1

كيف تأثرت العلاقات الاقتصادية بين فرنسا والمغرب بالتوترات الدبلوماسية؟

نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية تقريرًا تحدثت فيه عن التوترات الدبلوماسية الأخيرة بين فرنسا والمغرب ومدى تأثيرها على العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حيث ألغيت زيارة رئيس حركة المؤسسات الفرنسية (ميديف) جيفروي رو دي بيزيو، بسبب العلاقات السيئة بين البلدين.

وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمتة “عربي21“، إن جيفروي رو دي بيزيو، رئيس حركة المؤسسات الفرنسية (ميديف)، لن يسافر إلى المغرب. بينما كان من المقرر أن يستقبله نظراؤه من الاتحاد العام لمقاولات المغرب، الاثنين 26 حزيران/ يونيو الجاري، ولكن تم تأجيل زيارته. وبحسب مصدر من هذه المؤسسة، فإنه يرتبط تأجيل الزيارة بالتوقيت السيئ “بسبب السياق الحالي للعلاقات المغربية الفرنسية، التي لا تفسح المجال لهذه الزيارة”.

لم تتم الدعوة من قبل الاتحاد العام لمقاولات المغرب، كما أكد مصدر مقرب من الملف في المغرب، موضحا أن جيفروي رو دي بيزيو هو الذي أعرب عن رغبته في القدوم قبل نهاية ولايته، في 6 تموز/ يوليو المقبل. وصرح فابريس لو ساشي، المتحدث باسم “ميديف” لوسيلة الإعلام المغربية “لي 360” بأن “هناك بالتأكيد سياقات سياسية، لكننا قادة أعمال، ونحن لا نلعب، وما يهمنا، مثل نظرائنا المغاربة، هو مشاريعنا. ويجب أن نكون قادرين على التمييز بين الأشياء جيدًا. قد يكون للعوامل السياسية تأثير بالطبع، خاصة بالنسبة للعقود العامة. لكن الشركات الخاصة، فيما بينها، تبحث عن أفضل التقنيات وأفضل المستثمرين”.

وأشارت الصحيفة إلى أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين قوية تاريخيًّا؛ ففي سنة 2022، كانت فرنسا المستثمر الأجنبي الرائد في المغرب، متقدمة على الولايات المتحدة والإمارات. وفي ما يتعلق بالجانب السياحي، فإن المغرب يعدّ أول وجهة للسياح الفرنسيين؛ حيث استقبل أكثر من مليون فرنسي لقضاء العطلات هناك في الربع الأول من سنة 2023. ومن حيث الاستثمار الأجنبي المباشر، فلا تزال فرنسا تحتفظ بالمركز الأول في المغرب. ومن ناحية أخرى، فقد تراجعت باريس إلى المرتبة الثانية بين الشركاء التجاريين للبلاد، بعد إسبانيا منذ سنة 2017.

ووفق الصحيفة، فإن المغرب يظل “البلد الأول في أفريقيا من حيث صافي الاستثمار الأجنبي المباشر، والأول من حيث فرص العمل المستحدثة والثاني من حيث عدد المشاريع المنفذة (12) في فرنسا سنة 2022” ، وهو ما أكدته السفارة الفرنسية في المغرب في بيان صحفي نشر في أيار/ مايو الماضي. ومن جهته؛ أكد الخبير الاقتصادي المغربي نجيب أقصبي أن “العلاقات الاقتصادية بين الرباط وباريس كانت دائما واضحة. حتى لو كان هناك اليوم تدخل سياسي”.

قضية الصحراء الغربية
وأبرزت الصحيفة أنه لم يعد للمملكة سفيرٌ في باريس منذ 19 كانون الثاني/ يناير الماضي، وهو اليوم الذي صوت فيه البرلمان الأوروبي على نص غير ملزم يدين مصير الصحفيين المغاربة المسجونين ويؤكد “قلق” أعضاء البرلمان الأوروبي بشأن تورط المغرب في فضيحة فساد. وفي الرباط؛ تمت إدانة حملة الاعتداءات والمضايقات التي دبرها بشكل خاص النائب الأوروبي والأمين العام لحزب النهضة، حزب الرئيس إيمانويل ماكرون، ستيفان سيغورني.

