1

هكذا أقصى السيسي العسكريين بعد الانقلاب.. وهذه طريقته للانفراد بالسلطة

تحل الذكرى العاشرة للانقلاب العسكري في مصر، في الثالث من تموز/ يوليو 2013، على الرئيس الراحل محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب بقيادة وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي، ولم يتبق من مشهد الانقلاب أحد من العسكريين الذين شاركوا في الانقلاب.

 لم يتوقف الانقلاب العسكري على السلطة المدنية فحسب، بل امتد إلى قيادات المؤسسة العسكرية التي ظهرت في مشهد بيان انقلاب تموز/ يوليو، أو التي كانت في الكواليس، وفي غضون سنوات قليلة استطاع السيسي إزاحة كل شركاء الانقلاب العسكريين.

لم يتبق من المجلس العسكري الذي حكم مصر بعد ثورة يناير 2011 حتى منتصف عام 2012، وكان يتكون من 21 من قادة القوات المسلحة المصرية، سوى اللواء ممدوح شاهين مساعد وزير الدفاع للشؤون الدستورية والقانونية، باعتباره رجل قانون محنكا.

ولاحقا انضم  اللواء أسامة عسكر للصورة، وتولى منصب قائد الجيش الثالث، وهو محسوب على الولايات المتحدة الأمريكية، بحسب بعض الصحفيين المصريين المقربين من النظام، ورغم أن العلاقة اتسمت بالضبابية إلا أنه تمت ترقيته أكثر من مرة حتى تمت ترقيته إلى منصب رئيس أركان القوات المسلحة، قبل أن تشير بعض التسريبات إلى استبعاده في تعديلات تموز/ يوليو المقبلة.

واستطاع السيسي أن يفرض سيطرته على المؤسسة العسكرية، وفق مراقبين، من خلال سن القوانين الخاصة بالجيش وتعديل الدستور المصري، واللجوء إلى سياسة الترغيب والترهيب والعصا والجزرة، وإحاطة نفسه بالعسكريين الذين تفرقهم الخصومة والمنافسة، ويجمعهم الولاء لشخص السيسي كما في علاقة مدير المخابرات العامة اللواء عباس كامل، ورئيس مكتب رئيس الجمهورية اللواء محسن عبد النبي.

 كيف يتخلص السيسي من قيادات العسكر؟

 طبقا للتعديلات التي أقرها السيسي في 13 حزيران/ يونيو 2021، فإن مدة بقاء رئيس أركان الحرب وقادة الأفرع ومساعدي وزير الدفاع في مناصبهم تم اقتصارها على سنتين بدلًا من 4 سنوات ما لم يقرر الرئيس مد خدمتهم فيها.

وقبل أيام نشرت “إيكونوميست”، تقريرا سلط الضوء على تلك النقطة تحديدا، وهي التخلص من شركاء الانقلاب، وتدوير المناصب العسكرية، وعزا التقرير هذا التقلب المستمر في قيادات المؤسسة العسكرية المصرية التي حافظت على رصانتها لعقود إلى “انعدام ثقة السيسي في جنرالاته”.

وأشار التقرير إلى أن “السيسي يقيم وظائفهم بانتظام، فقد يرغب في كبح طموح محمود حجازي، رئيس المخابرات السابق، وهو والد زوجة ابنه، ويُعتقد أن الرئيس ينام في مكان مختلف كل ليلة، فبعد كل شيء لديه ما يكفي من المنازل الفاخرة للاختيار بينها”.

السيسي ونظرية صفر احتمالات

 يرى رئيس لجنة الشؤون العربية والخارجية والأمن القومي بمجلس الشورى السابق، رضا فهمي، أن “السيسي لم يقص العسكريين فقط إنما أقصى كل من اقترب من السلطة سواء كان عسكريا أو مدنيا، فهو يتبنى نظرية “صفر احتمالات”؛ لا يترك فرصة لاحتمال حدوث أي شيء قد ينافسه، أو يشار إليه بالبنان، فضلا عن أنه يهدده، ورغم خلو الساحة من كل هؤلاء إلا أنه لا يترك فرصة لوجودهم”.

وأشار في حديثه لـ”عربي21″ إلى تصريحات السيسي عندما قال “اللي هيقرب من الكرسي أنا هشيله من على وش الأرض شيل، يتعامل مع كل قوة كأنها تهديد، كل من شاركوه في الانقلاب تخلص منهم بما فيهم وزير دفاعه وصديقه الذي حصنه دستوريا لمدة 8 سنوات، وحتى صهره الفريق محمود حجازي رئيس أركان القوات المسلحة، فهو فوق أي دستور”.

وعطف فهمي بالقول: “السيسي يعتقد أنه امتداد لثورة 52 يوليو، ولعل أكبر دليل على ذلك خلو مقر الخارجية المصرية من صورة الرئيس المدني الوحيد الراحل محمد مرسي، لقد اقتطع من تاريخ مصر أول انتخابات شعبية حرة نزيهة ومسحها من التاريخ حتى 30 يونيو، وهذا معناه أنه حتى القوى المدنية التي صعد على أكتافها سحقها ولسان حاله: بحثتم عن بطل لتخليصكم من حكم الإخوان المسلمين وأنا هذا البطل ولا فضل لأحد علي في وجودي هنا”.

بحسب فهمي فإن “سردية السيسي أنه امتداد لثورة 1952، ولا يوجد مدني مر على حكم مصر، ويعتبر الجيش فرس الرهان في البقاء في السلطة وحتى يصبح الجيش مواليا له يقوم بتدوير المناصب القيادية، ولا توجد قيادة عسكرية قادرة على خلق حالة خاصة بها وهو يعلم أن أقصى مدة له لا تتجاوز السنتين، فلا يفكر إلا في الاستفادة من منصبه بأي شكل”.

سياسة الاستعباد والاستبعاد

وفي سياق تعليقه على التحول المستمر في قيادات الجيش المصري وتركهم مناصبهم دون مقاومة، يرى رئيس المكتب السياسي في المجلس الثوري المصري، الدكتور عمرو عادل، “أنه ينبغي أن نتذكر أن من قام بالانقلاب العسكري هي ما تسمى المؤسسة العسكرية المصرية وليس السيسي وحده”.

 وأضاف لـ”عربي21″: “من طبيعة الأمور في الأنظمة المستبدة التفرد بالسلطة وعدم السماح لأي قوى من داخل النظام السلطوي ببناء شبكات قادرة على تغيير الرأس فهذه ليست صفة السيسي أو النظام المصري فقط ولكن هي سمة كل الأنظمة الاستبدادية”.

وأشار الضابط السابق بالجيش المصري، إلى أن “رأس السلطة يقوم بمساعدة مجموعة وثيقة الصلة بالانفراد بالسلطة وعدم تمكين أي شخص من بناء مصادر القوة وهذا ما يحدث منذ انقلاب 2013.. النظام المصري العسكري يسير بخطى ثابتة وواضحة في اتجاه الشمولية الكاملة وهذا ما نراه في تطبيق اختبارات العسكريين على وظائف المجتمع المدني”.

 وأعرب عادل عن اعتقاده بأن “هذا السياسة في الاستبعاد والتفرد والإزاحة والتي بدأت منذ انقلاب 2013، سوف تستمر  حتى الوصول إلى الذروة في الاستبداد ثم تأتي لحظة الانفجار الاجتماعي الذي سيقضي على النظام الحاكم وهذه أيضا حتمية  من حتميات التاريخ”.

محمد سندباد

المصدر: موقع عربي 21




تركيا تعلن اعتقال جواسيس لـ”الموساد” الإسرائيلي.. هذه مهامهم

كشفت وسائل إعلام تركية، تفاصيل القبض على عناصر يتبعون لجهاز “الموساد” الإسرائيلي، بينهم شبان يحملون جنسيات عربية.

وذكرت صحيفة “ديلي صباح” أن جهاز المخابرات التركي، نجح في تفكيك خلية كانت تدار عن بعد من قبل جهاز “الموساد” الإسرائيلي.

وأوضحت الصحيفة أن جهاز المخابرات نجح في تفكيك الخلية التي حرص الموساد على أن يكون عناصرها يتمتعون بدرجة عالية من الذكاء، ومهارات التتبع.

وأشارت إلى أن إجمالي من تم القبض عليه واعترف بالتعامل مع الموساد سبعة أشخاص، بعضهم أتراك وآخرون من جنسيات عربية.

ولفتت إلى أن كلا من “أحمد كوراي أوزغورن، ألبرين إركوت، خالد النبهين، جيزفان أموري، نزار سعد الدين، محمد موري، وخالد نجم، تم القبض عليهم في مدينة إسطنبول.

