1

تفجير مطار الجزائر… «قراءة» في اعترافات المنفّذين

دبلوماسيون بريطانيون: الهجوم يؤكد التحول المتنامي نحو الراديكالية في «جبهة الإنقاذ» وكسوف فرع الجزأرة (2 من 3)

في 26 أغسطس (آب) 1992، شهدت العاصمة الجزائرية تفجيراً كبيراً استهدف مطار الجزائر الدولي، مطار هواري بومدين، وكان مؤشراً واضحاً إلى أن البلاد تتجه نحو مرحلة جديدة من المواجهة بين قوات الأمن والإسلاميين المتشددين. لم يكن تفجير المطار أول هجوم يقوم به مناصرو «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» منذ إلغاء الانتخابات التي كان حزبهم على وشك الفوز بها قبل إلغاء نتائج دورة الاقتراع الأولى في يناير (كانون الثاني) 1992. لكنه مثّل بالتأكيد البداية الفعلية لما بات يُعرف في الجزائر بـ«العشرية السوداء» أو «العشرية الدموية» التي استمرت طوال حقبة تسعينات القرن الماضي وأسفرت على آلاف الضحايا.

لم يكد يمرّ شهر على تفجير المطار الذي تسبب في مقتل 9 أشخاص وجرح أكثر من 118 آخرين، حتى تمكنت أجهزة الأمن من كشف الخلية المتورطة به. كان المسؤول الأساسي في الخلية هو حسين عبد الرحيم، الرئيس السابق لمكتب عباسي مدني رئيس «جبهة الإنقاذ» والنائب السابق عن هذا الحزب الذي تم حظره بعد إلغاء المسار الانتخابي. اعتُقل عبد الرحيم مع مجموعته التي ضمت رشيد حشايشي، وهو قائد طائرة في الخطوط الجوية الجزائرية ومسؤول «النقابة الإسلامية» والسعيد شوشان وهو نائب رئيس إحدى بلديات العاصمة. بث التلفزيون الجزائري اعترافاتهم، كما فعلت الصحف الجزائرية. نال عبد الرحيم نفسه حكماً بالإعدام في مايو (أيار) 1993 – وتم تنفيذ الحكم به مع أربعة آخرين من المدانين معه.

في هذا الإطار، تكشف الوثائق الحكومية البريطانية التي تنشرها «الشرق الأوسط» عن نظرة الجانب البريطاني في خصوص قضية تفجير المطار بناءً على تقرير من سفارة المملكة المتحدة في العاصمة الجزائرية كتبه القائم بالأعمال كيث بلومفيلد الذي تولى لاحقاً منصب رئيس قسم سياسة مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية في لندن قبل الانتقال للعمل سفيراً في نيبال. قدّم التقرير الذي كُتب عقب بث اعترافات المتهمين على التلفزيون وقبل تنفيذ الحكم بهم، عرضاً لأبرز ما قالوه وتحليلاً لإمكان أن يكون ما جاء على لسانهم تم بناءً على التعذيب. ويخلص التقرير إلى أن هناك «تحولاً متنامياً نحو الراديكالية» في «جبهة الإنقاذ» و«كسوفاً لفرع الجزأرة الأكثر اعتدالاً»، بحسب التوصيف البريطاني للتيارات التي يتألف منها هذا الحزب الإسلامي. ويضيف أن الاعترافات تؤكد «خطورة الحديث عن (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) وكأنها كل متجانس».

ناشطون في النقابة الإسلامية للعمل القريبة من الجبهة الإسلامية للإنقاذ خلال تجمع في العاصمة الجزائرية عام 1991 (غيتي)

وفي هذا الإطار، يسلّط التقرير الضوء على بعض مكونات «جبهة الإنقاذ»؛ بناءً على ما ورد في «اعترافات» منفّذي تفجير المطار، محاولاً تحديداً تفسير سبب «توريط» قادة في الجبهة تم طردهم منها أو تجميد عضويتهم فيها خلال «مؤتمر باتنة» في صيف عام 1991. فقد تضمنت «الاعترافات» المزعومة التي بثّتها الحكومة الجزائرية اسمَي قياديَين في «الإنقاذ»، هما الهاشمي السحنوني وعزوز الزبدة، على رغم أنهما أُبعدا من هذا الحزب بزعم أنهما من «الخونة» الذين يتعاملون مع الحكم الجزائري. كما تضمنت المزاعم نفسها اسمي قياديين آخرين، هما سعيد مخلوفي و(أكس) (تم تعريفه بالاسم في الوثيقة البريطانية). وفي حين أن مخلوفي، الذي توفي على الأرجح عام 1993، كان معروفاً بدعمه تياراً متشدداً في «الإنقاذ» ينادي بالمواجهة مع السلطة الجزائرية وشكّل (مع آخرين) جماعة «حركة الدولة الإسلامية»، فإن الآخر (أكس)، فيُعرف أنه ذهب إلى باكستان وأقام علاقات مع إسلاميين جزائريين شاركوا في الجهاد الأفغاني، ولجأ لاحقاً إلى دولة أوروبية. والمزاعم في شأنه التي وردت في اعترافات منفذي هجوم المطار والتي حللها تقرير السفارة البريطانية، لا تعني بالطبع أنها صحيحة أو تُشكّل دليلاً ضده أمام القضاء في الدولة التي يقيم فيها.

في أي حال، استبق التقرير البريطاني، في واقع الأمر، ما سيحصل مع «جبهة الإنقاذ» في السنوات اللاحقة. فقط تشظّت هذه الجبهة إلى جبهات. فقادتها السياسيون، الذين تمثّلوا على وجه الخصوص بعباسي مدني ونائبه علي بن حاج، كانوا يقضون عقوبات بالسجن (أو الإقامة الجبرية). في غياب هؤلاء، انقسم حزبهم إلى أكثر من تيار. منهم من شكّل «الجيش الإسلامي للإنقاذ» وتحوّل إلى العمل المسلح. ومنهم من انخرط في جماعة مسلحة تُطلق على نفسها «حركة الدولة الإسلامية»، في حين التحق آخرون بـ«الجماعة الإسلامية المسلحة». فرضت هذه الجماعة الأخيرة نفسها، بحلول عام 1994، القوة المسلحة الأكبر بين الجماعات الجزائرية. لم تكن الأكبر فقط، بل كانت أيضاً الأكثر دموية والأكثر تطرفاً.

تحليل بريطاني لاعترافات منفذي هجوم مطار العاصمة الجزائرية عام 1992 (الشرق الأوسط)

فماذا جاء في التقرير البريطاني بخصوص اعترافات المتهمين بتفجير المطار؟

مطار هواري بومدين… اعترافات المتهمين

في 19 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، كتب القائم بالأعمال البريطاني في الجزائر ك. ج. بلومفيلد تقريراً إلى آر. جينر في قسم الشرق الأدنى وشمال أفريقيا بوزارة الخارجية جاء فيه:

اعترافات قنبلة المطار

1- ربما ستجدون من المفيد الحصول على تحليل أكثر تفصيلاً للاكتشافات المختلفة (التي عُرضت) على التلفزيون أخيراً في خصوص الإرهاب الإسلامي في الجزائر.

2 – قبل النظر إلى ماذا تقول فعلاً هذه الاكتشافات، من المجدي التساؤل عما إذا كانوا الإرهابيين الحقيقيين، وما إذا كانت اعترافاتهم حقيقية. في العالم العربي (وفي أماكن أخرى) «الاعترافات» التي يتم تنظيمها هي سلاح دعائي شائع، وفي حالة مفجّري مطار الجزائر، الروابط المتعددة بين «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» والإرهابيين تبدو ملائمة جداً لأغراض النظام كي تكون موثوقة كلياً. وعلى رغم محاولات «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» لتشويش الصورة (مثلاً من خلال إشاعات تفيد بأن أحد الذين ظهروا على التلفزيون إنما هو ميّت منذ أسابيع عدة نتيجة التعذيب)، فإن الشعور هنا – على رغم ذلك – أن حسين عبد الرحيم والمتآمرين معه حقيقيون. نعرف على سبيل المثال أن عبد الرحيم انتُخب نائباً عن «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» عن (دائرة) بوزريعة في 26 ديسمبر (كانون الأول) 1991، واستطعنا أن نؤكد أنه كان حقاً في ديوان (عباسي) مدني.

3- أما في خصوص هل الاعترافات تم التلاعب بها، فإن الجواب هو «نعم» مشددة. على رغم مزاعم التعذيب، الطريقة التي تحدث بها الأشخاص لم تظهر وكأنها أداء كلاسيكي ناتج من التعذيب. ولكن الاعترافات، على رغم ذلك، يمكن أن تكون انتُزعت في مقابل وعود بالرأفة، وهناك من يعتقد أنهم صُوّروا بكاميرات مخفية. ومن الغريب أيضاً أنهم في حين زعموا مسؤوليتهم عن تفجيرات سابقة، لم تكن هناك إشارة إلى الموجة الثانية من تفجير الطائرات في 23 سبتمبر (أيلول) – والتفسير المحتمل لذلك، أن الاعترافات التي بثها التلفزيون تم تصويرها قبل 23 سبتمبر. أما لجهة طريقة تقديم الاعترافات، سواء عبر التلفزيون أو لاحقاً عبر الصحف، فإن ذلك بلا شك كان منظماً من وراء الستار. كل أنواع الخلاصات تم استنتاجها، وكثير منها غير مبرر كلياً من خلال ما قيل حقاً (في الاعترافات). ومن الجدير الإشارة إلى أنه لم يكن في أي مكان من نص الاعترافات التالي: أولاً: أي إشارة إلى أن (قنبلة) المطار أو تفجيرات أخرى تمت بأمر من «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» (عبد الرحيم قال إن الفكرة فكرته هو). ثانياً، أي إشارة إلى أن «التيار الأساسي» في قيادة «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» (أي في مقابل القادة السابقين الذي تشوّهت صورتهم) كان له أي اتصال بمجموعات عنيفة قبل انقلاب يناير. ثالثاً، أي إشارة إلى حكومات أجنبية، أي على عكس أشخاص أو جماعات تعمل على أرض أجنبية، ضالعة في تزويد (المفجّرين) بالمال أو الأسلحة.

طالبات في العاصمة الجزائرية في ظل تصاعد أعمال العنف في بدايات تسعينات القرن الماضي (سيغما – غيتي)

4- ما تم زعمه في الاعترافات هو أن مجموعات إسلامية مسلحة عدة ظهرت خلال فترة تمتع «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» بالشرعية، وأنه كان هناك تنسيق في ما بينها، وأن أربعة من القادة السابقين في «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» تم تجميد عضويتهم في مؤتمر باتنة في يوليو (تموز) 1991 (سحنوني (الهاشمي سحنوني)، زبدة (عزوز زبدة)، مخلوفي (سعيد مخلوفي) وأكس) كانوا منخرطين مباشرة في هذه المجموعات، وأن إحداها كانت برئاسة سحنوني نفسه. بعد إلغاء الانتخابات في يناير 1992، قامت قيادة التيار الرئيسي في «الجبهة الإسلامية للإنقاذ»، ممثلة بشراطي (يخلف شراطي) ورجام (عبد الرزاق رجام رئيس ديوان عباسي مدني)، والعاملة باسم محمد السعيد، بالاتصال، كما يُزعم، بمجموعة عبد الرحيم وعرضت عليها دعماً مادياً ومالياً ومعنوياً. تم لاحقاً تقديم 200 ألف دينار جزائري من أجل شراء أسلحة. (أكس)، صلة الوصل في فرنسا، كتب أيضاً لعبد الرحيم عارضاً عليه دعم مجموعات في أفغانستان والسودان كانت جاهزة لتزويده أسلحة عبر ليبيا. تمت أيضاً محاولات لشراء أسلحة من المجموعة المسؤولة عن هجوم قمار في نوفمبر 1991 (هجوم قمّار شنه متشددون ضد جنود في الجيش الجزائري في ولاية الوادي الحدودية مع تونس في نوفمبر 1991، أي قبل إلغاء الانتخابات) وفي شكل مباشر من السودان وليبيا.

5- هل هذه الاعترافات جديرة بالتصديق؟ سحنوني وزبدة كلاهما ظهر أخيراً لإعطاء أدلة في المحكمة، في قضية مختلفة، وكلاهما تحدث للصحف. من المثير للفضول أن أياً منهما لم يتم اعتقاله على رغم القوانين الجديدة الشاملة في شكل واسع لمكافحة الإرهاب. في مقابلاتهما الصحافية، نفى كل منهما اتهامات عبد الرحيم. سحنوني، في الوقت الذي رفض فيه أي صلة له بجماعات مسلحة، أوحى بأن مثل هذه الجماعات كانت بالفعل موجودة منذ ما قبل انتخابات 26 ديسمبر بفترة طويلة وأن قيادة «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» التي تولت القيادة بعد يوليو (أي بعد مؤتمر باتنة) فقدت كلياً أي سيطرة عليها. وفي إشارة معبّرة (ذات دلالة)، يسأل لماذا يجب أن تعطيه «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» أي نوع من الأدوار المتعلقة بالكفاح المسلح بعدما تبرأت منه على أساس أنه خائن عقب ظهوره هو نفسه على التلفزيون في يوليو 1991؟ فكيف يمكن أن يكون منسقاً (للتفجيرات) كما زعم عبد الرحيم؟ الزبدة، في حين أنه أقرّ بمعرفته بعبد الرحيم عندما كانا سوياً أعضاء في المكتب التنفيذي لمدني، فإنه ادّعى مسؤوليته عن تنزيل مرتبة عبد الرحيم من «رئيس الديوان» إلى إعطائه مسؤولية النقابات التجارية الإسلامية. وبحسب ما يقول الزبدة، فإن عبد الرحيم كان شاباً لا يتمتع بالخبرة وراديكالياً متشدداً. وهكذا يبدو من المعقول أن عبد الرحيم، تحت ضغط لتسمية أسماء (ضالعة معه) وتوريط «الجبهة الإسلامية للإنقاذ»، اختار كضحايا له أربعة من القادة السابقين الذين تم تجميد عضويتهم في الجبهة، وبينهم اثنان تم توصيفهما بأنهما «خائنان» وواحد منهما على الأقل كان له دور في تنزيل مرتبته (في الجبهة).

تجمع لقادة جبهة الإنقاذ في العاصمة الجزائرية عام 1990 (أ.ف.ب.غيتي)

6- هذه النظرية لا تفسر بالطبع لماذا ورّط عبد الرحيم أيضاً فرع الجزأرة في «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» (رجام وشراطي) باتهامهما بتمويل جماعات مسلحة بعد إلغاء الانتخابات. أحد الدوافع المحتملة قد يكون شخصياً – فرجام تولى مسؤولية رئيس ديوان مدني عقب تنزيل مرتبة عبد الرحيم – ولكن الأكثر احتمالاً أن عبد الرحيم أراد ببساطة أن يجعل من المستحيل حصول أي نوع من الحوار مع الجناح المعتدل في «الجبهة الإسلامية للإنقاذ». ومن الممكن حقاً أيضاً أن يكون هذا هو الدافع لتفجير المطار كذلك.

