تقرير يكشف حقيقة نقص استثمارات النفط والغاز العالمية.. “أرقام مضللة”
|
تنتشر مقولات نقص استثمارات النفط والغاز العالمية بين كثير من الخبراء وأهل الاختصاص، استنادًا إلى مقارنة الأرقام والبيانات الدورية لحجم الإنفاق العالمي على الوقود الأحفوري خلال السنوات الماضية.
ورغم استناد أغلب الخبراء إلى البيانات السنوية لحجم الاستثمار العالمي في قطاع النفط والغاز، فإن معيار الأرقام وحده قد يكون مضللًا، إذا لم يأخذ في حسبانه معايير أخرى ذات دلالات عكسية، خاصة معيار مكاسب الكفاءة الإنتاجية وكفاءة الوحدات المستعملة في الإنتاج وانخفاض أسعارها، وفقًا لتقرير تحليلي أصدرته شركة أبحاث الطاقة العالمية “ريستاد إنرجي“.
وأجرت ريستاد إنرجي عملية نمذجة تحليلية خاصة جمعت فيها بين حسابات البيانات السنوية الصادرة عن استثمارات النفط والغاز العالمية، إلى جانب حساب مكاسب الكفاءة الإنتاجية المهمشة في أغلب التحليلات السائدة.
وانتهى تحليل شركة الأبحاث إلى أن أغلب الادعاءات السائدة حول انخفاض استثمارات النفط والغاز العالمية مبالغ فيها، ولا تعكس واقع الاستثمارات النشطة في القطاع، بعبارة أخرى يمكن للصناعة أن تفعل الشيء نفسه كما كان من قبل، ولكن بتكلفة أقل بكثير، وفقًا لما استخلصته وحدة أبحاث الطاقة.
وتشير البيانات السائدة إلى انخفاض استثمارات النفط والغاز في قطاع المنبع (الاستكشاف والإنتاج) بصورة حادة خلال السنوات الماضية، مقارنة بذروة الإنفاق العالمي عام 2014.
ذروة استثمارات النفط والغاز 2014
انخفض حجم استثمارات النفط والغاز المتوقعة خلال عام 2023 إلى 580 مليار دولار، مقارنة بالذورة البالغة 887 مليار دولار في عام 2014.
كما انخفض عدد الآبار المكتملة من 88 ألف بئر عام 2014، إلى 59 ألف بئر متوقعة خلال عام 2023، وفقًا لبيانات رصدتها وحدة أبحاث الطاقة من تقرير ريستاد إنرجي.
ويوضح الرسم التالي -من إعداد وحدة أبحاث الطاقة- خريطة استثمارات النفط والغاز في المنبع حتى 2030:
استنادًا إلى هذه الأرقام، يتوقع عدد من المشاركين والمنخرطين في أسواق النفط والغاز استمرار هذا الاتجاه خلال السنوات المقبلة، ما سيؤدي إلى نقص مزمن في الاستثمارات ينعكس على تراجع إمدادات النفط.
على العكس من ذلك، تشير النمذجة التحليلية لشركة ريستاد إنرجي، إلى أن النشاط والإنتاج في قطاع النفط والغاز العالمي ما يزالان في حالة جيدة تكاد تكون متساوية مع المستويات المسجلة خلال المدة من 2010 إلى 2014، رغم التقلص الظاهر في رقم الاستثمارات العالمية.
تحليل الأرقام الظاهرة مضلل
يستند التحليل الخاص بشركة ريستاد إنرجي إلى عدة عوامل ساعدت على خفض تكاليف الاستثمار في القطاع، من أبرزها انخفاض أسعار الوحدات وزيادة مكاسب الكفاءة وتحسين إنتاجية الحقول، إلى جانب تطور إستراتيجيات المحافظ الاستثمارية.
وأسهمت هذه العوامل مجتمعة في زيادة كفاءة صناعة المنبع (الاستكشاف والإنتاج) وانخفاض تكاليفها بصورة ملحوظة، ما جعل الصناعة قادرة على إنتاج الكميات نفسه بتكلفة أقل بكثير من السابق، وهو ما يغفله المحللون لأسواق النفط والغاز العالمية، بحسب رئيس قسم أبحاث المنبع في ريستاد إنرجي، إسبن إيرلنغسين.
ولا يتوقع المحلل حدوث أزمات في إمدادات النفط بسبب نقص الاستثمار في الأجل القريب على الأقل، لاعتقاده أن العالم ما زال يستثمر مبالغ مناسبة في إنتاج الوقود الأحفوري، لتلبية الطلب على عكس السائد من البيانات الجافة المتاحة للجمهور دون تحليلها بصورة شاملة للأبعاد الأخرى، لا سيما انخفاض التكاليف.
وبلغت استثمارات النفط والغاز في قطاع الاستكشاف والإنتاج ذروتها عام 2014، لتسجل رقمًا قريبًا من 900 مليار دولار، قبل أن تهوي إلى 500 مليار دولار بعد ذلك بعامين، بسبب انهيار أسعار النفط عام 2015.
كما هبطت الاستثمارات بوتيرة حادة مرة أخرى إلى 400 مليار دولار عام 2020، بسبب ذروة جائحة كورونا وما تبعها من انهيار جديد في أسعار النفط العالمية.
وتعافت استثمارات النفط والغاز عالميًا خلال العام الماضي، لترتفع إلى 500 مليار دولار مع انتعاش النشاط مجددًا مدفوعًا بتداعيات أزمة الطاقة العالمية الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية.
وصلت استثمارات عام 2022 إلى 60% فقط من مستويات الذروة في عام 2014 (900 مليار دولار تقريبًا)، ما دفع بعض التحليلات إلى القول بأن نشاط المنبع قد انخفض بنسبة 40% منذ عام 2014، وفقًا لمقارنات البيانات الظاهرة.
أغلب التحليلات متسرعة
تأخذ شركة أبحاث ريستاد إنرجي على هذه التحليلات الخاصة بأرقام استثمارات النفط والغاز تسرعها في الاستدلال ومقارنة الأرقام الظاهرة دون الأخذ في الحسبان معايير انخفاض أسعار الوحدات ومكاسب الكفاءة المؤثرة في انخفاض التكاليف بصورة أو بأخرى.
وانخفضت أسعار الوحدات بالنسبة إلى معظم قطاعات التوريد منذ عام 2014 وحتى الآن بصورة ملحوظة تتراوح بين 20% و30%، ما أدى إلى زيادة النشاط مقابل كل دولار يجري إنفاقه في قطاع الاستكشاف والإنتاج.
وغالبًا ما ترتبط أسعار الوحدات بوقت الإنفاق الفعلي وليس وقت التعاقد عليها، ما يحتاج إلى مراجعة تحليلية لحسابات الصناعة بصورة مختلفة، وفقًا لما رصدته وحدة أبحاث الطاقة.
ويعني مؤشر أسعار الوحدات إلى أن الاقتصار في التحليل على اتجاه الاستثمار الهابط وأرقامه الظاهرة قد يؤدي إلى حالة تضليل متعمدة أو بحسن نية للجمهور وصناع القرار، لا سيما في دوائر السياسات النفطية.
مؤشر انخفاض الآبار مضلل
يؤدي الاقتصار على مؤشر انخفاض عدد الآبار المكتملة سنويًا إلى تضليل من نوع آخر يعتمد على إغفال مدى الإنتاجية المتوقعة للآبار المحفورة خلال مدد المقارنة، فالمسألة ليست بالكم وحده وإنما بالكيف.
وتشير الأرقام الظاهرة إلى وصول عدد الآبار المحفورة إلى الذروة عام 2014، لتصل إلى 88 ألف بئر جديدة، ثم انخفضت خلال العامين التاليين حتى عام 2016، ثم نمت عام 2019، قبل أن تنخفض مرة أخرى في أثناء وباء كورونا (2020).
وبلغ عدد الآبار الجديدة خلال عام 2022 قرابة 55 ألف بئر بانخفاض كبير يصل إلى 35% عن عام 2014، وفقًا لمقارنة الأرقام الظاهرة التي تعترض عليها ريستاد إنرجي.
حفر آبار النفط – الصورة من work bc
ويشير رصد ريستاد إنرجي إلى انتقال الفاعلين في الصناعة إلى حفر آبار أكثر إنتاجية من ذي قبل خلال المدة الماضية، ما يرجح تعادل القدرة الإنتاجية -قريبًا- رغم عدد الآبار الأقل مقارنة بعام الذروة القياسي (2014).
وبلغ حجم الموارد المتوقعة من الآبار المكتملة للنفط في عام 2014 قرابة 37 مليار برميل، في حين بلغت إمكانات الموارد النفطية لجميع الآبار المكتملة في عام 2022، نحو 32 مليار برميل، أقل بنسبة 15% فقط من عام 2014 رغم فارق الاستثمارات الضخم لصالح عام 2014.
كما تتوقع ريستاد إنرجي نمو الموارد المتوقعة من حفر الآبار الجديدة في عام 2023، ليصل إلى 35 مليار برميل، رغم ضعف الاستثمارات مقارنة بعام الذروة القياسي 2014، مدفوعة بنشاط حقول النفط الصخري والمياه العميقة في الولايات المتحدة بصورة أساسية.
رجب عز الدين
المصدر: منصة الطاقة
القوات الروسية تقضي على قوة أوكرانية حاولت التوغل في المنطقة الرمادية على محور دونيتسك
|
دمرت مدفعية قوات “الجنوب” الروسية قوة أوكرانية حاولت التوغل في المنطقة الرمادية على محور دونيتسك.
وقال مصدر عسكري: “حاولت قوة أوكرانية التوغل في منطقة أوبورنيك، حيث ظنوا على ما يبدو أن يمقدورهم التوغل في المنطقة لاستخدامها نقطة انطلاق لشن هجوم إضافي، لكننا اكتشفناهم”.
وأضاف: تم الكشف عن القوات الأوكرانية بفضل رجال الاستطلاع والمسيرات الروسية، وبع
وقال مصدر عسكري: “حاولت قوة أوكرانية التوغل في منطقة أوبورنيك، حيث ظنوا على ما يبدو أن يمقدورهم التوغل في المنطقة لاستخدامها نقطة انطلاق لشن هجوم إضافي، لكننا اكتشفناهم”.
وأضاف: تم الكشف عن القوات الأوكرانية بفضل رجال الاستطلاع والمسيرات الروسية، وبعد تحديد الأهداف قصفت مدفعيتنا القوة المتسللة وقضت عليها.
المصدر: نوفوستي
عطاف يستشرف “مستقبلا واعدا” بين الجزائر وطهران.. وتبادل مرتقب للزيارة بين تبون ورئيسي
|
خلافا للمعلومة التي أوردتها قنوات عربية في تغطيتها لزيارة وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف إلى طهران، لم تكن العلاقات بين الجزائر وإيران أبدا مقطوعة حتى يُعاد وصلها، بل هي وفق سلطات البلدين ماضية للتعزيز أكثر مع ارتقاب تبادل زيارات على مستوى الرئيسين مستقبلا.
كان أمس هذا الخطأ الذي ظهر بالبنط العريض على شاشات عربية مستغربا في الجزائر، فقد كتبت وتناقلت عدة وسائل إعلام أن الجزائر وإيران اتفقتا على إعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما وإعادة فتح السفارتين والتمثيل الدبلوماسي. وفي الواقع، لا يوجد قطيعة بين البلدين منذ سنة 1995 تاريخ إعادة العلاقات بعد تأثرها في بداية الأزمة الأمنية سنوات التسعينات بعد أن اتهمت الجزائر السلطات الإيرانية بمحاولة تصدير الثورة إليها من خلال دعم الأحزاب الإسلامية التي كانت تنشط بقوة في البلاد في ذلك الوقت.
