1

هل تستطيع أميركا التخلي عن الوقود الأحفوري؟.. الأرقام تجيب

ما زالت الولايات المتحدة تعتمد على الوقود الأحفوري بصورة كبيرة للغاية في توفير احتياجاتها من الكهرباء والطاقة، رغم الهجوم الشرس الذي يتعرّض له النفط والغاز والفحم في أميركا والعالم.

واحتفلت الولايات المتحدة الثلاثاء (4 يوليو/تموز 2023) بذكرى الاستقلال عن بريطانيا العظمى في 4 يوليو/تموز عام 1776، لكن استقلالها عن النفط والغاز ما زال بعيدًا جدًا رغم سيل الانتقادات الإعلامية المتكررة التي توحي بأن أميركا على وشك الخلاص من مصادر الوقود الملوثة.

وأظهرت بيانات حديثة استحواذ الوقود الأحفوري -النفط والغاز والفحم- على 79% من إجمالي استهلاك الطاقة في الولايات المتحدة عام 2022، وفقًا لتقرير صادر عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وكشفت البيانات عن أن مصادر الوقود غير الأحفوري -مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية- لم تستحوذ سوى على 21% من إجمالي استهلاك الطاقة في الولايات المتحدة عام 2022.

ورغم أن هذه النسبة هي الأعلى منذ مطلع الـ20، فإنها ما زالت تشير إلى أن حلم الاستقلال الأميركي عن الوقود الأحفوري ما زال بعيدًا جدًا، وربما يستغرق وقتًا أطول بكثير من الخطط الطموحة المتوالية في عهد الرئيس الأميركي جو بايدن.

بايدن يتراجع بعد محاولات للتضييق

حاول جو بايدن إيقاف تأجير الأراضي لمشروعات الوقود الأحفوري الجديدة (النفط والغاز)، بعد توليه الرئاسة بمدة وجيزة، لكنه تعرّض لانتقادات واسعة من قِبل جزء لا يُستهان به من النخبة الحاكمة في البلاد (الحزب الجمهوري)، وفقًا لما رصدته وحدة أبحاث الطاقة.

كما تعرّض لانتقادات أشد من قبل حكام الولايات المنتجة للنفط والغاز، ما اضطره إلى التراجع للخلف قليلًا، ولكن دون التخلي عن نهج التقييد وتشديد الخناق بصورة أو بأخرى، إلى أن قرر السحب من مخزون النفط الإستراتيجي الأميركي بعد الحرب الأوكرانية، فانكسرت شوكة الانتقادات الموجهة إلى النفط والوقود الأحفوري وهدأت إلى حين.

كما ذهب بايدن إلى مغازلة أنصار البيئة والمناخ بإقرار أكبر حزمة إعفاءات ضريبية من أموال دافعي الضرائب لصالح المستثمرين في الطاقة المتجددة عبر قانون خفض التضخم (أغسطس/آب 2022).

ويتضمن القانون حزمة تيسيرات ائتمانية وتخفيضات ضريبية تصل إلى 370 مليار دولار لصالح المبادرين إلى نشر الطاقة المتجددة في الولايات المتحدة حتى عام 2030، على أمل التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري وتعويض النقص في التوليد من خلال الطاقة المتجددة.

ورغم الطموحات المنفردة للرئيس الأميركي جو بايدن والحزب الديمقراطي في التخلص من الوقود الأحفوري، فإن الحزب الجمهوري لا يشاطرهما هذا الرأي ولا يؤيدهما في خطط المناخ إلا مضطرًا، وفقًا لما ترصده وحدة أبحاث الطاقة بصورة دورية.

الوقود الأحفوري يستحوذ على 79%

تظهر البيانات الحديثة الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية، أن الوقود الأحفوري ما زال يهيمن على 79% من إجمالي استهلاك الطاقة في البلاد مقابل 21% لمصادر الطاقة غير الأحفورية شاملة الطاقة النووية رغم الاختلاف حول تصنيفها.

وارتفع إجمالي استهلاك الطاقة في الولايات المتحدة إلى 100.4 كوادريليون وحدة حرارية بريطانية، بزيادة 3% عن حجم الاستهلاك في عام 2022.

وزاد استهلاك الطاقة المتجددة في الولايات المتحدة بنسبة طفيفة من 12.1 كوادريليون وحدة حرارية بريطانية عام 2021، إلى مستوى قياسي بلغ 13.2 كوادريليون عام 2022.

وأسهم التوسع في مشروعات توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، لا سيما من طاقة الرياح والطاقة الشمسية في زيادة استهلاك الطاقة المتجددة إلى حد كبير خلال عام 2022.

واستحوذت طاقة الرياح على النصيب الأكبر في مصادر الطاقة المتجددة عام 2022، متجاوزة الطاقة الكهرومائية، ثاني أكبر مصدر متجدد للكهرباء في عام 2019.

وبلغ إجمالي استهلاك الطاقة النووية في العام الماضي قرابة 0.8 كوادريليون وحدة حرارية بريطانية، بانخفاض طفيف عن 8.1 كوادريليون عام 2021.

وأسهم إغلاق محطة باليسيدز النووية خلال مايو/أيار 2022 في هذا الانخفاض، فقد أغلقت قبل انتهاء ترخيص التشغيل الخاص بها بنحو 9 سنوات.

النفط الأكثر استهلاكًا منذ تخطي الفحم عام 1950

ما يزال النفط هو مصدر الطاقة الأكثر استهلاكًا في الولايات المتحدة منذ أن تجاوز الفحم عام 1950، وإن كان استهلاكه في عام 2022 أقل من ذروة استهلاكه عام 2005.

وبلغ إجمالي استهلاك النفط في العام الماضي قرابة 35.8 كوادريليون وحدة حرارية بريطانية، أغلبها تركز في قطاع النقل -أكبر مستهلك للنفط في الولايات المتحدة والعالم-، وفقًا لما رصدته وحدة أبحاث الطاقة.

ورغم زيادة حصة السيارات الكهربائية على الطرق- عامًا بعد عام- فإن النفط ومشتقاته ما زالا مصدر الوقود المهيمن على تشغيل السيارات والشاحنات والطائرات.

أزمة نقص الوقود في الولايات المتحدة 2021
أزمة نقص الوقود في أميركا 2021 – الصورة من washington post

أما بالنسبة إلى الغاز الطبيعي، فقد ارتفع إجمالي استهلاكه في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوى على الإطلاق عام 2022، ليسجل 33.4 كوادريليون وحدة حرارية بريطانية، وفقًا لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

ويرجع السبب الرئيس في زيادة استهلاك الغاز الطبيعي إلى ارتفاع الطلب على استعماله في قطاع الطاقة الكهربائية، الذي ارتفع استهلاكه السنوي من الغاز أكثر من أي قطاع آخر على مدار السنوات الـ5 الماضية.

أما الفحم -أكثر أنواع الوقود الأحفوري تعرضًا للانتقادات البيئية- فقد انخفض استهلاكه في الولايات المتحدة إلى 9.8 كوادريليون وحدة حرارية بريطانية عام 2022، وهو ثاني أدنى مستوى له على مدار 60 عامًا.

وانخفض استهلاك الفحم عامة في الولايات المتحدة بأكثر من النصف، منذ أن بلغ ذروته في الاستهلاك المحلي عام 2005، بسبب العزوف عن استعماله في توليد الكهرباء بصورة كبيرة.

المصدر: منصة الطاقة




أوروبا تبحث عن المعادن الأرضية النادرة لتعزيز الانتقال الأخضر

في خضمّ السباق العالمي للحصول على المواد الخام الحيوية والمعادن الأرضية النادرة، تقف أوروبا على مفترق طرق بحثًا عن هذه المكونات الإستراتيجية التي تُعدّ شريان الحياة للانتقال الأخضر والثورة الرقمية.

كان ذلك في عام 2022 عندما أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أهمية هذه المواد الخام بصفتها محورًا لمستقبل أوروبا، وحذّرت من تكرار التبعيات القديمة، التي أدت إلى استعمال الغذاء والطاقة والأسمدة كونها أسلحة، ويرجع ذلك، إلى حدّ كبير، لاعتماد أوروبا الكبير على السلع الروسية.

واستجابة لهذه الإشارات، كشف الاتحاد الأوروبي قانونَ المواد الخام الحيوية، وهو مبادرة طموحة لتسهيل مشروعات التكتل الإستراتيجية بشأن استخراج المواد الخام الحيوية وتكريرها ومعالجتها وإعادة تدويرها، ومن ثم تعزيز السيادة الإستراتيجية لأوروبا.

التحديات

يُعدّ المشهد الحالي محفوفًا بالتحديات، إذ يُعالج 90% من العناصر الأرضية النادرة و 60% من الليثيوم في الصين، ما يرسم صورة محفوفة بالمخاطر لأهداف إزالة الكربون في أوروبا؛ نظرًا لخطر الانزلاق إلى اعتماد أساسي جديد على مورد وحيد للسلع.

