1

إستراتيجية الهند في إفريقيا

من المتوقع أن تعمل الهند على تعزيز حضورها الأمني والعسكري الخشن بإفريقيا من خلال بناء القواعد العسكرية والاستثمار في بناء الموانئ خاصة في منطقة شرق وجنوب القارة الإفريقية، بجانب توسيع مشاركتها في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.


تركز إستراتيجية الهند في إفريقيا على بناء شراكة بين أنداد، مع نهج مدفوع حسب الطلب يهدف إلى تحقيق نتائج مربحة للجانبين ومنفعة متبادلة لكل من الهند والدول الإفريقية، وذلك تحت شعار (التعاون بين بلدان الجنوب) (South-South cooperation)، وهو النهج الذي اتبعته الهند مع الدول الإفريقية بعد استقلالها في عام 1947(1). عملت الهند على المشاركة في عمليات حفظ السلام في إفريقيا وتقديم المنح الدراسية والمنح الإغاثية الإنسانية، وعمل استثمارات من القطاعين العام والخاص. وقد استمر شكل التعاون والتنسيق على هذا النحو قرابة نصف قرن، بدأ هذا النهج تحديدًا خلال انعقاد مؤتمر باندونغ بإندونيسيا، في عام 1955. وهو المؤتمر الذي جمع بين دول حديثة الاستقلال في إفريقيا وآسيا(2). كان العامل المشترك من هذا التجمع هو أن لديهم تجربة في النضال ضد الاستعمار الأوروبي والغربي، وكذلك مواجهتهم لتحديات إنمائية مشابهة. 

ينتشر في إفريقيا عدد كبير من الجاليات التي تنحدر أصولها من الهند، ويبلغ تعدادهم نحو ثلاثة ملايين نسمة في القارة. توجد أكبر التجمعات الهندية في إفريقيا في دولة جنوب إفريقيا بنحو 1.5 مليون نسمة بنسبة تصل لنحو 3% من إجمالي سكان جنوب إفريقيا، والذين يسكن معظمهم في مدينة ديربان الساحلية(3). وفي موريشيوس يبلغ تعدادهم نحو 855 ألف نسمة بنسبة تصل لنحو 60% من إجمالي تعداد الجزيرة، وفي ريونيون 220 ألف نسمة بنسبة تصل لنحو 31% من إجمالي سكان الجزيرة، أما كينيا وتنزانيا فيبلغ تعدادهم نحو مئة ألف نسمة في كل من الدولتين، بينما في أوغندا يصل تعدادهم نحو تسعين ألف نسمة(4). تتمسك تلك الجاليات بهويتها الهندية وتحافظ عليها، وهو ما يوفر عمق مهمًّا في إنجاح وتنفيذ سياسات الهند الاقتصادية والسياسية تجاه إفريقيا. وهو العنصر الذي تفتقده معظم القوى الدولية المتنافسة.

تتميز إفريقيا بارتفاع نسبة الشباب في سن العمل من إجمالي عدد السكان، كما ينمو حجم الطبقة الوسطى بشكل سريع، وهذه كلها مكونات وعوامل جوهرية لنمو التجارة والاستثمار(5). تتضمن إستراتيجية الهند مبادئ توجيهية ومجالات تركيز محددة يلعب القطاع الخاص دورًا رئيسيًّا فيها، لاسيما في مجالات مبادرات المهارات وبناء القدرات والرعاية الصحية، والزراعة، والثورة الرقمية، والتكنولوجيا. تستند الإستراتيجية على مجموعة من المبادئ، والتي تشمل أربع ركائز رئيسية:

  • أولًا: بناء القدرات والتدريب والتعاون التقني والاقتصادي الهندي (ITEC).
  • ثانيًا: خطوط الائتمان (LOC) أو القروض الميسرة.
  • ثالثًا: التجارة.
  • رابعًا: الاستثمار والمساعدات والمنح.

فالهند تعمل على بناء العلاقات مع الدول الإفريقية من منظور مستدام ومنتظم، بإزالة القيود التي تعوق تطور تلك العلاقات، وجذب استثمارات من القطاع الخاص في الهند. بالتركيز على قطاع الزراعة حيث تمتلك إفريقيا نحو 60% من الأراضي الصالحة للزراعة في العالم، لكنها في المقابل تنتج نحو 10% فقط من الناتج العالمي(6)، فهناك إمكانات كبيرة في إفريقيا على أساس موارد الأرض والمياه تفتقر للتطوير واستخدام أساليب الري الحديثة. ومع ذلك، هناك تفاوتات إقليمية واسعة داخل القارة؛ فسبع دول فقط من أصل 54 دولة حصلت على استقلالها تمثل أكثر من 60% من جميع إمكانات الري في إفريقيا، وهي: (أنغولا والسودان ومصر وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وموزمبيق ونيجيريا)(7)، في حين أن 18 دولة تستغل 5% فقط من مواردها(8)؛ وهو ما تراه الهند فرصة مناسبة للاستثمار في قطاع الزراعة.

المنظور الجيوسياسي الهندي لإفريقيا وتحدياتها 

تمتعت الهند تاريخيًّا بعلاقة وثيقة مع إفريقيا، بالنظر إلى النضال المشترك ضد الاستعمار وحركة عدم الانحياز(9). في البداية، كان لسياسة الهند تجاه إفريقيا أولويتان: الأولى: دعم حركات التحرير المناهضة للاستعمار، والثانية: مكافحة أنظمة الفصل العنصري(10)

تعمل الهند على الانخراط في الملفات الأمنية من خلال توفير قدراتها في مكافحة “الإرهاب والتطرف”، خاصة في مجال تكنولوجيا المعلومات والفضاء الإلكتروني. كما تشارك الهند في بعثات الأمم المتحدة، بجانب هذا تضع الهند منطقة الساحل الشرقي من القارة الإفريقية على أولوياتها في سياساتها وتحركاتها في القارة الإفريقية؛ حيث ترى السواحل الشرقية من المحيط الهندي منطقة نفوذ لها وتسعى إلى تقويض التوسع الصيني(11) واللحاق بالصين التي تنمو تجارتها مع القارة بمعدل متسارع تفوق على كل الدول والقوى الكبرى(12).

وقد جعلت الهند الأمن البحري ركيزة أساسية في تحركاتها مع الدول الإفريقية وعلى وجه الخصوص كينيا وجنوب إفريقيا(13). وتسعى الهند إلى صناعة حضور سياسي عند الدول الإفريقية للحصول على دعمها لدخول مجلس الأمن بمقعد دائم(14). في الحقيقة هذا الاهتمام الكبير والاستثمار في القطاع الأمني يكمن في أن إفريقيا تعد المصدر الأكبر لواردات الطاقة وهو ما يقلِّل من اعتمادها على دول الشرق الأوسط(15)

تواجه الهند العديد من التهديدات الجيوسياسية من القوى المنافسة لها في القارة وعلى رأسها الصين(16)؛ حيث يمكن أن تلعب الصين دورًا سلبيًّا تجاه المصالح الهندية في إفريقيا على المدى الطويل من خلال تشويه صورة الهند، ودفع الدول الإفريقية باتجاه سلبي مع الهند، كما أن أي اضطرابات على طرق التجارة البحرية سواء مع القوى الكبرى أو القراصنة يمكن أن يكون لها تأثير سلبي كبير على مصالح الهند مع إفريقيا(17)، خاصة أمن الطاقة. ويمكن أن تؤدي هذه المنافسة إلى صناعة توترات وصراعات بين الهند والقوى الأخرى في المنطقة. مع ذلك، لا يمكن تجاهل المشاركة الواسعة من الهند في عمليات حفظ السلام، حيث تحتل الهند المركز الرابع كأكبر مشارك بالقوات في إفريقيا؛ إذ أسهمت بنحو مئتي ألف جندي كجزء من الخوذ الزرقاء منذ استقلالها. حاليًّا يخدم 4483 جنديًّا هنديًّا في بعثات حفظ السلام في خمس دول إفريقية: الكونغو، والمغرب، والسودان، وجنوب السودان، والصومال(18).

بَنَتِ الهند منشأة عسكرية بحرية في جزيرة أغاليغا الشمالية، وهي جزء من جزيرة موريشيوس، التي يقوم العمال الهنود ببنائها(19). على الرغم من إنكار كل من حكومتي موريشيوس والهند، إلا أن خرائط جوجل وشهادات عيان تشير إلى إنشاء بنية تحتية مخصصة للأنشطة العسكرية، وخاصة المراقبة(20) (انظر الخريطة 1 لموقع القاعدتين في شمال جزيرة أغاليغا).

لماذا بالتحديد شمال الجزيرة؟ الجواب هو أن شمال الجزيرة يقع بالقرب من خط الاتصال البحري بين قناة موزمبيق والهند؛ مما يجعلها موقعًا إستراتيجيًّا لمراقبة وحماية طرق التجارة البحرية للهند. لكن بلا شك، فإن استثمار الهند 250 مليون دولار في تطوير مطار وميناء ومركز اتصالات في هذه الجزيرة النائية لا يهدف إلى مساعدة موريشيوس على تطوير قدرتها في مراقبة مياهها الإقليمية(21)، لكن من أجل تعزيز تموضعها الإستراتيجي من ناحية المعلوماتية الأمنية والتكتيكية العسكرية مقابل التهديدات المتوقعة، وبالتأكيد مقابل منافستها الصين. وهو الموقع الذي اهتمت به كل من أميركا وبريطانيا في سياق الحرب الباردة في ستينات القرن الماضي لتعزيز حضورهما العسكري الإستراتيجي عالميًّا(22).

فأميركا وبريطانيا وإسبانيا وفرنسا والقوى الاستعمارية السابقة تتمركز في العديد من الجزر حول إفريقيا في المحيط الهندي والمحيط الأطلسي، وهو ما يجعلها متفوقة على الصعيد التكتيكي من خلال استخدام القواعد البحرية في تلك الجزر بجانب أساطيلها البحرية، وهو ما أشار له ألفريد ماهان الذي عمل في القوات البحرية الأميركية، والمطور النظري والمنهجي لمفهوم القوة البحرية الأميركية وفي مقدمته التموضع في نقاط إستراتيجية من زاوية تكتيكية سواء جزر أو موانئ، وذلك بهدف تنفيذ معارك في المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ والمحيط الهندي في نفس الوقت الأمر الذي يصنع الهيمنة عالميًّا(23).

على سبيل المثال، جزر الكناري التي تحتلها إسبانيا وتوجد قاعدة عسكرية بحرية عليها، وجزر سانت هيلينا التي تتمركز فيها قاعدة عسكرية بريطانية وأميركية، وجزيرة موريشيوس التي توجد بها قاعدة عسكرية فرنسية بجانب القاعدة الهندية، وكذلك جزيرة مايوت التي توجد بها قاعدة فرنسية، وجزر دييغو غارسيا التي تتميز بموقع إستراتيجي في منتصف المحيط الهندي يوجد عليها قاعدة عسكرية بريطانية وأخرى أميركية(24). في المقابل، تستثمر الصين في بناء واحد وعشرين ميناء في السواحل المطلة على المحيط الهندي بجانب قاعدة عسكرية في جيبوتي (انظر الخريطة 2)(25). كما تستثمر الصين في نحو ستة وأربعين ميناء على طول خطي الساحل الشرقي والغربي لإفريقيا(26).

من المهم أن نضع في الحسبان أن الهند وقَّعت على ثلاث اتفاقيات أمنية وعسكرية مع أميركا والبنتاجون، وضعت الهند في مرحلة تعاون وتنسيق كامل مع أميركا بالحصول على المعلومات الأمنية والتقنيات والأسلحة المتطورة: الاتفاقية الأولى هي (BECA) التي تتيح معدات متطورة بالإضافة إلى معلومات استخبارية في وقت حي؛ مما سيسمح للهند بالاستفادة من المعلومات الجغرافية المكانية الأميركية لضرب أهداف العدو بدقة بالغة والاستعداد لأي هجمات متوقعة، والاتفاقية الثانية هي (LEMOA) التي توفر تنسيقًا عاليًا ومتبادلًا في المسائل اللوجستية بين الجيشين. أما الاتفاقية الثالثة فهي اتفاقية (COMCASA) التي تضع الجيش الأميركي في تحالف عسكري من خلال إتاحة تصدير معدات عسكرية متطورة تكنولوجيًّا، وهي الاتفاقيات التي أنجزتها حكومة ناريندرا مودي(27)

أما فيما يتعلق بصادرات السلاح الهندي بإفريقيا فنجد أن الهند لا تمثل ثقلًا في هذا القطاع بالمقارنة مع روسيا وفرنسا والصين وأميركا، لكن مع ذلك تشهد صادرات السلاح الهندي نموًّا كبيرًا في السنوات الخمس الماضية؛ حيث صرحت حكومة ناريندرا مودي بأن الصادرات الدفاعية ارتفعت بنسبة 334% في السنوات الخمس الماضية متجهة لأكثر من 75 دولة. لتدخل الهند ضمن قائمة أكبر 25 مصدِّرًا للسلاح في العالم. كانت الدول الإفريقية على قائمة المستوردين؛ حيث استوردت موريشيوس 6.6% من إجمالي صادرات الأسلحة الهندية بين عامي 2017 و2021، تليها موزمبيق بنحو 5% ثم سيشل بنحو 2.3%. فهناك تسع دول في إفريقيا تطل على المحيط الهندي، وهي: جزر القمر، وكينيا، ومدغشقر، وموريشيوس، وموزمبيق، وسيشل، والصومال، وجنوب إفريقيا، وتنزانيا. لذلك تسعى الهند إلى رفع قدرات تلك الدول لتشاركها في تأمين سواحل المحيط الهندي لحماية التجارة البينية معها(28).

 استثمارات الهند وتجارتها في إفريقيا

تتركز تجارة الهند واستثماراتها في إفريقيا في قطاع الخدمات، وهو القطاع الذي يمثل نحو 75% من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى إفريقيا. بلغت الاستثمارات الهندية التراكمية في إفريقيا خلال الفترة من أبريل/نيسان 1996 إلى مارس/آذار 2022 نحو 74 مليار دولار، وهو ما يجعل الهند واحدة من أكبر خمسة مستثمرين في القارة، وتعد موريشيوس وموزمبيق والسودان ومصر وجنوب إفريقيا هي الوجهات الرئيسية لاستثمارات الهند. الشركة التابعة المملوكة بالكامل (Wholly Owned Subsidiary = WOS)(29) هي المسار المفضل للاستثمار بالنسبة للشركات والمستثمرين الهنود في إفريقيا؛ فقد بلغ حجم الاستثمارات الهندية الذي تبنى هذا المسار نحو 81.6% من إجمالي الاستثمارات المعتمدة خلال الفترة من أبريل/نيسان 2010 إلى مارس/آذار 2022 فيما شكلت المشاريع المشتركة نحو 18.4% من إجمالي الاستثمارات المعتمدة خلال نفس الفترة. كان قطاع التصنيع الأعلى استثمارًا خلال نفس الفترة، فيما تنوع الاستثمار في قطاعات أخرى كالخدمات المالية والتأمين والعقارات والزراعة والقطاعات المرتبطة بها والنقل والتخزين وخدمات الاتصالات(30)

بلغ متوسط حجم التجارة البينية بين الهند وإفريقيا نحو 65.12 مليار دولار سنويًّا خلال الفترة الممتدة من 2011 وحتى 2020. كانت سنة 2014 أعلى السنوات التي جرى فيها تبادل تجاري بنحو 75 مليار دولار فيما كانت سنة 2016 أقل سنة. بينما بلغ حجم التجارة في 2021 نحو 56 مليار دولار، وحطم رقمًا قياسيًّا عام 2022 بنحو 89.5 مليار دولار أي بزيادة تقارب 60% عن العام الذي سبقه، بحسب تصريحات لوزير الخارجية الهندي، سوبرامانيام جيشانكار. الذي قال: إن الهند قدمت لإفريقيا قروضًا ميسرة تزيد عن 12.3% مليار دولار وأنجزت 197 مشروعًا(31) (انظر الإحصائية التالية). 

ومع ذلك، تواجه الهند تحديًا كبيرًا في ميزانها التجاري مع إفريقيا حيث تتجاوز الواردات حجم صادراتها. تعد المنتجات البترولية المكررة والمستحضرات الصيدلانية أهم الصادرات الهندية الرئيسية إلى إفريقيا من حيث النوع، بينما يأتي النفط الخام والذهب والفحم والمعادن على رأس قائمة الصادرات الإفريقية للهند. وقد أفادت استثمارات الهند البلدان الإفريقية في بناء قدراتها، وعملت على نقل التكنولوجيا بأسعار معقولة ومنافسة للصين، كما ركزت استثماراتها في البنية التحتية مثل الطرق، والسدود، وكهربة الريف بالطاقة الشمسية(32)

خاتمة

تشهد الهند قفزات نوعية على كل الأصعدة مع إفريقيا، اقتصاديًّا وسياسيًّا، خلال السنوات العشر الماضية. وتتميز بالعديد من العوامل وعناصر القوة التي لا تمتلكها القوى الكبرى خاصة القوى الاستعمارية السابقة كالانتشار الواسع للجاليات في منطقة شرق وجنوب إفريقيا، وهو ما يسهم في اتساع تجارتها وتنامي تأثيرها السياسي داخل تلك الدول. لكن لا تزال الهند تواجه تحديات في كسر الميزان التجاري للصادرات والواردات مع إفريقيا لصالحها بالمقارنة مع الصين، ويرجع ذلك إلى اعتماد الهند على استيراد المواد البترولية الخام من إجمالي احتياجاتها للطاقة من إفريقيا.

