطائرات والمسيرات.

وفي حين أن كلا النظامين يخضع للإشراف من قبل مشغلين بشريين يقومون بفحص الأهداف الفردية وخطط الغارات الجوية والموافقة عليها، وفقاً لمسؤول في الجيش الإسرائيلي، لا تزال التكنولوجيا غير خاضعة لأي تنظيم على المستوى الدولي أو الحكومي.

وقال الكولونيل أوري، الذي يرأس وحدة التحول الرقمي بالجيش والذي تحدث في مقر الجيش الإسرائيلي في تل أبيب، شريطة الكشف عن اسمه الأول فقط: «ما كان يستغرق ساعات للتخطيط له الآن يستغرق دقائق، مع بضع دقائق أخرى تخضع فيها البيانات للمراجعة البشرية».

وشدد المسؤولون العسكريون الذين تحدثوا إلى «بلومبرغ» على أن النظام مصمم خصيصاً لـ«الحروب الشاملة».

وفيما يمكن أن تتجاوز أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة القدرات البشرية وقد تساعد الجيوش في تقليل الخسائر، إلا أن الاعتماد على هذه الأنظمة المستقلة قد يؤدي إلى عواقب مميتة، إذا حدث خطأ في حساباتها، وفقاً للخبراء.

ولا تزال تفاصيل استخدام الجيش الإسرائيلي للذكاء الاصطناعي سرية إلى حد كبير، لكن التصريحات الصادرة عن المسؤولين العسكريين تشير إلى أن الجيش اكتسب خبرة في استخدام هذه الأنظمة المثيرة للجدل، خصوصاً في قطاع غزة، حيث تقوم إسرائيل بشكل متكرر بشن غارات جوية.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




“انفلات الدولار”.. رسالة تحذيرية قد تتكرّر قريباً

كسر سعر صرف الدولار بالأمس وتيرته المستقرة منذ أشهر، فارتفع بشكل مفاجئ قرابة 10 آلاف ليرة دفعة واحدة مسجلاً سعر 100 ألف ليرة خلال أقل من ساعة واحدة. وسرعان ما انخفض سريعاً نحو 7000 ليرة إلى مستوى 93000 ليرة.

الارتفاع المفاجئ والانخفاض الفوري لسعر الدولار لم ينتج عن حدث أو إجراء محدّد، لكنه أطلق بطبيعة الحال عاصفة تسعير وإغلاق محال في الأسواق. فما الذي حصل مساء السبت في السوق السوداء للدولار؟ وما دور منصة صيرفة بذلك؟ وهل لاستحقاق حاكمية مصرف لبنان علاقة بعاصفة الدولار تلك؟ أسئلة تتردّد بكثافة على ألسنة المواطنين القلقين من انهيار جديد في قيمة الليرة، مع عجز السلطة عن تعيين حاكم جديد للبنك المركزي قبل انتهاء ولاية سلامة. إلا أن الخضة المؤقتة التي حصلت يوم أمس في السوق السوداء بدت كـ”رسالة تحذيرية” للسلطات. وهو ما يُتوقع أن تتلقّفه الأخيرة فعلياً، على ما يقول مصدر مصرفي.

تعديلات منصة صيرفة
ما إن خرجت مسألة تحضيرات حاكم مصرف لبنان الهادفة إلى تعديل آلية تعامل منصة صيرفة إلى العلن، حتى هبّ المضاربون والصيارفة ومعهم مصرفيين، باعثين برسالة شديدة اللهجة تعبر عن رفضهم تقليص استفادتهم من صيرفة. ترجم المضاربون والصيارفة تحذيرهم برفع سعر صرف الدولار بشكل مفاجئ. وليست الأسباب الكامنة وراء تلك الحركة المتمردة سوى التسريبات المتعمّدة، التي تحدثت عن تحضيرات تجري في مصرف لبنان على قدم وساق، لإدخال تعديلات جوهرية على منصة صيرفة.

وحسب المعلومات، فإن سلامة يضع اللمسات الأخيرة على تعديلات جوهرية في آلية عمل منصة صيرفة، تستهدف تقليص عملياتها أفقياً وليس عامودياً، حسب مصدر مصرفي. والمقصود هنا تقليص عمليات صيرفة للشخص الواحد صاحب الحسابات المصرفية المتعدّدة، في مقابل توسيع عدد المستفيدين منها من حساب مصرفي واحد.

ومن المعلوم أن الكثير من المستفيدين من دولارات منصة صيرفة حالياً، يجرون العديد من العمليات شهرياً، من خلال حساباتهم في أكثر من مصرف. وهو أمر يؤمن لبعض المستفيدين مبالغ مالية ضخمة من منصة صيرفة. وإذ يؤكد المصدر أن التعديل الأول على منصة صيرفة سيطال أولئك المستفيدين منها بعدة حسابات، يلفت إلى تمكّن مصرف لبنان من حل أبرز العقبات التقنية التي تواجه عملية تقليص عمليات صيرفة.

فعملية حصر المستفيدين من صيرفة بأكثر من حساب مصرفي، يستلزم تبادل المصارف للمعلومات المتعلقة بالمستفيدين من المنصة. وهو أمر غير متاح. إلا أن سلامة تمكّن من حل هذه العقبة. وعليه، سيعمل على فرض التعديل الأهم بآلية عمل صيرفة.