وتُعدّ احتياطيات أفغانستان المحتملة البالغة 60 مليون طن من النحاس، و 2.2 مليار طن من خام الحديد، و 1.4 مليون طن من العناصر الأرضية النادرة ومكامن كبيرة من الألمنيوم والذهب والفضة والزنك والزئبق والليثيوم -بقيمة تريليون دولار- آفاقًا محيرة إضافية.

وتتصدر الصين، بسبب التركيز الشديد على الميزة الجيوإستراتيجية، هذا السباق، وتتحدى التحول الأخضر في أوروبا من خلال تقييد تصدير مادتين مهمتين – الغاليوم والجرمانيوم.

بالإضافة إلى ذلك، فإن التدافع نحو أفريقيا، الذي يُطلق عليه بالعامية “سكرامبل 2.0” قد بدأ، إذ إن تحول الطاقة والثورة الرقمية يستلزمان تدفقًا هائلًا من المعادن المستخرجة حديثًا والعناصر الأرضية النادرة.

ومن المثير للقلق أن 98% من إمدادات المعادن الأرضية النادرة في أوروبا تأتي من الصين، ما يكشف عن تبعية صارخة تسعى أوروبا -حاليًا- لمواجهتها.

ويوضح الرسم التالي -الذي أعدّته منصة الطاقة المتخصصة- استهلاك المواد الخام حسب الفئات الأساسية في الاتحاد الأوروبي (2000-2020):

استهلاك المواد الخام حسب الفئات الأساسية في الاتحاد الأوروبي (2000-2020)

المعادن الأرضية النادرة في الدول الإسكندنافية

يظهر بصيص أمل لدى الدول الإسكندنافية، فقد أعلنت شركة التعدين السويدية “إل كيه إيه بي”، المملوكة للدولة، اكتشاف أكثر من مليون طن متري من أكاسيد المعادن الأرضية النادرة في مدينة كيرونا بداية يناير/كانون الثاني، ما يمثّل أكبر مكمن معروف في أوروبا.

وتُعدّ المعادن الموجودة جزءًا جوهريًا لعمليات التصنيع المختلفة عالية التقنية، وتُستعمل في السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والأجهزة الإلكترونية المحمولة ومكبرات الصوت.

تهدف شركة “إل كيه إيه بي” إلى إنشاء منطقة صناعية دائرية بتكنولوجيا جديدة لاستخراج ومعالجة هذه العناصر، لكنها تحذّر من أن تعدين المكامن وطرحها في السوق قد يستغرق 10-15 عامًا.

صخور الفوسفات

إلى الشمال من السويد، من المتوقع أن تلبي مكامن كبيرة تحت الأرض من صخور الفوسفات عالية الجودة في النرويج، التي يُطلق عليها اسم “المكامن الأكبر” في العالم، الطلب العالمي على الأسمدة والألواح الشمسية وبطاريات السيارات الكهربائية للقرن المقبل.

ويُستعمل الفوسفور، وهو مكون أساسي من هذه الصخور، في صناعة الأسمدة وفي تصنيع الألواح الشمسية وبطاريات الليثيوم والحديد والفوسفات لتصنيع السيارات الكهربائية والرقائق وشرائح الحاسوب.

وتمثّل هذه المنتجات المجموعة التي أعدّتها المفوضية الأوروبية حيوية من الناحية الإستراتيجية لمكانة أوروبا في التحول الرقمي والتصنيع الأخضر.

ويقدّر حجم صخور الفوسفات بما لا يقلّ عن 70 مليار طن.

في السياق العالمي، يتوازى هذا بشكل وثيق مع 71 مليار طن من الاحتياطيات العالمية المؤكدة المعتمدة لدى هيئة المسح الجيولوجي الأميركية في العام السابق 2021.

من حيث الحجم الهائل، توجد أكبر مخزونات لصخور الفوسفات في جميع أنحاء العالم داخل حدود الصحراء الغربية في المغرب، بثروة تُقدَّر بنحو 50 مليار طن.

وفي أعقاب ذلك، عُثر على مكامن كبيرة أخرى متناثرة في جميع أنحاء الصين، تمثّل 3.2 مليار طن، ومصر 2.8 مليار طن، وتمتلك الجزائر 2.2 مليار طن، وفقًا لتقديرات السلطات الأميركية.

لإعطاء بعض السياق لأهمية هذه الأرقام، يوجَّه ما يقرب من 90% من العائد العالمي من صخور الفوسفات المستخرجة نحو القطاع الزراعي.

ويخدم هذا في المقام الأول إنتاج الفوسفور، وهو مكون حيوي لصناعة الأسمدة الذي لا يوجد بديل له في هذه المرحلة.

وتؤكد هذه المعطيات الأهمية الإستراتيجية لهذه المعادن في الاقتصاد العالمي والصناعات التي تدعمها.

ويوضح الرسم التالي -الذي أعدّته منصة الطاقة المتخصصة- أكبر مصدري المواد الخام الحرجة إلى الاتحاد الأوروبي:

أكبر مصدري المواد الخام الحرجة إلى الاتحاد الأوروبي

الافتقار إلى قدرة معالجة المعادن الأرضية النادرة

على الرغم من أن هذه التطورات تعكس أفقًا واعدة، فإن أوروبا تفتقر -حاليًا- إلى القدرة الكاملة على معالجة المعادن الأرضية النادرة وتصنيع المنتجات الوسيطة.

وقد يتطلب ذلك شراكة أوثق مع دول مثل أستراليا، أكبر منتج لليثيوم في العالم ومصدر مهم للكوبالت والمعادن الأرضية النادرة.

في المقابل، يمكن أن تؤدي الموافقات السريعة والأطر التنظيمية الداعمة، كما يتضح من نهج الحكومة النرويجية تجاه مشروعات المواد الخام الهامة، دورًا حاسمًا في تسريع سعي أوروبا إلى السيادة على الموارد.

لذلك، يجب تحقيق توازن بين تسريع استخراج المعادن وضمان حماية المصالح البيئية والتنوع البيولوجي، التي غالبًا ما تهددها مثل هذه الأنشطة.

قانون المواد الخام الحيوية الأوروبي

صنّف الاتحاد الأوروبي، في قانون المواد الخام الحيوية الذي اقترحه مؤخرًا، صخور الفوسفور والفوسفات على أنها معادن “حيوية” ولكن ليس كونها معادن “إستراتيجية”، التي تخضع لمعيار إنتاج محلي بنسبة 40% وقواعد ترخيص سريعة المسار.

في مجال المواد الخام، يصنّف الاتحاد الأوروبي المواد الخام إلى 3 فئات متميزة: إستراتيجية تضم 25 مادة، وحيوية تتكون من 25 مادة أخرى، وغير حيوية تشمل 37 مادة أخرى.

ويعتمد هذا التصنيف المتدرج على مؤشر مخاطر العرض، كما أوضحته المفوضية الأوروبية في عام 2023، مع تعداد كل فئة للمواد بترتيب تنازلي للمخاطر المرتبطة بها.

عند التحليل، يتبين أن المادة الخام الأكثر استعمالًا هي الألمنيوم، التي تظهر في جميع التقنيات الـ15 التي قُيِّمَت.

في أعقاب ذلك، وجد الاتحاد الأوروبي أن النحاس والنيكل، إلى جانب معدن السيليكون، مستعملَين في 14 تقنية، يليها المنغنيز، الذي أدى دورًا مهمًا في 13 تقنية جرى مسحها.

توفر هذه الرؤى المستندة إلى البيانات بشان أنماط استعمال هذه المواد الخام الفرصة لفهم إستراتيجيات الاتحاد الأوروبي الاستثمارية والتخطيط لها بشكل إستراتيجي، ومن ثم ضمان نظام بيئي صناعي أكثر مرونة ومقاوم للمستقبل.

تجدر الإشارة إلى أن هذا التصنيف قد يتطلب إعادة تقييم للتكيف مع المشهد المتغير باستمرار في سوق المعادن والعناصر الأرضية العالمية.

يمكن أن يكون الترخيص هو نقطة الارتكاز التي تقلب التوازن في قطاع التعدين، إذ يستغرق في المتوسط ما بين 10 و15 عامًا من الاستكشاف إلى أول استخراج تجاري للفلزات.

ويسعى قانون المواد الخام الحيوية المقترح، الذي يخضع -حاليًا- للدراسة في البرلمان الأوروبي والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، إلى تعزيز أمن التوريد لهذه المعادن من خلال المراقبة الصارمة لمخاطر التوريد، وتسهيل الوصول إلى التمويل، وتبسيط عملية الترخيص عبر نهج “متجر الشباك الواحد” للمشروعات الواقعة داخل الاتحاد الأوروبي.

ويمكن أن يؤثّر الاعتماد النهائي لهذا التشريع، المتوقع في وقت لاحق من العام، بشكل كبير في مكانة أوروبا بسوق المعادن العالمية.

ويمكن أن تصبح هذه التطورات عوامل تغيير قواعد اللعبة بالنسبة لأوروبا، نظرًا لاعتمادها الكبير على الصين في المعادن الأرضية النادرة وإمداداتها المعدنية.

