1

موسكو: المعارضة السورية مفكّكة ولا داعي لمحاورتها | واشنطن تخطّط لانفصال السويداء

موسكو | قال وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، خلال لقاء مع المسؤولين الأتراك في أنقرة في شباط الماضي، إن عودة العلاقات بين تركيا وسوريا لن تحقّق للأولى مطالبها الأمنية بشأن تحرّكات القوات الكردية. وأضاف أن واشنطن على استعداد للبحث في آلية ثنائية مشتركة لتلبية هذه المطالب، وفق ما نقل مصدر في السفارة الأميركية في أنقرة إلى عدد من السفراء العرب. وقال مسؤول الشؤون السياسية في السفارة، للسفير الأردني في تركيا، مطلع هذا العام، إن واشنطن طلبت من أنقرة أمرين: عدم التطبيع مع النظام السوري، والتوقف عن مهاجمة الأكراد في شمال سوريا، لكنّ الجانب الأميركي يدرك أنه لا يستطيع ممارسة الكثير من الضغوط على الجانب التركي لأنه يحتاج إليه في ملفّات أخرى. وأشار إلى أن تركيا تحوّلت إلى ملاذ آمن لروسيا لتجنّب العقوبات الغربية الناتجة من الحرب في أوكرانيا، وهي تحقّق منافع مالية من استيراد الغاز الروسي الذي تعيد تصديره إلى دول أوروبية.

ووفق ما سرّبه دبلوماسيون عرب معتمدون في عمّان العام الماضي، فإن الإدارة الأميركية تسعى لتنفيذ خطّة في محافظة السويداء، تقوم على إدارة المحافظة من قِبل السكّان المحليين، على غرار منطقة شرق الفرات التي يديرها الأكراد. وقال هؤلاء الدبلوماسيون إن هذه الخطّة سوف تخدم إسرائيل والأردن، لجهة تحويل الجنوب السوري إلى منطقة عازلة، كما هو الحال في الشمال السوري بالنسبة إلى تركيا. وبحسب تقرير دبلوماسي، فإن السفير الروسي في أنقرة، أليكسي يرخوف، ذكر أمام سفراء عرب معتمدين في تركيا، أن الولايات المتحدة في صدد إعادة تنظيم استراتيجيتها في سوريا، ومن مؤشّرات ذلك إعادة تشكيل فصيل «مغاوير الثورة» في التنف، وتسميته «قوات سوريا الحرة». وفي الإطار ذاته، قال مدير دائرة الشرق الأوسط في الخارجية الروسية، ألكسندر كينشاك، لسفير خليجي في موسكو، إن المشروع الأميركي في سوريا غير واضح المعالم ويعزّز تقسيم البلاد. ووصف كينشاك المعارضة السورية بأنها مفكّكة، قائلاً إنه ربّما من الأفضل التفاوض مباشرة مع الدول الراعية لها بدلاً من التفاوض معها.

وكان دبلوماسي أردني قد نقل عن مسؤول بلاد الشام في مكتب وزير الخارجية المصرية، محمد عاطف، أن وزيرَي خارجية مصر والسعودية اتفقا خلال اجتماع لجنة المتابعة والتشاور السياسي بين البلدين بداية العام الجاري، على دعم أيّ جهد من شأنه مساعدة سوريا في استعادة سيطرتها على أراضيها كافة، وذلك تعقيباً على عملية التطبيع بين سوريا وتركيا برعاية روسيا. وذكر المصدر المصري أن سيطرة تركيا على أجزاء من الشمال السوري تشكّل مصدراً لتجنيد المرتزقة للقتال في ليبيا حيث يوجد حالياً نحو 13 ألف مرتزق سوري، مضيفاً أن مصر تتطلّع إلى اتّخاذ النظام السوري خطوات من شأنها إرساء قاعدة وطنية، لأن ذلك يسهم في منع استغلال السوريين كمرتزقة من قِبَل تركيا.
أمّا وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، فقد سبق له أن أبلغ السفراء العرب المعتمدين في موسكو، أنه من غير الطبيعي استعادة العلاقات بين تركيا وسوريا قبل تطبيع العلاقات بين الدول العربية وسوريا، مشدّداً على أهمية مشاركة الدول العربية في «مسار أستانا» من أجل خلق توازن بموازاة الدور التركي، مشيراً إلى مناقشات جدّية روسية – إيرانية – صينية لتعزيز الاقتصاد السوري. وفي السياق نفسه، نُقل عن السفير الروسي في دمشق، ألكسندر إيفيموف، قوله لممثّلين في سفارات عربية في دمشق، إن الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، هو من طرح فكرة التقارب مع سوريا لأسباب عدة، من ضمنها السعي لكسب مزيد من الأصوات في الانتخابات التركية التي جرت أخيراً. ولفت إلى أن أحد شروط أنقرة لتطبيع العلاقات مع دمشق، إقامة منطقة أمنية في سوريا بعمق 30 كلم، معتبراً أن هناك إمكانية لتقليص هذه المسافة في المفاوضات بين البلدين. ورأى أن مغادرة الأميركيين الأراضي السورية هي المفتاح لحلّ المعضلة الأمنية، وأن حلّ الأزمة الاقتصادية سيتحقّق بعودة الأراضي السورية إلى سلطة الحكومة. ولفت إلى أن مبادرة المبعوث الأممي، غير بيدرسون، بشأن سوريا غير واقعية، مقدّراً أن الغرب لن يرفع العقوبات عن هذا البلد.