رسالة التجار والمضاربين
إن توجه سلامة لإقرار تعديلات جوهرية على منصة صيرفة، قد يُفهم منها أنها محاولة لضمان استمرارية عمل المنصة بعد انتهاء ولايته في الأول من شهر آب المقبل. وهو ما قد يخفّف من معارضة نواب الحاكم لآلية عمل صيرفة، خصوصاً أن منهم مَن يعتبرها هدراً للأموال لصالح كبار التجار والصيارفة، وممراً لتبييض الأموال. لكن في الواقع، فإن التسريبات المتعمّدة لتقليص عمل منصة صيرفة يستهدف تحريك السوق. وبالتالي، ممارسة الضغط على السلطة السياسية في سبيل تمهيد الطريق أمامها للتمديد لرياض سلامة، على ما يقول مصدر آخر.

وبصرف النظر عن أبعاد التحضيرات التي يعدّها سلامة لتعديل آلية عمل منصة صيرفة، فإن رد فعل السوق يوم أمس، حين حلّق سعر صرف الدولار ثم انخفض في غضون ساعة واحدة، لا يمكن قراءته سوى بأن المضاربين والصيارفة، خصوصاً مشغلي التطبيقات الإلكترونية لتحركات الليرة والدولار، هم أول وأكبر المستفيدين من دولارات منصة صيرفة. المنصة التي شكّلت لسنوات “مسرباً” كبيراً لهدر دولارات المودعين في مقابل تحقيق مغانم بمئات ملايين الدولارات لعدد محدود من المضاربين، الذين نراهم اليوم في الصفوف الأمامية للدفاع عن استمرار عمل منصة صيرفة، والتمديد لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة.

عزة الحاج حسن

المصدر: صحيفة المدن الإلكترونية




عجز مدمّر في مواجهة الهجمات السيبرانية

مع توسّع الهجمات السيبرانية وانتشارها وتطوّر تقنياتها وأساليبها في العالم، باتت المخاطر الأمنيّة الإلكترونية تشكّل تهديداً كبيراً على جميع المستويات من أفراد إلى مؤسّسات وشركات، وحتّى دول. وفي لبنان، تظهر الأزمات المتتالية مكامن ضعف هائلة في العديد من مرافق الدولة على الصعيد التقني وفي ما يخصّ تكنولوجيا وأمن المعلومات، بسبب هشاشة البنية التحتيّة وسوء الإدارة وشحّ الموارد المالية، وفي أحيان كثيرة قلّة الخبرة التقنيّة وعدد العاملين في مجالات أمن المعلومات والبيانات. نعرض في ما يلي أمثلة حقيقية عن هجمات إلكترونية تعرّضت لها إدارة رسميّة (المديرية العامّة لوزارة الأشغال)، هي من جملة هجمات متعدّدة استهدفت مؤسّسات حكومية لبنانية ومواقع حيوية، ولا سيّما في ضوء الأزمة الرّاهنة، وكيفية تعامل هذه المؤسّسات والجهات الحكومية مع هذه الحوادث، وما هي الإجراءات المتّبعة ومن الضروريّ اتخاذها في مثل هذه الحالات؟ 

يصبح العالم مع مرور الوقت أكثر اعتماداً على شبكة الإنترنت، وبالتالي، بتنا عرضةً بشكل متزايد للهجمات السيبرانيّة. في السنوات الأخيرة، شهدنا أحداثاً هائلة وأزمات أجبرت الدّول والمؤسّسات والأفراد على دمج الفضاء الإلكتروني في الحياة العمليّة بشكل كبير، ولا سيّما خلال فترة انتشار جائحة «كورونا» وتكيّف الناس مع فكرة التواصل والعمل «أونلاين». ونظراً إلى أن البنية التحتيّة الأساسية ضرورية لعمل المؤسّسات والإدارات وبالتالي عمل المجتمع، غالباً ما تعدّ الأكثر استهدافاً بخاصة في أوقات الأزمات وأزمنة الحرب. تشمل هذه البنية التحتية عادةً أنظمة الطاقة والمياه والنقل وأنظمة الاتصالات والرعاية الصحية والمستشفيات والوظائف الأساسيّة اللازمة للحفاظ على سير الحياة في البلد بشكل طبيعي. 
لم يكن لبنان بعيداً أو بمنأى عن هذه الأخطار التي لم تستثنِ أحداً منذ انتشارها الواسع بعد حوالي ثلاثة عقود من هيمنة شبكة الإنترنت، بل كانت المؤسّسات والإدارات الرسمية والشركات الخاصة والأفراد في الكثير من الأحيان هدفاً مباشراً لجرائم وهجمات سيبرانيّة أدّت في أغلب الحالات إلى خسائر هائلة على الصعيد الماديّ وحتى البشري.

مصائب فوق مصائب

«تمّ حذف الداتا واسترجعت بعد حين»، يروي رئيس مصلحة النقل البرّي في المديرية العامّة للنقل البرّي والبحري التابعة لوزارة الأشغال العامّة والنقل طوني عسّاف لـ«القوس» وقائع هجومين حدثا خلال الأشهر الفائتة، واستهدفا البيانات في المديريّة.