إضافة إلى ذلك، فإن إزالة الكربون لا تعني فقط ظهور الطاقة النظيفة، بل زيادة كبيرة في استخراج ومعالجة مجموعة متنوعة من المعادن والعناصر الأرضية النادرة.

وقد عُثر على العديد من هذه الموارد في مناطق الصراع، ما يشير إلى زيادة المنافسة على هذه الأصول الثمينة.

اعتماد أوروبا على الذات

جوهريًا، يعدّ مسعى أوروبا للاعتماد على الذات في توريد المواد الخام الحيوية والعناصر الأرضية النادرة أمرًا محوريًا في تحولها الأخضر والتحول الرقمي.

وتُعدّ الشراكات الإستراتيجية وممارسات التعدين المستدامة وسياسات التفكير المستقبلي ضرورية للتنقل في هذا المسار.

ويجب أن يكون المستثمرون ومديرو صناديق التحوط والرؤساء التنفيذيون على دراية بهذه الديناميكيات وتكييف إستراتيجياتهم وفقًا لهذا المشهد سريع التطور.

إن السباق قائم بالفعل، وقدرة أوروبا على تأمين إمدادات ثابتة من هذه المواد الحيوية يمكن أن تحدد مستقبلها في عالم متقدم رقميًا ومحايد كربونيًا.

* فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.

ترجمة نوار صبح

المصدر: منصة الطاقة




تجارة الغاز المسال العالمية تسجل رقمًا قياسيًا جديدًا في 2022

حقّقت تجارة الغاز المسال العالمية طفرة قياسية خلال العام الماضي (2022)، بسبب تداعيات أزمة الطاقة التي أحدثتها الحرب الروسية الأوكرانية المندلعة منذ فبراير/شباط 2022، وما زالت مستمرة حتى الآن.

وأظهرت بيانات تحليلية حديثة نمو تجارة الغاز المسال عالميًا خلال العام الماضي، لتسجل مستوى قياسيًا عند 51.7 مليار قدم مكعبة يوميًا، بزيادة 5% مقارنة بعام 2021، وفقًا لتقرير صادر عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية، اليوم الثلاثاء 5 يوليو/تموز 2023، استنادًا إلى بيانات شركة سيدغاز (Cedigaz) المتخصصة.

وأسهمت إضافات قدرة إسالة الغاز الجديدة في الولايات المتحدة في دفع تجارة الغاز المسال العالمية إلى النمو خلال العام الماضي، مستفيدة من الفراغ الذي أحدثه انقطاع الغاز الروسي عن أوروبا، وفقًا لما رصدته وحدة أبحاث الطاقة.

وزاد الطلب على الغاز المسال في أوروبا بصورة كبيرة لنقص الغاز الروسي، ما أدى إلى انتعاش تجارة الغاز المسال العالمية وزيادة التنافس مع آسيا، الوجهة الأساسية للغاز المسال تاريخيًا.

ارتفاع صادرات الغاز المسال الأميركية 16%

ارتفعت صادرات الغاز المسال الأميركية إلى 10.2 مليار قدم مكعبة يوميًا خلال عام 2022، بزيادة 16% (تعادل 1.4 مليار قدم مكعبة يوميًا) عن العام الماضي (2021).

وتُعد هذه الزيادة في الصادرات الأميركية الأكبر بين جميع الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال، بما في ذلك قطر وأستراليا، أكبر المصدرين عام 2022.

وأصبحت الولايات المتحدة المصدّر الأول للغاز المسال في العالم بعد تشغيل محطة الإسالة الجديدة “كالكاسيو باس” في ولاية لويزيانا خلال النصف الأول من عام 2022.

وكادت الولايات المتحدة تستكمل العام متقدمة على منافساتها، إلا أن إغلاق محطة فريبورت جاء بنتائج عكسية أدت إلى انخفاض الصادرات الأميركية خلال النصف الثاني من 2022.

قطر وأستراليا تحتفظان بالصدارة 2022

شهدت تجارة الغاز المسال العالمية احتفاظ قطر وأستراليا بمواقعهما القيادية بصفتهما أكبر مُصدّرين عالميين للغاز المسال عام 2022، وفقًا لما رصدته وحدة أبحاث الطاقة.

وبلغ متوسط صادرات قطر من الغاز المسال 10.5 مليار قدم مكعبة يوميًا، في حين بلغ متوسط صادرات أستراليا 10.4 مليار قدم مكعبة يوميًا، بفارق بسيط عن الدوحة.

ويوضح الرسم التالي -من إعداد وحدة أبحاث الطاقة- تطور المنافسة بين قطر وأستراليا والولايات المتحدة عام 2022:

صادرات قطر من الغاز المسال مقارنة باميركا وأستراليا

على الجانب الآخر، زادت صادرات الغاز المسال من المصدرين الآخرين مجتمعين (ماليزيا والنرويج وترينيداد وتوباغو وروسيا وعمان وغينيا الاستوائية) بمقدار 1.3 مليار قدم مكعبة يوميًا خلال عام 2022.

ونجحت النرويج في زيادة صادراتها من الغاز الطبيعي عبر خطوط الأنابيب إلى أوروبا، لتصبح أكبر مورد غاز عبر الأنابيب للقارة خلال عام 2022، كما عادت محطة هامرفست للغاز المسال إلى الخدمة في مايو/أيار 2022، لتعزز صادراتها من الغاز المسال.

بينما انحفضت صادرات الغاز الطبيعي المسال من الجزائر ونيجيريا معًا بمقدار 0.5 مليار قدم مكعبة يوميًا، مع استمرار مشكلات الإنتاج المحلي للغاز الطبيعي في البلدين.

هذا بالنسبة إلى خريطة المصدرين، أما بالنسبة إلى مناطق الاستيراد، فقد شهدت أوروبا (شاملة تركيا) أكبر زيادة في واردات الغاز المسال على مستوى العالم خلال العام الماضي.

خريطة أكبر المستوردين للغاز المسال 2022

ارتفعت واردات أوروبا من الغاز المسال بنسبة 65% (6.5 مليار قدم مكعبة يوميًا) خلال عام 2022، مقارنة بمستوى الواردات في العام السابق (2021)، ما أدى إلى انتعاش تجارة الغاز المسال العالمية.

ويوضح الرسم التالي -من إعداد وحدة أبحاث الطاقة- خريطة أكبر مصدري للغاز المسال إلى أوروبا عام 2022:

واردات أوروبا من الغاز المسال في 2022

بينما انخفضت واردات الغاز المسال في آسيا بنسبة 9% (3.2 مليار قدم مكعبة يوميًا) خلال العام الماضي، تليها أميركا اللاتينية التي خفضت وارداتها بنسبة 34% (0.8 مليار قدم مكعبة يوميًا) مقارنة بعام 2021.

وتُظهر البيانات من جانب آخر، زيادة واردات دول الاتحاد الأوروبي الـ27 والمملكة المتحدة من الغاز المسال بنسبة 73% (6.3 مليار قدم مكعبة يوميًا) خلال العام الماضي، لتحل محل واردات خطوط الأنابيب من روسيا.

وجاء أغلب زيادة الواردات من 5 دول أوروبية وهي (فرنسا والمملكة المتحدة وإسبانيا وهولندا وبلجيكا)، بمقدار 5.4 مليار قدم مكعبة يوميًا، ما يمثّل 85% من إجمالي الزيادة على مستوى دول الاتحاد الأوروبي عام 2022.

اليابان تستعيد الصدارة من الصين

على مستوى آسيا، كانت اليابان أكبر مستورد للغاز المسال تاريخيًا حول العالم، إلى أن تجاوزتها الصين عام 2021، لكن لم تلبث طوكيو قليلًا حتى استعادت مكانتها كونها أكبر مستورد عام 2022.

وأسهمت عوامل عدة في انخفاض واردات الصين من الغاز المسال، من أبرزها السياسات المحلية الخاصة بالإجراءات الاحترازية من فيروس كورونا، وزيادة وارداتها من الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب، إلى جانب زيادة استهلاك الفحم في توليد الكهرباء.

ولم تكن الصين وحدها من خفّضت مشترياتها من الغاز المسال خلال العام الماضي، وإنما تبعها في ذلك عدة دول آسيوية أخرى كانت تعتمد على الأسواق الفورية للغاز المسال ثم أحجمت عن زيادة الواردات بسبب اشتعال الأسعار الفورية للغاز وبلوغها مستويات قياسية خلال 2022.

وجاءت الهند وباكستان وبنغلاديش على رأس هؤلاء، إذ انخفضت وارداتها المجمعة من الغاز المسال بنسبة 18% (0.9 مليار قدم مكعبة يوميًا) في عام 2022، مقارنة بمستويات العام السابق له (2021).

كما شهدت البرازيل أكبر انخفاض في واردات الغاز المسال على مستوى أميركا اللاتينية، لتنخفض مشترياتها بنسبة 70% (0.6 مليار قدم مكعب يوميًا)، وفقًا لبيانات رصدتها وحدة أبحاث الطاقة من تقرير إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

ويرجع السبب الرئيس في هذا الانخفاض الحاد، إلى انتعاش إسهام الطاقة الكهرومائية في توفير الكهرباء على مستوى البلاد، ما أدى إلى خفض الطلب على الغاز في قطاع التوليد.