المصدر: صحيفة الأخبار




وثائق ديبلوماسية تفنّد حملة العرقلة | أميركا لحلفائها: لا حاسمة للتطبيع مع سوريا

اطّلعت «الأخبار» على مجموعة من الوثائق الديبلوماسية التي تُظهر السعي الأميركي المحموم إلى عرقلة عملية التطبيع العربي مع سوريا، والحيلولة دون انفتاح الأبواب المغلقة بين دمشق وأنقرة. في ما يلي، أبرز ما جاء في تلك الوثائق

موسكو | أكّدت مساعدة وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى، باربرا ليف، في لقاء مع سفراء دول الخليج في واشنطن، أن الإدارة الأميركية ترفض عودة سوريا إلى الجامعة العربية، في مقابل تأييد دول عربية عدّة عودتها. وأفاد تقرير أعدّته الأمانة العامة لـ»مجلس التعاون الخليجي» بأن ليف قالت، في جلسة أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي في حزيران 2022 (تضمّنت انتقادات لدول تتواصل مع سوريا ولمشاريع الغاز لصالح لبنان)، إن الإدارة الأميركية لن تساند الجهود الرامية إلى تطبيع العلاقات مع نظام الأسد، مضيفةً أنه جرى نقل هذه الرسالة إلى جميع العواصم العربية، وعلى أعلى مستوى. وفي الجلسة نفسها، عارض عدّة شيوخ جمهوريين أيّ مساندة لإعادة إعمار المناطق التي تخضع لسيطرة النظام في سوريا، ومرور مشاريع الكهرباء والغاز عبر سوريا إلى لبنان بإعتباره انتهاكاً لـ»قانون قيصر».

كذلك، أبلغ دبلوماسيون أميركيون، دولاً عربية، باعتراض واشنطن على أيّ تقارب مع سوريا. وقال نائب السفير الأميركي في المنامة، ديفيد بروانستين، للقائم بالأعمال الأردني، إن الولايات المتحدة تتفهّم رغبة الدول العربية في تحسين العلاقات مع سوريا لأسباب سياسية أو اقتصادية، إلّا أنها لا تتّفق معها على أن يتمّ ذلك من دون محاسبة النظام السوري. وقالت مديرية شؤون الخليج في الخارجية الأميركية، إيفينيا سيدارياس، لدبلوماسي خليجي في واشنطن، إن المسؤولين الأميركيين تفاجأوا من قيام سلطنة عُمان برفع مستوى تمثيلها الدبلوماسي في سوريا، وإنهم يعارضون هذه الخطوة. وكشف مسؤول في ملف الخليج في مجلس الشيوخ الأميركي، لدبلوماسي خليجي في الولايات المتحدة، أن الولايات المتحدة أعربت للسلطنة عن استيائها من استضافة الأخيرة وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، في 21 آذار 2021، خصوصاً أن مسقط لم تبلغ الإدارة الأميركية بالزيارة مسبقاً. أيضاً، تعهّد ديبلوماسيون أميركيون لوفد من «الائتلاف السوري» المعارض، خلال لقاء بين الجانبين، بمنع محاولات إعادة تعويم النظام السوري إقيلمياً ودولياً، وطلبوا من الائتلاف الاستمرار في المشاركة في اجتماعات «اللجنة الدستورية» برغم تحفّظاته على مخرجاتها. أمّا مدير إدارة الشرق الأوسط في الخارجية البريطانية، ستيفن هيكي، فقال لسفير خليجي في لندن، إن التوجّه نحو تطبيع العلاقات بين أغلب الدول العربية وسوريا بات أمراً واقعاً، وإنه لذلك يُستحسن أن يتمّ الأمر مقابل ثمنٍ معقول. وأقرّ بأن قيام دول خليجية وعربية بإعادة فتح سفاراتها في دمشق، أضعفَ الجهود المبذولة دولياً لعزل النظام السوري.