وتطورت العلاقات عقب هذا القوس التاريخي لتبلغ أحسن حالاتها في العشرين سنة الأخيرة، حيث ظلت الجزائر محتفظة بمواقف متوازنة من إيران في مختلف المحطات التي كانت فيها طهران في صدارة الاهتمام الدولي بسبب برنامجها النووي وأزماتها مع دول الخليج وخلال فترة الربيع العربي.
كما تحفظت الجزائر على تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية في الجامعة العربية، وهي مواقف جعلت الجزائر من الدول العربية القليلة التي رفضت الاصطفاف سواء ضد طهران أو معها فقد كان التباين واضحا أيضا في مسائل عديدة منها حرب اليمن حيث تدعم إيران الحوثيين أو قضايا تصدير المذهب الشيعي، إذ برز في وقت سابق تحفظ جزائري من نشاط بعض المجموعات الشيعية في البلاد، خاصة أن الجزائر تريد الحفاظ على مرجعيتها السنية المالكية من كل المذاهب الوافدة.
وفي السياق الحالي، تأتي زيارة الوزير عطاف إلى طهران في إطار تعزيز علاقات الجزائر مع العواصم المهمة في العالم والتوجه شرقا نحو الدول التي تتشارك في مسائل التنمية والرغبة في الابتعاد عن الصراعات الدولية الحالية. وهذا ما يفسر ترحيب عطاف بنظيره الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، بعودة حركة دول عدم الانحياز إلى واجهة العلاقات الدولية وتبادلهما المعلومات والتحاليل حول ترشح كل من الجزائر وإيران لعضوية مجموعة البريكس.
وقال الوزير الجزائري في ندوة صحافية في طهران إن المحادثات أفضت إلى “نتائج إيجابية وعملية تهدف في مجملها إلى إضفاء حيوية كبيرة وزخم أكبر على العلاقات الثنائية”، مشيرا إلى اتفاق الجانبين على “مباشرة التحضيرات الضرورية لعقد الدورة الثالثة للجنة المشتركة العليا، إلى جانب تفعيل غيرها من آليات التعاون الثنائي، على غرار لجنة المتابعة ولجنة المشاورات السياسية وكذا مختلف اللجان التقنية والقطاعية”.
كما أكد الوزير عطاف على “ضرورة التركيز أكثر على القطاعات التي تحظى بمكانة هامة وأولوية خاصة، لاسيما قطاعات الطاقة والصناعة والفلاحة والنقل وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وصناعة الأدوية والمعدات الطبية”.
وأبرزت الخارجية الجزائرية في بيان لها أن الوزيرين تناولا عديد الملفات “الهامة” والمواضيع “البارزة” على غرار “الأزمة الراهنة في العلاقات الدولية وقضايا تصفية الاستعمار لاسيما في فلسطين والصحراء الغربية، إلى جانب الأزمات في اليمن وليبيا والسودان”.
وفي هذا السباق، أطلع أحمد عطاف نظيره الإيراني على جهود الجزائر ومساعيها الرامية للمساهمة في نشر الأمن والاستقرار إقليميا ودوليا، وبالخصوص مبادرة الوساطة بين روسيا وأوكرانيا، وكذا الدور الذي تضطلع به الجزائر في قيادة مسار السلم والمصالحة في مالي ومكافحة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء ودعم جهود التنمية في هذا الفضاء الجواري.
كما أعرب الوزير عن “ارتياح الجزائر البالغ للتطورات الإيجابية التي تطبع العلاقات العربية-الإيرانية، وبالخصوص العلاقات السعودية-الإيرانية”، وأكد الطرفان عزمهما على “مواصلة وتعزيز التنسيق البيني في مختلف المنظمات الدولية ذات الانتماء المشترك”، حسب ما أفاد البيان.
وكانت الجزائر قد استقبلت بترحيب كبير عودة “العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية مع إعادة فتح سفارتي البلدين”. واعتبرت أن “هذا الاتفاق الهام سيمكّن البلدين والشعبين الشقيقين من تمتين علاقات التعاون والتضامن في إطار الالتزام بالمبادئ التي ينص عليها ميثاق الأمم المتحدة وحل الخلافات عبر الحوار مما سيُسهِم في تعزيز السلم والأمن في المنطقة وفي العالم”.
ولاحقا استقبل عطاف الذي يزور طهران بتكليف من رئيس الرئيس عبد المجيد تبون، من قبل رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إبراهيم رئيسي الذي أكد “إعجابه بالتطور الذي تشهده الجزائر في ظل الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الشاملة التي يقودها الرئيس عبد المجيد تبون”، مبديا تطلعه لتكثيف التواصل والعمل معه لتجسيد ما يحدوهما من حرص مشترك وطموح متبادل في الارتقاء بالتعاون الاقتصادي بين البلدين إلى مستوى العلاقات السياسية المتميزة، وفق الخارجية الجزائرية.
وتجسيدا لهذه الرغبة، وجّه الرئيس إبراهيم رئيسي دعوة لنظيره الرئيس عبد المجيد تبون للقيام بزيارة دولة إلى طهران في أقرب وقت ممكن يناسب برنامج والتزاماته وارتباطاته”. وسبق للرئيسين أن أعلنا في مكالمة هاتفية نيسان/ أبريل الماضي، عن اتفاقهما المبدئي على تبادل الزيارات بينهما مستقبلا، وكشفا عن موقفهما المشترك من الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأكد عطاف في حديثه مع الرئيس الإيراني أن العلاقات بين الجزائر وإيران “لها تاريخ متجذر، وحاضر متميز ومستقبل واعد”.
المصدر: صحيفة القدس العربي
منطقة “الجفر الصحراوية” الأردنية: سيناريو “توتر أمني” بعد إعلان “مقتل 3 إرهابيين” وقصة هروب “غامضة” من السجن
|
حققت قوة أمنية أردنية خاصة هدفين مزدوجين بنفس الوقت في عملية أثارت الضجيج وانتهت بالإعلان رسميا ولأول مرة عن مقتل ثلاثة “إرهابيين” كما وصفهم بيان أمني صدر بعد ظهر الأحد مؤكدا بأن لجنة تحقيق شكلت لمتابعة تفاصيل هروب وفرار اثنين من الإرهابيين من سجنهما الأسبوع الماضي.
وعد بيان أردني ناطق باسم مديرية الأمن العام الأردنية بإجراء تحقيق وتحديد مسؤولية التقصير. لكن عملية فرار اثنين من السجناء الخطرين توجه ضربة عمليا لإجراءات إدارة السجون في الوقت الذي تمكنت فيه الإدارة الأمنية من المتابعة وتحييد السجينين أو المحكومين الفارين مع قريب ثالث لهما كان أيضا مطلوبا.
العملية انتهت بتحقيق إنجازين أمنيين بعد سابقة الهروب الخطرة من السجن. الأول هو مطاردة مسلحين خطرين فرا من السجن قبل عدة أيام بظرف غامض. والثاني هو تحييد شخص ثالث وصف أيضا بالإرهابي كان مطلوبا إضافة إلى شقيقه المحكوم الفار، ويبدو أنه حاول مساعدة قريبيه في منطقة الجفر الصحراوية بالفرار.
نتائج العملية الأمنية المعلنة ظهر الأحد كانت ثمرة للاشتباك منذ خمسة أيام على الأقل حيث قوات أمنية محترفة توجهت لمحاصرة فارين من السجن صنفا بالخطر في ضاحية صحراوية معروفة اسمها الجفر، شرقي العاصمة عمان.
بعض المنصات الحراكية المعارضة أشارت لإعدام سجينين فرا من السجن بدلا من اعتقالهما، لكن ظروف الاشتباك وخلفية الفرار وما تبعه لم يتم الإعلان عن تفاصيلها بعد.
الفاران من السجن كانا قد حكما أصلا مع ثلاثة أشخاص آخرين في قضية مقتل ضابط شرطة برتبة عقيد قرب مدينة معان جنوبي البلاد قبل عدة أسابيع وعلى هامش ما سمي آنذاك بإضراب سائقي الشاحنات.
ويعني ذلك أن أحداث يوم الأحد وما سبقها تغلق ملف مقتل العقيد الأردني الآن لكنها تفتح ملف تداعيات إضراب سائقي الشاحنات في منطقة متوترة أمنيا.
وما يبدو عليه الأمر على مستوى الخبراء أن وصف المطلوبين لأسباب جنائية بالإرهابيين يوحي بمقدمة لإجراءات أمنية أكثر في المناطق الصحراوية خصوصا وأن خلفية مقتل قائد الشرطة أصلا قبل أشهر لم تعلن بعد بصورة محددة.
وأغلب التقدير سياسيا أن تداعيات أمنية وأخرى سياسية وأحيانا مناطقية وعشائرية يمكن أن تلحق بتفاصيل التوتر في تلك المنطقة الصحراوية.
المصدر: صحيفة القدس العربي
واشنطن بوست: قصة عائلة فلسطينية علقت وسط توغل الجيش الإسرائيلي في جنين
وفي التقرير الذي أعده ستيف هندريكس وسفيان طه، قالا إن حسين شبلي مشى بعد أداء صلاة الجمعة عبر مدينة تعود للحياة من دمار كبير إلى مجرد الفقر، فقد رفعت جرافة سيارة محطمة، وأصلح رجالٌ الثقوب التي خلفتها الرصاصات في خزان مياه، وغسلت سيارة إطفاء السخام من شارع مزدحم.
وعند وصوله إلى بيت العائلة، صعد الدرج إلى غرفة المعيشة التي تحولت إلى مغارة متفحمة جراء صاروخ محمول على الكتف أطلقه جنود الاحتلال، وتساءل: “هل هذا يصلح للعيش؟”، وأضاف حيث وقف بين بقايا الكراسي والأرائك “لماذا يحدث هذا لنا؟”.
ويواجه شبلي وجيرانه ما خلفه أكبر توغل عسكري إسرائيلي في جنين منذ عقدين، وأُطلق فيه العنان للطيران والقصف المدفعي على مدى يومين ضد شوارع شديدة الانحدار ومكتظة بالمنازل. وتقول إسرائيل إن العملية هي أمنية ضد منطقة أصبحت ساحة للنشاطات ضدها، وخرج منها 50 عملية في الفترات الماضية، وأن الـ12 الذين قُتلوا في العملية هم من الناشطين المعروفين، بحسب زعمها.
لكن بالنسبة للعائلات التي علقت في المخيم بسبب القتال، كانت العملية هي بمثابة 44 ساعة من الإرهاب، فقد استطاع آلاف السكان الهروب، أما الآخرون فقد التزموا غرف نومهم والحمامات، لكن قلة عانت من الرعب الذي عاشته عائلة شبلي. وكان حسين (69 عاما) يشاهد التلفزيون في ساعة متأخرة من ليلة الأحد، وهو روتين اعتاد عليه بسبب سنوات عمله الطويلة في مناوبات ليلية بمصنع إسرائيلي لتجهيز اللحوم.
ولد حسين في المخيم، حيث يعيش أكثر من 14 ألف شخص في مساحة لا تزيد عن نصف كيلو مربع. ويعتبر الفقر والبطالة علامة واضحة للحياة، كما هي المداهمات التي تقوم بها وحدات الكوماندوز الإسرائيلية.
في تلك الليلة، انتشرت الشائعات حول عملية إسرائيلية مرتقبة، إلا أن أحدا لم يكن يعرف بموعدها. وفي الساعة الواحدة من صباح الإثنين، شاهد حسين التقارير الإسرائيلية التي تحدثت عن دخول الجنود الإسرائيليين للمخيم، وبعدها سمع المسيَرات أو الزنانات، واعتقد أنها “ستطلق النار” ثم حدث الانفجار.