ولفتت إلى أن إجمالي من جرى تتبعهم ورصدهم في هذه العملية، هم 56 شخصا يرتبطون بتسعة خلايا للموساد.

مواقع وهمية
أشارت “ديلي صباح”، إلى أن المتهمين بالتعامل مع الموساد الإسرائيلي، قاموا بإنشاء مواقع وهمية باللغة العربية، بهدف جمع معلومات من السير الذاتية.

كما أنه جرى بطرق مختلفة، الوصول إلى مواقع سكن عدة شخصيات في إسطنبول، بالتنسيق والتعاون مع الموساد، وتحديدا مع تسعة ضباط في تل أبيب.

ولفتت الصحيفة إلى أن المتهمين استخدموا خلال عملهم أرقاما مزيفة من دول أوروبية، وشرق آسيوية، ووضعوها على واجهة المواقع الوهمية التي أنشأوها بهدف جر الراغبين بالتوظيف، أو الاستفسارات، وجمع أكبر قدر من المعلومات عنهم.

لبنان وسوريا
بحسب صحيفة “ديلي صباح” التركية، فإن عددا من الجواسيس العرب الذين جندهم “الموساد” كانوا في مهام سابقة بلبنان وسوريا.

وأوضحت أنه جرى تتبع عدد من الشخصيات الهامة في حزب الله اللبناني، وصولا إلى مبنى كانوا يرتادونه بمنطقة حارة حريك في بيروت.

وأشارت الصحيفة إلى أن الموساد بعث عددا من العناصر المقبوض عليهم إلى دول أخرى بهدف الحصول على دورات تدريب خاصة، ومتقدمة.

ونوه إلى أن دول ماليزيا وألمانيا وتايلاند والسويد، وغيرها، كانت حاضرة في هذه الأنشطة إذ تردد عليها عناصر “الموساد”.

استهداف قفيشة وشخصيات مصرية
كشفت الصحيفة، أن الشخصية الأبرز التي استهدفتها خلية “الموساد”، هي الأردني هشام يونس يحيى قفيشة، مالك شركة “Trend GYO” في إسطنبول.

وأوضحت “ديلي صباح” أن قفيشة الذي فرضت عليه الولايات المتحدة، عقوبات لاتهامه بتقديم دعم مالي لـ”حماس”، تمت سرقة هاتفه، وحاسوبه الشخصي، ووثائق أخرى من داخل منزله في منطقة باشاك شهير في إسطنبول.

واستهدفت شبكة “الموساد” صحفيا مصريا معارضا، وطبيبا مصريا يعمل في مركز في منطقة “الفاتح” بإسطنبول، إضافة إلى أحد مواطنيهم أيضا في مكتبة صرافة بمنطقة “أكسراي”.

يشار إلى أن الاستخبارات التركية أعلنت عن تفكيكها عدة خلايا للموساد الإسرائيلي خلال السنوات الماضية، آخرها الشهر الماضي، حيث أعلنت عن اعتقال أشخاص جواسيس لـ”الموساد” كانوا ينوون تنفيذ اغتيالات ضد شخصيات إيرانية على الأراضي التركية.

المصدر: موقع عربي 21




تبرعات سخية لعائلة الشرطي القاتل بفرنسا.. ماذا عن عائلة القتيل؟

تلقى الشرطي الفرنسي قاتل الشاب من أصل جزائري (نائل) تبرعات بما يقارب الـ 500 ألف يورو عبر الإنترنت. في ذات الوقت، بلغت التبرعات التي تم جمعها لوالدة الفتى المقتول، 76 ألف يورو، وفق وكالة “نوفستي” الروسية.

وكان تم نشر دعوة للتبرع تحت عنوان “دعم عائلة ضابط شرطة نانتير”، على موقع التبرع “Gofundme”، وخلال يومين تم جمع 493,166 يورو، بينما كان الهدف الأصلي جمع 50 ألف يورو. وشارك في حملة جمع التبرعات أكثر من 24 ألف شخص.

تم فتح قضية جنائية ضد الشرطي البالغ من العمر 38 عاما، بتهمة القتل مع سبق الإصرار، وهو حاليا في السجن بانتظار المحاكمة.

ولمساعدة والدة الفتى المقتول، تم على موقع “Leetchi” الإعلان عن جمع التبرعات، وخلال الفترة الماضية تم جمع 76,323 يورو. وشارك في الحملة ما يقرب من 5 آلاف شخص.

والثلاثاء الماضي، قتل أحد رجال الشرطة فتى يبلغ من العمر 17 عاما أثناء تفتيش على طريق في نانتير بالقرب من العاصمة باريس، بعد رفض الامتثال لطلب الشرطة. بعد ذلك اندلعت في عدد من المدن الفرنسية أعمال شغب لا تزال مستمرة منذ عدة أيام.

معلومات تروى لأول مرة

من جهة أخرى كشف صديق الفتى نائل المرزوقي تفاصيل اللحظات الأخيرة المرعبة.

وكان نائل خلال الواقعة برفقة اثنين من أصدقائه، في السيارة التي كان يقودها، لحظة توقيفه من جانب عناصر الشرطة الفرنسية، إلا أن أحد الصديقين فر مرعوبا من المكان بعد قتل نائل فيما الآخر ظل في السيارة.

ونفى صديق نائل بمقطع صوتي أنهم كانوا  تحت تأثير المخدرات أو الكحول حينذاك.

ويظهر صوت صديق نائل وهو يقول إنه يريد توضيح الكثير من الحقائق ودحض الشائعات والأكاذيب التي لاحقتهم خلال الأيام الأخيرة.

وأوضح أنهم استعاروا سيارة صفراء للقيام بجولة في المدينة، ولاحقتهم دورية شرطة مسرعة وحين أوقف نائل السيارة بناء على طلبهم، أمره شرطي بفتح النافذة، وطالبه آخر بالنزول من السيارة وضربه بعقب مسدسه”، ثم قال الشرطي الثاني للأول “أطلق النار عليه”.

وضرب الشرطي نائل مجددا بعقب مسدسه فاختلت حركته ورفع رجله عن دواسة الفرامل، فتحركت السيارة للأمام قليلا، فأطلق الشرطي الثاني النار مباشرة نحو نائل الذي ثقلت حينئذ قدمه على دواسة البنزين، لتتحرك السيارة بسرعة أكبر.

الضواحي الفرنسية المهمشة في أرقام

وسلطت الحادثة والاحتجاجات العنيفة الأضواء مجددا على الضواحي الفرنسية وخصوصا ما يسمى بالأحياء ذات الأولوية.

وفي ما يأتي أرقام رئيسية بشأن هذه الأحياء المحرومة:               

5.2 مليون

يعيش في فرنسا 5.2 مليون شخص في أحياء محرومة، أي حوالى 8% من السكان، وفق بيانات معهد الإحصاء الوطني (إنسي) للعام 2023.

وحدّدت الدولة 1514 حيا فقيرا في العام 2014، عرفت بأنها “الأحياء ذات الأولوية لسياسة المدينة”.

وتعتبر هذه الأحياء بمجملها مناطق سكنية واسعة في ضواحي المدن الكبرى أو مناطق صناعية سابقة أو أحياء بعيدة عن وسط مدن صغيرة ومتوسطة الحجم.

%23.6

ما يقرب من 23.6% من سكان هذه الأحياء لم يولدوا في فرنسا، مقارنة بـ10.3% في بقية البلد، وفق بيانات معهد الإحصاء الوطني للعام 2021.

وفي ضاحية سين-سان-دوني الباريسية ذات الكثافة السكانية العالية، وهي من الأحياء ذات الأولوية، يرتفع هذا المعدل إلى 30.9%، وفق بيانات “إنسي” للعام 2020.

20 ضعفا

ويرتفع احتمال تعرض شاب يُنظر إليه على أنه أسود أو عربي إلى تدقيق أمني بعشرين ضعفا عن غيره، وفق تقرير صادر العام 2017 عن هيئة “المدافع عن الحقوق” الفرنسية.

13,770 يورو

ويبلغ متوسط الدخل المتاح في الأحياء الشعبية 13,770 يورو سنويا لكل أسرة، أي 1147.5 يورو شهريا، مقارنة بـ21,730 يورو في المناطق المحيطة بها، وفق بيانات “إنسي” للعام 2020.

56.9 % 

ويعيش أكثر من نصف الأطفال الذين يقطنون هذه الأحياء في فقر (56.9% مقابل 21.2% في بقية فرنسا)، وفق معهد الإحصاء الوطني.