المصدر: منصة الطاقة




النظام المصرفي السوداني مشلول… والرواتب للجنود فقط

للشهر الرابع على التوالي… الحكومة عاجزة عن تقديم الخدمات… والفقر يدق الأبواب

تُتداول على نطاق واسع دعوات لأصحاب محلات البقالة في الأحياء للسماح لزبائنهم بالاستدانة، على حساب رواتبهم التي لم يقبضوها طوال ثلاثة أشهر، أي منذ اندلاع الحرب في البلاد، فيما ازدحمت وسائط التواصل الاجتماعي باستغاثات عاملين محتاجين، لأن رواتبهم لم تُصرف، ويجدون أنفسهم عاجزين عن البقاء في منازلهم بسبب القتال، أو مغادرتها إلى حيث يتوفر لهم الأمان وربما الغذاء، فيما لا يزال النظام المصرفي متعثراً، ما حال ويحول دون وصول حتى القادرين إلى أرصدتهم لتسيير شؤون حياتهم.

وقال أحد تجار البقالة، في صفحته على «فيسبوك»، إن متجره خلا من السلع، ونشر صورة للمحل ورفوفه خالية، ما عدا بعض كراريس المدارس وأكياس ملح الطعام. وأضاف: «كل السلع التي كانت في المحل قبل الحرب استدانها زبائني على أمل تسديد قيمتها بعد تسلم رواتبهم، لكنّ الرواتب لم تأتِ»، مؤكداً أنه غير نادم، لأنه فعل ذلك لوجه الله.

وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم وزارته عاجزة (رويترز)

ويشكو الكثير من ذوي المداخيل المحدودة من سوء أوضاعهم، كما يشكو مَن استطاع منهم الفرار بعيداً عن الحرب، من العجز عن توفير مسكن لأسرته بسبب الإيجارات الباهظة التي يطلبها ملاك المنازل في مدن النزوح أو حتى القرى، والتي تراوحت بين ما يعادل ألف دولار وألفي دولار. وشوهد كثيرون منهم وهم يبيعون كل ما يمكن أن يباع، لتوفير لقمة طعام لطفل صغير يصرخ من الجوع

الموظفون بلا رواتب

ولم يقبض كل موظفي الدولة رواتبهم منذ اندلاع حرب الجنرالين في السودان في 15 أبريل (نيسان) الماضي. ومرت حتى الآن ثلاثة أشهر ودخل الشهر الرابع، ولا تزال الرواتب في رحم الغيب، وبدا واضحاً عجز الدولة عن الإيفاء بالتزاماتها تجاه العاملين في أجهزتها.

كما أسهم تعطل وشلل النظام البنكي والمصرفي، بما فيه «بنك السودان المركزي»، في تعقيد الأوضاع بالنسبة للمواطنين كافة، وتأثر به حتى من يملكون مدخرات في حساباتهم في البنوك، فأصبحوا هم الآخرون معوزين رغم ثرائهم.

وقال مصدر في بنك السودان لـ«الشرق الأوسط» إن العاملين في البنك المركزي نفسه لم يقبضوا رواتب الأشهر الثلاثة الماضية، وإن كل ضغوطهم لم تثمر سوى دفع إدارة البنك ما أطلقت عليه «حافز العيد»، وهو أقل من راتب شهر واحد.

الحرب في العاصمة السودانية الخرطوم عطلت تقديم الخدمات (أ.ف.ب)

وأوضح المصدر أن البنك لم يصرف أي مرتبات سوى مرتبات ضباط وجنود الجيش، وأموال تسيير بعض المنشآت الحساسة. وقال: «رئاسة بنك السودان وفروعه في الخرطوم معطلة بشكل كامل، ولا يعمل سوى بعض فروعه خارج الخرطوم».

أسباب الشلل

وعزا المصدر شلل الجهاز المصرفي، الذي رافقه شلل المتعاملين معه، إلى توقف النظم الإلكترونية في البنوك، وقال: «عادت البنوك وبنك السودان إلى أسلوب العمل اليدوي عن طريق الدفاتر والمستندات الورقية، بعد أن تعطلت كل نظمها الإلكترونية»، مؤكداً أن النظام الإلكتروني لبنك السودان المعروف بـ«سراج»، تعطل كلياً. وقال: «نظام سراج يربط المصارف بعضها ببعض وببنك السودان، على مستوى حسابات رئاساتها. كذلك تعطل نظام التسويات بين البنوك، والمقاصة الإلكترونية، وتوقف محول القيود القومي، وتبعاً له تعطلت الصرافات الآلية وبطاقات الصرف الآلي ونقاط البيع الإلكترونية».

وأسف المصدر المصرفي لفشل النظم الإلكترونية للمصارف السودانية، وعزاه لعدم اهتمامها بتوفير نسخ بديلة (Backup)، وأضاف: «بنك السودان يدير الآن عملياته بواسطة تطبيق التراسل (واتساب)، لأنه لا يملك نظاماً لإدارة عملياته من خارج فرعه الرئيسي الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع». وتابع: «لا يملك بنك السودان مركزاً للمعافاة من الكوارث لاستخدامه في حالة فشل النظام، رغم وجود مقترحات سابقة لم تنفَّذ بعمل نسخة احتياطية بعيداً عن الرئاسة في بورتسودان أو ودمدني».

ولم تتعرض رئاسة البنك المركزي في منطقة المقرن، غربي الخرطوم، لعمليات تخريب، بيد أن المصدر قال: «فُرضت عليها حراسة قوية، ويُمنع أي شخص من دخولها»، مؤكداً توقف عمل فرع الخرطوم الذي تعرض لحريق وتعطلت معه شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية، وخدمات المقاصة الإلكترونية ومحول القيود القومي.

وبسبب عدم وجود نسخة احتياطية، فإن انتقال محافظ بنك السودان إلى مدينة بورتسودان (أقصى شرق البلاد) وإدارة عملياته من هناك عبر تطبيق «واتساب»، لن يحل أزمة الرواتب أو يسهم في استفادة المودعين من مدخراتهم.

سودانيون وأجانب هاربون من المعارك في العاصمة الخرطوم (أ.ف.ب)

وكشف المصدر ورود تعليمات من وزير المالية بعدم صرف أي رواتب، وأن وزارته أوقفت تغذية حساباتها، وقال: «لا توجد مرتبات للعاملين في الدولة، والجهة الوحيدة التي تصرف مرتباتها هم ضباط وأفراد الجيش، الذين يتسلمون رواتبهم بشكل سائل (كاش)».

لكنّ المتحدث باسم وزارة المالية، أحمد الشريف، نفى في حديث هاتفي مع «الشرق الأوسط» صدور تعليمات من وزارته بعدم صرف الرواتب، وقال إنه لا يملك في الوقت الحالي معلومات عن متى سيتم صرف الرواتب، لأن الوزارة في إجازة، والوزير والوكيل غير موجودين حالياً.

ونقلت مصادر صحافية في وقت سابق أن وزير المالية، جبريل إبراهيم، وعدداً من كبار مساعديه وطاقمه في الوزارة، غادروا البلاد إلى مصر لقضاء عطلة عيد الأضحى.

وعزا الشريف عدم صرف الرواتب للأشهر الثلاثة الماضية إلى الأوضاع التي تعيشها البلاد بسبب الحرب، وقال: «لا توجد إيرادات كافية لدفع المرتبات بسبب الحرب». لكنه توقع حلاً قريباً لأزمة الرواتب لم يحدد مداه الزمني.

ومع انقضاء شهر يوليو (تموز) الجاري، يكون السودانيون قد قضوا «ثلث عام» من دون رواتب، ولا أحد يعرف كيف يديرون أمورهم، كما قضاه آخرون وهم يتكدسون أمام المصارف والبنوك من أجل الحصول على بعض مدخراتهم، راسمين لوحة فقر تبعث على الأسى.

أحمد يونس

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




8 أسباب وراء إمكانية نجاح السوداني في إدارة عراق مضطرب

رغم أن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أتى على خلفية حكومة مصطفى الكاظمي ذات الطابع المؤقت، والتي أتت بدورها بعد ظروف سياسية وشعبية شديدة التوتر والاضطراب انتهت بإطاحة رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية عام 2019، فإن أوضاع العراق بوصفه بلداً مضطرباً منذ عقود طويلة باتت تشجع المراقبين المحليين على القول: «يبدو أن ملامح بلاد مستقرة نسبياً آخذة في التبلور، لكن من دون الإفراط في المبالغة».

ومنذ تولي السوداني مهمة رئاسة الوزراء نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تتمتع البلاد بهدوء نسبي غير مسبوق منذ نحو عقدين على مختلف المستويات، بيد أن هذا الهدوء يعود بشكل أساسي منه إلى مجموعة عوامل صادف أنها توفرت لحكومة السوداني وساهمت في توفير ما يمكن تسميتها بـ«البيئة الآمنة» لعملها خلال عمرها الممتد لأكثر من نصف عام بقليل.