تعيش عائلة شبلي في تسع شقق بثلاث بيوت مترابطة يملكها حسين وشقيقاه، وهم متعودون على المداهمات الإسرائيلية. وخلال دقائق، نزل أفراد العائلة الممتدة إلى الطابق الأرضي، وازدحم حوالي 50 شخصا في الأماكن المظلمة التي يستخدمها ابن أخ حسين، فادي، لكي يربي الببغاوات، حيث طارت عشرات الطيور وأخذت تصرخ وسط اندلاع المعارك في الخارج.
واستمعت العائلة طوال الليل ونهار الإثنين حيث أشعلت الشموع بسبب انقطاع التيار الكهربائي لما يجري، و”كان الأطفال مذعورين” كما قال حسين. إلا أن فادي الذي كان قلقا على زوجته الحامل وابنه الصغير البالغ من العمر 3 أعوام، بقي في قبو مزدحم بالطابق الثاني، حيث راقب الأحداث في الخارج من نافذة صغير بالحمام.
ولأن مجمع شبلي واقع على رأس شارع منحدر، فقد كان يطل على المخيم، وكان يمكنه رؤية حركة الجنود الإسرائيليين، وأخبر الجيران بعضهم حول الوضع. ويتذكر فادي قائلا: “إنهم يتحركون نحو شارع يافا” و”يداهمون بيت ابن عمك”. وفي الساعة الحادية عشرة صباحا، تلقى مكالمة “فادي إنهم قادمون إليك”، وسمع ضربة في الطابق السفلي أدت لفتح بابين معا مرة واحدة، حيث تحطمت حلقاتهما وتدفق 12 جنديا يرتدون الستر الواقية ومعهم مصابيح أمامية.
ووقف فادي حاملا ابنه الباكي وزوجته الحامل متمسكة به، حيث قال: “شوية شوية، في صغير هون”، وقال قائد الجنود بالعربية “هويتك” و”أين الإرهابيين؟” وأطفأ الجنود الشموع وقيّدوا فادي بقيد بلاستيكي، وأمروا الثلاثة بالتحرك نحو غرفة المعيشة. وراقبت عائلة فادي عبر الباب المفتوح ما فعله الجنود الذين كانوا يفتشون في الخزائن، وقام أحدهم بإطلاق النار من المطبخ حيث ملأ أرضيته ببقايا الرصاص.
وصرخ فادي “لو سمحتم، الولد خائف”. وفي الطابق الأرضي شعرت العائلة بالفزع بعد توقف فادي عن الرد، وظنوا أنه مات، كما قال حسين وبدأت النساء بالصراخ والعويل. وطلبت زوجة فادي دمية للولد الخائف، وعندما سُمح لها بفتح خزانة مليئة بالحافلات والسكوترز، شاهد جندي رشاشا بلاستيكيا وشتم فادي وضربه بعقب البندقية على كتفه ودفعه إلى غرفة المعيشة. وطلبوا الذهاب إلى العائلة في الطابق الأرضي، لكن القائد رفض، وتذكر قوله إنهم سيغادرون قريبا.
وعند منتصف الليل، سمع فادي صوتا بالمكبر “اخرجو اخرجوا، أمان”. في الخارج حاول مَن في الطابق الأرضي جمع الوثائق والحفاضات وخرجوا إلى ساحة الدار حيث وجدوا سيارة إطفاء وفريق الهلال الأحمر الذي قام بقطع قيد فادي. ونصح أحد أفراد الدفاع المدني الجميع بالسير معا كجماعة مع النساء والأطفال لتجنب إطلاق النار. ومضوا في طريقهم بالأزقة المليئة بالأسلاك الكهربائية، وبدا الشارع محروثا مثل حقل زراعي، حيث فجرت الجرافات الإسرائيلية عمدا قنابل زرعت في الرصيف.
وفي خارج المخيم، توزعت العائلة على بيوت الأقارب، فيما راقب حسين التلفزيون، وشاهد في نهاية الثلاثاء تقريرا عن صاروخ محمول على الكتف ضرب مسجد عبد الله عزام في حيه. وقال: “رأيت أن المسجد لم يصب ولكن بيتنا” و”شاهدت على التلفاز النار تأكل بيت ابني”. وكان لا يزال يحترق عندما عاد إليه صباح الأربعاء بعد خروج القوات الإسرائيلية، أما شقة فادي فقد كانت مليئة ببقايا الرصاص.
وقال حسين إنه لم يكن هناك أي داع لاستهداف بيت العائلة، لأن أحدا منهم لا علاقة له بالمسلحين أو من المطلوبين. وقال: “نحمل تصاريح للعمل في إسرائيل، ويعرفوننا جيدا”، حيث عمل حسين جنبا إلى جنب مع اليهود الإسرائيليين في فريق الالتزام بطعام الكوشير بقيادة حاخام والذي يفحص حالة الحيوانات.
ولم يرد الجيش الإسرائيلي للتعليق، حول سبب استهدافه بيت عائلة شبلي. وفي يوم الجمعة عادت الحياة إلى طبيعتها في البيت، وطلبت الأمم المتحدة تبرعات بـ15 مليون دولار ولكن حسين متشكك، “نسمع عن المال في الأخبار ولكننا لا نراه أبدا”، ولن يتغير أي شيء، وستظل جنين فقيرة وسيعود الجيش من جديد، “قالوا إنهم سيقضون على المقاومة في جنين، لكنهم لن يستطيعوا”.
المصدر: صحيفة واشنطن بوست الأميركية
ترجمة: صحيفة القدس العربي
“تسهيلات الضغط على الزناد”.. تعليمات جديدة لبن غفير تمكّن المستوطنين من قتل الفلسطينيين
|
كشف تقرير إسرائيلي عن قيام وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير بإصدار تعليمات جديدة للشرطة الإسرائيلية، هدفها تسهيل قيام المستوطنين بإطلاق الرصاص صوب الفلسطينيين، بنيّة قتلهم، وقالت وزارة الخارجية الفلسطينية أن هذا القرار يؤكد على وجود تكامل في الأدوار بين الجيش والمستوطنين، بهدف قتل الفلسطينيين.
وحسب ما كشفت “القناة 12” العبرية، التي أوردت التقرير، فإن بن غفير أصدر تعليمات تحت بند “تسهيلات الضغط على الزناد”، وتتضمن منع مصادرة الأسلحة والتحقيق مع مطلقي النار من المستوطنين على فلسطينيين بمجرد الاشتباه بوقوع عمليات.
وذكرت أن التعليمات الجديدة صودق عليها بقسم التحقيقات في المقر المركزي للشرطة الإسرائيلية، وهدفها تشجيع المستوطنين على حيازة السلاح.
وأشارت إلى أنه قبل هذه التعليمات كان مطلقو النار على منفذي العمليات يضطرون لتسليم أسلحتهم، وأحياناً لفترة زمنية طويلة، وفي بعض الحالات يجري التحقيق معهم تحت طائلة التحذير.
وصُودق على هذه التعليمات في قسم التحقيقات في المقر المركزي للشرطة الإسرائيلية، قبل يوم من عملية الدهس في تل أبيب، التي وقعت الأربعاء الماضي.
ويريد بن غفير من وراء تعليماته الجديدة هذه أن يشجع المستوطنين أكثر على حمل السلاح، بعد أن قام، في وقت سابق، بعد توليه منصبه، بإصدار تراخيص كثيرة للمستوطنين، تمكنهم من حمل السلاح، بعد إدخاله تسهيلات كثيرة على هذه العملية.
ومن شأن هذه التعليمات الجديدة أن تشجع المستوطنين أكثر على ارتكاب عمليات “إعدام ميدانية” للفلسطينيين، بناء على الدعم الكبير الذي يقدمه بن غفير.
ووفق التقرير العبري، ستتيح تعليمات “تسهيلات الضغط على الزناد” للمستوطنين إطلاق النار، حتى في الحالات التي قد لا يكون فيها إطلاق النار مبرراً.
وتمنع تعليمات المتطرف بن غفير مصادرة الأسلحة من مطلقي النار على الفلسطينيين بزعم وقوع عمليات “على خلفية قومية” وقيامهم بإطلاق النار من منطلق “الدفاع عن النفس”.
وهذه التعليمات تسري على مطلقي النار في حال توقفهم فوراً عن إطلاق النار، بعد أن يكونوا، وفق التعريف الإسرائيلي، قد تجنبوا الشعور والآخرين بالخطر، أو في حال “إصابة المنفذ أو مقتله”.
وجاءت هذه التعليمات في خضم الهجمات الإرهابية التي تنفذها جماعات استيطانية متطرفة، أبرزها “شبيبة التلال”، ضد المناطق الفلسطينية القريبة من المستوطنات، ومنها بلدات ترمسعيا وحوارة وجالود ومسافر يطا.
وتشهد تلك المناطق، منذ نحو الأسبوعين، هجمات خطيرة، تمثلت في حرق المستوطنين المنازل والمزارع وتكسير الأشجار المثمرة، وتجريف ومصادرة الكثير من الأراضي، وإقامة عدد من البؤر الاستيطانية.
وقد أدت تلك الهجمات، التي لاقت تنديداً دولياً كبيراً، لكن دون تحركات عملية على الأرض تمنع تكرارها، إلى استشهاد شاب فلسطيني، وإصابة العشرات بجراح، علاوة عن الخسائر المادية الكبيرة التي لحقت بالفلسطينيين.
من جهتها، أدانت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية انتهاكات وجرائم قوات الاحتلال ومليشيات المستوطنين وإرهابهم ضد المواطنين الفلسطينيين المدنيين العُزل وأرضهم وممتلكاتهم ومنازلهم ومقدساتهم، سواء ما يتعلق بـ “جرائم القتل خارج القانون”، أو هجمات مليشيات المستوطنين وعناصرها الإرهابية ضد البلدات الفلسطينية.
وأكدت الخارجية أن ما يحدث “يؤكد تكامل الأدوار بين الجيش والمستوطنين، في مشهد يتكرر باستمرار ويخلف المزيد من الشهداء والمصابين في صفوف شعبنا والمزيد من تخريب الممتلكات”.
وأشارت كذلك إلى الدعوات التحريضية والقرارات الإسرائيلية الرسمية لتوزيع المزيد من السلاح على المستوطنين والتفاخر بذلك.
وأشار بيان الوزارة إلى ما جرى من اتفاق بين المتطرف بن غفير ومفوض شرطة الاحتلال، لإبقاء السلاح مع كل مستوطن، وسط “ازدواجية معايير دولية مقيتة وبائسة”، وانتقائية متواطئة في تطبيقه.
وشددت الوزارة على أن الحماية التي توفرها الدول لدولة الاحتلال، وإفلاتها المستمر من العقاب “يشجعها على ارتكاب المزيد من الجرائم والانتهاكات، وتسريع عمليات الضم التدريجي الصامت للضفة الغربية والاستفراد العنيف بالشعب الفلسطيني الأعزل”.
وفي سياق قريب، طالب القيادي في “حماس” علي بركة الدول العربية والإسلامية، والقوى الحية، بالتحرك العاجل لإنقاذ القدس من التهويد والمسجد الأقصى من التقسيم، مؤكداً أن الشعب الفلسطيني “لن يتخلى عن أرضه ومقدساته مهما بلغت التضحيات”.
وأكد بركة أن مواصلة المستوطنين اقتحاماتهم للمسجد الأقصى المبارك، واستغلال منظمات “الهيكل” المزعوم لمناسبات هامشية لحشد المتطرفين اليهود للاقتحام “يستدعي مزيداً من التحرك الفلسطيني والعربي والإسلامي، الرسمي والشعبي، لـ “كبح جماح قطعانهم، ووضع حدّ لعدوانهم المتواصل على مقدساتنا، لا سيما المسجد الأقصى، بمناسبة ما يسمى ذكرى تدمير الهيكل وفق زعمهم”.