بدائل أميركية
تواصلت الإدارة الأميركية، في شهر آذار من العام الجاري، مع عدد من الحكومات العربية في المنطقة، وسلّمتها دعوة إلى اجتماع بعيد عن الأضواء في عمّان في 21 آذار 2023، على أن يُعقد على مستوى المبعوثين الخاصين حول سوريا. وحدّدت واشنطن أهداف الاجتماع بتنسيق جهود الإغاثة بعد الزلزال الذي ضرب سوريا، وخلق مناخ تعاطف عام مع الشعب السوري، وشدّدت على ضرورة عدم ربط المساعدات الإنسانية بإعادة الإعمار المحظورة أميركياً حتى إشعار آخر. كما أبدت الاستعداد للعمل مع الدول التي تتواصل مع النظام السوري لتشجيعها على استخدام تأثيرها من أجل الحصول على «تنازلات» من دمشق. كذلك، أبلغ الجانب الأميركي، المدعوّين، أن النظام السوري لم يقُم بما هو مطلوب لإعادة سوريا إلى «جامعة الدول العربية». والجدير ذكره، هنا، أن الدعوة الأميركية شملت دولاً أوروبية عدّة، ولا سيما بريطانيا وألمانيا وفرنسا، إلى جانب تركيا والسعودية ومصر والإمارات والعراق وقطر والأردن، فيما سجّل عدد من الدول العربية تحفّظاته على اللغة التي صيغت بها الدعوة، خاصة لجهة اعتبارها أن عودة سوريا إلى الجامعة لم تتوفّر شروطها بعد.

في المقابل، أكّد دبلوماسي مصري في واشنطن، أمام دبلوماسي خليجي، أن إعادة سوريا إلى «الحضن العربي» تُعدّ من أولويات مصر في المنطقة. لكن يُستشفّ من مصادر متقاطعة أن الموقف المصري من هذه المسألة أحاطه بعض الفتور في وقت من الأوقات. وقال دبلوماسي روسي في واشنطن، لدبلوماسي خليجي، إن السعودية والإمارات بادرتا إلى طرح أفكار تتعلّق بسوريا وعودتها إلى الجامعة العربية خلال زيارة قام بها وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إلى المنطقة في آذار 2021. وأضاف أن الجانب الروسي رتّب لقاء بين رئيس مكتب الأمن الوطني السوري اللواء علي مملوك، ومسؤولين سعوديين. كذلك، أبلغ السفير الروسي لدى سلطنة عمان، ديمتري دوغادكين، سفيراً عربياً، أن وزير الخارجية الروسي لمس خلال هذه الجولة موقفاً إيجابياً من جانب الإمارات، وعدم ممانعة سعودية تجاه عودة سوريا إلى «الجامعة العربية»، في مقابل رفض قطري وموقف مصري غير متشجع. وربط السفير موقف القاهرة هذا، واقترابه آنذاك من موقف قطر، باستثمارات قطر المتزايدة في مصر.