بغض النظر عن تسلسل أهمية تلك العوامل بالنسبة للمراقبين المحليين، فإن الوفرة المالية التي تمتعت بها حكومة السوداني من بين أبرز عوامل الاستقرار النسبي؛ إذ إنها ورثت عن حكومة رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي احتياطياً نقدياً يقدر بأكثر من 90 مليار دولار، ونحو 130 طناً من الذهب، إلى جانب ارتفاع أسعار النفط التي وفرت 153 مليار دولار لصالح موازنة البلاد الاتحادية التي تعد الأضخم منذ عام 2003. هذه الوفرة المالية سمحت لحكومة السوداني بتعيين نحو 850 ألف موظف في القطاع العام، وما يعنيه ذلك من امتصاص النقمة الشعبية الناجمة رغم الكلفة الباهظة وانعكاسات ذلك السلبية على اقتصاد البلاد.

لعل من بين أهم الأسباب الأخرى التي سمحت بالاستقرار النسبي للأوضاع، هي حالة الهدوء التي يلتزمها التيار الصدري المنسحب من البرلمان (72 مقعداً)، نهاية أغسطس (آب) 2022، وخلافاً للتوقعات التي كانت تشير إلى إمكانية قيام التيار بقلب الطاولة على خصومه في قوى «الإطار التنسيقي» من خلال السيطرة على الشارع عبر مظاهرات حاشدة تتسبب بإسقاط الحكومة، التزم مقتدى الصدر وتياره مستوى عالياً من الهدوء رغم امتعاضه الشديد من تصرفات وتحركات خصومه «الإطاريين»، وضمنها إسنادهم منصب رئاسة الوزراء إلى محمد شياع السوداني.

ثمة من يرى أن الطابع الشخصي لرئيس الوزراء أحد الأسباب المساعدة، وخاصة مع عدم ميله للتصعيد ضد الخصوم وانحداره سياسياً من الداخل العراقي، خلافاً لمن سبقوه من رؤساء الوزراء الذين وفدوا إلى البلاد بعد سنوات من الغربة خارجها، وما يعنيه ذلك من قدرته على فهم التوجهات العامة للسكان.

وثمة من يرى أيضاً أن أهم عوامل الاستقرار النسبي، هو استناد حكومة السوداني إلى تحالف «إدارة الدولة» الذي يضم معظم القوى السياسية الشيعية والسنية والكردية، وتهيمن عليه ضمنياً قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية، وما يعنيه ذلك من تراجع معظم الهجمات العدائية ضد «المنطقة الخضراء» الرئاسية ومعسكرات الجيش وأرتال الدعم اللوجيستي لقوات التحالف الدولي، التي كانت تشنها الفصائل المسلحة المنضوية ضمن قوى الإطار.

وهناك من يتحدث عن تراجع حالة الاستقطاب الإقليمي كأحد الأسباب المهمة التي ساعدت على استقرار الأوضاع العراقية، ويرى أن التقارب مع سوريا في مسيرة التصالح التي حدثت بين المملكة العربية السعودية وإيران خلال الأشهر الأخيرة كلها عوامل مجتمعة صبّت لصالح حكومة السوداني، وسمحت لها بالتحرك بأريحية على المستوييْن الإقليمي والدولي.

كما أن التراخي الشعبي وعدم خروج مظاهرات واسعة النطاق كما حدث في عام 2019، عززا، حتى الآن، فرص الاستقرار في البلاد. يضاف إلى ذلك أن موجة جديدة من الاحتجاجات غير مستبعدة، لكن توقفها حتى الآن، منحت حكومة السوداني فسحة مناسبة للعمل بعيداً عن الانشغال بتطويق تداعيات أزمة من هذا النوع.

ورغم نجاح تنظيم «داعش» مؤخراً في شن بعض الهجمات العسكرية على نقاط للشرطة والجيش في محافظات غرب وشمال البلاد، فإن حالة الأمن والاستقرار في البلاد تسير بوتيرة متصاعدة، ولم تعد مسألة قدرة التنظيم على مهاجمة التجمعات المدنية قائمة، مثلما هي الحال مع أعمال العنف المسندة إلى أسس طائفية.

ومن بين أسباب أخرى، ربما أسهمت في حالة الهدوء التي تشهدها البلاد، استفادة حكومة السوداني من تحسن الخدمات ومنها وصول إنتاج الكهرباء خلال هذا العام إلى نحو 24 ألف ميغاواط، ما انعكس على شكل زيادة تجهيز المنازل والمؤسسات بالطاقة الكهربائية، وما يعني ذلك من تراجع حدة الغضب الشعبي، وتالياً مساهمة ذلك في استقرار البلاد بعد عقود طويلة من الاضطراب.

فاضل النشمي

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




المصارف تقود التعديلات على الـ158 والـ151: كذبة الـ«لا هيركات»

في الاجتماع ما قبل الأخير للمجلس المركزي لمصرف لبنان، تقرّر إصدار تعديلات على التعميمين 151 و158. لكن لم يُكشف عن هذه التعديلات، إلا بعدما عقد المجلس جلسته الأسبوعية أمس، باعتبار أن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، التقى جمعية المصارف في وقت ما بين الجلستين وتسلّم ردّها على التعديلات المنوي القيام بها. وبالفعل، أسقطت الجمعية بعض هذه التعديلات، ما يعني أن المصارف لا تزال، رغم إفلاسها، تقود القرارات التنظيمية في القطاع، وخصوصاً ما يتعلق بتوزيع الخسائر.

لذا، ما نوقش في اجتماعَي المجلس المركزي الأخيرين، لا أهمية له توازي النقاش الدائر بين الجمعية والحاكم. فالحاكم رياض سلامة المتهم بالاختلاس في الخارج، كان يرغب في نهاية عهده بالادّعاء بأنه وحّد سعر الصرف وخفّض الهيركات على الودائع. وهذا الأمر يفترض أنه سيدفع ودائع الدولار المصرفية (غير الفريش) على سعر «صيرفة» بدلاً من سعر الـ15 ألف ليرة القائم حالياً. لذا، اقترح تعديل التعميم 151 بما يتلاءم مع هذا الأمر. وكان هناك شبه اتفاق على ذلك في جلسة المجلس المركزي المنعقدة في 27 حزيران. إنما بعد اللقاء الذي حصل بين جمعية المصارف والحاكم، رفضت الجمعية الأمر باعتبار أن سحب الدولارات من المصارف على سعر «صيرفة» يتطلب مبالغ نقدية كبيرة بالليرة ويرتّب خسائر ضخمة على المصارف. واعتبرت الجمعية أن خطوة كهذه يجب أن تكون مغطّاة من مصرف لبنان، أي أن يموّلها مصرف لبنان لجهة الكتلة النقدية التي سيتطلّبها سحب الدولارات بسعر «صيرفة» الذي يساوي أكثر من خمسة أضعاف السعر القائم. كذلك رأت الجمعية أنه على مصرف لبنان أن يغطّي الخسائر التي ستترتّب على المصارف بسبب رفع سعر صرف دولار الوديعة، والانعكاسات السلبية لذلك على رساميل المصارف التي لم يبق منها سوى 12 مليار دولار (نظرياً قبل توزيع الخسائر في القطاع المالي)، أكثر من نصفها بالليرة اللبنانية. تقول مصادر مطّلعة، إن نواب الحاكم كانوا موافقين على هذه الخطوة رغم أنه كانت لدى بعضهم هواجس حول أثرها على الكتلة النقدية بالليرة، علماً أن بعضهم اقترح سابقاً زيادة سعر دولار الوديعة إلى ما بين 30 ألف ليرة و35 ألف ليرة. المهم، انتهى الأمر إلى إجراء تعديلات مختلفة تتيح لمصرف لبنان شراء الدولارات التي تشتريها المصارف من الزبائن بسعر 15 ألف ليرة لكل دولار.