وأشار إلى أن جرائم الاحتلال الصهيوني في القدس المحتلة “لم تتوقف عند انتهاك حقوقنا التاريخية والدينية في مقدساتنا، بل امتدت للاعتداء على المشاركين في وقفات الدعم للعائلات المقدسية، التي تعاني من قرارات الاحتلال المتعلقة بهدم منازلهم، ومصادرة ممتلكاتهم، وشن مزيد من حملات الاعتقالات التعسفية في مختلف الأحياء المقدسية”.
ودعا إلى ضرورة مواجهة السياسة الاحتلالية في القدس المحتلة، محذراً من إعلان شرطة الاحتلال في المدينة المقدسة عن “أنشطة صيفية مشبوهة”، ومخيم للأطفال المقدسيين في بلدة سلوان، ما يستدعي الدعوة لمواجهة هذه الأنشطة الخطيرة التي تستهدف عقول ووعي أطفال القدس.
المصدر: صحيفة القدس العربي
عثمان سونكو… «رمز التغيير» في السنغال
|
«مُلهم الشباب» قد يفقد فرصة المنافسة على الرئاسة بسبب حكم قضائي
ربما كان الرئيس السنغالي ماكي سال وحده في «الكادر» حين أعلن سابقاً هذا الأسبوع أنه لن يترشح لولاية رئاسية ثالثة، إلا أن السنغال كلها والمتابعين لشؤونها في العالم كانوا يرون ويعلمون أن شخصاً آخر كان خلف الصورة. ذلك الشخص هو المعارض البارز عثمان سونكو الذي عادة ما يوصف بـ«ملهم الشباب» في الدولة المعتاد اقترانها بالديمقراطية والاستقرار السياسي مقارنة بمحيطها الأفريقي الدائم الاضطراب. إعلان سال، الذي يتولى السلطة منذ 2012، ربما كان مفاجئاً لكثيرين، لأن كل التطورات كانت تشير إلى رغبته في الاستمرار في السلطة. بيد أن صورة أخرى كانت في خلفية المشهد يملؤها الملايين من أنصار سونكو من الشباب الغاضب المستعد للتضحية بحياته كي لا يحدث ذلك الترشح الذي كان محتملاً، وكي يترشح زعيمهم في الانتخابات المقبلة. هذا الجيل الجديد يرى في سونكو «الزعيم المخلص» و«الرجل النظيف» الذي تدبر له المكائد من النظام على قدم وساق، لأنه وفقاً لوجهة نظرهم «بطلهم» المحارب للفساد والفقر والتهميش المستشري في البلاد.
تُعرَف السنغال بكونها نموذجاً للاستقرار والتداول السلمي للسلطة في أفريقيا طيلة 60 سنة أعقبت استقلالها. إذ نادراً ما شهدت البلاد نزاعات، ما ساهم في تحقيق استقرار دستوري وسياسي واقتصادي. لكن الأمر تغيّر منذ إجراء الانتخابات التشريعية في يوليو (تموز) 2022، حين بدأت الأوساط السياسية في السنغال تناقش سباق الانتخابات الرئاسية المقرر عام 2024، وذلك بعدما تسربت شائعات عن نية الرئيس ماكي سال الترشح لولاية ثالثة. وفي إثره، أعلن سونكو نيته الترشح للرئاسة.
الواقع أن سونكو استبق خطاب الرئيس الأخير بالدعوة إلى مزيد من المظاهرات في جميع أنحاء السنغال في حال أعلن سال عزمه على الترشح. ولكن في الشهر الماضي، حكم على سونكو بالسجن لسنتين بتهمة «إفساد الشباب»، وهو حكم يرجَّح أن يفقده فرصة خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة.
الحكم القضائي أثار اضطرابات
أدى هذا الحكم القضائي إلى اضطرابات ومسيرات شعبية، كانت الأخطر في تاريخ السنغال، إذ سقط فيها 16 قتيلاً، وفق التقارير الحكومية، و24 حسب منظمة العفو الدولية، و30 وفق المعارضة.
من هنا يُطرح السؤال؛ من هو عثمان سونكو، الذي كشف صعوده الوجه الآخر لطبيعة نظام السنغال السياسي الذي أصبح استقراره محل شكوك وتساؤلات بالنسبة للمواطنين، وأيضاً بالنسبة للعالم الذي يشاهد حراكاً غير مسبوق في البلاد؟
النشأة والبيئة
ولد عثمان سونكو يوم 15 يوليو (تموز) 1974 في مدينة تييس، التي تبعد حوالي 70 كيلومتراً عن العاصمة داكار. وأمضى سنوات من طفولته في منطقة سيبيكوتاني (45 كيلومتراً شرق العاصمة)، حيث كان والده موظفاً في الدوائر الحكومية. وهو ينتمي إلى طبقة اجتماعية بسيطة، وتلقى بدايات تعليمه في مدارس سنغالية مختلفة، قبل أن يستقر في إقليم كازامانس، بأقصى جنوب البلاد، حيث حصل على شهادة الثانوية العامة عام 1993.
بعد ذلك، انتقل سونكو إلى جامعة غاستون بيرجيه في مدينة سان لوي، شمال غربي السنغال، وتخرّج فيها بشهادة الميتريز (4 سنوات بعد الثانوية العامة) في القانون العام 1999. وفي السنة ذاتها، شارك في مسابقة دخول «المدرسة الوطنية للإدارة»، وأحرز المرتبة الأولى على مستوى البلاد، وتخرّج فيها عام 2001 بوظيفة مفتش في المالية والضرائب.
وفي العام 2003، حصل على شهادة الدراسات المعمّقة في المالية العامة والضرائب من جامعة الشيخ أنتا جوب في العاصمة داكار، كما نال فيها أيضاً الماجستير في الإدارة العامة والمالية من المعهد العالي للمالية. ومن ثم، تابع التحضير لشهادة الدكتوراه في القانون الاقتصادي والضرائب من جامعة جان مولان – ليون الثالثة في فرنسا.
ينتمي سونكو عرقياً إلى قومية الجولا (الديولا)، وهم أحد شعبي إقليم كازامانس، الذي تفصله شمالاً عن الأراضي السنغالية جمهورية غامبيا. ويعرف عن هذا الإقليم أنه ذو نزعة انفصالية، وقد تبنّى حركيوه العمل المسلح ضد الحكومات السنغالية المتعاقبة، منذ ثمانينات القرن الماضي. هذا الإقليم الواقع بين غامبيا شمالاً وغينيا بيساو جنوباً، كان يعد من أثرى الأقاليم السنغالية، قبل أن يتعرض – وفقاً لبعض الخبراء والمحللين – للإهمال والتهميش له بعد الاستقلال. ويحظى سونكو بشعبية واسعة في هذا الإقليم، وإن كان عاش أغلب مراحل حياته في تييس وسان لوي، حيث يلقى فيهما أيضاً دعماً من المعارضة السياسية للأنظمة المتعاقبة.
التهميش بلوَر توجهاته
المحلّل السنغالي عبد الأحد أمبينغ قال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن نشأة سونكو في بيئة مهمشة ومعارضة أسهمت في تكوين ذهنيته وتوجهاته السياسية وسعيه للتغيير الجذري. وأردف أن تلك الذهنية «لم تعش التهميش فحسب، بل تعودت على رؤية محاولات لمواجهته… ولهذا دأب سونكو على المواجهة بشجاعة من دون خوف، لكن عبر القنوات السياسية والديمقراطية المشروعة… ما أكسبه (كاريزما) حقيقية تجذب الفقراء والمهمشين والشباب الطامح بطبيعته للتغيير والمواجهة».
بدايات التجربة السياسية
باكراً، أثناء دراسته الجامعية انخرط عثمان سونكو في العمل النقابي والسياسي، حيث نشط في «جمعية التلاميذ والطلاب المسلمين». وبعدها، بدأ اهتمامه بالشأن العام يظهر عندما أسس «اتحاداً مستقلاً للوكلاء الضريبيين» عام 2005، وهو موقع أهّله للكشف عن كثير من التجاوزات المالية وسوء الإدارة في السنغال.
وبعد سنوات من العمل في الوظيفة العمومية وتأسيس نقابة للوكلاء الضريبيين والماليين، وتسليط الضوء على الفساد المالي على مستوى الضرائب وتنفيذ الميزانية، أسّس سونكو حزب «الوطنيون من أجل العمل والأخلاق والأخوة» المعروف اختصاراً بـ«باستيف». وخلال فترة وجيزة صار الحزب قبلة أنظار الكفاءات الشابة في عموم السنغال. ثم إنه ضم في هيئاته القيادية وجوهاً جديدة على ممارسة السياسة، كما أصبح ملاذاً وقِبلة للناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي.
غير أن تأسيس سونكو لحزب «باستيف»، وتركيز خطابه على فساد الحكومة في القضايا المالية، وانتقاده الدؤوب للبرلمانيين وأجهزة الدولة، كانت أموراً جعلت منه خصماً للسلطة ومصدر إحراج لرموز النظام، فقرّر الرئيس ماكي سال تجريده من الوظيفة بتهمة «انتهاك حقّ التحفظ».
بعد قرار التجريد من الوظيفة، قرّر سونكو خوض الانتخابات التشريعية على رأس قائمة لحزبه. وحقاً فاز ودخل البرلمان بعد انتخابات 2017، التي شهدت فوز الحزب الحاكم، ولكن بغالبية ضئيلة جداً، وفي عملية انتخابية ادّعت قوى المعارضة أنها «كانت الفائزة فيها، إلا أن النتائج الرسمية تعرّضت للتزوير».
أول تحدٍ رئاسي
ولاحقاً، يوم 16 سبتمبر (أيلول) 2018 تقدّم عثمان سونكو بملف ترشحه لانتخابات الرئاسة 2019. وخاض المعركة، إلا أنه حل ثالثاً خلف الرئيس ماكي سال، والسياسي إدريس سك، حاصلاً على نسبة 15.67 في المائة من أصوات الناخبين السنغاليين.
من الناحية العملية، يعتبر سونكو الآن زعيماً للمعارضة السنغالية، وذلك في أعقاب تعيين المعارض السابق إدريس سك رئيساً للمجلس الاقتصادي الاجتماعي. وبالتالي، صار جزءاً من النظام الحاكم.
وعودة إلى ما سبق التلميح إليه، يعتقد محمد الأمين ولد الداه، الخبير الموريتاني في الشؤون الأفريقية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «النشاط السياسي المبكر في مرحلة الجامعة ساهم في تكوين شعبية سونكو الكبيرة في جيله والجيل الذي تلاه، كما أن الوظيفة التي شغلها وأهّلته للاطلاع على تفاصيل الفساد، ثم شجاعته في كشفه وكشف المتورطين فيه، ولفته نظر الشعب الذي يعاني من خطره، كلها كانت عوامل حاسمة في جمع الناس حوله وحول مبادئه وشعاراته، إضافة إلى عاملي البلاغة والكاريزما الشخصية التي يتمتع بها بشكل فطري».
الطموح لبلوغ القمة
بعد احتلال سونكو المرتبة الثالثة في انتخابات 2019، بدأ بإصرار مرحلة التحضير لانتخابات 2024 التي أعلن عن نيته خوضها، وذلك بدعم من تحالف «أنقذوا الشعب» (يوي أسكاي وي) الذي يضم شخصيات وازنة من المعارضة مثل عمدة داكار السابق خليفة سال. وبالفعل، اتهم سونكو الرئيس الحالي السنغالي ماكي سال بالسعي لتغيير الدستور من أجل ضمان ولاية رئاسية ثالثة.