7- لا أريد أن أفترض ضمناً (تلميحاً)، من خلال تقديم هذه النظريات، أن «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» ليس لها صلة بحملة الإرهاب الحالية. في الحقيقة، رسالتي بتاريخ 7 سبتمبر أشارت إلى التحول المتنامي نحو الراديكالية في «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» وكسوف فرع الجزأرة الأكثر اعتدالاً منذ يناير. ولكن من الواضح أن علينا أن نكون واعين لعدم أخذ الاعترافات التلفزيونية على قيمتها الظاهرية. إنها فقط عنصر واحد من صورة معقدة إلى حد ما، ولضرورة التأكيد مرة أخرى على خطورة الحديث عن «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» وكأنها كل متجانس.

8- أحد المتفرعات من الاعترافات والشهرة التي تبعتها كان ظهور كمية لا بأس بها من المعلومات الجديدة عن أشخاص في الحركة الإسلامية الجزائرية. نسجّل حالياً بشكل منهجي مثل هذه المعلومات على فهرس بطاقات. سنرسل لكم نسخة عنها في الحقيبة (الدبلوماسية) المقبلة، كما آمل، في حال وجدتم أنها قد تكون مفيدة لكم ولقسم الأبحاث والتحليل في متابعة هذه المسألة الغامضة».

رئيس حكومة سابق في لندن… ماذا لو طلبت الجزائر تسليمه؟

وثيقة بريطانية عن رئيس الوزراء الجزائري السابق عبدالحميد براهيمي

لم يكن استقبال بريطانيا للقيادي في «جبهة الإنقاذ» أنور هدام الإشكالية الوحيدة التي سلّطت الوثائق البريطانية السرية الضوء عليها (راجع الحلقة السابقة). فقد كان هناك «ضيف» آخر على الأراضي البريطانية تخشى الحكومة أن يسبب مشكلة لها مع نظيرتها الجزائرية. إنه عبد الحميد براهيمي، رئيس الحكومة الجزائرية السابق (بين 1984 و1988)، الذي كان محور مراسلات دبلوماسية بين السفارة البريطانية في الجزائر ووزارة الخارجية في لندن.
كانت بريطانيا تخشى أن تقدّم الحكومة الجزائرية طلباً لترحيل براهيمي إليها لمساءلته في قضية المزاعم التي أطلقها عن «اختلاس» 26 مليار دولار من خزائن الدولة الجزائرية نتيجة الفساد خلال حقبة الثمانينات. انشغلت الجزائر في الواقع لفترة طويلة بـ«قنبلة» المليارات المختلسة، وصار اسم براهيمي مرتبطاً بها إلى حين وفاته في أغسطس (آب) 2021 بمستشفى عين النعجة العسكري في الجزائر التي عاد إليها بعدما عاش لسنوات طويلة في منفاه البريطاني. فما قصة عبد الحميد براهيمي ولجوئه إلى بريطانيا في تسعينات القرن الماضي؟
تناول هذه القضية السفير البريطاني لدى الجزائر كريستوفر باتيسكوم الذي كتب، في 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 1992، مراسلة (محفوظة في الأرشيف الوطني) موجهة إلى د. ريتشموند، في قسم الشرق الأدنى وشمال أفريقيا في وزارة الخارجية، مثيراً قضية ناشطي «جبهة الإنقاذ» في أوروبا.

وثيقة بريطانية عن رئيس الوزراء الجزائري السابق عبدالحميد براهيمي

جاء في الرسالة:
«ناشطو الجبهة الإسلامية للإنقاذ في أوروبا: عبد الحميد براهيمي
1 – نشر الإعلام الجزائري تكراراً مواضيع على مدى الأيام القليلة الماضية عن رئيس الحكومة الأسبق، عبد الحميد براهيمي، الذي صدر في حقه استدعاء لتقديم أدلته بخصوص مزاعمه العلنية في مارس (آذار) 1990 بأن 26 مليار (دولار) اختُلست من خزائن الدولة من خلال الفساد. وربما تعلم أن براهيمي يعيش منذ بعض الوقت في إنجلترا، حيث يحاضر في الاقتصاد الإسلامي بجامعة ليستر. لقد تقدمت أسرته أمس في السفارة بطلبات للحصول على تأشيرة (ابنته، كما يبدو، حصلت على فرصة عمل في ليستر)، لذلك يبدو أنه يخطط للبقاء (في بريطانيا). أخفق براهيمي، كما يبدو حتى الآن، في الرد على طلب الاستدعاء، رغم – كما تقول وسائل الإعلام – الإعلان الأخير الذي أدلى به رئيس الحكومة (الجزائرية) أمام المجلس الاستشاري الوطني أن الحكومة مستعدة لمنحه كل الضمانات الضرورية. تتكهن الصحف حول ما إذا كانت المحاكم ستصدر استدعاءً جديداً لبراهيمي، وحول ما إذا كانوا سيتركون المسألة تسقط ببساطة، أو ما إذا كانوا سيلجأون إلى الإنتربول (في ظل غياب معاهدة تسليم بين بريطانيا والجزائر).
2 – هذا السؤال كان فعلاً محور نقاش عندما تقابلت مع الوزيرة الجديدة المستشارة للشؤون القانونية والإدارية السيدة بلميهوب – زيداني (مريم بلميهوب) خلال حفلة استقبال أمس. السيدة زيداني لم تطلب شيئاً محدداً مني، وليس من أي أحد آخر حتى الآن، لكنها قالت إنه بما أنه أدلى بهذه المزاعم فإن براهيمي عليه استحقاق أمام الجميع كي يعود ويكشف ما هي الأدلة التي يملكها. واصلت (حديثها) موجهة اتهاماً لبراهيمي بأنه مؤيد بوضوح للجبهة الإسلامية للإنقاذ، معتبرة أن هدف إطلاق مزاعمه عام 1990 كان مساعدة الجبهة الإسلامية للإنقاذ على الفوز بالانتخابات البلدية في يونيو (حزيران). لقد كشف عن لونه الحقيقي أكثر العام الماضي عندما انضم (مع وزير الخارجية السابق الذي يحمل اسم الشهرة ذاته أحمد طالب الإبراهيمي) عضواً في لجنة الدفاع عن حقوق قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ المسجونين. شخصياً، لدي بعض الشكوك حيال تفسيرات السيدة زيداني بما أنني أعربت عن اعتقادي في ذلك الوقت، وما زلت أعتقد، أن المزاعم التي أدلى بها براهيمي لها علاقة بالصراعات الداخلية في جبهة التحرير الوطني أكثر مما هي للترويج للجبهة الإسلامية للإنقاذ. ولكن ليس لدي شك في أنها تعكس وجهة نظر كثيرين من النظام الحالي. ما قالته (الوزيرة الجزائرية) ينسجم مع إيحاءات أخرى صدرت أخيراً في وسائل الإعلام أن الشاذلي (بن جديد) نفسه كان لفترة طويلة يروج سراً للجبهة الإسلامية للإنقاذ بوصفها وسيلة لإبقاء نفسه في السلطة.

الشاذلي بن جديد (غيتي)

3 – إن مثل هذا الكلام لن يشجع بالطبع براهيمي على العودة وربما يفسر لماذا تسعى عائلته بتلهف للحاق به في المملكة المتحدة. آمل ألا تكبر هذه المسألة إلى صراع قضائي من أجل إعادة براهيمي (إلى الجزائر)، ولكن بما أنه ليست هناك حالياً اتهامات حقيقية ضده، فإن هذه المسألة تبدو، في الأسوأ، ما زالت بعيدة حالياً.
4 – ولكن هذا يقود إلى موضوع ربما يكون له اهتمام أوسع (ومن هذا المنطلق تأتي الجهات التي يتم توجيه هذه البرقية لها) – الانتقاد المتصاعد الذي يصدر هنا حيال الدول الأوروبية لإيوائها أعضاء في الجبهة الإسلامية للإنقاذ المعارضة. زميلي السفير الألماني الجديد أخبرني أنه في كل زيارات اللقاءات التعارفية التي يقوم بها يتم الهجوم عليه من وزراء جزائريين بسبب وجود القادة السابقين للجبهة الإسلامية للإنقاذ في ألمانيا ونشاطاتهم. وسائل الإعلام كانت أيضاً فتاكة في خصوص السهولة التي يحصل فيها ناشطو جبهة الإنقاذ على تصاريح إقامة في فرنسا أو لحصولهم على اللجوء السياسي في بلجيكا. نجت المملكة المتحدة حتى الآن من هذا (الهجوم)، لكنني أتوقع أنها مسألة وقت فقط قبل أن يظهر واحد أو أكثر من القادة السابقين للجبهة الإسلامية للإنقاذ في لندن. بحسب يومية الوطن، قام أصوليون جزائريون بمهاجمة إمام مسجد ريجينت بارك لرفضه أن يخطب عن الوضع السياسي في الجزائر وانتزعوا الميكروفون من يديه كي يتحدثوا عن هذه المسألة بأنفسهم. (هذا يتوافق مع معلومات رأيناها من مصادر أخرى عن نشاطات سياسية تتركز حول المسجد). أوحى السفير الألماني بأن علينا أن نناقش في اجتماع مقبل لسفراء المجموعة الأوروبية سياستنا تجاه إصدار تأشيرات لأصوليين، وأتصور أن هذه المسألة ستثار بين العواصم (الأوروبية) أو من خلال التعاون السياسي في المجموعة الأوروبية.
5 – كما تعرفون، سياستنا بخصوص التأشيرات تختلف عن بعض زملائنا في المجموعة (الأوروبية)، مثلاً الفرنسيون والبلجيكيون، الذين رغم الانتقادات التي توجه لهم يجدون عملياً من السهولة أن يمنعوا ناشطي الجبهة الإسلامية للإنقاذ على أسس سياسية. عندما كتبت عن تبادل سابق بين سفراء المجموعة الأوروبية حول هذه المسألة (المحضر الداخلي بتاريخ 24 مارس، الذي أرسلنا نسخة منه لقسم الشرق الأدنى وشمال أفريقيا)، رد ألان مونتغمري (قسم الهجرة واللجوء بوزارة الخارجية) برسالة بتاريخ 28 أبريل (نيسان) موجهة لي، باستبعاد حتى تبادل المعلومات بخصوص ناشطي جبهة الإنقاذ الذين يتقدمون بطلبات تأشيرة. ربما يكون من الحصافة (الحكمة) أن يتم النظر في إمكانية استحداث بعض المرونة في خصوص هذه المسألة في حال أثيرت هذه القضية من جديد. وبما يتعلق بسياستنا الخاصة، يمكنني فقط أن أقترح أنه يجب علينا أن ننظر بعناية كبيرة لأي طلبات للحصول على تأشيرات من ناشطين معروفين من الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وسنناقش معكم ومع قسم الهجرة واللجوء بخصوصهم متى ما كان ذلك ملائماً، مع الأخذ في الاعتبار احتمال أنه (طلب التأشيرة) ربما يكون الخطوة الأولى في طريق طلب الإقامة أو اللجوء السياسي».

كميل الطويل

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




ما الخلفيّات الثقافيّة التي ينسلك فيها عنفُ المدُن الأُوروبّيّة؟

الفقر ليس انغلاقاً وعنفاً، والغنى ليس انفتاحاً وسلماً

يحار العقلُ السليمُ في أزمة الأحياء الفقيرة التي تسوّر مدنَ الغرب الأُوروبّيّ، ومعظمها أضحى يقطنها المهاجرون الذين أتَوا يطلبون الأمان والسلام والرزق. ليس لنا أن نختبئ وراء إصبعنا، فنخفي هويّة هؤلاء الفقراء الذين يأتون المدنَ الأُوروبّيّةَ المزدهرة علميّاً واقتصاديّاً. الثابت أنّ الأغلبيّة العظمى آتيةٌ من الأوطان العربيّة والأفريقيّة والآسيويّة المسلمة، ولو أنّ بعضاً منهم ينحدرون من أوطان أمِيركا الجنوبيّة والأوطان الآسيويّة غير المسلمة. لا يجوز لنا أن نكتفي بتحليل الظاهر من الأحداث، بل ينبغي أن نستجلي بهدوءٍ وموضوعيّةٍ الخلفيّات الثقافيّة الناظمة. تيسيراً للفهم، أكتفي بتحليل أربعة عوامل أساسيّة يمكنها أن تساعدنا في إدراك الرهانات الحضاريّة الخطيرة التي تنطوي عليها أحداثُ العنف المتكرّرة في ضواحي هذه المدُن.

العامل الأوّل: الفقر والغنى

يغلب على العامل الأوّل الطابع الاجتماعيّ، إذ إنّ جميع هؤلاء المهاجرين الذين استقرّوا في أُوروبّا، سواء منذ زمنٍ بعيدٍ أو منذ زمنٍ قريبٍ، كانوا يعانون الفقر المدقع الذي دفع بهم إلى الاقتلاع الذاتيّ وهجرة أوطانهم. غير أنّ الفقر ليس بحدّ ذاته سبباً يحرّض على العنف. كذلك ليس الغنى بحدّ ذاته عنصراً يحثّ على السلم. الفقر ليس انغلاقاً وعنفاً، والغنى ليس انفتاحاً وسلماً. ليس الفقراء كلّهم عبثيّين فوضويّين عنفيّين، وليس الأغنياء كلّهم عقلانيّين حكماء مسالمين. يذكر الجميع أنّ أهل التصلّب الأيديولوجيّ والأصوليّات الدِّينيّة يخرجون من جميع البيئات، وقد خرج بعضُهم من البيئات الميسورة. ومن ثمّ، يجب الاعتراف بأنّ الأصوليّة العقائديّة لا ترتبط حتماً بالقرائن الاقتصاديّة الاجتماعيّة، بل تقترن في عمق مطالبها بالتصوّر الفكريّ السائد.

أعرف أنّ وضعيّة الانحلال الاقتصاديّ والتفكّك الاجتماعيّ تتيح السيطرة الأيديولوجيّة على أذهان الفقراء المعدومين. ولكنّ الأصوليّ الذي يستغلّ فقر الفقراء يُفترض فيه أن يحمل إليهم تصوّراً أيديولوجيًّا واضحَ المعالم يستلّه من الأنظومة الدِّينيّة التي يناصرها. لا يُستغلّ الفقراء في الفراغ الفكريّ. لا بدّ من أنظومة أيديولوجيّة تملأ الفراغ المهيمن. فإمّا القوميّات الانغلاقيّة، وإمّا الدِّينيّات المتشنّجة، وإمّا الأيديولوجيات الاقتصاديّة الإقصائيّة، كالشيوعيّة المستبدّة المهلِكة، والرأسماليّة المتوحّشة الجارفة. لا يهيمن على الفقير فكرٌ فارغٌ يفتقر إلى الأفكار الاستنهاضيّة. لذلك لا تنشأ الأصوليّات من الأوضاع الاقتصاديّة المهترئة، بل تنبثق من تصوّراتٍ فكريّةٍ تَصنَّمت في نصوصٍ جامدةٍ، فاستباحت البيئات الاجتماعيّة الضعيفة المنعطبة.