الأمر نفسه تكرّر لجهة التعديلات على التعميم 158. كان التعميم يحدّد تسديد 400 دولار نقداً كل شهر، وإلى جانبها 400 دولار أخرى يتقاضاها المودع إجبارياً بسعر صرف حُدّد بـ15 ألف ليرة بعدما كان 12 ألف ليرة. وكان مصرف لبنان يموّل نصف هذه العملية بالدولارات النقدية، على أن يقع على عاتق المصارف النصف الثاني. وبحسب بيان أصدره مصرف لبنان في الأول من حزيران الفائت، فقد استفاد من التعميم 158 «نحو 180,976 عميلاً لغاية نهاية نيسان 2023، وبلغ المبلغ الإجمالي المدفوع لهؤلاء العملاء ما يوازي 1,778,604,896 دولاراً أميركياً، منها 889,474,488 دولاراً دُفعت نقداً مناصفة بين مصرف لبنان والمصارف».
في الواقع، كان نواب حاكم مصرف لبنان الأربعة، يرون أن هذا التعميم يفرض «هيركات» علنياً ومباشراً على الوديعة، لذا اقترح بعضهم أن يكون شقّ تقاضي الـ400 دولار بالليرة اللبنانية على سعر 15 ألف ليرة، شقّاً اختيارياً حتى يُلغى «الهيركات»، أو على الأقل يكون قد ألغي نظرياً بالنسبة إلى المودع. لكن هذا الأمر ستترتب عليه زيادة في عدد المنتسبين إلى التعميم 158، وبالتالي فإن القدرة على تغطية الزيادة من 180 ألف عميل إلى نحو 300 ألف عميل ستضع ضغطاً على سيولة المصارف النقدية بالدولار، علماً أن لديها أصلاً نقصاً في هذه السيولة وأن عدداً منها يعاني من نقص في تغطية «الودائع الفريش» بنسبة 100% كما هو مطلوب. ببساطة، المصارف دفعت في السنة الماضية نحو 445 مليون دولار لتطبيق التعميم 158، وهي لا تريد مضاعفة هذا المبلغ، لكنها لا ترفض إيهام المودعين بأن الهيركات توقّف.

توصّلت الجمعية إلى تسوية تقضي بإلغاء الشق اللبناني من التعميم 158، وبأن يُخفض المبلغ للمنخرطين الجدد في التعميم 158 من 400 دولار نقداً إلى 300 دولار نقداً، أي ما يُقدر بنحو 200 مليون دولار إضافية في السنة ستدفعها المصارف. وسمح مصرف لبنان للمصارف بتمويل كل المبالغ المدفوعة وفق التعميم 158 من السيولة الخارجية التي فرضها عليها بموجب التعميم 154 الذي حدّد أن تكون لدى المصارف سيولة لدى مصارف المراسلة توازي 3% من الودائع بالدولار وأمهلها لإعادة تكوين هذه السيولة حتى نهاية 2024.
إذاً، كسبت المصارف تحرير بعض من سيولة الـ3% لفترة مع مهلة لتكوينها تزيد على السنة، وكسبت أيضاً أنها مع الحاكم ونوابه سيدّعون أنهم أوقفوا الهيركات. عملياً، سيمنحون المودع مهما كانت قيمة وديعته، نحو 300 دولار نقداً مع الأمل بأنهم لن يشطبوا الآن مبالغ إضافية من مجموع الوديعة، لكنهم لا يضمنون أن يحصل ذلك، بل سيقع اتخاذ القرار على عاتق حاكم آخر. هي عملية ترويج بأنه «لا هيركات الآن»، وهي عملية تزوير لوقائع من أبرزها أن الخسائر في القطاع المالي تفوق 70 مليار دولار أي نحو 4 أضعاف ونصف الناتج المحلي الإجمالي، وبكلام أوضح هذه الخسائر توازي أربع مرات ما ينتج من كل النشاط الاقتصادي على مدار السنة.

محمد وهبة

المصدر: صحيفة الأخبار




الهيئة الصحية تطلق «نداء»: التدخل «عنوة» لعلاج الإدمان والأمراض النفسية!

منذ عام 2006، تقدّم الهيئة الصحية الإسلامية خدماتها لمكافحة آفّة المخدرات وعلاج الأمراض النفسية «بناءً على رغبة المريض في العلاج وطلبه التعافي»، بحسب المدير العام للهيئة عباس حب الله. أمس، أطلقت الهيئة مشروع «نداء»، الموجّه إلى هذه الشريحة من المرضى، ويقوم أساساً على «الإتيان بالمدمنين والمرضى النفسيين غير المستقرين رغماً عنهم إلى المستشفى في حال رفضوا العلاج، بعد موافقة الأهل والطبيب الذي يتابع حالتهم. ومن ثم التتبع المنزلي، أي متابعة كل حالة بعد خروجها من المستشفى في المراكز المختصة وفي المنزل للتأكد من خضوعها لجلسات العلاج النفسي وإعادة التأهيل».

عزمت الهيئة وتوكّلت بعدما «ظلّ إقناع المريض أو إلزامه على العلاج محل مراجعة في حزب الله في السنوات الماضية نظراً إلى صعوبة التدخّل»، كما قال رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله السيد هاشم صفي الدين خلال حفل إطلاق المشروع أمس في مركز بلدية الغبيري الصحي الاجتماعي. وهو يقتصر حالياً ضمن نطاق بيروت ويتضمن خطاً ساخناً (76111265). أما في ما يتعلق بالكلفة المادية المترتبة على الأهل فيؤكد حب الله أنها «مقبولة لأنّ مراكزنا مدعومة وهناك صندوق خاص لمساندة المرضى المتعثرين مادياً».
وتدير الهيئة ثلاثة مستشفيات لعلاج المدمنين والمرضى النفسيين، هي «الشفاء» التخصّصي في عرمون، وجويّا الرعائي، و«إحياء» في سوق الغرب، إضافة إلى سبعة مراكز متخصّصة بالأمراض النفسية ومعالجة الإدمان، و29 مركزاً للرعاية الصحية تقدم خدمات لتأهيل المدمنين والمرضى.
المشروع انطلق فعلياً قبل أكثر من سنة. ففي إحصاء أجرته الهيئة في مستشفى «الشّفاء» التخصصي تبيّن أنّ 16% من المرضى عام 2020 أُحضروا إلى المستشفى قسراً، مقارنة بـ 18% عام 2022، و33% في النصف الأول من العام الجاري. علماً أنها ليست كلّ حالات المرض النفسي تستدعي دخول مستشفى، و«هناك حالات مستقرّة تقدّم لها الهيئة خدمات منزلية». لكنّ هناك أمراضاً نفسية وعقلية قد تشكل خطراً على صاحبها وذويه والمحيطين به كالاضطراب الثنائي القطب، والفصام، والاكتئاب الحاد… «عندما يقوم المريض بممارسات عنفية، ويظهر ميولاً انتحارية يُصار إلى نقله إلى المستشفى حيث يمكث بين 15 و30 يوماً لإزالة السموم من جسمه قبل إخضاعه للتأهيل في مراكز متخصّصة، ويبقى تحت المراقبة لفترة طويلة قد تصل إلى أكثر من سنة». ويشير حب الله إلى «وجود أطباء يشخّصون كل حالة وعلى أساس ذلك نقرر التدخل»، مشيراً إلى أن الهيئة أخذت على عاتقها التدخّل لمكافحة آفّة المخدّرات «بعدما ارتفعت نسب التعاطي حوالي الضعفين خلال السنوات الأخيرة جرّاء الأزمة»، وإطلاق المشروع جاء «استجابة لانخفاض أعداد الموقوفين بتهم التعاطي والترويج والتجارة بعد انتشار جائحة كورونا واكتظاظ السجون، وفي ظلّ الأزمات المالية التي مني بها القطاع العام من وزارات وبلديات وقوى أمنية، والنقص في عديدها. كذلك استجابة لتداعيات الأزمة الاقتصادية، والتفلت الأمني الذي يفتح الباب أمام التجارة والترويج للمخدرات حتى صارت هناك سكّة تموين تشمل كلّ الأراضي اللبنانية، تؤمّن المواد المخدّرة عند الطلب، عدا عمليات النشل والسّرقة بداعي تأمين ثمنها».

صحيح أن هذه مسؤولية الدولة، ولا سيما وزارة الشؤون الاجتماعية لتأمين التأهيل والرعاية للمدمنين والمرضى النفسيين، ووزارتي الصحة والتربية لوضع برامج توعوية ضد المخدّرات ولا سيما لفئة الشباب، والبلديات، والأجهزة الأمنية، لكن، «ليس هذا هو الوقت المناسب لنحاسب الدولة على تقصيرها، لذلك سنتحمّل في حزب الله مسؤوليتنا المجتمعية». وشدّد صفي الدين على «أننا لسنا دولة ضمن دولة، بل مثلما أنشأنا مقاومة ضد الاحتلال عندما تخلّت الدولة عن الدفاع عنا وعن أراضينا ومنازلنا، نحمي اليوم مجتمعنا على قدر إمكاناتنا ما دامت الدولة غير قادرة على فعل ذلك».

زينب حمود

المصدر: صحيفة الأخبار




لا تجعلوا جريمة القرنة كجريمة تفجير المرفأ

لا يستقيم حال أبناء الأرياف على ما يجري التعامل معه في جريمة القرنة السوداء. الناس هناك ليسوا في قلب المعادلة كما تعرفها المدن. بل تتحكّم العادات والتقاليد بكثير من الأفعال. التسامح عندهم حقيقي، ويحسن استعماله لتعزيز التواصل الإنساني، وحتى التجاري والتعاوني، بين أبناء هذه المناطق. لكنّ العصبية عنصر مكوّن لشخصية هؤلاء، والتوتر إذا ما ترافق مع دماء، تكون الأهوال حاضرة. وفي حالة لبنان، سنجد من بين أصحاب القرار في المركز من يريد استغلال هذا التوتر، أو هذه الدماء لغايات أخرى.