على الصعيد الأمني، ستنعكس الاتفاقيات الأمنية التي وقَّعتها الهند مع أميركا في تعزيز نفوذها وتأثيرها مقابل الصين. وهي الاتفاقيات التي وقعتها بدءًا من 2016 مع قدوم حكومة مودي إلى السلطة، وهو الأمر الذي بدأ يأخذ منحنى تصاعديًّا باتساع استثمارات الهند في القوة الخشنة من خلال بناء قاعدة عسكرية إستراتيجية شمال جزيرة أغاليغا لتأمين طرق التجارة البحرية بين الهند وإفريقيا. ومن المتوقع أن تعمل الهند على تعزيز حضورها الأمني والعسكري الخشن من خلال بناء القواعد العسكرية والاستثمار في بناء الموانئ خاصة في منطقة شرق وجنوب القارة الإفريقية، بجانب توسيع مشاركتها في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي. 

 الخرائط

.

 الخريطة 1: موقع القاعدتين العسكريتين الهنديتين في شمال جزيرة أغاليغا 

.

الخريطة 2: الانتشار الصيني في الموانئ المطلة على المحيط الهندي 

شادي إبراهيم – باحث بمركز سيجا بجامعة صباح الدين زعيم

المصدر: موقع الجزيرة للدراسات




إيران والسعودية والسعي لـ”التوازن الإستراتيجي”: الأصعب لم يغلق ملفه بعد

إن عودة العلاقات الدبلوماسية بين إيران والسعودية حلقة أخرى تضاف إلى مسار تطبيع العلاقات بين طهران والرياض، ولا يمكن الاستهانة بالأثر الذي سيتركه ذلك على مجمل العلاقات في المنطقة؛ فقد تنجح الدولتان في إرساء معادلة جديدة في العلاقة لحاجتهما الماسة إلى ذلك، ولكن أرضيات التوتر لا تزال قائمة مما يؤشر إلى الصعب القادم في عملية معالجة ما لحق بعلاقة البلدين من ضرر.


أعادت إيران افتتاح سفارتها في الرياض، وستعيد الرياض افتتاح سفارتها في طهران بعد عيد الأضحى. وتفعيل التبادل الدبلوماسي تطور مهم في مسار المصالحة الإيرانية-السعودية بعد الاتفاق الذي رعته الصين، لكن ملفات العلاقة الإشكالية والصعبة ما زالت قائمة، والطريق إلى حلها سيكون صعبًا ويقتضي نجاحه تقديم تنازلات من قبل الطرفين. وقد يكون ما حدث في القاعة التي استضافت المحادثات عند زيارة وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، طهران مطلع هذا الأسبوع مثالًا حيًّا على هذه الإشكالية، فالقاعة التي اعتادت الخارجية الإيرانية أن تستقبل ضيوفها فيها تحتوي على صورة لقائد فيلق القدس، الجنرال قاسم سليماني، الذي اغتالته الولايات المتحدة الأميركية مطلع العام 2020، وكانت ستظهر في خلفية الصورة لعبد اللهيان وابن فرحان، ويبدو أن الوفد السعودي طالب بتغيير مكان الاجتماع وهو ما استجابت له طهران، مرجعة التغيير لـ”أسباب فنية”.

إن عودة العلاقات الدبلوماسية بين إيران والسعودية وزيارة وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، إلى طهران، ودعوة إبراهيم رئيسي لزيارة السعودية، حلقات أخرى تضاف إلى مسار تطبيع العلاقات بين طهران والرياض، ولا يمكن الاستهانة بالأثر الذي سيتركه ذلك على مجمل العلاقات في المنطقة خاصة مع ما للدولتين من أثر وتأثير في غرب آسيا، ومكانتهما المحورية في مجال الطاقة.

وقد تنجح الدولتان في إرساء معادلة جديدة في العلاقة لحاجتهما الماسة إلى ذلك، ولكن الإشكاليات التي من الممكن أن تعيد التوتر في أية لحظة لا تزال قائمة مما يؤشر إلى مسار صعب قادم، ولعل أبرز هذه الإشكاليات ما نضعه في النقاط التالية:

أولًا: طبيعة نظام الحكم والفلسفة السياسة التي تحكم الأنظمة في المنطقة فيها اختلافات جوهرية لا يمكن التقليل من شأنها، ولذلك فإن جزءًا من الحوار يجب أن ينصرف إلى إمكانيات التعايش بين هذه الأنظمة والقبول بالاختلافات في إطار أمني مشترك يضمن مصالح الجميع، وهنا تبرز مشكلة المصالح المتضاربة.

ثانيًا: العلاقات الخارجية ومجموع التحالفات؛ وهناك فروق تكاد تكون جذرية في بناء التحالفات وتعيين الأصدقاء والأعداء ولا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهل أثر العامل الخارجي على مسار علاقة البلدين وخاصة الموقف من الولايات المتحدة الأميركية.

ثالثًا: تعريف المصالح والدور الذي تريده كل دولة، من الواضح أن التباين على هذا الصعيد واضح للعيان ولا يمكن استبعاد أو إسقاط أثر الاختلاف في الأولويات لكل طرف في المعادلة، وارتباط ذلك بمعادلة أولويات الدول ذات المصالح الاقتصادية والسياسية الكبيرة في المنطقة. 

ويبدو أن الأمن هو مطلب وملف ضاغط في العلاقة سواء الأمن بمفهومه العسكري -وهنا يبرز ملف اليمن ملفًّا ضاغطًا بالنسبة للسعودية- أو بمفهومه الاقتصادي -وهنا يبرز ملف العقوبات ملفًّا ضاغطًا بالنسبة لإيران-. وبسبب التشعبات المرتبطة بذلك، وهي تشعبات ضاغطة، فالأمر يقتضي تفكيرًا بصياغة مرجعيات ضابطة لحل هذه المسائل، وإدارة المختلف عليه من خلال الطرق السياسية والدبلوماسية بمعايير تقبل بها أطراف العلاقة. ولا يكفي الرهان على العامل الاقتصادي لجعل هذا التقارب مختلفًا عن المحاولات السابقة. صحيح أن المنطق الاقتصادي يحفز كلتا الدولتين على التهدئة ومعالجة التوتر، بالنظر إلى أن حجم الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون من المتوقع أن يصل خلال العام الجاري (2023) إلى 2.1 تريليون دولار؛ وفق أرقام قدمها عبد العزيز العويشق، الأمين العام المساعد للمجلس في افتتاح مؤتمر الحوار العربي-الإيراني، ومع ذلك يبقى الاقتصاد متأثرًا بالإشكاليات السابقة التي أشرنا إليها.

وفي المسار الأمني للعلاقة، سيبقى ملف النفوذ الإقليمي لإيران يطل برأسه بين الفينة والأخرى، والعقبة المهمة هنا أن لا إيران مستعدة للتخلي عن أوراقها الرابحة ومنها نفوذها الإقليمي ولا السعودية مستعدة للقبول به، والسؤال يطرح هنا عن إمكانيات التسوية أو الحل.

بالتأكيد لن تتخلى إيران عن حلفائها من الميليشيات المنتشرة في العراق وسوريا واليمن، وأماكن أخرى لكن موضوع الميليشيات مرتبط بشكل كبير بالحالة السياسية وتصاعد مستويات التهديد. فإذا ضمنت جماعة أنصار الله حصة سياسية معتبرة في التسوية السياسية في اليمن، فسيكون هذا حلًّا مناسبًا جدًّا لإيران. وبالنسبة لسوريا، إذا نضج الحل السياسي، فهذا يعني أن الميليشيات الإيرانية في سوريا والعراق ستدخل في حالة من الكمون؛ مما يجمد الحالة دون حلول جذرية لها.

ولا تقل مسألة الموقف من القضية الفلسطينية وبالارتباط بذلك الموقف من الاحتلال الإسرائيلي والعلاقة مع إسرائيل أهمية عما سبق كمحدد لنجاح أو فشل مسار التقارب السعودي-الإيراني، فالمواقف على هذا الصعيد متباينة وفي الوقت الذي تؤكد فيه إيران موقفها الرافض للتطبيع مع إسرائيل، تخرج تسريبات وإشارات على أن السعودية قد تقبل بتسويات ونظام علاقات تكون إسرائيل جزءًا منه. ولذلك، فإن إسرائيل والموقف منها سيكونان على الدوام عاملين مؤثرين في مستقبل العلاقة السعودية-الإيرانية. وقد تكون إيران بتقاربها مع السعودية قد حيدت هذا العامل لبعض الوقت دون أن يسقط من المعادلة بالكامل.

وفي الوقت الذي تنظر فيه إيران إلى القواعد العسكرية الغربية في منطقة الخليج كتهديد ومعيق لعلاقات جيدة بين إيران وجيرانها، لا يشاركها الجيران هذا الموقف.

تحاول إيران تعزيز مشاركة الجوار في مسارها التفاوضي مع الغرب، وتقوم قطر وعُمان بدور على صعيد نقل الرسائل بين طهران وواشنطن خاصة في مجال تبادل السجناء، ومؤخرًا دخلت أبو ظبي على هذا الخط واستضافت مشاورات دبلوماسية بين كبير المفاوضين الإيرانيين، علي باقري، ونظرائه الألمان والفرنسيين والإنجليز. ويبدو أن إيران تسعى لتوسيع مظلة الأدوار الدبلوماسية التي تقوم بها دول الإقليم، بغية تعزيز العلاقة معها.

وعودة إلى الأمن والاقتصاد مدخلين للتقارب، فنجاح ذلك يفتقر إلى خريطة طريق وبرنامج عملي يتم فيه وضع جدول زمني وأهداف واضحة، وتأتي معضلة اليمن في رأس القائمة حيث الحاجة إلى حل سياسي قابل للاستمرار.

وقد تحتاج السعودية وإيران إلى بناء آلية خاصة للحوالات المالية لتجاوز إشكالية نظام الـ”سويفت” المتأثرة بالعقوبات، وفق الأرضية التي أنشأتها إيران مع الصين، والتي تقوم على الاستفادة من العملات المحلية والوطنية.

وكما أن العقوبات هي ملف ضاغط فإن تعثر المفاوضات بشأن برنامج إيران النووي هي ملف ضاغط أيضًا، وفشل المحادثات يعني تغييرًا في العقيدة الأمنية لإيران والاتجاه نحو خيارات غير مرغوبة، وهو ما يعني دخول المنطقة في سباق نووي. ولذلك فإن من مصلحة أمن المنطقة تفعيل الخيارات الدبلوماسية بشأن الملف النووي الإيراني.

قد تشكِّل ملفات سوريا والعراق ولبنان ملفات للتعاون بين البلدين بغية تحقيق الاستقرار وإخراج هذه البلدان من أزماتها السياسية والاقتصادية ولكن ذلك لن يكون سهلًا وقد لا يتجاوز تسويات في الحدود الدنيا، تخفض حدة التوتر بين البلدين بشأن هذه الملفات دون أن تسهم بحلول ملموسة ومستمرة لها.  

هناك أصوات متفائلة تقارب هذه القضية بوعود بالرخاء والمشاريع الاقتصادية الضخمة، وهو أمر ليس بمستحيل، ولكن المحددات السابقة والحديث عن السعي إلى “التوازن الإستراتيجي” تجعلنا متحفظين في رسم حدود ما يمكن أن يصل إليه التقارب السعودي-الإيراني الذي من الممكن أن يترجم إلى علاقات اقتصادية قوية، وعلاقات ثقافية وتبادل تجاري واسع وانفتاح غير مسبوق بين البلدين، وهذا سيكون له تأثير على مجمل المنطقة ولكنه قد لا يتجاوز الحدود الدنيا، بمعنى “السلام البارد” وسفارات مفتوحة في كلتا العاصمتين، أو أن يكون في حدود متوسطة لا تصل معها العلاقة إلى مستويات الصراع لكنها تحافظ على حدٍّ من التنافس.

إن الحاجة ستدفع البلدين إلى إدارة حالة التنافس بينهما وتخفيض مستوى النزاع. وسيبقى التنافس قائمًا لكن مستوى الصراع بين البلدين سينخفض؛ فقد اختبرت طهران والرياض في مرحلة من المراحل، وصول الصراع إلى مستويات خطرة كان لها تأثيرات على مجمل دول المنطقة.

فاطمة الصمادي – باحثة أردنية متخصصة في الشأن الإيراني

المصدر: موقع الجزيرة للدراسات




أبناء الجولان المحتلّ يواجهون “الريح” ويقاومون “الاستعمار الأخضر”

في الجولان السوري المحتل ثمّة موقف وحدويّ ومزاج شعبيّ جامع، للصغير قبل الكبير، حول نيّات السلطات من وراء إقامة مشروع “التوربينات”. فشهدت قرى الجولان يومين متتاليين من الاشتباكات العنيفة والتظاهرات المناوئة لمشروع “المراوِح الهوائيّة”.

شهدت قرى الجولان السوري المحتلّ يومين متتاليين من الاشتباكات العنيفة والتظاهرات المناوئة لمشروع “المراوِح الهوائيّة”، أو “التوربينات” التي تحاول سلطات الاحتلال الإسرائيلية وشركة “إنرجيكس” المحدودة للطاقة المُتجدّدة فرضها على أهالي الجولان وزرعها في أراضيهم الخاصّة بذريعة زيادة الطاقة المُتجدّدة في المنطقة. خاصّة وأن الاحتلال الإسرائيلي كان قد وقّع على اتّفاقية باريس للمناخ في العام 2015 وتعهّد بالحدّ بشكلٍ كبير من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالميّة. فلماذا يعارض السكّان مشاريع الشركة؟

في جوٍ هادئ نسبياً، وبعد وقف الاشتباكات بين أهالي الجولان وقوّات الاحتلال، تحدث أهالي الجولان السوري المحتل إلى الميادين نت، تحديداً قريتَي مَسْعَدة ومَجْدَل شمس، عما مرّ عليهم في الأيّام السابقة. في مدخل قرية مَسْعَدة، كانت مجموعة من الشابات والشبّان يجلسون حول طاولة “حُرش”.

في مشهد جولانيّ كلاسيكي، وبينما تحضّر شابّة (17 ربيعاً) مشروب “المتّة”، طرح الميادين نت عليهم سؤالاً: ألديكم خبر بالّذي حدث يوم أمس؟ هبّ شابّ: “إي طبعاً! ما نحنا كِنّا كِلنا”. ثمّ قالوا: “رموا علينا الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع. كان عنف وإصابات”. وفي تعليق على مشروع “المَراوِح”، قالت إحدى الشابات: “عندنا في الجولان الناس بتسترزق من الأراضي، المشروع عم يخرّب عليها، حتّى كل جمال منطقتنا رح يروح مع المَراوِح”، وشابّة أخرى أضافت: “كمان قالوا إنه المراوِح ممكن لقدّام تهجّرنا، ممكن تصير منطقة صناعية للشركة وبطالعونا”. 

موقف وحدوي وإجماع شعبيّ

منذ أن احتلّت “إسرائيل” الأراضي السوريّة في الجولان وأتمّت سيطرتها عليها بالكامل، في أعقاب عدوانها على الدول العربيّة في حزيران/يونيو من العام 1967، شرعت في طمس معالم الجولان العمرانيّة والبشرية والبيئيّة، والاستيلاء على الأراضي والموارد الطبيعية وتحديداً المياه، في خطوة تجسّد جوهر الفكر الاستيطاني، وبالتالي تنفيذ مخطّطات جديدة من أجل خلق واقع ديموغرافي وسياسي واجتماعي واقتصادي جديد يعزّز تلك السيطرة ويضمنها لمدى أطول.

أحد أبرز المخطّطات هو السيطرة على الأرض من دون سكّانها، وهدم قراهم ومدنهم ومزارعهم لتشييد المستوطنات الإسرائيلية على أنقاضها، ونقل المستوطنين إليها من خلال إغرائهم بخيرات الجولان الطبيعية وفي مقدّمتها الأرض والمياه التي وضعتها لخدمة المستوطنين واقتصادهم. فمع احتلال الجولان، هجّرت “إسرائيل” أكثر من 130 ألف مواطن سوري، ودمّرت أكثر من 300 قرية ومدينة. أمّا اليوم، فيبلغ عدد السكان في الجولان قرابة 28 ألف سوري موزّعين على خمس قرى تقع في أقصى شمال الجولان: مجدل شمس ومسعدة وبقعاتا وعين قنية والغجر في مساحة تشكّل تقريباً 5% من إجمالي مساحة أراضي الجولان، ونحو 29 ألف مستوطن إسرائيلي في مساحة تشكّل نحو 95% من المساحة.