وبشكل عام، كان معدل الفقر في الأحياء الشعبية العام 2019 أعلى بثلاث مرات من أي مكان آخر في فرنسا، إذ يعيش 43.3% من سكانها تحت خط الفقر مقارنة بـ14.5% في بقية المناطق.

هذا، ويستفيد ربع سكان الأحياء الشعبية من “دخل التضامن النشط” والمساعدات الاجتماعية المستحقة للأشخاص الأكثر حرمانا، وهو ضعف المعدل في بقية فرنسا، وفق “المرصد الوطني لسياسة المدينة”.

%18.6

أما معدل البطالة فهو أعلى بكثير في الأحياء الشعبية. ففي العام 2020، كان 18.6% من القوى العاملة عاطلين عن العمل مقارنة بـ8% على المستوى الوطني، وفق “إنسي”.

%48

وفي الانتخابات الرئاسية لعام 2017، امتنع 48% من سكان هذه الأحياء البالغين عن التصويت، أو لم يسجلوا في القوائم الانتخابية، بحسب دراسة أجراها “معهد مونتين” العام 2020، فيما انخفضت هذه النسبة إلى 29% في بقية فرنسا.

12 مليار يورو

وقد استثمرت الوكالة الوطنية للتجديد الحضري نحو 12 مليار يورو في الأحياء الشعبية بين عامي 2004 و2020.

وفي 600 حي، تم هدم مجمعات سكنية ضخمة متهالكة وشيّدت محلها مبان منخفضة وأكثر انفتاحا على المدن.

شعار “حرية- مساواة- إخاء” لا ينطبق عليهم

من جهته قال الكاتب الصحفي  لاندرو هاسي إنه كان من الملاحظ أن مثيري الشغب لم يهاجموا مراكز الشرطة فحسب، بل هاجموا مباني البلديات ومكاتب الضرائب والمدارس، وأي مؤسسة عامة تابعة للجمهورية الفرنسية.

وأضاف في مقال نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية أن الغضب يتركز على كل ما تمثله الجمهورية الفرنسية، وشعارها الديمقراطي “الحرية والمساواة والإخاء”. ويقول إن السبب في ذلك هو أن جزءا كبيرا من السكان المهمشين في الضواحي يشعرون بأن هذا الشعار وهذا النموذج للدولة الديمقراطية لا ينطبق عليهم، ويخذلهم.

ينقل هاسي تعليق أحد سكان تلك الضواحي على الاحتجاجات العنيفة، حيث يقول: “إنها حرب. إنها حرب علينا، نحن الناس الذين يعيشون في أماكن مثل هذه. عمري الآن 40 عاما، حاصل على الماجستير ورب أسرة، لكن طوال حياتي تعرضت للتمييز والإذلال، دائما من قبل الشرطة. لا يستطيع الناس تحمل المزيد”.

ويختتم هاسي مقاله قائلا إن هذا هو الوقت المناسب للحكومة الفرنسية لبدء التفكير حول ما إذا كانت الجمهورية الفرنسية بصورتها الحالية لا تزال تفي برسالتها في القرن الحادي والعشرين.

المصدر: موقع عربي 21




القصّة الكاملة لأحداث القرنة السوداء؟

أثار البيان الأوّليّ الصادر عن قيادة الجيش ليل السبت تساؤلات بحجم الحادثة التي وقعت في القرنة السوداء وأدّت إلى وقوع قتيلين من آل طوق مشرِّعةً الأبواب مجدّداً على “حرب الفتنة” بين “الأهالي”. فالبيان الذي اكتفى بالإشارة إلى “تعرُّض أحد المواطنين لإطلاق نار في منطقة القرنة السوداء أدّى إلى مقتله، وقُتل لاحقاً مواطن آخر في المنطقة عينها”، والتأكيد على انتشار الجيش وتوقيف عدد من الأشخاص، أثار التباساً حول مسؤولية الجيش حين ذكّر ببيان سابق بتاريخ 1 حزيران حذّرت فيه قيادة الجيش يومذاك “المواطنين من الاقتراب من منطقة التدريب العسكرية في القرنة السوداء، وإعادة التشديد على عدم اقتراب المواطنين كافّة من هذه المنطقة تحت طائلة المسؤولية وحفاظاً على سلامتهم ومنعاً لوقوع حوادث مماثلة”.

حقيقة ما حصل
في الوقائع، كانت قيادة الجيش قد أصدرت في 12 حزيران الماضي بياناً أشارت فيه إلى “قيام وحدات من الجيش حتى 11 تشرين الثاني المقبل بتنفيذ تمارين ومناورات تدريبية بالذخيرة الحيّة في منطقة التدريب العسكرية في القرنة السوداء”، محذِّرة “المواطنين من الاقتراب من منطقة التدريب العسكرية حفاظاً على سلامتهم، وتفادياً لعرقلة تدريبات وحدات الجيش تحت طائلة المسؤولية”.
لم يأتِ إصدار الجيش لهذا البيان ضمن سياق روتينيّ بل على خلفيّة تكرار حالات الاشتباك والتوتّر، إضافة إلى اعتداء عدّة أشخاص من بشرّي في 4 حزيران على راعٍ من بلدة بقاعصفرين-الضنّية كان يسوق قطيعه في جرود البلدة، وقتلهم عدداً من رؤوس الغنم والماعز بعد إطلاق الرصاص عليها من أسلحة حربية كانت بحوزتهم.

وفق المعلومات، قادت هذه الحادثة، فوق جبال من تراكم الاحتقانات، إلى المشهد الدمويّ في القرنة السوداء الذي تتحمّل مسؤوليّته السلطة السياسية العاجزة والقضاء “المرتخي” والمتواطئ.
ما يزال الجيش يتابع التحقيقات لتحديد المسؤوليّات، خصوصاً أنّ القتيل الثاني وقع في لحظة كانت المنطقة في ذروة التوتّر وتضمّ ثلاثة أطراف مسلّحة هي الجيش ومجموعة شباب الضنّية ومجموعة شباب بشرّي، ويحاول تحديد هويّة مطلقي النار.
هذا وعلم “أساس” أنّ الضحيّة الأولى الشابّ هيثم طوق قُتل في منطقة الشِحَين برصاص مجموعة من شبّان الضنّية قدمت إلى المنطقة معزّزة بالسلاح لحماية قطيع الماعز ولدى اصطدامها بوجود مجموعة شبّان (من بشرّي) حصل استنفار بين الجهتين وسحب سلاح واشتباكات استمرّت نحو نصف ساعة وأدّت إلى مقتل هيثم طوق.
إثر الحادث نفّذ الجيش بشكل فوري انتشاراً عسكرياً في المنطقة واستدعى “فوج المغاوير” واستنفرت القطعات العسكرية واستعان الجيش بمروحيّات الهليكوبتر في محاولة للقبض على المجموعة المتورّطة بالحادث، وذلك قبل أن تُعلِن النائبة ستريدا جعجع طلبها من الجيش التدخّل.
لكن خلال توجّه الجيش إلى المكان تعدّدت الروايات في شأن ما حصل، خصوصاً أنّ عناصره وُضعوا مرّة جديدة في بوز مدفع درء الفتنة الطائفية. فثمّة رواية تتحدّث عن اصطدام الجيش بمجموعة من الشبّان البشرّاويّين من طالبي الثأر إثر معرفتهم بمقتل هيثم طوق، بعدما وجّه إليهم نداءات متكرّرة للانسحاب، وأدّى إلى حصول اشتباك قُتل خلاله الشابّ مالك طوق، فيما هناك رواية أخرى تشير إلى أنّ مالك طوق سَقط بعد محاولته تجاوز نقطة عسكرية للمغاوير في المنطقة وعدم امتثاله للأوامر العسكرية بالتراجع.

19 موقوفاً لدى الجيش
تفيد معلومات “أساس” أنّ عدد الموقوفين لدى الجيش بلغ 19 موقوفاً: 13 من بقاعصفرين و6 من بشرّي، فيما ضُبطت لدى الطرفين أسلحة حربية خفيفة ومتوسطة وذخائر، وجرت محاولات من جانب نواب منطقة بشرّي لإطلاق سراح الشبّان.
هو مشهد يتكرّر تقريباً كلّ سنة وفي التوقيت نفسه في تلك الجرود بين أهالي منطقتَيْ بشرّي والضنّية بسبب خلافات بينهم حول المشاعات والمراعي وإمدادات المياه، ويؤدّي دوماً إلى وقوع إشكالات، لكنّ حادثة القرنة السوداء صباح السبت أيقظت شياطين الفتنة من أوكارها وشَحَنَت النفوس ووضَعَت “مُعسكرَيْ” الضيعتَيْن على سلاحهما.
في السنوات الماضية تكرّرت اتّهامات بقاعصفرين-الضنّية لأشخاص من بشرّي بقتل رؤوس من الماعز والماشية في محيط القرنة السّوداء مع نفي متكرّر من بشرّي و”القوات اللبنانية” لحصول حوادث كهذه، وذلك ضمن مسلسل النزاع المستمرّ على ملكيّة “القمّة الأعلى” وحقّ استثمارها والاستفادة من مياهها.