وهكذا، في محاولة لوقف ترشّح سال المحتمل لولاية ثالثة، حشدت المعارضة السنغالية، في وقت سابق من العام الحالي، أكثر من 120 حزباً وجماعة سياسية ومنظمة مجتمع مدني، ووقّع الكل ميثاق حركة «إف 24» ضد الترشح المحتمل، وكان سونكو من أبرز خصوم الرئيس الذين حضروا إطلاق التحالف.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الدستور السنغالي ينص على أنه «لا يمكن لأحد أن يخدم أكثر من فترتين متتاليتين»، لكن ماكي سال يعتبر أن هذا النص لا ينطبق عليه، بحجة أنه خدم ولايته الأولى قبل التعديل الدستوري.
معارك قضائية
على صعيد آخر، تعود بداية المعارك القضائية الحالية التي يواجهها عثمان سونكو إلى يوم 3 مارس (آذار) 2021، حين مثل أمام المحكمة في العاصمة داكار بتهمة الاغتصاب. إذ كانت عاملة في أحد صالونات التدليك الصحي قد رفعت شكوى ضده، لكنه نفى كل التهم الموجهة إليه، واعتبرها وأنصاره مؤامرة كيدية هدفها منعه من الترشح للرئاسة وتشويه سمعته والنيل من مكانته. وتزامناً مع محاكمته، خرجت مظاهرات حاشدة من أنصاره في داكار وبعض المدن السنغالية، سقط فيها عدد من القتلى والجرحى.
ويرى عبد الأحد أمبينغ أن الإصرار الحالي على استبعاد سونكو من سباق الرئاسة، حتى لو خلا ذلك السباق من الرئيس سال، أو كان ذلك عبر أحكام قضائية، سيقابل بالرفض من قاعدة شعبية ضخمة للغاية من أنصار سونكو. بل سيكون بمثابة لغم قد يفجر أي عملية انتخابية، وتهديد دائم للسلم والأمن الاجتماعي.
وأضاف المحلل السنغالي أن الشباب المتديّن والقيادات الدينية الكبرى ذات النفوذ في البلاد تؤيد ما يعتبرونه «نهج سونكو الإصلاحي الهادف للتخلص من الفساد والإرث الاستعماري المتراكم في أجهزة الدولة ونظامها».
من جانبه، يؤكد الأمين ولد الداه أن «مشروع سونكو لا يهدف فقط إلى تولي المناصب وتغيير القيادات، بل هو مشروع ثوري اجتماعي عميق، صارت قطاعات كبيرة ومختلفة الأفكار والتوجهات تتبناه وتتعاطف معه. لذلك، لن تفلح معه المقاربات الأمنية، لأن الشباب أنصار سونكو متحمسون ومخلصون للمشروع بصدق، ولديهم دائماً استعداد للمواجهة والتضحية. ويعتقد ولد الداه أن ما يحدث الآن في المشهد السنغالي «ثمرة عمل متراكم من سونكو وأنصاره من أسفل إلى أعلى على مستوى المجتمع السنغالي كله، ولاقى هذا الجهد القبول والإيمان، في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية سيئة، في ظل نظام سال».
يُعتبَر سونكو الآن زعيماً للمعارضة السنغالية،
وذلك في أعقاب تعيين المعارض السابق
إدريس سك رئيساً للمجلس الاقتصادي الاجتماعي
السنغال… «نموذج أفريقي» بارز في التحوّل الديمقراطي
في دراسة للباحث محمد سالم ولد محمد، المهتم والمتخصص بالشأن السنغالي، تحت عنوان «الديمقراطية السنغالية… أزمة سونكو وأسئلة الثورة الكامنة والمأمورية الثالثة»، يرى ولد محمد أن ما حدث مع عثمان سونكو يظهر أن السنغال، التي عادة ما يروّج لها كواحة للديمقراطية في القارة، تعيش «أزمات كامنة كانت تنتظر الفتيل للاشتعال».
الباحث يوضح أن سونكو يعتمد في خطابه نهجاً ثورياً يلقى القبول الشعبي بشعاراته البراقة، كما يعتمد خطابه على «التشخيص الحاد لأزمات السنغال». ثم يضيف: «عمد سونكو إلى استخدام لغة نقدية حماسية في انتقاد الفساد والتبعية للغرب، وهو ما يلقى قبولاً لدى القطاعات الشبابية من العاطلين وطلاب الجامعات وشباب المهجر، الذين يركز سونكو في خطابه الموجه إليهم على قضايا التعليم والتشغيل، والحريات العامة».
عبده ضيوف
ولد محمد يلحظ أيضاً أن خطاب سونكو يتأثر كذلك بـ«مسحة دينية» جعلته مقرّباً من التيارات الدينية السلفية. وفضلاً عن ذلك، «يُظهر سونكو ارتباطاً بالطريقة المريدية ذات النفوذ الكبير في البلاد، من خلال علاقته الوثيقة بالمرجع الروحي للطريقة خليفة خدي إمباكي، ما كوّن لدى سونكو قاعدة كبيرة من الأنصار المتدينين من توجهات مختلفة».
من جانب آخر، بين العوامل التي رصدتها الدراسة التي عرضت لأسباب صعود سونكو، كان «التفرّد بالساحة المعارِضة»، وذلك «بعد الأحكام القضائية التي جرّدت السياسيين، خليفة سال وكريم واد، من ممارسة حقوقهما الدستورية، والتحالف الضمني بين الرئيس ماكي سال وزعيم الاشتراكيين إدريس سك، وهو – وفقاً لولد محمد – ما مهَّد لسونكو زعامة مطلقة في المشهد السياسي المعارض في السنغال».
ليوبولد سنغور
في المقابل، يرى الباحث أن مشروع سونكو السياسي يشمل أيضاً «نقاط ضعف» رغم شعبيته. أبرزها؛ حداثة التجربة السياسية، إذ «عمره السياسي يقل عن 8 سنوات، كما أنه لا توجد في حزبه قيادات أو وجوه سياسية نخبوية». وثمة عامل آخر يراه الباحث مكمن ضعف، هو حدَّة الخطاب السياسي الذي «قد يعقّد مسألة تحالفه مع الرموز والزعامات السياسية المعارضة العريقة في المشهد السياسي»، فضلاً عن النخب المحسوبة تقليدياً على النظام الحاكم.
محطات وأرقام
نالت السنغال استقلالها عن فرنسا عام 1960. ومنذ الفترة من 1957 إلى 1963، كان لدى السنغال نظام برلماني ذو غرفتين، وكان رئيس مجلس السنغال وقتها مامادو ديا في منصبه منذ عام 1957 مسؤولاً عن السياسة الاقتصادية والداخلية للبلاد كرئيس للحكومة، في حين كان رئيس الجمهورية هو المسؤول عن السياسة الخارجية. ولكن في عام 1963 استعيض عن النظام البرلماني بنظام رئاسي، ومارس الرئيس منذ ذلك الحين مهام رئيس الدولة ورئيس الحكومة.
رؤساء السنغال
كان أول رئيس لجمهورية السنغال المفكر والمثقف ليوبولد سنغور، من «الحزب الاشتراكي السنغالي» الذي حكم البلاد حتى عام 1980.
تولى الحكم بعد سنغور الرئيس عبده ضيوف، الذي كان ينتمي إلى الحزب نفسه، وانتهت رئاسته في عام 2000.
بعد عام 2000، تولى المنصب الرئيس عبد الله واد، الذي ينتمي إلى الحزب الديمقراطي السنغالي، وانتهت رئاسته عام 2012.
الرئيس الحالي ماكي سال، الذي خلف عبد الله واد عام 2012، ينتمي إلى حزب التحالف من أجل الجمهورية. وبعد تكهنات حول احتمالات ترشحه لـ«عهدة ثالثة»، أعلن سال أخيراً أنه لن يترشح للمنصب مجدداً، بعدما جُوبه برفض واسع من المعارضة التي حذّرت من إقدامه على الترشح باعتبار ذلك انتهاكاً للدستور الذي ينص على حصر حكم الرئيس بفترتين متتاليتين.
ماكي سال
على أي حال، بخلاف جيران السنغال من الدول الأفريقية الغربية، ساهم إحجام القوات المسلحة عن التدخل في الشؤون السياسية في ضمان استقرار السنغال منذ الاستقلال. وحالياً، يوجد في السنغال أكثر من 80 حزباً سياسياً، وتعرف تجربة البلاد السياسية بأنها من أنجح النماذج في التحول الديمقراطي في القارة بعد استقلالها. وحقاً، تتمتع السنغال بمكانة جيدة في كثير من المنظمات الدولية، وكانت عضواً في مجلس الأمن للأمم المتحدة في 1988 – 1989 و2015 – 2016. وتقليدياً، تتمتع داكار بعلاقات ودية مع القوى الغربية، ولا سيما فرنسا وأميركا.
تامر الهلالي
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
أحداث فرنسا: عزّزت مواقع اليمين المتطرف… وأساءت إلى صورة البلاد والحُكم
|
ما كادت فرنسا تخرج من أزمة قانون إصلاح المعاشات حتى دخلت في دوامة أخرى، إذ شهدت ضواحي العاصمة الفرنسية باريس، ولا سيما نانتير (شمال غربي العاصمة) أحداث عنف واسعة تخللتها مشاهد حرق ونهب ومناوشات بين الشرطة وشباب من سكان هذه الضواحي. الأحداث أسفرت عن حصيلة ثقيلة، تمثلت في إصابة أكثر من 700 شرطي وتوقيف 3700 شخص، ثلثهم من القصر، بالإضافة إلى تدمير نحو 1000 مبنى، منها 71 مركزاً للشرطة، وإحراق 5000 سيارة، كما أعلنت نقابة أرباب العمل عن خسائر إجمالية قدرت بأكثر من مليار يورو. الأزمة، وإن لم تكن الأولى في تاريخ فرنسا، كشفت في الواقع عن حالة من الاحتقان المتراكم بسبب التهميش والتمييز العرقي اللذين يعاني منهما سكان هذه الضواحي، ومعظمهم من المهاجرين. ولكن فيما يخص المستقبل وما يمكن أن يحمله في ظل الاحتقان السياسي والعرقي، يرى كثيرون أن «أحداث نانتير» عززّت أيضاً خطاب اليمين المتطرف الذي يربط بين انعدام الأمن والهجرة، ويطالب بوقفها.
الأحداث الأمنية الأخيرة في فرنسا قد اندلعت – كما هو معروف – على خلفية مقتل فتى قاصر من أصول جزائرية اسمه «نائل» برصاص شرطي في ضاحية نانتير بشمال غربي باريس. وقد أثارت هذه الحادثة غضباً واسعاً في عموم فرنسا وتساؤلات حول ميل الشرطة إلى العنصرية واستخدام العنف، خصوصاً تجاه شباب الهجرة.
ومن ناحية ثانية، توالت تصريحات المسؤولين بين التنديد ودعوات التهدئة. وكان الرئيس إيمانويل ماكرون أول من عبّر عن استنكاره حين أعلن عقب وفاة الشاب «نائل» أن الأمر لا «يغتفر»، وأردف أن «العدالة بدأت تأخذ مجراها على الفور، وآمل أن تقوم بعملها بسرعة وهدوء»، أما وزير الداخلية جيرالد درمانان فقد اعتبر ما حدث «دراما مؤلمة» كما وصف مقاطع الفيديو بـ«الصادمة». وفيما يخص رئيسة الوزراء إليزابيث بورن، فإنها دعت إلى الهدوء، وقالت إنها تأمل أن «تسمح مطالبتنا بالحقيقة بتغليب التهدئة على الغضب».
بالمناسبة، لوحظ أن هذه هي المرة الأولى التي لم يظهر فيها تضامن المسؤولين الرسميين مع رجال شرطة متورّطين في تجاوزات، إذ جرت العادة أن تسارع الحكومة إلى الدفاع عن الشرطة في مثل هذه الحالات، لكن مقاطع الفيديو التي انتشرت لم تدعُ مجالاً للشّك. وخلال اليومين الأولين تناوب موقف الحكومة ما بين الدعوة إلى الهدوء والتنديد بالعنف بطريقة «الشد والإرخاء». رئيسة الوزراء بورن صرحّت في بيان حكومي بأنها «تتفهّم التأثر، لكن لا شيء يبرّر العنف الذي حدث». والخطاب نفسه تبنّاه الوزير المنتدب للعمران والسكن، أوليفيه كلين، إذ صرّح متسائلاً: «إن الغضب والحزن شرعيان، لكن لماذا تدمير المرافق العامة للأحياء؟».
وفي حين أدلى أوليفي فيران، الناطق الرسمي باسم الحكومة، بدلوه، فناشد الشباب على موجات إذاعة «آر إم سي» بتجنّب المساس برموز الجمهورية، متعهداً بأن «العدالة ستأخذ مجراها إزاء هذه الحادثة المأساوية… لكن لا داعي لمحاكمة الجمهورية، لا تدمِّروا المدارس»، حثَّ وزير العدل إيريك دوبان موريتي العائلات «على ضبط أطفالها»، مذكراً بأن القانون يعاقب كل مَن يترك طفلاً قاصراً يتورط في أحداث شغب بسنتي سجن وغرامة 4 آلاف يورو، وتوعَّد كل المراهقين الذين يشجّعون هذه الأحداث عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعقوبات قاسية.
اليسار يساند المتظاهرين… ويطالب بإصلاحات
في هذه الأثناء، تفاعلت أحزاب اليمين واليسار الفرنسية بطرق متباينة مع «أحداث نانتير». وكان رد الفعل الأبرز ذلك الصادر عن تيار اليسار المتطرف وحزب «فرنسا غير الخاضعة» التي رفض قادتها الدعوة إلى الهدوء، عادّين الأحداث «تعبيراً عن الظلم والتمييز» اللذين تتعرض لهما هذه الأقليات.
وقال الزعيم اليساري المتشدد جان لوك ميلونشون إنه «لن يدعو للتهدئة» بل إلى تطبيق «العدالة». وذكّر بأن نقابات رجال الشرطة، في مُعظمها، منتمية لتيارات اليمين المتطرف ومسؤولة عن عدة تجاوزات في حق شباب الضواحي. كذلك عمدت النائبة ساندرين روسو في تعليقها إلى الربط بين فقر سكان الضواحي وعمليات النهب التي ميّزت هذه الأحداث، مُعلقة في حسابها على «تويتر»: «ماذا لو كانت لعمليات النهب علاقة بالفقر؟»، أما الاشتراكيون وحزب «الخضر» فقد ناشدوا الحكومة بالتعجيل في «تقديم حلول للوضعية المُزرية» التي يعيشها سكان هذه الضواحي، كما قدموا مع زملائهم الشيوعيين اقتراحاً بإلغاء قانون «كازنوف» الذي يلقبه البعض بـ«تصريح بالقتل»، وهو القانون الذي صودق عليه إبّان ولاية الرئيس الاشتراكي فرنسوا هولاند، والذي يسمح لرجال الشرطة بإطلاق الرصاص على أي شخص يرفض توقيف سيارته عند نقطة تفتيش.
اليمين المتطرف: المستفيد الأول
مقابل مواقف اليسار، اغتنم اليمين الفرنسي – وبالأخص اليمين المتشدد – فرصة هذه الأحداث لحشد الصفوف وتبرير سياساته الأمنية المتشَددة ومواقفه الرافضة للهجرة.
معظم الساسّة الذين ينتمون لهذا التيار ربطوا بين الهجرة وانعدام الأمن والفوضى التي عمّت الضواحي خلال «أحداث نانتير»، ومن بين هؤلاء إيريك سيوتي، زعيم كتلة الجمهوريين (يمين محافظ معتدل) الذي حمّل سكان الضواحي المسؤولية في أحداث الشغب، وطالب بقطع المعونات الاجتماعية عن العائلات التي تورّط أبناؤها في هذه الأحداث. كذلك، دافع سيوتي عن الشرطة، نافياً اتهامات التمييز العنصري ومطالباً بزيادة عدد السجون، لأن «كثيراً من الأحكام لا تنفذ بسبب نقص الأماكن» حسب قوله.
أما اليمين المتطرف، الذي يُعد المستفيد الأول من هذه الأحداث، فقد سارع قادته إلى تحميل مسؤولية الأحداث على الهجرة «الخارجة عن السيطرة» وفشل النموذج الفرنسي في احتواء الأجانب. وبطبيعة الحال، تحدّث إيريك زمّور، رئيس حزب «روكونكيت» (أو الاستعادة) المناوئ للمهاجرين والمسلمين، عما وصفه بـ«الحقد الذي تحمله هذه الأجيال ضد فرنسا». وتابع زمّور أن ولاء المهاجرين وأولادهم لأوطانهم الأصلية أكبر منه لفرنسا، وبالتالي فـ«إدماجهم في المجتمع الفرنسي قد فشل».
تخريب ونيران ورجال أمن (أ.ف.ب – غيتي)
وفي اتجاه مماثل، تحدث رئيس حزب «التجمع الوطني» جوردان بارديلا، الذي كان كثير الحضور في وسائل الإعلام، عن «الحرب» التي يريد «البعض» إشعالها في فرنسا، داعياً إلى «ضرورة ترحيل كل أجنبي مُتورط في أحداث شغب وإسقاط الجنسية الفرنسية عن الآخرين».
ومن جهتها، انتقدت مارين لوبن، زعيمة «التجمع الوطني»، إحجام الرئيس ماكرون عن «التضامن مع شرطي نانتير»، لكنها فضّلت، كوالدها عام 2005، التزام الصمت والانتظار إلى أن يحين قطف الثمار في الانتخابات المقبلة، وبخاصة أن كل الدراسات تتوقع فوزها في حالة ترشحها للانتخابات الرئاسية، كذلك بيّنت الدراسات الأخيرة ارتفاعاً لشعبية «التجمع الوطني» بعد هذه الأحداث.
إضرابات المعاشات… يليها مأزق الضواحي
في الحقيقة، يمكن القول إنه ما إن خرجت الحكومة من أسابيع طويلة من الاحتجاجات الشعبية ضد قانون إصلاح المعاشات حتى وجدت نفسها أمام أزمة الضواحي.
طبعاً، يتذكر كثيرون أن ولاية ماكرون لم تكن منذ البداية «نزهة هادئة». إذ عرف الرئيس الفرنسي فضيحة حارسه الشخصي ألكسندر بنالا، ثم تفجّرت «أزمة السترات الصفراء»، ثم هزت فرنسا والعالم جائحة «كوفيد 19»، وتلتها الحرب الروسية الأوكرانية، بجانب التضخم وارتفاع الأسعار… وها هو «العهد الماكروني» يهدَّد بدوامة العنف في الضواحي.
الأزمات إذن تتوالى واحدة تلو أخرى، وكل منها تنذر بإضعافه أكثر. وهو إن كان قد انتقد إبان أزمة المعاشات بالتسلط وفرض الإصلاحات بالقوة، فالمطلوب منه الآن إظهار القوة والصرامة تجاه المتورطين في أعمال الشغب. وفي هذا الصدد، كتب جان غريغ، الباحث في العلوم السياسية، على موقع «هافينغتون بوست» الإخباري، قائلاً: «سيُحكم على ماكرون بناءً على قدرته على إخماد التوتر. الخطر بالنسبة إليه هو أن يبدو ضعيفاً ومفتقراً إلى العزيمة والتصميم». وبخصوص مُهلة الـ100 يوم، التي كان ماكرون قد أعلن عنها لوضع ولايته في طريق جديدة، رأى الباحث برونو كورتيس أن الرئيس قد «اعتمد على رهانات خاسرة»؛ حيث يكتب في مقال بعنوان «الآمال الأخيرة لمهمة التهدئة لماكرون تذهب أدراج الرياح مع أعمال الشغب في الضواحي» ما يلي: «إنه نبأ سيئ جداً لرئيس الدولة واستراتيجيته القاضية بترك أجندة الحكومة تنساب نحو 14 يوليو (تموز)، والمراهنة على هدوء شهر أغسطس (آب) لإجراء تعديلات وزارية وإغلاق مرحلة نظام التقاعد نهائياً…».
اهتزاز صورة فرنسا في الخارج…
ومما لا شك فيه أن «أحداث نانتير» لم تسئ لمكانة ماكرون فقط، بل أيضاً لصورة فرنسا في الخارج. إذ إن مشاهد الفوضى وعمليات النهب والحرق التي شاهدها العالم بأسره أعطت إحساساً بانفلات الوضع الأمني وانتشار الفوضى. وهو ما أفضى إلى ردود فعل على مستويات دولية رفيعة.
رئيس الوزراء البولندي اليميني ماتيوش مورافسكي، مثلاً، نشر على حسابه في «تويتر» شريط فيديو يعرض فيه تصوّره لأوروبا، مستغلاً مقاطع من حوادث الشغب في الضواحي الفرنسية لتقديم نموذج لما يعده سلبيات الهجرة وانتقاد السياسات التي تطبقها أوروبا.
أما منظمة الأمم المتحدة فقد أعربت عن قلقها بعد مقتل الشاب «نائل»، داعية فرنسا إلى مكافحة ظاهرة التمييز العنصري عند رجال الشرطة. ثم إن دولاً أخرى، كالولايات المتحدة وبريطانيا والصين، دعت رعاياها إلى تجنب السفر إلى فرنسا، وكذا إلى روسيا، التي لم تتردد في انتقاد موقف الحكومة الفرنسية التي طالما أعطتها دروساً في احترام حقوق الإنسان. بل في العاصمة الروسية موسكو، دعا نائب مجلس الأمن الروسي ديمتري ميدفيديف الرئيس ماكرون إلى «الوقوف إلى جانب شعبه»، مضيفاً أن «الأموال التي أُنفقت على دعم كييف وتسليحها كانت ستكون أكثر فائدة للفرنسيين».
وذهب أبعد من ذلك، الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي طالما انتقد في مناسبات سابقة «الإسلاموفوبيا» المنتشرة في فرنسا. إذ أرجع إردوغان في حديث نقله التلفزيون التركي «أحداث نانتير» إلى «العنصرية والماضي الاستعماري لفرنسا»، وأضاف أن «كل هؤلاء الذين يعيشون في الضواحي الفقيرة ويعانون الفقر هم في معظمهم مسلمون».
وفيما يخص الإعلام الدولي، فقد حظيت أحداث الضواحي باهتمام واسع في وسائل الإعلام الدولية، وظهرت مشاهد الحرق والنهب على شاشات تلفزيونات العالم، وكأن فرنسا في حالة «حرب أهلية» فعلية. وتكلمت صحيفة «إلباييس» الإسبانية عن «الضواحي» بوصفها «جرح فرنسا القديم» الذي استيقظ من جديد، وعن أماكن فقيرة تتمركز فيها أجيال الهجرة وشباب يشعرون وكأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. ومن جهتها، عدت الـ«نيويورك تايمز» الأميركية في تعليق لها أن إشكاليات الهوية والعرق تفرض نفسها بقوة في فرنسا رغم الخطاب الرسمي الذي يرفض «القومية». وتابعت: «فرنسا لا تريد أن ترى نائل… وهو فرنسي جزائري أو فرنسي مغربي».
أما الصحافة الألمانية فقد ركزت اهتمامها على الانفلات الأمني، وتطرقت صحيفة «دي فيلت» إلى الضواحي المشتعلة والجدل حول عنصرية الشرطة. واختارت صحيفة «دي تسايت»، بمناسبة أحداث فرنسا وتهم العنصرية، قضية الأميركي جورج فلويد. أما صحيفة «بيلد» الشعبية فقد كتبت عن «تحرر كمّ هائل من العنف يعبّر عن غضب مكبوت». وخلص المحلّل الصحافي إيف تريار إلى أن هذه الأحداث «أساءت لصورة فرنسا في الخارج وأظهرت شماتة الأعداء».
وداخل فرنسا، في عمود بصحيفة «لوفيغارو»، تحت عنوان «تحطم السفينة الفرنسية»، كُتب ما يلي: «للمرة الثانية في ظرف 4 أشهر، تُلغى زيارة دبلوماسية للرئيس ماكرون. المرة الأولى مع ملك بريطانيا تشارلز الثالث بسبب الإضرابات ضد قانون المعاشات، وها هو الآن يتغيب عن زيارة مهمة لألمانيا بسبب انتفاضة الضواحي». وأضاف: «صحيح أن الفرنسيين معروفون بأنهم شعب صعب الإرضاء، ويثور ضد كل أشكال الظلم، لكن تطور الأوضاع الحالية أصبح مصدراً للقلق. بتنا نحس بالخجل وكأن العالم ينظر إلينا ساخراً من تفككنا…. من غرق سفينتنا».
مع هذا، ووسط تسارع الأحكام والتعليقات، حاول وزير الاقتصاد والصناعة الفرنسي برونو لومير مخاطبة العالم وطمأنة السّياح والمستثمرين، عبر حوار خصّ به قناة «سي إن إن»، شدد فيه على أن «فرنسا بلد آمن، وأن اقتصادها قوي وبصّحة جيدة».
الضواحي الفرنسية… 40 سنة من السياسات الفاشلة!
ماكرون مع رؤساء بلديات المدن المتضررة (أ.ف.ب – غيتي)
قبل أسبوع من اندلاع «أحداث نانتير»، كان الرئيس إيمانويل ماكرون في مدينة مارسيليا (جنوب فرنسا) لتقديم خطة جديدة لعلاج مشكلات الضواحي الفقيرة. وتلك ليست المرة الأولى، فمنذ السبعينات شهدت فرنسا أكثر من 10 مخططات للنهوض بهذه الأحياء الفقيرة، في إطار ما سمي «سياسة المدينة». أولها كان في عهد الرئيس فاليري جيسكار ديستان عام 1977.
بعدها، في 2017 دقّ مسؤولون محليون ناقوس الخطر حول تردّي أحوال هذه المناطق وسكانها عبر نداء أطلقه أكثر من 100 عمدة، سمّي «نداء غرييني»، دعوا فيه الحكومة إلى التحرك قبل أن تنفجر الأوضاع. وإثر هذا النداء، قدّم الوزير السابق جان لوي بورلو مخطّط تنمية، سرعان ما تقرر التخلي عنه بسبب الميزانية الكبيرة (84 مليار يورو).
جدير بالذكر أن الضواحي التي يقطن فيها نحو 6 ملايين شخص، تسجّل معدلات بطالة تصل بعضها، مثل لاسان سان دونيه، إلى 40 في المائة، وهي مناطق تعاني التهميش الاجتماعي، وانتشاراً لتجارة المخدرات، كما أن 60 في المائة من سكانها يعيشون الفقر والعزلة، ومعظمهم من المهاجرين. ولقد أجمع المراقبون على أن هذه السياسات، وإن كانت قد نجحت إلى حد ما في تحديث السكن وتحسين وسائل النقل، حيث خُصصت لها بحسب الوكالة الوطنية للتحديث الحضري ميزانية 12 مليار يورو بين 2003 و2020، فإنها ما كانت كافية لاحتواء المشكلات الاجتماعية والإنسانية والتمييز العرقي، خاصة ذلك الذي تمارسه الشرطة تجاه الشباب ذوي الأصول المهاجرة. وحقاً، أظهرت دراسات كثيرة لمنظمات حقوقية أن الشرطة تحقق في هوية شباب الضواحي بمعدل 20 مرة أكثر من الآخرين. وأفاد سيباستيان روشي، وهو باحث متخصّص في إشكاليات الضواحي، من خلال دراسة له، أن حالات إطلاق الرصاص عند رجال الشرطة قد تضاعفت 3 مرات، بعد صدور «قانون كازنوف»، وأن 13 شاباً قتلوا برصاص الشرطة عام 2022. وعلى سبيل المقارنة، يقارن هذا بحادثة واحدة فقط شهدتها ألمانيا في العام ذاته.
واليوم، وسط سياسة التقشف التي تنتهجها الحكومة لاحتواء عجز الميزانية وتضخم الديون، فإن التوجه السائد لا يأخذ بعين الاعتبار مخططات جديدة. ورغم تمكن سلطات الأمن الفرنسية من إخماد العنف هذه المرة، فإن مشكلات التهميش والعزلة التي يعاني منها سكان ضواحي المدن الفرنسية لم تعالج بعد، وستظل كقنبلة موقوتة تهدد بالانفجار في كل مرة.
تاريخ حافل بأحداث الشغب
لقد أعادت «أحداث نانتير» الأخيرة إلى الذاكرة الاضطرابات التي شهدتها الضواحي الفرنسية عام 2005، إذ قبل 18 سنة انتفض سكان هذه الضواحي، ومعظمهم من أصول مهاجرة مغاربية أو أفريقية، للتعبير عن غضبهم إثر وفاة الشابين بونا وزيدان (15 و17 سنة) صعقاً بالكهرباء، بعدما لاحقتهما الشرطة في ضاحية كليشي سو بوا، شمال العاصمة الفرنسية.
وما صبّ الزيت على النار موقف نيكولا ساركوزي، وزير الداخلية آنذاك، الذي دافع عن رجال الشرطة، نافياً مسؤوليتهما رغم إفادات الشهود العيان، ثم قرار العدالة بتبرئة الشرطيين المتورّطين من كل مسؤولية في موت المراهقين.
وبعد 12 يوماً من الاضطرابات، قررت الحكومة إعلان حظر التجول، وكانت تلك المرة الخامسة في تاريخ فرنسا، التي يُعلن فيها قرار من هذا النوع، وكانت المرة السابقة عام 1955 إبان «حرب الجزائر».
أحداث عام 2005 كانت سيئة بالفعل، وأسفرت عن حرق 10 آلاف سيارة وتدمير 300 مبنى وإيقاف 13000 شخص. ولم ينتهِ الأمر هنا، بل بعد سنتين شهدت ضاحية فيلي لو بال في شمال العاصمة حوادث عنف أخرى استمرت أسبوعين بعد مقتل مراهقين من أصول مهاجرة إثر ملاحقة الشرطة لهما. وتلتها حادثة أخرى في إحدى ضواحي سانت إتيان (جنوب فرنسا) خلال يوليو (تموز) 2009 حين عثر على الشاب محمد بن مونة وهو ميت خنقاً داخل مركز للشرطة. وإثر انتشار إشاعات عن تورّط رجال الشرطة في موته، شهدت المنطقة مناوشات استمرت أسبوعاً وأسفرت عن حرق مركز تجاري وتوقيف العشرات.
الأحداث نفسها عادت من جديد في يوليو 2010، وهذه المرة في إحدى ضواحي غرونوبل (جنوب شرقي فرنسا) حيث قتل الشاب كريم بودودة في اشتباك مع رجال الشرطة، وتلتها اضطرابات أخرى أعوام 2015 و2017 و2018، ومعظمها اندلع بعد قتل أو إصابة شباب من أصول مهاجرة على يد رجال الشرطة في أحداث شغب أو عند نقاط التفتيش.
أنيسة مخالدي
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
هل تخمد «لجنة المنفي» الخلافات على عوائد النفط الليبي؟
|
طرح القرار الذي أصدره محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، بتشكيل «لجنة مالية عليا» لتحديد أوجه الإنفاق العام والتوزيع العادل للموارد بالبلاد، مجموعة من التساؤلات حول مدى نجاحها في إنهاء الخلافات، والتهديد بوقف ضخ النفط، من قبل حكومة «الاستقرار» المدعومة مجلس النواب.
وكان المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني»، هدَّد مجدداً باتخاذ خطوات تصعيدية، ولوَّح بالتدخل العسكري، في حال لم يتم التوصل إلى حل بشأن توزيع إيرادات النفط «بشكل عادل».
ورفض المحلل والكاتب الليبي، عبد الله الكبير، ما يردده البعض بأن تشكيل المجلس الرئاسي، لـ«اللجنة المالية العليا» ليس إلا محاولة لتهدئة الأوضاع، بعد تهديد حفتر، بالتصعيد العسكري. وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن اللجنة جاءت نتيجة مشاورات مع البعثة الأممية، والمبعوث الأميركي الخاص لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند؛ وسبق وتم إبلاغ أطراف ليبية عديدة وممثلين لحفتر ولرئيس مجلس النواب عقيلة صالح، بشأن مهامها.
ورأى الكبير، أن حفتر، «استغل عدم الإعلان عن هذه اللجنة من قبل، وأشار إليها في خطابه الأخير على أنها مطلب له، لتبدو – متى جاء الإعلان عنها – وكأنها استجابة له ولتفادي تهديداته».
المشير خليفة حفتر (رويترز)
واعتبر الكبير أن ما يقدم من اعتراضات على الإنفاق، عبارة عن «نفس الحجج التي قدموها من قبل لتبرير إغلاق النفط، وهي عدم التوزيع العادل للإيرادات بين الأقاليم الليبية». وذهب إلى أن إقالة الرئيس السابق لـ«المؤسسة الوطنية للنفط»، مصطفى صنع الله في يوليو (تموز) الماضي، وتعيي الرئيس الحالي فرحات بن قدارة بدلا منه، جاءت في إطار «تفاهم غير معلن بين سلطات الشرق العسكرية وعبد الحميد الدبيبة (رئيس حكومة الوحدة المؤقتة)؛ منهية بذلك شهوراً من إغلاق إنتاج النفط».
ويأمل قطاع واسع من الليبيين، أن تنجح اللجنة المالية، التي شكلها المجلس الرئاسي في إخماد نار الصراعات والخلافات الدائرة في البلاد من سنوات بشأن عائدات النفط، والتي أدت إلى إغلاق الحقول والموانئ من قبل.
المنفي والدبيبة يتوسطان الكبير وعدد من المسؤولين الليبيين (المصرف المركزي)
وعدَّ عضو مجلس النواب، علي التكبالي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» التصعيد حول تعطيل إنتاج النفط، دليلاً «على فشل كل ما كان يتردد في كواليس المشهد السياسي حول وجود صفقة لتقاسم السلطة بين الدبيبة وحفتر، يتم بمقتضاها ترميم حكومة الأول ومنح الثاني عدداً من المقاعد السيادية بها».
وكان قائد «الجيش الوطني»، المشير خليفة حفتر، لوَّح بالتصعيد العسكري في حال التأخر في الاستجابة لمطلب تشكيل لجنة للترتيبات المالية لإدارة المال العام، وذلك خلال مهلة حددها حتى نهاية أغسطس (آب) المقبل.
ووصف عضو «ملتقى الحوار السياسي» الليبي، أحمد الشركسي، تهديدات قيادات الشرق بـ«الضرورية» لاستنفادهم كافة الأدوات السياسية المتعارف عليها لتغيير حكومة الدبيبة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «الهدف الرئيسي ليس إغلاق وإنما تجميد إيراداته»، لافتاً إلى أن المهددين بالإغلاق «يستهدفون كبح جماح الدبيبة في الإنفاق بلا رقابة وتخصيص نسبة غير هينة من الإيرادات النفطية لشراء ولاءات قيادات تشكيلات مسلحة تضمن استمرار سيطرته على العاصمة».