الهجوم الأوّل، في تشرين الأول 2022
«حضرت إلى مكان عملي وشغّلت جهاز الكمبيوتر فلم يعمل. بعد لحظات خرجت ورقة من آلة الفاكس عليها العبارة الآتية: نحن مجموعة هاكرز من الصّين، لقد تمّت سرقة الداتا الخاصّة بكم وحرمانكم من الولوج إليها على الأجهزة، ادفعوا لنا فدية لاسترجاعها!» يوضح عساف. دُفعت الفدية في المرّة الأولى للقراصنة (Hackers) لاسترجاع المعلومات. وأجرى التقنيون عملية النسخ الاحتياطي (Backup) على سيرفر – server مختلف، وبعد تلقّي رسالة القراصنة، تمّ التواصل مع مهندس المعلوماتية الخاصّ بالمديرية لأخذ الإجراءات والاحتياطات المناسبة، وبمساعدة شركة سايبر محليّة جرى تثبيت برنامج حماية عادي في المؤسّسة.

الهجوم الثاني، في آذار 2023
«بعد الهجوم الأوّل، طُلب منّا وضع برمجية حماية شاملة لكلّ تفاصيل المؤسّسة، لكنّ كلفته العالية لا تتناسب مع الإمكانات الماديّة المحدودة لدينا» يضيف عساف. إلى أن وقع الهجوم الثاني فلجأت المديرية إلى شركة خاصّة قامت بالإجراءات المناسبة. «لم نتواصل هذه المرّة مع الجهة المهاجمة، ولم نستجب لطلباتها. لجأنا إلى معهد تقني يتعاون مع شركة IT (تكنولوجيا المعلومات) خاصّة لمساعدتنا». استرجعت غالبية المعلومات. وعند التواصل مع فرع المعلومات ومكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية (قوى الأمن الداخلي)، طُلب منّهم تقديم شكوى لدى النيابة العامّة، «لكنّنا لم نذهب لتقديم الشكوى لاعتقادنا بعدم جدوى الأمر، وظنًا منّا بأنّ الجهات الأمنيّة ستتحرّك فوراً لإجراء التحقيقات والتحريات وإعطاء الإرشادات بما أنّنا مؤسّسة حكومية تابعة للدولة!» يقول عسّاف. وذلك بطبيعة الحال يمسّ بمعطيات حسّاسة ما يسبّب خطراً على أمن المعلومات وقواعد البيانات الرسميّة. ونظراً إلى ضيق الوقت وضرورة المسارعة إلى تنفيذ إجراءات حمائية، لجؤوا إلى شركة خاصّة تعنى بالأمن السيبراني لمعالجة المشكلة. 

كانت هناك خسائر في البيانات والمعلومات (loss in data)، حذّرتهم شركة أمن المعلومات التي استعانوا بها من ضعف برمجيات الحماية، إضافة إلى الإجراءات المتّبعة التي قد يصعب تطبيقها، وقالت إنّه «يمكن لطفل ذي خبرة قليلة أن يقوم بهجوم مماثل، وقد يكون ذلك بهدف التسلية!» مثل هجمات طلب الفدية (Ransomware Attack).

ويشير عسّاف إلى أن «في السابق، كنّا نعتمد في حالات مشابهة على قسم التنمية الإداريّة لكن أكثرية الموظّفين (لا سيّما تقنيّو وفنيّو الكمبيوتر) إمّا أحيلوا إلى التقاعد أو تركوا مراكزهم بحثاً عن فرص أفضل نظراً إلى تردّي الأوضاع، وبالتالي لم يعد هناك أحد ليقدم المساعدة اللازمة في تأمين الشبكات وحماية البيانات والمعلومات لدينا».
هذه الحادثة ليست الأولى وبالطبع لن تكون الأخيرة، فقد تعرّض العديد من الإدارات الرسمية اللبنانية في السنوات الماضية لهجمات إلكترونية (كاختراق مواقع حكومية مثل موقع وزارة التربية على الإنترنت، وضعف الحماية على منصّة Impact، الأمر الذي عرّض بيانات شريحة كبرى من اللبنانيين لخطر الاختراق. كذلك تعرّض بيانات وزارة الاتصالات لمحاولة اختراق وسرقة، وقرصنة معلومات وبيانات وبيعها في منتديات الإنترنت المظلم – Dark Web). تكمن الخطورة في العديد من الأحيان بحصول تسريب معلومات من داخل المؤسّسة من قبل أفراد نتيجة لعدم الانتباه أو الاكتراث لأدنى معايير الحيطة أو لأسباب أخرى.

في بلد يعاني من أزمات سياسية واقتصادية ومعيشيّة متتالية، ويفتقر إلى الحدّ الأدنى من الخدمات الأساسيّة وإلى الإمكانات المادّية اللازمة، قد لا يشكّل الأمن السيبراني أولوية لدى الجهات المعنيّة في الدولة نظراً إلى الإهمال وعدم الاكتراث، أو في أفضل الأحوال قد يترك الأمر على عاتق شركات السايبر الخاصّة والخبراء والكوادر من المتخصّصين في المجال الذين قد يؤمّنون الحلول، ولكن بتكاليف باهظة.