لم تسفر كلّ الجهود والمساعي التي تُبذل سنويّاً، على كلّ المستويات، عن إيجاد حلّ لهذه المشكلة التي تتفاقم كلّ صيف وتؤدّي إلى تأجيج الغرائز الطائفية وتستدعي تدخّل “القمم” الروحية والمرجعيات السياسية، فيما تزدهر “الاستثمارات” في الدماء والنفوس المحقونة من جهات من الطرفين في مقابل من يسعى، من الطرفين أيضاً، إلى دفن الفتنة وتهدئة الخواطر مع دعوات إلى “تحكيم العقل والحكمة وترك القضاء يأخذ مجراه”.
حتى الآن ما تزال بركة مياه لريّ المزروعات في محيط “تلّة سمارة” بجرود بقاعصفرين تؤجّج النزاع بين بشرّي والضنّية، وغالباً ما تستدعي استنفاراً أمنيّاً وتدخّلات رئاسية وسياسية. وهي تدخل ضمن الأعمال التي ينفّذها “المشروع الأخضر” في وزارة الزراعة، لكنّ بلدية بشرّي ونوّابها يرون أنّها مخالفة للقوانين وتقع ضمن القطاع العقاري لبشرّي.
هكذا تبدو الخلافات على جرّ المياه بين القضاءين قضية كونيّة تتجدّد كلّ عام. نزاع مُستمرّ منذ سنوات طويلة يتخلّله تقطيع أنابيب الجرّ نحو بقاعصفرين واستخدام أسلحة خفيفة في الاشتباكات.
في الواقع لم تحسم خرائط الجيش النزاع بين بلديّتَيْ بقاعصفرين وبشرّي، وهي تُظهِر أنّ القرنة السّوداء تبعد نحو 4 كيلومترات خطّ نار عن حدود بشرّي الإدارية. وقالت أمانة السجلّ العقاري في الشمال في تقرير لها عام 2014 إنّ “القرنة السوداء ومحيطها يقعان ضمن نطاق بلدية بقاعصفرين العقارية”. وهناك خرائط رسمية من أيّام الانتداب الفرنسي تُثبت أنّ القرنة السوداء تقع ضمن الضنّية، تقابلها خرائط عقارية جديدة تُظهِر أنّ مساحة كبيرة من المنطقة المحيطة بالقرنة السوداء تصنّف ضمن النطاق العقاري لبشرّي.

وإلحاقاً ببيانها الأول دعت قيادة الجيش “جميع اللبنانيين إلى التحلّي بالمسؤولية وضبط النفس والحرص على السلم الأهلي، وعدم الانجرار وراء الشائعات واستباق التحقيق”.
كما أكدت القيادة أنّ “الوحدات العسكرية تواصل الانتشار وتنفيذ التدابير الأمنية في المنطقة، وأن الجيش يقوم بالتحقيق في الموضوع تحت إشراف المراجع القضائية المختصة”.

ملاك عقيل

المصدر: موقع أساس ميديا




شرف الدين لجعجع: حَكّم ضميرك

تحرّك من جديد ملف النازحين، على المستوى الرسمي بين الدولتين اللبنانية والسورية، بعد زيارة وزير المهجرين في حكومة تصريف الأعمال عصام شرف الدين لدمشق قبل أيام… فما هي فرص تزخيم آليات العودة الآمنة، استناداً إلى دينامية ثنائية، بعيداً من «قيود» البعض في المجتمع الدولي؟

يستعد وفد وزاري لبناني موسّع للتوجّه إلى دمشق قريباً لاستكمال البحث الذي بدأه شرف الدين، وبلورة منهجية فعّالة وعملية، لتأمين عودة أكبر عدد ممكن من النازحين، ما يعكس قراراً رسمياً بتعزيز الانفتاح على سوريا وتفعيل التواصل معها، بعد انتهاء «النزوح العربي» عنها ومدّ الجسور مجدداً بينها وبين العرب وفي طليعتهم السعودية.

ويؤكّد شرف الدين لـ«الجمهورية»، انّ زيارته الأخيرة لدمشق كانت ناجحة ومفيدة، «وما طالبنا به صار»، معلناً عن وجود جهوزية تامة لدى الدولة السورية لاستقبال أعداد كبيرة من النازحين.

ويلفت شرف الدين، إلى انّ لقاءاته مع المسؤولين السوريين عكست ثقة متبادلة، «من شأنها ان تساعد في تسهيل معالجة ملف النازحين».

ويضيف: «نحن ننتظر رداً من المسؤولين السوريين على الطريقة التي سيتعاملون بها مع الحالات الآتية ضمن النازحين: المتخلّفون عن خدمة العلم، مكتومو القيد غير المسجّلين، والسجناء السوريون في لبنان وإمكان ان يستكملوا محكوميتهم في بلدهم».

ويؤكّد شرف الدين انّ لقاءاته في دمشق مهّدت الطريق أمام زيارة الوفد الرسمي اللبناني قريباً، موضحاً انّ مجلس الوزراء كلّف وزير الخارجية عبدالله بو حبيب بالتواصل مع الدولة السورية لترتيب الزيارة التي سيشارك فيها وزراء الخارجية، المهجّرين، الشؤون الاجتماعية، الثقافة، العمل، السياحة، الزراعة، والاعلام.

ويعتبر انّ البيئة الإقليمية باتت تسهّل عودة النازحين عقب المصالحات التي تحققت في المنطقة، واستعادة سوريا مقعدها في جامعة الدول العربية، مشيراً إلى أنّه سيتمّ تفعيل الحلول الممكنة لملف النازحين في المرحلة المقبلة.

ويشدّد شرف الدين على وجوب تغيير منهجية المقاربة لهذه القضية الملحّة في اتجاه الانتقال من العودة الطوعية إلى الإعادة الآمنة، موضحاً انّ الأولى تعتمد على مبادرة النازحين أنفسهم إلى تسجيل طلبات العودة لدى مراكز الأمن العام، بينما الثانية ترتكز على انتقال فِرَق الأمن العام ووزارة المهجرين الى المخيمات لتعبئة استمارات تتعلّق بظروف العائلات النازحة، وبالتالي تحديد اي منها يستطيع العودة ولا يملك مبررات للبقاء، تمهيداً لرفع الملفات إلى الجانب السوري ونيل موافقته على عودة أصحابها.

ويتابع: «علينا نحن أن نذهب إلى المخيمات ونشرح للنازحين الإيجابيات الموجودة في مواجهة تضليل الغرب وعراقيله المفتعلة».

ويوضح شرف الدين، انّه ناقش في دمشق إمكان تشكيل لجنة ثلاثية تضمّ لبنان وسوريا والمفوضية، على أن تنبثق عنها لجان فرعية في مناطق العودة لمتابعة اوضاع العائدين اقتصادياً واجتماعياً وطمأنتهم، «وهذا من شأنه ان يشجع آخرين على ان يحذوا حذوهم، كذلك نواصل البحث مع المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في ضرورة منح المساعدات للنازحين في داخل الأراضي السورية».

وتعليقاً على موقف رئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع الذي اعتبر انّه و«إثر ما سُرِّب عن ايجابية زيارة وزير المهجرين عصام شرف الدين إلى دمشق، أضحى لزاماً على حكومة تصريف الأعمال وضع روزنامة عملية واضحة حول عودة كل النازحين السوريين إلى ديارهم، قبل نهاية هذا العام، وأيّ تأخير سيُعتَبر تواطؤاً لجهة محاولة توطين اللاجئين السوريين..»، يقول شرف الدين: «لبنان بلد حرّيات ويستطيع اي كان ان يصرّح بما يريد، ولكن على جعجع ان يُحكّم ضميره وان يكون منطقياً لجهة الفترة المطلوبة لاكتمال العودة».

عماد مرمل

المصدر: صحيفة الجمهورية




تنشيط ملفّ عودة اللاجئين: الجيران يسرّعون خطواتهم… والاستعدادات السورية تنطلق

مرّة أخرى، عاد ملف العودة الطوعية للاجئين السوريين إلى الواجهة، بعد قفزات سياسية واسعة في الملف السوري، عادت من خلالها دمشق إلى ممارسة دورها في «الجامعة العربية». وبذلك، تحوّل العمل الذي بدأته روسيا وسوريا لإبعاد الملف الإنساني عن طاولة السياسة، من جهود محدودة، إلى عمل أوسع انخرط فيه الأردن ولبنان والعراق، وأخيراً السعودية.