وهناك قضية أخرى حساسة، وهي منطقة الصحراء الغربية المتنازع عليها. فخلال خطاب ألقاه في آب/أغسطس 2022، اتبع محمد السادس نهجًا متشددًا، موضحًا أن الصحراء اليوم هي “المنظور الذي يرى المغرب من خلاله بيئته الدولية”. لذلك، فإنها ترغب المملكة الآن في توجيه رسالة إلى فرنسا مفادها أنها تنتظر موقفا قويا منها، على غرار واشنطن، التي اعترفت بالسيادة المغربية على المنطقة. علاوة على ذلك، لا يرحب المغرب بمحاولات التقارب بين فرنسا والجزائر، ودعم الانفصاليين الصحراويين بتاتًا.

هذا هو السياق الذي يستدعيه الاتحاد العام لمقاولات المغرب لتبرير إلغاء زيارة  جيفروي رو دي بيزيو؛ حيث يقول نجيب أقصبي: “من يستطيع أن يتخيل للحظة أن قرار الاتحاد العام لمقاولات المغرب مستقل؟ لا أحد يستطيع تصديق ذلك. إنها دعوة سياسية لأمر من السلطة في الاتحاد العام لمقاولات المغرب”. وبالنسبة للخبير الاقتصادي؛ تتشابك المصالح الاقتصادية الفرنسية والمغربية وتدور حول نُخب البلدين، فيقول: “في فرنسا، هناك جماعات ضغط تراقب وتعمل على الحفاظ على هذه العلاقات. من الضروري الاعتقاد أنهم في الوقت الحالي لا يستطيعون التأثير بشكل كافٍ على الإليزيه. في المغرب، اللعبة أقل دقة؛ حيث يعتبر الاقتصاد والسياسة أمرا واحدا وتعد مصالح النخب المغربية أهم من المخاطرة بفقدانها. لكن اليوم، يبدو أن آليات نفوذ النخب تتعثر”.

وفي السياق ذاته، يتابع نجيب أقصبي قائلًا: “يعد الاقتصاد والأسواق الكبيرة أوراق تفاوض سياسية يستخدمها المغرب وفرنسا”. على سبيل المثال، لتوسيع شبكة القطارات عالية السرعة مع الخط الذي يربط مراكش بأغادير، فقد أعربت المجموعات الفرنسية بالفعل عن رغبتها في دعم المكتب الوطني للسكك الحديدية. من جهتها، ترغب مجموعة الشركة الوطنية للسكك الحديدية في المشاركة في تصميم الخط عالي السرعة وتود شركة “ألستوم” متعددة الجنسيات في تجهيز المشروع بالقاطرات والعربات كما فعلت في القسم الأول من شبكة القطارات عالية السرعة الذي يربط الدار البيضاء بطنجة. لكن السلطات المغربية تفتح الباب أمام دول أخرى مثل الصين وإسبانيا.

اختراق ألمانيا وروسيا
وأوردت الصحيفة أن الصحافة المحلية تنقل بانتظام فكرة أن موقف فرنسا في المغرب لم يعد مؤكدًا وأن دعوات المناقصات يجب أن تسمح للمملكة بدراسة كل إمكانياتها. ويؤكد نجيب أقصبي قائلا: “من الواضح أن نتيجة هذه الدعوات للمناقصات هي فقط تجسيد للتقارب بين الدول”.

وتجدر الإشارة إلى وجود سوق آخر مرغوب فيه من قبل المجموعات الفرنسية الكبرى وهو سوق الهيدروجين الأخضر. لكن في سنة 2020، وجهت المملكة أنظارها إلى ألمانيا، فقد وقع البلدان إعلان نوايا مشتركا حول تطوير هذه الطاقة في المغرب. وفي المقابل، سيقوم بنك التنمية الألماني بتمويل بناء مصنع لإنتاج الهيدروجين الأخضر مقابل 300 مليون يورو.

أخيرا، وفي ما يتعلق بالطاقة النووية المدنية ولتحقيق هدف المغرب المتمثل في الوصول إلى طاقة متجددة بنسبة 52 بالمئة بحلول سنة 2030، فإن هناك اتفاقا ثنائيا مع موسكو قيد المناقشة. يوفر الاتفاق، من بين أمور أخرى، إنشاء مفاعلات البحث والطاقة ومسرعات الجسيمات الأولية ونظام إدارة النفايات المشعة.