الفساد السيبراني

في الحالات التي تنجح فيها هذه الهجمات، يمكن أن تكون العواقب أضراراً مالية هائلة وحتّى خسائر في الأرواح البشرية (عندما تستهدف الهجمات القطاعات الصحيّة والطبّية، قد تنجم عن ذلك خسائر في الأرواح كما حصل حول العالم في فترة انتشار «كورونا»، بالإضافة إلى عمليات احتيال كبيع لقاحات مزيّفة عبر الإنترنت).
أضافة إلى تطوّر الصراعات والحروب التي أخذت طابعاً افتراضياً في ملعب الفضاء السيبراني في السنوات الأخيرة، مع العديد من الحالات الموثّقة للهجمات الإلكترونية الخطيرة التي نفّذتها جماعات ومنظّمات ورعتها دول واستهدفت مرافق حكوميّة وبنى تحتية أساسيّة (كما يحصل بين دول عدّة في العالم: روسيّا وأوكرانيا، الصّين وأميركا، إيران والكيان الإسرائيلي..)
تستهدف هذه الهجمات أنظمة حيوية (شبكات الطاقة والكهرباء والاتصالات، وإمدادات المياه، وشبكات النقل، والجامعات، والمستشفيات، والمؤسّسات الماليّة والمصارف، وقواعد البيانات، وداتا الاتصالات، ووسائل إعلام، وصحافيين، وشخصيات سياسية..) وكلّ المجالات والقطاعات التي تحوّلت إلى رقمية، وباتت مرتبطة بالشبكة، بهدف تعطيل الخدمات الأساسية والتسبّب في أضرار واسعة النطاق.

بلد أعزل 

لا تملك الدولة اللبنانيّة الحدّ الأدنى من الحلول والإمكانات والتقنيات التي يجب أن تواكب التحديات والمخاطر السيبرانية التي تجتاح العالم وتهدّد أمن مستخدمي شبكة الإنترنت. وفي الواقع، هذه الهجمات لن تتوقّف، بل ستكون أشدّ فتكاً وتعقيداً في المستقبل القريب وستستهدف مختلف القطاعات والمجالات. لذا فإنّ الحلّ يكمن في إجراءات الحماية والوقاية ووضع خطط عمل لا سيّما في الحالات التي ينجح فيها التهديد والهجوم في تحقيق أهدافه وذلك من أجل تقليل الخسائر.
ومن المهمّ تنفيذ استراتيجية أمن سيبراني شاملة والسعي لفهم ومعرفة أفضل السبل لتأمين الحماية الإلكترونية للأنظمة في المؤسّسات وفي القطاعات المختلفة، وأيضاً نشر التوعية والتثقيف على مستوى الأفراد.. إذ إن توعية الموظّفين والفرق التقنيّة والعاملين في القطاعات التي تتطلّب رقمنة ومكننة تعدّ أولويّة قصوى (من أكبر المخاطر التي تهدّد الأمن هي استغلال الأخطاء البشريّة والفرديّة لا سيّما في خروقات مثل هجمات الهندسة الاجتماعية).
إضافة إلى العمل على تخصيص ميزانيات كافية وزيادة التمويل وإيلاء الاهتمام لتأمين القطاعات الحيوية. ومن الضروري أيضاً في مواجهة هذا التحدي، اتخاذ خطوات استباقية لحماية البنية التحتية الرقمية من تهديدات الأمن السيبراني. وإدراك أهمية التعاون بين مختلف القطاعات بحيث يمكن للجامعات والمؤسّسات الأكاديميّة والشركات والخبراء أن يساعدوا في تمكين الكوادر والموظّفين في مؤسّسات الدولة، وتدريبهم على استخدام أفضل البرمجيّات والتقنيات والإجراءات والأساليب التي يمكن أن تساهم في تحصين أمن الشبكات والمعلومات لمواجهة أي هجوم محتمل، نذكر منها:

– Software and Hardware Updates: تحديث التطبيقات والبرامج والمعدّات والأجهزة التقنية بشكل مستمرّ.
– Penetration Test: أي اختبار الاختراق وهو محاكاة لهجوم حقيقي مصرّح به يُجرى على الأنظمة والشبكات لتقييم أمانها، ويستخدم عادةً مختبرو الاختراق ذات الأدوات والتقنيات التي يستخدمها المهاجمون وذلك لإيجاد الثغرات ومكامن الضعف في الأنظمة والعمل على معالجتها وتأمين الحلول لها.
– Compromise Assessment: أي تقييم المخاطر السيبرانية والخروقات، وتحديد التهديدات الكامنة في شبكة المؤسّسة من خلال مؤشّرات الاختراق، ومن ثمّ التحقيق بالنتائج واتخاذ الإجراءات المناسبة.
– مركز عمليّات الأمن (SOC) ومركز عمليّات الشبكة (NOC): تفعيل مراكز عمليات الأمن التي تقع على عاتقها مسؤولية مراقبة وحماية المؤسّسة من التهديدات السيبرانية، وأيضاً مراكز عمليّات الشبكة المسؤولة عن صيانة البنية التحتيّة للأنظمة والعمل على منع تداخلات الشبكة الناتجة عن الكوارث الطبيعية أو حالات انقطاع التيّار الكهربائي وانقطاع الإنترنت. 
ولا بدّ أيضاً من الإشارة إلى ضرورة تفعيل عمل الأجهزة الأمنية والقضائية المعنيّة إلى الحد الأقصى نظراً إلى خطورة هجمات كهذه وحساسيّتها، والعمل على تعديلات قانونية تماهياً مع التطورات الحاصلة على مستوى العالم، ولا سيّما في ما يتعلّق بقوانين جرائم المعلوماتية ومكافحتها.