العامل الثاني: العلاقة الاستعماريّة

يتّصف العاملُ الثاني بالبُعد السياسيّ، إذ إنّ معظم الذين يأتون إلى أوروبّا إنّما يرومون أن يبادلوا الأُوروبّيّين واجب الضيافة. في معظم الأحيان تأتي زيارتهم ردّاً على زيارة الأُوروبّيّين، وفي الزيارتَين تنعقد وجوهٌ إشكاليّةٌ شتّى تنطوي عليها مقولة الاستعمار. لا يتردّد الغلاةُ من المهاجرين في الإعلان عن نيّاتهم: ردّ الجميل بإعادة استعمار أُوروبّا. لذلك لا بدّ من مصارحةٍ شفّافةٍ موضوعيّةٍ تُبيّن للجميع أنّ التكتّم في مسألة استغلال الشعوب يُفضي إلى الخراب. فهل يجرؤ الأُوروبّيّون ويعترفون بمقدار الأذى الذي ارتكبوه في المناطق التي استعمروها؟ وهل تجرؤ الشعوب المستعمَرة فتعترف بالفضل الحضاريّ الذي تجلّى في عمليّات التنشئة والتربية والتنوير التي اضطلعت بها الشعوب الأُوروبّيّة في المجتمعات الفقيرة؟ أعلم أنّ مثل هذا الاعتراف عسيرٌ على الجميع. ولكن لا سبيل إلى المصالحة من غير الإقرار بنعمة الحقيقة المنقذة من الضلال.

علاوةً على ذلك، ينبغي أن يَعمد الأُوروبّيّون إلى إنشاء صندوقٍ ماليٍّ تعويضيٍّ يمنح هذه المجتمعات من المساعدات ما يوازي الكنوز التي نُهبت منها. أمّا الأمر الأهمّ فالكفّ عن مساندة الطغاة المستبدّين الذين يحكمون بالحديد والنار شعوبَ المناطق المنكوبة هذه. حينئذ تُترك الحرّيّة لهذه الشعوب في أن تختار تصوّرها الثقافيّ ونمطها الاجتماعيّ ونظامَها السياسيّ بمعزلٍ عن مطامع الأمم الغربيّة أو الآسيويّة المقتدرة. بيد أنّ التزام الحياد الثقافيّ والسياسيّ لا يعني أن تخون دوائرُ القرار السياسيّ الخارجيّ الغربيّ نضالات الشرفاء المستنيرين الذين يتوقون إلى إصلاح مجتمعاتهم. الحياد الأُوروبّيّ يكفّ عن حياديّته حين يتطلّب الأمرُ مناصرةَ كرامة الإنسان وصون حقوقه الأساسيّة. أمّا الخصوصيّات الثقافيّة المقترنة بالذهنيّات المحلّيّة السائدة، فأمرٌ جليلٌ ينبغي التحوّط الأعظم فيه، قبل أن يبتّ الأُوروبّيّون مسألة التمييز بين واجب رعاية هذه الخصوصيّات، وواجب استنقاذ الإنسان المعذَّب المضطهَد من جرّاء الأثقال المعنويّة التي تُكبّله بها مثلُ هذه الخصوصيّات.

العامل الثالث: التعدّديّة الدِّينيّة اليهوديّة المسيحيّة الإسلاميّة

لا بدّ من استحضار البُعد الدِّينيّ في تحليل العلاقات الإشكاليّة الناشبة بين الغرب الأُوروبّيّ وشعوب المجتمعات الشرقيّة والأفريقيّة والآسيويّة التي ما برحت تنزف نزفاً مؤلماً منذ وطئت أراضيها أقدامُ المستعمِرين. لا يخفى على أحد أنّ معظم المهاجرين يدينون بالإسلام، وأنّ أُوروبّا المسيحيّة التي استضافت اليهود واحتكّت احتكاكاً مُغنياً بالثقافة العربيّة الوسيطيّة إنّما تجتهد في استقبال الوافدين إليها استقبالاً عَلمانيّاً إنسيّاً محايداً لا يَفرض عليهم أيَّ ضربٍ من ضروب الارتداد الدِّينيّ. أذكّر بأنّ هذه الثقافة ازدانت بأقلام الفلاسفة والعلماء والأدباء العرب اليهود والمسيحيّين والمسلمين، ولو أنّ تعاقب الأزمنة أضعف المساهمتَين اليهوديّة والمسيحيّة.

زدْ على ذلك أنّ أُوروبّا المسيحيّة هذه لم تَعد مسيحيّةً بالمسلك العلنيّ والممارسة الشعائريّة، بل اكتفت بالاقتناع الإيمانيّ الشخصيّ الفرديّ الذاتيّ. يعلم الجميع أنّ التشريع الأُوروبّيّ المبنيّ في قسطٍ عظيمٍ منه على الروحيّة المسيحيّة تجاوز حدودَ الانتماء المذهبيّ، وجعل الإنسانَ محورَ عنايته. فبلغت الإنسيّة الأُوروبّيّة حدودَ المجازفة في إعادة تركيب هويّة الإنسان وفقاً للفتوحات الفكريّة التحرّريّة التي أعرضت عن القول بالماهيّة الإنسانيّة الجامدة، وطفقت تنادي بإنسانٍ جديدٍ تصنعه تفاعلاتُ التاريخ واعتمالاتُه المشرَّعة على جميع الإمكانات. من الضروريّ، والحال هذه، أن يدرك المهاجرون المسلمون أنّ أُوروبّا تَعقل حقائق الوجود الإنسانيّ بالاستناد إلى الخلفيّة الدِّينيّة المسيحيّة، وإلى الخلفيّة الثقافيّة الإنسيّة العَلمانيّة. لا شكّ في أنّ هاتَين الخلفيّتَين تتيحان لجميع الوافدين أن ينعموا بالحرّيّات العامّة وبالإمكانات الانتمائيّة السليمة، ولو على مقدار الحدّ الأدنى من الاندماج. أعتمد عبارة الحدّ الأدنى، إذ أدرك أنّ الناس لا يستطيعون أن يخرجوا من ذاتيّتهم خروجاً مطلقاً إلّا بعد اختباراتِ أجيالٍ متعاقبةٍ اجتهدت اجتهاداً صادقاً في التوفيق المغني بين الثقافة الذاتيّة وثقافة الآخر المستضيف.

العامل الرابع: الاضطلاع الهنيّ بأصالة الاختلاف الجوهريّة

لا عجب، والحال هذه، من أن تُفضي العوامل الثلاثة هذه إلى استجلاء العامل الثقافيّ الذي يستشكله سؤالُ الاختلاف بين الحضارات الإنسانيّة. أعتقد أنّ جميع الأنظومات الدِّينيّة تنطوي على عناصر فكريّة استنهاضيّة تحتمل تسويغ التعدّديّة. تختلف أصناف التسويغ باختلاف التصوّرات الفكريّة الناظمة. وعليه، لا يستطيع الناس المختلفون أن يتعايشوا تعايشاً سلميّاً مُغنياً إلّا إذا استثمروا طاقات الانفتاح التي تختزنها تراثاتُهم الدِّينيّة. لا يجوز أن يلاقي الإنسانُ الغربيُّ المهاجرَ المسلمَ ملاقاةَ الاستعلاء الحضاريّ، حتّى لو أتاه يطلب الرزق والرفق والأمان. كذلك لا يجوز للمهاجر المسلم أن يلاقي الإنسان الغربيّ المستضيف ملاقاة الاستكبار الأصوليّ، وفي ذهنه أنّ تصوّره الدِّينيّ يجب أن يُفرض على جميع أهل الأرض. آن الأوان لكي يدرك الناس المختلفون الآتون من آفاق التباين الحضاريّ الشرعيّ أنّ الاختبارات الوجدانيّة الفرديّة والجماعيّة ليست واحدةً في الأرض، وأنّ طرُق التفكير المختلفة تُفضي إلى خلاصاتٍ عقائديّة ومسلكيّة متعارضة. عوضاً عن الاستماتة في إقناع الآخرين بصوابيّة المعتقد الذاتيّ، ينبغي أن يقبل الناسُ بالاختلاف سُنَّةً أصليّةً في الحياة. ليست الوحدة أصلَ الوجود، بل التنوّع المنبسط في رحاب الكون. حين نعترف بأصالة الاختلاف ونكفّ عن النظر فيه نظرةَ الخطأ التاريخيّ الطارئ الذي يجب تصحيحه حتّى يرتدّ جميع الناس إلى الصراط المستقيم، نستطيع أن نتحاور ونتعاون ونتشارك ونتقابس في روح الألفة الإنسانيّة التي ترعاها شرعة حقوق الإنسان. كلُّ سبيلٍ آخر يحوّل الاختلاف إلى احترابٍ كونيٍّ إباديٍّ.

مشير باسيل عون

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




انزعاج إسرائيلي من استضافة جامعة تل أبيب لمستشارة ألمانية تدعم المقاومة

أثار استضافة جامعة تل أبيب للمستشارة في الحكومة الألمانية مورييل أسبيرغ، بزعم أنها قارنت الجرائم الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية بجرائم روسيا في أوكرانيا، انزعاجا في الأوساط الإسرائيلية.

وذكرت صحيفة “إسرائيل اليوم” أنه رغم الانتقادات العلنية للسفارة الإسرائيلية في ألمانيا ضد أسبيرغ، التي أعربت عن دعمها للمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وشبهت تصرفاته في الأراضي المحتلة بجرائم الحرب الروسية في أوكرانيا، فإن معهد دراسات الأمن القومي بالجامعة سوف يستضيفها كجزء من “الحوار الاستراتيجي” الذي يقيمه مع المعهد الألماني.

وأضافت في تقرير ترجمته “عربي21” أنه كجزء من زيارتها إلى تل أبيب، طلبت آسبيرغ إجراء محادثات مع كبار المسؤولين بوزارة الخارجية الإسرائيلية، ولكن بناء على توصية من السفارة في ألمانيا، قررت الوزارة تجنب أي اتصال رسمي معها، بسبب مواقفها المناهضة لإسرائيل.

وستشارك أسبيرغ مع وفد ألماني في الحوار الاستراتيجي في نقاش بعنوان “إسرائيل- فلسطين: هل نقترب من نهاية إمكانية حلّ الدولتين؟”.

وأشارت الصحيفة إلى أن الندوة سوف تتم بحضور مسؤول قسم الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الألمانية أولريخ إرنست، ومن شركاء منظمة “الحوار السياسي” مؤسسة “فريدريش إيبرت” السياسية المقربة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني الحاكم.

وأوضحت أن هذه المؤسسة الألمانية دعمت آسبيرغ في المواجهة التي شهدتها مع السفارة الإسرائيلية في برلين، وتعتبرها خبيرة ممتازة وشريكة وثيقة، كما أعرب ممثل صندوق “إسرائيل” الجديد في ألمانيا عن دعمه لها.

وآسبيرغ هي عضو معهد الاستشارات الحكومية SWP، التي دعمت بشكل واضح حق الفلسطينيين في المقاومة العنيفة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ودافعت عن ادعاء الفلسطينيين بأن السياسيين والإعلاميين في ألمانيا يتجاهلون معاناتهم، مما دفع السفارة الإسرائيلية في ألمانيا لشنّ هجوم نادر وحادّ للغاية عليها.

وتعمل آسبيرغ في معهد يقدم خدمات استشارية دائمة في السياسة الخارجية لمكاتب الحكومة الفيدرالية الألمانية والبوندستاغ الألماني ومعهد التعليم السياسي.

كما اتهمتها السفارة الإسرائيلية في برلين بتبرير المقاومة الفلسطينية المسلحة، ودعمها لمحاكمة مسؤولين إسرائيليين أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب، وإشارتها المتكررة أن “إسرائيل” دولة فصل عنصري.

ويأتي هذا التحريض الإسرائيلي على المسؤولة الألمانية استكمالا لضغوط يمارسها الاحتلال على برلين لاعتبار الندوات والأنشطة المساندة لحملات حركة المقاطعة، وسحب الاستثمارات منه، وفرض العقوبات عليه، دعوات مناهضة له تستوجب الوقف والمنع، بعد سنوات من مصادقة البرلمان الألماني على قرار غير ملزم اعتبر أن حركة المقاطعة “معادية للسامية”، وطالب بفرض العقوبات على كل من يتعامل معها، أو يدعمها، حيث لعب اللوبي الإسرائيلي في ألمانيا دورًا مركزيًّا في صدور تلك القرارات التنفيذية ضد حركة المقاطعة.

المصدر: صحيفة إسرائيل اليوم

ترجمة: موقع عربي 21




التعديلات القضائية لحكومة نتنياهو.. هكذا بدأت وهذه تفاصيلها

صادق برلمان دولة الاحتلال الإسرائيلي ليل الاثنين، في قراءة أولى على بند أساسي ضمن مشروع قانون مثير للجدل يحدّ من صلاحيات المحكمة العليا، في حلقة جديدة من مسلسل إقرار هذا التعديل الذي أدّى إلى واحد من أضخم الاحتجاجات الشعبية ضد حكومة بنيامين نتنياهو.

والنصّ الذي تمّت المصادقة عليه في قراءة أولى ليل الاثنين يرمي لإلغاء إمكانيّة أن يفصل القضاء في “مدى معقوليّة” قرارات الحكومة.

وفي حين يواجه المشروع معارضة شرسة، يؤكّد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أنّه يرمي لإحداث توازن بين السلطات عبر تقليص صلاحيات المحكمة العليا لصالح البرلمان.

وتمت المصادقة على النص في قراءة أولى في جلسة سادها الاضطراب ونال 64 صوتا، وهو عدد نواب الائتلاف الحكومي. وصوّت نواب المعارضة وعددهم 56 جميعا ضد النص.

 تفاصيل التعديلات

من جانبها، سلطت “فورين أفيرز” الضوء على التعديلات القانونية التي فجرت مظاهرات أسبوعية متواصلة رفضا لها، باعتبارها “استبدادية” وتقلص صلاحيات الجهاز القضائي لصالح السلطة التنفيذية.

ونشرت الصحيفة تقريرًا، ترجمته “عربي21″؛ ذكرت فيه أن حكومة نتنياهو كشفت عن خطط بهذه التغييرات ستؤدي إلى تآكل جميع الضوابط والتوازنات المؤسسية تقريبا، مع تركيز قوة هائلة في يد السلطة التنفيذية.

وأفادت بأن نتنياهو يدَّعي أن هذه الإصلاحات ضرورية لاستعادة توازن القوى بين السلطة التشريعية والسلطة القضائية، وهو ما يختلف معه العديد من الإسرائيليين؛ الذين خرجوا في مظاهرات، فيما يحذر الاقتصاديون من أن خطة الحكومة قد تضر بالاقتصاد وتؤثر على قدرة إسرائيل على جذب الاستثمار الأجنبي لقطاع التكنولوجيا الفائقة.

وذكرت الصحيفة أنه بموجب خطة الحكومة المقترحة؛ فلن تتمكن المحكمة العليا من إلغاء القوانين إلا إذا نظر جميع قضاتها الـ15 في الأمر ووافق 12 منهم، وهو ما يعني أنه سيتم إلغاء عدد قليل جدًّا من القوانين، إن وجدت. وحتى لو تمكنت المحكمة من إبطال القانون، فلن تكون هذه هي نهايته؛ حيث تتضمن الخطة أيضًا “بندًا غير محدود”، والذي من شأنه أن يسمح للكنيست بتجاوز أي قرار بإلغاء قانون بأغلبية بسيطة من جميع أعضاء الهيئة، وبما أن كل حكومة تمتلك أغلبية في الكنيست، فإنه سيمكن تجاوز أي حق سواء من الحقوق الأساسية، أو حقوق المشاركة السياسية، وحتى الحق في التصويت.

ولضمان عدم انحراف المحكمة عن جدول أعمال الحكومة؛ فإن الخطة ستسعى أيضا إلى تحويل لجنة التعيينات القضائية بحيث تتمتع الحكومة بأغلبية تلقائية.

ولن تتمكن المحكمة العليا من مراجعة القوانين الأساسية على الإطلاق بموجب الخطة المقترحة، وبمجرد أن تكون القوانين الأساسية محصنة من المراجعة، فإنه يمكن إعادة صياغة التشريعات المتطرفة كقوانين أساسية للتحايل على المراجعة القضائية، وتم بالفعل تقديم مشروع قانون هجرة بعيد المدى يسمح بالاحتجاز غير المحدود لطالبي اللجوء كقانون أساسي لهذا السبب بالتحديد.

ولفتت إلى أن الحكومة تصر على أن هذه الإصلاحات تتماشى مع ترتيبات الدول الأخرى، لكن هذه الدول لديها ضوابط وتوازنات غير موجودة في إسرائيل، ولا تنوي الحكومة الإسرائيلية إدخالها.

وكشفت الصحيفة أنه بمجرد “إصلاح” السلطة القضائية؛ فإن حكومة نتنياهو تريد تعديل قوانين الانتخابات لحظر حتى التصريحات المتفرقة التي “تدعم الإرهاب” – والتي يمكن تفسيرها على أنها تشمل انتقادات شديدة للاحتلال الإسرائيلي وحتى التشجيع الغامض للمقاومة الفلسطينية -، ما يمنع فعليًّا العديد من العرب من الترشح لانتخابات الكنيست. وإذا ما تم تمرير هذا القانون؛ فإنه من المرجح أن يتسبب في انخفاض كبير في نسبة المشاركة في التصويت بين فلسطينيي 48، ما يزيد من تعزيز حكومة نتنياهو من خلال جعل الأمر أكثر صعوبة على المعارضة لتحقيق الحد الأدنى من أعضاء الكنيست البالغ عددهم 61.

الحروب القضائية

واستعرضت الصحيفة التاريخ الدستوري والقضائي الإسرائيلي؛ حيث لا يوجد لدى إسرائيل دستور صارم، رغم أنه في عام 1949 تم انتخاب جمعية تأسيسية لوضع الدستور، لكنها وصلت إلى طريق مسدود، وقرر أعضاؤها تحويل الهيئة إلى هيئة تشريعية (الكنيست) تحتفظ بالسلطة التأسيسية للجمعية، وبدلًا من اعتماد دستور مكتمل؛ فقد وافق الكنيست على تقسيم الدستور إلى فصول كل منها يشتمل على “قانون أساسي” سيصبح يومًا ما جزءًا من دستور رسمي.

وتابعت الصحيفة قائلة إنه بين عامي 1949 و1992؛ أجرت المحكمة العليا مراجعات قضائية للقرارات الإدارية، ما يعني أنها نظرت في شرعية الإجراءات التنفيذية، وفي عام 1992؛ أصدر الكنيست قانونين أساسيين يتناولان هذه الحقوق؛ قانون كرامة الإنسان وحريته؛ وقانون حرية الاحتلال، وهي قوانين جديدة ليس فقط لأنها تحمي حقوقًا معينة، ولكن أيضًا لأنها تحتوي على ما يسمى ببنود التقييد التي تنص على أنه لا يمكن تقييد الحقوق المذكورة إلا إذا كان الاستثناء متوافقا مع قيم الدولة، وسُنَّ لغرض مناسب، وإلى حد لا يتجاوز المطلوب. وعلى هذا الأساس – وبعد ثلاث سنوات – رأت المحكمة العليا أن القوانين الأساسية أعلى من التشريعات العادية، ومن ثَمَّ فهي تتمتع بسلطة إلغاء أي تشريع يخالفها.

ووفق الصحيفة فقد اختارت إسرائيل قضاتها – منذ عام 1953 – من خلال لجنة متنوعة تتألف من ثلاثة قضاة في المحكمة العليا، ووزيرين في الحكومة، وعضوين في الكنيست، وعضوين في نقابة المحامين الإسرائيلية. ولتعيين قاضٍ بالمحكمة العليا؛ يلزم الحصول على أغلبية من سبعة أصوات للجنة المكونة من تسعة أعضاء، ما يعني أنه لا يمكن لأي مجموعة التصرف بمفردها. ويمكن للقضاة استخدام حق النقض ضد ما يريده السياسيون، ويمكن للسياسيين استخدام حق النقض ضد ما يريده القضاة، وقد أدى ذلك إلى نظام لبناء توافق الآراء والتفاوض ينتج عنه قضاة ينظر إليهم في الغالب على أنهم وسطيون.

وأشارت الصحيفة إلى أن اليمين الإسرائيلي يتهم المحكمة العليا بشكل متزايد بأنها ليبرالية للغاية وتتجاوز صلاحياتها؛ حيث يجادل نتنياهو وحلفاؤه بأن القوانين الأساسية لم تمكن المحكمة صراحة من إبطال القوانين، وأن المحكمة وسعت سلطات المراجعة الدستورية والإدارية بشكل كبير، وأنها تدخلت كثيرًا في شؤون الأمن القومي، رغم أن المحكمة كانت تراعي بشكل دائم مسائل الأمن القومي، وخاصة عند مراجعة إجراءات الحكومة في ما يتعلق بالأراضي المحتلة؛ حيث رفضت المحكمة باستمرار البت في الشرعية الشاملة للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والتي تعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي، كما أنها سمحت بهدم منازل المقاتلين الفلسطينيين وهو ما ينتهك قوانين الحرب، وأذنت المحكمة تقريبًا بكل سياسة تتعلق بالمستوطنات مع توفير إطار من الشرعية الدولية للاحتلال المستمر منذ 55 عامًا، ولكن هذا لم يكن كافيًا بالنسبة لحكومة نتنياهو الجديدة، فهي عاقدة العزم على تجريد المحكمة العليا من صلاحياتها؛ بدءًا من العملية التي يتم من خلالها التعيينات القضائية إلى وضع وصلاحيات المستشارين القانونيين الحكوميين.

تسلسل زمني

29 كانون الأول/ ديسمبر 2022
حكومة نتنياهو اليمينية تؤدي اليمين الدستورية

عقب توصل حزب “الليكود” برئاسة نتنياهو إلى اتفاق مع الأحزاب اليمينية وأبرزها “الصهيونية الدينية” بزعامة بتسلئيل سموتريتش، وحزب “قوة يهودية” بقيادة إيتمار بن غفير، أدت الحكومة برئاسة نتنياهو، اليمين الدستورية، وسط تحذيرات كبيرة من الأخطار التي تمثلها تلك الحكومة بتركيبتها اليمينية المتطرفة، حيث بلغ عدد أعضائها 64 نائبا داخل الكنيست بمن فيهم الوزير يؤاف غالانت، ما أتاح لوزير القضاء “الحاقد” بالعمل على خطة التعديلات مباشرة.

4 كانون الثاني/ يناير 2023
وزير العدل يكشف عن خطة “الإصلاح القضائي”

أعلن وزير العدل، وهو عضو في حزب “الليكود”، ياريف ليفين، عن خطة “إصلاح” شامل وواسع النطاق ومثير للجدل للنظام القضائي والقانوني في “إسرائيل”، وشملت على مقترحات جارفة لتقليص سلطات القضاة بشدة والكثير من التغييرات الجذرية في نظام الحكم الإسرائيلي، وعلى الفور حذرت المعارضة في “انقلاب سياسي”، وفقا لاقتراحات ليفين، سيتم منع المحكمة العليا بشكل صريح من التداول والبت في قوانين الأساس في “إسرائيل”.

7 كانون الثاني/ يناير 2023
انطلاق المظاهرات الإسرائيلية رفضا لخطة ليفين

بدء خروج الإسرائيليين في مظاهرات غاضبة تلبية لدعوة المعارضة الإسرائيلية برئاسة يائير لابيد، احتجاجا على خطة “الإصلاح القضائي” التي يقودها وزير القضاء ليفين ورئيس الحكومة نتنياهو، وتوسعت أسبوعيا لتضم مئات الآلاف من المتظاهرين الذين توزعوا في العديد من مراكز المدن في الداخل المحتل، وخاصة في تل أبيب والقدس المحتلة.

12 كانون الثاني/ يناير 2023
رئيسة المحكمة العليا في إسرائيل تهاجم خطة حكومة نتنياهو

هاجمت رئيس المحكمة العليا، القاضية إيستر حايوت، خطة حكومة نتنياهو، التي تسعى إلى إضعاف الجهاز القضائي، مؤكدة أن خطة “الإصلاحات” المزعومة، تهدف إلى “سحق النظام القضائي وتحويله إلى سلطة صامتة”.

22 كانون الثاني/ يناير 2023
نتنياهو يطرد درعي من الحكومة

استجابة لقرار المحكمة العليا الإسرائيلية، القاضي بعدم أهلية تولي زعيم حركة “شاس” وزير الداخلية والصحة، أرييه درعي، الذي سبق أن أدين بالاحتيال والسرقة، أي حقيبة وزارية، فقد قرر رئيس حكومة الاحتلال إقالة درعي.

شباط/ فبراير 2023
تصاعد الاحتجاجات ضد خطة “الإصلاح القضائي” لحكومة نتنياهو

تواصلت المظاهرات الإسرائيلية التي تقودها المعارضة الإسرائيلية وتشارك فيها العديد من الشخصيات الأمنية والعسكرية رفيعة المستوى، ضد خطة نتنياهو في العديد من الشوارع والميادين الرئيسية، ما تسبب في اعتقال شرطة الاحتلال العديد من المتظاهرين والاعتداء على بعضهم.

 12 شباط/ فبراير 2023
الوزير ليفين يتهم المحكمة العليا بالانقلاب على الحكومة

اتهم وزير القضاء ليفين، وهو من قام بصياغة خطة “الإصلاح القضائي” لحكومة نتنياهو، المحكمة العليا الإسرائيلية بـ”الانقلاب” على حكم نتنياهو، وذلك بعد نظر المحكمة في التماس يطالب بتنحية رئيس الحكومة نتنياهو، بموجب إجراء يقضي بتعذر نتنياهو عن القيام بمهام منصب كرئيس للحكومة.

20 شباط/ فبراير 2023
الكنيست يصادق على قوانين جديدة

صادق الكنيست الإسرائيلي المصادقة بالقراءة الأولى على مشروعي قانون قدمتهما حكومة نتنياهو؛ الأول، يمنع المحكمة العليا من شطب “قوانين أساس” صادق عليها الكنيست، والثاني، يعطي الائتلاف الحاكم الأغلبية في لجنة تعيين القضاة.

22 شباط/ فبراير 2023
هيئة في الكنيست تصادق على بعض القوانين

خلال مناقشة أولية، صادقت الهيئة العامة في الكنيست على مشروع “فقرة التغلب”، وهو أحد القوانين الرامية تقويض القضاء الإسرائيلي، كما تمت المصادقة بالمناقشة التمهيدية على قانون “درعي 2″، الذي يسعى الائتلاف من خلاله لإعادة درعي إلى الحكومة.

5 آذار/ مارس 2023
تصاعد رفض قوات الاحتياط للخدمة العسكرية

مع زيادة الحركة الاحتجاجية في صفوف قوات الاحتياط الرافضة للخدمة العسكرية بجيش الاحتلال، وخاصة قوات سلاح الجو الإسرائيلي، الرافضة لما يسمى بـ”الإصلاحات القضائية”، تصاعدت التحذيرات الإسرائيلية من خطورة ذلك على تماسك الجيش وجهوزيته، خاصة من حال التوتر الأمني التي تسود العديد من الجبهات وخاصة غزة والضفة الغربية ولبنان.

10 آذار/ مارس 2023
هرتسوغ يطالب نتنياهو بوقف خطة التعديلات

دعا رئيس الاحتلال الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، الحكومة برئاسة نتنياهو إلى التخلي عن تمرير خطة “الإصلاح القضائي” التي أظهرت هشاشة المجتمع الإسرائيلي وانقسامه، ما دفع بالعديد من المحافل الإسرائيلي إلى التحذير من حرب أهلية، وتصاعد التحذيرات من خطورة التعديلات على الاقتصاد والأمن الإسرائيلي وصورة الاحتلال في العالم.

15 آذار/ مارس 2023
هرتسوغ يقترح خطته التوفيقية للتعديلات القضائية

في خطاب متلفز، قدم رئيس الاحتلال الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، خطته التوفيقية الجديدة للإصلاح القضائي التي أطلق عليها اسم “خطة الشعب”،  حيث سعى من خلال تلك خطته، التي وضعها بنفسه دون مشاورات مع الائتلاف الحاكم أو المعارضة، إلى إيجاد حل وسط، تحت سطوة احتجاجات عارمة عمت “إسرائيل” على خلفية خطة الحكومة لتغيير وجه القضاء الإسرائيلي.

 16 آذار/ مارس 2023
ائتلاف حكومة نتنياهو يرفض خطة هرتسوغ

أعلن الائتلاف اليميني الحاكم في “إسرائيل”، رفضه الخطة التوفيقية الجديدة للإصلاح القضائي التي طرحها الرئيس الإسرائيلي، وزعم نتنياهو أن خطة هرتسوغ “تكرس الوضع القائم ولا تجلب التوازن المطلوب في السلطات”.

 20 آذار/ مارس 2023
وزير جيش الاحتلال غالانت يهدد بالاستقالة

مع تصاعد أزمة جيش الاحتلال الإسرائيلي مع الحكومة اليمينية التي يرأسها نتنياهو، في ظل تعنتها بشأن ما يسمى بـ”الإصلاحات القضائية”، هدد وزير الجيش الإسرائيلي يوآف غالانت بالاستقالة من منصبة، في حال تواصلت “عملية التشريعات أحادية الجانب”.

23 آذار/ مارس 2023
نتنياهو يعلن عزمه على طرح خطة “الإصلاح القضائي”

كشف نتنياهو، عزم حكومته طرح  خطة “الإصلاح القضائي” التي أدخلت الاحتلال في صراع داخلي وأزمة متفاقمة، أمام الكنيست الأسبوع الجاري، وهو ما تسبب لاحقا بإقالة وزير الأمن ودخول الاحتلال في حال شلل شبه كامل، نتيجة تفجر الاحتجاجات.

24 آذار/ مارس 2023
المدعية العامة ترفض تدخل نتنياهو في إصلاح القضاء

رفضت المدعية العامة الإسرائيلية غالي باهراف ميارا، تدخل رئيس وزراء الاحتلال نتنياهو في عملية إصلاح القضاء التي تقودها حكومته، وأوضحت أن حديث نتنياهو عن عزمه التدخل شخصيا في خطة “الإصلاح القضائي” هو انتهك للقانون الإسرائيلي.

 26 آذار/ مارس 2023
إقالة وزير الأمن الإسرائيلي يؤاف غالانت

بعد مطالبته رئيس حكومته بـ”وقف” إجراءات تشريع التغييرات في جهاز القضاء، وتهديده السابق  بالاستقالة من منصبه لذات السبب، قرر نتنياهو الذي تلاحقه المحكمة بسبب قضايا فساد تشمل “الفساد وخيانة الأمانة”، وإقالة وزير الأمن غالانت، ما أدى إلى انفجار احتجاجات كبيرة، دخلت معها “إسرائيل” في حالة عدم السيطرة، ما ينذر بـ”كارثة” وشيكة الوقوع.

27 آذار/ مارس 2023
تفجر موجة احتجاجات واسعة ضد حكومة نتنياهو

فور صدور قرار رئيس حكومة الاحتلال إقالة وزير الأمن، اندلعت احتجاجات كبيرة، أدت إلى إغلاق طرق رئيسة، وتوقف حركة الملاحة الجوية في مطار “بن غوريون” الدولية، وقد أغلقت الموانئ البحرية، وشل الإضراب القطاع الصحي والتعليمي.

 27 آذار/ مارس 2023
حكومة نتنياهو تنجو من حجب الثقة

مع دخول الاحتلال في حالة من الفوضى والتأهب الأمني نتيجة توسع الاحتجاجات ضد نتنياهو، فقد سارعت المعارضة الإسرائيلية إلى تقديم مقترح لحجب الثقة عن الحكومة التي يتزعمها نتنياهو، لكن المقترح بحسب مع أعلنه رئيس الكنيست الإسرائيلي، تم رفضه من قبل أغلبية الائتلاف الحاكم، حيث عارضه 59 صوتا وفي المقابل وافق عليه 53.

ولا تزال الاحتجاجات على الأرض ضد التعديلات القضائية مستمرة حتى اليوم.

المصدر: موقع عربي 21




“يوم الشلل”.. احتجاجات وإغلاق للطرق في “إسرائيل” رفضا للتعديلات القضائية

تشهد دولة الاحتلال الإسرائيلي، الثلاثاء، مظاهرات واسعة في أعقاب مصادقة الكنيست بالقراءة الأولى على مشروع قانون “الحد من المعقولية”، الذي يقوض قدرة المحكمة العليا بمراجعة قرارات الحكومة.

وأطلق منظمو الاحتجاجات على فعالياتهم التي تعم المدن وتستمر حتى ساعات المساء، اسم “يوم الشلل الوطني”.

ونظمت احتجاجات في أكثر من 100 موقع، مع تدفق عشرات الآلاف من المتظاهرين إلى مطار بن غوريون في اللد، وسط مواجهات عنيفة مع عناصر شرطة الاحتلال.

وأغلق المتظاهرون الطرق السريعة المؤدية إلى القدس وحيفا وتل أبيب، وبالقرب من الكنيست، في المظاهرات التي تشهدها جميع بلدات دولة الاحتلال.

ومنح بعض أرباب العمل، بما في ذلك البنوك والجامعات وشركات التكنولوجيا، عمالهم يوم عطلة للانضمام إلى الاحتجاجات.

واعتقلت شرطة الاحتلال أكثر من 70 متظاهرا، خلال اضطرابات شهدتها تل أبيب والقدس، ومناطق عدة في دولة الاحتلال

وذكرت صحيفة “يديعوت أحرنوت”، أن الشرطة اعتقلت مصور موقع الصحيفة غيل نحوشتان، أثناء تغطيته للمظاهرات في حيفا.

وقام أطباء إسرائيليون من مستشفى “أساف هروفيه” جنوب شرق تل أبيب بإغلاق  الطريق احتجاجا على التعديلات القضائية.

وقال رئيس الهستدروت إنه قد يعلن إضرابا عاما، فيما احتشد آلاف المتظاهرين في مطار “بن غوريون” في اللد المحتلة، وأكدت حركات الاحتجاج أن الشرطة “تمارس عنفا شديدا” ضد المتظاهرين في قاعة المسافرين القادمين في المطار، وأنه جرى إخلاء بعنف من صالة الوصول.

وانطلقت المظاهرات في المطار، وسط انتشار أكثر من ألف عنصر أمن لمنع تشويش الرحلات الجوية الدولية، فيما تظاهر المئات عند الصالة رقم “3” في المطار.

وأظهرت العديد من مقاطع الفيديو اشتباكات بالأيدي بين عناصر من شرطة الاحتلال ومتظاهرين إسرائيليين، واستخدام القوة في عمليات توقيف المتظاهرين.

وأضرم المتظاهرون النيران في إطارات سيارات فارغة واستخدموا خياما صغيرة لإغلاق شوارع في العديد من المدن، وسار مئات في مسيرات يلوحون بالعلم الإسرائيلي.

وما زال يتعين التصويت على مشروع قانون “الحد من المعقولية” بالقراءتين الثانية والثالثة قبل أن يصبح قانونا نافذا، ولكن لم يحدد موعد التصويت.

ويجتمع المتظاهرون في فرع السفارة الأمريكية في تل أبيب ومقر إقامة رئيس دولة الاحتلال في القدس، وفي شارع كابلان في تل أبيب ومواقع مختلفة في ساعات المساء، على أن تشهد المنطقة الواقعة خارج المحكمة العليا والكنيست تجمعات أخرى.

وزير إسرائيلي يصف المظاهرات بـ”الإرهابية”

ووصف وزير التربية والتعليم الإسرائيلي، يوآف كيش، خلال مقابلة مع إذاعة جيش الاحتلال، المظاهرات الاحتجاجية بأنها “إرهابية”.

وبعد أن احتج الصحفي الذي أجرى المقابلة على هذا الوصف، قال كيش إن “هذه ليست عمليات مسلحة إرهابية، لكنها تعرقل مجرى حياة ملايين الأشخاص ويحظر السماح بذلك”.

عناصر الاحتياط في سلاح الجو يبحثون خطوات احتجاجية قادمة
ويبحث قرابة 200 طيار حربي وعناصر في الاحتياط في سلاح الجو الإسرائيلي خطوات احتجاجية سينفذونها ضد الخطة القضائية، خلال اجتماع يعقدونه الثلاثاء.

وهدد عناصر الاحتياط في سلاح الجو، في الماضي، بالتوقف عن الخدمة العسكرية بسبب خطة إضعاف القضاء، وتراجعوا عن ذلك في أعقاب إلغاء إقالة وزير الجيش، يوآف غالانت.

المصدر: موقع عربي 21




ما حركة التحرر؟ | أبطال حروب التحرير: نصرالله في تموز

«تَزُولُ الْجِبَالُ وَلَا تَزُلْ، عَضَّ عَلَى نَاجِذِكَ، أَعِرِ اللَّهَ جُمْجُمَتَكَ، تِدْ فِي الْأَرْضِ قَدَمَكَ، ارْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى الْقَوْمِ وَغُضَّ بَصَرَكَ وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ»

(وصية الإمام علي بن أبي طالب لولده، وحامل رايته في الحرب، أبي القاسم محمد – سميّ النبي وصاحب كنيته)

إلى حمزة وخيري. بكيناكم كتامر.
… وهذا بعض ما رواه إبراهيم الأمين عن لقاء السيد نصرالله بإدوارد سعيد ومحمود درويش (اللذين طلبا لقاءه، كل على حِدَة) في أعقاب التحرير عام 2000: «… وظلّا يعبثان في الكلام معه كطفل يريد أن يسمع كبيراً من حوله يقول له ما يجعله ينام مطمئناً إلى غده. وكان سؤالهما الصدمة: وماذا بعد؟ لم يكن السيد حسن بخيلاً في شرح مقاصد نضاله ورفاقه… وكان يبتسم ويجيب بصوت هادئ وحاسم: سنُزيل “إسرائيل” من الوجود!» (1).

ما لم يقله إبراهيم، إنه وفيما كنا نتابع بدهشة وفرح عظيم مشاهد التحرير في أيار 2000، كان هذا السؤال بالذات على لسان كل فلسطيني وعربي وفي ذهنه وفي قلبه – لهذا كتبت أكثر من مرة، وبلا ملل، أن انتصار أيار أعاد الصراع العربي الصهيوني إلى المربع الأول، ووضع كل ما ظن العدو أنه إنجازات استراتيجية قد اكتملت وأنجِزَتْ ولا عودة عنها في موقع التشكيك، إن لم يكن قد أبطل مفاعيلها كلياً كما يفيد حال المقاومة وخطابها الجذري في حقبة ما بعد انتصار أيار. وأنه فيما كنّا نتابع صوت السيد القادم من بنت جبيل يومها («الخزي والهزيمة والذل والعار من الماضي. هذا الانتصار يؤسّس لحقبة تاريخية جديدة ويقفل الباب على حقبة تاريخية ماضية. دعوا اليأس وتسلّحوا بالأمل. دعوا الوهن جانباً واشحذوا الهمم والعزائم»)، كان كل فلسطيني يود ويتمنى، ليطمئن قلبه أكثر، لو يستطيع أن يسأل السؤال ذاته أيضاً للرجل الذي كان الجميع، ولا يزال، يؤمن أنه الوحيد الذي يمتلك الجواب، بل والوحيد أيضاً الذي يودّ الجميع أن يسمع الجواب منه بالذات، لا من غيره – ألم يكن هذا بالضبط ما فعله سعيد ودرويش؟ ما لم يقله إبراهيم أيضاً، إن الكثير من الفلسطينيين أيضاً، ليس فقط لا ولم يتوقعوا جواباً غيره (خصوصاً من السيد)، بل وأكثر من ذلك، لا ولن يستطيعوا أن يقبلوا جواباً آخر – ربما لهذا السبب لن يسألوا مثل هذه الأسئلة الكبرى إلا للسيد.

فهذا الجواب كان، ولا يزال، وسيبقى، سبب قدرتنا الوحيد على العيش، وسبب قدرتنا الوحيد حتى على الاستمرار في العيش، رغم كل شيء يجري لنا ومعنا، وهذا الجواب بالذات هو المعنى الوحيد والحقيقي لأن تكون حياً حقاً بالنسبة إلى الكثير من الفلسطينيين: أن بلادنا ستتحرر فعلاً (وعسى، يا ربّ المجاهدين، أن يكون ذلك قريباً)، وأننا سنعود بكرامة إلى بيوتنا وأرضنا وأهلنا. فهذا الجواب، ولا شيء آخر غيره، هو ما يقف بيننا، كأفراد، وكجماعة، وكشعب، وبين الموت السياسي والثقافي والوطني والمعنوي النهائي. فليس صراعنا مع هذا العدو كأي صراع آخر، مهما حاول الأنذال استغلاله وتسييسه أحياناً لخدمة أهداف رخيصة وتشبيهه بصراعات أخرى لا تشبهه على الإطلاق. فما يكافح ويستشهد من أجله شبابنا الأبطال وبالعشرات كل يوم أحياناً هو، حرفياً، الوجود بحد ذاته. لهذا، لا نستطيع ولا يمكننا حتى أن نقبل مجرد التفكير بأي جواب آخر، وليس في القلب والعقل، ولا يمكن أن يكون، متسع لأي جواب آخر، لأنه يعني أن نقبل بموتنا الجماعي وأن نُسَلِّم بإبادتنا كشعب. لهذا، ندرك في أعماقنا جيداً، أن هذه حرب لا يمكننا، ولا نستطيع، أبداً أن نخسرها، لأن الهزيمة فيها تعني شيئاً واحداً فقط: أن لا نكون. ولهذا السبب بالضبط نعرف أن كل ثمن ندفعه أو سندفعه كشعب وأمة لن يكون كبيراً أو كثيراً، بل سيصغر حتماً أمام هذا الهدف النبيل.
في هذا الحوار، جلس إدوارد سعيد، أحد أهم مفكّري العالم في النصف الثاني من القرن العشرين، بين يدي سيد المقاومة (كالطفل فعلاً) ليسأله السؤال الكبير، ثم يغادر مطمئناً إلى حتمية ما ظنه قبلها «المستحيل»، وليخرج من عند السيد أيضاً وثقته بأن هذا «المستحيل»، فقط «على بعد جيل»، كما جاء في «طباق» درويش لسعيد. فسعيد، المفكر والناقد الاستثنائي، كان يعرف أن الجواب على هذا السؤال الكبير يحتاج إلى عالِمٍ في حقل معرفي لا يُدَرَّسُ في الجامعات والأكاديميات الغربية، بل إلى قائد كبير تراكمت خبرته ومعرفته لسنين بالمقاومة وقيادتها، حروب التحرير الوطنية وإدارتها، والصراع الوجودي وإدارته، وليس من أدبيات حركات التحرر فقط، بل ومن الميدان خصوصاً، ومن بين المتاريس والدشم وأزيز الرصاص وفولاذ البنادق ورائحة البارود ومرابض الصواريخ.

«سنُزيل “إسرائيل” من الوجود»، هي الروحية والعقلانية والقناعة والهدف التي خاضت المقاومة بها كل مواجهاتها مع الكيان. هكذا يصبح الانتصار العظيم في أيار 2000، وتموز 2006، وما قبلهما وما بينهما وما بعدهما، وبرغم كون كل منهما ما كان من حدث تاريخي هائل بحد ذاته حتى في سياق الصراع الكبير، مجرد محطة ومرحلة في عقل وقلب كل مقاوم على طريق الهدف الأساسي، فلسطين. وهكذا يصبح، وكان فعلاً، الانتصار في أيار وتموز مؤكداً وحتمياً حتى قبل أن تُطلق الرصاصة الأولى لمن كان هدفه فعلاً وحقاً «سنُزيل “إسرائيل” من الوجود».

ارْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى الْقَوْمِ: نصرالله في تموز
… وفي الثامن والعشرين من تموز 2006، انتقلت المقاومة الإسلامية في لبنان إلى تنفيذ الوعد الذي قطعه السيد في 14 تموز، ودخلت المعركة مرحلة ما بعد حيفا بقصف مدينة العفولة (47 كلم عن لبنان) بصاروخ خيبر 1. في اليوم التالي، 29 تموز 2006، وفي تمام الساعة الخامسة بتوقيت بيروت والقدس، كانت الإطلالة المدهشة التاسعة للأمين العام لحزب الله (سيتبعها أربعة خطابات أخرى، بالإضافة لخطاب الانتصار في 22 أيلول/سبتمبر 2006). من سَمِعَ الدقائق الأخيرة من الخطاب جيداً، وفهم بعمق رسالة السيد إلى المقاومين، أدرك ليس فقط أنه يستمع لأحد أعظم قادة حركات التحرر والمقاومة في التاريخ الحديث، بل وعرف بالضبط لماذا سينتصر حزب الله حتماً. فلقد كان يستمع لأكثر النصوص في تاريخ حركات التحرر العربية عبقرية، كان يستمع لنص فذّ يجمع بين توطين جذري وغير مسبوق للمقاومة في بلادنا، واستعراض غير مسبوق للإمكانات الثورية الهائلة للعقيدة والثقافة المحلية الأصيلة.

لم يكن ذلك مفاجئاً، إلا بتفاصيله المذهلة فعلاً وحقاً. فمن تابع مسيرة حزب الله، وخصوصاً مسيرة قائد المقاومة العربية، وتحديداً أداءه المذهل في مرحلة حرب تموز بجدية (2)، وكان، أيضاً، يعرف قليلاً فقط عن معنى الحرب وعن تاريخ حركات التحرر والمقاومة، كان يدرك أن جانباً أساسياً من المعركة في تموز 2006، وجانباً أساسياً من الصراع الكبير مع المشروع الصهيوني منذ البداية، كان يجري، كما ينبغي وكما يجب أن يكون، خارج ميدان المواجهة المباشرة، لا فيه أو عليه فقط، وكان يجري بسلاح لا يمكن الانتصار بدونه في الميدان مهما كان الأداء بطولياً. فبرغم مركزية الميدان ومجرياته من مواجهات ورصاص وصواريخ وقذائف، وغير ذلك من أدوات الحرب التقليدية، إلا أن تكامله مع باقي مجالات الصراع الأخرى كاستراتيجية متكاملة، كان الكفيل فقط بأن يعطي له (للميدان) ولمجرياته الأهمية الفائقة المطلوبة والـتأثير المفترض، وكان الضامن الوحيد، أيضاً، أن تثمر الدماء والتضحيات والبطولات انتصارات حقيقية وإنجازات تاريخية في أهميتها ومفاعيلها – تاريخ المقاومة الفلسطينية مليء بالبطولات المدهشة والأبطال الاستثنائيين حتى مقارنة بحركات التحرر الأخرى، ولم يكن الخلل يوماً وأبداً وسبب النتيجة المأساوية بالوصول إلى أوسلو هو غياب البطولة والجاهزية العالية دائماً للتضحية القصوى. هنا بالضبط كان الدور الفائق الأهمية للقائد الذي لا يمكن إلا أن يكون، بل ويجب أن يكون، بشخصيته، ومواصفاته النفسية والاجتماعية، وأدائه ورؤيته الاستراتيجية، الخلاصة الأنقى والأطهر لتجارب مقاومة إنسانية طويلة، وتاريخ عظيم، وحضارة عريقة، وثقافة استثنائية، وعقيدة ثورية أصيلة. فمن استمع جيداً للخطابات الثلاثة عشر (وخطاب الانتصار بعد ذلك) كان يشهد على أكبر عملية تأسيس إيديولوجي/نظري/وفلسفي، كفاحي، سياسي، وتاريخي للمقاومة والتحرر الوطني في التاريخ العربي الحديث، وكان يتابع درساً فذاً في توطين المقاومة أجزم أن شعباً مقاوماً آخر لم يعرفه بهذه الحرفية الثورية سابقاً.

لهذا، كانت، ولا تزال، معضلة، وأحد أسباب هزيمة العدو الأساسية، أنه لم يفهم، ولا يفهم، وبالتأكيد لن يفهم (بحكم موضوعية موقعه) أبداً الجانب الأهم على الإطلاق في الصراع كله. وليس ذلك فقط لأنه كان يتابع الميدان المباشر أساساً، وكانت حساباته وإدارته للمعركة قائمة على امتلاك وفهم وتسخير الجانب التقني للمعركة للحد الأقصى، وتقدير الحسابات أساساً وفق موازين القوى الميدانية والتقنية، معتقداً أن بإمكانه الاعتماد على تفوقه التقني والمادي والدعائي الهائل، والركون أيضاً للدعم الغربي المطلق، ودعم بعض الأطراف العربية والمحلية اللامحدود لحسم المعركة. بل لأنه حتى حين كان خبراؤه وجنرالاته يتابعون أداء السيد ويُدهشون أيضاً، كانوا يقرؤون النصوص مترجمة وخالية من الروح والزخم الهائل الذي يضيفه إليها فهمها في السياق الثقافي والتاريخي والقومي والعقائدي الذي يجعل منها قوة ثورية هائلة تؤثر بشكل حاسم في قيمة ومعنى ما يحصل في الميدان، خصوصاً في ظل الاختلال في موازين القوى المادية وما هي عليه. كانوا ولا يزالون يقرؤون نصوصاً لغوية، لا يمكن فهمها على حقيقتها وبالعمق المفترض لفهمها كنصوص مترجمة، كون ذلك يفقدها كل زخمها وقوتها ومعناها الحقيقي – لا أعرف كيف ترجموا وفهموا عبارات السيد التي لم تشكل رافعة هائلة للأداء الميداني، حتى لا نقول شيئاً عن الروح المعنوية لأمة كاملة، ولكنها أعطت الأداء الميداني معنى في السياق الاستراتيجي للصراع ومكّنته أيضاً من تحقيق نجاح غير مسبوق في سياق الحرب الشاملة الأوسع، بلا تشييء ولا بتر. فيومها، لم يقل السيد فقط: «يا إخواني، أنتم أصالة تاريخ هذه الأمة، وأنتم خلاصة روحها، أنتم حضارتها وثقافتها وقيمها وعشقها وعرفانها، أنتم عنوان رجولتها»، فأدخل كل تاريخنا وحضارتنا وثقافتنا وقيمنا وعقيدتنا ورجولتنا كأسلحة في المعركة فقط (وهي أسلحة لا ولن يمتلكها الكيان بالتأكيد)، وأيضاً أعاد لها جميعاً الاعتبار حين نجحت في الامتحان بعد عقود من الذل والهزائم، بل أتبعها بعبارة أخرى فيها خلاصة كل هذا التاريخ والحضارة والثقافة والقيم والعقيدة والرجولة: «يا إخواني، يا من أعرتم الله جماجمكم، ونظرتم إلى أقصى القوم،…». هل كان العدو يعرف المقدار الهائل للتاريخ والحضارة والثقافة والعقيدة والقيم والرجولة والبطولة والتجربة العريقة الذي تختزنه هذه العبارة وكلماتها التسع؟ هل كانوا يدركون جذورها وأصولها وسياقها؟ هل كانوا يعرفون كيف فهمها وفهم تبعاتها ومفاعيلها من كان يفهم ويدرس وينظر إلى الحرب بمعناها الشامل والكلي تاريخياً، وحتى فلسفياً، ويعرف أيضاً شيئاً عن تاريخنا وحضارتنا وثقافتنا، وليس فقط بالتركيز على أبعاد الحرب التقنية، خصوصاً في سياق حرب تموز؟ والأهم من كل ذلك، ومن كل شيء، وقبل كل شيء، هل كانوا يعرفون كيف فهمها فعلاً كل مقاوم على الأرض وفي الميدان، ومدى الذخيرة المعنوية والروحية التي سلّحته بها، وأيضاً وقعها الهائل عليهم وعلى أدائهم الميداني، حتى لا نقول شيئاً عن تأثيرها الهائل على الأمّة الممتدة من المحيط إلى الخليج، وما بعد إلى كل العالم الإسلامي، التي أعادت كلمات السيد الروح لها أفراداً وجماعات؟ لم يدركوا حينها أن هناك أسلحة أساسية في المعركة لا تنتجها ولا يمكن أن تنتجها أحدث المصانع العسكرية وأكثرها إمكانات، وأن هناك أسلحة لا يمكن لكل تكنولوجيا الأرض أن تنتجها، أو حتى تفهمها وتفك رموزها؟ ولم يعرفوا أن مثل تلك الأسلحة لا يمكن لك أن تشتريها مهما كانت إمكاناتك المادية والتقنية؟

والأهم من كل ما سبق، هل عرفوا أن هذا السلاح بالذات، وفي حروب ذات طابع وجودي وشامل وتاريخي من هذا النوع، هو ما يحسم وسيحسم المعركة حتماً معهم في النهاية؟ لم يعرفوا، ولن يعرفوا، ومن مكانهم كانوا وسيظلون كمن «خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ». أمّا المقاومون في الميدان، وخلفهم العرب والمسلمون في كل مكان، فكانوا يستمعون للسيد، فيسمعون صوت الإمام علي بن أبي طالب، وهو من هو في التاريخ العربي والإسلامي، وليس فقط أكثر العرب والمسلمين بلاغة وورعاً وتقوى وحكمة وشجاعة وطهارة. كانوا يستمعون للسيد، فيسمعون بالذات صوت الإمام علي بن أبي طالب صاحب ذي الفقار وداحي باب خيبر، ولم تكن أمتنا في أي يوم في حاجة إلى صوت الإمام علي أكثر من أيام تموز. هكذا، تعلّمنا يومها وتعلّم العالم من السيد، كيف تُقاد حروب التحرير الوطنية.

يوم كسر السيد قيد الزند الأسمر
حتى الساعة التاسعة صباحاً، كان يوم الأربعاء، 12 تموز 2006، يبدو مجرد يوم آخر في تاريخ لبنان والمقاومة والمنطقة. لكن بعدها بخمس دقائق سيتحول 12 تموز إلى يوم تاريخي لم يغير مسار المنطقة وتاريخها فقط، ولكن مفاعيله لا تزال، وستبقى، تؤثر في مسارات المنطقة المستقبلية وتشكّلها ربما أكثر من أي حدث آخر منذ عام 2006. فبعد التاسعة بدقائق، وقعت القوة الصهيونية التي تحركت بعربتي هامر مدرعتين بالقرب من منطقة خلة وردة على أطراف بلدة عيتا الشعب في مرمى نيران المقاومة. كانت بصمات الشهيد عماد مغنية وأسلوبه الفريد، كما سيعرف العالم لاحقاً، واضحة جداً – «أطلق مدفع غير مرتد قذيفة مباشرة باتجاه الهامر الخلفي من الدورية. وفي الموازاة، أُطلقت نيران الرشاشات والوسائل القتالية المتوسطة باتجاه الآليتين». ورغم أنه «لم يكن للجنود الثلاثة في “الهامر” الخلفي أي أمل» فلقد «قُتل اثنان في الآلية نفسها، فيما قُتل الثالث بنيران الرشاشات لدى محاولته الفرار من الموقع». لكن يبدو أن الحاج رضوان كان معنياً أكثر في الخيارات الأصعب التي وجد من في العربة الأولى نفسه فيها – لا تستطيع العودة إلى الخلف حيث العربة الخلفية مشتعلة، وتعرف أن هناك من ينتظرها في الأمام. هذا يذكّر بمشهد آخر تكرّر في وادي الحجير في مجزرة الدبابات بعدها بأيام حين حوصر رتل الدبابات بين بناء مهدم في الأمام وطريق خلفي نسفته عبوة ناسفة بعد مرور الدبابات قبلها بقليل، فلم يكن بوسع من وقع في الفخ ممن كانوا في «عربات الرب» سوى الصلاة لربهم. في النهاية، «أُطلقت على “الهامر” الأمامية قذيفتان صاروخيتان من مسافة أربعين متراً، فتدهورت قرابة عشرين متراً إلى أن توقفت بجانب الطريق» (3).

وحين أرسل الجيش الصهيوني قوة للرد السريع بقيادة واحدة من الدبابات الأكثر تطوراً في العالم، وقعت «الميركافا» في كمين محكم نصبه مقاتلو حزب الله، حيث قاموا بتفجير الدبابة الأولى للقوة بعبوة ناسفة تزن مئات الأرطال. طاقم الدبابة المكوّن من أربعة أشخاص قُتل كله على الفور بالإضافة إلى أحد المشاة الذي قُتل من قبل أحد قناصة المقاومة (ليرتفع عدد القتلى إلى ثمانية، وهذا لا يشمل الأسيرين). أمّا الدبابة الأكثر تطوراً في العالم، فلقد طارت في الهواء بفعل الانفجار مرتفعة أكثر من عشر أقدام في الهواء. عبقرية من خطّط لهذا المشهد، لسحق روح من بقي حياً منهم وهو يشاهد الدبابة الأكثر وزناً في العالم، ذات الستين طناً من الفولاذ والنيكل والسيراميك، تطير في الهواء، لم يكن لها نِدٌّ في الطرف الآخر (4).

رغم كل ذلك، ورغم كون هذا الحدث المدهش جداً بحد ذاته مجرد مقدّمة لحرب كبيرة أعادت تشكيل ذاتيتنا ووعينا بأنفسنا وبالعدو وأعادت لنا الاعتبار بأنفسنا وبحضارتنا وثقافتنا وعقيدتنا وقيمنا وإسلامنا ومسيحيتنا، كما أعادت تشكيل ذاتية العدو ووعيه بذاته وبنا. ورغم أن مفاعيلها لا تزال حتى اليوم وستظل طويلاً تتصاعد وتتفاعل وتعيد إنتاج معنى تلك الحرب وأحداثها، من خندقنا ومن خندقهم، ومن مكاننا ومن مكانهم مع كل مرور للزمن، وتتكشّف عن عبقرية استراتيجية وعسكرية وأمنية وسياسية (قادت، حرفياً، وباعتراف البنتاغون، لتغيير خطط عسكرية أميركية استراتيجية وإعادة النظر فيها، وحتى التشكيك في عقيدة عسكرية تمّ تبنيها في أعقاب حرب العراق. كان اسمها حرفياً «العقيدة العسكرية الجديدة» فأصبحت تسمى «العقيدة العسكرية الجديدة القديمة»). رغم كل ذلك، وأكثر، إلا أن إطلالة السيد بعد الحدث مباشرة وتوجيه الرسائل إلى حكومتهم المجتمعة لتأخذ قرار الحرب، أشارت إلى طريقة تفكير جديدة تحتاج إليها حركات التحرر والمقاومة للانتصار – كان عليهم أن يستمعوا له جيداً، لكنهم، وبغرور المستعمِر المعتاد، لم يفهموا وأصروا على عدم الفهم، فكان عليهم أن يدفعوا الثمن الذي لا يزال يتراكم حتى اليوم. فالحرب يجب أن تُفهم وتُدرس ويُنظر إليها بشكل شامل ومتكامل يكشف عن تكامل وترابط وتناغم أداء كل أفرع وأدوات وجبهات المقاومة، والإمساك بها عند القائد المايسترو ورؤيته الاستراتيجية والبعيدة المدى. مع الحدث الأول، وبعده مباشرة، بدأ العالم يتابع أداء غير مسبوق لقائد عربي غير مسبوق. أطل السيد في المؤتمر الصحافي ليعلن شروط المقاومة: «تفاوض غير مباشر وتبادل». وفي الدقيقة الأولى من مداخلته، شكر السيد المقاومين، ثم وضع معنى العملية (والحرب كلها لاحقاً) في سياق لم نعتد عليه ولم يعتد عليه العدو وبلغة ومفردات توقف عندها كل دارس ومهتم بتاريخ حركات التحرر: «ببركة هذه الجباه المرفوعة وهذه الزنود السمراء، سوف تبقى جباهنا جميعاً مرفوعة ولن يبقى قيد في زند أسمر» (5).

لم يرغب السيد فقط، كما يبدو، أن يقول لهم وللعالم إننا عرب، وإننا مسلمون ومسيحيون فقط، وننتمي إلى هذا الخندق العريق جداً بحضارته الضاربة عميقاً في التاريخ، وثقافته العظيمة التي ترفض الخضوع والذل (بل وتفضّل الموت على الذل)، كما ترفض الإخضاع والإذلال للآخرين، وقيمه الإنسانية النبيلة التي تساوي بين كل البشر وتراهم إخوة وأخوات لنا، وعقيدته الثورية المحلية الأصيلة التي لا مكان فيها ولا قابلية للاستعمار الثقافي والدونية، برغم الثقل الكفاحي والمعنوي الهائل لكل ذلك. بل تسمع السيد ينحاز في خطابه وبوضوح إلى معسكر كل المضطهَدين والمستضعَفين في العالم، ليضيف إلى زخم المقاومة تقليداً ثورياً عريقاً آخر عمره أكثر من قرن من الزمان، فأضحى صوت السيد عالياً وقوياً ومقتدراً في عام 2006 وما بعد. ففي هذه العبارة لا نسمع فقط صوت وخطاب كل أقطاب وأبطال «موجة الملوّنين» الذين تنبأ مالكولم إكس بأنها «ستهز العالم». بل، تسمع السيد فيتراءى لك مباشرة صوت المناضل العظيم باتريس لومومبا يقرأ خطاب استقلال الكونغو وإعلان الانتصار على الاستعمار البلجيكي ويدعو لوحدة أفريقيا (6). تسمع السيد فتستعيد كلمات الشاعر والمناضل الفذ ليون جونتران داماس، الملهم الأساسي لكل أعمال الثائر العبقري فرانز فانون، فتعرف ما قصده حقاً للمرة الأولى بأن «الجمال أسود/والتحمل أسود/ والشجاعة سوداء/ والصبر أسود/والحديد أسود» (7). تسمع السيد، فلا تسمع فقط صوت وخطاب أحد أوائل فلاسفة وملهمي حركات التحرر في الجنوب، ايميه سيزير، ولا تتذكّر سؤاله الكبير: «من نحن في هذا العالم الأبيض؟» فقط، بل وتسمع بالفعل وفي الميدان، لا كتابة فقط، جواباً حاسماً من السيد على سؤال عمره قرن من الزمان (من نحن في هذا العالم الأبيض؟) لا يزال يؤرّق عقل وقلب كل ملوّن وأسمر في هذا العالم الأبيض.

وكأنّ ذلك، أيضاً، مدهشاً بحد ذاته كما كان، لم يكن كافياً، أطل السيد مرة ثانية في 14 تموز، فأُخِذْنا ودُهِشْنا كما أُخِذ العالم ودُهش بعبارة «انظروا إليها تحترق». لكن السيد لم يترك لمفعول الصاروخ الذي أحرق بارجتهم أن يظل محصوراً في تلك البقعة من البحر، بل وظّفه بشكل مدهش كما يمكن فقط لقائد مثله أن يفعل. أعادنا مرة أخرى إلى معنى الحرب للعرب والمسلمين، لا ليطلب الدعم والإسناد منهم، بل ليَدعمهم ويُسندهم هو ومن يخوض الحرب معه بإعادة الاعتبار للعرب بأنفسهم وثقافتهم وحضارتهم وقيمهم، وأيضاً ليوحّد الأمة بطريقة لم نكن حتى لنحلم أنها ممكنة حينها – كان العرب المقهورون لقرون، وللمرة الأولى، يشاهدون بفخر ودهشة بعض أبنائهم، رجالاً من لحمهم ودمهم، يسحقون ألوية نخبة العدو وحتى إنهم يهينونها في الميدان، يدمرون دباباتهم الأكثر تصفيحاً في العالم بالعشرات في وادي الحجير، يحرقون بوارجهم في عرض البحر، يعلنون متى ستقصف حيفا، ولاحقاً تل أبيب، بتوقيت المقاومة وشروطها. هكذا بدأنا نسمع كل كلمة من معجمنا وكأننا فعلاً نسمعها للمرة الأولى، وبدت لنا كل كلمة نسمعها على لسان السيد وكأنها تعني شيئاً آخر غير الذي اعتدنا عليه: «أنتم لا تعرفون اليوم من تقاتلون. أنتم تقاتلون أبناء محمد وعلي والحسن والحسين وأهل بيت رسول الله وصحابة رسول الله. أنتم تقاتلون قوماً يملكون إيماناً لا يملكه أحد على وجه الكرة الأرضية، وأنتم اخترتم الحرب المفتوحة مع قوم يعتزون بتاريخهم وحضارتهم وثقافتهم، وأيضاً يملكون القدرة المادية والإمكانات، والخبرة، والعقل، والهدوء، والحلم، والعزم، والثبات، والشجاعة، والأيام المقبلة بيننا وبينكم إن شاء اللَّه». هكذا أصبح للصاروخ الذي دمّر البارجة مفعول استراتيجي هائل، أبعد من البارجة بكثير، وحتى انتقل بتأثيره أبعد كثيراً من تلك البقعة في البحر المتوسط مقابل بيروت ليعيد وصل المحيط بالخليج.

هكذا أدرك الكثير من العرب حينها (وسيدرك الباقي لا محالة مستقبلاً) القيمة الكبرى لما كان يحصل في ميادين بنت جبيل وعيتا الشعب ووادي الحجير، والقيمة الهائلة للصواريخ المتواضعة مقارنة بمخزون العدو من السلاح الغربي، حين تتسلّح بعوامل القوة الكبرى الأخرى التي لا يمتلكها ولا يمكن أن يمتلكها العدو. فلقد بدأنا نتعلم وندرك ونحن نتابع إدارة السيد للحرب أن من يتواجه في الميدان حينها ليس مجرد «جنود» الكيان المسلحين حتى الأسنان بأحدث الأسلحة وأكثرها كلفة في مقابل مقاومين متواضعي التسليح. بل إن الذي يواجه في الميدان حقاً هو حضارتنا العريقة وثقافتنا الأصيلة وقيمنا العظيمة وعقيدتنا الثورية وتاريخنا الطويل متمثلاً بهؤلاء المقاومين الشجعان وقائدهم الفذّ وبيئتهم العظيمة التي حملت على أكتافها عبء الشروع في مسار جديد لتحرير الأمّة وقدّمت ثمن ذلك من دماء أبنائها وبناتها، مع من لا تاريخ ولا ثقافة ولا قيم له، حتى لا نقول شيئاً عن انحطاط الحضارة التي ينتسب إليها. هذا هو منطق المقاومة وعقلانيتها التاريخية وقانونها وسبب انتصارها – عليك فقط أن تعيد مشاهدة البطل عدي التميمي، أحد أفضل الفلسطينيين على الإطلاق، لترى النسخة الفلسطينية من دروس السيد. فعدي ترجّل بكل ثقة من السيارة على حاجز مخيم شعفاط وواجه وحده وبمسدس يتيم عشرات الجنود المسلحين حتى الأسنان بالعتاد والآليات. هكذا بدأنا نعرف أن هؤلاء الشباب لا تلدهم النساء فقط. كان عدي حينها استمراراً لهذا المسار والتعبير الأصدق عنه، كما كان خلاصة تاريخ وثقافة وحضارة وقِيم وتجربة لا يمكن لها إلا أن تنتصر، خصوصاً مع عدو من هذا النوع.

خاتمة: لماذا انتصر حزب الله؟
كان سعيد، ومن التقى السيد من الأكاديميين العرب، يعرفون أنهم لن يجدوا جواباً شافياً في كل الأدبيات العسكرية، ولا في كل نظريات الحروب وعلومها على هذا السؤال. فهذا سؤال لا تذهب من أجل الإجابة عليه إلى مكتبة الجامعة. فبحسب مقاييس كل تلك الأدبيات وكل تلك النظريات، والتي هي غربيّة وحديثة بالإجمال، كان السيد ورفاقه أمام مهمة مستحيلة، وحتى غير مسبوقة أو مجرّبة على الإطلاق. فبعكس القائد العظيم للمقاومة الفييتنامية هوشي منه وجيشه الشعبي، لم يكن على حزب الله، الحزب الصغير والوليد في عام 1982، ولا قائده العشريني حينها، طرد الأميركيين، أو الفرنسيين، أو «الإسرائيليين» فرادى، كما حصل في فييتنام. كان عليهم هزيمتهم جميعاً، ومجتمعين، وفي وقت واحد. لم يكن سبب الانتصار، إذاً، تقنياً أو فنياً أو مادياً، ولا يمكن أن يكون. فلقد كان لدى الكيان وقادته كل أسباب الانتصار الفنية والتقنية والمادية. لكنهم هُزموا مرتين، وسيُهزمون حتماً في المستقبل، برغم كل ذلك.
لماذا انتصر حزب الله إذاً؟ في «روضة الشهيدين»، في الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي مساحة أقل من مترين مربعين يقبع أحد أسرار الانتصار. فما بين ضريح الشهيد مصطفى بدر الدين («ذو الفقار»، وهذا بطل كبير آخر يصعب إيفاؤه حقه أيضاً بالكتابة)، والشهيد هادي حسن نصرالله، يقبع في قبر واحد جسدا الشهيدين عماد مغنية وولده جهاد. ولو عرفت قليلاً جداً فقط عن الطريق من حزيران 1982 إلى أيار 2000، ثم تموز 2006، فستقف مشدوهاً أمام كل ضريح في الروضة. فهناك سترى، وستسمع، وستتنفّس الكرامة الحقيقية، وهناك ستزداد معرفة وإدراكاً بالمعنى الحقيقي للسعادة، المعنى الحقيقي للعيش، والمعنى الحقيقي للحياة، المعنى الحقيقي للوطن، والمعنى الحقيقي للعشق، وستعرف أنها أبعد بكثير وأكبر بكثير من مجرد ثمن مادي بخس وتافه كما يعتقد من يحصّله مقابل بيع روحه وأهله وبلده للسفارات والأجنبي والمستعرب. هذه حقاً أشياء لا تُشترى. فهؤلاء الأبطال عرفوا بالتجربة والمعرفة اللتين راكموهما في الخنادق، أن السعادة الحقيقية هي في المقاومة، وأن الحياة الحقيقية هي في المقاومة، وأن الحب الحقيقي هو في المقاومة – ستدهشك، من ضمن أشياء كثيرة مدهشة هناك، رسالة طفل إلى والده الشهيد تركها على قبره يخبره فيها عن أدائه في المدرسة. ستجد أيضاً قصة ودرساً وعبرة في وعلى كل ضريح، من ضريح ابن الأمين العام إلى ضريح الشهيد سمير قنطار في القسم الآخر من الروضة. ولو أغلقت عينيك قليلاً هناك، في الروضة، وأطلقت العنان لحواسك وكنت راغباً فعلاً في فهم معاني وعبر ودروس هذا المكان ومن يقبع فيه، فأعدك أنك ستسمع صوت شهداء المقاومة، يردّدون خلف سيد المقاومة، يردّد خلف الإمام علي:

«اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسةً في سلطان، ولا ابتغاءً لشيء من الحطام، وإنما كان إحياءً للحق وإماتةً للباطل ودفاعاً عن مظلومي عبادك وإقامةً للعدل في أرضك وطلباً لرضاك والقرب منك، على هذا قضى شهداؤنا، وعلى هذا نمضي ونواصل العمل والجهاد، وقد وعدتنا يا ربّ إحدى الحسنيين: إما النصر أو التشرف بلقائك مخضّبين بدمائنا» (8).

سيف دعنا

المصدر: صحيفة الأخبار

هوامش:
(1) al-akhbar.com/Politics/307897
(2) أحمد حسن. «أربعون حزب الله: الأفضل لم يأت بعد». «الميادين نت». 27 أيلول 2022
(3) al-akhbar.com/Politics/254006
(4) moqawama.org/essaydetails.php?eid=28358&cid=324
(5) video.moqawama.org/details.php?cid=1&linkid=1724




هذه معادلة «حزب الله» في حاكمية مصرف لبنان

على مقربة من تاريخ انتهاء ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في 31 تموز الجاري، تضيق الخيارات أمام النواب الأربعة للحاكم، خصوصاً انّ رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، أكّد أن لا تمديد لسلامة ولا تعيين لبديل عنه، فيما اختار «حزب الله» باكراً ان يلتزم بضوابط ميثاقية وقانونية لهذا الملف.

بدا موقف «حزب الله» قاطعاً منذ البداية في جزمه بأنّ حكومة تصريف الأعمال غير مؤهّلة دستورياً وقانونياً لتعيين حاكم جديد لمصرف لبنان. لم يترك الحزب أي مجال للالتباس في مقاربته لحدود صلاحيات الحكومة المستقيلة، مؤكّدا أنّ تعيين حاكم أصيل ليس من اختصاصها، لأنّه يتجاوز الهامش المسموح به ضمن نطاق التصريف الضيّق للاعمال.

ومن الواضح انّ الحزب يميّز بين ضرورة أن تؤدي الحكومة واجباتها في تصريف الأعمال، لمنع الإضرار بمصالح المواطنين الملحّة والحيوية، حتى لو تطلّب الأمر اجتماعها من حين الى آخر، وبين ان تتخذ قرارات جوهرية و«تكوينية» لا يحق لها اتخاذها في ظلّ محدودية صلاحياتها وغياب رئيس الجمهورية.

ويلاقي الحزب بهذا الطرح موقف المسيحيين عموماً، و«التيار الوطني الحر» خصوصاً، وهو بذلك يوجّه رسالة إلى «الحليف المعلّق»، بأنّ الاتهامات التي وجّهها اليه بالانقلاب على الشراكة والتوازن بسبب مشاركته في جلسات الحكومة لم تكن في محلها، وانّه عندما يشعر بأنّ مفهومي الشراكة والتوازن قد يتعّرضان لتهديد حقيقي، فإنّه لا يضيّع البوصلة ولا يغضّ الطرف، بل يحمي في التوقيت المناسب هذين المفهومين بكل ما أوتي من قوة.

وضمن هذا السياق، تلفت اوساط قريبة من الحزب، إلى أنّه لا يزال منسجماً مع نفسه واقتناعاته، «وهو أثبت في ملف حاكمية المصرف المركزي صدقية ما طرحه منذ اليوم الأول للشغور الرئاسي، حول رفضه ان تبحث حكومة ميقاتي في اي قضايا أساسية و «تأسيسية»، من شأنها ان تتجاوز القواعد الميثاقية وتهمّش المكوّن المسيحي».

«الحساسية» ذاتها تحكم تعاطي الحزب مع الاستعدادات لمرحلة خلو مصرف لبنان من سلامة، وهذا ما عكسه عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب حسن فضل الله، بإشارته إلى أنّ «هناك نصوصاً قانونية واضحة تؤدي إلى ملء الفراغات المؤقتة لتسيير المرفق العام، خصوصاً في ما يتعلق بالمصرف المركزي. فلا يمكن لأي أحد في هذا الظرف الاستثنائي ان يقول للناس إنّه يريد أن يتخلّى عن المسؤولية، خصوصاً أنكم تنعّمتم بالسلطة وامتيازاتها، وبالتالي لا يمكن لكم اليوم أن تأتوا لتقولوا نحن نريد أن نجلس في البيت وأن نتخلّى عن المسؤولية، وهذا ينطبق على أي مسؤول، سواء كان وزيراً أو نائباً أو موظفاً في سلك مدني أو عسكري، مالي أو اجتماعي أو سياسي»، منبّها الى أنّ هناك مترتبات دستورية وقانونية على كل من يُخلّ بواجباته الوظيفية.

بهذا المعنى، حسم «حزب الله» بوجوب ان يتسلّم النائب الأول لحاكم المصرف المركزي وسيم منصوري صلاحيات سلامة في نهاية تموز، بعيداً من أي اجتهادات او تفسيرات اخرى. بالنسبة إلى القريبين من الحزب، فإنّ محاولة نواب الحاكم الأربعة البحث عن حماية في مواجهة تحدّيات مرحلة ما بعد سلامة، لا تكون بهذه الطريقة التي عكسها بيانهم التحذيري.

ويلفت هؤلاء، إلى أنّه اذا كان النواب الأربعة «يتهيّبون الوضع ويشعرون بأنّ الحمل ثقيل، فلماذا وافقوا منذ البداية على تحمّل المسؤولية وقبلوا بتعيينهم في مراكزهم، علماً انّ هذا التعيين تمّ في حزيران 2020 اي بعد حصول الانهيار الكبير في تشرين الأول عام 2019؟».

ومن وجهة نظر الحزب، فإنّ القاعدة التي طُبّقت على المديرية العامة للأمن العام يجب أن تسري على المصرف المركزي، و»كما حلّ اللواء الياس البيسري مكان اللواء عباس ابراهيم بسبب تعذّر تعيين مدير عام أصيل للأمن العام، يجب المعيار نفسه ان يحلّ النائب الأول للحاكم مكان رياض سلامة تلقائياً نتيجة تعذّر تعيين حاكم أصيل».

ويشدّد الحزب على ضرورة الاستمرار في تسيير المرفق العام، لأنّ الشغور ممنوع في هذا المرفق، «والقانون لم يترك اساساً اي مجال للفراغ في المؤسسات، ومن بينها مصرف لبنان، بل هو يضمن الانتقال السلس للصلاحيات الى الأعلى مرتبة، في انتظار ان يُملأ الشغور».

عماد مرمل

المصدر: صحيفة الجمهورية




لا مقايضة بين الغجر والخيمتين: هوكشتين عائد وسيطاً في الترسيم البري؟

تواصلت الاتصالات الدبلوماسية لضبط التوتّر في الجنوب بعد ضمّ العدو الإسرائيلي القسم الشمالي من بلدة الغجر إلى الأراضي المحتلة، بالتوازي مع تمسّك المقاومة بالإبقاء على خيمتين نصبتهما في مزارع شبعا المحتلة خلف ما يُعرف بـ«خطّ الانسحاب». وتستمرّ الوساطات التي يتولّاها الفرنسيون والأميركيون والأمم المتحدة بعد تبلّغهم من لبنان، رسمياً، أن قضية الغجر خارج النقاش، وأن «الخيم مرتبطة بالنقاط الـ 16 المتنازع عليها ومن ضمنها نقطة B1»، رداً على اقتراح إزالة الخيمتين مقابل تراجع العدو الإسرائيلي عن ضمّ الغجر، بما في ذلك إزالة السياج والأسلاك الشائكة التي ثبّتها لتطويق البلدة وضمّها، أو تسليم الخيمتين للجيش اللبناني، مقابل تراجع العدو عن ضمّ الجزء الشمالي من بلدة الغجر، وتسليمه لقوات الطوارئ الدولية (اليونيفل). وفي هذا السياق، كان موقف حزب الله الذي أبلغه للحكومة والجميع واضحاًَ: لا مقايضة بين الغجر والخيمتين، إذ إن كلتيهما أرض لبنانية، والقبول بمقايضة إحداهما بالأخرى، يعني التسليم بـ«حق» العدو في احتلال الثانية.

ورغم سقوط الاقتراحات السابقة، وتأكيد لبنان «تمسّكه بكامل الحقوق اللبنانية وتطبيق القرار 1701، ونزع التعدّيات الإسرائيلية وصولاً إلى النقطة B1»، إلا أن الأطراف الخارجية لا تزال تبذل جهوداً للتوصّل الى «حلّ» يحول دون أي تصعيد. وفي هذا الإطار، أبدى الجانب الأميركي اهتماماً كبيراً بالتطورات على جانبي الحدود مع فلسطين المحتلة، حيث بدا لافتاً وصول المستشار الخاصّ للرئيس الأميركي عاموس هوكشتين إلى تلّ أبيب، أمس، في زيارة وُصفت بـ«السرّية»، حيث التقى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، في حضور رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هانغبي، للبحث في عدد من المواضيع، من بينها التوتر بين إسرائيل وحزب الله، إضافة إلى مساعي التوصّل إلى اتفاق تطبيع علاقات بين إسرائيل والسعودية. ويعيد هذا المشهد إلى الذاكرة المسار التفاوضي الذي قاده هوكشتين في ملف الترسيم البحري جنوباً، وما أنتجه من «اتفاق» بوساطة أميركية ورعاية الأمم المتحدة عام 2022. وعلمت «الأخبار» أن «دولاً غربية أبلغت لبنان أن إسرائيل مستعدة للدخول في محادثات حول الترسيم البري رغم اعتراضها سابقاً، وحصر النقاش بالنقاط المتنازع عليها». ورغم أن لبنان لم يعترض، إلا أنه يعتبر أن النزاع البري يشمل مزارع شبعا وكفرشوبا والغجر، وبالتالي فإن «عدم حسم هذه النقاط لا يعني حسم النزاع، ولن تكون هناك مقايضة مع التأكيد على أن الترسيم البري ليس مرتبطاً بإزالة الخيم».

في بيروت، أفادت مصادر دبلوماسية بأن «لبنان وصلته معطيات عن إمكانية أن يزور هوكشتين بيروت قريباً لاستكمال الجهود»، معتبرةً أن «الإدارة الأميركية ترى في هذا التطوّر فرصة لإنجاز الترسيم البري الذي تستعجله منذ انتهاء الترسيم البحري»، علماً أن مصادر رسمية لبنانية أكّدت أمس أنه «لم يحدث بعد أي تواصل رسميّ من قبل الأميركيين مع المسؤولين في لبنان في هذا الخصوص». وهنا، يجدر التذكير بالموقف اللبناني الذي اشترط تلازم مساري الترسيمين البرّي والبحري، رداً على محاولات العدو الإسرائيلي الدائمة فرض تعدّيات برّية كأمر واقع، وتثبيت نقاط حدودية، وبناء جدار عازل على طول الحدود قبل التراجع عنها في بعض المواقع. وفي هذا السياق، أكّد وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال، عبدالله بو حبيب، أمس، أن «طرح الترسيم البري جنوباً جدّيٌّ»، مشيراً إلى أن الترسيم البرّي «هو الحلّ لمختلف الإشكالات على الحدود الجنوبية، وهو لا يعني تطبيعاً»، مضيفاً أن هنالك «13 نقطة خلافية على الحدود مع إسرائيل، 7 منها هناك اتفاق عليها، و6 تشكّل مادّة خلاف».

وكانت وزارة الخارجية أوعزت أمس إلى بعثة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك، بـ«تقديم شكوى إلى الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، حول تكريس الجانب الإسرائيلي احتلاله الكامل، واستكمال ضمّ الجزء الشمالي اللبناني لبلدة الغجر الممتدّ على خراج بلدة الماري، ما يشكّل خرقاً فاضحاً وخطيراً، يُضاف إلى الخروقات الإسرائيلية اليومية والمستمرّة للسيادة اللبنانية وللقرار 1701 (2006)». وطلبت الوزارة «إدانة هذا الخرق المتعمّد للسيادة اللبنانية والانسحاب الفوري وغير المشروط من كلّ الأراضي اللبنانية المحتلة».
وفي إطار استكمال المساعي الدبلوماسية والتحضيرات للمناقشة الدورية لتقرير الأمين العام للأمم المتّحدة حول تطبيق القرار 1701 (2006) المزمع إجراؤها في 20 تمّوز 2023، ومتابعة لطلب تمديد ولاية قوّة الأمم المتّحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفل) في نهاية آب 2023، التقى وزير الخارجية سفراء الصين وإسبانيا واليابان، أمس، وجرى بحث السُّبل الآيلة لوقف عملية قضم الأراضي اللبنانية المحتلة في الجزء الشمالي من الغجر، وطلب بو حبيب «المساعدة لمعالجة هذا الخرق الذي يُضاف إلى الخروقات اليومية العديدة والمستمرة التي تهدّد الاستقرار والهدوء في جنوب لبنان والمنطقة». كما تمّ التداول في مسألة الخيمتين المنصوبتين في مزارع شبعا. وفي الإطار نفسه أيضاً، كان بو حبيب قد التقى أول من أمس، المنسّقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان يوانا فرونتسكا، والسفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا، وتمّ إخطار الطرفين بأنّ لبنان سيتقدّم بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي في هذا الخصوص.

وفي انتظار الموقف الذي سيُطلِقه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، اليوم، في الذكرى 17 لعدوان تموز 2006، أكَّد رئيس مجلس النواب نبيه بري «أن الخيمتين موجودتان على أرض لبنانية، والمطلوب من المجتمع الدولي إلزام كيان العدو بتطبيق القرار 1701، والانسحاب من الشطر الشمالي لقرية الغجر، ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا، ونقطة الـB1» التي تقع عند منطقة رأس الناقورة الحدودية، وتُعدّ نقطة استراتيجية تطلّ على الأراضي المحتلة.

ميسم رزق

المصدر: صحيفة الأخبار




حوار حزب الله – التيار الوطني الحر: إسقاط الشروط المسبقة

بعد شهور من البرود الشديد الذي ساد العلاقات بين التيار الوطني الحر وحزب الله، على خلفية دستورية جلسات حكومة تصريف الأعمال، ومن ثم على الملف الرئاسي، عاود طرفا تفاهم مار مخايل إدارة علاقتهما عبر الحوار المباشر. وأعلن رئيس التيار النائب جبران باسيل أمس «أننا عاودنا التحاور مع حزب الله بذهنية إيجاد حل من دون فرض شروط مسبقة، وهذا الحوار الذي بدأ بوتيرة جيدة وإيجابية، نأمل أن يتكثف للوصول إلى نتائج تأتي بالمنفعة لجميع اللبنانيين وليس لفريق على حساب آخر».

وقالت مصادر مطّلعة إن استئناف الحوار حول الملف الرئاسي يأتي على قاعدة عدم وجود شروط مسبقة بحيث إن باسيل أسقط شرطه بسحب ترشيح زعيم تيار المردة سليمان فرنجية مسبقاً، فيما يتصرف الحزب على قاعدة أنه أمام مهمة إقناع رئيس التيار الوطني الحر بفرنجية أو أن يقنع باسيل الحزب بمرشح آخر. وفي المقابل، لم يغيّر التيار الوطني الحر موقفه من هذا الترشيح، إلا أن الانسداد المستحكم في أفق الأزمة الرئاسية دفع إلى تكوّن قناعة لدى الطرفين بضرورة الذهاب إلى الحوار وعدم الرهان على متغيّرات قد لا تأتي بالضرورة في القريب العاجل.

وفي المعلومات أن وفداً من الحزب (يُرجح أنه ضم رئيس لجنة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا) زار باسيل أول من أمس، وكانت «جلسة أولى جيدة اتُّفق فيها على عدم التسريب» بحسب مصادر مطّلعة حرصت على التأكيد أن «العلاقة لم تشهد قطيعة، لكنّ التواصل كان بارداً جداً». وأضافت أن من البنود الأساسية التي يجري الحديث عنها معالجة المناخ السلبي العام وضبط الانفلات على مواقع التواصل الاجتماعي وتعزيز التواصل مجدّداً على مستوى القاعدة التي بدأ تعارفها الحقيقي في ما بينها في مثل هذه الأيام عام 2006.

ولفتت إلى أن التغيير في مقاربة الطرفين لبعضهما بدأ عقب جلسة 14 حزيران الماضي لانتخاب رئيس للجمهورية، إذ حرص باسيل على شرح موقفه الذي فُهم بأنه شرط مسبق لأي حوار، مع التأكيد على أن موقفه من ترشيح فرنجية نهائي. كما أن طرح الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان للحوار أظهر تطابقاً بين باسيل والحزب في الترحيب بالحوار أكثر من بقية الأفرقاء. ومع تدخل الفريقين في أكثر من قضية لجهة التهدئة، برز أخيراً الموقف المشترك للطرفين من ملف تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان وتعيينات المجلس العسكري كتقاطع إيجابي أساسي يُبنى عليه لوصل بعض مما انقطع، في ظل حرص الفريقين على تثبيت التفاهم بشأن حصر الخلاف في الاستحقاق الرئاسي، إذا كان لا بد منه.

وقال باسيل بعد اجتماع تكتل «لبنان القوي» إن «الحوار بين اللبنانيين مفيد»، و«على هذا الأساس وضعنا ورقة الأولويات الرئاسية وتحاورنا بشأنها مع الجميع، وقلنا إن البرنامج أهم من الشخص»، مضيفاً أن «الحوار مقبول أو مرغوب إذا كان يمرر حلولًا، لكنه مرفوض إذا كان لتمرير الوقت وانتظار ظروف ليتمكن فريق من فرض مرشحه».

المصدر: صحيفة الأخبار




تحرير الغجر والاحتمالات المفتوحة

“زمن الأول تحول”، هذا هو العنوان الذي فرضته المقاومة على كيان العدو في مختلف الساحات. كان جيش الكيان الغاصب يصول ويجول في مختلف الساحات، حتى تحرر الجنوب، وحُررت غزة، وفرضت المقاومة معادلات الردع في تموز ٢٠٠٦ واليوم في الضفة وغدًا حتمًا في كامل الاراضي الفلسطينية المحتلة.  

معادلات الردع التي فرضتها قوى المقاومة حتمًا لن تستثني ما حصل في الغجر مؤخرًا، فما حصل بحسب المعلومات المتداولة هو تحول خطير على عدة مستويات.

على مستوى السيادة الوطنية وتأكيد الحاجة للمقاومة

لم يكن مقنعًا ما قامت به الدولة برمتها في مواجهة وضع العدو الاسرائيلي لشريط حديدي فاصل لقرية حدودية لبنانية عن حدود الوطن، خاصة وأنَّ دعاة السيادة اليوم يخوضون معارك اعلامية كبيرة في مواجهة سلاح الحزب، فهل لديهم طروحات يقدمونها لنا في مواجهة الاحتلال؟ والى متى يمكن أن يتظاهروا بالوطنية ويطالبوا بنزع السلاح ويتحدثوا عن السيادة وهم لا يستطيعون أن يواجهوا احتلال العدو لأراضي قرية الغجر حتى بالكلمة؟

إن ما يحصل اليوم يؤكد على الحاجة للمقاومة، وأن طروحات بعض القنوات التلفزيونية فيها من التواطؤ ما يثير الريبة ويطرح تساؤلات خطيرة.

على مستوى الرد المتوقع

ليس مستغربًا على أحد أن يتنصل من الحدث الكبير في الغجر، لكن ما هو مؤكد أن المقاومة اليوم تتابع عن كثب ما يحصل وترسم خريطة طريق لكيفية الرد على خطوة خطيرة جدًا وذات بعد وطني، كما جاء في بيان حزب الله: “ندعو الدولة اللبنانية بكافة مؤسساتها لا سيما الحكومة اللبنانية، ‏وندعو أيضًا الشعب اللبناني بكافة قواه السياسية والأهلية الى التحرك لمنع تثبيت هذا الاحتلال ‏وإلغاء الاجراءات العدوانية التي أقدم عليها والعمل على تحرير هذا الجزء من أرضنا وإعادته الى ‏الوطن”.‏

في الخلاصة، ما حصل في قرية الغجر هو احتلال في وضح النهار، أما تداعياته فستكون كارثية واحتمالاته مفتوحة ولكن الهدف منها واحد، وهو تحرير الجزء اللبناني من الغجر وكامل الاراضي المحتلة.

د. زكريا حمودان

خاص موقع العهد