يمثّل ملف اللاجئين السوريين أحد أبرز الملفات المعقّدة في الأزمة، لأسباب عديدة من بينها ارتباطه بعمليات إعادة الإعمار وتأهيل البنى التحتية المتضررة من الحرب، واستثمار الولايات المتحدة ودول أخرى لهذا الملف في عمليات الضغط المتواصلة والمتصاعدة على دمشق. ووضع ذلك دول الجوار التي تستضيف أكبر عدد من اللاجئين السوريين تحت ضغوط متعددة الطبقات، لتأتي الانفراجات السياسية الأخيرة، وخطّة العمل المشتركة في إطار «المبادرة العربية»، فتحلحل بعض التعقيدات في الملف المذكور. ويبدو الأردن، الذي يستضيف، وفق إحصاءات رسمية، نحو 1.3 مليون سوري، بينهم أكثر من 675 ألف شخص يحملون صفة لاجئ وطالب لجوء، أكثر المتحمّسين لدفع عجلة العودة الطوعية، إذ تُعتبر هذه المسألة أحد أسس «المبادرة الأردنية» التي تطوّرت إلى شكل أوسع تنخرط فيه السعودية ودول عربية أخرى تحت مسمى «المبادرة العربية»، والتي تشمل إلى جانب اللاجئين، مسائل أخرى تتعلق بضبط الحدود، ودفع العملية السياسية، وغيرها. ويفسّر ما تَقدّم الطرح الأخير المتصل بتأسيس صندوق مشترك لتأمين التمويل اللازم لبدء تأهيل البنى التحتية في المناطق المدمّرة تمهيداً لإعادة اللاجئين، ما يعني المضي قدماً في المسار الروسي للحل في سوريا، وفصل ملف اللاجئين، ما أمكن، عن الملفات الأخرى، على اعتبار أن حلحلته من شأنها أن تؤثر على النقاط الباقية وتدفعها هي الأخرى إلى الأمام.

ويولي المسار الروسي، سواء عبر محادثات «أستانا» أو من خلال «الرباعية» التي تنخرط فيها طهران وأنقرة ودمشق وتهدف إلى خلق تعاون بين سوريا وتركيا مشابه للعمل الأردني – السوري، والعمل السوري – السعودي أخيراً، اهتماماً واضحاً للملف الإنساني، إذ تسعى روسيا وفق كل الطرق المتاحة إلى ضمان المضي قدماً في هذا الملف، ما يفسّر الجدل المتواتر في أروقة مجلس الأمن حول ملف المساعدات الإنسانية العابرة للحدود، وإصرار موسكو على وضع بند واضح يتعلق بدعم مشاريع «التعافي المبكر» كشرط لتمرير المساعدات عبر معبر باب الهوى في إدلب، بالإضافة إلى تمرير مزيد من المساعدات عبر خطوط التماس (عن طريق دمشق)، ما يضمن بالإضافة إلى تنشيط ملف عودة اللاجئين، توزيعاً عادلاً للمساعدات.

في المقابل، تقف الولايات المتحدة ودول في الاتحاد الأوروبي، في محاولة لعرقلة معالجة ملف اللاجئين، والذي تريد هذه الدول، وفق تصريحات عديدة لمسؤوليها «ثمناً سياسياً» لحلحلته، وتمكّنت بالفعل من «فرملة» جهود سابقة لإعادة دفعات من اللاجئين من الأردن ولبنان، سواء عبر الضغوط السياسية والتلويح بالعقوبات الأميركية، أو عن طريق حملة دعائية كبيرة أثّرت على قسم كبير من الراغبين في العودة، ما أدى إلى تجميد حملات العودة بشكل مؤقت. غير أن هذا التجميد ترافق مع تخفيض مستمر في حجم المساعدات الأممية للاجئين، الأمر الذي تسبّب بمضاعفة الآثار الاقتصادية والإنسانية عليهم – علماً أن قسماً كبيراً منهم يعيشون في ظروف غير إنسانية أصلاً -، وعلى الدول المضيفة، التي تعاني أساساً مشاكل اقتصادية معقّدة.

في الوقت الحالي، وبينما يستعد لبنان لإعادة تنشيط العودة الطوعية، بعد مناقشات عديدة مع الجانب السوري، ومع أطراف عربية أخرى منخرطة في «المبادرة العربية»، يستعد الأردن بدوره للمضي على الطريق نفسه. وفي هذا الإطار، أكدت مصادر عربية متقاطعة، لـ«الأخبار»، أن الحكومة السورية أبدت مرونة كبيرة رغبةً منها في تسريع وتيرة حلّ مشكلة اللاجئين، عن طريق توسيع نطاق عمل «مراكز المصالحة»، وتقديم ضمانات للراغبين في العودة، من بينها تجهيز مراكز استقبال مؤقت يمكن للراغبين السكن فيها، ريثما يتم تأهيل البنى التحتية في مناطقهم المدمّرة، بالإضافة إلى تشكيل لجان لتسهيل حلّ بعض المشكلات الورقية المتعلقة بالسجل المدني، وتقديم فترات سماح قد تصل إلى ستة أشهر للمتخلّفين عن الخدمة العسكرية ليقوموا بترتيب أوضاعهم قبل الالتحاق بالجيش، في استعادة لمعظم بنود المصالحة في الجنوب السوري، والتي أثمرت، على رغم وجود بعض الخروقات بين وقت وآخر، إنهاء الحرب في درعا، وأعادت بشكل تدريجي الحياة إلى الجنوب.

وأوضحت المصادر، التي ذكّرت بأن الموقف الأميركي والغربي، والدعاية المستمرّة ضد حملات العودة الطوعية، أضرّا بالفعل بهذا الملف، أن عملية تنشيط العودة ستتمّ على مراحل متلاحقة، تبدأ بعودة دفعات صغيرة، تتبعها دفعات أكبر، ما يتطلّب مناقشة بين سوريا والدول المضيفة للاجئين، لتحديد الأعداد ومواعيد العودة، بهدف تأمين مراكز إقامة ملائمة، بالإضافة إلى وضع خطة لتأهيل البنى التحتية المدمرة في المناطق التي ينحدر منها اللاجئون. ويجري الحديث عن استعداد وفد حكومي لبناني لزيارة دمشق، التي زارها فعلاً وزير المهجرين في حكومة تصريف الأعمال، عصام شرف الدين، الأسبوع الماضي، وأجرى لقاءات مع مسؤولين سوريين بينهم وزيرا الداخلية والإدارة المحلية، ليعلن أن دمشق أبدت استعدادها لاستقبال 180 ألف لاجئ كدفعة أولى، مضيفاً، في تصريحات نشرتها وكالة «سوبتنيك» الروسية، أن «الحكومة السورية قدّمت وعوداً بالنظر في أوضاع كل النازحين وإعادة التوظيف للراغبين، وإمكانية إعطاء عفو رئاسي يشمل جميع المواطنين، حتى من حمل السلاح منهم، وذلك ليشمل كل الفئات النازحة، حتى جهات المعارضة السورية الراغبة بالعودة. أما بالنسبة إلى من لا يرغب بالعودة من اللاجئين السياسيين، فعليه أن يقدّم طلب لجوء سياسي إلى بلد ثالث من خلال مفوضية اللاجئين».
من جهتها، تتابع تركيا، المنخرطة في الوقت الحالي في دراسة مشتركة مع سوريا لخريطة الطريق الروسية للتطبيع بين البلدَين، التضييق على اللاجئين السوريين، حيث تقوم بشكل يومي بترحيل العشرات إلى الشمال السوري، في استكمال لسياسة بدأتها قبل نحو عامين بالتوازي مع بدء العمل على إنشاء مجمعات سكنية في سوريا على الشريط الحدودي، لتوطين لاجئين سوريين «موثوقين»، بهدف إنشاء حزام بشري موال لها قرب حدودها الجنوبية. وبحسب مصادر سورية معارضة تحدثت إلى «الأخبار»، فإن السلطات التركية أصدرت أوامر بالحد من تنقّلات السوريين بين الولايات التركية، حيث بات يتطلب التنقّل الحصول على إذن من السلطات التركية التي لا تمنحه إلا للضرورة القصوى، فيما يتم اعتقال وترحيل أي سوري ينتقل من دون إذن