سلاح حربي غير تقليدي

في عصر الحروب الهجينة، وفي ظلّ الإمكانات التقنية الضخمة لدى العدو الإسرائيلي، وإلى جانب استخدامه برمجيات تجسّسية، لا بدّ من الإشارة إلى حتمية لجوئه في أي عدوان أو اعتداء على بلادنا إلى الهجمات السيبرانية (كهجمات الحرمان من الخدمة DDoS Attacks التي قد تعطّل خدمات الإنترنت)، والهجمات التي تستهدف البنية التحتيّة بهدف تعطيلها وتدميرها (مصادر طاقة، ومؤسّسات، ومصانع، وشبكات اتصالات، وقواعد بيانات..). إلى جانب التكتيكات التقليدية التي يلجأ إليها في العادة مثل هجوم القوات البريّة والضربات الجوّية. فمن خلال تعطيل أو منع الوصول إلى أيٍّ من هذه الموارد الحيوية، بإمكان العدو المهاجم التسبب بضرر أمني واقتصادي واجتماعي كبير في البلد.

ياسر الموسوي

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار




حقوق الناس «عالبحر»..

إذا كان قدَر المواطنين أن ينظروا إلى أملاكهم العامة البحرية المستباحة بحسرة، أو إلى تلك المشغولة بصورة قانونية إنما بأبخس الأثمان، فإنّ ذلك لا ينفي أن وصولهم إلى البحر والولوج إليه عبر الشاطئ حق مقدّس لهم لا يجوز لأيّ كان أن يسلبهم إياه، ولو حاز ترخيصاً قانونياً بإشغال هذا الشاطئ أو الملك البحري الملاصق له. فحق المواطنين بهذا الوصول حاجة إنسانية وحيويّة، ولا سيّما بعد دولرة أسعار بطاقات الدخول إلى المسابح الخاصة، إذ لم يبق أمام المواطن إلا الشاطئ العام الذي يشترك في ملكيته مع آخرين، وليس للفقراء سوى البحر وشاطئه. كلك خصّ القانون الوصول إلى الشاطئ بعناية خاصة وحماية متميّزة، فهل هناك من يقرأ؟

تنقسم الأملاك العامة البحرية إلى أملاك عامة بحرية مشغولة بصورة قانونية، أي بمراسيم تجيز إشغالها، وأملاك عامة بحرية مشغولة بصورة مخالفة للقانون. ومن الضروري التذكير مراراً وتكراراً بأن إشغال الأملاك العامة البحرية من دون استصدار مراسيم تجيزها هو أمر ممنوع قانوناً، ولا يترتب للشاغل الفعلي بصورة قانونية أي حق مكتسب مهما كانت مدة إشغاله. وهو ما أكدته المادة 30 من قانون الموازنة لعام 1990، بكلتا صورتَي الإشغال (إشغال دون استصدار مراسيم تجيزه، وإشغال مؤقت بمقتضى ترخيص) الملزمتين بالسماح للمواطنين بالوصول إلى الشاطئ.

منح الامتياز أو الإجازة بالإشغال المؤقت للأملاك العمومية البحريّة مشروط بالمحافظة على حقوق الآخرين، والوصول إلى الشاطئ هو من حقوق المواطنين، وهذا ما نصّت عليه بوضوح القوانين المرتبطة بإشغال الأملاك البحرية والأملاك العمومية، والتي كان يشوبها لبس قبل أن يصدر عام 2017 القانون رقم 64 تاريخ: 20/10/2017 «تعديل واستحداث بعض الضرائب والرسوم». الذي نصّ في البند السادس عشر، من المادة 11، على أنه «تحدد بمراسيم تتخذ في مجلس الوزراء، خلال ثلاثة أشهر من تاريخ نشر القانون، بناءً على اقتراح وزير الأشغال العامة والنقل، دقائق تأمين تواصل الشاطئ، ضمن الأملاك العامة البحرية وتحديد الشروط كافة التي تؤمن هذا الحق من جهة، وتحمي الملكية الخاصة من جهة أخرى، وكذلك تحديد أي إجراءات تؤمن حق وصول المواطنين إلى الشاطئ». وصدر، تطبيقاً لهذا القانون، مرسوم تأمين تواصل الشاطئ عام 2019 الذي ينصّ على حق المواطنين بالمرور الحر البريء والتنزّه والترفيه. ومن الجدير بالذكر أن نظام إشغال الأملاك العامة البحرية الصادر عام 1966 كان يتضمّن عبارات ملتبسة حول الوصول إلى الشاطئ، فمثلاً اعتبر أن الاستثمار لا يشكل عائقاً لوحدة الشاطئ في حال وجود مساحات يتوجب إبقاؤها مفتوحة للعموم، أو أنه في حال وجود طريق عام يؤدي إلى البحر، لا يمكن إشغال الأملاك العامة البحرية الممتدة على طول خمسين 50 متراً من محور الطريق وتترك هذه الفسحة للعموم. وهو ما لم يكن واضحاً لجهة تطبيقه سوى في حالات وجود طريق عام يؤدي إلى البحر، على عكس المرسوم الصادر عام 2019.