تشير دراسة “المرصد” – المركز العربي لحقوق الإنسان في الجولان، إلى أن الأراضي في الجولان بمعظمها كانت ملكاً خاصاً للسكّان، وذلك وفقاً لـ”تصنيفات ملكيّة الأراضي” في الجمهورية العربيّة المتّحدة (الإقليم الشمالي) المُسندة بقانون الإصلاح الزراعي رقم 161 للعام 1958، وكذلك القانون رقم 134 الصادر في 4 أيلول/سبتمبر من العام نفسه ويقضي بتنظيم العلاقات الزراعيّة. وانطلاقاً من طبيعة الجولان الحيويّة واعتبارها منطقة زراعية هامّة للاقتصاد السوري، دعمت الحكومة السورية آنذاك الاستثمار في الأراضي، وعملت على دعم المُزارع الجولاني للعمل في الأرض كونه مالك الأرض.

لكنّ “إسرائيل” ومع احتلال الجولان كانت لديها خطط أخرى. من أجل تنفيذها، اتّبعت حكومات الاحتلال الإسرائيليّة المُتعاقبة سياسات مُتطابقة، تتشابه من حيث الجوهر والمضمون، رغم الاختلاف الظاهر في الشكل، إذ ترمي جميعها إلى التحكم المطلق في الثروات لخدمة مشروعها الاستيطاني، فبقيت تلك المشاريع “ظاهرياً” تحت أسماء وأهداف مختلفة؛ كالاهتمام بمصلحة “المدنيين”، أو “أمن” قوّات الاحتلال، وكل هذا من خلال خلق تأطيرات قانونيّة، لكن النتائج والتَبِعات كانت تفضي دائماً إلى هدف “إسرائيل” المركزي: ضمّ المنطقة وفرض السيادة. 

أبرز المشاريع كان إفراغ المنطقة من سكّانها العرب. ولتحقيق ذلك، أصدرت “إسرائيل” جملة من الأوامر والبلاغات العسكريّة بشأن المساحات المُغلقة. يوم 14 حزيران/يونيو 1967، أعلن القادة العسكريون أن منطقة الجولان بأكملها “مساحة مغلقة”، يحظر على الأشخاص دخولها أو الخروج منها، بصرف النظر عن هويّتهم، وذلك لتعزيز الوضع القائم بعد احتلال الجولان، الأمر الذي مكّن السلطات من إفراغ المنطقة وتهجير سكّانها للحيلولة دون عودة المواطنين السوريين. وفي 4 تموز/يوليو 1967، أعلن القائد العسكري البيوت التابعة لسكّان مدينة القنيطرة مساحة عسكرية مغلقة، يمنع دخول السكّان وخروجهم منها إلا بعد الحصول على رخصة خطّية صادرة عنه، وعمدت السلطات إلى معاقبة واعتقال كلّ من حاول العودة إلى بيته وممتلكاته.

  • شهدت قرى الجولان السوري المحتلّ يومين متتاليين من الاشتباكات العنيفة والتظاهرات المناوئة لمشروع “المراوِح الهوائيّة”

بالطرق نفسها التي انتهجتها “إسرائيل” للسيطرة على فلسطين عام 1948، سيطرت على الأرض في الجولان. ففي عام 1950، أقرّ الكنيست “قانون أملاك الغائبين”، لتنظيم السيطرة على أملاك الغائبين تحت غطاء قانوني. ووفقاً لأحكام القانون، فإن كل من ترك مكان إقامته إلى بلاد أخرى في حالة حرب مع “إسرائيل” يعدّ غائباً، وحتّى لو كان موجوداً إبّان الحرب في بلد ليس في حالة حرب مع “إسرائيل” كأوروبا أو الولايات المتحدّة فيعدّ “غائباً”، كذلك الأمر بالنسبة إلى الجولان. 

أما السيطرة على موارد المياه، فقد شكّلت هوساً لدى القادة الأوائل للحركة الصهيونية الذين استغلوا المحافل الدولية والمؤتمرات للتشديد على ضرورة ضم جبل الشيخ، ضمن حدود “الدولة” اليهودية. تضاريس الجولان المرتفعة جعلته منطقة غنيّة جداً بالأمطار، وغالباً يدوم موسم هطول الأمطار أكثر من ستّة أشهر. ففي مذكّرة أرسلتها المنظّمة الصهيونية إلى مؤتمر السلام في باريس عام 1919، أرفقت نصاً يفيد بأن جبل الشيخ هو مصدر المياه الرئيسي، أو أبو المياه الحقيقي بالنسبة إلى فلسطين، ولا يمكن فصله عنها! ولا عجب أن نحو 30% من المياه المُستهلكة اليوم في “إسرائيل” مصدرها أراضي الجولان السوري المحتل.

فلماذا سيصدّق أهالي الجولان الآن شركة “إنرجيكس” ونيّاتها الخضراء؟ في الجولان ثمّة موقف وحدوي ومزاج شعبيّ جامع، للصغير قبل الكبير، حول نيّات السلطات من وراء إقامة مشروع “التوربينات”. يؤكّد السيّد نزيه كرمة إبراهيم، وهو ناشط وأسير سياسي سابق من مجدل شمس، في حديثه للميادين نت أنّ الهدف الأساسي هو الاستيلاء على المزيد من الأراضي، موضحاً: “إسرائيل تريد أخذ أراضينا بطريقة غير مباشرة. فهي تقول في إعلامها إنها تريد إنتاج كهرباء خضراء، وهذا ليس صحيحاً؛ لأن هذا المشروع سيدمّر حياتنا وزرعنا. حياتنا جميعاً مرتبطة بالأرض والشجرة. شجرة التفاح والكرز. وهذا الشيء لا يعجبهم لأننا نحقّق تقدّماً في الزراعة ولا نحتاج أحداً. كل شغلنا في الأرض والشجرة الأمر الذي لا تريده إسرائيل”. 

جمال رِضا، مزارع من قرية مسعدة، أكّد تشبّثه في أرضه قائلاً: “هذه أرضنا، جذورنا، ورثناها عن آبائنا وأجدادنا، والاحتلال يريد أن ينزع منّا أرضنا. أرواحنا فداء لأرضنا، نحن لا نخافهم ولا نخاف من سلاحهم مهما كان! الاحتلال التركي استمر 400 عام واندحر، وكذلك الفرنسي، وأيضاً الاحتلال الإسرائيلي سيندحر، هذه أرض عربيّة سوريّة”.

ماذا تريد شركة “إنرجيكس” من الجولان؟

تعمل الشركة على إدراج مشروع التوربينات وفق ادعائها على أنه “خطّة وطنية للبنية التحتية – National Infrastructure Plan”، الأمر الذي سيسهّل عليها تنفيذه لأن حكومة الاحتلال ستمنح له الأولوية وفقًا للسياسات التنظيميّة كما أنّها حصلت على موافقة “جيش” الاحتلال الإسرائيلي الذي عارض المشروع في البداية، لكن الشركة ما زالت بحاجة للحصول على الموافقة من جهات حكومية أخرى كشركة الكهرباء الإسرائيلية.

بحسب التقرير الدوري للشركة من العام 2017، فإن المشروع سيولّد 152 ميجا-واط من الطاقة سنويًا – ممّا سيجعل منه أكبر “مزرعة رياح” من حيث الإنتاج، وسيتم بيع الطاقة الناتجة لزبون واحد فقط؛ شركة الكهرباء الإسرائيلية. ويرجّح أن المشروع سيحقّق عائدًا سنويًا يقدّر بحوالى 150-160 مليون شيكل (41-44 مليون دولار أميركي).
 
إحدى الإشكاليّات هي أن المشروع ليس توسّعيًا فقط من حيث المساحات التي ستغطّيها التوربينات، بل سيتطلّب المشروع أيضًا تحديثات واسعة لشركة الكهرباء، وتعزيز البنية التحتية وتوسيع وشقّ طرق جديدة لإدخال كوابل للأراضي الزراعية بهدف دعم البناء، وذلك وفقًا لنصّ جلسة انعقدت في العام 2015، بحضور كامل الأعضاء مع وزارة الماليّة الاسرائيليّة، وعلى الرغم من ذلك تدّعي الشركة، من دون تقديم أي تفسير ودعم لادّعاءاتها، أنه لن يتم المساس بالزراعة بشكل فعلي.

تزعم الشركة أن المشروع سيساعد سكّان الجولان لأنه سيوفّر فرص عمل هائلة وسُبلًا جديدة للدخل وأن المشروع يلاقي دعمًا في المجتمع المحلّي، وأنها منذ البداية تعمل “يدًا بيد” مع الأهالي هناك، وفقًا لدراسة شاملة أجراها “المرصد” عام 2019. وبحسب الدراسة، فإن هذا الادّعاء هو ادّعاء زائف بشكل لا لبس فيه، لأنه وكما يبدو أن الشركة دفعت المال لبعض الأفراد، واعتمدت على استطلاعات تشوبها عيوب واضحة، مع أناس التقتهم في منطقة بناء المشروع.

سبّبت الشركة بمشروعها  هذا تصدّعات داخل المجتمع المحلّي، بسبب التلاعب الذي انتهجته الشركة لكونه يقدّم فوائد ماليّة لعدد قليل من الأفراد المنتفعين على الرغم أنه سيلحق الضرر بالغالبية العظمى، كما أنهّا اتّخذت الكثير من الخطوات المدروسة لكسب الرأي العام واستمالة بعض شرائح المجتمع. قامت الشركة بإنشاء مكتب لها في مجدل شمس، للترويج لفوائد المشروع، كما وانشأت صندوقاً للمنح الدراسية في الجولان، ورعاية فريق كرة قدم محلّي للشباب، كما أنّها أبرمت اتّفاقًا مع بعض الوسائل الإعلامية المحليّة للترويج لإعلاناتها.

حرب استنزاف قضائيّة وتزييف للوثائق

كرامة أبو صالح، محامٍ في “المرصد” – المركز العربي لحقوق الإنسان في الجولان ومتابع للمسار القضائي لقضية المراوِح، تحدّث للميادين نت، وأكّد أنه كان شاهداً منذ بداية مرحلة الاعتراضات الأوّلية التي تقدّم بها المزارعون والمجتمع المحلّي للّجنة القطريّة للتخطيط والبناء، والمدعومة أيضاً بتقارير نشرتها منظّمات بيئيّة شملت آراء مختصّين تشير إلى خطورة هذا المشروع وأضراره. لم تُقبل هذه الاعتراضات، لكن المحقّق في اللّجنة وصل إلى استنتاج بأن الشركة لم تُشرك السكّان المحليّين وتطلعهم على مشروعها، وهي خطوة هامّة جداً قبل الشروع في العمل، وذلك بسبب العدد الكبير للسكّان المشاركين الذين أبدوا اعتراضهم الشامل على المخطط. 

هذه الاعتراضات أدّت إلى إضافة بند جديد إلى نص “تعليمات التخطيط” من جانب لجنة التخطيط القطريّة، ينصّ على أن الشركة يجب أن تأخذ موافقة من الجيران قبل البدء بزرع “التوربينات” بالقرب منهم. يضيف أبو صالح بأن بعض المزارعين كانوا بالفعل قد وقّعوا على اتّفاقيات مع الشركة، لكن بعد توضيح أخطار المشروع من جانب ناشطين محلّيين ومنظّمات بيئية قرروا الاعتراض وأرسلوا إلى الشركة طلباً لإبطال الاتّفاقيات؛ لأنهم شعروا بأن ما حدث لهم كان تضليلًا. ويؤكّد أن الغالبية من السكّان لم يؤخذ برأيها أصلاً، ولم ترسل موافقة خطّية كما تنص بنود المخطّط، لكن الشركة أظهرت الموافقة للجنة من أجل الحصول على تأشيرة لبدء العمل، وهذا تزييف وتضليل واضح. بالإضافة إلى تسبّب الشركة بتصدّعات داخل المجتمع المحلّي؛ لكونه يقدّم فوائد ماليّة لعدد قليل من الأفراد المنتفعين، رغم أنه سيلحق الضرر بالغالبية العظمى.

  •  تشير تقارير بيئية إلى المخاطر البيئية وتهديد الحياة البريّة التي سيتسبب بها مشروع “إنيرجكس”

بدورهم، تقدّم 89 مزارعاً بالإضافة إلى 5 جمعيات زراعية بدعوى قضائيّة جماعية ضدّ الشركة، بيد أن الأخيرة طلبت فصل كل المشتكين عن بعضهم البعض، ومعالجة كل شكوى بشكل منفصل، الأمر الذي يصفه أبو صالح بحرب استنزاف قضائية، موضحاً: “عندما نتحدّث عن 89 شكوى مختلفة، علينا أن نأخذ في الحسبان أن تمويل كل الشكاوى هو أصلًا تبرّعات مالية من السكان المحليين. نحن مجموعة فلّاحين نعيش في جبل الشيخ، في أرض محتلة وغير مُمثَّلين في أي مكان، مقابل شركة مموّلة من الاحتلال ولديها أسهم في البورصة وتقيم مشاريع في الولايات المتحدة وبولونيا وغيرهما. هذه الشركة تتّبع سياسة الاستنزاف والإسكات ضدّ كل من تقدّم بشكوى ضدّها. لكم أن تتخيلوا وضع الفلاح الذي تصله شكوى تطالبه بدفع 10 ملايين شيكل”.

يُذكر أن شركة “إنرجيكس” تندرج في سجل الشركات الإسرائيلية كشركة عامة، ويتم تداول أسهمها في سوق أوراق المال في “تل أبيب”. بكلمات أخرى، إذا أتمّت مشروعها في الجولان فهذا يعني أن “إسرائيل” ستكون القيّمة عليه، أي فرض مزيد من السيادة على المنطقة بعد الأخذ في الاعتبار أن المشروع يندرج تحت “خطّة وطنية للبنية التحتية” ما يسمح بتعجيل الإجراءات لبدء العمل.

كارثة بيئيّة وخطر صحّي داهم

بالإضافة إلى الأضرار الاقتصادية التي ستلحق بسكّان الجولان، تشير تقارير بيئية عديدة إلى المخاطر البيئية وتهديد الحياة البريّة التي سيتسبب بها المشروع الذي يسعى لبناء ما لا يقلّ عن 52 توربينة رياح، بارتفاع لا يقل عن 180 متراً (ما يعادل مبنى مكوّناً من 64 طابقاً) وسط القرى السورية المتبقية في الجولان. 

وبسبب هذه المراوح، فإن الضرر الذي سيلحق بصحّة سوريي الجولان كبير. فالتعرّض للموجات تحت الصوتيّة، وهي موجات ذات تردّد منخفض (تحت السقف المسموح للإنسان) تصدر عن “التوربينات”، من شأنها أن تسبب آثاراً صحية مزعجة شبيهة بتلك التي يخلّفها دوار الحركة، الصداع والدوخة والغثيان، وكذلك اضطرابات سمعية ناتجة من الضوضاء.

بالإضافة إلى التأثير في صحّة الإنسان، مزارع الرياح ستعرّض الحياة البريّة للخطر، وخاصة الطيور البريّة والطيور المهاجرة والخفافيش والحشرات التي قد تصطدم بها لتلقى حتفها. فالعديد من الدراسات أظهر أن “توربينات” الرياح في “إسرائيل” تقتل أعداداً من الطيور أكثر من المتوقع. يقول مزارع من مجدل شمس للميادين نت: “في الزراعة، نحن نقول إن البيئة هي الحياة! فكيف ستكون الحال عندما سنواجه رياحاً شديدة بفعل “التوربينات”؟ أي ثمار ستصمد على الأشجار في وجه الرياح؟”.

برغم الأزمة، لا تزال الهويّة الاجتماعية والثقافية للجولانيين واضحة المعالم، بدءاً من الاهتمام الفعلي والحسي لمركّبات هويّتهم القابعة تحت الاحتلال، وإدراك صغيرهم قبل كبيرهم أن شركة “إنرجيكس” ومشروعها يعكسان توجّهاً جديداً لتعزيز الوجود الإسرائيلي في الجولان، وكذلك أبعاد هذه المشاريع.

زهرة سعيد

المصدر: موقع الميادين




دمج المعوّقين مع عجلة الحياة في سوريا.. مشروع إنساني وصعوبات اجتماعية

دمج ذوي الهمم ليكونوا فاعلين هو حق إنساني لشريحة مهمة في المجتمع وليس عملاً خيرياً كما يظنه البعض، وذلك من خلال الدمج في التعليم والنشاط الرياضي والثقافي وإيجاد فرص عمل مناسبة ومشجعة وتنظيم الطرق والمسارات في الأماكن العامة.


أصحاب القلوب البيضاء والضحكة الدائمة المرسومة على وجوههم هم شريحة لها حق في أن تتشارك الحياة مع كل الناس من دون تمييز، من هنا جاءت أهمية دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في دفع العملية التنموية وتطويرها، وجعلهم جزءاً لا يتجزأ من سيرورة الحياة اليومية في قطاعاتها كافة.

بابتسامة خفيّة يغلب عليها الخجل، يتحدث أحمد زنود (27 عاماً) عن تجربته المهنية بعد عام من انضمامه إلى فريق عمل في مطعم ضمن العاصمة السورية دمشق.  