وكانت قد ظهرت إشارات إلى تحوّل في الموقف السعودي المناهض للنظام السوري عام 2019، من بينها امتناع السعودية عن التصويت على مشروع قرار غربي حول حالة حقوق الإنسان في سوريا في مجلس حقوق الإنسان في آذار 2019، وقد علّق مندوب قطر أمام عدد من الدبلوماسيين على ذلك بالقول إن السعودية تستعدّ لاستئناف علاقاتها الدبلوماسية مع سوريا، بهدف التأثير على أيّ عملية انتخابية قد تجري فيها مستقبلاً. أمّا الانعطافة الإماراتية حيال دمشق فقد بدأت في أواخر 2018، حين أعادت أبو ظبي افتتاح سفارتها هناك. ويومها، قال أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات، في تغريدة له، إن الأزمة السورية بحاجة إلى مقاربة واقعية جديدة، داعياً إلى دور عربي لإنهاء العنف والقتال.
وخلال لقاء بين ملك الأردن، عبدالله الثاني، ووزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، في 26 أيار 2021، قال الأول إن بلاده تواجه تداعيات اقتصادية صعبة جراء الوضع الحالي في سوريا، وقد يكون الوقت مناسباً لبلورة رؤية جديدة بحيث تتمّ إعادة العلاقات تدريجياً مع دمشق، مع مطالبتها بتغيير طبيعة علاقاتها بطهران، وفق ما روى مسؤول في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي لدبلوماسيين عرب في واشنطن. وكانت مديرة شؤون العراق وسوريا في مجلس الأمن القومي الأميركي، زهرة بيل، قالت لدبلوماسيين من دول الخليج، في ربيع العام الفائت، إن بلادها ستسمح للشركات الخاصة في الولايات المتحدة والدول «الصديقة» والمنظمات غير الحكومية، بالعمل في مشاريع الصحة والإسكان والتعليم في المناطق الخارجة عن سلطة الحكومة السورية، وتحديداً تلك الخاضعة للقوات الكردية شمال شرق سوريا، وكذلك الخاضعة للسيطرة التركية في إدلب. وقال أحد مسؤولي ملف سوريا في الخارجية الأميركية، جيف جونغ، إنه في نطاق المبادرة المُشار إليها، ستحظى هذه الشركات بإعفاءات من العقوبات الأميركية.

المصدر: صحيفة الأخبار




سخونة في مزارع شبعا والغجر: اختبار أول يفتح على سيناريوهات عديدة

شهدت «جبهة الغجر» أمس تطورين لافتَين، تمثّل الأول ببيان لحزب الله تعليقاً على ضم قوات الاحتلال الإسرائيلي للقسم الشمالي من بلدة الغجر إلى الأراضي السورية المحتلة، بعد تطويقها بسياج حديدي جديد عزَلَها عن امتدادها اللبناني. والثاني، تمثّل بـ«رسالة صاروخية مزدوجة مجهولة المصدر» تلقتها تل أبيب مع سقوط صاروخ في القسم اللبناني من البلدة، وآخر في محيط سهل المجيدية اللبنانية المحتلة.

الحدثان المرتبطان ظاهرياً وعضوياً يمثلان مدخلاً لتصعيد تتزايد احتمالاته مع تجمّع المؤشرات والدوافع. وقد ظهر حزب الله في بيانه الأخير ربطاً بالإجراءات الإسرائيلية في الغجر، كمن يُلقي الحجة ويضع كل الأطراف أمام مسؤولياتها. داخلياً، بدءًا من الدولة اللبنانية بكافة مؤسساتها، لا سيّما الحكومة، ‏وصولاً إلى الشعب بل قواه السياسية والأهلية. وخارجياً، انطلاقاً من الأمم المتحدة التي تعترف بالقسم اللبناني من الغجر باعتباره جزءًا من ‏الأراضي اللبنانية لا نقاش فيه ولا نزاع حوله، وانتهاءً بإسرائيل التي اعتبر الحزب أن ما قامت به من «احتلال كامل للقسم اللبناني من بلدة الغجر بقوة ‏السلاح وفرض الأمر الواقع فيها، ليس مجرد خرق روتيني مما اعتادته قوات الاحتلال ‏بين الفينة والأخرى».‏