لكن بالنسبة لنجيب أقصبي، فإنه “لم يتقرر أي شيء”، ووفقا له “فلو مُنحت هذه العقود بسرعة لدول أخرى غير فرنسا، فإنها ستكون علامة فارقة، لكن في الوقت الحالي، لم يحدث شيء.  بالتالي، فإن من شأن مثل هذا التغيير الجذري في المسار أن يثير تساؤلات حول الكثير من المسائل”.

وفي الختام، فإن الصحيفة نقلت عن مصدر في الاتحاد العام لمقاولات المغرب تأكيده أن الرئيس الحالي لميديف، “ستتاح له الفرصة للمجيء إلى المغرب في سنة 2024”. وأكد أن الروابط التي توحد أرباب العمل المغاربة والفرنسيين لا تزال قوية. 

بالإضافة إلى ذلك فإنه سيعقد اجتماع رواد الأعمال الناطقين بالفرنسية الذي ينظمه تحالف أرباب العمل الفرنكفونيين برئاسة جيفروي رو دي بيزيو، على التراب المغربي السنة المقبلة.

أسماء الكامل

المصدر: موقع عربي 21




جدل في الجزائر حول إشاعة طرد السفير الإماراتي

لا زال الجدل قائما في الجزائر بشأن العلاقات الجزائرية ـ الإماراتية بعد الإعلان عن اكتشاف شبكة تجسس إماراتية لها علاقة بالموساد الإسرائيلي، قبل أن يتم نفي الخبر نفيا قاطعا وإقالة وزير الاتصال.

وعلى الرغم من النفي الرسمي للخبر وسحبه من كل المواقع الإعلامية الجزائرية التي نشرته أول أمس الثلاثاء، فقد أكد الديبلوماسي الجزائري السابق محمد العربي زيتوت، أن شبكة التجسس الإماراتية المرتبطة بالموساد الإسرائيلي التي تم إلقاء القبض عليها يوم الإثنين الماضي، كانت حقيقة، وأن قرار طرد السفير الإماراتي من الجزائر كان حقيقة كذلك، وأنه تم التراجع عن ذلك بعد أقل من ساعتين من اتخاذه لأسباب لها علاقة بمصالح من أسماهم بـ “قيادات نافذة في الجيش”، قال بأنها “خاضعة للنفوذ الإماراتي”.

ورجح زيتوت في تصريحات خاصة لـ “عربي21”، أن تكون المخابرات الداخلية المسؤولة عمليا عن مكافحة الجوسسة هي المسؤولة عن الاكتشاف وعن اتخاذ قرار طرد السفير الإماراتي، لكنه قال: بأن “القرار عندما وصل إلى قائد الجيش السعيد شنقريحة تم التراجع عنه بسرعة فائقة وسحب الخبر من قنوات إعلامية هي بالأساس قنوات النظام المخابراتي نفسه”.

وأشار زيتوت إلى أن “النظام الإماراتي لم يعد طرفا خارجيا فحسب في الجزائر، وإنما هو واحد من أهم الأطراف الفاعلة في توجيه السياسة الجزائرية بالنظر إلى سيطرته على مفاصل اقتصادية كبرى في الجزائر ومنها ميناءا الجزائر العاصمة وجنجن التجاريان وشركة التبغ والكبريت، بالإضافة إلى ملفات فساد أخلاقي ومالي أخرى تمتلكها بحق عدد من المسؤولين الجزائريين النافذين في الجيش والدولة”.

وذكر زيتوت أن لديه معلومات عن زيارات متعددة يقوم بها قائد الجيش الجنرال شنقريحة إلى الإمارات، وأن أغلبها يتم بطريقة غير معلنة، وقال بأن لديه “معلومات عن أن النظام الإماراتي لديه من الملفات الموجعة التي تجعله قادرا على التحكم في القرار السيادي الجزائري”.

وأضاف: “هناك معلومات تتحدث عن أن اكتشاف الخلية الإماراتية العاملة لصالح الموساد الإسرائيلي في الجزائر، تم بمساعدة أجهزة استخباراتية صديقة للجزائر”.

ولفت زيتوت الانتباه إلى أن النظام الإماراتي تمكن من الوصول إلى هذه المرحلة بعد سنوات طويلة بدأت عمليا منذ العام 2004، بعد مساهمة النظام الإماراتي إلى جانب فرنسا وأمريكا في إيصال عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم، وتعيين اليمني الأصل الإماراتي الجنسية حسن شيباني مشرفا عاما على المصالح الإماراتية في الجزائر، الذي تمكن بمعية مجموعة من ضباط المخابرات الإماراتيين من اختراق الدولة الجزائرية والحصول على مكاسب اقتصادية كبرى والتمكن من إقامة علاقات وطيدة مع نافذين في مختلف القطاعات الحيوية في البلاد”.