يقول أحمد للميادين نت: “في السابق، كنت أذهب إلى المدرسة، وأنا بطل سباحة، شاركت في بطولات في سوريا والإمارات وحصلت على ميداليات متعددة هناك، قبل العمل كانت الحياة مملة في المنزل، أحببت العمل لأنني صرت أتواصل أكثر مع الناس، وأعمل لأتكرّم، وأرى محبة الناس في عيونهم، بعد أن دخلت سوق العمل أصبحت أفكر أن يكون لي مشروع جديد من دخلي الحالي، وهدفي أن يكون لي مشروع خاص لصناعة الصابون والشمع وأشارك في المعارض، وحالياً أجمع دخلي لأشتري بيتاً وسيارة”. 

يتعالى صوت أحمد ويقول باندفاع: “اشتغلوا مارسوا نشاطات وانجحوا لأن الحياة حلوة كتير”. 

خلود رجب رئيسة مجلس إدارة جمعية “جذور”، الجهة المشرفة على مشروع لتوظيف شباب من أصحاب متلازمة داون والإعاقات الأخرى، تقول للميادين نت: “فكرة الدمج في العمل جاءت من أجل كسر الصورة النمطية عن هذه الشريحة، سابقاً كان هناك قصور في الرؤية تجاههم، فكانت النظرة إلى هؤلاء بأنهم أشخاص محدودو المهام وهذه الفكرة مغلوطة، لأنهم في كل مرحلة يثبتون أن لديهم إمكانيات ويستطيعون أن يحرزوا النجاح والتميز إذا وجد التدخل والاهتمام المبكر”. 

إن دور الأهل وإرادتهم  الأساس في الدعم لأبنائهم والبحث عن حقوقهم بالدرجة الأولى لإيصالهم إلى بر الأمان في المراحل التعليمية ودمجهم مع أقران جيلهم، ومن ثم يأتي دور المشرفين والمجتمع ليكون متمماً لدور الأهل من خلال التنمية الفكرية لتعديل سلوك معين. وتضيف رجب: “ممكن أن نوجههم في بعض المهام التي تتناسب مع إمكانياتهم، كانت فكرة الدمج في العمل من أجل كسر الصورة المعممة عنهم أنهم مختلفون، لكن في الواقع هم ليسوا مختلفين أبداً، على العكس، نحن نعاملهم كأشخاص مسؤولين ولا نرى هذه الفروقات التي يمكن أن يراها بعض الناس”.

“طفلي مكانه بينكم” 

بهذه العبارة تبدأ حديثها مرام زين الدين (39 عاماً) مع الميادين نت وتقول: “لدي طفلان عمرهما 9 و15 سنة، والأخير اسمه مهران من ذوي الاحتياجات الخاصة، كان يعاني من مشكلة التواصل. بمجرد أن اكتشفت صعوبة في التواصل لديه، حاولت أن أعرف ماذا يمكنه أن يفعل، وما هي اهتماماته، وأصبحت أبحث عن هواياته ورغباته كي أنمّي له قدراته. لا أنكر أن الأمر كان صعباً في بداياته وفي الوقت نفسه، كنت أعاني من المجتمع بسبب قلة الوعي في محيطي، لكن بالإصرار استطعت أن التمس الفرق الكبير عندما بدأت بالأنشطة المختلفة والتواصل لأنه أصبح  يتفاعل ويحب المبادرة تجاه الآخر”. 

وأضافت: “لكل طفل قدرة تميزه عن غيره، وهو نعمة من الله، والجميل أن يفتخر الأهل بابنهم كي يحترمه ويفتخر به الآخر. أن يقدّر الأهل أبناءهم ويخرجوا معهم في المجتمع ويتعاملوا معهم بلطف واحترام أمام الجميع فهذه أكبر رسالة توعوية للناس، ولا بد أن يذكر الأهل أنهم ليسوا وحدهم فهناك أشخاص كثر يمرون في المواقف التي نمر بها، ومن الضروري أن أن يتواصلوا مع الناس المحيطة بهم أو  فئات الدعم الأسري بالطريقة التي تكون مناسبة لهم كي لا يبقوا وحدهم”. 

رهان يوسف (44 عاماً) روت للميادين نت تجربتها قائلة: “عندما كبر فؤاد ابننا كان حلمنا أن يتعلم في مدرسة عادية بين زملائه الطبيعيين في المدارس لكي يكوّن صداقات من دون خوف، وأن يقبله زملاؤه فهو من أطفال التوحد المبدعين في مجال الرياضيات، اجتاز فؤاد اختبارات وعرفنا أن هناك أطفالاً يتم دمجهم ممن يعانون حاجات خاصة مختلفة، فخضعنا لإجراءات القبول لأن الفكرة تستحق أن نشعر أننا وابننا كباقي المجتمع في مدرسته ومع زملائه، والمستقبل ينتظرهم ويفتح ذراعيه بكل أمل كل حسب جهده واحتضان أسرته”.

الصعوبات التي تعترض عملية الدمج 

شريحة ذوي الاحتياجات الخاصة هي شريحة كبيرة وواسعة  من الأطفال الذين تختلف احتياجاتهم فمنهم من يعاني أمراضاً مزمنة أو شللاً نصفياً أو شلل أطفال، ومنهم من كان سليماً وتعرض لحادثة تسببت بشلله وآخرون يعانون مشكلة في النظر أو السمع. هذا التنوع في الحاجات يصعّب المهمة وخاصة في بداية الدمج. 

الدمج التربوي في المدارس لم يثبت نجاحه المرجو على الأرض بسبب عدم اكتمال الحلقة ونقص الوعي تجاههم في بعض الأحيان فيجب أن تكون المدرسة التي تحوي دمجاً مهيأة لاستقبال طلاب الاحتياجات الخاصة من أجل أن يكون التقبل سهلاً وسلساً، وأن تضمّ مرشدين ومساعدين للمعلمات في داخل الصف كي يتم ضبط الطالب حسب حاجته من جهة، أو استيعاب الآخرين لوجود طالب مختلف معهم. 

تكثر عبارات الشفقة التي تسمع على الملأ بين الطلاب “ياحرام، والله يعين الأهل” هذه التصرفات تؤثر سلباً في نفسيتهم لأنهم أشخاص حساسون ويُجرَحون من هذه الحركات غير المقصودة في بعض الأحيان. إذا أردنا أن نطبق فكرة الدمج التربوي الصحيح فيجب أن يهيأ الصف بشكل كامل عن طريق تمهيد الطلاب عبر حلقات التوعية عن هذه الشريحة الخاصة بشكل عام ليكون الزملاء عوناً للمشرفين والمدموجين معاً. 

إن الأهالي والأشخاص أنفسهم هم المسؤولون عن نشر الوعي بالنسبة إلى المجتمعات والأماكن غير المهيأة للدمج، فواجبهم المطالبة بالخدمات اللازمة، كممرات المشاة ومفارق الطرق الانسيابية ومداخل الأبنية، ولفت الانتباه للأشياء الممكن تغييرها ليصبح المكان آمناً وجاهزاً لاستقبالهم في المستقبل.

أهمية الدمج في دفع العملية التنموية وتطويرها

يعد الدمج مهماً لشرائح المجتمع كافة من أجل التأكيد أن الاختلاف طبيعي، وأن الآخرين من ذوي الهمم هم أفراد من المجتمع، خرجوا إلى النور وأصبحوا في المدرسة والجامعة والعمل بكل أبوابه، وهم يستحقون الاحترام والاحتواء كباقي زملائنا أينما وجدوا، وهنا نعود إلى الأسرة الحضن والدافع الأول لهؤلاء. إنها ثقافة وحضارة. 

احتواء  الأطفال المحتاجين  وتقبلهم لا يقفان عند مرحلة محددة فدائماً هناك مستجدات تساعد في  تطوير قدراتهم بناء على شعور الطفل الذي تم دمجه، وخاصة في عصرنا الرقمي المتسارع وأطفال الهمم يجارون التطور ويبرعون فيه.

هالة الريس (62 عاماً) مستشارة تربوية قالت للميادين نت: ” تأهيل المعلمين وتدريبهم من أجل تلبية حاجة الدمج انعكسا  بشكل إيجابي على التعليم بشكل عام، لأن المدرس أصبح ذا كفاءة لتعليم  الطلاب كافة باعتبار أنهم ليسوا جميعاً يتمتعون بالقدرات نفسها، وطبعاً هناك جانب آخر مهم وهو تهيئة الأقران والأولاد لتقبل بعضهم البعض، وهنا نعود إلى أهمية برامج الكرتون والقصص والأفلام المفيدة،  ولا ننسى قصص الأمهات قبل النوم للتشديد على تقبل وجود الآخر وأهميته وحقه المساوي لحقنا في الحياة والتعلم والعمل وكل ذلك بلغة قريبة من مفهوم الطفل”. 

وأضافت: “واجب المجتمع تربية الأبناء وتوعية الكبار على تقبل الآخر عن طريق تنمية قيمة المساعدة، هناك فئة واسعة لا تزال إلى يومنا هذا لا تتقبل فكرة الدمج رافضة أن ترى إنساناً من ذوي الحاجات في مدرسة أو مؤسسة ما، وهم لايعرفون طريقة التعامل معه، وهناك فئة تصل إلى مرحلة الاستهتار والتنمر من هؤلاء الأشخاص، ومنهم أطفال لا يتقبلون الجلوس بجانب طالب لديه عجز خَلقي، أو أقل سوية علمية أو لديه ضعف في تحصيله العلمي نجد أنه يواجه رفضاً فإذا أجاب بطريقة خاطئة تجد معظم الطلاب يضحكون عليه”. 

اختصاصية العلاج الوظيفي والتربية الخاصة رجاء عيد (38 عاماً) قالت للميادين نت: “من المهم توعية الأطفال السليمين ليكونوا مسؤولين تجاه أصدقائهم وإخوتهم ليكون الطفل من ذوي الإعاقة الحركية أو العقلية مصدر سعادة ونعمة بعيداً عن التثاقل من مسؤوليتهم، ولنخدمهم ونساعدهم بحب ونؤمن بقدراتهم، وكلما كان لديكم إصرار أكبر  استطاع أن ينجز بطريقة تسمح له أن يكمل مشوار حياته من بعدكم من دون الحاجة إلى مساعدة أحد في المجتمع، كثير من ذوي الحاجات هم أبطال أولمبياد منهم بارعون في السباحة حصلوا على ميداليات محلية ودولية، وبعضهم  يلعبون تايكوندو ورفع الأثقال، ومنهم من لديه مواهب فنية، فهم أذكياء جداً ويملكون طاقة متنوعة وأصحاب إرادة أكثر مما تتوقع الناس منهم، هم فقط خجولون لا يظهرون مواهبهم أمام الغرباء، لذلك يجب علينا ألّا نحكم على الأطفال ذوي الإعاقة من النظرة السطحية الأولى لأن لديهم رهبة من المجتمع ومواجهته”. 

دمج ذوي الهمم ليكونوا فاعلين هو حق إنساني لشريحة مهمة في المجتمع وليس عملاً خيرياً كما يظنه البعض، وذلك من خلال الدمج في التعليم والنشاط الرياضي والثقافي، وإيجاد فرص عمل مناسبة ومشجعة وتنظيم الطرق والمسارات في الأماكن العامة، وكل هذا يعود بالفائدة عليهم وعلى ذويهم وعلى المجتمع ككل.

يارا الناصر

المصدر: موقع الميادين




“إيكونوميست”: “وسائلنا محدودة”.. كييف تشتكي من مطالب الغرب للقتال بضراوة

الغرب يخشى سقوط المزيد من الضحايا مع بطئ تقدم القوات الأوكرانية في الهجوم المضاد، وكييف تشتكي من قلة الموارد والدعم اللازم.


ذكرت مجلة “إيكونوميست” البريطانية، اليوم الخميس، أن “المخابرات العسكرية الأوكرانية وجهت شكاوى للدول الغربية الحليفة لها، بسبب إقدامهم المتواصل على حث كييف على المضي قدماً من أجل القتال بضراوة، خلال الهجوم المضاد”.

وأشارت المجلة في تقريرها إلى أن عدداً من المستشارين الغربيين “يخشون من أن يؤدي التقدم البطيء للقوات المسلحة الأوكرانية، إلى سقوط المزيد من الضحايا على المدى الطويل”.

ونقلت المجلة عن مصدر في المخابرات العسكرية الأوكرانية قوله إن “تقدُّم الجيش الأوكراني محدود بالوسائل المتاحة”.

ولفت المصدر إلى أن المخابرات الأوكرانية اشتكت من أن بعض الشركاء “يطلبون المضي قدماً والقتال بضراوة، لكنهم أيضاً ليسوا في عجلة من أمرهم لتوفير المعدات والأسلحة التي يحتاجها الجيش الأوكراني”، بحسب “إيكونوميست”.

وفي السياق، كشف أمين مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني، أليكسي دانيلوف، أمس الأربعاء، عن استحالة شنّ هجوم مضاد سريع.

وقال المسؤول الأوكراني إنه “يودّ حقاً أن يكون كل شيء أسرع، لكن هذا يحدث فقط في القصص الخيالية، مضيفاً: “هذه جبهة وليست نزهة.. عليك أن تكون صبوراً”.

وقبل ذلك، أقر الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، بأنّ “التقدم في ساحة المعركة كان أبطأ مما هو مرغوب فيه”.

وتأتي هذه التصريحات بعد أسابيع من إعلان بدء الهجوم العسكري الأوكراني المضاد في اتجاه أراضي منطقة دونباس، التي تسيطر عليها القوات الروسية.

وقد بدأ الهجوم المضاد، الذي تحدثت عنه السلطات الأوكرانية منذ فترة طويلة، في 4 حزيران/يونيو، على محاور واسعة جنوب دونيتسك وزاباروجيا وأرتيوموفسك.

المصدر: مجلة ايكونوميست البريطانية

ترجمة: موقع الميادين




بنك أوف أمريكا يتكبد خسارة ورقية بقيمة 100 مليار دولار

يتحمل بنك أوف أمريكا تكلفة القرارات التي اتخذت قبل ثلاث سنوات لضخ غالبية 670 مليار دولار من تدفقات الودائع في حقبة الوباء إلى أسواق الديون في وقت يتم فيه تداول السندات بأسعار مرتفعة وعوائد منخفضة تاريخيًا.

تركت هذه التحركات بنك أوف أميركا ، ثاني أكبر بنك أمريكي من حيث الأصول ، مع أكثر من 100 مليار دولار من الخسائر الورقية في نهاية الربع الأول ، وفقًا لبيانات من مؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية. يتجاوز المبلغ بكثير الخسائر غير المحققة في سوق السندات التي أبلغ عنها أكبر أقرانها.

تعكس النتائج المختلفة الاستراتيجيات التي تم اتباعها في وقت مبكر من جائحة Covid-19 ، عندما امتصت البنوك طوفانًا من الودائع من المدخرين. وضع بنك أوف أميركا المزيد من الأموال في السندات ، بينما وضع الآخرون حصة أكبر من النقد.

الآن بعد أن ارتفعت العائدات وانخفضت أسعار السندات ، تراجعت قيمة محفظة بنك أوف أميركا. على النقيض من ذلك ، تكبد بنك جي بي مورجان تشيس وويلز فارجو – أول وثالث أكبر بنك في البلاد على التوالي – خسائر غير محققة في سوق السندات بنحو 40 مليار دولار ، في حين بلغت الخسائر الورقية لرابع أكبر مجموعة سيتي جروب 25 مليار دولار.

وأظهرت بيانات FDIC أن الخسائر في بنك أوف أميركا شكلت خمس إجمالي الخسائر غير المحققة البالغة 515 مليار دولار في محافظ الأوراق المالية بين بنوك البلاد البالغ عددها حوالي 4600 بنهاية الربع الأول.

“[BofA chief executive] قال ديك بوف ، محلل مصرفي مخضرم وهو كبير المحللين الاستراتيجيين في شركة Odeon Capital للسمسرة الصغيرة ، “لقد قام بريان موينيهان بعمل رائع في التعامل مع عمليات البنك”. “لكن إذا نظرت إلى الميزانية العمومية للبنك ، ستجد أنها فوضى.”

قال BofA إنه ليس لديه خطط لبيع السندات تحت الماء ، وتجنب الخسائر المتبلورة الموجودة حاليًا على الورق فقط. تتكون محفظة البنك من الأوراق المالية المدعومة من الحكومة ذات التصنيف العالي والتي من المحتمل أن يتم سدادها في النهاية عند استحقاق القروض الأساسية.

لكن التمسك بالاستثمارات ذات العائد المنخفض نسبيًا ، وكثير منها مدعوم بقروض عقارية مدتها 30 عامًا ، في وقت تحقق فيه السندات المشتراة حديثًا عائدًا أكبر بكثير ، يمكن أن يحد من الدخل الذي يمكن أن يدره بنك أوف أميركا من ودائع العملاء.

قال جيسون جولدبيرج ، محلل مصرفي في باركليز ، عن محفظة سندات بنك أوف أميركا: “أعتقد أن هيئة المحلفين لم تنفصل بعد”. “عندما كانت المعدلات منخفضة ، كانوا يكسبون أموالاً أكثر من المنافسين. تقدم سريعًا إلى اليوم وهم يكسبون أقل “.