عندما يصرخ أبناء تلك المنطقة مطالبين القضاء بمعالجة النزاع العقاري، فهم يعرفون عمّا يتحدثون. يدرك هؤلاء أن المشكلات الصغيرة التي تبدأ بين أطفال، تجد من يأخذها إلى حروب دموية تستمر آثارها لعقود أو حتى لقرون. لذلك، يجب التعامل بجدية كبيرة مع نداء الأب هاني طوق، بالمسارعة إلى حسم النزاع العقاري. ويفترض بالمسؤولين عن القضاء في لبنان، من مجلس قضاء إلى نيابات عامة، إلى قضاة متخصّصين، التفرّغ لمعالجة هذه الأزمة التي ترخي بظلالها على ملفات حامية كثيرة.

ولا يحق لوزير العدل أن يتحدث عن عقبات تحول دون إنجاز القاضي العقاري في الشمال ملفه. يمكن لمدعٍ أو مدّعىً عليه الحديث عن عقبات، لكن لا يمكن للقضاء أن يتحدث عن عقبات. وإذا نطق القضاء، وأشهر هذه العقبات يساعد في تجاوزها، لا البقاء في دائرة الخوف؛ وبالتالي عدم إصدار أحكام تحسم خلافات عمرها أكثر من مئة سنة.
وثمّة أمر مستعجل أيضاً، يتعلق بالتحقيقات الجنائية والأمنية لتشخيص ما حصل، وكيف قُتل الشابان من أبناء بشري، وبرصاص من. وهي أمور لا يمكن التزوير فيها متى قام المعنيّون بوظيفتهم. هي مسألة علمية، وهناك أدوات حديثة لتحديد ما حصل. وليس منطقياً أن يتأخر التحقيق كثيراً. والخشية ليست من تخلّف مهني يمنع الوصول إلى حقيقة واضحة، بل من خضوع البعض لضغوط أو أهواء، تجعل ملف القرنة شبيهاً بملف تفجير مرفأ بيروت، وعندها يجري الخلط بين الدوافع وحقيقة ما حصل.
اليوم، يريد أهالي بشري معرفة كيف قُتل اثنان من أبنائهم، ويريدون، كما أهالي بقاعصفرين والضنية، معرفة من أطلق النار، ويريد الجميع معرفة حقيقة الوجود المسلح الذي أدى إلى ما حصل، وحقيقة الاشتباك الذي قيل إن الجيش خاضه مع مسلحين. ولم يعد كافياً القول إنه لطالما كان هناك مسلحون في هذه المنطقة، وبعد سقوط الدماء، لم يعد ينفع الحديث عن أن الناس اعتادوا على حمل المزارعين ورعاة الماشية أسلحتهم معهم، خصوصاً أن النزاع على المياه يكفي لقلب دولة رأساً على عقب. فكيف والجميع يعرف أن ما يحصل منذ عام 2001 في تلك الزاوية شكّل حالة استنفار دائم.

حتى فكرة أن يكون الجيش اللبناني مسؤولاً عن مقتل أحد الشابّين، ليست أمراً عادياً، لكنها حدثت مرات كثيرة، مع الجيش ومع القوى الأمنية والعسكرية الأخرى التي قتلت مدنيين عن طريق الخطأ، أو ضمن سياق مواجهة مع مطلوبين للعدالة. والجمهور لا يحكم على الجيش أو على القوى الأمنية متى كان الأمر خارج النزاعات السياسية. بهذا المعنى، يجب على قيادة الجيش اللبناني المبادرة إلى أخذ القرار والكشف عن كامل معطيات ما حصل، وتحديد المسؤوليات العملانية، قبل أن يفرض على القضاء السير في إجراءات تقود إلى خلاصة حكم عادل.
من يراقب المشهد عن بعد، يتصرف وكأنّ الأمر عبارة عن مشكلة تحصل يومياً في كل لبنان. لكنّ العاقلين من أبناء تلك المنطقة يتحدّثون بجدية كبيرة عن مخاوف من تمييع التحقيقات وتأخير إعلان النتائج، ويشيرون إلى توتّر كامن لا يستبعدون أن يقود إلى تغليب الثأر على المحاسبة. وفي هذه الحال، سيكون من الصعب توقّع مآلات الأمور هناك.
اللافت في ما يحصل، هو الغياب التام لوزير الداخلية القاضي بسام المولوي عن المشهد، وهو ابن الشمال الذي يعرف خصوصية الأمر وحساسيته، وهو من يقود، من موقعه الوظيفي، جهازَين أمنيّين كبيرين هما فرع المعلومات والمديرية العامة للأمن العام، إضافة إلى قطعات قوى الأمن. وبدل أن ينشغل الوزير بمطاردة مغرّد انتقد حكومة في الجزيرة العربية، أو محاباة مرجعية دينية من خلال ملاحقة أصوات تعترض على رقابة غير مشروعة، وبدل أن يستعرض إنجازات لا يشعر بها المواطن المنهك يومياً، يجدر به الانتقال للإقامة في مدينته طرابلس، عاصمة الشمال، وتولّي إدارة هذا الملف، بجوانبه الأمنية والسياسية والاجتماعية والأهلية، وأن يقوم لمرة واحدة بدور يجعله يستحق الموقع الذي يشغله.

إبراهيم الأمين

المصدر: صحيفة الأخبار




غضب في فرنسا بعد تصريح لبرلماني عن المحتجين: رجعوا إلى أصولهم العرقية

اتُّهم رئيس كتلة يمينية في مجلس الشيوخ الفرنسي، الأربعاء، بالإدلاء بتصريحات “عنصرية فجّة” بعد قوله إنّ الشبّان الذين شاركوا في أعمال الشغب التي شهدتها البلاد، الأسبوع الماضي، والذين يتحدّر بعضهم من أصول مهاجرة، “رجعوا إلى أصولهم العرقية”.

وأدلى رئيس كتلة حزب الجمهوريين في مجلس الشيوخ برونو روتايو بهذه التصريحات لإذاعة “فرانس انفو”، في معرض تعليقه على أعمال الشغب التي اندلعت بعد مقتل الشاب نائل م. (17 عاماً) برصاص شرطي.

وقال روتايو إنّ هؤلاء الشبّان “هم حتماً فرنسيون، لكنّهم فرنسيون على بطاقة الهوية، ولسوء الحظ فبالنسبة للجيلين الثاني والثالث (من المهاجرين)،هناك ما يشبه العودة إلى أصولهم العرقية”.

وأثارت أعمال الشغب هذه دعوات لتشديد القيود على الهجرة، بينما أكّد وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان أمام البرلمان الثلاثاء أنّ 90% من الذين تمّ توقيفهم هم مواطنون فرنسيون.

وانتقد روتايو أيضاً خطط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتسريع دفع الأموال للسلطات المحلية للمساعدة في إعادة بناء ما تمّ تحطيمه من ممتلكات عامّة، قائلاً إنّ هذه المنشآت أُحرقت على أيدي “متوحشين”.

وأضاف: “هذه ضربة مزدوجة للشعب الفرنسي: لقد دفعنا ثمن بناء هذه المنشآت، والآن يتعيّن علينا أن نعيد بناءها لأن هؤلاء المتوحشين أضرموا النار فيها”.

ولقيت تصريحاته تنديداً من النواب.

وقالت النائبة ماتيلد بانو، رئيسة كتلة نواب حزب “فرنسا الأبية” اليساري في الجمعية الوطنية، إنّ تصريحات روتايو تنمّ عن “عنصرية فجّة”.

بدورها قالت النائبة كليمانتين أوتان إنّ “هؤلاء الناس الذين ينضحون عنصرية يتجرّأون على إعطاء دروس حول السلوك الجمهوري الجيّد”.

وشهدت فرنسا أعمال شغب ونهب وسرقة وتخريب وإضرام نيران إثر مقتل الشاب نائل م.

وتواصلت أعمال الشغب هذه في كثير من الأحياء الشعبية في البلاد.

وكان دارمانان، الوزير اليميني في حكومة ماكرون الوسطية، قال أمام البرلمان الثلاثاء: “لا نرغب بكراهية الشرطة، ولا بكراهية الأجانب”.

المصدر: صحيفة القدس العربي




رغم الدمار المهول.. مخيم جنين يلبس ثوب الانتصار.. وطوفان بشري يحجّ للمكان ويهتف: “كتيبة.. كتيبة”

غير عابئين بتحذيرات احتمال وجود وحدات القنص الإسرائيلية أو بقايا العبوات الناسفة ومخلفات الاحتلال اندفع آلاف المواطنين الفلسطينيين، في ساعات متأخرة من فجر اليوم، إلى مخيم جنين، وذلك بعد دقائق معدودة من اكتمال انسحاب وحدات الجيش الإسرائيلي، في عملية عسكرية استمرت نحو 48 ساعة، أطلق عليها اسم “البيت والحديقة”.