ولكن، بعدما انتظر لبنان 94 عاماً منذ عام 1925 (تاريخ صدور قرار تحديد الأملاك العمومية)، لاستصدار قانون في العام 2017، تلاه مرسوم عام 2019، ينصان بشكل صريح على تأمين ممر خاص للمواطنين للولوج إلى شاطئ البحر، لا يزال هذا القانون حبيس المكاتب وعصيّاً على التنفيذ، رغم أن أحكامه واضحة وعقوبة مخالفته جليّة لا تحتاج سوى إلى تنفيذ وتطبيق من قِبل الإدارات المعنيّة، وعلى رأسها وزارة الأشغال العامة والنّقل.

مفتوحة للعموم.. دوماً

تختصر المادة الأولى من المرسوم رقم 5777 «تأمين تواصل الشاطئ» الصادر عام 2019، حقوق المواطنين في الوصول إلى الشاطئ عبر النصّ على خمسة مبادئ مهمة، هي:
– الأول: أن الأملاك العامة البحرية يجب أن تبقى دوماً مفتوحة للعموم من دون أي عائق ودون أن يترتب على ارتيادها أي رسوم أو بدلات.
– الثاني: لا يحق في أي حال من الأحوال إقفال الأملاك العامة البحرية أمام العموم أو وضع أي عائق يحول دون تواصل الشاطئ.
– الثالث: تأمين تواصل الشاطئ دون أيّ إعاقة للمواطنين ويبقى ارتياد منطقة الشاطئ التي تؤمن تواصلها مفتوحة للعموم وغير خاضع لأيّ رسم أو بدل مالي من أي نوع كان.
– الرابع: إلزام طالب الترخيص بأن يلحظ تواصل الشاطئ على المخطط الذي يبيّن المساحة المطلوب إشغالها.
– الخامس: التعهد بالمحافظة على تواصل الشاطئ طول فترة إشغال الأملاك العامة البحرية.

آليّة الوصول إلى الشاطئ

حُددت آلية الوصول إلى الشاطئ (المادة 3) عبر إلزام شاغل الأملاك البحريّة باستحداث ممرّ، على أن يبلغ الحد الأدنى لعرض الممر الذي من خلاله يتم تأمين تواصل الشاطئ عشرة أمتار.
وإذا لم تسمح طبيعة الأملاك العامة البحرية بتأمين الحد الأدنى لعرض الممر المشار إليه أعلاه، يمكن للمديرية العامة للنقل البري والبحري اقتراح تخفيض هذا العرض وفق طبيعة الأملاك العامة البحرية وعرضه على موافقة وزير الأشغال العامة والنقل، مرفقاً بالأسباب التبريرية التي حالت دون تأمين عرض الممر المحدد أعلاه، شرط أن لا يقل عرض الممر الذي يؤمن تواصل الشاطئ في أي حال من الأحوال عن ثلاثة أمتار (/3/ م).
على أن يبقى الممر المذكور مفتوحاً للعموم، ولا يحق لأي كان وضع أي عائق عليه، بل تتم الاستفادة منه لتأمين المرور الحر لجميع المواطنين ورواد الشاطئ دون أي إعاقة من أي طرف كان. 
عقوبات عرقلة أو منع الوصول إلى الشاطئ
حُددت مخالفة عرقلة أو منع الوصول إلى الشاطئ في المادة الرابعة من المرسوم 5777، كالآتي:
– الغرامة من خمسة عشر مليون ليرة لبنانية إلى خمسين مليون ليرة ووجوب إزالة المخالفة فوراً. 
– في حال تكرار المخالفة، يفرض على المخالف الحد الأقصى للغرامة البالغة خمسين مليون ليرة مع ضرورة إزالة المخالفة فوراً. 
-أما في حال تكرار المخالفة مرتين، فتضاعف الغرامة القصوى لتصبح مئة مليون ويوقف العمل بالترخيص إلى حين إزالة المخالفة دون أن يحق للمخالف أي تعويض أو عطل أو ضرر من أي نوع كان. 

غرامات مخصّصة لتمويل المسابح المجانية للعموم 

خصّ القانون المسابح الشعبية المجانية بتمويل يخصّص لتجهيزها حيث يُقتطع من عائدات الغرامات السنوية المفروضة على إشغال الأملاك العامة البحرية نسبة 1% سنوياً، تخصّص في موازنة المديرية العامة للنقل البري والبحري لإنشاء وتجهيز وصيانة وتشغيل المسابح المجانية للعموم، تنفيذاً للبرنامج الوطني للمسابح المجانية للعموم على امتداد الشاطئ اللبناني وذلك بموجب البند السابع عشر من المادة 11 من القانون 64 بتاريخ 20/10/2017 (تعديل واستحداث بعض الضرائب والرسوم).
وبتأخير دام خمس سنوات، صدر المرسوم التطبيقي لهذا القانون في العام 2022 الذي نصّ على توزيع هذه المبالغ وفق الآتي: 
• 20% للدراسات، تخصص لإعداد الدراسات اللازمة لتنظيم الشاطئ البحري وإعداد الدراسات المتعلقة بالمسابح المجانية للعموم والإشراف على تنفيذها وإدارة المسابح وتشغيلها. 
• 80 % للتنفيذ، تخصّص لأجل تنفيذ متطلبات تنظيم الشاطئ البحري وفق الدراسات الموضوعة، وإنشاء وتجهيز وصيانة وتشغيل المسابح المجانية للعموم وفق البرنامج الوطني للمسابح المجانية للعموم على امتداد الشاطئ اللبناني. 
ولكن للأسف، نسيت وزارات الأشغال في الحكومات المتعاقبة منذ ذلك الحين أمراً مهماً للغاية وهو: وضع «البرنامج الوطني للمسابح المجانية للعموم على امتداد الشاطئ اللبناني» ولم يصل البرنامج إلى مرتبة الحبر على الورق.