وتضيف المصادر أنه يجري ترحيل أي سوري يشتكي منه الأتراك، حتى لو كانت الشكاوى كيدية، مضيفةً أن السلطات التركية تقوم بنقل هؤلاء السوريين إلى المعابر الحدودية مع سوريا، وتسلّمهم للفصائل التي تتحكم بالمعابر، وتصدر بحقهم قرارات بمنع دخول الأراضي التركية.
وعلى رغم الضغوط التركية المتواصلة على اللاجئين، الذين تقول السلطات التركية إن عددهم يبلغ نحو 3.5 ملايين لاجئ، بعد عودة نحو 500 ألف لاجئ، ضمن الحملات السابقة، يتطلّب حل هذا الملف انخراط أنقرة في تعاون واضح المعالم مع دمشق، الأمر الذي تحاول موسكو وطهران توفيره عن طريق المصالحة بين البلدين. ويعني ما تقدّم، ارتباط هذا الملف بملفات إشكالية أخرى، في ظل إصرار دمشق على أن تؤدي الاتفاقات بين البلدين إلى سحب تركيا قواتها من سوريا ووقف دعم الفصائل، ومن بينها «هيئة تحرير الشام»، وفي المقابل، استمرار أنقرة في ربط وجودها العسكري بما تعتبره «مخاطر إرهابية» في إشارة إلى الأكراد. وتسود توقّعات بتحقيق خطوات ملموسة بين البلدين، بعد الاتفاق على دراسة خريطة الطريق الروسية، وفي ظلّ بدء التسخين الميداني في إدلب، أولى وجهات التوافق السوري – التركي المتوقّع، لما تحقّقه هذه المحافظة من مصالح مشتركة، من بينها فتح الطرق الدولية. وقد يمكن اعتبار ذلك مؤشراً إلى بدء عمل مشترك أوسع في ملف اللاجئين السوريين، وفق أسس مشابهة للعمل مع الأردن ولبنان، والذي دخل مرحلة التسارع.

علاء الحلبي

المصدر: صحيفة الأخبار




جنين: 8 شهداء في أكبر عدوان إسرائيلي منذ 2002

استشهد ثمانية فلسطينيين، وأصيب 27 آخرون بجروح متفاوتة الخطورة، من جرّاء العدوان الأوسع منذ عام 2002، الذي تشنه قوات الاحتلال الإسرائيلي على مدينة جنين ومخيمها منذ فجر اليوم، مستخدمةً فيه الطائرات الحربية والآليات العسكرية المختلفة.

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، صباحاً، استشهاد خمسة فلسطينيين في جنين وسادس في البيرة، وإصابة 27 آخرين، بينهم 7 في حال الخطر، قبل أن تعلن، في وقت لاحق، ارتفاع عدد شهداء جنين إلى 7، ومن ثمّ إلى 8، ليصل العدد الإجمالي إلى 9. وقال مدير مستشفى جنين الحكومي، وسام بكر، في بيان صحافي: «وصلنا حتى الآن 5 شهداء و27 إصابة معظمها ناتج من قصف صاروخي في مختلف أنحاء الجسم، منها ثلاث تمّ تحويلها إلى غرف العمليات، وإصابات أخرى تمّ تحويلها إلى مشافٍ أخرى». وأضاف أن هناك «صعوبة كبيرة جداً في وصول طواقم الإسعاف إلى المصابين بسبب إغلاق الاحتلال مداخل المخيم والقصف الصاروخي المستمر حتى اللحظة».

ومنذ فجر اليوم، قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية عدداً من المنازل والمواقع في مخيم جنين، بالتزامن مع اقتحام أكثر من مئة آلية عسكرية ما بين ناقلات جند وجيبات عسكرية وجرافات، المدينة من مختلف محاورها.
وأفاد موقع «واينت» التابع لصحيفة «يديعوت أحرونوت» بأن الطيران الحربي الإسرائيلي نفذ أكثر من عشر غارات جوية استهدفت مناطق متفرقة في جنين ومخيمها، فيما دفع الجيش بتعزيزات عسكرية جديدة تجاه المخيم، الذي طوقته قوات الاحتلال من كل المحاور، واعتلى قناصوها أسطح الأبنية والعمارات السكنية المشرفة عليه، قبل أن يعتقل الجيش 20 فلسطينياً.
وطبقاً لما أفادت به الإذاعة الإسرائيلية الرسمية («كان»)، فإن تل أبيب أبلغت واشنطن بالعدوان العسكري على جنين، «لكنها لم تذكر موعداً محدداً».
وفي خضم العدوان، اندلعت اشتباكات مسلحة بين مقاومين وجنود الاحتلال على أطراف المخيم، فيما قامت الجرافات الإسرائيلية بإغلاق مداخله، توازياً مع قطع التيار الكهربائي عنه وعن حي الهدف، وانطلاق نداءات من مساجد المدينة تطلب من الفلسطينيين الدفاع والذود عن المخيم والتصدي للعدو.
من جهتها، أصدرت الغرفة المشتركة لفصائل المقاومة بياناً قالت فيه إن «الغرفة المشتركة في حالة انعقاد دائم لمتابعة العدوان الهمجي على جنين، والمقاومة في كل الساحات لن تسمح للعدو بالتغول على أهلنا في جنين أو الاستفراد بهم، وندعو كل فصائل المقاومة في جنين ومخيمها إلى التكاتف وخوض المواجهة بشكل موحد». وأضافت أن «استمرار العدوان على جنين وسلوك الاحتلال هو ما سيحدد طبيعة رد المقاومة».

أمّا «كتائب القسام – كتيبة جنين» فقالت في بيان مقتضب: «تمكن مجاهدونا رفقة إخوانهم من سرايا القدس وكتائب شهداء الأقصى، من تفجير أكثر من آلية لجيش الاحتلال بعبوات جانبية أصابتها إصابات مباشرة وألحقت بها أضراراً بالغة»، مضيفةً أنه «يواصل مقاتلونا الاشتباك مع جيش الاحتلال على أكثر من محور لمنع تقدمه داخل المخيم». ودعت «الأهالي إلى الاسناد العاجل للمقاومين بالعتاد والرصاص، والمشاركة في القتال والدفاع عن المخيم وعن أرض فلسطين».
بدورها قالت حركة «الجهاد الإسلامي» إن «العدو الصهيوني يتحمّل كامل المسؤولية عن كل ما سيترتب على هذا العدوان الذي لن يحقق أهدافه، وستبقى جنين عنواناً للصمود». وأضافت أن «المقاومة ستواجه العدو وستدافع عن الشعب الفلسطيني، وكل الخيارات مفتوحة لضرب العدو رداً على عدوانه في جنين». وفي الاتجاه نفسه، أكدت حركة «حماس»، في بيان، أن «العدوان على جنين سيفشل ونتنياهو وحكومته يتحمّلان مسؤولية ما يجري».

المصدر: صحيفة الأخبار




إسرائيل «تضمّ» الجزء اللبناني من الغجر: شغب إسرائيلي على حدود الجولان

انتهت في الأيام الماضية، الأشغال الإسرائيلية لتثبيت السياج الجديد الذي ضمّ كامل الجزء الشمالي اللبناني من بلدة الغجر المحتلة إلى الأراضي السورية المحتلة. بذلك، باتت الغجر كاملة تحت الاحتلال الإسرائيلي وخارج السيادة اللبنانية، حتى في ظل عدم وجود أي جندي إسرائيلي على أرضها. ومن دون أي سيطرة لبنانية، صار الجزء الشمالي من الغجر منفصلاً كلياً عن السيادة اللبنانية، وخارج الوصاية الكلية لقوات الطوارئ الدولية (اليونيفل)، التي لا يُسمح لها بالدخول إليها باعتبارها خارج نطاق عملها، في خرق واضح للقرار 1701.

للوصول إلى أقرب نقطة إلى الجزء اللبناني من قرية الغجر، يمكن الوقوف عند الوزاني غرباً للإطلالة عن بعد نحو 1 كلم، أو من الشرق من صوب بلدة العباسية على بعد 1.5 كلم. علماً أن هناك طريقاً يمرّ بمحاذاة الجزء الشمالي من الغجر ويربط الوزاني بالعباسية بمسافة 3 كلم، لكنّ هذا الطريق بات محرّماً على أيّ لبناني ومخصّصاً فقط لدوريات «اليونيفل»، رغم وقوعه خارج السياج الحديدي الجديد الذي يضم الجزء اللبناني من الغجر. وتلعب قوات «اليونيفل» هناك دور الحارس، إذ تضع أسلاكاً وموانع حديدية على طول الطريق من الجهة الشمالية المحررة، لمنع اقتراب اللبنانيين منها، ما يشكّل «حزاماً أمنياً» غير معلن حول قرية الغجر بطول 3 كلم، يستكمل إجراءات العزل التي أقامتها قوات الاحتلال حول البلدة. ويقيم الجيش اللبناني حاجزاً عند نقطة أساسية تؤدي إلى الطريق، علماً أنه بموجب الإجراءات الإسرائيلية الجديدة والمترافقة مع تلك التي تقوم بها «اليونيفل»، بات الجيش ممنوعاً من الوصول إلى ذلك الطريق أيضاً، إذ بات يتطلب دخوله النادر لتنفيذ دورية عليه، إذناً وتنسيقاً مسبقيْن من قيادة «اليونيفل» في الناقورة.