الردّ الإسرائيلي على «مصادر إطلاق الصاروخين»، والذي استهدف مناطق حرجية مفتوحة في قرى حلتا وكفرشوبا وكفرحمام بقصف مدفعي «محسوب»، سبقه أداء إعلامي مُربَك تطوَّر من نفي انطلاق صواريخ من لبنان، إلى اعتبار أصوات الانفجارات التي سُمعت في الأرجاء ناجمة من انفجار ألغام قديمة، وصولاً إلى الإقرار بسقوط قذائف هاون مصدرها لبنان، ثم الاعتراف بسقوط صورايخ أطلقتها «مجموعات فلسطينية»، قبل أن تبدأ في الإعلام العبري نغمة «من الصعب تصديق أن إطلاق الصاروخ من لبنان تزامناً مع بيان حزب الله حول الغجر، كان محض صدفة»، مع الكشف عن أن ما سقط في القسم السوري من الغجر هو صاروخ موجّه مضاد للدبابات وليس صاروخ أرض – أرض، ما يفسّر عدم انطلاق «القبة الحديدية» في مواجهته.
في هذه الأثناء، كانت قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان تتحدّث هي الأخرى عن انفجارات لم تتمكن من تأكيد مصدرها أو سببها، قبل أن تتحدّث عن «احتمال إطلاق صاروخ»، لافتة إلى أنّ «هذا الحادث يأتي في وقت حسّاس وفي منطقة شهدت توترات في وقت سابق من هذا الأسبوع». تدرّج كل من القوات الإسرائيلية وقوات «اليونيفيل» في الإفصاح عن حقيقة الحدث قد يكون مردّه تفضيلهما «الوصول إلى نهاية سعيدة»، إلا أن الوقائع المسجّلة على الأرض، مثل نوعية الصواريخ التي دلّت عليها «آثار معيّنة» تركها «المُطلِقون» خلفهم، لم تترك لهما خيارات كثيرة، خصوصاً إذا ما صحّ أن الصاروخ «موجّه» بحسب ما سرّب إعلام العدو.
أيّاً تكن رواية القوات الإسرائيلية، إلا أن ما سُجّل من تطورات فتح الباب واسعاً أمام التكهّنات حول طبيعة ردّ الفعل المحتمل للمقاومة على الإجراءات الإسرائيلية الاستفزازية في الغجر. فالإعلام العبري حفل أمس بكثير من التحليلات والآراء التي تذهب إلى تأكيد وقوف حزب الله خلف «رسالة الصواريخ»، ليقول إن المقاومة لن تسكت على محاولة تل أبيب تكريس أمر واقع في البلدة بقوة السلاح، وبالتالي التنبيه من «نوايا المقاومة» في هذا الإطار.

وفي الحديث عن نوايا المقاومة، لا تحتاج إسرائيل إلى كثير من عناء التخمين. فمزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وحتى قرية الغجر المحتلة بشقَّيها اللبناني والسوري، كانت جميعها شاهدة على «نماذج» من عمليات للمقاومة دارت رحاها في تلك المنطقة منذ ما قبل التحرير عام 2000 وما بعده، يمكن تصنيف بعضها في خانة «الردود»، وبعضها الآخر في خانة «المبادرة». أما اليوم، وفيما المنطقة تترنّح على وقع محاولات إسرائيلية متزايدة في الآونة الأخيرة لمحاولة فرض «وقائع ميدانية» جديدة، إنْ عبر عمليات التجريف ومدّ الأسلاك الشائكة في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقبالة حولا وغيرها، وإنْ عبر «قضم» القسم الشمالي للغجر، تبرز التساؤلات عن «الصدمة» التي يمكن أن تغيّر المشهد أو تعيده إلى هدوئه، خصوصاً أن الأمم المتحدة، عبر قوات «اليونيفيل»، تلعب دور المتفرّج، وتكتفي بـ«حثّ» إسرائيل على عدم خرق القرار 1701 في الغجر، وتدعو الجميع إلى «ضبط النفس».
سيناريوهات متعدّدة تلوح في الأفق، مع إصرار المقاومة على رفض التعدّيات الإسرائيلية، وتأكيد جهوزيتها الدائمة لمواجهة المحاولات الإسرائيلية الجديدة، ومع عجز واضح تبديه الحكومة اللبنانية في التعامل مع هذا الملف. وهنا، ثمّة في إسرائيل مَن يحذر من دخول قوات الاحتلال في «عصر الإشغال» مجدداً من بوابة القطاع الشرقي من جنوب لبنان.

حمزة الخنسا

المصدر: صحيفة الأخبار




مفاجأة نواب الحاكم: أعطونا الغطاء الكامل أو عيّنوا البديل

أطلق النواب الأربعة لحاكم مصرف لبنان إنذاراً مبكراً قبل 25 يوماً من انتهاء ولاية الحاكم رياض سلامة، داعين إلى تعيين بديل، وملوحين بخطوات تبدو الاستقالة الأكثر احتمالاً بينها.