دفعت سنوات من معدلات الفائدة المنخفضة وزيادة التنظيم والنمو الاقتصادي الفاتر البنوك من جميع الأحجام إلى وضع المزيد من الودائع في السندات والأوراق المالية الأخرى أو تعزيز الإقراض من خلال السعي وراء مقترضين أقل جدارة ائتمانية. من نهاية عام 2019 إلى منتصف عام 2022 ، ارتفعت القيمة الإجمالية للأوراق المالية ، ومعظمها سندات الخزانة وسندات الرهن العقاري المضمونة ، في جميع البنوك بنسبة 54 في المائة ، أو 2 تريليون دولار ، ونحو ضعف سرعة أصولها الإجمالية ، وفقًا لبيانات مؤسسة التأمين الفيدرالي (FDIC). .

يعتبر بنك وادي السيليكون ، الذي عزز حيازات الأوراق المالية وأقرض الشركات الناشئة الخاسرة المال ، رمزًا لكيفية حدوث نتائج عكسية للاستراتيجية. أسقطت إدارة بنك إس في بي في آذار (مارس) الماضي ، بعد إعلان أنها خسرت 1.8 مليار دولار في بيع جزء من محفظتها من الأوراق المالية.

لدى بنك أوف أميركا 370 مليار دولار نقدًا ولا يواجه أي أزمة سيولة تشبه أزمة السيولة. في الواقع ، تلقى بنك أوف أميركا وغيره من البنوك الكبرى تدفقات من الودائع من عملاء المقرضين الإقليميين. يتم سداد معظم قروض المنازل في وقت أبكر بكثير من مدتها البالغة 30 عامًا ، وإذا انخفضت أسعار الفائدة مرة أخرى ، فإن حيازات سندات بنك أوف أميركا ستستعيد قيمتها.

حقق بنك أوف أميركا ، مثل أقرانه الآخرين ، أداءً جيدًا أيضًا في اختبارات الإجهاد السنوية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي ، والتي صدرت نتائجها يوم الأربعاء.

ومع ذلك ، يقول المحللون إن المستثمرين شعروا بآثار الخطوات الخاطئة لمحفظة الأوراق المالية في بنك أوف أميركا. تراجعت أسهم بنك أوف أميركا بنسبة 15 في المائة هذا العام ، مما يجعله الأسوأ أداءً من أي من منافسيه الكبار. اكتسبت أسهم جي بي مورجان 3 في المائة.

يؤثر التأثير أيضًا على صافي هامش الفائدة لبنك أوف أميركا ، وهو مقياس مهم للأداء يقيس مقدار الربح الذي يحققه البنك على قروضه واستثماراته.

لسنوات ، كان JPMorgan و BofA هما العنق والرقبة على هذا المقياس. لكن في العام الماضي ، تقدمت جيه بي مورجان للأمام ، وفي الربع الأول كان صافي هامش الفائدة السنوي 2.6 في المائة مقابل 2.2 في المائة في بنك أوف أميركا.

قال سكوت سيفرز ، المحلل المصرفي في بايبر ساندلر ، إن الخسائر غير المحققة هي “قضية ساخنة” ، مضيفًا أنها كانت “أحد الأشياء التي تؤثر على السهم”.

ورفض متحدث باسم BofA التعليق.

أجاب أليستر بورثويك ، كبير المسؤولين الماليين في بنك أوف أميركا ، ستة أسئلة حول محفظة الأوراق المالية والخسائر المحتملة في مكالمة الأرباح الأخيرة للبنك. قال بورثويك إن بنك أوف أميركا بصدد إنهاء استثماراته في الأوراق المالية ، التي انخفضت إلى 760 مليار دولار في نهاية الربع الأول من ذروة بلغت 940 مليار دولار في أواخر عام 2021.

قال بورثويك: “في الواقع ، هذا الربع ، انتهى بنا الأمر بتحويل بعضها إلى نقد لمجرد أنه أبسط” ، في إشارة إلى السندات التي يتم احتسابها بطريقة تجعل بيعها أسهل. “من الأسهل على الجميع فهمها.”

تمت ترقية بورثويك إلى منصب المدير المالي في أواخر عام 2021 ، ومنذ ذلك الحين يُنظر إليه على أنه المدير التنفيذي الذي من المرجح أن يخلف موينيهان ، الذي كان الرئيس التنفيذي لبنك أوف أميركا منذ عام 2010. وبصفته المدير المالي ، فإن بورثويك مسؤول بشكل مباشر عن إدارة حيازات الأوراق المالية في بنك أوف أميركا والميزانية العمومية الإجمالية.

بدأ الانتقال إلى الأوراق المالية قبل أن تتولى بورثويك هذا الدور. في ذلك الوقت ، كانت الخسائر غير المحققة في المحفظة أقل من مليار دولار.

قال شخص مطلع على تفكير موينيهان إن خسائر الأوراق المالية لم تؤثر على تخطيط الخلافة أو غيرت الجدول الزمني لموعد مغادرة البنك. قال موينيهان سابقًا إنه يود البقاء في منصب الرئيس التنفيذي حتى نهاية هذا العقد.

لكن بوف في أوديون كابيتال مقتنع بأن الطريقة التي تعامل بها البنك مع محفظته من الأوراق المالية ستؤثر على من يتولى المنصب الأعلى – ومتى. وقال: “إذا لم تؤثر إدارة ميزانيته العمومية على تخطيط التعاقب ، فينبغي إقالة مجلس إدارة بنك أوف أمريكا”.

المصدر: موقع صوت الخليج




لافروف: الغرب يضغط على الدول النامية لعزل روسيا

وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، يناقش مع سفراء بعض دول مجموعة العشرين الضغوط التي يمارسها الغرب على الدول النامية لـ”تمديد المواجهة المسلحة في أوكرانيا”.


أعلنت وزارة الخارجية الروسية، أن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، ناقش مع سفراء بعض دول مجموعة العشرين، أمس الأربعاء، “محاولات الغرب للضغط على الدول النامية في قضية أوكرانيا”.

وأشارت الوزارة إلى أن لافروف “شارك في تقديراته للضغوط التي تمارسها الدول الغربية على الدول النامية، في محاولة لجذبها إلى تشكيلات معينة تتوافق مع مصالحها، وخطط مغامرة لتسوية سلمية وفقاً لنماذج غربية”.

وأضاف لافروف خلال الاجتماع أن الدول الغربية تضغط على الدول النامية لـ”زيادة إمدادات الأسلحة لنظام كييف، وتمديد المواجهة المسلحة في أوكرانيا، وعزل روسيا”.

كذلك، ناقش الجانبان القضايا العاجلة المتعلقة بالتحضير لقمة مجموعة العشرين في العاصمة الهندية نيودلهي، في الفترة من 9 إلى 10 أيلول/سبتمبر المقبل.

وحضر الاجتماع سفراء بعض الدول في مجموعة العشرين، وهي: الأرجنتين، البرازيل، الهند، إندونيسيا، الصين، المكسيك، السعودية، تركيا وجنوب أفريقيا.

وقبل أيام، أكد وزير الخارجية الروسي أن الغرب مارس ضغوطاً على دول الخليج من أجل زعزعة علاقاتها بروسيا، إلا أنها فشلت، مشيراً إلى أن “أياً من دول العالم الواقعة في جنوبي الكرة الأرضية لم تنضم إلى العقوبات ضد موسكو”.

وفي مقابلة مع تلفزيون “آر تي” الروسي، أضاف لافروف أن “علاقاتنا بجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي لها تاريخ طويل، وسنعقد اجتماعاً مع مجلس التعاون الخليجي على المستوى الوزاري الشهر المقبل في روسيا”.

المصدر: موقع الميادين




بكين لواشنطن: ارفعوا العقوبات لإعادة المحادثات العسكرية

المتحدث باسم السفارة الصينية في الولايات المتحدة، يدعو واشنطن إلى إزالة العقوبات المفروضة على بكين، لإعادة فتح المحادثات العسكرية رفيعة المستوى بين البلدين.


دعا المتحدث باسم السفارة الصينية في الولايات المتحدة، ليو بينغيو، واشنطن إلى رفع العقوبات المفروضة على بكين، من أجل إعادة فتح المحادثات العسكرية رفيعة المستوى بين البلدين.

وقال في إفادة صحافية، إن “الجانب الأميركي يعرف سبب الصعوبات في علاقاته العسكرية مع الصين. لقد فرض عقوبات أحادية الجانب على الصين”، بحسب ما نقلت وكالة “بلومبرغ” الأميركية.

وأكد ليو وجوب “إزالة هذه العقبات قبل أي تبادل، ويمكن أن يتم التعاون بين البلدين”.

وكانت واشنطن قد فرضت عقوبات ضد وزير الدفاع الوطني الصيني، لي شانغفو، منذ عام 2018، بسبب شرائه طائرات حربية ومعدات من شركة دفاع روسية.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، رفض الرئيس الصيني، شي جين بينغ، عرض وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، بإنشاء خط اتصالات للأزمات بين البلدين خلال زيارته لبكين.

وفي أيار/مايو الماضي، رفضت الصين عقد اجتماع بين وزيري دفاع البلدين، ونقلت “بلومبرغ” عن مصادر قولها إن “موقف بكين من الاجتماع بين الوزيرين لا يمكن أن يمضي قدماً إلا إذا جرى رفع العقوبات عنه”.

وتشهد العلاقة بين واشنطن وبكين توتراً على خلفية عدد من القضايا، تشمل تايوان التي تؤكد الصين أنها جزء لا يتجزأ من أراضيها، وإسقاط الولايات المتحدة منطاداً صينياً فوق أراضيها، قالت إنه للتجسس، الأمر الذي نفته الصين. 

وزاد التوتر بين القوتين العظميين أيضاً بعد وصف الرئيس الأميركي، جو بايدن، نظيره الصيني بـ”الديكتاتور”، الأمر الذي دفع بكين إلى التنديد بهذا الوصف، معتبرةً إياه “سخيفاً ومستفزاً وغير مسؤول على الإطلاق”.

المصدر: موقع الميادين




ميرشايمر: روسيا ستنتصر وهزيمة مروعة بانتظار أوكرانيا والغرب

أعد الدكتور جون ميرشايمر، أحد أهم منظّري الواقعية في العلاقات الدولية، مقالاً شاملاً وتفصيلياً، نشره في صفحته على موقع ” substack”، يشرح فيه أسباب حصول العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، ويستشرف فيه انتصار روسيا وهزيمة الغرب في النهاية، مبيّناً العوامل التي ستؤدي إلى ذلك وفقاً لوجهة نظره، مفنداً سبب استحالة نجاح خيار المفاوضات، إلّا في حالة تجميد الصراع لا أكثر.

النص المترجم:

تبحث هذه الورقة في المسار المحتمل للمضي قدمًا في حرب أوكرانيا. وسوف أتطرق إلى سؤالين رئيسيين.

أولاً، هل اتفاق سلام هادف ممكن؟ جوابي هو لا. نحن الآن في حرب حيث يرى الطرفان – أوكرانيا والغرب من جهة وروسيا من جهة أخرى – بعضهما البعض على أنه تهديد وجودي يجب هزيمته. بالنظر إلى الأهداف المتطرفة في كل مكان، يكاد يكون من المستحيل التوصل إلى معاهدة سلام قابلة للتطبيق. علاوة على ذلك، هناك خلافات لا يمكن حلها بين الجانبين فيما يتعلق بالأراضي وعلاقة أوكرانيا مع الغرب. أفضل نتيجة ممكنة هي صراع مجمّد يمكن أن يتحول بسهولة إلى حرب ساخنة. أسوأ نتيجة ممكنة هي حرب نووية، وهو أمر غير مرجح ولكن لا يمكن استبعاده.

ثانيًا، أي جانب من المرجح أن يفوز بالحرب؟ ستنتصر روسيا في نهاية المطاف في الحرب، على الرغم من أنها لن تهزم أوكرانيا بشكل حاسم. بعبارة أخرى، لن تغزو أوكرانيا بأكملها، وهو أمر ضروري لتحقيق ثلاثة من أهداف موسكو: الإطاحة بالنظام، ونزع السلاح من البلاد، وقطع العلاقات الأمنية لكييف مع الغرب. لكنها ستنتهي بضم مساحة كبيرة من الأراضي الأوكرانية، مع تحويل أوكرانيا إلى دولة رديئة مختلة. بعبارة أخرى، ستفوز روسيا بنصر بشع.

قبل أن أتطرق مباشرة إلى هذه القضايا، هناك ثلاث نقاط أولية مرتبة. بالنسبة للمبتدئين، أحاول التنبؤ بالمستقبل، وهو أمر ليس بالأمر السهل، نظرًا لأننا نعيش في عالم غير مؤكد. وبالتالي، فأنا لا أزعم أنني أمتلك الحقيقة؛ في الواقع، قد يتم إثبات خطأ بعض ادعاءاتي. علاوة على ذلك، أنا لا أقول ما أود أن يحدث. أنا لا أؤيد هذا الجانب أو ذاك. أنا أقول لك ببساطة ما أعتقد أنه سيحدث مع تقدم الحرب. أخيرًا، أنا لا أبرر السلوك الروسي أو تصرفات أي من الدول المشاركة في النزاع. أنا فقط أشرح تصرفاتهم.

الآن، اسمحوا لي أن أنتقل إلى الجوهر.

أين نحن اليوم

لفهم إلى أين تتجه حرب أوكرانيا، من الضروري أولاً تقييم الوضع الحالي. من المهم أن تعرف كيف تفكر الجهات الفاعلة الرئيسية الثلاثة – روسيا وأوكرانيا والغرب – في بيئة التهديد الخاصة بهم وتصور أهدافهم. عندما نتحدث عن الغرب، مع ذلك، فإننا نتحدث بشكل أساسي عن الولايات المتحدة، حيث أن حلفاءها الأوروبيين يأخذون أوامرهم من واشنطن عندما يتعلق الأمر بأوكرانيا. من الضروري أيضًا فهم الوضع الحالي في ساحة المعركة. اسمحوا لي أن أبدأ ببيئة التهديد الروسية وأهدافها.

بيئة التهديد الروسية

لقد كان من الواضح منذ نيسان / أبريل 2008، أن القادة الروس في جميع المجالات ينظرون إلى جهود الغرب لإدخال أوكرانيا إلى الناتو، وجعلها حصنًا غربيًا على حدود روسيا باعتبارها تهديدًا وجوديًا. في الواقع، أوضح الرئيس بوتين ومساعديه هذه النقطة مرارًا وتكرارًا في الأشهر التي سبقت الغزو الروسي، عندما أصبح واضحًا لهم أن أوكرانيا كانت تقريبًا عضوًا بحكم الواقع في الناتو. أضاف طبقة أخرى إلى هذا التهديد الوجودي من خلال تبني مجموعة جديدة من الأهداف التي لا يسع القادة الروس إلا أن ينظروا إليها على أنها خطيرة للغاية. سأقول المزيد عن الأهداف الغربية أدناه، لكن يكفي أن أقول هنا إن الغرب مصمم على هزيمة روسيا وإخراجها من صفوف القوى العظمى، إذا لم يتسبب في تغيير النظام أو حتى دفع روسيا للانقسام مثل حصل مع الاتحاد السوفيتي في عام 1991.

في خطاب رئيسي ألقاه بوتين في فبراير (شباط) الماضي (2023)، شدد على أن الغرب يمثل تهديدًا مميتًا لروسيا. قال: “خلال السنوات التي أعقبت تفكك الاتحاد السوفيتي، لم يتوقف الغرب أبدًا عن محاولة إشعال النار في دول ما بعد الاتحاد السوفيتي، والأهم من ذلك، القضاء على روسيا باعتبارها الجزء الأكبر الباقي من المناطق التاريخية لدولتنا. لقد شجعوا الإرهابيين الدوليين على الاعتداء علينا، وأثاروا الصراعات الإقليمية على طول محيط حدودنا، وتجاهلوا مصالحنا وحاولوا احتواء وقمع اقتصادنا”. وشدد كذلك على أن “النخبة الغربية لا تخفي هدفها”، وهو كما أقتبس،” الهزيمة الاستراتيجية لروسيا”. “ماذا يعني هذا بالنسبة لنا؟ هذا يعني أنهم يخططون للقضاء علينا مرة واحدة وإلى الأبد”. ومضى بوتين ليقول: “هذا يمثل تهديدًا وجوديًا لبلدنا”. ويرى القادة الروس أيضًا أن النظام في كييف يمثل تهديدًا لروسيا، ليس فقط لأنه متحالف عن كثب مع الغرب، ولكن أيضًا لأنهم يرونه على أنه نسل القوات الفاشية الأوكرانية التي قاتلت إلى جانب ألمانيا النازية ضد الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية.