لم تقتصر الإجراءات الإسرائيلية على «تطويق» الغجر بجزءَيها السوري واللبناني، بل رفعت قوات الاحتلال أبراجاً حديدية ثبّتت على كل منها كاميرات يصل مداها إلى 5 كلم، إضافة إلى كاميرات صغيرة ومكبّرات صوت موجّهة نحو الأراضي اللبنانية المحرّرة. هذه التحركات المتدحرجة وغير المترابطة مع أحداث أخرى تشهدها الحدود اللبنانية – الفلسطينية، والتي تتعلق بإسرائيل وأولوياتها الأمنية، كانت قوات الاحتلال قد شرعت بها في آذار 2022، أعقب ذلك، في أيلول من العام نفسه، قرار فتح الغجر أمام حركة السياحة الإسرائيلية بعد اعتبارها منذ التحرير في أيار من عام 2000 منطقة عسكرية مغلقة، إلى أن أعلنت تل أبيب العام الماضي سحب قواتها من المنطقة والإبقاء على «حرس الحدود» فيها، على اعتبار أنها انسحبت من الجزء اللبناني من الغجر. إلا أن كل الإجراءات والتحركات الإسرائيلية، بما فيها المباشرة بعملية تسييج الجزء اللبناني، كانت تتم على أساس أنها أرض محتلة.
انتهت إسرائيل من عملية «تسييج» الغجر، بالتزامن مع نشاط لقواتها على طول الحدود اللبنانية – الفلسطينية، وتغيير معالم العديد من النقاط عند «الخط الأزرق» على الحدود بين بلدة ‎حولا ومستعمرة «المنارة»، أو عند «خطّ الانسحاب» في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. وهنا، لا بد من الإشارة إلى وجود فرق كبير بين «الخط الأزرق» في بلدة الغجر، و«خط الانسحاب» في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا.
فـ«الخط الأزرق» في قرية الغجر يعترف به الاحتلال الإسرائيلي وقوات «اليونيفل» ولبنان الرسمي. أما في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، فإن لبنان لا يعترف بوجود «خط أزرق» هناك لأنه يعتبرها أراضيَ لبنانية محتلة، بل يطلق عليه «خط انسحاب»، بينما تعترف به «اليونيفل» والاحتلال الإسرائيلي، ويقولان إنه «خط أزرق يتحفَّظ عنه لبنان». وتبرّر القوات الدولية اعترافها بأن هذه المنطقة كانت منذ ما قبل التحرير عام 2000 ضمن منطقة عمل قوات «إندوف» العاملة في الجولان السوري المحتل. في مقابل هذا الواقع الذي يحاول الاحتلال تكريسه وتُعلن «اليونيفل» عدم «صلاحيتها» لمنعه، يقول أهالي مزارع شبعا وتلال كفرشوبا إنهم كانوا قبل التحرير عام 2000 يدخلون إلى مزارع فشكول وقفوة ورويسة القرن وزبدين لقطف محاصيلهم الزراعية بناءً على تصاريح خاصة من قوات الاحتلال، بينما لم يُسجّل دخول أي من المواطنين السوريين إلى المزارع المحتلة، في أحداث ووقائع واضحة وبسيطة يتداولها أهالي المنطقة للتدليل على لبنانية المزارع.

على أيّ حال، يأتي ضمّ الجزء اللبناني من ‎قرية الغجر إلى الجزء السوري المحتل، بعدما أعادت القوات الإسرائيلية احتلاله خلال عدوان تموز 2006، رغم وجود محاولات دبلوماسية سابقة لـ«إقناع» العدو بالانسحاب منها وتنفيذ القرار 1701. وعلى الدوام كان النقاش مفتوحاً في إسرائيل حيال الطريقة الأفضل للتعامل مع قرية الغجر، خصوصاً في شقها اللبناني. وكان رئيس حكومة الاحتلال الأسبق آرييل شارون اقترح إخلاء الجزء الشمالي من الغجر، وتدمير المباني فيه، كما درست حكومات الاحتلال المتعاقبة خيارات أخرى مثل تقسيم القرية، وإقامة حاجز بين الشطرين اللبناني والسوري، وتكثيف الحماية العسكرية في المنطقة، وتخيير سكان الغجر بين البقاء «في كنف الاحتلال» أو الانتقال للعيش في كنف السلطة اللبنانية، وبناء جدار حول الجزء الجنوبي من القرية وعزلها بين «الخط الأزرق» وهضبة الجولان، أو بناء جدار حول الجزء الشمالي وضمّه إلى المنطقة المحتلة، والخيار الأخير هو الذي طُبّق اليوم.

اليوم، تبدو الغجر كـ«بلدة واحدة» وقد «وحّدها الاحتلال» تحت سلطته. كانت مساحتها المسكونة تبلغ نحو 500 دونم، وتُقسّم إلى الحارة الجنوبية القديمة وهي مقامة على نحو 100 دونم وتقع ضمن الحدود السورية، أما الحارة الشمالية المقامة على نحو 400 دونم، فتُعتبر لبنانية، لكن مساحتها اليوم صارت أكبر مما كانت عليه، إذ تمدّد العمران فيها نحو الجزء اللبناني بشكل كبير، وبات هذا الجزء موطناً للعدد الأكبر من سكّان البلدة البالغ عددهم نحو 2800 نسمة. هذا التداخل بين ما هو سوري وما هو لبناني خلق واقعاً معقّداً في الغجر التي يرفض أهلها الاختيار بين كونهم تابعين لسوريا أو للبنان. هذا الواقع يشبه إلى حدّ كبير العلاقة المتداخلة والمعقّدة بين البلدين اللذَين يعتبران أن البتّ في «نَسَب» الغجر كما مزارع شبعا وتلال كفرشوبا لا يستقيم في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي الذي يعتبر أنها أراضٍ تابعة للجولان احتُل معظمها في عام 1967، ما يعكس قراراً مبدئياً بالتعامل معها على أنها «مُحتلة يتوجّب استرجاعها بالطرق المناسبة»، رغم قرار إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، في آذار 2019، الاعتراف بـ«سيادة إسرائيل» على هضبة الجولان السورية التي احتلتها عام 1967 وضمّتها عام 1981.
يوم وقّع ترامب قرار الاعتراف هذا، غرّد على «تويتر» كاتباً: إن هضبة الجولان لها «أهمية حيوية لدولة إسرائيل والاستقرار الإقليمي». اليوم، وبعد استكمال قوات الاحتلال الإسرائيلي «تطويق» الغجر وضمّ جزئها اللبناني إلى الأراضي السورية المحتلة، يحلو للبعض التذكير بما كتبه الصحافي الإسرائيلي أليكس فيشمان في صحيفة «يديعوت أحرنوت» العبرية عام 2008، إذ اعتبر أن «أحد الأماكن الوحيدة في الشرق الأوسط، التي يمكن لإطلاق النار على جرافة، أن يؤدي فيها إلى تدهور إقليمي في أيامنا هذه، هو في قرية الغجر الواقعة في زاوية مهملة في أطراف هضبة الجولان، التي ضُمت إلى إسرائيل خطأً».

حمزة الخنسا

المصدر: صحيفة الأخبار




أحلام التقسيم: العودة بالمسيحيين إلى زمن الخوف

عودة إلى مطلع سبعينيات القرن الماضي. التعبئة على أشدّها وسط قواعد قوى الجبهة اللبنانية، وفي مقدّمها حزب الكتائب بقيادة بيار الجميل، وألعاب سياسية تقليدية يقودها كميل شمعون، وحشد مسيحي جمع كل الأقطاب من الشمال إلى الجنوب خلف قادة المسيحيين في جبل لبنان، ومعهم «الجيش الأسود» الذي مثّل قاعدة الهرم في الكنيسة. كلّ هؤلاء عبّروا، في أشهر قليلة، عن رغبتهم في إقامة كانتون مسيحي يقيهم شرّ مطالب المسلمين بتعديل صيغة الحكم من جهة، ويبعد عنهم حلم اليسار بنسف النظام الطائفي، ويقيهم «شر» العروبة التي يرونها اسماً حركياً للإسلام. ولم يكن هؤلاء يحتاجون إلى من يقرأ لهم وقائع المنطقة والعالم، وسط صراع جدي بين قيادة منظمة التحرير في لبنان، ودمشق بقيادة الرئيس الراحل حافظ الأسد. فيما عملت السعودية بالتفاهم – الدائم – مع الأميركيين على صيغة لا تجعل الانفجار في لبنان يخرج عن حدود هذا البلد الصغير.