وعلّل أحد نواب الحاكم لـ«الأخبار» البيان بأنه «لا يمكن المضي في مجلس مركزي سيحلّ أحد أعضائه محل الحاكم بسبب شغور المنصب، من دون اتفاق القوى السياسية على خطّة تُترجم بقوانين في مجلس النواب، وعلى أساسها تُرسم السياسة النقدية». وقال نائب آخر «إن الوضع صعب ومعقد، وفصل السياسة النقدية عن الصراعات السياسية يتطلب وجود تغطية شاملة للفريق الذي يريد القيام بمهمة الحاكم، وهذا يعني إقراراً سريعاً لقوانين تسمح بالعمل خارج السجالات السياسية القائمة».

عملياً، هذا ما يبرر بيان نواب الحاكم الأربعة، ومطلبهم بتعيين حاكم جديد، وتجاوز المادة 25 من قانون النقد والتسليف التي تنصّ على أنه في حالة شغور منصب الحاكم يحلّ محلّه النائب الأول (وسيم منصوري)، وقد عبر الأربعة عن رغبتهم في ايجاد صيغة جديدة من التعامل مع الأزمة تتخذ على أساسها قرارات، وهي أيضاً تُترجم قلقهم من أن الآتي أعظم، وهم يرفضون تحميلهم مسؤولية سياسات رسمها ونفّذها سلامة بلا موافقتهم.
خيار «المصلحة العامة» الوارد في البيان هو الاستقالة الجماعية، وهو أشبه برد فعل على عجز قوى السلطة عن مقاربة علاجية للأزمة. لكنه خيار يهدف بالدرجة الأولى إلى تبرؤ النواب الأربعة من أي مسؤولية تجاه أي تطوّرات وتعقيدات وضغوط ستحصل لاحقاً، ولا سيما في حالة حلول منصوري محلّ سلامة، واستمر النواب الثلاثة الآخرون (سليم شاهين، بشير يقظان، ألكسندر موراديان) في مناصبهم. فما سيُطلب منهم، لجهة إنفاق ما تبقى من الدولارات، والسير بالتعاميم التي أصدرها سلامة، والتعامل مع منصة صيرفة كأمر واقع، إضافة إلى تمويل الدولة عبر طبع العملة، سيضعهم جميعاً في مواقف حرجة وتصادم مباشر مع القوى السياسية، ولا سيما أن مرجعيات سياسية كانت خلف تعيينهم في مناصبهم. ويتوقع أن تمارس هذه المرجعيات الضغط عليهم لاستصدار قرارات مرفوضة مسبقاً منهم. وهم يدركون أن الآليات الاصطناعية لضبط سعر الصرف لن تصمد طويلاً، ويعرفون كم تدنى حجم احتياط المصرف المركزي من السيولة بالدولار، وبينما يتحدث سلامة عن رقم يقارب 9.3 مليار دولار، يتردد أن الرقم الفعلي أقل، ويوازي 7 مليارات مودعة لدى مصارف خارجية إضافة إلى سندات قابلة للتسييل بقيمة ملياري دولار. كما يدركون أن عجز الخزينة كبير جداً، ومصادر التمويل تقتصر على طباعة الليرات. وهذا سبب إضافي لرفض تحمّل أي مسؤولية نيابة عن سلامة.

كما بدا واضحاً أن نواب الحاكم ليسوا في وضع التعايش مع الأزمة كما هي حالها اليوم، سيما أن القوى السياسية تماطل في كل ما يتعلق باستمرارية الحكم. وقد ورد القلق من هذا الأمر في متن بيانهم الذي «أُعدّ بتأنٍّ»، إذ أشار إلى «تباينات سياسية تجلّت في العجز عن انتخاب رئيس للجمهورية وملء الشواغر في إدارات الدولة ومؤسّساتها، وانعكاسها على عمل السلطات التشريعية والتنفيذية»، كما لفتوا إلى أن هذا العجز يتزامن مع «مقاربات متناقضة للقوى السياسية تجاه معالجة الأزمة»، وأنه «في غياب خطّة شاملة وواضحة لإعادة التوازن المالي والمصرفي، وتحقيق توازن في موازنة الدولة ما يسمح للمصرف المركزي وضع الأسس النقدية والمالية لإعادة الثقة، لا يجوز أن ينسحب مفهوم تصريف الأعمال على السلطة النقدية الأعلى في الدولة». لذا، يطالبون بضرورة «تعيين حاكم في أقرب وقت، وإلا سنضطر إلى اتخاذ الإجراء الذي نراه مناسباً للمصلحة العامة».