وأضاف: “الذي حدث بالفعل أن جهة داخل المخابرات اكتشفت أن الإماراتيين يتجسسون على الجزائر، والقول بوجود 4 إماراتيين يتجسسون لصالح الموساد مسألة حقيقية لا لبس فيها.. لذلك تم اتخاذ القرار المفترض أن يكون.. لكن هناك من هو أعلى منهم، والأكيد أن شنقريحة أقوى منهم، رأوا أن هذا الخبر خطير وانتهوا إلى سحبه بسرعة للأسباب التي ذكرتها آنفا”، وفق تعبيره.

لكن عبد القادر تومي الأستاذ الجامعي الجزائري، رأى في تصريحات خاصة لـ “عربي21”، أن الحديث عنطرد السفير الإماراتي من الجزائر بناء على شائعات لا أساس له من الصخحة، وهدفه إثارة البلبة والإساءة إلى العلاقات الحميمية مع دولة مثل الإماراات”.

وقال تومي: “ما جاء في بيان الخارجية الجزائرية من نفي رسمي لإشاعة طرد السفير الإماراتي وتأكيد على صلابة ومتانة العلاقات الجزائرية ـ الإماراتية، يعكس حقيقة الأمور، وحجم الصداقة المتينة بين الدولتين العربيتين”، على حد تعبيره.

من جهته أكد الدكتور توفيق بوقعدة أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر  في تصريحات خاصة لـ “عربي21”، أن الجهة التي سربت الخبر الكاذب إلى بعض وسائل الإعلام الجزائرية حول إشاعة طرد السفير الإماراتي أصبحت معلومة لدى الجهات الأمنية، وأن الأمر لا يعدو أن يكون تضليلا إعلاميا لا علاقة له لا بوزارة الخارجية ولا بالجهات الأمنية”.

وقال: “بيان النفي الصادر عن الخارجية الجزائرية وواقع الحال القائم بين الجزائر والإمارات يؤكد متانة العلاقات بين البلدين وزيف الشائعات المغرضة المقصود بها الإساءة ليس للجزائر فحسب بل ولعلاقات الجزائر مع محيطها العربي”، وفق تعبيره.

وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، قد أنهى مهام وزير الاتصال (الإعلام) محمد بوسليماني، وكلف الأمينة العامة للوزارة بتسيير شؤونها بالنيابة.

جاء ذلك وفق بيان نشرته الرئاسة الجزائرية في وقت متأخر من مساء الإثنين الماضي عبر صفحتها في فيسبوك.

وذكرت الرئاسة في البيان أنه “بعد استشارة الوزير الأول (رئيس الوزراء أيمن بن عبد الرحمان)، أنهى اليوم رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، مهام وزير الاتصال محمد بوسليماني، وكلّف الأمينة العامة لوزارة الاتصال بتسيير شؤون الوزارة بالنيابة”.

ولم يتضمن البيان تفاصيل عن أسباب إقالة الوزير بوسليماني، لكنه جاء بعد ساعات قليلة من نشر قناة النهار المحلية خبرا كاذبا، نفته وزارة الخارجية لاحقا، عن “طرد” السفير الإماراتي بالجزائر.

وقالت الخارجية الجزائرية في بيان منتصف الليلة الماضية: “ينفي الناطق باسم وزارة الشؤون الخارجية نفيا قاطعا ما تم نشره وتداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام من أخبار مغلوطة وكاذبة حول طلب الوزارة من السفير الإماراتي مغادرة التراب الجزائري”.

وأضافت: “تؤكد الوزارة أن هذه الأخبار مزيفة ولا أساس لها من الصحة مع التأكيد على أن بيانات الوزارة هي المصدر الوحيد للمعلومة”.

كما أعربت “عن متانة وصلابة العلاقات الثنائية الجزائرية الإماراتية المتميزة القائمة بين البلدين والشعبين الشقيقين مع الحرص المشترك للارتقاء بها إلى أعلى المراتب تنفيذا للإرادة المشتركة التي تحدوا قائدي البلدين رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون وأخيه رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان”.