أهداف روسيا

يجب على روسيا أن تربح هذه الحرب، لأنها تعتقد أنها تواجه تهديدًا لبقائها. لكن كيف يبدو النصر؟ كانت النتيجة المثالية قبل بدء الحرب في شباط / فبراير 2022 هي تحويل أوكرانيا إلى دولة محايدة، وتسوية الحرب الأهلية في دونباس، التي حرضت فيها الحكومة الأوكرانية ضد الروس والمتحدثين باللغة الروسية، الذين أرادوا قدرًا أكبر من الحكم الذاتي إن لم يكن الاستقلال لمنطقتهم.

يبدو أن هذه الأهداف كانت لا تزال واقعية خلال الشهر الأول من الحرب وكانت في الواقع أساس المفاوضات في اسطنبول بين كييف وموسكو في آذار / مارس 2022. لو حقق الروس هذه الأهداف في ذلك الوقت، لكانت الحرب الحالية إما مُنعت أو انتهت بسرعة.

لكن الصفقة التي ترضي أهداف روسيا لم تعد مطروحة. انضمت أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي إلى الوراء في المستقبل المنظور، ولا يقبل أي منهما الحياد الأوكراني. علاوة على ذلك، فإن النظام في كييف هو لعنة على القادة الروس، الذين يريدون زواله. إنهم لا يتحدثون فقط عن “نزع النازية” عن أوكرانيا، ولكن أيضًا “نزع سلاحها”، وهما هدفان يفترض أنهما يدعوان إلى احتلال أوكرانيا بأكملها، وإجبار قواتها العسكرية على الاستسلام، وتنصيب نظام صديق في كييف.

انتصار حاسم من هذا النوع ليس من المرجح أن يحدث لعدة أسباب. الجيش الروسي ليس كبيرًا بما يكفي لمثل هذه المهمة، التي قد تتطلب على الأقل مليوني رجل. في الواقع، يواجه الجيش الروسي الحالي صعوبة في قهر كل دونباس. علاوة على ذلك، سيبذل الغرب جهودًا هائلة لمنع روسيا من اجتياح أوكرانيا بأكملها. أخيرًا، سينتهي الأمر بالروس باحتلال مساحات شاسعة من الأراضي المكتظة بالسكان من أصل أوكراني، الذين يكرهون الروس ويقاومون الاحتلال بشدة. إن محاولة احتلال كل أوكرانيا وخضوعها لإرادة موسكو ستنتهي بالتأكيد بكارثة.

بغض النظر عن الخطاب حول إزالة النازية ونزع السلاح من أوكرانيا، فإن أهداف روسيا الملموسة تتضمن احتلال وضم جزء كبير من الأراضي الأوكرانية، مع تحويل أوكرانيا في الوقت نفسه إلى دولة رديئة مختلة. على هذا النحو، ستنخفض قدرة أوكرانيا على شن حرب ضد روسيا بشكل كبير، ومن غير المرجح أن تتأهل للعضوية في الاتحاد الأوروبي أو الناتو. علاوة على ذلك، فإن أوكرانيا المحطمة ستكون عرضة بشكل خاص للتدخل الروسي في سياساتها الداخلية. باختصار، لن تكون أوكرانيا معقلاً غربيًا على حدود روسيا.

كيف ستبدو حالة قطعة الدولة المختلة هذه؟ ضمت موسكو رسميًا شبه جزيرة القرم وأربع مقاطعات أوكرانية أخرى – دونيتسك وخيرسون ولوهانسك وزابوروجيا – والتي تمثل معًا حوالي 23 بالمائة من إجمالي أراضي أوكرانيا قبل اندلاع الأزمة في شباط / فبراير 2014. وقد أكد القادة الروس أنهم لا يعتزمون الاستسلام تلك المنطقة، التي لا تسيطر عليها روسيا بعد.

في الواقع، هناك سبب للاعتقاد بأن روسيا ستضم المزيد من الأراضي الأوكرانية إذا كانت لديها القدرة العسكرية للقيام بذلك بتكلفة معقولة. ومع ذلك، من الصعب تحديد حجم الأراضي الأوكرانية الإضافية التي ستسعى موسكو إلى ضمها، كما أوضح بوتين نفسه.

من المرجح أن يتأثر التفكير الروسي بثلاث حسابات. موسكو لديها حافز قوي لغزو وضم الأراضي الأوكرانية المكتظة بالسكان من أصل روسي والمتحدثين باللغة الروسية. سترغب في حمايتهم من الحكومة الأوكرانية – التي أصبحت معادية لكل الأشياء الروسية – والتأكد من عدم وجود حرب أهلية في أي مكان في أوكرانيا، مثل تلك التي وقعت في دونباس بين شباط / فبراير 2014 وشباط / فبراير 2022.

في نفس الوقت مع مرور الوقت، سوف ترغب روسيا في تجنب السيطرة على الأراضي المأهولة بشكل كبير من قبل المعادين من العرق الأوكراني، مما يضع قيودًا كبيرة على المزيد من التوسع الروسي.

أخيرًا، سيتطلب تحويل أوكرانيا إلى قطعة دولة مختلة وظيفيًا، أن تأخذ موسكو مساحات كبيرة من الأراضي الأوكرانية، لذا فهي في وضع جيد لإلحاق ضرر كبير باقتصادها. السيطرة على كل الساحل الأوكراني على طول البحر الأسود، على سبيل المثال، وهذا ما سيمنح موسكو نفوذًا اقتصاديًا كبيرًا على كييف.

تشير هذه الحسابات الثلاثة إلى أنه من المرجح أن تحاول روسيا ضم الأقاليم الأربعة – دنيبروبتروفسك، وخاركيف، وميكولايف، وأوديسا – الواقعة على الفور إلى الغرب من الأقاليم الأربعة التي ضمتها بالفعل – دونيتسك، وخيرسون، ولوهانسك، وزابوروجيا. إذا حدث ذلك، فستسيطر روسيا على ما يقرب من 43 في المائة من أراضي أوكرانيا قبل عام 2014. أخذ الجزء من كييف الذي يقع على الضفة الشرقية لذلك النهر. يكتب أن “الخطوة المنطقية التالية” بعد نقل كل أوكرانيا من خاركيف إلى أوديسا “ستكون توسيع السيطرة الروسية على كل أوكرانيا شرق نهر دنيبر، بما في ذلك الجزء من كييف الذي يقع على الضفة الشرقية لهذا النهر. إذا حدث ذلك، فإن الدولة الأوكرانية ستتقلص لتشمل فقط المناطق الوسطى والغربية من البلاد”.

بيئة التهديد في الغرب

قد يبدو من الصعب تصديق الأمر الآن، ولكن قبل اندلاع الأزمة الأوكرانية في شباط / فبراير 2014، لم يكن القادة الغربيون ينظرون إلى روسيا على أنها تهديد أمني. على سبيل المثال، كان قادة الناتو يتحدثون مع الرئيس الروسي حول “مرحلة جديدة من التعاون نحو شراكة إستراتيجية حقيقية” في قمة الحلف لعام 2010 في لشبونة. مما لا يثير الدهشة، أن توسع الناتو قبل عام 2014 لم يكن مبررًا من حيث احتواء روسيا الخطرة. في الواقع، كان الضعف الروسي هو الذي سمح للغرب بدفع الشريحتين الأوليين من توسع الناتو في عامي 1999 و2004 إلى أسفل حلق موسكو، ثم سمح لإدارة جورج دبليو بوش في عام 2008 بالتفكير، في أنه يمكن إجبار روسيا على قبول جورجيا وأوكرانيا الانضمام إلى التحالف. لكن ثبت خطأ هذا الافتراض، وعندما اندلعت أزمة أوكرانيا في عام 2014، بدأ الغرب فجأة في تصوير روسيا على أنها عدو خطير يجب احتواؤه إن لم يتم إضعافه.

منذ اندلاع الحرب في شباط (فبراير) 2022، تصاعدت نظرة الغرب لروسيا بشكل مطرد إلى الحد الذي يبدو فيه الآن أن موسكو تعتبر تهديدًا وجوديًا. تشارك الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو بعمق في حرب أوكرانيا ضد روسيا. في الواقع، إنهم يفعلون كل شيء ما عدا سحب المشغلات وضغط الأزرار.

علاوة على ذلك، فقد أوضحوا التزامهم القاطع بكسب الحرب والحفاظ على سيادة أوكرانيا. وبالتالي، فإن خسارة الحرب ستكون لها عواقب سلبية هائلة على واشنطن وحلف شمال الأطلسي. سوف تتضرر سمعة أمريكا من حيث الكفاءة والموثوقية بشدة، مما سيؤثر على كيفية تعامل حلفائها وخصومها – وخاصة الصين – مع الولايات المتحدة. علاوة على ذلك، تعتقد كل دولة أوروبية في الناتو تقريبًا أن الحلف مظلة أمنية لا يمكن الاستغناء عنها. وبالتالي، فإن احتمالية تعرض حلف الناتو لأضرار بالغة – وربما تحطيمه – إذا انتصرت روسيا في أوكرانيا هو سبب للقلق العميق بين أعضائه.

بالإضافة إلى ذلك، كثيرًا ما يصور القادة الغربيون حرب أوكرانيا على أنها جزء لا يتجزأ من صراع عالمي أكبر، بين الاستبداد والديمقراطية التي هي جوهرها المانوية (المانوية هي ديانة عالمية رئيسية سابقة، تأسست في القرن الثالث الميلادي في الإمبراطورية الساسانية).

علاوة على ذلك، يقال إن مستقبل النظام الدولي المبني على القواعد المقدسة يعتمد على الانتصار على روسيا. كما قال الملك تشارلز في آذار (مارس) الماضي (2023):”يتعرض أمن أوروبا وكذلك قيمنا الديمقراطية للتهديد”. وبالمثل، فإن قرارًا قدمه إلى الكونجرس الأمريكي في نيسان / أبريل يعلن أن “مصالح الولايات المتحدة، والأمن الأوروبي، وقضية السلام الدولي تعتمد على … انتصار أوكرانيا”. ويوضح مقال نُشر مؤخرًا في صحيفة واشنطن بوست كيف يتعامل الغرب مع روسيا باعتبارها تهديدًا وجوديًا: “لقد صاغ قادة أكثر من 50 دولة أخرى تدعم أوكرانيا دعمهم، كجزء من معركة مروعة من أجل مستقبل الديمقراطية والحكم الدولي لأوكرانيا. قانون ضد الاستبداد والعدوان لا يمكن للغرب أن يخسره”.

أهداف الغرب

يجب أن يكون واضحًا أن الغرب ملتزم بشدة بهزيمة روسيا. قال الرئيس بايدن مرارًا وتكرارًا إن الولايات المتحدة تخوض هذه الحرب من أجل الفوز. “أوكرانيا لن تكون انتصارًا لروسيا أبدًا”، يجب أن تنتهي بـ “فشل استراتيجي”. وشدد على أن واشنطن ستبقى في القتال “طالما استغرق الأمر”. على وجه التحديد، الهدف هو هزيمة الجيش الروسي في أوكرانيا – محو مكاسبه الإقليمية – وشل اقتصاد روسيا بفرض عقوبات قاتلة عليها. إذا نجح ذلك، فسوف يتم إخراج روسيا من صفوف القوى العظمى، مما يؤدي إلى إضعافها لدرجة عدم قدرتها على التهديد بغزو أوكرانيا مرة أخرى. لدى القادة الغربيين أهداف إضافية، تشمل تغيير النظام في موسكو، ومحاكمة بوتين كمجرم حرب، وربما تقسيم روسيا إلى دول أصغر.

في الوقت نفسه، لا يزال الغرب ملتزمًا بإدخال أوكرانيا إلى الناتو، على الرغم من وجود خلاف داخل الحلف حول متى وكيف سيحدث ذلك. وقال ينس ستولتنبرغ، الأمين العام للتحالف في مؤتمر صحفي في كييف في نيسان / أبريل (2023) إن “موقف الناتو لم يتغير وأن أوكرانيا ستصبح عضوًا في الحلف”. في الوقت نفسه، شدد على أن “الخطوة الأولى نحو أي عضوية لأوكرانيا في الناتو هي ضمان فوز أوكرانيا، ولهذا السبب قدمت الولايات المتحدة وشركاؤها دعمًا غير مسبوق لأوكرانيا”. بالنظر إلى هذه الأهداف، من الواضح سبب اعتبار روسيا للغرب تهديدًا وجوديًا.

بيئة وأهداف التهديد في أوكرانيا

ليس هناك شك في أن أوكرانيا تواجه تهديدًا وجوديًا، بالنظر إلى أن روسيا عازمة على تفكيكها والتأكد من أن الدولة التي بقيت على قيد الحياة ليست ضعيفة اقتصاديًا فحسب، ولكنها ليست عضوًا بحكم الأمر الواقع ولا بحكم القانون في الناتو. كما أنه ليس هناك شك في أن كييف تشارك الغرب هدفه المتمثل في هزيمة روسيا وإضعافها بشكل خطير، حتى تتمكن من استعادة أراضيها المفقودة وإبقائها تحت السيطرة الأوكرانية إلى الأبد. كما قال الرئيس زيلينسكي مؤخرًا للرئيس شي جين بينغ، “لا يمكن أن يكون هناك سلام قائم على التنازلات الإقليمية”. من الطبيعي أن يظل القادة الأوكرانيون ملتزمين بثبات بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وجعل أوكرانيا جزءًا لا يتجزأ من الغرب.

باختصار، يعتقد اللاعبون الثلاثة الرئيسيون في حرب أوكرانيا أنهم يواجهون تهديدًا وجوديًا، مما يعني أن كل واحد منهم يعتقد أنه يجب أن ينتصر في الحرب وإلا سيعاني من عواقب وخيمة.

ساحة المعركة اليوم

بالانتقال إلى الأحداث في ساحة المعركة، تطورت الحرب إلى حرب استنزاف حيث يهتم كل جانب بشكل أساسي بنزيف الجانب الآخر من اللون الأبيض، مما يجعله يستسلم. بالطبع، كلا الجانبين مهتمان أيضًا بالاستيلاء على الأراضي، لكن هذا الهدف له أهمية ثانوية لإرهاق الجانب الآخر.

كان للجيش الأوكراني اليد العليا في النصف الأخير من عام 2022، مما سمح له باستعادة الأراضي من روسيا في منطقتي خاركيف وخيرسون. لكن روسيا ردت على تلك الهزائم بحشد 300 ألف جندي إضافي وإعادة تنظيم جيشها وتقصير خطوطها الأمامية والتعلم من أخطائها. كان مكان القتال في عام 2023 في شرق أوكرانيا، ولا سيما في منطقتي دونيتسك وزابوروجيا. كان للروس اليد العليا هذا العام، ويرجع ذلك أساسًا إلى أن لديهم ميزة كبيرة في المدفعية، والتي تعد أهم سلاح في حرب الاستنزاف.

كانت ميزة موسكو واضحة في معركة باخموت، التي انتهت عندما استولى الروس على تلك المدينة في أواخر مايو (أيار) (2023). على الرغم من أن القوات الروسية استغرقت عشرة أشهر للسيطرة على باخموت، إلا أنها ألحقت خسائر فادحة بالقوات الأوكرانية بمدفعيتها. وبعد ذلك بوقت قصير في 4 حزيران / يونيو، شنت أوكرانيا هجومها المضاد الذي طال انتظاره في مواقع مختلفة في منطقتي دونيتسك وزابوروجيا. الهدف هو اختراق خطوط الدفاع الأمامية لروسيا، وتوجيه ضربة مروعة للقوات الروسية، واستعادة مساحة كبيرة من الأراضي الأوكرانية التي تخضع الآن للسيطرة الروسية. في الأساس، الهدف هو تكرار نجاحات أوكرانيا في خاركيف وخيرسون في عام 2022.

لم يحرز الجيش الأوكراني سوى تقدم ضئيل حتى الآن في تحقيق تلك الأهداف، وبدلاً من ذلك غرق في معارك استنزاف قاتلة مع القوات الروسية. في عام 2022، نجحت أوكرانيا في حملتي خاركيف وخيرسون لأن جيشها كان يقاتل ضد القوات الروسية بتفوق لناحية العديد. ليس هذا هو الحال اليوم: أوكرانيا تهاجم في مواجهة خطوط دفاع روسية جيدة الإعداد. ولكن حتى إذا اخترقت القوات الأوكرانية تلك الخطوط الدفاعية، فإن القوات الروسية ستحقق الاستقرار بسرعة في الجبهة وستستمر معارك الاستنزاف. الأوكرانيون في وضع غير مؤات في هذه المواجهات لأن الروس لديهم ميزة كبيرة في القوة النارية.

حيث نتجه

اسمحوا لي أن أبدل التروس وأبتعد عن الحاضر وأتحدث عن المستقبل، بدءًا من كيف من المرجح أن تستمر الأحداث في ساحة المعركة في المضي قدمًا. كما أشرنا، أعتقد أن روسيا ستنتصر في الحرب، مما يعني أنها ستنتهي في نهاية المطاف بغزو وضم أراضي أوكرانية كبيرة، تاركة أوكرانيا كدولة رديئة مختلة. إذا كنت محقًا، فستكون هذه هزيمة مروعة لأوكرانيا والغرب.