إن هذا القانون والمرسوم الصادر تطبيقاً له، يقتضي تعديلهما لتتماشى الغرامات الواردة فيهما مع تدهور العملة، بحيث ترتبط بالحد الأدنى للأجور مثلاً أو بالبدل الذي يسدده شاغل الأملاك البحرية. ومن جهة أخرى، يقتضي تطبيقهما أيضاً على الشاغلين الفعليين وإن لم يكونوا مرخّصين، فإن كانت الإدارات المعنيّة تتذرّع بعدم إنهاء إشغالهم غير الشرعي بأنواع شتى من الحجج، فليس هناك ما يسوّغ لوزارة الأشغال أو البلديات التغاضي عن إلزامهم بتأمين ممرّ للشاطئ. كما يقتضي على خط مواز العودة إلى استصدار قانون يتضمّن أحكاماً مشابهة لما ورد في المرسوم الاشتراعي 144/1983، الذي كان ينص قبل إلغائه على مضاعفة البدلات بنسبة مئة بالمئة إذا لم يسمح الشاغل الفعلي غير المرخص له للعموم بارتياد الأملاك البحرية المشغولة، أو اشتراط حق المرور قبل تسوية وضع هذه الأملاك. أما في حال عدم التطبيق سيسبح المواطنون في بحور من أوراق القوانين غير المطبّقة.  (راجع «القوس»، 29 نيسان 2023، «هل يطبّق القانون على المسابح غير المرخّصة؟»)

ينبغي أن تكون الأملاك العامة البحرية مفتوحة للعموم من دون أيّ عائق يحول دون الوصول إليها

الحرية على الشاطئ

لكلّ من المسابح الخاصة والمسابح العامة نظام قانوني خاص يحكمها، وينظّم أمور كل منهما بشكل مختلف. فالمسابح العامة يحكمها مبدأ المساواة في استعمال الملك العام ويحكمها الدستور، ولا يحق لأي أحد مخالفة الدستور وتطبيق أحكام خاصة على المسابح الشعبية العامة عبر تقييد حرية المواطن بأنظمة مخالفة للدستور والقانون، ولو كان هذا الأحد هو الحكومة أو وزارة معيّنة أو سلة محلية كالبلديات.
أما المسابح الخاصة، وإن كان القانون قد منح أصحابها الحق في فرض الشروط التي يرغبون في تطبيقها في مسابحهم، إلا أن ذلك لا يمكن أن يحدث إلا في إطار الحريات الشخصية أيضاً.
ففي كل مرة تلجأ فيها أي سلطة محلية إلى منع «البيكيني» أو منع لبس «البوركيني» أو المشروبات الروحية، يكون المعنيون في البلدية قد اعتدوا على الحريّات وتكون وزارة الداخلية قد امتنعت عن حماية الحريات.

لا يحق للبلديات فرض شروط مخالفة للدستور 

إن البلديات، وإن كان يحق لها تنظيم شؤون البلدة أو البلدات التي تقع في نطاق صلاحياتها، إلا أن اشترط قانون البلديات أن تكون هذه المسائل داخلة ضمن اختصاصها، أي بمعنى أوضح أن البلديات لا يمكنها وضع أنظمة في مسائل لا تقع ضمن صلاحياتها واختصاصها، فمسائل القيود على الحريات تقع ضمن اختصاص المجلس النيابي الذي يصدر قوانين العقوبات ويضع القيود تحت مظلة الدستور.
حتى إن المجلس النيابي لا يمكنه وضع قيود على الحريات تخالف الدستور، فهو يخضع لرقابة المجلس الدستوري. ومن جهة أخرى، إن كان للمجلس البلدي ضمن منطقته أن ينشئ أو يدير بالذات أو بالواسطة أو يسهم أو يساعد في تنفيذ الأعمال والمشاريع المتعلّقة بالمساكن الشعبية والحمامات والمغاسل العمومية والمسابح، فينبغي أن يقوم بذلك ضمن إطار القانون والدستور ومبدأ المساواة، المبدأ الدستوري الأسمى في استعمال الملك العام وحرية الدخول إليه.
لهذا نجد أن قانون البلديات نصّ في مادته الثانية والستين على ممارسة الرقابة الإدارية على قرارات المجلس البلدي من قِبل القائمقام والمحافظ ووزير الداخلية، علماً أن جميع القرارات التي تعدّ أنظمة عامة تخضع لتصديق وزير الداخلية.