كان النواب الأربعة قد أبلغوا رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، في اجتماعات مختلفة، نيتهم الاستقالة في حالة عدم تعيين حاكم بديل. وقال أحدهم إنه في الاجتماع الأخير مع ميقاتي، لم يقدّم رئيس الحكومة أي ضمانات مقابل استمرارهم في مناصبهم كما روّجت مصادره. بل توجد رواية يتناقلها مصرفيون، ومفادها أن ميقاتي سألهم عن ضمان سعر الصرف إذا وافق على مطالبهم بشأن ضبط «صيرفة»، فأتت إجاباتهم بالنفي، ليردّ ميقاتي بأن بقاء «صيرفة» ضروري.
لكن النواب الأربعة يعتقدون أن ما هو مطلوب كضمانة لبقائهم، يتجاوز ذلك. إذ إنه لا يكفي أن تكون الحكومة قد ناقشت الاتفاق على مستوى الموظفين مع صندوق النقد الدولي. فهذا الاتفاق يتطلب ترجمته من خلال إصدار قوانين في مجلس النواب ومراسيم تنفيذية، وهو أمر لم يتم بعد رغم مرور فترة كافية. ومضمون الاتفاق نفسه، يتضمن شروطاً مسبقة توجب على القوى السياسية اتخاذ مجموعة من القرارات الموجبة على مجلسي الوزراء والنواب، كشروط مسبقة لتوقيعه من قبل مجلس المديرين في الصندوق، إلا أن أياً من هذه الشروط لم يتحقق منذ منتصف أيار 2022 حين وقع الاتفاق. وقبل كل ذلك، يعتقد أحد نواب الحاكم، أن المسألة يجب أن تبدأ بإعادة هيكلة مصرف لبنان والمصارف، أي إعادة هيكلة القطاع المالي بكامله.

سيناريوهات

بناء على بيان النواب الأربعة، تُطرح أسئلة حول سيناريوهات ما بعد الخطوة. وسط تضارب في المعلومات حول وجود اتفاق تام بين الأربعة على خيار الاستقالة. لكن المشكلة قد تنفجر بمجرد استقالة النائب الأول لتعطيل كل القرارات على المستوى التقريري والتنفيذي في مصرف لبنان. والغموض الذي ورد، مقصوداً، في البيان بحرفيته «المصلحة العامة»، يترك هامشاً واسعاً لواحد من بينهم أو أكثر ألا يستقيل. فالقوى السياسية التي عيّنت هؤلاء لا مصلحة لها في انهيار سعر الصرف الآن، وترى خطراً كبيراً في تعطيل كامل قيادة مصرف لبنان.
وفي حالة شغور منصب الحاكم، سيتعطّل المجلس المركزي، وسيؤثّر ذلك جوهرياً في كل ما يتعلق بسعر الصرف، وبعمل «صيرفة» ويؤدي إلى انفلات المضاربات؛ فالحاكم لديه صلاحيات لا حصر لها في قانون النقد والتسليف، لكن هناك قرارات مهمّة منوطة أيضاً بالمجلس المركزي؛ إذ تنصّ المادة 33 من قانون النقد والتسليف على أن المجلس يحدّد سياسة المصرف النقدية والتسليفية، ويضع أنظمة تطبيق قانون النقد والتسليف، ويتذاكر في طلبات القروض المقدمة في القطاع العام، ويضع سائر الأنظمة المتعلقة بعمليات المصرف، ويقرّر موازنة نفقات المصرف، ويوافق على مشروع التقرير السنوي الذي يتضمن الأرباح والخسائر. لذا، لا يمكن تخيّل مصرف مركزي بلا حاكم وبلا مجلس مركزي.
وبين مرحلة ما قبل الشغور، ومرحلة ما بعده، يكون اللبنانيون أمام مرحلة الاستغلال السياسي المحلي والخارجي، والسؤال عندها يصبح: لمصلحة من ستميل كفّة تداعيات البيان في فترة ما قبل الشغور؟ هل ستتفق القوى السياسية على تعيين حاكم لمصرف لبنان، أم ستبقى عاجزة، كما هي حالها الآن، في انتظار ترتيب خارجي؟ وهل ستحاول القوى المحلية استغلال البيان لممارسة ضغوط بشأن دعوة الحكومة إلى جلسة لمناقشة التعيينات الشاغرة خلافاً للحصر الوارد في تصريف الأعمال؟ وماذا عن المرشحين لتولي منصب الحاكم في حالة التوافق على التعيين، إذ لم تصل المشاورات المستمرة داخل الكتل الطائفية إلى مرحلة إيجاد حلول للأزمة.

ad
يشار إلى أن التمديد لسلامة، وإن كان رائجاً لدى بعض الأوساط الرسمية وحتى المصرفية، إلا أنه مرفوض ويكاد يكون من المستحيل اللجوء إليه، علماً أن سلامة نفسه، الذي يكرر أنه لا يريد البقاء دقيقة واحدة بعد انتهاء ولايته، «لا يبدو رافضاً بالمطلق للأمر»، وهو «ميّز بين رفضه لعب دور مستشار لدى رئيس الحكومة ووزير المال ونواب الحاكم، وبين إمكانية التمديد له، كونه يرى في الخطوة فائدة لمواجهة الحملات القضائية والسياسية ضده، وكله من زاوية القول إنه الرجل الذي لا يمكن الاستغناء عنه».

بارود: حدود القانون في التعامل مع الشغور

مشكلة الفراغ المحتمل في قيادة مصرف لبنان، بعد بيان نواب الحاكم الأربعة، طرحت إشكاليات قانونية حول الملف برمته، وكيفية تعامل السلطات القائمة مع الأزمة. وبحسب الوزير السابق المحامي زياد بارود، هناك قراءة لحالتي التعيين والشغور الكاملَين. بالنسبة لتعيين حاكم بديل يقول بارود إنه «بحسب نص المادة 18 من قانون النقد والتسليف، يعيّن الحاكم بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء لاقتراح وزير المالية. الإشكالية هنا تتعلق بكون الحكومة مستقيلة. وعلى الرغم من أن اجتهاد مجلس شورى الدولة منذ 1969 يعتبر أن صلاحيات حكومة تصريف الأعمال تنعقد في معرض مسائل ملحة ترتبط بمهل منعاً للفراغ، إلا أن الشغور في منصب الحاكمية لا يمكن افتراضه، لأن القانون لحظ في المادة 25 منه تولي النائب الأول للحاكم مهام الحاكم ريثما يعيّن حاكم جديد. وبالتالي، يصبح تطبيق اجتهاد مجلس شورى الدولة في غير محلّه، وأرى من الصعوبة بمكان أن تعمد حكومة تصريف الأعمال إلى تعيين حاكم جديد، في القانون كما في السياسة».

أما بالنسبة لبيان نواب الحاكم فرأي بارود أنه «بيان استباقي يدق ناقوس الخطر، باعتبار أن الشغور في موقع متقدم في الدولة ليس تفصيلاً، خصوصاً في ظل الأزمة المالية والنقدية. لم أقرأ في البيان استقالة، وهذه الأخيرة ليست من دون مخاطر وتداعيات، علماً أن نواب الحاكم يقسمون اليمين أمام رئيس الجمهورية، ولا أرى سهولة في استقالتهم ببساطة ربطاً بواجباتهم. أما في القانون، فالاستقالة المدوّية، في حال حصلت، هي استقالة النائب الأول للحاكم، لأن المادة 25 من قانون النقد والتسليف تعطيه هو دون سواه من نوّاب الحاكم صلاحية تولّي مهام الحاكم. ولا انتقال من نائب أول إلى نائب ثان فثالث فرابع. حتى أن المادة 27 من القانون لا تعطي النائب الثاني إمكان تولي مهام الحاكم إلا في حال التعذر في تسلّم النائب الأول ووفقاً للشروط التي يحددها الحاكم حال ولايته، وثمة جدل حول ما إذا كان هذا الحل يبقى قائماً بعد نهاية ولاية الحاكم أم أنه يسقط، هذا في حال ممارسة الحاكم لهذه الصلاحية».

وختم بارود «في حال استقالة النواب الأربعة، يتعطّل المجلس المركزي كلياً، علماً أنه يتعطّل أيضاً بمجرد استقالة النائب الأول، علماً أن المادة 30 من القانون واضحة لجهة أنه لا يمكن للمجلس المركزي أن يجتمع في غياب الحاكم أو من ينوب عنه».

محمد وهبة

المصدر: صحيفة الأخبار