اليوم، يمكن لأيّ لبناني أن يستمع إلى روايات عن الحرب الأهلية، يسردها سياسيون يلعبون دور «الحكواتي». لكن، لم يخرج علينا، بعد، مؤرّخ يُشهَد له بعلمه وموضوعيته ليقدّم رواية كاملة لا تحابي أحداً، وتقفل الباب على «الأمجاد الوهمية» لغالبية القوى التي انخرطت تدريجياً في حرب أهلية قاسية ومدمّرة ضربت كل لبنان، قبل أن يطلق الخارج صفارة انتهاء اللعبة بعدما أُنهك جميع اللاعبين، وندخل في تسوية غير مكتملة ارتاح خلالها اللبنانيون، وعدلوا في مقاعدهم، قبل أن يعود الخارج اليوم إلى تشجيعهم على دورة جديدة من العنف، لتحصيل ما يفترضون أنه الأفضل لهم. وحجة الخارج على اللبنانيين أن التعديلات في طبيعة القوى التي قادت آخر فصول الحرب الأهلية، لا تزال ممسكة بالقرار اليوم، ومن استجدّ وجاء معبّراً عن تعديل في التمثيل السياسي لهذه الجماعة أو تلك، لم يفعل أكثر من الجلوس مكان مَن كان قبله، لكنه لم يغيّر في قواعد اللعبة أو المقاربة.

في تلك الفترة، قرأ خصوم الجبهة اللبنانية في حراكها رغبة بتقسيم لبنان، والذهاب نحو حماية يقدّمها الغرب بواسطة إسرائيل. وهو عنصر مقلق بحد ذاته، فكيف إذا ترافق مع انخراط قسم كبير من اللبنانيين في دعم مباشر وعملي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو أمر تعزّز بعد خيانة أنور السادات التاريخية التي جعلت حافظ الأسد يعدل من نظرته إلى شكل التسوية في لبنان، ويدخل بعدها في حرب طويلة مع الأميركيين وحلفائهم من العرب. وكانت الحركة الوطنية تلعب دور الواجهة العامة لتحالف فيه خليط من القوى الطائفية والمذهبية والعلمانية والفلسطينية والسورية. وقد فشل كل هؤلاء في معالجة ما يمكن وصفه بـ«المسألة المسيحية» في لبنان.
اليوم، ثمّة عمل جدي ومنتظم ومثابرة حقيقية، من قبل مجموعات تعتقد بأن تجربة السلم الأهلي بين عام 1991 وعام 2023 ثبت أنها غير مناسبة للمسيحيين، وأن فكرة العيش في حكم ذاتي فكرة مجدية وقابلة للتحقّق. وبمعزل عن كل البحث الجغرافي والطبوغرافي والديموغرافي والاقتصادي والمعيشي، فإن اختصار أحلام هؤلاء يمكن وضعه في سردية صغيرة تقول: «ستكون لدينا المساحة الجغرافية الممتدّة من جبل الريحان جنوباً حتى حدود القبيات شمالاً، وفيها تعرّجات شرقاً وغرباً، وهي كافية ليعيش فيها أكثر من مليوني نسمة. وفيها بوابات عبور إلى الخارج بحراً وجواً، من دون الاضطرار حتى للعبور البري، ويمكن لابن هذه المناطق أن يسافر في رحلة تقوده إلى مطار، يجد في انتظاره أهله، أو من يخدمه ليصل إلى منزله، ومن ثم سيكون هناك في خدمته كل ما يحتاج إليه للتسوّق والترفيه، كما يمكن إقامة مواقع عمل خاصة تقوم على فكرة التجارة العامة، ومراكز العلوم المتقدّمة التي تحتاج إلى عمالة سوداء أقل، ويكون لهذه المنطقة قطاعها المصرفي، ووحداتها الإدارية، وقوتها الأمنية والعسكرية التي تؤدي وظيفة الأمن الداخلي، فيما يجري البحث عن حياد بضمانة قوى كبرى في الإقليم أو العالم… ونقطة على السطر.

هكذا يختصر التقسيميون فكرتهم، ولديهم إجابات افتراضية حول العلاقة مع بقية البلاد، وهم يقيسون هذه العلاقة من زاوية المنفعة والتبادل التجاري من جهة، وكلّ بحسب موقعه الطائفي والمذهبي أو الفكري. لكنهم لا يعتقدون بأن أهالي بقية لبنان سيشكلون خطراً حقيقياً عليهم، بل سيكون هناك تعاون مثمر، لأن أصحاب هذه النظرية مؤمنون بأنهم الأفضل في العلم والتجارة والعلاقة مع الخارج القريب أو البعيد، والأرقى اجتماعياً، ولديهم ما يتوق الآخرون للحصول عليه. وحتى مشكلة العمالة السوداء، يجدون لها حلاً على ما يقول قس يعيش في بلاد المهجر، إذ يمكن «استقدام نحو مئة ألف من أقباط مصر وإثيوبيا، هم كل ما نحتاج إليه من عمالة سوداء، ومن يتجذّر منهم في أرضنا، وينتمي إلى إحدى كنائسنا، لن يشكل توطينه خطراً فعلياً علينا».

منعاً للغرق في هذه الأوهام، تجدر الإشارة إلى الذين يخطّطون لأمر كهذا، ليسوا سوى أقلية فاعلة بين المسيحيين. لكن ما هو لافت، ويحتاج إلى عناية، يتعلق بالمزاج العام السائد لدى غالبية مسيحية، ما يساعد أصحاب هذه التصوّرات على التوسع في عرض أفكارهم، ورفع مستوى الأوهام بقرب قيام الدولة المنشودة. وقصة المزاج مرتبطة بجهد التقسيميين، لكنها تتأثّر بالتطورات الجارية في لبنان، حيث باتت سهلة العودة إلى تعميم منطق الخوف عند المسيحيين، وإقناعهم بأن عدواً حاضراً يقف على الأبواب. ولا يحتاج المهوّلون إلى نقاش كبير مع الناس، وهم لا يأبهون لأي سؤال عن هوية هذا الخوف الذي كان ذات مرة سنياً ناصرياً أو بعثياً، ثم صار علمانياً سورياً أو عراقياً، أو يسارياً شرقياً، قبل أن يتحول إلى شيعي إيراني، مع تجدّد الخوف من الفلسطيني الذي يريد أخذ لبنان بدلاً من فلسطين، أو السوري الذي لا يريد العودة إلى بلاده لا طوعاً ولا غصباً.
لكنّ التجربة علّمت الجميع بأن تعزيز هذا المزاج لا يكون إلا برفع منسوب الخوف من الآخر. وبسلوك جرّبه كل الانفصاليين في العالم، فإن الخوف يجب أن يكون حاضراً في كل خطوة، من الأكل والشرب والسكن والتعليم والعمل والدين والسياسة، وهي لعبة تجيدها قوى تجذّرت يمينيتها على مرّ عقود وقرون، وتتّخذ طابعاً فاشياً يشبه كل الحركات الانفصالية في العالم، والقسوة علامة راسخة في سلوكها مثل خطابها، والتعميم عنصر أساسي في التعبئة حتى لا يكون هناك مجال لأي تردّد أو ظن أو شك في هوية الآخر. لكنها، أيضاً، فاشية وإقصائية ليس فقط في وجه الآخر، بل أساساً وسط بيئتها، إذ لا تقبل صوتاً سائلاً أو مناقشاً، وتتعامل مع أبناء الرعية الرافضين على أنهم أهل ردّة وجب قتلهم قبل صياح الديك، وهو أمر حصل في كل العالم، وشهدناه في لبنان، عندما قرّر حزب الكتائب ومتفرعاته أن نقاوة الدماء تتطلب فحص الأقربين قبل الأبعدين، وأنه لا مجال حتى لدور خاص بالكنيسة، فإما أن تكون جزءاً من المعركة أو لا حاجة إليها وسيطاً للوصول إلى الإله المحفور اسمه أعلى السهم الموجّه إلى صدور الرافضين.

إبراهيم الأمين

المصدر: صحيفة الأخبار