أما عن صلاحيات رئيس البلدية، فإن الأنظمة التي يحق له أن يصدرها يجب أن تكون في مسائل داخلة ضمن اختصاصه أولاً وأن تكون متوافقة مع الدستور والقانون، فصلاحيته مثلاً اتخاذ تدابير بشأن مكافحة السكر منصوص عليها بموجب المادة 74، إلا أنها لا تجيز له منع المشروبات الروحية مطلقاً. وكذلك الأمر بالنسبة إلى صلاحيته بالمحافظة على الراحة والسلامة والصحة العامة، فذلك مشروط بأن لا يتعرض للصلاحيات التي تمنحها القوانين والأنظمة لدوائر الأمن في الدولة. وكذلك رغم أن المادة نفسها تجيز له اتخاذ تدابير بشأن كل ما يختص بالآداب والحشمة العمومية، فإن ذلك لا يجعل منه وصيّاً على الأخلاق ولا يحقّ له فرض مبادئ للحشمة، واعتبار أن لباس «المايوه» أو «البيكيني» أو حتى «البوركيني» ممنوع في المسبح العمومي. فتعريف الحشمة لا يكون من صلاحياته لأن ذلك الأمر يُحدد بموجب الدستور والقوانين المرعيّة الإجراء، ولا يحقّ لأي مواطن أن يمنع مواطناً آخر من شرب الكحول في المسبح العمومي ولا أن يفرض عليه شرب الكحول.
إن واجب رئيس البلدية السهر على صون الحريات وصيانتها، وجلّ ما هو مسموح له هو مكافحة السّكر وإبلاغ القوى الأمنية لمعالجة حالات السّكر وحماية المواطنين ومنع التعرّض لهم.

أما في المسابح الخاصة، فإن للحرية الشكل نفسه، فلا يمكن إلزام صاحب المسبح بعدم السماح بشرب الكحول أو بمنعه، فالأمر يعود له أن يقرر ما إذا كان يرفض شرب الكحول في ملكيته لأن المسبح الخاص ليس ملكاً للعموم. وبالمقابل لا يمكنه إلزام المواطنين بتناول الكحول، فيحق للمسابح الخاصة تنظيم الأمور الداخلة في نطاق ملكيتها أو استثمارها تحت رقابة البلديات ووزارة السياحة وكذلك تحت رقابة القضاء، الذي يفترض أن يكون الحكم في كل شؤون وشجون الحريات والقيود عليها. 

ما هي واجبات السلطة المركزيّة في الدّولة؟ 

إن واجبات السلطة المركزية تتلخص في هذه المسائل بفرض القانون والسهر على حماية حقوق المواطنين وصون الحريّات وذلك بموجب الدستور اللبناني والاتفاقيات الدولية ذات الصّلة.
لقد تضمّن قانون العقوبات نصاً واضحاً يحمي المواطنين ويعاقب على التعدي على حقوقهم وواجباتهم المدنية، والجرم هو إعاقة اللبناني عن ممارسة حقوقه وواجباته المدنية فبموجب المادة 329 من القانون يعاقب على ارتكابه بالحبس من شهر إلى سنة، وهو كل فعل من شأنه أن يعوق اللبناني عن ممارسة حقوقه أو واجباته المدنية إذا اقترف بالتهديد والشدة أو بأي وسيلة أخرى من وسائل الإكراه الجسدي أو المعنوي. أما إذا اقترفت الجرم جماعة مسلحة مؤلفة من ثلاثة أشخاص أو أكثر كانت العقوبة بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وإذا وقع الجرم بلا سلاح فالعقوبة هي الحبس من شهرين إلى سنتين.
يوم انضم لبنان إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بموجب المرسوم رقم 3855 الصادر بتاريخ 1/9/1972، فإن الدولة تعهّدت بموجبه احترام الحقوق المعترف بها فيه، وبتأمينها لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي السياسي أو غيره، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب.
وعلى الدولة أن تحرص، بموجب المادة الثانية منه على منع إجراء أي تقييد أو أي مخالفة لأي حق من حقوق الإنسان الأساسية المعترف بها أو الموجودة في هذا العهد بموجب القوانين أو الاتفاقيات أو الأنظمة أو الأعراف، بذريعة عدم اعتراف هذا العهد بتلك الحقوق أو اعترافه بها على نطاق أضيق.

وفي ما يتعلق بالقيود على الحريات والتي يمكن فرضها على المواطنين، لا يجوز تقييد الحقوق المذكورة أعلاه بأي قيود غير التي ينص عليها القانون وتقتضيها حماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الغير وحرياتهم، وأنه لا يجوز تعريض أي شخص، على نحو غير قانوني، لتدخل في حياته الخاصة أو أسرته في منزله. وعلى الدّولة أن تضمن لكل إنسان الحق في حماية القانون من مثل هذا التعرض أو المساس.
كما أنه لا يجوز تقييد حرية الإنسان في الإعراب عن دينه أو معتقده إلا بالقيود التي يقررها القانون، وتقتضيها حماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الغير وحرياتهم الأساسية.

في حمى القانون

لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل. (الفقرة «ج» من مقدمة الدستور اللبناني).
كما ينص الدستور في الفقرة «ط» من مقدّمته على أن أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين، ويضيف أن لكل لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها والتمتع به في ظل سيادة القانون. كما ينصّ في مادتيه السابعة والثامنة أن «كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دون ما فرق بينهم»، وأن الحرية الشخصية مصونة وفي حمى القانون وأنه «لا يمكن تحديد جرم أو تعيين عقوبة إلا بمقتضى القانون»، ماذا يعني ذلك؟

صادق علوية

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار