ما آثار خفض إنتاج النفط اقتصاديًا وسياسيًا؟ وهل تتنافس السعودية وروسيا؟
|
قال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إن خفض إنتاج النفط له تأثيرات اقتصادية وسياسية عالمية، أولها أن الأسعار لم تتجاوب بشكل كبير من جهة الارتفاع.
وأضاف الحجي، في حلقة من برنامج “أنسيات الطاقة“، قدّمها بعنوان “تمديد السعودية لتخفيض الإنتاج: الانعكاسات الاقتصادية والسياسية” على موقع تويتر، أن هناك إشكالية كبيرة في موضوع التوقعات الاقتصادية وتوقعات الطلب على النفط منذ نهاية العام الماضي (2022).
وتابع: “كان هناك تفاؤل كبير بشأن انفتاح الصين، ولكن ثبت أن هذا التفاؤل ليس في محله، ومن ثم كانت الزيادة في الطلب أقل بكثير من المتوقع؛ لذلك لم يكن بالضرورة أن يؤدي خفض إنتاج النفط إلى رفع الأسعار”.
وأوضح أن من ينتقدون السعودية بشأن خفض إنتاج النفط، ويقولون إنها لم ترفع الأسعار؛ يقعون في مأزق منطقي، وهو أنه إذا كان هناك بالفعل انخفاض في نمو الطلب على النفط؛ فهذا يعني أن موقف المملكة الاستباقي صحيح، منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي؛ فهي قبل أي دولة في العالم عرفت أوضاع السوق.
خفض الإنتاج وثبات أسعار النفط
قال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة الدكتور أنس الحجي، إن إدراك أن موقف السعودية الاستباقي بخفض إنتاج النفط كان صحيحًا لا يدع مجالًا للمطالبة أو المعاتبة بأن أسعار النفط لم ترتفع على عكس الواقع.
وأضاف: “إذا كان هناك بالفعل انخفاض كبير في نمو الطلب على النفط مقارنة بالتوقعات؛ فهذا يؤكد السبق السعودي في معرفة وضع السوق من الناحية الاقتصادية، والأسعار مُتوقع أن ترتفع خلال الأشهر المقبلة، وكما ذكرنا في حلقة سابقة أن الصين ستستخدم المخزون الإستراتيجي الذي زاد بشكل كبير في الأشهر الأخيرة؛ ومن ثم فإن السعودية ستحدد أرضية الأسعار والصين ستحدد سقفها”.
ومن ثم، وفق الحجي؛ فإن فكرة الوصول إلى 100 دولار للبرميل أو أكثر من ذلك غير منطقية خلال العام الجاري، بناء على الأوضاع الحالية بعد بناء المخزون في هذه الدول.
وبالنسبة إلى الأثر الاقتصادي؛ هناك إشكالية كبيرة، بدأ التركيز عليها بشكل كبير في الأوقات الأخيرة، وهي أن الصراع في ظاهره بين المضاربين والسعودية وأوبك، ولكنه في حقيقته بين البنك المركزي الأميركي (مجلس الاحتياطي الفيدرالي) وأوبك+، وبين البنك المركزي الأميركي والسعودية.
وأرجع الحجي ذلك إلى التخويف الدائم من زيادة البطالة، جراء محاولات تخفيض التضخم، التي ستؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، ولكن في الوقت نفسه يؤدي الارتفاع الكبير في أسعار الفائدة إلى ارتفاع كبير في سعر الدولار.
وفي الوقت نفسه، بحسب الحجي، النفط يُسعَّر بالدولار، ومن ثم فإنه حتى مع انخفاض الأسعار، ما زالت بعض الدول تدفع الأسعار القديمة؛ لأن عملتها انخفضت بشكل كبير مقابل الدولار؛ ومن ثم فإن تصرفات البنك المركزي الأميركي هي المشكلة، وهي التي أدت إلى تصرفات المضاربين بناءً على أسعار الفائدة وسعر الدولار.
الآثار السياسية لخفض إنتاج النفط
قال خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إن هناك أثرًا سياسيًا لخفض إنتاج النفط، وهذا الأثر يتفرّع إلى أمرين؛ الأول أن كل التصرفات حتى الآن أكّدت التلاحم بين مواقف السعودية والإمارات من جهة، وتلاحم السعودية وروسيا في السياسات النفطية من جهة أخرى.
وأضاف: “هذا أمر مهم؛ لأن وسائل الإعلام المغرضة منذ العام الماضي 2022، تحاول أن تخبر العالم بأن هناك خلافًا بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وأن هناك تنافسًا كبيرًا بينهما على السوق في آسيا”.
وأوضح أن هذا الأمر يُسلّط الضوء على السؤال بشأن وجود تنافس بين السعودية وروسيا في الأسواق الآسيوية؛ إذ نشرت جريدة وول ستريت جورنال مقالًا مغرضًا، لا يليق حتى بالجريدة نفسها، قالت فيه إن هناك تنافسًا بين موسكو والرياض في الصين والهند.
وتابع: “السعودية لم تخسر صادراتها إلى الصين والهند، الصادرات نفسها التي كانت تصدرها للصين والهند سابقًا ما زالت تصدرها حتى الآن، ولكن ما حدث أنه بسبب الانفتاح في الصين زادت واردات الصين، وكانت هذه الزيادات من روسيا؛ ففي حالة حساب النسبة نجد نسبة الواردات من السعودية أقل، ولكن الكميات بقيت هي نفسها لم تتغير”.
وأشار إلى أن الحكومة الروسية غيّرت نظام الضرائب على النفط بربطه بسعر خام برنت؛ ومن ثم فإن الذي سيؤثر في الميزانية الحكومية هناك هو خام برنت؛ فإذا أرسلت السعودية السفن التي كانت في العين السخنة إلى الصين والهند لتنافس روسيا؛ فهذا لن يؤثر في خام برنت؛ لأنه خام أوروبي.
لذلك، وفق الحجي؛ فإن وجود السفن السعودية في العين السخنة على استعداد للذهاب إلى البحر المتوسط والأماكن الأخرى سيؤثر في خام برنت؛ ومن ثم يؤثر في الميزانية الروسية مباشرة.
وأردف: “لكن هناك أمرًا آخر، بالنظر إلى الخريطة، نجد أن كل ما يخرج من قناة السويس، يقابله في الطرف الآخر ما يخرج من المضايق التركية من حاملات نفط روسية قادمة من البحر الأسود تحمل خام الأورال، الذي يُسعّر في المنطقة حسب برنت؛ ومن ثم نجد موضوع الأثر والتهديد ليس في آسيا”.
أحمد بدر
المصدر: منصة الطاقة
مشهد الطاقة في آسيا والمحيط الهادئ.. تحديات وتوقعات متفائلة للمصادر النظيفة
|
يؤثر مشهد الطاقة في آسيا والمحيط الهادئ بشدة في خريطة أسواق الطاقة العالمية، سواء على مستوى الوقود الأحفوري أو المصادر المتجددة الصاعدة عالميًا.
وأسهم ارتفاع أسعار الطاقة، خلال العام الماضي، في زيادة الاستثمار بالمنطقة على مستوى الوقود الأحفوري ومصادر الطاقة المتجددة مع اختلاف درجات الاستثمار وحجمه من قطاع إلى آخر.
وزادت توقعات الاستثمار بقطاع الطاقة في آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 50% خلال السنوات الـ10 المقبلة، لتصل إلى 3.3 تريليون دولار، موزعة على مصادر الطاقة المتجددة والوقود الأحفوري، وفقًا لتقديرات شركة أبحاث الطاقة “وود ماكنزي“.
ويشهد الفحم نموًا بمزيج الطاقة في آسيا والمحيط الهادئ، إلا أن مصادر الطاقة المتجددة في ازدياد أيضًا، وسط توقعات بتجاوز الطاقة الشمسية وطاقة الرياح للوقود الأحفوري بحلول 2038.
كما يتوقع أن تستحوذ المصادر المتجددة على حصة 49% بمزيج الطاقة في آسيا والمحيط الهادئ بحلول 2050، وفقًا لما رصدته وحدة أبحاث الطاقة من تقديرات وود ماكنزي.
تحديات أزمة الطاقة في آسيا والمحيط الهادئ
يواجه قطاع الطاقة في آسيا والمحيط الهادئ تحديات متنوعة، خاصة بعد أزمة الطاقة العالمية التي أحدثتها الحرب الأوكرانية، ما دفع مسائل أمن الطاقة إلى قمة هرم الأولويات الاجتماعية والسياسية في جميع بلدان العالم.
كما توقفت كثير من دول العالم عن مسارات تحرير اقتصاداتها لصالح تدخلات حكومية تستهدف تخفيف حدة أزمة الطاقة على المواطنين، إذ لجأت كوريا الجنوبية وأستراليا إلى فرض سقوف أسعار صارمة على أسواق الكهرباء بالجملة للحد من تكاليف الطاقة عام 2022.
كما لجأت الفلبين واليابان إلى تعزيز دعم تعرفات الاستهلاك النهائي للكهرباء، في حين لجأت عدة دول إلى الفحم مرة أخرى عبر مد خطط التخلص التدريجي منه، مع دعم أكبر للطاقة النووية بعد سنوات من إقرار خطط خفض الاعتماد عليها.
وعلى الرغم من طفرة الاستثمار في طاقة الرياح والطاقة الشمسية بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ فإن مصادر الطاقة المتجددة المتقطعة ما زالت تحتاج إلى استثمارات ضخمة في الشبكة، لتسهيل فرص الوصول إليها والاستفادة من إمكاناتها.
انخفاض أسعار الطاقة المتجددة مقارنة بالفحم
ما زالت القيمة السوقية لطاقة الرياح والطاقة الشمسية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ منخفضة مقارنة بالوقود الأحفوري، ما يعني الحاجة إلى المزيد من الاستثمارات في خطوط نقل الكهرباء.
محطة للطاقة الشمسية في آسيا – الصورة من blue or chard
وانخفضت أسعار الكهرباء المولدة من طاقة الرياح والطاقة الشمسية في أسواق الجملة بنسبة 4% عن الكهرباء المولدة بالفحم في عام 2022.
وما زالت فجوة الانخفاض مستمرة بينهما، وسط توقعات باتساعها إلى 20% بحلول 2030، مع زيادة التوسع في المصادر المتجددة على نطاق واسع ضمن توسعات قطاع الطاقة في آسيا والمحيط الهادئ.
وتضم منطقة آسيا والمحيط الهادئ 22 دولة، من بينها الصين وتايوان والهند واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وإندونيسيا وماليزيا وباكستان وبنغلاديش وغيرها، وفقًا لما رصدته وحدة أبحاث الطاقة.
الصين تتصدر الطاقة المتجددة والفحم والانبعاثات
تتصدّر الصين النمو في مصادر الطاقة المتجددة والفحم والانبعاثات أيضًا، مع خطط تستهدف التوسع في الفحم والطاقة النظيفة خلال السنوات الـ5 المقبلة، مدفوعة بنمو الطلب على الكهرباء والحاجة إلى تعزيز الأمن الاقتصادي وأمن الطاقة معًا.
وما يزال الفحم أحد أرخص مصادر توليد الكهرباء في آسيا، لكنه ينتج أعلى معدل انبعاثات كربونية، ما يجعل التوسع في استهلاكه محفوفًا بمخاطر عودة ذروة انبعاثات قطاع الطاقة في آسيا والمحيط الهادئ مرة أخرى.
وزادت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في المنطقة بمقدار 568 مليون طن بين عامي 2020 و2022، ومن المتوقع أن تبلغ ذروتها عند 7.8 مليار طن في عام 2027، ثم تنخفض بنسبة 48% بحلول 2050 مع زيادة التوسع في خيارات الطاقة النظيفة.
وتنسب أغلب انبعاثات ثاني أكسيد الكربون إلى الفحم، أكثر مصادر الوقود الأحفوري تعرضًا للانتقادات البيئية، إلا أن قطاع الطاقة في آسيا والمحيط الهادئ ما زال يخطط لتوليد 374 غيغاواط إضافية من الكهرباء عبر الفحم بحلول 2027، بقيادة الصين والهند.
وتزيد الإضافات المتوقعة للفحم في المنطقة على ضعف إضافات السعة العالمية المخططة في قطاع الغاز الطبيعي، ما يشير إلى أن آسيا ما زالت متمسكة بالفحم لدرجة يصعب الفكاك منه بسهولة.
هل تنخفض حصة الصين من الانبعاثات؟
من المتوقع أن تنخفض حصة الصين من انبعاثات الكربون الصادرة عن قطاع الطاقة في آسيا والمحيط الهادئ بصورة تدريجية منتظمة، إذ تسير بكين في مسارها لتحقيق هدف الوصول إلى ذروة الانبعاثات بحلول 2030، تمهيدًا لانخفاض الانبعاثات في العقود التالية.
ويوضح الرسم التالي -من إعداد وحدة أبحاث الطاقة- خريطة أكبر الدول المصدرة للانبعاثات في قطاع الكهرباء 2022:
ورغم سعى الصين إلى هذا الهدف بحلول 2030 فإن حصتها من الانبعاثات الإقليمية ستظل الأعلى من بين دول المنطقة رغم انخفاضها من 64% عام 2022 إلى 45% عام 2050، وفقًا لتقديرات وود ماكنزي.
على الجانب الآخر، فإن الهند قد تشهد زيادة انبعاثاتها من ثاني أكسيد الكربون حتى تصل إلى الذروة، وسط توقعات بأن تصل حصتها من انبعاثات المنطقة إلى 25% بحلول 2050.
تُجدر الإشارة إلى أن الهند تعهدت بالوصول إلى الحياد الكربوني بحلول 2070، في حين التزمت الصين بالوصول عام 2060، أما أغلب دول العالم فما زالت مرتبطة بموعد 2050، وفقًا لما رصدته وحدة أبحاث الطاقة.
توقعات أسعار الفحم والغاز بين عامي 2023 و2027
انخفضت أسعار الفحم والغاز منذ مطلع عام 2023 بصورة ملحوظة مقارنة بأسعار العام الماضي المشتعلة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، وسط توقعات باستمرار الانخفاض على أساس سنوي بنسبة 17% و8% على التوالي حتى نهاية 2023.
كما يتوقع انخفاض أسعار الفحم أكثر بداية من عام 2027، لتصل إلى 4 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، في حين يتوقع استقرار أسعار الغاز بحلول هذا التاريخ بين 9 و9.6 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وفقًا لتقديرات وود ماكنزي.
ورغم قوة الفحم الحالية وإسهامه الكبير في مزيج الطاقة العالمي فإن تراجع دوره المستقبلي خلال العقود المقبلة يبدو شبه محسوم مقارنة بغيره من مصادر الوقود الأحفوري الأخرى.
الطاقة النووية تنافس الفحم
من المتوقع أن ينخفض استعمال الفحم في توليد الكهرباء بنسبة 50% على الأقل بقطاع الطاقة في آسيا والمحط الهادئ بحلول 2050، مع تطلع دول المنطقة خاصة الصين واليابان وكوريا الجنوبية إلى الطاقة النووية بوصفها بديلًا آمنًا وأقل تكلفة وذات انبعاثات أقل.
ومن المتوقع ارتفاع قدرة الطاقة النووية في آسيا والمحيط الهادئ من 102 غيغاواط عام 2022 إلى 476 غيغاواط عام 2050، بقيادة خطط التوسع في الصين.
وتستهدف دول آسيا تعزيز مشروعات الطاقة النووية في المدن الساحلية المقيدة بمساحات أراضٍ محدودة وذات إمكانات ضعيفة بالنسبة للطاقة المتجددة.
ومن المرجح أن تظل تكلفة الطاقة النووية في هذه المناطق أقل من الغاز والرياح البحرية حتى أواخر عام 2030، وما بعده على الأقل، وفقًا لتقديرات وود ماكنزي.
وترى شركة الأبحاث ضرورة زيادة قدرة الطاقة النووية لتتجاوز الغاز والطاقة الكهرومائية بحلول عام 2050، رغم التحديات السياسية التي تعوق التقدم في مسارها خشية التلوث الإشعاعي الناتج عن حوادث التسرب.
توقعات بطاريات تخزين الكهرباء 2050
يتوقع على الجانب الآخر نمو بطاريات تخزين الكهرباء في منطقة آسيا والمحيط الهادئ إلى 1277 غيغاواط بحلول 2050، مقارنة بـ17 غيغاواط حاليًا.
ومن المرجح أن تكون للصين والهند الهيمنة على سعة بطاريات تخزين الكهرباء في المنطقة على المدى الطويل، لكن نمو الأسواق المتحررة مثل أستراليا والهند واليابان وسنغافورة سيكون أسرع من الأسواق الخاضعة للتنظيم، إذ تتوافر الخدمات المساعدة والحوافز بصورة أكبر وأكثر إغراءً.
ورغم النمو السريع في هذا القطاع فإن سعة تخزين البطارية ما زالت أقل من 0.5% من إجمالي السعة المركبة عام 2022، وسط توقعات بوصولها إلى 2.9% فقط بحلول 2030، و10% بحلول 2050.
وتشير هذه البيانات إلى أن الاستثمار في سعة بطاريات تخزين الكهرباء ما زال ضعيفًا للغاية، ويحتاج إلى إنفاق عالٍ جدًا لمواكبة نمو الطلب على الطاقة المتجددة بحلول 2030 وما بعده.
ويُعد ارتفاع تكاليف تخزين البطارية وضعف السياسات الداعمة للقطاع من أبرز المخاطر والتحديات التي تواجه مسار انتقال الطاقة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
رجب عز الدين
المصدر: منصة الطاقة
صيانة الألواح الشمسية بالطائرات المسيرة تقدم حلولًا مبتكرة
|
تُقدِّم الطائرات المسيرة طريقة مميزة ومبتكرة لفحص الألواح الشمسية وصيانتها؛ إذ تتيح مزايا لا حصر لها من حيث الوقت والتكلفة ومعايير السلامة والدقة.
ومع تسارع نمو صناعة الطاقة الشمسية، تصبح الحاجة إلى حلول صيانة دورية فاعلة وموفرة في التكاليف مسألة مُلحَّة، حتى لا تقف أي أعطال محتملة عائقًا أمام استمرار توليد الكهرباء النظيفة المستدامة منخفضة التكلفة.
وربما تبدو الألواح الشمسية والطائرات المسيرة مصطلحين غير متجانسين، لكن هاتين التقنيتين تستعدان لإشعال ثورة في الطريقة التي تخضع من خلالها الأولى للصيانة، حسبما أورد موقع إنرجي بورتال. إي يو EnergyPortal.eu المتخصص.
حل مبتكر
تبرز الطائرات المسيرة بقوة في هذا المشهد، لتقدم إستراتيجية فريدة ومبتكرة لفحص الألواح الشمسية وصيانتها، وفق معلومات جمعتها منصة الطاقة المتخصصة.
وتقليديًا فإن عملية صيانة الألواح الشمسية كثيفة العمالة، كما أنها تحتاج إلى الكثير من الوقت.
ويتعين على الخبراء والفنيين فحص كل من تلك الألواح الشمسية بدقة، وغالبًا ما يكون هذا في المناطق التي يصعب الوصول إليها، من أجل الوقوف على أي تلفيات أصابتها أو أي أمور أخرى تحتاج إلى التدخل الفوري.
ويمكن أن تكون تلك العملية اليدوية مكلفة وخطرة في الوقت نفسه؛ حيث يحتاج الفنيون إلى الصعود إلى أسطح المنازل العالية، أو القفز على مصفوفات الطاقة الشمسية الكبيرة، من أجل الشروع في أداء أعمال الصيانة المطلوبة.
الأخطاء البشرية.. وداعًا
يمكن أن تقود الأخطاء البشرية إلى مشكلات أو أعطال لم يجرِ تشخيصها بدقة من البداية؛ ما ينتج عنه انخفاض الكفاءة وتلفيات طويلة الأجل في الألواح الشمسية.
وهنا يبرز الدور الحيوي الذي يمكن أن تضطلع به الطائرات المسيرة في صيانة الألواح الشمسية.
تستطيع الطائرات تقييم حالة الألواح الشمسية من مسافة بعيدة بسرعة ودقة متناهيتين. وعبر التقاطها صورًا تفصيلية واضحة للألواح الشمسية، يمكن أن تحدد الطائرات المسيرة مشكلات مثل تراكم الأوساخ والقاذورات، والشقوق، والخلايا المتعطلة عن العمل.
ويتيح التصوير الحراري اكتشاف النقاط الساخنة؛ ما يمكن أن يُبين المناطق التي تعاني قصورًا وظيفيًا أو أي أمور تتعلق بتوليد الطاقة الكهربائية.
ويمكن أن تُستخدم تلك المعلومات بعد ذلك في توجيه جهود الصيانة؛ ما يضمن تخصيص الموارد بفاعلية، وإصلاح الأعطال بسرعة وكفاءة.
طائرة مسيرة تفحص ألواحًا شمسية – الصورة من بي في ماغازين
فوائدة عديدة
تتعدد فوائد استعمال الطائرات المسيرة في صيانة الألواح الشمسية؛ فتلك الطائرات قادرة تمامًا على خفض الوقت والعمالة المطلوبين لفحص الخلايا الشمسية وصيانتها.
يمكن للطائرة المسيرة أن تكتشف منطقة كبيرة في زمن قياسي، مقارنة بالوقت الذي قد يستغرقه الخبير أو الفني خلال الفحص اليدوي لتلك الألواح الشمسية؛ ما يضمن فحص كل الألواح الشمسية بدقة وعناية.
وهذا من شأنه ألا يقلل تكاليف العمالة فحسب، ولكنه يخفض -أيضًا- المدة الزمنية اللازمة للصيانة؛ ما يمنح الفرصة لمواصلة عمليات توليد الكهرباء من الألواح الشمسية دون انقطاع أو تعطل.
وتمثل السلامة ميزة أخرى رئيسة لاستعمال الطائرات المسيرة في صيانة الألواح الشمسية؛ فمن خلال إنهاء حاجة الخبراء والفنيين إلى القفز على أسطح المنازل والمباني أو الصعود إلى مصفوفات الطاقة الشمسية الكبيرة، تنخفض مخاطر الإصابة انخفاضًا كبيرًا.
وإلى جانب كل تلك الفوائد العملية، تقدم الطائرات المسيرة طريقة أدق وأكثر موثوقية في تقييم الصحة والسلامة الوظيفية للألواح الشمسية.
فالأخطاء البشرية يمكن أن تقود -في النهاية- إلى تشخيصات أو أحكام غير دقيقة، وهو ما لا يحدث مطلقًا مع الطائرات المسيرة التي تمتلك قدرة هائلة على التقاط صور عالية الوضوح، ومن ثم تحليلها بواسطة برمجيات متخصصة.
ومن ثَم فهذا يضمن تقييمات دقيقة وتفصيلية للألواح الشمسية، ومن ثم إصلاح الأعطال أو المشكلات على الفور.
الخلايا الشمسية على أسطح المنازل
لا يقتصر استعمال الطائرات المسيرة على صيانة الألواح الشمسية، والتركيبات واسعة النطاق؛ فأصحاب المنازل المُثبتة على أسطحها ألواح شمسية يمكنهم الاستفادة كذلك من الفحوصات التي تجري بالطائرات المسيرة؛ ما يضمن عمل تلك الألواح بأقصى قدر من الكفاءة الوظيفية، وتحديد أي مشكلات محتملة قبل أن تتفاقم ويصبح علاجها مكلفًا.
وفي النهاية ومع استمرار تطور تقنية الطائرات المسيرة، سيشهد العالم -على الأرجح- المزيد من تطبيقاتها في صناعة الطاقة الشمسية.
محمد عبد السند
المصدر: منصة الطاقة
إنتاج إيران من الصلب الخام يستحوذ على 70٪ من إجمالي غرب أسيا
|
استحوذ إنتاج إيران من الصلب الخام على 70٪ من إجمالي إنتاج غرب أسيا خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2023، بحسب أحدث البيانات الصادرة عن الاتحاد العالمي للصلب.
وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن شركات صناعة الصلب الإيرانية انتجت 13 مليون طن من الصلب الخام في الفترة من يناير إلى مايو من هذا العام، مسجلة زيادة بنسبة 2.2٪ مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي.
وأنتج منتجو الصلب في غرب أسيا، بما في ذلك إيران وقطر والسعودية والإمارات، ما مجموعه 18.7 مليون طن من الصلب خلال هذه الفترة، بزيادة 1.1٪ على أساس سنوي.
وأنتج منتجو الصلب البالغ عددهم 63 في العالم 786 مليون طن من الصلب خلال نفس الفترة، بانخفاض 1.2٪. وأنتجت البلدان الواقعة في إفريقيا، بما في ذلك مصر وليبيا وجنوب إفريقيا وتونس، 2.6 مليون طن من الصلب، بزيادة 2.6٪ مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.
وبلغ إنتاج الصلب في دول آسيا وأوقيانوسيا، بما في ذلك أستراليا والصين والهند واليابان ومنغوليا ونيوزيلندا وباكستان وكوريا الجنوبية وتايوان (الصين) وتايلاند وفيتنام، 588.4 مليون طن، بزيادة 0.7٪. أنتجت دول الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 دولة ما مجموعه 56 مليون طن، بانخفاض 10.4٪.
وأنتجت الدول الواقعة في منطقة “أوروبا وغيرها”، بما في ذلك مقدونيا والنرويج وصربيا وتركيا وبريطانيا، 16.6 مليون طن من الصلب، بانخفاض 16.3٪ مقارنة بالفترة المماثلة من عام 2022. ودول أمريكا، بما في ذلك كندا وكوبا، والسلفادور وغواتيمالا والمكسيك والولايات المتحدة انتجت 45.9 مليون طن من الصلب خلال هذه الفترة، بانخفاض 3.6٪.
وأنتج منتجو الصلب في منطقة “روسيا ودول رابطة الدول المستقلة الأخرى بالإضافة إلى أوكرانيا”، بما في ذلك بيلاروسيا وكازاخستان وروسيا وأوكرانيا، 36.9 مليون طن من الصلب، بانخفاض 3.8٪ على أساس سنوي.
وأنتجت دول جنوب إفريقيا والأرجنتين والبرازيل وتشيلي وكولومبيا والإكوادور وباراغواي وبيرو وأوروغواي وفنزويلا، 17.1 مليون طن من الصلب، بانخفاض 5.9٪ على أساس سنوي.
وتشير بيانات Worldsteel أيضًا إلى أن إيران استحوذت على 75٪ من إنتاج غرب أسيا من الصلب الخام في مايو، حيث أنتجت مصانع الصلب الإيرانية ما مجموعه 3.3 مليون طن خلال الشهر، مسجلة زيادة بنسبة 8.8٪ مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.
المصدر: وكالة تسنيم الدولية للأنباء
ضمن “إصرار مستميت” للهيمنة على حضرموت.. مليشيا “الانتقالي” تبدأ الثلاثاء الخطة (ب) من تصعيدٍ “جديد” يُمهل السلطة المحلية 5 أيام
|
ضمن مساعيها المستميتة لفرض هيمنتها على محافظة حضرموت؛ وبخاصة عقب النجاح والحضور والتأييد الذي ناله مجلس حضرموت الوطني.. تبدأ ميلشيا المجلس الانتقالي الجنوبي (الانفصالي) الثلاثاء في تنفيذ الخطة (ب) من تصعيدها في المحافظة الأكثر أمنا واستقرارا في اليمن. ويتمثل هذا التصعيد في وقفات احتجاجية وتسليم مطالب وإمهال السلطة المحلية خمسة أيام ما لم تتحمل تبعات كل ما يحدث في المديريات، وفق نص البيان الصادر عن اللجنة التنفيذية لمخرجات لقاء حضرموت الجامع (حرو). وهو التصعيد الذي يأتي بعد ثلاثة أيام من تصعيد شهدته المحافظة الجمعة، ممثلا في تظاهرات شملت ست ساحات.
مما سبق يتضح أن “الانتقالي” قرر أن يخوض معركته في حضرموت في أكثر من اتجاه؛ في دليل على مدى استشعاره للخطر المحدق به عقب إعلان مجلس حضرموت الوطني.. ففي الوقت الذي وضع خطة تظاهرات الجمعة؛ وضع خطة أخرى تالية لها في حال لم تحقق الأولى أهدافها، وفي ذات الوقت تمثل تكريسًا لنجاحها في حال نجحت.
على صعيد النجاح والفشل فعلى الرغم من جلب الانتقالي حشودا من خارج المحافظة فإن تظاهرات الجمعة لم تحقق أي نجاح على المستوى الاستراتيجي؛ فأعداد المتظاهرين كانت قليلة، ولم تشكل حضورًا فاعلًا وفق ما نقلته صور وسائل الاعلام، علاوة أن تأثيرها يكاد يكون منعدمًا في ظل تنامي موقف محلي ووطني هناك ينحاز للسلطة المحلية، ويلتف حول مكون مجلس حضرموت الوطني، الذي تم اشهاره في الرياض في العشرين من يونيو/حزيران الماضي كحامل سياسي لتطلعات المحافظة وايده عدد كبير من الأحزاب والمكونات وحظي بدعم الرياض ومجلس القيادة الرئاسي.
ولهذا استعدت مليشيات الانتقالي لوضع ما يمكن تسميته بـ(الخطة ب)، والتي سبق وأعلنت عنها الهبة الحضرمية الثانية ولجنة تنفيذ مخرجات لقاء حضرموت العام (حرو) الخميس الفائت، في بيان صادر عن اجتماع اللجنة بزعامة حسين الجابري؛ وهو زعيم الهبة الحضرمية الثانية الموالية للانتقالي.
مليشيا الانتقالي تبدأ المرحلة الثانية من التصعيد الثلاثاء، ويتصدر زمام التصعيد هذه المرة مكونات حضرمية محلية، وتحمل لافتات التصعيد الجديد عنوان (تردي الخدمات في الماء والكهرباء) و(مواجهة فساد السلطة المحلية)… وإقحام السلطة المحلية في بيان التصعيد بهذا الشكل يمثل موقفا جليًا وتحديا لم يظهر في التظاهرات التي أقيمت الجمعة، بينما ظهر كتحد واضح في بيان التصعيد الذي يبدأ الثلاثاء؛ وهو موقف ضد السلطة المحلية؛ باعتبارها انحازت لمكون مجلس حضرموت الوطني؛ وانطلاقا من هذا ذكر البيان المحافظ بالاسم.
مما لا شك فيه أن الانتقالي مصمم وباستماتة على فرض هيمنته على حضرموت، وتحديدا وادي حضرموت، مهما كان الثمن، وكأن المعركة بالنسبة باتت معركة مصير؛ وهي كذلك معركة مصير؛ لأن لا قيمة لمشروعه بدون حضرموت، المحافظة الأكبر مساحة والأغنى نفطًا في جنوب اليمن، وعلى مستوى اليمن ككل، علاوة أن تأسيس مكون مجلس حضرموت الوطني كان بمثابة انقلاب على مشروع الانتقالي (الانفصالي) في المحافظة؛ إذ بات للمحافظة مكونها السياسي؛ وهو ما سيكون ممثلا لها في أي تفاوض سياسي يمني مستقبلي؛ وبالتالي تنتفي الحاجة للمجلس الانتقالي هناك، وبالتالي بات مصير مشروع المجلس الانتقالي المدعوم اماراتيا محكومًا بالفشل؛ ولهذا يشحذ كل أسلحته للاستحواذ على حضرموت، وتحديدا وادي حضرموت كما سبقت الاشارة؛ كون الساحل صار في قبضة قوات النخبة الحضرمية الموالية للإمارات، كما أن معظم حقول النفط متوفرة في الوادي، علاوة أن القوات الحكومية المتبقية في حضرموت، وتحمل عقيدة قتالية وطنية يمنية خالصة، هي تلك الموجودة في وادي حضرموت ومحافظة المهرة، ممثلة في قوات المنطقة العسكرية الأولى، والتي تمثل تهديدا لوجود الانتقالي؛ ولهذا يتوعد الأخير، في كل مناسبة، بإخراج هذه القوات بأي شكل.
برنامج تصعيد الخطة (ب)
ووفقًا لبيان اجتماع لجنة تنفيذ مخرجات لقاء حضرموت العام (حرو) فإن التصعيد سيبدأ الثلاثاء بتنفيذ وقفات احتجاجية في جميع مديريات المحافظة، وتسليم مديري المديريات قائمة بالمطالب العامة لأبناء المديرية، وإمهال السلطة المحلية في المديرية خمسة أيام من تاريخ الوقفة للرد على مذكرة المطالب.
وطبقا لنص البيان «في حال عدم الرد أو انتهاء المهلة المحددة فإننا سنتخذ عدة إجراءات للتصعيد الميداني، وتتحمل السلطة المحلية تبعات ما يحدث بالمديريات».
وأكدت اللجنة التنفيذية لمخرجات لقاء حضرموت العام (حرو) أنها غير معنية «بالمكون الجديد المسمى مجلس حضرموت الوطني، الذي يمثل شقا للنسيج الحضرمي ومصدر فتنة ونحمل المحافظ بن ماضي مسؤولية ذلك» حد نص البيان الذي طالب «بفوارق سعر الديزل المدعوم والبالغة (101687350000) ريال وتوزيعها على المديريات بنسب حصتها» في اتهام ضمني للسلطة المحلية بالفساد، ويأتي في سياق تصعيد يستهدف كل مَن لهم علاقة بمجلس حضرموت الوطني ضمن معركة متعددة الاتجاهات تخوضها مليشيات المجلس الانتقالي الجنوبي (الانفصالي)، وكأنها لم تستفق بعد من صدمة تأسيس مجلس حضرموت الوطني الذي لم يكن تأسيسه في حسبان هذه المليشيات.
أحمد الأغبري
المصدر: صحيفة القدس العربي
فيديو يدحض مزاعم إسرائيل حول قتل طفل فلسطيني في عملية جنين.. لم يكن مسلحا ولا عضوا في فصيل
|
كشف شريط فيديو عن اللحظة التي أطلق فيها قناص إسرائيلي النار على فتى فلسطيني عمره 16 عاما أثناء اجتياح جنين في الأسبوع الماضي، بشكل نسف مزاعم إسرائيل بأنها استهدفت المقاتلين فقط.
وفي تقرير أعدته كاثرين فيليب من جنين قالت إن الفيديو الذي تأكدت صحيفة “التايمز” من صحته عبر شهود عيان وكذا عائلة الفتى القتيل، يظهر لحظة موت عبد الرحمن أحمد حردان عندما كان واقفا أمام مستشفى الأمل، بعدما لبى نداء من مسجد القرية من أجل التبرع بالدم. وقالت والدته كفاية حردان في بيت العائلة في فحمة بالضفة الغربية “أصبح عمر ابني 17 عاما” و”قتله الاحتلال بدم بارد واتهمه بالمشاركة في المواجهات المسلحة، ولم يكن يحمل السلاح، فقد كان طفلا”.
وأطلقت النار على عبد الرحمن في الساعة الواحدة ظهرا في 4 تموز/يوليو وفي اليوم الثاني للبحث الإسرائيلي المكثف داخل مخيم اللاجئين في جنين، الذي تقول الصحيفة إنه “يعتبر منذ عامين”مركزا للجماعات المسلحة في الضفة الغربية”.
ويظهر عبد الرحمن فارغ اليدين وهو ينظر للشارع خارج مستشفى الأمل، ووقع فجأة على الأرض بعدما أطلق قناص عليه النار. وقال صديق له للعائلة إنه حاول تحذيره وإبعاده بعدما لاحظ قناصا قريبا. واعتبرت إسرائيل العملية انتصارا وقالت إنها دمرت مركز قيادة ومعامل لإنتاج القنابل وصادرت كميات كبيرة من الأسلحة.
ويؤكد التقرير أنه للمفارقة، فقد زعمت القوات الإسرائيلية أن عبد الرحمن كان يحمل معه سلاحا أوتوماتيكيا عندما أطلقت النار عليه، وهو ما يدحضه الفيديو، وإن كل الفلسطينيين الـ12 الذين قتلوا في العملية كانوا مسلحين، وكان أربعة منهم تحت سن الثامنة عشرة. وزارت الصحيفة بيت عائلة حردان بعد جنازة حافلة شارك فيها مسلحون في مخيم جنين. وحمل نعشه في دروب المخيم قبل أن يرافقه والده لجنازة هادئة في القرية. وفي اليوم التالي كان بيت العائلة مكانا هادئا لنساء العائلة اللاتي تجمعن في غرفة المعيشة مع أم عبد الرحمن ووالده وإخوته الذين كانوا يندبون وفاته. وكان المشهد الهادئ غير الجنازات الصاخبة التي عقدت للمقاتلين الذين احتفل بهم كشهداء.
وبحسب التقرير “ليس لدى الجماعات المسلحة من كتيبة جنين الجديدة إلى الجهاد الإسلامي وحركة فتح أي تردد لاعتبار القتلى من الأطفال وحتى النساء شهداء لهم. وأحضر المسلحون راياتهم إلى البيت للاحتفال بشهادته، لكن العائلة لم تكن مرتاحة، نظرا للمخاطر عليها، ولكنها كانت مصرة على أن عبد الرحمن لم يكن مقاتلا أو انتمى إلى جماعة مسلحة”.
وقالت والدته كفاية إنه ذهب إلى مستشفى الأمل من خلال النقل العام كي يتبرع بدمه، بعد سماعه النداء من مكبر المسجد “لم يكن لدي أي سبب للاعتقاد أنه في خطر، فالعملية الإسرائيلية في المخيم والمستشفى خارجه”. وبكت عندما وصفت كيف خرجت سريعا إلى جنين عند سماعها بخبر إطلاق النار على ابنها بالرأس. و أكدت أنه مات بعد خمس ساعات أثناء عملية جراحية، وأنه “كان ولدا عاديا، ولم يكن إرهابيا كما يقولون” و”كل فلسطيني في أعينهم هو إرهابي، مسلحا كان أم غير مسلح”،
واشار التقرير إلى زعم المتحدث باسم القوات الإسرائيلية العقيد ريتشارد هيتش أن عبد الرحمن “لم يكن طفلا” لأن عمره 17 عاما. وشدد اتقرير على أنه في الحقيقة، فإن هويته تظهر ولادته في 26 تموز/ يوليو 2006، أي قبل ثلاثة أسابيع من عيد ميلاده السابع عشر. وأنه حتى في هذا السن يعتبر من الناحية القانونية طفلا، وهذا بحسب القانون المدني والعسكري الإسرائيلي والقانون الدولي أيضا. وذكرت أن هيتش وجه الصحيفة إلى منصات التواصل الاجتماعي التي أعلنت فيها حركة الجهاد الإسلامي عنه كواحد من شهدائها. لكن الصحيفة لفتت إلى أنه “من المعروف قيام الجماعات المسلحة بتبني أي ضحية شاب كشهيد لإظهار قوتها”.
وذكرت الصحيفة أنه في الوقت الذي وضعت فيه حركة الجهاد الإسلامي صورا لمقاتليها، فقد كان عبد الرحمن هو الوحيد الذي لا يحمل السلاح. وعندما سألت الصحيفة هيتش إن كان عبد الرحمن مسلحا أجاب “نعم”، وأي نوع من السلاح “بندقية أوتوماتيكية”. وتابعت الصحيفة صورا لكاميرا تسجيل من محل قريب من المستشفى والتي أظهرت عكس ما يتحدث عنه المتحدث باسم الجيش. وأكدت أنه من خلال تدعيم الصورة بشهادات العائلة وشهود العيان، لم يكن الجيش قادرا على تقديم جواب مقنع للصحيفة بعد مشاهدته الصور. وبحسب الصحيفة يعتقد أن المستشفى لديه تسجيله على الكاميرا لكنه لم يعلن بعد عنه.
ووذكر التقرير أن صور المراهقين الثلاثة الذين أعلنت عنهم الجهاد الإسلامي بالسلاح، ظهرت لكن لا أحد يعرف إن كانوا مسلحين قبل موتهم. وقال عمر شاكر، مدير هيومان رايتس ووتش في إسرائيل وفلسطين إن مزاعم الجيش الإسرائيلي عن أن انتماء عبد الرحمن يبرر قتله، مرفوضة. وقال “زعم فصيل فلسطيني بانتماء شخص ليس مبررا قانونيا كافيا لممارسة إسرائيل القتل بناء على القانون الدولي المطبق في الضفة الغربية”. وقال إن “تحديد القانونية هنا يقوم على فكرة إن كان الشخص مثل خطرا على الحياة عندما أطلق عليه النار. وتزعم الفصائل الفلسطينية أن أفرادا منها، سواء كانوا جزءا من الجماعة المسلحة أو قتلوا في أثناء المعركة أم لا”.
من جهته قال عايد أبو قطيش، مدير فرع مؤسسة الدفاع عن الأطفال “ديفنس فور تشيلدرن أنترناشونال” والذي طالب بالتحقيق في القتل إن من المعروف زعم إسرائيل أن الشخص كان مسلحا عندما تظهر الأدلة غير ذلك. وأخبر عدة شهود المنظمة أن عبد الرحمن لم يكن مسلحا ولم تكن مواجهات أدت لإطلاق النار، وهذا قبل ظهور الفيديو.
وأشار التقرير نقلا عن ناشطين إلة أن عبد الرحمن هو واحد من 53 طفلا فلسطينيا قتلتهم إسرائيل منذ بداية 2023. وتقول والدته “كان ولدا صغيرا” و”في هذا الشهر عيد ميلاده السابع عشر، وكان يريد حياة هادئة لا الشهادة”.
المصدر: صحيفة القدس العربي
المدارس المقدسية تواجه خطر الإغلاق.. محاربة الهوية الفلسطينية عبر التعليم
|
في عام 2017 أعلنت حكومة الاحتلال تخصيص مبالغ باهظة تحت ما أسمته “الخطة الخمسية” والتي تستهدف قطاع التعليم، وكانت من بين تلك المبالغ 200 مليون شيكل تحت شعار “تشجيع الانخراط في التعليم الإسرائيلي”، ويعني ذلك زيادة عدد الطلبة الفلسطينيين الذين يدرسون المنهاج الإسرائيلي في شرق القدس المحتلة.
هذه الخطة عملت الحكومة الإسرائيلية على تطبيقها ليس فقط منذ ذلك العام، بل منذ احتلالها الشطر الشرقي من القدس عام ١٩٦٧، وما زالت حتى الآن تستهدف نظام التعليم المقدسي بالتهويد عبر طرق عدة أبرزها التهديد بالإغلاق.
مراحل التهويد
المختص في شؤون التعليم بالقدس زيد القيق قال لـ”عربي21″ إن الهجمة الأخيرة على قطاع التعليم في مدينة القدس وعلى المؤسسات التعليمية والمدارس ممتدة منذ عام 2011، وهي لا تشمل فقط الكتب والمقررات الدراسية بل تتعداها منذ فترة طويلة للأنشطة اللا صفية.
وفي العام الأخير بسبب زيادة هذه الهجمات بدأت تظهر للمجتمع بشكل أوضح محاولات الاحتلال فرض سيطرته على المناهج الفلسطينية بشقيها الكتب والمقررات والأنشطة اللا صفية، وبحكم أن الفصل الثاني من العام الدراسي هو الفصل الذي يشتمل على العديد من الفعاليات والأنشطة اللا صفية وحفلات التخرج أصبح هناك تزايد في هجمة الاحتلال خلال هذه الفترة.
وبحسب القيق فإن الاحتلال يحاول إقامة بعض الأنشطة التي تبث رسائل يهدف من خلالها إلى تشويش الهوية الفلسطينية في عقل الطالب المقدسي لجانبين؛ الأول كي يشعر المواطن المقدسي أنه أقلية يعيش في دولة يهودية والثاني كي ينسلخ عن عمقه الفلسطيني والعربي والإسلامي، وهذه الأنشطة اللا صفية تهدف إلى ضرب الهوية والقيمة الوطنية والإسلامية.
وتابع: “الاحتلال منذ عام 2011 يتلاعب بهذه الأنشطة، وما قامت به مدرستا راهبات الوردية وآفاق مؤخراً على اختلاف مرجعيتهما -فالأولى تتبع لقطاع التعليم الأهلي والثانية تتبع لبلدية الاحتلال- من بث مواد تتساوق مع الرواية الإسرائيلية؛ لا بد من التأكيد في ظله على خط الدفاع الأول في موضوع الأنشطة، ففي المقررات الدراسية أولياء الأمور هم أحد أهم الوسائل لرفض إدخال الكتب للمدارس وتتشارك جنبا إلى جنب مع إدارات المدارس، لكن في موضوع الأنشطة اللا صفية يتحمل أولياء الأمور معظم المسؤولية، وعلى ولي الأمر أن يتحلى بدرجة عالية من الوعي لوقف هذه الإجراءات التي تحاول تمريرها بعض إدارات المدارس التي قدمت تنازلات لوزارة المعارف الإسرائيلية، والتي تبث رسائل مشوشة، فيجب على ولي الأمر رفض مشاركة طفله في هذه الأنشطة”.
قطاع التعليم في القدس مر بأربع مراحل من محاولات التهويد وطمس الهوية الفلسطينية، الأولى بدأت منذ عام 1967 بمحاولة تغيير المقررات والمناهج الدراسية بالقوة، أي محاولة التغيير القسري التي قام بها الاحتلال بمجرد احتلال المدينة، ولكنها باءت بالفشل لسببين رئيسيين؛ الأول هو وجود قيادة موحدة برئاسة الأستاذ حسني الأشهب رحمه الله ومن معه من المعلمين في ذلك الوقت بقرار موحد رفضوا تدريس المناهج الإسرائيلية، والثاني مهم جدا وهو دعم القيادة الأردنية لهذه القيادة الموحدة ورفضها إدخال المناهج الإسرائيلية إلى المدارس المقدسية.
وأوضح القيق أن المرحلة الثانية هي الإهمال والتفتيش؛ حيث نتيجة لفشل الاحتلال في فرض مناهجه في المرحلة الأولى بدأ بتهميش وإهمال المدارس المقدسية؛ حيث أهملت بلدية الاحتلال في القدس جميع المدارس التابعة لها.
ولكن في عام 2011 بمجرد استلام “نير بركات” رئاسة بلدية القدس الاحتلالية مهامه بدأ بوضع سياسة جديدة تستهدف التعليم تسمى سياسة الدمج والاستيعاب، وهي المرحلة الثالثة؛ أي محاولة دمج الطالب المقدسي في المجتمع الإسرائيلي، وتم الإعلان عنها بشكل صريح عام 2017 ضمن ما تسمى بالخطة الخمسية للسيطرة على قطاع التعليم والتي انتهت بانتهاء العام 2022.
وأشار المختص إلى أن الخطة هدفها بشكل واضح دمج المقدسي في المجتمع الإسرائيلي من خلال التعليم في الجامعات والمدارس التي تدرّس المنهاج الإسرائيلي، ودمجه في الاقتصاد الإسرائيلي كذلك.
ويعيش المقدسيون حاليا المرحلة الرابعة وهي استمرار لمرحلة الدمج، وتتمثل بتغيير وتحريف المناهج بشكل كامل وإجبار المدارس على تدريس المنهاج الإسرائيلي وليس فقط المنهاج الفلسطيني.
ولفت إلى أنه منذ بداية العام الدراسي الحالي 2022/2023 بدأت وزارة المعارف الإسرائيلية بزيادة هجمتها ليس فقط تجاه المناهج، بل تجاه المؤسسات التعليمية؛ حيث نفذ الاحتلال مع بداية العام الدراسي هجمة على مدرستي الإيمان والإبراهيمية بوصفهما من أكبر مدارس القدس ومن مدارسها الوطنية والتاريخية تبعتها هجمات على بقية المدارس من خلال تهديد أي مدرسة تدرّس المنهاج الفلسطيني بالإغلاق.
وأضاف: “في الشهر الأخير كان هناك موقف من البرلمان الأوروبي الذي صوّت على رفضه المحتوى التحريضي في المناهج الفلسطينية، تبعه مباشرة في اليوم نفسه تقديم لجنة التشريع في الحكومة الإسرائيلية ورقة للكنيست الإسرائيلي بوقف المخصصات المالية عن أي مدرسة على اختلاف مرجعيتها سواء كانت تتبع للبلدية أو القطاع الخاص أو الأهلي بوقف المخصصات المالية عنها وإغلاقها، هذا هو التطور الأخير في واقع التعليم بالقدس”.
مظلات التعليم في القدس
تنقسم مدارس القدس المحتلة إلى عدة أقسام، فمنها مدارس الأوقاف الإسلامية البالغ عددها 52 مدرسة تابعة للسلطة الفلسطينية إدارياً وتعمل تحت مظلة الأوقاف الأردنية، ويتم فيها تدريس المنهاج الفلسطيني، وتقع مدارسها داخل جدار الفصل العنصري وخارجه.
ومنها المدارس الخاصة التي تتبع من الناحية الإدارية للكنائس والجمعيات الخيرية والأفراد، وتُدرس المنهاج الفلسطيني، ومدارس الوكالة التي تتبع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين “أونروا” ويدرس فيها نحو 1800 طالب المنهاج الفلسطيني في ست مدارس.
أما مدارس البلدية فهي تابعة لوزارة المعارف الإسرائيلية وبلدية الاحتلال، ويدرس الطلبة في بعضها المنهاج الفلسطيني المُحرف، فيما تختص أخرى بتعليم المنهاج الإسرائيلي من الصف الأول حتى الثاني عشر، ومدارس المقاولات التي يديرها أفراد بالنيابة عن إدارة المعارف الإسرائيلية، وتفتح أبوابها للطلبة بعد تعاقد بين الأفراد ووزارة المعارف لفتح مدارس في مستويات بيئية مدرسية متدنية لسد العجز في الغرف الصفية.
وفقا لمؤسسة فيصل الحسيني العام الماضي فقد بلغ عدد الطلبة المقدسيين في كل من المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية نحو 98428 طالبا وطالبة، منهم قرابة 45500 يتوجهون إلى 146 مدرسة تتبع لمظلة التعليم الفلسطينية (الأوقاف، المدارس الخاصة، مدارس الوكالة)، فيما يتوجه البقية إلى المدارس التابعة لإدارة وزارة المعارف الإسرائيلية.
مسح الأدمغة
الناشط المقدسي فخري أبو دياب أكد لـ “عربي21” أن سلطات الاحتلال ووزارة المعارف الإسرائيلية وبلدية الاحتلال هم المسؤولون عن أكثر من 52٪ من المدارس في القدس، والمسؤولية هنا تعني المالية والرقابة والدعم والتمويل وكل شيء.
وبسبب عدم قيام السلطة الفلسطينية أو ممول آخر من الدول العربية بتمويل المدارس المقدسية انفرد الاحتلال بها لأن المدخل المالي هو الذي عن طريقه تحاول الوزارة التابعة لسلطات الاحتلال تمييع الثقافة العربية والإسلامية في مدارس القدس وحرف الطلبة عن المبادئ والأفكار التي ينتمي إليها الشعب الفلسطيني لصرفهم عن الوقوف في وجه الاحتلال الذي يعلم قيمة وأهمية العلم كسلاح.
ويرى أبو دياب بأن الاحتلال يعمل على محاولة غسل أدمغة الطلبة لقبول وجوده؛ وهو يستهدف الأجيال القادمة لأنه يريد تشويه معتقدات الطلاب وتشويه أفكارهم، ويهدف بشكل خاص إلى تشويه التاريخ الحقيقي والهوية العربية والتشكيك في الثوابت العربية.
وأضاف: “الاحتلال يعمل الآن باستراتيجية على تسميم التعليم في الجزء الشرقي من القدس لتغيير العقلية ومسح أدمغة الطلبة، هذه أخطر خطوة تهويدية لأنها لا تستهدف فقط الوجود والهوية، بل الأجيال القادمة لقبول دولة الاحتلال والتعايش معها”.
الذي يلام، بحسب الناشط؛ بالإضافة للسلطة الفلسطينية هي الأمة العربية والإسلامية بشكل عام، حيث يضخ الاحتلال ميزانيات بالملايين لمدارس القدس، ليس حبا بأهلها؛ ولكنه يريد أن يصل للسيطرة على عقول المقدسيين وخاصة الطلبة عن طريق السيطرة على المدارس.
هذه المشكلة ربما تستفحل أكثر نتيجة عزوف السلطة أو من سيحل محل سلطات الاحتلال ووزارة المعارف الإسرائيلية إذا أرادت أن ترفع يدها أو تهدد هذه المدارس إما بقبول المنهاج المهوّد أو إغلاقها، ولعدم وجود من يرعى هذه المدارس قد تضطر للتجاوب مع الأسرلة لو بشكل قليل أو القبول بالإغلاق، وكلاهما في غاية الخطورة.
أما الحلول الجذرية لمواجهة تهويد المدارس المقدسية فيرى المختص القيق أنها بحاجة إلى قيادة تعليمية موحدة تجمع القرار المقدسي وتوحده أمام الهجمة الإسرائيلية، فلا يعقل أن تواجه كل مدرسة قرارات الأسرلة لوحدها منفردة مثل الواقع الحالي، ثم لا بد من دعم الحكومة الفلسطينية والأردنية بشكل خاص والحكومات العربية والإسلامية بشكل عام للمؤسسات التعليمية.
قطاع التعليم هو من أهم وأكبر القطاعات وهو الوحيد الذي لم تستطع سلطات الاحتلال السيطرة عليه، فلا بد من توفير بديل مالي لمؤسسات القدس التعليمية يزيح عنها شبح وسيف المخصصات المالية الذي تسلطه وزارة المعارف الإسرائيلية على رقبة المؤسسات التعليمية الفلسطينية في المدينة، بحسب المختص.
فداء شلش
المصدر: موقع عربي 21
صعود أحزاب اليمين المتطرف في أرجاء أوروبا… هل إسبانيا التالية؟
|
الشهر الماضي، بعد نجاح الأحزاب الإسبانية المحافظة واليمينية المتشددة في سحق اليسار في الانتخابات المحلية، وقع الفائزون في إلش، وهي بلدة صغيرة بجنوب شرق البلاد تشتهر بالنحت وصادرات الأحذية، اتفاقية ستمس عواقبها مستقبل إسبانيا بأسرها، بل وباقي أرجاء أوروبا.
من جهته، نال مرشح الحزب الشعبي المحافظ فرصة للحكم، لكنه كان بحاجة إلى حزب «فوكس» اليميني المتشدد، الذي حصل، مقابل دعمه خلال تصويت المجلس، على منصب نائب رئيس البلدية، وهيئة إدارية جديدة للدفاع عن الأسرة التقليدية. ووقع الطرفان صفقتهما تحت صليب الكنيسة المحلية.
عن ذلك، قال بابلو روز فيلانويفا، عمدة إلش الجديد: «ربما يصبح هذا التحالف نموذجاً جيداً لإسبانيا كلها»، في إشارة إلى الانتخابات الوطنية المقررة في 23 يوليو (تموز)، التي تشير معظم استطلاعات الرأي إلى أنها ستطيح برئيس الوزراء الليبرالي، بيدرو سانشيز، المنتمي إلى حزب العمال الاشتراكي. وشدد النائب الجديد لرئيس البلدية من حزب «فوكس»، أورورا روديل مارتينيز، على أن «حزبي سيبذل كل ما هو ضروري لإنجاز هذا الأمر».
وحال تحقق رغبة روديل، مع انضمام «فوكس» إلى ائتلاف يضم عناصر محافظة أكثر اعتدالاً، فإن الأخير سيصبح أول حزب يميني منذ سقوط النظام الديكتاتوري لفرانشيسكو فرانكو ينضم إلى الحكومة الوطنية.
ويشكل صعود «فوكس» جزءاً من تيار متنامٍ يتمثل في صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة من حيث الشعبية، وحصولها على السلطة ببعض الأحيان من خلال الانضمام إلى حكومات بوصفها حلفاء صغاراً داخل ائتلافات حاكمة.
ثمة خلافات قائمة بين هذه الأحزاب، لكنها بوجه عام تخشى جميعها التداعيات الاقتصادية للعولمة، وترى أن بلدانها ستفقد هوياتها الوطنية جراء الهجرة، الواردة غالباً من بلاد غير مسيحية أو تسودها أغلبية غير بيضاء. وتخشى هذه الأحزاب أيضاً اتحاداً أوروبياً متمكناً يعتقدون أنه لا يهتم إلا بالنخب.
وزاد الصعود المستمر لهذه الأحزاب من الحاجة الملحة إلى عقد نقاش الآن بين الليبراليين حول كيفية التغلب على يمين ازداد نفوذه فجأة.
يرى البعض أن اليمين المتشدد بحاجة إلى التهميش، مثلما كانت الحال لأكثر من نصف قرن بعد الحرب العالمية الثانية. في الوقت ذاته، يخشى آخرون أن اليمين المتشدد أصبح أكبر من أن يجري تجاهله، وأن الخيار الوحيد دمجهم في هيكل الحكم على أمل تطبيعهم.
رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز (أ.ف.ب)
في السويد، تعتمد الحكومة الآن على الأصوات البرلمانية لحزب ذي جذور نازية جديدة، ومنحته بعض النفوذ على صعيد صنع السياسة. في فنلندا؛ حيث صعد اليمين إلى الائتلاف الحاكم، خاطر حزب «الفنلنديون الحقيقيون» القومي بزعزعة استقراره، مع استقالة وزير رئيسي من هذا الحزب اليميني المتطرف، الشهر الماضي، بعدما تبين أنه ألقى نكات تتعلق بتمجيد هتلر.
الجمعة، انهارت الحكومة الهولندية بقيادة مارك روته، المحافظ وصاحب أطول فترة في منصب رئيس الوزراء في هولندا، لأن المزيد من أحزاب الوسط في ائتلافه عدّت جهوده للحد من الهجرة قاسية للغاية. وكان على روته أن يحرس جناحه الأيمن ضد صعود الشعبويين وحزب يميني متشدد.
في إيطاليا، تولى اليمين المتطرف السلطة بمفرده، لكن حتى الآن، حكمت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، التي ترعرعت سياسياً في أحزاب ولدت من رماد الفاشية وتعد حليفاً مقرباً من حزب فوكس الإسباني، بشكل أكثر اعتدالاً مما توقعه الكثيرون في أوروبا، الأمر الذي عزز حجة بعض المحللين بأن واقع الحكم يمكن أن يكون قوة دافعة نحو الاعتدال.
ماكرون وميلوني في مؤتمر صحافي مشترك في الإليزيه (إ.ب.أ)
في دول أخرى، تصعد أحزاب اليمين المتشدد في مناطق بدت فيها خاضعة للاحتواء حتى وقت قريب.
في فرنسا، أصبح الحزب الذي كان هامشياً بوقت مضى بقيادة الزعيمة اليمينية المتطرفة مارين لوبان، قوة راسخة مع تفجر الغضب ضد الرئيس إيمانويل ماكرون، بسبب قضايا مثل تغيير قانون التقاعد، وسياسات دمج الأقليات في البلاد والتعامل الشرطي معها.
المقرر أن ماكرون لن يرشح نفسه مرة أخرى، والانتخابات تفصلنا عنها سنوات، ومع ذلك ارتعدت فرائص الليبراليين في جميع أنحاء أوروبا عندما تفوقت عليه لوبان في بعض استطلاعات الرأي الأخيرة.
مارين لوبن (أرشيفية – رويترز)
وفي ألمانيا؛ حيث لطالما كان اليمين من المحرمات، ساعدت حالة الغموض التي تشوب الاقتصاد، والارتفاع الجديد في أعداد طالبي اللجوء الوافدين على البلاد، على إحياء حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف. ويعد الآن الحزب الرائد في الولايات الشرقية الشيوعية سابقاً، تبعاً لما كشفت عنه استطلاعات الرأي. في الوقت ذاته، تزداد شعبية الحزب في غرب البلاد الأكثر ثراءً وليبرالية.
وفي حين أن الأحزاب اليمينية في مختلف الدول، ليست لديها مقترحات متطابقة، فإنها ترغب بوجه عام في إغلاق الأبواب وقطع المزايا عن المهاجرين، والتراجع عن الخطوات التي جرى اتخاذها على صعيد التعامل مع المثليين، علاوة على أنها تبدي شكوكها إزاء قضية التغيرات المناخية وجدوى إرسال أسلحة لأوكرانيا.
رئيس الوزراء الهولندي المستقيل مارك روته (أ.ف.ب)
جدير بالذكر في هذا الصدد، وفي اعتراف واضح بأن اللون السياسي للقارة آخذ في التغيير، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في إسبانيا، الأسبوع الماضي، أن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى تحقيق نتائج ملموسة من أجل مواجهة القوى «المتطرفة».
وفي إسبانيا، التي يحظى الحزب «الشعبي» المحافظ فيها بفرصة جيدة للحصول على المركز الأول في الانتخابات المقبلة، يقول إستيبان غونزاليز بونس، وهو مسؤول بارز في الحزب، إن إدخال أحزاب يمينية متشددة مثل حزب «فوكس» في الحكومة، كان مجرد وسيلة لتحييدهم.
وأقر المسؤول بأن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر أيضاً، موضحاً: «أولاً، السيناريو السيئ هو أننا يمكن أن نضفي الشرعية على (فوكس)، ثم هناك فرصة ثانية تتمثل في إمكانية تطبيع وجوده، وفي حال حكم البلاد بشكل جيد فإنه سيكون حزباً آخر، حزباً محافظاً داخل النظام».
وفي الوقت الحالي، فإن الوضع يبدو مائعاً، كما أن هناك مؤشرات على أن سانشيز وحلفاءه اليساريين يكتسبون الدعم، كما يبدو أن «فوكس» يفقد قوته؛ حيث ركزت حملة سانشيز والفنانين المعروفين والليبراليين في جميع أنحاء إسبانيا، على التهديد الذي يمثله إدخال المحافظين لـ«فوكس» في الحكومة.
وكانت إسبانيا قد بدت في السنوات الأخيرة نقطة مضيئة لليبراليين، إذ حافظت مدريد، تحت حكم سانشيز، على معدل تضخم منخفض، وخففت التوترات مع الانفصاليين في كتالونيا وزادت معدل النمو الاقتصادي، والمعاشات التقاعدية والحد الأدنى للأجور، كما يتمتع سانشيز بشعبية في الاتحاد الأوروبي، ولكن التحالف بينه وبين الانفصاليين المستقطبين بشدة وقوى اليسار المتطرف غذى الشعور بالاستياء بين العديد من الناخبين.
ولا يعتقد بونس، المسؤول البارز في الحزب الشعبي، أن المخاوف بشأن احتمالية انضمام «فوكس» للحكومة مع المحافظين التابعين له غير صحيحة بشكل كامل، قائلاً: «نحن مؤيدون لأوروبا، ولكن (فوكس) ليس كذلك»، مضيفاً أن «(فوكس) قد يفضل شيئاً مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأن تستعيد جميع الدول سيادتها، كما أن الحزب لديه آراء حول حقوق المثليين والعنف ضد المرأة، تعد خطوطاً حمراء بالنسبة لنا».
وقد بدأت هذه الأفكار في الظهور عندما جلس قادة إلش الجدد في مكتب العمدة الشهر الماضي، وسعوا إلى تشكيل جبهة موحدة؛ حيث تناوب روز، وهو عمدة المدينة الذي ينتمي للحزب الشعبي المحافظ، ونائبته روديل وهي تنتمي لـ«فوكس»، على توجيه الانتقادات القاسية إلى رئيس الوزراء.
علم الاتحاد الأوروبي (رويترز)
وبعد ممارسة الضغوط عليه، أقر العمدة بأن حزبه يعترف بزواج المثليين، وأنه يشعر بالقلق بشكل أكبر بشأن الأحزاب اليمينية المتشددة مثل «البديل من أجل ألمانيا» من شريكه (فوكس)، ولكنه مع ذلك قال إن ناخبي الحزب «الشعبي» و«فوكس» متشابهون، لكن هناك مقاربات مختلفة لكيفية التنفيذ.
وحينها تساءلت روديل، وعلى وجهها ابتسامة خجولة: «هل يمكنني أن أقول شيئاً بخصوص ذلك؟ لدينا موقف ربما يكون أكثر حزماً قليلاً، إذ يؤمن (فوكس) بسيادة الدول ويرغب في زيادة صعوبة إجراء عمليات الإجهاض على النساء، وهي مواقف لا يدافع عنها بعض الأشخاص في حزب العمدة». وأضافت أن المواقف الغامضة لألبرتو نونيز فيغو، زعيم الحزب الشعبي، «تبدو مقلقة».
ولكنّ هناك كثيرين يشعرون بالقلق بشأن «فوكس»، إذ يقول كارلوس غونزاليس سيرنا، وهو عمدة إلش الاشتراكي السابق، الذي خسر الانتخابات: «لقد رأينا الشعبوية تنمو في البلدات الصغيرة بدعم من يمين الوسط، وبدلاً من تطويق اليمين المتطرف، فقد منحه التيار المحافظ فرصة للحصول على الشرعية».
وكان زعيم «فوكس» سانتياغو أباسكال قد انفصل عن الحزب «الشعبي» وسط فضيحة رشوة في عام 2013، ونمت شعبية الحزب في عام 2018 مع وصول المزيد من المهاجرين عن طريق البحر إلى إسبانيا أكثر من أي دولة أوروبية أخرى، وكان «فوكس» القومي أيضاً في وضع جيد لاستغلال رد الفعل العنيف على حركة الاستقلال الكتالونية.
كما وجد «فوكس» دعماً بين الإسبان غير الراضين عن التحول التقدمي في بلادهم بشأن تغير المناخ والقضايا الاجتماعية، بما في ذلك حقوق المثليين والنسوية؛ حيث تضمنت اللوحات الإعلانية لحملة الحزب مرشحين يرمون المثليين ورموزاً نسوية ورموزاً أخرى في سلة المهملات، وفي بلدة ناكويرا الواقعة بالقرب من إلش، أمر العمدة المُنتخَب حديثاً من حزب «فوكس» بإزالة أعلام المثليين من المباني البلدية.
ويقول أحد السكان، وهو سائق شاحنة يبلغ من العمر 45 عاماً ويدعى ماكسيمو إيبانيز، إنه صوَّت لصالح «فوكس»، لأن الحزب تحدث بوضوح، وكذلك لأنه «يشعر بأن قوانين إسبانيا الرائدة لحماية النساء صراحة من العنف القائم على الجنس، التي يتم استخدامها في محاكم خاصة ويتم بموجبها إصدار أحكام أكثر صرامة، تمارس تمييزاً ضد الرجال».
ويقول أحد قادة «فوكس» الإقليميين مازحاً، إن بعض النساء «غير جذابات للغاية بحيث لا يمكن اغتصابهن بشكل جماعي»، في حين قال آخر إن «النساء أكثر عدوانية لأنهن لسن رجالاً».
ملصق انتخابي آخر في أحد شوارع مدريد (أ.ب)
وتقول روديل، وهي نائبة عمدة إلش الجديدة، التي تنتمي إلى «فوكس»، إنه لا توجد خلافات بين حزبها والنساء، باستثناء فكرة أن العنف المنزلي يجب أن يُنظر إليه من خلال الآيديولوجية القائمة على الجنس، فضلاً عن فكرة أن «الرجل سيئ لمجرد كونه رجلاً، وذلك لأن لديه جيناً يجعله عنيفاً».
وأضافت أن حكومة سانشيز، عرّضت النساء للخطر بتشريعات فاشلة كان من الممكن أن تسمح لمرتكبي الجرائم الجنسية بالخروج من السجن.
وكان سانشيز قد اعتذر عن الآثار غير المقصودة لما يسمى قانون «نعم تعني نعم»، الذي كان يهدف إلى تصنيف جميع أنواع الجنس غير الرضائي بأنها اغتصاب، ولكنه خاطر، من خلال إجراء تغييرات في متطلبات إصدار الأحكام، بتقليل فترة السجن أو إطلاق سراح المئات من مرتكبي الجرائم الجنسية.
وكما يقول الكثيرون في أوروبا، إن الوقت قد حان لبدء التعامل مع الأحزاب اليمينية بجدية أكبر؛ حيث أعرب بعض الناخبين في إلش عن ندمهم لعدم تعاملهم مع حزب «فوكس» بجدية كافية.
وتقول إيزابيل شينشيلا (67 عاماً): «لم أكن أعتقد أنهم سيشكلون حكومة، ولقد فاجأوني بشكل حقيقي، ولكني سأشارك بالتصويت في الانتخابات الوطنية المقبلة حتى لا يتكرر هذا الأمر مرة أخرى، وذلك لأنهم رجعيون للغاية في رؤيتهم للمجتمع».
(خدمة نيويورك تايمز)
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
بداية «لندنستان» و«الحديث الطيب مع الأصوليين»
|
وثائق تكشف عما ساد أروقة الحكومة البريطانية من تباين في شأن التعامل مع مسألة الإسلاميين في بداية تسعينات القرن الماضي (1من 3)
مثّل هذان الرجلان في الصورة (أعلاه)، وعلى مدى سنوات، رمزاً لتحوّل العاصمة البريطانية إلى معقل للمتشددين الإسلاميين في تسعينات القرن الماضي. يقضي الأول، أبو حمزة المصري (يمين الصورة)، حكماً بالسجن مدى الحياة في الولايات المتحدة بعد إدانته بالإرهاب.
أما الآخر، السوري عمر بكري، فسجن بدوره لسنوات في لبنان بتهم إرهاب أيضاً (خرج من السجن في مارس / آذار الماضي). ولكن قبل أن يجد هذان الرجلان نفسيهما وراء القضبان، شكّلا، مع آخرين، لنحو عقدين من الزمن تقريباً، وجهاً لما يسميه منتقدون «لندنستان». وفي حين أن هناك من سيجادل بأن هذه الصفة ليست صحيحة تماماً وبأن لندن هي في الواقع تجربة بريطانية ناجحة للتعايش بين الديانات والثقافات المختلفة، فإن ما يبدو مؤكداً في الحقيقة هو أن العاصمة البريطانية تحوّلت منذ تسعينات القرن الماضي إلى ساحة ينشط فيها خليط واسع من مؤيدي تيارات الإسلام السياسي والجماعات التي تُطلق على نفسها وصف «الجهادية» لكنها مصنّفة إرهابية أو متشددة من قِبل الكثير من الحكومات، بدايةً في العالم العربي ولاحقاً في الدول الغربية نفسها.
ولكن كيف تحوّلت لندن إلى «لندنستان»؟ هل كانت الحكومة البريطانية واعية لهذا التحوّل نحو التشدد الذي يتم على أراضيها؟ هل كانت تستضيف الإسلاميين لاستخدامهم «ورقة» في تعاملاتها مع قضايا الشرق الأوسط، كما يعتقد بعضهم؟ أم أنها لم تعرف بمدى خطورة «ضيوفها» المتشددين سوى في وقت متأخر وبعدما تجذّر هؤلاء على أرضها وبدأوا ينخرطون في عمليات عنف وإرهاب في بلدانهم الأصلية وفي البلدان الغربية أيضاً؟
تسلّط «الشرق الأوسط» الضوء على هذه القضية من خلال نشرها سلسلة وثائق حكومية بريطانية كانت مصنفة سرية وباتت متاحة في الأرشيف الوطني بلندن. تكشف هذه الوثائق عن أن جدلاً داخلياً ساد أروقة الحكومة البريطانية في شأن التعامل مع مسألة الإسلاميين في بداية تسعينات القرن الماضي. دعا تيار في الحكومة إلى الحوار معهم، بما في ذلك مع المتشددين منهم، على أساس أن التحدث معهم يمكن أن يحل أي إشكالية بين الطرفين، خصوصاً أنه «ليس هناك تضارب ضروري بين المصالح الغربية والإسلام»، بحسب ما جادل أنصار هذا الرأي.
في المقابل، كان هناك تيار آخر ينتقد هذا المنطق ويعدّ أن هناك محاولة متعمدة من بعض المسؤولين البريطانيين لمحو الفوارق الموجودة مع الإسلاميين المتشددين، ويشير إلى ضرورة أخذ مثالَي السودان وإيران في الحسبان عند التعامل مع تيارات الإسلام السياسي، في إشارة إلى أن وصول الإسلاميين للسلطة سيعني رفضهم التخلي عنها لاحقاً، مثلما فعل نظام الرئيس عمر البشير بعد استيلائه على السلطة بانقلاب عسكري في الخرطوم عام 1989، وكما فعل من قبل الإسلاميون الإيرانيون بقيادة آية الله الخميني بعد إطاحتهم نظام الشاه في طهران عام 1979.
وفي الواقع، بدأ هذا الجدل بين المسؤولين البريطانيين على خلفية النزاع الأهلي الذي بدأ في الجزائر عقب إلغاء الجيش، في يناير (كانون الثاني) 1992، انتخابات كان الإسلاميون على وشك الفوز بها. فقد لاحظ البريطانيون أن مناصرين لـ«الجبهة الإسلامية للإنقاذ»، الحزب الذي حظرته السلطات الجزائرية عقب إلغاء الانتخابات، بدأوا يطلبون تأشيرات للمجيء إلى المملكة المتحدة، قبل طلبهم اللجوء السياسي على الأرجح، وهو أمر لم تعرف سفارة المملكة المتحدة في الجزائر طريقة التعامل معه، فطلبت الحصول على تعليمات من وزارة الخارجية في لندن. وكان لافتاً أن رد الخارجية أشار إلى أن وزير الداخلية البريطاني فقط هو من يستطيع منع أشخاص معينين من الدخول إلى المملكة المتحدة، وإلى أن أي حظر يجب أن يشمل أشخاصاً بأسمائهم وليس منظمات؛ إذ إن «جبهة الإنقاذ» كانت آنذاك محظورة فقط في الجزائر وليس في بريطانيا. كما كشفت المداولات البريطانية الداخلية عن أن حكومة لندن أبلغت السفارة في الجزائر بأنه ممنوع عليها أن تشارك الأوروبيين في معلومات مستقاة من طلبات التأشيرة (الفيزا) التي يتقدم مناصرو «الإنقاذ» للحصول عليها، لكنها سمحت بإبلاغ الأوروبيين فقط بأن شخصاً ما رُفض أو قُبل، وبشرط ألا تكون المعلومة المقدمة للدول الأوروبية عن هذا الشخص (وهل هو من إسلاميي «جبهة الإنقاذ» أم لا) مستقاة من أوراق طلب التأشيرة التي قدّمها.
شعار «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» في الجزائر
إشكالية التأشيرات… إسلاميو «جبهة الإنقاذ»
كان موضوع التأشيرات محور مراسلات بين الخارجية البريطانية والسفارة في الجزائر. ففي ديسمبر (كانون الأول) 1992، كتب د. آي. ليوتي، المسؤول بقسم الهجرة والتأشيرات، إلى كريستوفر باتيسكوم، سفير المملكة المتحدة في الجزائر (من عام 1990 إلى 1994) يرد فيها على برقية وجّهها الأخير إلى قسم الشرق الأدنى وشمال أفريقيا بالخارجية البريطانية بعنوان «طلبات التأشيرة لناشطي الجبهة الإسلامية للإنقاذ» (مؤرخة بتاريخ 8 نوفمبر/تشرين الثاني). قال ليوتي في رسالته إلى السفير:
1- لقد أكد المستشارون القانونيون أننا، من منطلق (مبدأ) الخصوصية، ممنوعون أن نكشف عن معلومات واردة في طلبات الحصول على التأشيرة. ولكن، لن يكون هناك اعتراض على أن تبلغ زملاءك في المجموعة الأوروبية (التي تحوّلت لاحقاً إلى الاتحاد الأوروبي)، على سبيل المثال، أن ناشطاً معروفاً في الجبهة الإسلامية للإنقاذ تقدم بطلب تأشيرة للمملكة المتحدة، وأن تخبرهم بنتيجة هذا الطلب. (أفترض هنا أن معلوماتنا عن أن مقدّم الطلب هو ناشط في الجبهة الإسلامية للإنقاذ لم تأت من طلب التأشيرة نفسه).
2- قد يبدو لزملائك في المجموعة الأوروبية أننا نضع عراقيل بطريقة غير ضرورية لأننا لا نستطيع أن ننضم إلى حظر (أوروبي) شامل على إصدار تأشيرات لأعضاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ. ولكن القرارات في خصوص استبعاد أفراد من القدوم إلى المملكة المتحدة على أساس أن مجيئهم لا يخدم الصالح العام (الفقرة 86 من قوانين الهجرة) لا يمكن أن تؤخذ سوى بالنسبة إلى أشخاص محددة أسماؤهم (سلفاً). وهذه القرارات تؤخذ دائماً من وزير الداخلية شخصياً. ليس هناك بند في القواعد يتعلق بحظر تام على منظمات.
3- إذا تلقيت طلب تأشيرة زيارة من ناشط معروف في الجبهة الإسلامية للإنقاذ وتعتقد أنه/أنها سيطلب اللجوء بعد وصوله إلى المملكة المتحدة، فيجب رفض الطلب بموجب القواعد المعتمدة (كونه ليس زائراً حقيقياً). وإذا تلقيت طلبات تأشيرة من ناشطين يمكن أن يسبب وجودهم هنا ضرراً خطيراً للعلاقات الثنائية (مع الجزائر)، رجاء عدم التردد في إحالتهم إلى قسم الشرق الأدنى وشمال أفريقيا وقسم الهجرة واللجوء في وزارة الخارجية
التوقيع: د. آي. ليوتي
الأصولية الإسلامية وانعكاستها على السياسة البريطانية (الشرق الأوسط)
«الأصولية الإسلامية وتداعياتها على السياسة البريطانية»
الجدل حول موضوع التأشيرات فتح باباً لجدل أكبر عن حدود التعامل مع الإسلاميين وأطيافهم، رصدته الوثائق التي سجلت مكاتبات بين مسؤولين بريطانيين، تعقيباً على خلاصات ورشة عمل تناولت الموضوع، لكن لم تتضح تفاصيل عقدها من الوثائق.
الوثيقة الأولى التي سجلت هذا الجدل كانت برقية من السفير باتيسكوم إلى مارك إيليوت، نائب وكيل وزارة الخارجية (عمل لاحقاً سفيراً في إسرائيل والنرويج)، بتاريخ 3 نوفمبر، جاء فيها:
رسالتكم المؤرخة في 9 أكتوبر (تشرين الأول): الأصولية الإسلامية وتداعياتها على السياسة البريطانية
1- شكراً لكم لإرسالكم نسخة من رسالتكم في 9 أكتوبر إلى ميغ روثويل ولدعوتكم إلى تلقي تعليقات عليها. أعتذر مسبقاً لخوضي محاولة ثانية في هذه المسألة، ولكن آمل أن أكون معذوراً بما أن الأصولية كان لها هذا التأثير المؤلم على الجزائر على مدى السنوات الأربع الماضية.
2- يبدو لي أن علينا أن نكون حذرين جداً في خصوص المصطلحات وماذا نعني بها. الإسلامي والإسلاموي (الذي أضعه مرادفاً للأصولي) يبدوان متشابهين كثيراً ولكنّ هناك فارقاً كبيراً جداً بينهما، وهذا الفارق حقاً هو ما تدور حوله هذه المشكلة. ورقة قسم الأبحاث والتحليل تقرّ بوجود هذا الفارق، لكنه يبدو كمن يحاول محوه من خلال وصفاته، مثلاً عندما يقول إنه ليس هناك تضارب ضروري بين التطلعات الأوروبية والإسلامية (الفقرة 8) وبحديثه عن كيفية التعامل مع الأقليات المسلمة في أوروبا (الفقرة 6). وعن الدول المسلمة إلى جنوبنا وشرقنا (الفقرة 8). لست واثقاً كلياً من أنك لا تفعل الشيء نفسه في الفقرة 2 من رسالتك عندما تتحدث عن الترويج للتفاهم المتبادل والتعايش سوياً والمساهمة في تنمية الاقتصاد وأسواق الصادرات. على الأقل، في هذا الجزء من العالم الإسلاميون ليسوا في السلطة بعد وليس لديهم أسواق صادرات.
من الوثائق البريطانية بخصوص الأصولية وانعكاستها على السياسة البريطانية (الشرق الأوسط)
3- قد يبدو هذا كمن يتصيّد الأخطاء، لكن النقطة التي أثيرها بالغة الأهمية. طمس الفوارق يهدد بطمس أحكامنا ويساهم في الوصول إلى خلاصة يبدو أنني ألحظها في رسالتكم وفي ورقة قسم الأبحاث والتحليل بأنه ليس هناك شيء خبيث أو معادٍ لنا في الأصولية لا يمكن أن يشفيه حديث طيب مع الأصوليين. يبدو لي هذا الأمر تساهلاً خطيراً. على المرء أن ينظر فقط إلى إيران والسودان ليرى ماذا يحصل عندما تأتي أنظمة إسلاموية إلى السلطة. ربما لا يمكننا أن نوقف تقدم الأصولية، وحيث تستحكم فإن علينا بلا شك أن نتعايش معها كما نتعايش مع قوى أخرى غير مرحب بها حول العالم. ولكن لا يجب أن نقوم بأي شيء من أجل الدفع بها إلى الأمام، بل علينا حقاً أن نقوم بكل ما يمكننا أن نقوم به من أجل وقف تقدمها من خلال تشجيع الأنظمة الإسلامية على تبني سياسات ديمقراطية وليبرالية ستجلب لها تأييداً شعبياً وتقلل من الدعم للإسلاميين، وإلى الدرجة التي يمكننا أن نقوم بها، علينا أن ندعمهم بمساعدات مالية أكبر.
التوقيع: كريستوفر باتيسكوم قسم الأبحاث والتحليل…
أبو حمزة المصري يؤم المصلين أمام أحد مساجد لندن (غيتي)
الإسلام السياسي
وكانت برقية السفير باتيسكوم، المؤرخة في 3 نوفمبر، محور رد مطول من باسيل إيستوود، مدير قسم الأبحاث والتحليل بوزارة الخارجية. فقد كتب الأخير إلى مارك إيليوت، المسؤول في وزارة الخارجية، رسالة من ورقتين بتاريخ 9 نوفمبر تحت عنوان:
«الإسلام السياسي – برقية السيد باتيسكوم في 3 نوفمبر». وجاء في رسالة إيستوود:
1- السيد باتيسكوم يؤنبنا على عدم تعريفنا لمصطلحاتنا. إنني أقرّ بذنبي: لقد سعيت عمداً إلى تجنب بدء ورشة عملنا بدرس في التعريفات لأنني شعرت بأن ذلك سيعني أن البداية ستغرق في حذلقة لغوية (نقاش لغوي عميق). غالبية المتحدثين وأنا معهم سعينا إلى تجنب استخدام مصطلح «الأصولية الإسلامية» الذي يأتي منه معظم المشاكل (بما في ذلك برقية السيد باتيسكوم).
2- للتعويض عن هذا النقص، يمكن للمرء ربما أن يقوم بهذا التفريق داخل الطائفة الإسلامية الواسعة:
أ- العلمانيون: هم أولئك الذين يعترفون ويؤكدون على هويتهم الإسلامية، لكنهم يعتقدون في شكل إيجابي أن الإسلام من الأفضل أن يبقى خارج السياسة.
ب- المؤمنون لكنهم غير المسيّسين: هم أولئك الذين يكونون متدينين ويؤمنون نظرياً بتطبيق التعاليم الإسلامية على تنظيم المجتمع، لكنهم جوهرياً غير مسيسين.
ت- المتدينون المسيّسون لكنهم غير عنيفين: هم أولئك الذين يكون لديهم توجّه سياسي ويكونون متدينين، لكنهم يؤمنون بمسار تطوري والذين يسعون إلى تغيير الاتجاه السياسي للدول التي يعيشون فيها بوسائل غير عنيفة. الرجاء الانتباه إلى أن معظم من هم في هذه المجموعة سيكون لديهم صعوبات، من منطلق فقهي، بافتراض أنهم متى ما وصلوا إلى السلطة بوسائل ديمقراطية أو سلمية فإنهم يمكن أن يتخلوا عنها.
ث- الثوريون: هم أولئك الذين يدافعون عن استخدام العنف والثورة لتحقيق قيام نظام إسلامي في المجتمع. ربما في هذه الفئة يجب أن يُدرج «الأصوليون الإسلاميون»، على رغم أن المصطلح مفتوح على تفسيرات عدة، كلها من منطلق شخصي وكثير منها ينمّ عن ازدراء.
3- ناقشنا في ورشة العمل كل هذه الفئات. «الإسلام السياسي» يشملها جميعها، بما في ذلك، على سبيل المثال، المواقف الإسلامية التي تجد أنظمة علمانية نفسها مضطرة إلى تبنيها تجاه المسألة البوسنية مثلاً (أي أنه على هذا المستوى باتت – أي قضية البوسنة – اتجاهاً سائداً في الدبلوماسية الدولية). إن مصطلح «الإسلاميين» يمكن أن يشمل أشخاصاً من الفئات (ب وت وث).
بعض أتباع أبو حمزة المصري خلال صلاة أمام مسجد في شمال لندن في سبتمبر 2004 (أ.ف.ب / غيتي)
4- أعتقد أن ورشة العمل التي عقدناها خرجت بشعور أن:
– أولاً، أن هناك صعوداً عاماً للحماسة الإسلامية.
– ثانياً، أنه ليس هناك تضارب ضروري بين المصالح الغربية والإسلام.
– ثالثاً، أن الفئة (ث) ما زالت أقلية قليلة.
– رابعاً، أنه إذا لم يلعب الغرب أوراقه بذكاء فإننا نخاطر بدفع الأعداد الأكبر بكثير من الفئتين (ب وت) إلى الفئة (ث).
5- لم ألحظ في ورشة العمل اتجاهاً للمجادلة بأنه «ليس هناك أي شيء خطأ في الفئة ث لا يمكن لحوار جيد (أو لحديث طيب) أن يجد له حلاً» (بحسب ما جاء في الفقرة 3 من برقية السيد باتيسكوم). إنني أعتذر إذا كان غياب تعريف المصطلحات في ملاحظاتي ترك القرّاء بهذا الانطباع.
التوقيع: باسيل إيستوود
جدل بريطاني داخل في شأن التعامل مع الأصوليين (الشرق الأوسط)
«اختلافات مهمة في المصطلحات»
«اعتذار» باسيل إيستوود، مدير قسم الأبحاث والتحليل بوزارة الخارجية، جاء في ضوء مراسلات بين السفير باتيسكوم في الجزائر ووزارة الخارجية في لندن، بخصوص الإسلام السياسي والتعامل مع المتشددين. ففي 10 نوفمبر 1992، كتب مارك إيليوت في برقية إلى السفير البريطاني في الجزائر قائلاً:
عزيزي كريستوفر،
الأصولية الإسلامية
1- شكراً جزيلاً لمراسلتكم المؤرخة في 3 نوفمبر. إنني أتفهم في شكل كامل وأتعاطف إلى حد كبير مع النقاط التي أثرتها، وسنأخذها في الحسبان.
2- ربما ستودّ أن تطلع على ورقة باسيل ايستوود (المحضر المؤرخ في 9 نوفمبر، نسخة منه مرفقة بهذه الرسالة). لا أعتقد أن هناك في الحقيقة الكثير من الجدل بيننا، ولكن لا ضير من إبراز هذه الاختلافات المهمة في المصطلحات.
التوقيع: مارك ايليوت
«جبهة الإنقاذ» تطلب لقاء مع الحكومة البريطانية
نقاش في «الخارجية» حول استقبال قيادي في حزب مصنّف إرهابياً بالجزائر
الوثيقة المتعلقة بأنور هدام وطلب اللقاء مع الحكومة البريطانية
في ظل هذا الجدل حول الإسلام السياسي، تكشف وثائق الحكومة البريطانية عن نقاش حول عقد لقاء مع قيادي إسلامي جزائري فرّ من بلاده عقب إلغاء الانتخابات وبات أحد ممثلي «جبهة الإنقاذ» في المنفى. والجدل حول مثل هذا اللقاء الذي تم بطلب من أنور هدام، أحد النواب المنتخبين عن «جبهة الإنقاذ» في الدورة الأولى الملغاة من الانتخابات التشريعية عام 1992، هو أن هذا الحزب الإسلامي بات محظوراً في الجزائر بحجة تورطه في الإرهاب، ومثل هذا اللقاء بين ممثل لحزب «إرهابي» والحكومة البريطانية يمكن أن يسبب أزمة مع الحكومة الجزائرية التي كانت تأخذ على بريطانيا استضافتها الإسلاميين المتشددين وفتح أبوابها أمامهم. في رسالة مؤرخة بتاريخ 12 أكتوبر 1992، كتب أف. جي. مارتن، من دائرة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا بوزارة الخارجية، رسالة إلى «السيد ريتشموند» المسؤول في القسم ذاته، مشيراً إلى تلقيه طلباً بعقد لقاء مع أنور هدام أحد المسؤولين البارزين في «الجبهة الإسلامية للإنقاذ». جاء في الرسالة: «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» 1- تلقيت اليوم اتصالاً من كارولين داتون من المجلس الإسلامي (رقم الهاتف…) تطلب مني أن تعرف هل بإمكان أنور هدام أن يزورني. شرحت لها أنها اتصلت بي في وقت غير ملائم وأنني سأتصل بها لاحقاً. وصفت السيد هدام بأنه «رئيس البعثة البرلمانية لـ(جبهة الإنقاذ) في أوروبا وأميركا». 2- انتُخب السيد هدام نائباً عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ عن دائرة تلمسان في 26 ديسمبر. وبحسب تقرير صحافي أخير، رفض خرق القانون واللجوء إلى العنف، لكنه يتفهم لماذا اختار بعض أتباع الجبهة الإسلامية للإنقاذ اللجوء إلى الخيار الأخير (العنف). وهكذا يبدو السيد هدام ينتمي إلى الفرع المعتدل في الجبهة الإسلامية للإنقاذ. في رسالة بتاريخ 11 أبريل (نيسان)، وصف السيد بلومفيلد (القائم بالأعمال في الجزائر) السيد هدام بأنه المتحدث باسم الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الخارج، وبأن مقرّه فرنسا. أعتقد أن السيد هدام زار المملكة المتحدة في أبريل. (لديه تأشيرة تسمح بدخول متعدد للولايات المتحدة ويُعتقد أنه سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية وكندا في وقت سابق من هذه السنة). 3- الجبهة الإسلامية للإنقاذ، بالطبع، تم حظرها من السلطات الجزائرية في الربيع. وتبعاً لذلك؛ السفارة حُرمت من الوصول إلى ما بقي من قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ. سيكون هناك، تبعاً لذلك، مبرر للقاء السيد هدام، خصوصاً كوننا دعونا في السابق إلى أن يعاود النظام (الجزائري) الحوار السياسي مع المعتدلين في الجبهة الإسلامية للإنقاذ. 4- (الفقرة الرابعة ما زالت الرقابة البريطانية تمنع نشرها) 5- السيد هدام موجود في لندن كل هذا الأسبوع». وعلى الورقة نفسها، تم الرد من السيد ريتشموند (السير ديفيد ريتشموند لاحقاً، وقد عمل في مناصب كثيرة من دول عربية وفي وزارة الخارجية، قبل الانتقال للعمل سفيراً لدى الاتحاد الأوروبي ولاحقاً إلى القطاع الخاص). كتب ريتشموند بخط يده قائلاً: إن «إحدى الخلاصات الأولية للعمل الذي قمنا به عن الإسلام السياسي هو أن علينا أن نقيم حواراً مع الإسلاميين، لكن لا يمكننا أن نتجاهل «أكس» (إشارة رمزية إلى شخص لم يذكر اسمه). وبما أن هذا هو أول اتصال، أتساءل عما إذا لم يكن من الأفضل أن نبدأ بالسيد شيبمان (أحد المسؤولين في وزارة الخارجية) ونرى ماذا سيحصل. علينا أن نشدد (أمام هدام) على (ضرورة) معارضة العنف».
كميل الطويل
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
تحقيق «القرنة السوداء»: كيف تمّ وماذا كشف؟
|
تتركّز الأنظار على التحقيق الذي تجريه مخابرات الجيش في حادثة القرنة السوداء لمعرفة حقيقة ما حصل، وللخروج من «قرنة» المخاوف والهواجس المتبادلة… فما هو جديد هذا الملف؟
صحيح انّ «الحكمة» نجحت في احتواء مفاعيل حادثة القرنة السوداء الدموية، ومحاصرة الاصوات التحريضية التي خرجت من هنا أو هناك، لكن هذا لا ينفي انّ هناك جمراً تحت الرماد، وانّ إطفاءه يتطلّب تحديد المسؤوليات ومحاسبة المرتكبين، أوّلاً لتحقيق العدالة وثانياً لوضع الجريمة في إطارها الحقيقي بعيداً من متناول المصطادين في الماء العكر.
ووفق مصادر واسعة الاطلاع، فإنّ التحقيقات التي يجربها الجيش في حادثة القرنة السوداء تكاد تنتهي، موضحة انّ «المحققين في مديرية المخابرات وصلوا الى الأمتار الأخيرة من مهمتهم، تمهيداً لختم التحقيق وإحالته الى القضاء المختص».
وأبلغت تلك المصادر إلى «الجمهورية» ان الجيش كان مُصمّماً منذ البداية على كشف ملابسات الحادثة في أقصر وقت ممكن لوقف الاستغلال السياسي والطائفي فيها، ولِمَنع استخدامها في أجندات مريبة، «وهذا ما دفعه الى بذل جهد استثنائي خلال وقت قصير لتظهير الحقيقة بعيداً من التأويلات والتفسيرات العشوائية».
وتشير المصادر إلى أن «التحقيق تَمّ في ظروف صعبة نتيجة تواضع الادلة المادية التي يمكن البناء عليها، حيث لا وجود لداتا اتصالات هاتفية او صور كاميرات»، موضحة انه جرى «التعويض عن هذا النقص في الوقائع الحِسيّة بالتركيز على الجانب البشري من خلال الاستماع إلى جميع الأشخاص المَعنيّين بما جرى وإخضاعهم الى تحقيق دقيق».
وتؤكد المصادر انّ المحققين توصّلوا في نهاية المطاف إلى رسم صورة واضحة لما حصل على الأرض، آمِلة في أن «يُعلن القضاء عن الحقائق ولا يُبقيها طَي الكتمان، من أجل تبريد الانفعالات والنفوس ومنع اي محاولات لافتعال الفتنة واللعب على أوتار التعبئة الطائفية».
وتلفت المصادر الواسعة الاطلاع الى انّ «ظهور الحقيقة وتحديد المسؤوليات هما الضمانة الاساسية لوقف الاستثمار في جرح بشري من قبل بعض الانتهازيين ومُقتنِصي أدوار البطولة».
وتشدد المصادر على انّ الجيش لم يكن بتاتاً طَرفاً في واقعة القرنة السوداء، «بل هو أخذ الأمور بصدره، ولولا مُسارعته الى التدخل على الأرض لكانت الأمور قد تفاقمت واتخذت منحى شديد الخطورة».
وتوضِح انّ قوات المغاوير واللواء العاشر منتشرة في المنطقة لحماية الأمن ومواجهة اي محاولة للعبث به، لكنها لفتت الى انّ المعالجة الجذرية تكمن بالدرجة الأولى في اجتِثَات سبب التوترات المتكررة، والمتمثّل في الخلاف العقاري بين بشري وبقاعصفرين.
وتعتبر انه «لولا إهمال الجهات المختصة لهذا الملف وتقصيرها في معالجته لَما وقعت هذه المأساة التي كادت ان تهدد السلم الأهلي»، مشيرة الى انّ «الجيش كان ولا يزال يطفئ الحرائق التي يشعلها تقاعس الآخرين في مجالات عدة».