ومع ذلك، هناك جانب إيجابي في هذه النتيجة: النصر الروسي يقلل بشكل ملحوظ من خطر الحرب النووية، حيث من المرجح أن يحدث التصعيد النووي إذا حققت القوات الأوكرانية انتصارات في ساحة المعركة وتهدد باستعادة كل أو معظم الأراضي التي خسرتها كييف أمام موسكو. من المؤكد أن القادة الروس سيفكرون بجدية في استخدام الأسلحة النووية لإنقاذ الموقف. بالطبع، إذا كنت مخطئًا بشأن الاتجاه الذي تتجه إليه الحرب وكان الجيش الأوكراني يسيطر على اليد العليا ويبدأ في دفع القوات الروسية باتجاه الشرق، فإن احتمالية الاستخدام النووي ستزداد بشكل كبير، وهذا لا يعني أنه سيكون أمرًا مؤكدًا.

ما هو أساس ادعائي بأن الروس من المرجح أن ينتصروا في الحرب؟

حرب أوكرانيا، كما تم التأكيد عليه، هي حرب استنزاف يكون فيها الاستيلاء على الأراضي والاحتفاظ بها ذا أهمية ثانوية. الهدف من حرب الاستنزاف هو إضعاف قوات الطرف الآخر إلى النقطة التي يتوقف فيها عن القتال أو يصبح ضعيفًا لدرجة أنه لم يعد قادرًا على الدفاع عن الأراضي المتنازع عليها. إن من يربح حرب الاستنزاف هو إلى حد كبير وظيفة لثلاثة عوامل: توازن العزم بين الجانبين، التوازن السكاني بينهما، ونسبة الخسائر إلى التبادل. يتمتع الروس بميزة حاسمة في حجم السكان وميزة ملحوظة في معدل تبادل الضحايا؛ كلا الجانبين متكافئان بالتساوي من حيث التصميم.

ضع في اعتبارك ميزان العزم. كما لوحظ، تعتقد كل من روسيا وأوكرانيا أنهما تواجهان تهديدًا وجوديًا، وبطبيعة الحال، فإن كلا الجانبين ملتزم تمامًا بالفوز في الحرب. وبالتالي، من الصعب رؤية أي اختلاف ذي مغزى في تصميمهم.

فيما يتعلق بحجم السكان، كان لدى روسيا ميزة 3.5: 1 تقريبًا قبل بدء الحرب في شباط / فبراير 2022. ومنذ ذلك الحين، تحولت النسبة بشكل ملحوظ لصالح روسيا. وفر حوالي ثمانية ملايين أوكراني من البلاد، مطروحًا منهم عدد سكان أوكرانيا. ذهب ما يقرب من ثلاثة ملايين من هؤلاء المهاجرين إلى روسيا، مما زاد من عدد سكانها. بالإضافة إلى ذلك، من المحتمل أن يكون هناك حوالي أربعة ملايين مواطن أوكراني آخر يعيشون في الأراضي التي تسيطر عليها روسيا الآن، مما يؤدي إلى مزيد من تحويل الاختلال السكاني لصالح روسيا. إن وضع هذه الأرقام معًا يمنح روسيا تقريبًا ميزة 5: 1 في حجم السكان.

أخيرًا، هناك معدل تبادل الضحايا، والذي كان موضوعًا مثيرًا للجدل منذ بدء الحرب في شباط / فبراير 2022. الحكمة التقليدية في أوكرانيا والغرب هي أن مستويات الضحايا على كلا الجانبين إما متساوية تقريبًا أو أن الروس عانوا خسائر أكبر من الأوكرانيين. ذهب رئيس مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني، أوليكسي دانيلوف، إلى حد القول بأن الروس فقدوا 7.5 جنديًا مقابل كل جندي أوكراني واحد في معركة باخموت. هذه الادعاءات خاطئة. من المؤكد أن القوات الأوكرانية عانت من خسائر أكبر بكثير من خصومها الروس لسبب واحد: روسيا لديها مدفعية أكثر بكثير من أوكرانيا.

في حرب الاستنزاف، تعتبر المدفعية أهم سلاح في ساحة المعركة. في الجيش الأمريكي، تُعرف المدفعية على نطاق واسع باسم “ملك المعركة”، لأنها مسؤولة بشكل أساسي عن قتل وإصابة الجنود أثناء القتال. وهكذا، فإن ميزان المدفعية مهم للغاية في حرب الاستنزاف. وفقًا لكل الحسابات تقريبًا، يتمتع الروس بميزة ما بين 5: 1 و10: 1 في المدفعية، مما يضع الجيش الأوكراني في وضع غير مؤاتٍ بشكل كبير في ساحة المعركة. مع ثبات العوامل الأخرى، يمكن للمرء أن يتوقع أن تكون نسبة تبادل الخسائر تقريبية لتوازن المدفعية. لذلك، نسبة الخسائر إلى تبادل الخسائر في حدود 2: 1 لصالح روسيا هي تقدير متحفظ.

يتمثل أحد التحديات المحتملة لتحليلي في القول بأن روسيا هي المعتدي في هذه الحرب، وأن الجاني يعاني دائمًا من مستويات خسائر أعلى بكثير من المدافع، خاصةً إذا كانت القوات المهاجمة منخرطة في هجمات أمامية واسعة، والتي غالبًا ما يقال إنها طريقة عمل الجيش الروسي. بعد كل شيء، يكون الجاني في العراء ومتحركًا، بينما يقاتل المدافع بشكل أساسي من مواقع ثابتة توفر غطاءًا كبيرًا. يدعم هذا المنطق القاعدة الشهيرة 3: 1، والتي تنص على أن القوة المهاجمة تحتاج على الأقل ثلاثة أضعاف عدد المدافع للفوز بالمعركة، ولكن هناك مشاكل مع هذا الخط من الجدل عند تطبيقه على حرب أوكرانيا.

أولاً، ليس الروس وحدهم هم الذين شنوا حملات هجومية على مدار الحرب. في الواقع، شن الأوكرانيون هجومين رئيسيين في العام الماضي، أديا إلى انتصارات مبشرة على نطاق واسع: هجوم خاركيف في أيلول / سبتمبر 2022 وهجوم خيرسون بين آب / أغسطس وتشرين الثاني / نوفمبر 2022. على الرغم من أن الأوكرانيين حققوا مكاسب إقليمية كبيرة في كلتا الحملتين، إلا أن المدفعية الروسية تسببت في خسائر فادحة في أرواح القوات المهاجمة. بدأ الأوكرانيون للتو هجومًا كبيرًا آخر في 4 حزيران / يونيو ضد القوات الروسية الأكثر عددًا وأفضل استعدادًا بكثير من تلك التي قاتلها الأوكرانيون في خاركيف وخرسون.

ثانيًا، عادةً ما لا يكون التمييز بين الجناة والمدافعين في معركة كبرى بين الأبيض والأسود. عندما يهاجم جيش ما جيشًا آخر، يشن المدافع دائمًا هجمات مضادة. بمعنى آخر، ينتقل المدافع إلى المخالفة وينتقل الجاني إلى الدفاع. على مدار معركة مطولة، من المرجح أن ينتهي الأمر بكل جانب بالهجوم والهجوم المضاد بالإضافة إلى الدفاع عن مواقع ثابتة. يفسر هذا ذهابًا وإيابًا سبب أن نسب تبادل الضحايا في معارك الحرب الأهلية الأمريكية ومعارك الحرب العالمية الأولى غالبًا ما تكون متساوية تقريبًا، وليست مواتية للجيش الذي بدأ في موقف دفاعي. في الواقع، فإن الجيش الذي يوجه الضربة الأولى يعاني أحيانًا من خسائر أقل من الجيش المستهدف. باختصار، عادة ما ينطوي الدفاع على الكثير من الهجوم.

يتضح من التقارير الإخبارية الأوكرانية والغربية، أن القوات الأوكرانية تشن هجمات مضادة بشكل متكرر ضد القوات الروسية. خذ بعين الاعتبار هذه الرواية في صحيفة واشنطن بوست عن القتال في وقت سابق من هذا العام في باخموت: “هناك حركة سلسة مستمرة”، هذا ما قاله ملازم أول أوكراني … الهجمات الروسية على طول الجبهة تسمح لقواتها بالتقدم بضع مئات من الأمتار قبل دفعها بعد ساعات. وقال: “من الصعب التمييز بالضبط بين خط المواجهة لأنه يتحرك مثل جيلو (الهلام)”. بالنظر إلى ميزة المدفعية الروسية الهائلة، يبدو من المعقول أن نفترض أن نسبة تبادل الخسائر في هذه الهجمات المضادة الأوكرانية تفضل الروس – ربما بطريقة غير متوازنة.

ثالثًا، لا يستخدم الروس – على الأقل في كثير من الأحيان – هجمات أمامية واسعة النطاق تهدف إلى التقدم سريعًا والاستيلاء على الأراضي، ولكنها من شأنها تعريض القوات المهاجمة لنيران ذوات المدافعين الأوكرانيين. كما أوضح الجنرال سيرجي سوروفيكين في تشرين الأول / أكتوبر 2022، عندما كان يقود القوات الروسية في أوكرانيا، “لدينا إستراتيجية مختلفة … نحن نحافظ على كل جندي ونعمل بإصرار على سحق العدو المتقدم”. في الواقع، تبنت القوات الروسية تكتيكات ذكية تقلل من مستويات الخسائر. تكتيكهم المفضل هو شن هجمات استقصائية ضد مواقع أوكرانية ثابتة بوحدات مشاة صغيرة، مما يجعل القوات الأوكرانية تهاجمهم بقذائف الهاون والمدفعية. يسمح هذا الرد للروس بتحديد مكان تواجد المدافعين الأوكرانيين ومدفعيتهم. ثم يستخدم الروس ميزتهم الكبيرة في المدفعية لقصف خصومهم. بعد ذلك، تتحرك مجموعات المشاة الروسية للأمام مرة أخرى؛ وعندما يواجهون مقاومة أوكرانية جادة يكررون العملية. تساعد هذه التكتيكات في تفسير سبب إحراز روسيا تقدمًا بطيئًا في الاستيلاء على الأراضي الخاضعة لسيطرة أوكرانيا.

قد يعتقد المرء أن الغرب يمكن أن يقطع شوطًا طويلاً نحو تسوية معدل تبادل الضحايا من خلال تزويد أوكرانيا بالعديد من سبطانات وقذائف المدفعية، وبالتالي القضاء على ميزة روسيا الكبيرة بهذا السلاح المهم للغاية. لكن هذا لن يحدث في أي وقت قريب، وذلك ببساطة لأنه لا الولايات المتحدة ولا حلفاؤها لديهم القدرة الصناعية اللازمة لإنتاج كميات كبيرة من سبطانات وقذائف المدفعية لأوكرانيا. ولا يمكنهم بناء تلك القدرة بسرعة. أفضل ما يمكن أن يفعله الغرب – على الأقل للعام المقبل أو نحو ذلك – هو الحفاظ على عدم التوازن الحالي للمدفعية بين روسيا وأوكرانيا، ولكن حتى هذا سيكون مهمة صعبة.

لا يمكن لأوكرانيا أن تفعل الكثير للمساعدة في علاج المشكلة، لأن قدرتها على تصنيع الأسلحة محدودة. إنها تعتمد بشكل كامل تقريبًا على الغرب، ليس فقط للمدفعية، ولكن لكل نوع من أنواع أنظمة الأسلحة الرئيسية. من ناحية أخرى، كان لدى روسيا قدرة هائلة على تصنيع الأسلحة التي تدخل في الحرب، والتي تم تكثيفها منذ بدء القتال. قال بوتين مؤخرًا: “صناعة الدفاع لدينا تكتسب زخمًا كل يوم. لقد قمنا بزيادة الإنتاج العسكري بمقدار 2.7 مرة خلال العام الماضي. لقد ارتفع إنتاجنا من أكثر الأسلحة أهمية عشر مرات ولا يزال يتزايد. تعمل المصانع في نوبتين أو ثلاث نوبات، وبعضها مشغول على مدار الساعة “. باختصار، بالنظر إلى الحالة المحزنة للقاعدة الصناعية لأوكرانيا، فهي ليست في وضع يسمح لها بشن حرب استنزاف بمفردها. لا يمكنها أن تفعل ذلك إلا بدعم غربي. لكن حتى ذلك الحين، محكوم عليها بالخسارة.

كان هناك تطور حديث زاد من ميزة القوة النارية لروسيا على أوكرانيا. في السنة الأولى من الحرب، كان للقوة الجوية الروسية تأثير ضئيل على ما حدث في الحرب البرية، ويرجع ذلك أساسًا إلى أن الدفاعات الجوية الأوكرانية كانت فعالة بما يكفي لإبقاء الطائرات الروسية بعيدة عن معظم ساحات القتال. لكن الروس أضعفوا الدفاعات الجوية الأوكرانية بشكل خطير، مما يسمح الآن للقوات الجوية الروسية بضرب القوات البرية الأوكرانية على الخطوط الأمامية أو خلفها مباشرة. بالإضافة إلى ذلك، طورت روسيا القدرة على تجهيز ترسانتها الضخمة من قنابل حديدية بوزن 500 كغ مزودة بمجموعات توجيه، ما يجعلها قاتلة بشكل دقيق.

باختصار، ستستمر نسبة الخسائر بين الضحايا في تفضيل الروس في المستقبل المنظور، وهو أمر مهم للغاية في حرب الاستنزاف. بالإضافة إلى ذلك، فإن روسيا في وضع أفضل بكثير لشن حرب استنزاف لأن عدد سكانها أكبر بكثير من سكان أوكرانيا. أمل كييف الوحيد في كسب الحرب هو انهيار عزم موسكو، لكن هذا غير مرجح بالنظر إلى أن القادة الروس ينظرون إلى الغرب على أنه خطر وجودي.

آفاق اتفاق سلام تفاوضي

هناك جوقة متزايدة من الأصوات في جميع أنحاء العالم تدعو جميع الأطراف في الحرب الأوكرانية إلى تبني الدبلوماسية والتفاوض على اتفاقية سلام دائم. لكن هذا لن يحدث. هناك الكثير من العقبات الهائلة التي تحول دون إنهاء الحرب في أي وقت قريب، ناهيك عن صياغة صفقة تنتج سلامًا دائمًا. أفضل نتيجة ممكنة هي الصراع المجمد، حيث يواصل الطرفان البحث عن فرص لإضعاف الجانب الآخر وحيث يوجد خطر دائم من تجدد القتال.

على المستوى العام، السلام غير ممكن لأن كل طرف ينظر إلى الآخر على أنه تهديد مميت، يجب هزيمته في ساحة المعركة. لا يكاد يوجد أي مجال للتسوية مع الجانب الآخر في هذه الظروف. هناك أيضًا نقطتان محددتان للنزاع بين الأطراف المتحاربة غير قابلة للحل. أحدهما يتعلق بالأرض بينما يتعلق الآخر بالحياد الأوكراني. يلتزم جميع الأوكرانيين تقريبًا بشدة باستعادة كل أراضيهم المفقودة – بما في ذلك شبه جزيرة القرم. من يستطيع أن يلومهم؟ لكن روسيا ضمت رسميًا شبه جزيرة القرم ودونيتسك وخيرسون ولوهانسك وزابوروجيا، وهي ملتزمة بشدة بالحفاظ على تلك المنطقة. في الواقع، هناك سبب للاعتقاد بأن موسكو ستضم المزيد من الأراضي الأوكرانية إذا استطاعت.

العقدة الغوردية الأخرى (نسبةً الى عقدة في الأسطورة اليونانية القديمة مرتبطة بالإسكندر الأكبر من يستطيع فكها سيكون مقدرًا له أن يحكم كل آسيا) تتعلق بعلاقة أوكرانيا مع الغرب. لأسباب مفهومة، تريد أوكرانيا ضمانًا أمنيًا بمجرد انتهاء الحرب، وهو ما يمكن للغرب فقط توفيره. وهذا يعني العضوية الفعلية أو القانونية في الناتو، حيث لا يمكن لأي دولة أخرى حماية أوكرانيا. ومع ذلك، يطالب جميع القادة الروس تقريبًا بأوكرانيا محايدة، مما يعني عدم وجود علاقات عسكرية مع الغرب وبالتالي عدم وجود مظلة أمنية لكييف. لا توجد طريقة لتربيع هذه الدائرة.

هناك عائقان آخران أمام السلام: القومية، التي تحولت الآن إلى قومية مفرطة، والافتقار التام للثقة من الجانب الروسي.

لطالما كانت القومية قوة جبارة في أوكرانيا لما يزيد عن قرن من الزمان، وكانت العداء تجاه روسيا منذ فترة طويلة أحد عناصرها الأساسية. أدى اندلاع الصراع الحالي في 22 شباط / فبراير 2014 إلى تأجيج هذا العداء، مما دفع البرلمان الأوكراني إلى تمرير مشروع قانون في اليوم التالي يقيد استخدام الروسية ولغات الأقليات الأخرى، وهي خطوة ساعدت على التعجيل بالحرب الأهلية في دونباس. أدى ضم روسيا لشبه جزيرة القرم بعد ذلك بوقت قصير إلى تفاقم الوضع السيئ. على عكس الحكمة السائدة في الغرب، فهم بوتين أن أوكرانيا كانت أمة منفصلة عن روسيا وأن الصراع بين العرقية الروسية والمتحدثين بالروسية الذين يعيشون في دونباس والحكومة الأوكرانية يدور حول “المسألة القومية”.