وعلى مدخل المخيم، وتحت أقواسه التي تعلوها رايات فصائل المقاومة وصور القادة والشهداء، ومن فوقها مفاتيح ضخمة ترمز للعودة، تجمع مئات الشبان الذين يرتدون قمصان سوداء اللون، وهناك رفعوا إشارات النصر بحماس منقطع النظير، وهتفوا بصوت واحد: “كتيبة..كتيبة”، وهي وحدة من أبرز مجموعات المقاومة التي تجمع مقاتلين فلسطينيين من مختلف الاتجاهات.

وبدل أن تقضي العملية العسكرية على مقاتلي الكتيبة وغيرها من المجموعات المسلحة، التي عملت على مواجهة قوات معززة من جيش الاحتلال على مدى يومين كاملين مثل: كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح، وكتائب القسام التابعة لحركة حماس، انتهت العملية بأكبر عملية شحذ للهم وأكبر حالة احتفاء واحتضان لمجموعات المقاومة.
وكان ليل المخيم طويلاً تماماً، كما هو حال اليومين الماضيين، لكن هذه المرة كانت الأسباب مختلفة، فأشد المتفائلين بصمود المقاومة وقدرتها على إفشال خطط الاحتلال ومراميه ما كان يتوقع نتيجة مماثلة كالتي حدثت في المخيم.

واعترض نشطاء ومقاومون على استخدام كلمة “انسحاب” من المخيم حيث فضلوا كلمات مثل: “جر أذيال الهزيمة والخيبة”.
وخرجت وحدات الجيش الاحتلالي التي قدرت بأكثر من ألفي جندي شارك بالعملية، مخلفة وراءها كميات مهولة من الدمار، حيث حرق المنازل وتجريف الشوارع وحراثتها وتدمير المنازل والسيارات.
وبسهولة يمكن ملاحظة حجم الدمار على مدخل المخيم الشرقي، لكن الدخول إلى أحياء مثل الدمج والحواشين التي شهدت أعنف المواجهات سيضع المشاهد أمام طبيعة المواجهات والفعل الإسرائيلي.
ونقل عن أحد المقاتلين المحسوبين على “كتيبة جنين” أن المواجهات كانت الأعنف، “كانت من باب لباب، غالبا ما كنا نتنقل والجنود يدخلون.. في كثير من المرات كان حائط واحد يفصلنا عنهم”.

وينقل المقاومون أحاديث بطولية وأسطورية عن عمليات المواجهة والكمائن التي أوقعوا فيها قوات الاحتلال، في حين تحدوا الجيش الإسرائيلي أن يعلن عن حجم خسائره.
وبسهولة يمكن رؤية بقع دماء ومعدات طبية استخدمها الجنود في أماكن متفرقة في مخيم جنين، فيما يطلب صبية صغار من وسائل الإعلام التوقف في الممرات والتقاط صور لها.
وعلق مقاتل آخر: “مش مهم الدمار، بتعوض لكن الأهم أن جميع المقاتلين لم يخدشوا أو يصابوا بأي أذى”.
ووصف مقاتل تعامل سكان المخيم مع المقاتلين قائلا: “لقد فتحوا لنا منازلهم، كنا نأكل ونشرب في المنازل وكأنها لنا، لم يقصروا أبدا.. كل الشكر لهذه العائلات”.

وبحسب أرقام مجموعات المقاومة، فإن عدد المقاومين الذين سقطوا خلال المواجهة لم يتجاوز الخمسة من ضمن 13 شهيدا سقطوا خلال اليومين الماضيين في المخيم أو على أطرافه.
وردد شبان وصلوا إلى الأحياء التي شهدت أعنف المواجهات جملة: “كله بتعوض” (في إشارة للخسائر المادية)، فيما رددوا مقولات إن المهم “أن رجال المقاومة بخير” و”لم يتم المساس بهم”، كما أراد الاحتلال من العملية العسكرية.
وتجول أهالي مخيم جنين ومواطنون قدموا من عموم البلدات والقرى المحيطة بالمخيم في أزقة المخيم في عملية معاينة للمكان الذي شهد أشرس المواجهات حيث وصفها مواطنون بأنها “اجتياح كبير”، وهي تعيد أحاديث معركة المخيم البطولية عام 2002.
وقبل ساعات من الانسحاب “المذل” خاض مقاومون أشرس المعارك داخل المخيم وعلى أطرافه، فيما استمرت الطائرات بالقصف واستقدمت وحدات إضافية لتأمين انسحابها، حيث سقط شهيدان في ساعات متأخرة من المساء.

وتوقع مراقبون أن تكون القوات القادمة من محور حاجز الجلمة من أجل تعزيز العملية العسكرية واستبدال الجنود، لكن تبيت بعد ساعات أنها جاءت بهدف حماية القوات المنسحبة.
وعلى مدخل المخيم وفي ساعات متأخرة التقط الصحافيون الصورة الأبرز التي تعكس ما يقوله الأهالي بأنه “الانتصار” حيث وقف شبان مقاومون ومؤيدون للمقاومة تحت قوس النصر على مدخل المخيم الرئيس، من أجل أخذ لقطة مماثلة لتلك اللقطة التي أخذها مجموعة من جنود الوحدات الخاصة على بوابة المخيم وأريد لها أن تكون بمثابة صورة للنصر.
وتماثل الصورة التي أخذها عشرات الجنود صورة مماثلة أخذها في وقت سابق مقاومون في كتيبة جنين وفي المكان نفسه، وتعني حماية المخيم.
وبحسب مراقبين، فإن النتيجة التي حصدها الاحتلال من حملته العسكرية كانت مناقضة تماما لما رغب وتمنى وعمل عليه.
وكان الجيش الإسرائيلي قد جلب في ساعات ما بعد عصر الأمس صحافيين إسرائيليين من أجل توثيق عملية السيطرة على المخيم والوصول إلى جميع مناطق المخيم جنين لتعزيز صورة الانتصار.
لكن مصادر عسكرية إسرائيلية نقلت بعد ذلك بساعات أن ما يحدث في المخيم هو أعنف الاشتباكات منذ بدء الهجوم على جنين.
وفي وقت سابق، اعترف رئيس أركان جيش الاحتلال اللواء هارتسي هاليفي، بالفشل في الوصول إلى مقاتلي المقاومة في مخيم جنين وقال إن الجيش سيلاحقهم في كل مكان.

أما بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية فقال في أثناء زيارته لمعسكر سالم العسكري القريب من جنين: “هذه العملية الموسعة لن تكون لمرة واحدة، وسيتم تكرارها كلما استدعت الحاجة”، ويناقض هذا التصريح تصريحات سابقة شددت على أن هدف العملية القضاء على المقاومة.
وأعلن جيش الاحتلال والشاباك في بيان مشترك مساء أمس العثور على أربعة معامل لتصنيع المتفجرات، وتفجير كمائن عبوات ناسفة، لكن محللين رأوا أن هذه مبالغة في الإنجازات وتتجاهل عدم تحقيق أي من أهداف العملية العسكرية.
وإلى جانب إسقاط طائرة مسيرة للاحتلال في جنين مساء أمس، وهي الطائرة الخامسة التي يتم إسقاطها في أقل من يومين، تمكن المقاومون من قتل ضابط إسرائيلي، وهو مستوطن في بيت إيل، اسمه دييفد اسحق وعمره (23) عاما.
واعتبر المقاومون أن قتل الضابط إلى جانب توثيق تفجير مجموعة من السيارات المصفحة الإسرائيلية بعبوات ناسفة خلال الانسحاب تحمل الرسالة الأهم في هذه المواجهة.

وحملت بيانات مجموعات المقاومة ما يعكس انتصارها، حيث قالت “كتيبة جنين” في بيان صحافي: “سطرت المقاومة الفلسطينية خلال معركة “بأس جنين” البطولية، أروع الملاحم والبطولة والفداء وكبّدت العدو خسائر فادحة على كل المستويات في جولة جديدة من صولات كتيبة جنين سيسجلها تاريخ شعبنا المقاوم بمداد من عزيمة وإصرار”.
وشكرت الكتيبة أبناء للشعب الصامد في مخيم جنين معتبرة أنهم “كانوا الحضن الدافئ والحصن المنيع للمقاومة خلال المعركة”.
وقالت كتائب القسام إن مخيم جنين وثواره يعطون الدرس القاسي للمحتل من جديد بأن الزمن لن يعود إلى الوراء، وأن ما ينتظر العدو أدهى وأمرّ، “ففاتورة الحساب ما زالت مفتوحة، وسنجعله يعض أصابع الندم على حماقاته بحق أقصانا وضفتنا وأسرانا”.
وشدد البيان أن جنين ستبقى عصية على الانكسار وستخرج من تحت الركام أصلب عوداً وأكثر تطويراً لسلاحها وتكتيكاتها.
واعتبر الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي زياد النخالة أن المقاومين في “بأس جنين” سجلوا انتصاراً كبيراً بهزيمة العدوان على جنين ومخيمها”.
ودعا النخالة إلى التكاتف الوطني من أجل تعزيز صمود مخيم جنين ليبقى عنواناً ملهماً للثورة والتحدي والجهاد والمقاومة.

سعيد أبو معلا

المصدر: صحيفة القدس العربي