مؤسسة النفط الليبية (رويترز)
ولفت إلى تقديم حكومة الدبيبة 50 مليون دولار لتركيا في أعقاب الزلزال الذي ضربها في فبراير (شباط) الماضي من دون موافقة من البرلمان، وهو ما عدَّه «شراء للولاء بالخارج»، بالإضافة لتمويل مشاريع «تعزز من شعبيته».
وبالرغم من تفهمه من أن «سيطرة الدبيبة بمفرده على موارد الدولة تشكل مصدر إزعاج لقيادات الشرق» لم يستثن الشركسي الأخيرة «من ممارسة قدر من المسؤولية بالإنفاق غير المبرر للأموال، لكنه «لا يقارن بإنفاق الدبيبة» وفق قوله.
ورأى الشركسي «ضرورة انتباه الجميع إلى أن السيطرة على إيرادات النفط طالما كانت أحد المسببات الرئيسية للصراع بالبلاد، مما يتطلب سرعة معالجة الأمر».
أحد حقول النفط الليبية (سبوتنك)
وكانت محكمة استئناف بنغازي رفضت طعناً من المؤسسة الوطنية للنفط على قرار الحكومة المكلفة من مجلس النواب، برئاسة أسامة حماد، بالحجز على إيراداته.
وفي أعقاب ذلك أعلن حمَّاد، أن حكومته بصدد تعيين حارس قضائي على الأموال المحجوز عليها لتتمكن من حماية المال العام «من النهب الممنهج»، مهدداً بأنه حال استدعى الأمر سترفع الحكومة الراية الحمراء وتمنع تدفق النفط والغاز ووقف تصديرهم باللجوء للقضاء».
لكن القرار الذي أصدره المنفي، بتشكيل اللجنة المالية العليا تضمن مجموعة من الضوابط من بينها «تحييد المال العام عن الصراع السياسي وخلق بيئة مالية ملائمة لإجراء الانتخابات»، بالإضافة إلى «ضمان مبدأ التوزيع العادل للموارد السيادية للدولة خلال المرحلة السياسية الانتقالية».
جاكلين زاهر
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
هل تحطم حرب الجنرالين السودانيين «دولة ما بعد الاستقلال»؟
|
يتم تداول فكرة تحطيم «دولة ما بعد الاستقلال السياسي في السودان» التي تعرف أيضاً بدولة 1956، بشكل واسع، منذ اندلاع النزاع المسلح بين الجيش وقوات «الدعم السريع» في منتصف أبريل (نيسان) الماضي، وتحولت هذه الفكرة إلى «آيديولوجيا» للقوات التي تعتبر عند الكثيرين «ميليشيا» مدججة بالسلاح، صنعت من أجل حماية نظام الرئيس السابق عمر البشير، وحكم جماعات الإسلام السياسي.
وقد استعارت قوات «الدعم السريع» هذه الفكرة من الأدبيات الثورية السودانية، كفكر سياسي يبرر لحربها مع الجيش باعتباره من «فلول» النظام المعزول، وأداة من أدوات الدولة الموروثة من الاستعمار، والتي يجب تحطيمها.
وتنبثق فكرة تحطيم دولة ما بعد الاستقلال السياسي، والتي تعرف بدولة 1956، وهي السنة التي نال فيها السودان استقلاله السياسي من المستعمر البريطاني، من وراثة النخب المركزية للدولة خلفاً للاستعمار، ونتج ذلك بحكم قرب تلك النخب من المركز الاستعماري، وحصولها المبكر على التعليم، ما أحدث، وفقاً للدكتور عبد الرحمن الغالي، في مقال منشور له «اختلالاً في موازين التنمية، فتركزت المشاريع في مناطق الجدوى الاقتصادية، واختلالاً في الخدمات والتعليم، وتمايزاً ثقافياً وإثنياً حاداً».
سيطرة النخب
وظلت النخب، وهي نخب الوسط والشمال، تسيطر على مقاليد الحكم، وبالتالي على السلطة والثروة، طوال سنوات ما بعد الاستقلال السياسي (نحو 67 عاماً)، ما أثار حنق ما عرف لاحقاً بـ«المناطق المهمشة»، وتشمل أقاليم دارفور وكردفان والنيل الأزرق والبحر الأحمر، فضلاً عن جنوب السودان الذي استقل عن السودان قبل 12 عاماً لذات الأسباب التي يُعبر عنها بـ«التهميش».
وحمّل الغالي النخب السياسية التي حققت الاستقلال مسؤولية تجاهل معالجة اختلال التوازن التنموي والسياسي والتنوع الثقافي؛ إذ سارت على هذا النهج الحكومات التي أعقبت الاستعمار، سواءً كانت ناتجة عن انقلابات عسكرية أم حكومات مدنية منتخبة، ما أدى إلى بروز حركات إقليمية وجهوية أحست بالظلم، فصعدت مطالبها لتحقيق التنمية والمشاركة السياسية العادلة.
وظلت قضية الهامش الفقير والمعزول والمركز الثري والمسيطر، تسيطر على تفكير نخب ما عرف لاحقاً بـ«المناطق المهمشة»، وتمثل ذلك، وفقاً للمحلل السياسي الجميل الفاضل، بأن الدولة الموروثة من الاستعمار لم يطرأ عليها تغيير جوهري منذ أن حلَّت نخب سودانية متعاقبة توارثت الأوضاع الخاصة والامتيازات التي كان يتمتع بها الحكام الإنجليز في مختلف مستويات ومجالات السلطة.
حلم الهامش
وظلت فكرة «التخلص أو تحطيم دولة 56» متداولة لدى الحركات الثورية اليسارية والجهوية والإقليمية، والتي دخلت في مساومات مع المركز، كان أكبر أثمانها أن نالت الحركة الجنوبية، «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة الراحل د. جون قرنق دمبيور، «انفصال» جنوب السودان وتكوينه لدولته المستقلة في 2011. أما بقية الحركات التي كانت تقارع المركز بذات الشعارات، فقد اكتفت بمكاسب سلطوية ومادية محدودة لم تسهم في تغيير واقع التهميش.
لاجئون سودانيونمن دارفور يتجمعون في مستشفى «أدري» بتشاد (رويترز)
وحين نشبت الحرب بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، نتيجة صراع قادة القوتين المتوازيتين على السلطة، حاول كل طرف إيجاد مسوغات سياسية لحربه، فاختار قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، تبرير حربه بأنها ضد قوة متمردة مرتبطة بالأجنبي، وبالتالي فإن حربها مشروعة و«حرب كرامة»، فيما التقط قائد قوات «الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، فكرة الانتقال المدني الديمقراطي وإعادة تأسيس دولة ما بعد 1956 والصراع الدائر حولها، ووظفها آيديولوجياً لتبرير حربه.
وقال الفاضل لـ«الشرق الأوسط»، إنه كان من المفترض أن يتم بناء نظام دولة مواطنة بلا تمييز، يحقق العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة والرعاية الشاملة، لكن هذا لم يحدث، فوجد «الدعم السريع» الفرصة سانحة باعتباره «وعاءً خالياً من الحمولات الآيديولوجية، استخدمه سابقاً الإخوان في إطار استراتيجياتهم التمكينية لقمع مناهضي سلطتهم، وبات الآن في وارد أن يخدم أجندة نقيضة لأجنداتهم تلك». وتابع: «حالة الخواء التي هي من سمات قوات (الدعم السريع)، جعلت منها أداة جيدة من شأنها أن تخدم أي أجندات، حتى الخبيث منها».
واعتبر المحامي والكاتب حاتم إلياس أن دولة 56، أي دولة ما بعد الاستقلال «هي توصيف لمجمل الأزمة السودانية، بانقلاباتها وثوراتها وحروبها، سواءً كانت حرب الجنوب الطويلة أو حروب الأطراف في دارفور». وتابع: «تعبير دولة 56 ظل، ومنذ صبيحة استقلال السودان في ذلك العام وحتى الآن، يحمل طابع الأزمة الذي تجلى في عدم الاستقرار السياسي».
وحمّل إلياس الحالة المتأزمة التي نتجت ما بعد الاستقلال، المسؤولية عما يعيشه السودان الآن، مؤكداً أنها «قادت إلى فصل جنوب السودان عن شماله». ويضيف: «بغض النظر عن المحمول الاجتماعي لتلك الأزمة، فقد انحرفت عند البعض إلى أزمة ذات أبعاد عنصرية، وأصبح يطلق عليها (دولة الجلابة) من قبل التيار السياسي الذي يتبنى رؤية الهامش والمركز».
وتقول تلك الرؤية إن القلة من المنسوبين للثقافة العربية الإسلامية هيمنوا على السلطة دون بقية شعوب السودان الأفريقية. ويقول إلياس: «يتفق الجميع على أن الدولة وطريقة إدارتها الاقتصادية والسياسية، على اختلاف الأنظمة عسكرية كانت أم ديمقراطية، لم تخرج عن (كتالوغ) دولة 56 النخبوي، واستأثرت قلة بالسلطة والثروة على حساب أبناء الوطن الآخرين في أقاليم السودان المختلفة».
الحرب في الخرطوم اتخذت أبعاداً جديدة وتهدد النسيج الاجتماعي (رويترز)
ويرى إلياس أن طرائق التعاطي السياسي لتفكيك دولة 56 اختلفت بين التيارات الفكرية، لا سيما فيما يتعلق بإدارة الدولة. وقال: «الجميع متفقون على أن طريقة إدارة دولة منذ الاستقلال وحتى الآن خاطئة، لكن هناك اختلافات بين الماركسيين والليبراليين ومدارس التحليل الثقافي وأتباع نظرية الهامش والمركز والإسلاميين».
تشكيك في جدية «الدعم السريع»
وقال إلياس إن «الدعم السريع حالة غريبة»، بدأت ميليشيا عسكرية دون أي رؤى فكرية أو سياسية، وكانت بمثابة قوات تابعة للجيش، ولدت في رحم الصراع الدارفوري/الدارفوري، وحتى بعد الإطاحة بعمر البشير لم تكن لها رؤية فكرية أو سياسية، بل كانت مجرد جهة توفر الشغيلة العسكريين لدولة 56 نفسها.
وأرجع إلياس تبني «الدعم السريع» رؤية سياسية إلى وجودها في قلب المعادلة، بالشراكة مع الجيش، ما رفع طموحها السياسي، فوجدت نفسها بحاجة لرؤية ومرجعية سياسية تستند إليها، فتبنت رؤية «حركات الهامش والمركز». وقال إن «الدعم السريع» تقاتل الآن من أجل إنهاء دولة 1956.
وشكك إلياس في مدى جدية «الدعم السريع» في تبني تلك الرؤية، مستنداً إلى سيرة «حركات التحرر الوطني الأفريقية، بل العربية، التي ادعت أنها جاءت لمعالجة خلل دولة ما بعد الاستعمار، لكنها بمجرد وصولها للسلطة أعادت إنتاج نفس آليات السلطة التي قضت عليها». وتابع: «الجدية الحقيقية يحسمها الجواب على سؤال: هل لدى «الدعم السريع» مشروع سلطوي، أم أنها قوات نبيلة قادمة لإنصاف المظاليم؟». لكن إلياس يسارع إلى القول: «إنني أشك في ذلك».
واستناداً إلى شكوك المحامي إلياس وتحليلات الخبراء، يظل السؤال قائماً: «هل ستحطم حرب الجنرالين دولة 56، أم تعيد تأسيسها من جديد؟».