لقد أدى الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي وضع البلدين ضد بعضهما البعض في حرب دموية طويلة الأمد، إلى تحويل تلك القومية إلى قومية مفرطة في كلا الجانبين. ازدراء وكراهية “الآخر” يغمر المجتمعين الروسي والأوكراني، مما يخلق حوافز قوية للقضاء على هذا التهديد – بالعنف إذا لزم الأمر. الأمثلة كثيرة. تؤكد إحدى الصحف الأسبوعية البارزة في كييف أن المؤلفين الروس المشهورين مثل ميخائيل ليرمونتوف وفيودور دوستويفسكي وليو تولستوي وبوريس باسترناك هم “قتلة، لصوص، وجهلة”. يقول كاتب أوكراني بارز إن الثقافة الروسية تمثل “البربرية والقتل والدمار…. هذا هو مصير ثقافة العدو”.

كما هو متوقع، فإن الحكومة الأوكرانية منخرطة في “إزالة الترويس (إزالة كل ما له علاقة بروسيا)” أو “إنهاء الاستعمار” ، والذي يتضمن تطهير مكتبات الكتب من قبل المؤلفين الروس، وإعادة تسمية الشوارع التي لها أسماء مرتبطة بروسيا، وإزالة تماثيل شخصيات مثل كاترين العظيمة، وحظر اللغة الروسية الموسيقى التي تم إنتاجها بعد عام 1991، مما أدى إلى قطع العلاقات بين الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية والكنيسة الأرثوذكسية الروسية، وتقليل استخدام اللغة الروسية. ربما يكون أفضل تلخيص لموقف أوكرانيا تجاه روسيا هو تعليق زيلينسكي المقتضب: “لن نسامح. لن ننسى”.

بالانتقال إلى الجانب الروسي من التل، أفاد أناتول ليفين أنه “في كل يوم على التلفزيون الروسي يمكنك مشاهدة الإهانات العرقية المليئة بالكراهية الموجهة إلى الأوكرانيين”. مما لا يثير الدهشة، أن الروس يعملون على إضفاء الروسية ومحو الثقافة الأوكرانية في المناطق التي ضمتها موسكو. وتشمل هذه الإجراءات إصدار جوازات سفر روسية، وتغيير المناهج الدراسية في المدارس، واستبدال الهريفنيا الأوكرانية بالروبل الروسي، واستهداف المكتبات والمتاحف، وإعادة تسمية البلدات والمدن. باخموت، على سبيل المثال، هي الآن أرتيوموفسك، ولم تعد اللغة الأوكرانية تُدرس في مدارس منطقة دونيتسك. من الواضح أن الروس أيضًا لن يغفروا ولن ينسوا.

إن صعود النزعة القومية المفرطة أمر متوقع في زمن الحرب، ليس فقط لأن الحكومات تعتمد بشكل كبير على القومية لتحفيز شعوبها على دعم بلادهم إلى أقصى حد، ولكن أيضًا لأن الموت والدمار الذي يصاحب الحرب – وخاصة الحروب التي طال أمدها – يدفع كل طرف إلى نزع الصفة الإنسانية وكره الاخر. في حالة أوكرانيا، يضيف الصراع المرير حول الهوية الوطنية الزيت على النار.

إن القومية المفرطة بطبيعة الحال تجعل من الصعب على كل جانب التعاون مع الآخر، وتعطي روسيا سببًا للاستيلاء على الأراضي المليئة بالإثنية الروسية والمتحدثين باللغة الروسية. من المفترض أن العديد منهم يفضلون العيش تحت السيطرة الروسية، نظرًا لعداء الحكومة الأوكرانية تجاه كل ما هو روسي. في عملية ضم هذه الأراضي، من المرجح أن يقوم الروس بطرد أعداد كبيرة من ذوي الأصول الأوكرانية، وذلك بشكل رئيسي بسبب الخوف من أنهم سوف يتمردون على الحكم الروسي إذا بقوا. ستؤدي هذه التطورات إلى تأجيج الكراهية بين الروس والأوكرانيين، مما يجعل التسوية على الأراضي مستحيلة عمليًا.

هناك سبب أخير لعدم إمكانية تحقيق اتفاق سلام دائم. لا يثق القادة الروس في أوكرانيا أو الغرب في التفاوض بحسن نية، وهذا لا يعني أن القادة الأوكرانيين والغربيين يثقون بنظرائهم الروس. يتضح انعدام الثقة من جميع الجوانب، لكنه حاد بشكل خاص من جانب موسكو بسبب مجموعة من الاكتشافات الأخيرة.

مصدر المشكلة هو ما حدث في المفاوضات حول اتفاقية مينسك الثانية لعام 2015، والتي كانت إطارًا لإغلاق الصراع في دونباس. لعب الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الدور المركزي في تصميم هذا الإطار، على الرغم من التشاور على نطاق واسع مع كل من بوتين والرئيس الأوكراني بيترو بوروشنكو. هؤلاء الأفراد الأربعة كانوا أيضًا لاعبين رئيسيين في المفاوضات اللاحقة. ليس هناك شك في أن بوتين كان ملتزمًا بإنجاح مينسك. لكن هولاند وميركل وبوروشنكو – وكذلك زيلينسكي – أوضحوا جميعًا أنهم ليسوا مهتمين بتنفيذ مينسك، لكنهم رأوا بدلاً من ذلك أنها فرصة لكسب الوقت لأوكرانيا لبناء جيشها حتى تتمكن من التعامل معها. التمرد في دونباس كما قالت ميركل لـ Die Zeit، كانت “محاولة لمنح أوكرانيا الوقت … لتصبح أقوى”. وبالمثل، قال بوروشنكو، “كان هدفنا، أولاً، وقف التهديد، أو على الأقل تأخير الحرب – لتأمين ثماني سنوات لاستعادة النمو الاقتصادي وإنشاء قوات مسلحة قوية”.

بعد وقت قصير من مقابلة دي تسايت مع ميركل في كانون الأول / ديسمبر 2022، قال بوتين في مؤتمر صحفي: “إعتقدتُ أن المشاركين الآخرين في هذا الاتفاق كانوا صادقين على الأقل، لكن لا، اتضح أنهم كانوا يكذبون علينا أيضًا ويريدون فقط ضخ أوكرانيا بالأسلحة. وتحضيرها للصراع العسكري”. ومضى يقول إن خداع الغرب له، جعله يفوت فرصة لحل مشكلة أوكرانيا في ظروف أكثر ملاءمة لروسيا: “على ما يبدو، لقد تأخرنا كثيرًا، لنكون صادقين. ربما كان علينا أن نبدأ كل هذه [العملية العسكرية] في وقت سابق، لكننا كنا نأمل فقط أن نتمكن من حلها في إطار اتفاقيات مينسك”. ثم أوضح أن ازدواجية الغرب ستؤدي إلى تعقيد المفاوضات المستقبلية: “الثقة وصلت إلى الصفر بالفعل، ولكن بعد مثل هذه التصريحات، كيف يمكننا التفاوض؟ عن ماذا؟ هل يمكننا عقد أي اتفاقيات مع أحد، وأين الضمانات؟”.

باختصار، لا تكاد توجد أي فرصة لانتهاء حرب أوكرانيا بتسوية سلمية ذات مغزى. وبدلاً من ذلك، من المرجح أن تستمر الحرب لمدة عام آخر على الأقل، وتتحول في النهاية إلى صراع مجمّد قد يتحول مرة أخرى إلى حرب إطلاق نار.

عواقب

سيكون لغياب اتفاقية سلام قابلة للحياة مجموعة متنوعة من العواقب الوخيمة. العلاقات بين روسيا والغرب، على سبيل المثال، من المرجح أن تظل عدائية للغاية وخطيرة في المستقبل المنظور. سيستمر كل جانب في شيطنة الطرف الآخر بينما يعمل بجد لزيادة مقدار الألم والمتاعب التي يسببها لمنافسه. ومن المؤكد أن هذا الوضع سيسود إذا استمر القتال. لكن حتى لو تحولت الحرب إلى صراع مجمّد، فمن غير المرجح أن يتغير مستوى العداء بين الجانبين كثيرًا.

ستسعى موسكو إلى استغلال الانقسامات القائمة بين الدول الأوروبية، بينما تعمل أيضًا على إضعاف العلاقة عبر الأطلسي وكذلك المؤسسات الأوروبية الرئيسية مثل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. نظرًا للضرر الذي ألحقته الحرب بالاقتصاد الأوروبي وما زالت تسببه، نظرًا لخيبة الأمل المتزايدة في أوروبا من احتمال نشوب حرب لا تنتهي في أوكرانيا، وبالنظر إلى الاختلافات بين أوروبا والولايات المتحدة فيما يتعلق بالتجارة مع الصين، فإن القادة الروس يجب أن يجد أرضًا خصبة للتسبب في المشاكل في الغرب. سيؤدي هذا التدخل بشكل طبيعي إلى تعزيز الخوف من روسيا في أوروبا والولايات المتحدة، مما يجعل الوضع السيئ أسوأ.

الغرب، من جانبه، سيبقي على العقوبات على موسكو وسيبقي التواصل الاقتصادي بين الجانبين عند الحد الأدنى، كل ذلك لغرض الإضرار بالاقتصاد الروسي. علاوة على ذلك، ستعمل بالتأكيد مع أوكرانيا للمساعدة في توليد حركات تمرد في الأراضي التي احتلتها روسيا من أوكرانيا. في الوقت نفسه، ستواصل الولايات المتحدة وحلفاؤها اتباع سياسة احتواء صارمة تجاه روسيا، والتي يعتقد الكثيرون أنها ستتعزز بانضمام فنلندا والسويد إلى الناتو ونشر قوات الناتو الكبيرة في أوروبا الشرقية. بالطبع، سيظل الغرب ملتزماً بإدخال جورجيا وأوكرانيا في الناتو، حتى لو كان من غير المرجح أن يحدث ذلك. أخيرًا، من المؤكد أن النخب الأمريكية والأوروبية ستحتفظ بحماسها لتعزيز تغيير النظام في موسكو ومحاكمة بوتين على أفعال روسيا في أوكرانيا.

لن تظل العلاقات بين روسيا والغرب سامة فقط وتتحرك إلى الأمام، ولكنها ستكون أيضًا خطيرة، حيث ستكون هناك إمكانية دائمة للتصعيد النووي أو حرب القوى العظمى بين روسيا والولايات المتحدة.

تدمير أوكرانيا

كانت أوكرانيا في مأزق اقتصادي وديموغرافي حاد قبل بدء الحرب العام الماضي. والدمار الذي لحق بأوكرانيا منذ الغزو الروسي مروّع. من خلال مسح الأحداث خلال السنة الأولى للحرب، يعلن البنك الدولي أن الغزو “تسبب في خسائر لا يمكن تصورها لشعب أوكرانيا واقتصاد البلاد، حيث تقلص النشاط بنسبة مذهلة بلغت 29.2 في المائة في عام 2022”. ليس من المستغرب أن تحتاج كييف إلى ضخ كميات هائلة من المساعدات الخارجية فقط لإبقاء الحكومة تعمل، ناهيك عن خوض الحرب. علاوة على ذلك، يقدر البنك الدولي أن الأضرار تتجاوز 135 مليار دولار وأن هناك حاجة لحوالي 411 مليار دولار لإعادة بناء أوكرانيا. وتشير التقارير إلى أن الفقر، “ارتفع من 5.5 في المائة في عام 2021 إلى 24.1 في المائة في عام 2022، مما دفع 7.1 مليون شخص آخر إلى هوة الفقر وتراجع 15 عامًا من التقدم”. تم تدمير 62 مدينة، وفرّ ما يقرب من 8 ملايين أوكراني من البلاد، وحوالي 7 ملايين نازح داخليا. أكدت الأمم المتحدة مقتل 8490 مدنياً، على الرغم من أنها تعتقد أن العدد الفعلي “أعلى بكثير”. وبالتأكيد عانت أوكرانيا بأكثر من 100ألف ضحية في ساحة المعركة.

يبدو مستقبل أوكرانيا قاتما إلى أقصى حد. لا تظهر الحرب أي بوادر على الانتهاء في أي وقت قريب، مما يعني المزيد من الدمار للبنية التحتية والمساكن، والمزيد من الدمار في البلدات والمدن، والمزيد من القتلى المدنيين والعسكريين، والمزيد من الأضرار التي لحقت بالاقتصاد. وليس فقط من المحتمل أن تخسر أوكرانيا المزيد من الأراضي لصالح روسيا، ولكن وفقًا للمفوضية الأوروبية، “وضعت الحرب أوكرانيا على طريق تدهور ديموغرافي لا رجعة فيه”. أوكرانيا ضعيفة اقتصاديا وغير مستقرة سياسيا. من المرجح أيضًا أن يؤدي الصراع المستمر إلى تأجيج الفساد، الذي لطالما كان مشكلة حادة، ويزيد من تقوية الجماعات المتطرفة في أوكرانيا. من الصعب تخيل تلبية كييف للمعايير الضرورية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أو الناتو.

سياسة الولايات المتحدة تجاه الصين

تعرقل حرب أوكرانيا جهود الولايات المتحدة لاحتواء الصين، وهو أمر ذو أهمية قصوى للأمن الأمريكي، لأن الصين منافس نظير في حين أن روسيا ليست كذلك. ضد الصين وتحويل القوة الكاملة إلى شرق آسيا. بدلاً من ذلك، دفعت الحرب في أوكرانيا بكين وموسكو إلى التقارب معًا، مع تزويد الصين بحافز قوي للتأكد من عدم هزيمة روسيا وأن الولايات المتحدة لا تزال مقيدة في أوروبا، مما يعيق جهودها للتركيز على شرق آسيا.

خاتمة

يجب أن يكون واضحًا الآن أن حرب أوكرانيا هي كارثة هائلة من غير المرجح أن تنتهي في أي وقت قريب، وعندما تنتهي، لن تكون النتيجة سلامًا دائمًا. بضع كلمات حول كيف انتهى الأمر بالغرب في هذا الوضع الرهيب.

المقولة التقليدية حول أصول الحرب، هي أن بوتين شن هجومًا غير مبرر في 24 شباط / فبراير 2022، والذي كان مدفوعًا بخطته الكبرى لإنشاء روسيا أكبر. يقال إن أوكرانيا كانت الدولة الأولى التي ينوي غزوها وضمها، لكنها لم تكن الأخيرة. كما قلت في مناسبات عديدة، لا يوجد دليل يدعم هذا الخط من الجدل، وفي الواقع هناك دليل كبير يتعارض معه بشكل مباشر. بينما لا شك في أن روسيا غزت أوكرانيا، كان السبب النهائي للحرب هو قرار الغرب – وهنا نتحدث بشكل أساسي عن الولايات المتحدة – لجعل أوكرانيا حصنًا غربيًا على حدود روسيا. كان العنصر الأساسي في تلك الاستراتيجية هو ضم أوكرانيا إلى الناتو، وهي خطوة لم يراها بوتين فحسب، بل مؤسسة السياسة الخارجية الروسية بأكملها، على أنها تهديد وجودي يجب القضاء عليه.

غالبًا ما يُنسى أن العديد من صانعي السياسة والاستراتيجيين الأمريكيين والأوروبيين عارضوا توسع الناتو منذ البداية لأنهم أدركوا أن الروس سيرون ذلك تهديدًا، وأن السياسة ستؤدي في النهاية إلى كارثة. تشمل قائمة المعارضين جورج كينان، ووزير دفاع الرئيس كلينتون، وليام بيري، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال جون شاليكاشفيلي، وبول نيتز، وروبرت غيتس، وروبرت مكنمارا، وريتشارد بايبس، وجاك ماتلوك، فقط على سبيل المثال لا الحصر. في قمة الناتو في بوخارست في نيسان / أبريل 2008، عارض كل من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خطة الرئيس جورج دبليو بوش لضم أوكرانيا إلى الحلف. قالت ميركل لاحقًا إن معارضتها تستند إلى اعتقادها بأن بوتين سوف يفسرها على أنها “إعلان حرب”.

بالطبع، كان معارضو توسع الناتو على حق، لكنهم خسروا القتال وسار الناتو شرقًا، مما دفع الروس في النهاية إلى شن حرب وقائية. لو لم تتحرك الولايات المتحدة وحلفاؤها لجلب أوكرانيا إلى الناتو في نيسان / أبريل 2008، أو إذا كانوا على استعداد للتعامل مع مخاوف موسكو الأمنية بعد اندلاع أزمة أوكرانيا في فبراير 2014، فمن المحتمل ألا تكون هناك حرب في أوكرانيا اليوم وحدودها سيبدو الأمر كما فعلوا عندما حصلت على استقلالها في عام 1991. لقد ارتكب الغرب خطأً فادحًا، الذي لم يتم دفع ثمنه ولا ثمن العديد من الأخطاء الأخرى.

المصدر: موقع substack

ترجمة موقع الخنادق