وفي تفاصيل الخبر الكاذب، جاء أن “الجزائر تطلب من السفير الإماراتي مغادرة التراب الوطني، ومنحه مهلة 48 ساعة، بعد توقيف 4 جواسيس إماراتيين كانوا يتخابرون لفائدة جهاز الموساد الإسرائيلي”.

كما ورد أيضا في الخبر الذي تم نفيه، أن “وزارة الخارجية تعبر عن أسفها لهذه التصرفات الخاطئة والمخططات الدنيئة التي تستهدف الجزائر”.

المصدر: موقع عربي 21

 




دخلوه بالكلاب ومزقوا المصاحف.. فيديو يوثق اعتداء المستوطنين على مسجد بنابلس

أقدم مستوطنون على تمزيق نسخ من القرآن الكريم، أمام مدخل مسجد في بلدة عوريف جنوب نابلس أثناء مغادرتهم بعد تدنيسه برفقة كلب.

وأظهر مقطع فيديو، خروج مستوطنين اثنين ليلا برفقة كلب حراسة وكان أحدهما يحمل بيده نسخا عديدة من القرآن، وقام برميها على الأرض أمام مدخل المسجد.

وأظهر الفيديو قيام أحد المستوطنين بتمزيق المصاحف، ورميها على الأرض، في الوقت الذي قام به المستوطنون بتحطيم زجاج منافذ المسجد.

https://twitter.com/SerajSat/status/1671940681730752513?ref_src=twsrc%5Etfw%7Ctwcamp%5Etweetembed%7Ctwterm%5E1671940681730752513%7Ctwgr%5Eee245ab5986a32b6bb0809997d002bb041a260d0%7Ctwcon%5Es1_c10&ref_url=https%3A%2F%2Farabi21.com%2Fstory%2F1520105%2FD8AFD8AED984D988D987-D8A8D8A7D984D983D984D8A7D8A8-D988D985D8B2D982D988D8A7-D8A7D984D985D8B5D8A7D8ADD981-D981D98AD8AFD98AD988-D98AD988D8ABD982-D8A7D8B9D8AAD8AFD8A7D8A1-D8A7D984D985D8B3D8AAD988D8B7D986D98AD986-D8B9D984D989-D985D8B3D8ACD8AF-D8A8D986D8A7D8A8D984D8B3-D8B4D8A7D987D8AF

ومساء الأربعاء، أصيب عدد من الفلسطينيين، في هجوم نفذه المستوطنون على بلدة عوريف، أدى لإصابة امرأة بالرصاص، وشاب آخر بجروح، والعشرات بحالات الاختناق.

بدوره أفاد مسؤول الإسعاف والطوارئ بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بمحافظة نابلس أحمد جبريل، في بيان صحفي، أن حصيلة المواجهات في عوريف هي “إصابة سيدة (60 عاماً) بالرصاص الحي في اليد، وشابين أحدهما بالضرب وكسر اليد وجرح عميق بالرأس، والثاني كسر بالرجل”.

وأضاف: “أصيب 4 شبان نتيجة الضرب، و15 آخرون جراء الاختناق بالغاز المسيل للدموع، وجرى علاجهم ميدانيا”.

وشهدت بلدات وقرى في الضفة الغربية هجمات موسعة من المستوطنين، أسفرت عن استشهاد فلسطيني وإصابة العشرات، وحرق عشرات المنازل والمركبات.

المصدر: موقع عربي 21




لماذا يتجنب الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ عملية عسكرية واسعة بالضفة؟

تسود حالة من الغضب في الأوساط الإسرائيلية، بسبب عجز جيش الاحتلال في التعامل مع ظاهرة المقاومة المتزايدة في جنين، التي تكبد فيها الاحتلال خسائر بعد وقوعه في كمين أدى لإصابة سبعة من جنوده وإعطاب بعض الآليات بسبب العبوات المتفجرة.

وتتزايد الأوساط اليمينية في دولة الاحتلال، المطالبة بتنفيذ عملية واسعة في الضفة الغربية، بالتزامن مع عدم قدرة جيش الاحتلال على مواكبة حجم الإنذارات حول الهجمات المتوقعة.

أمير بوخبوط المراسل العسكري لموقع ويللا، أكد أن هناك عدة أسباب تقف خلف عدم موافقة وزير الحرب يوآف غالانت للشروع في عملية واسعة النطاق في مخيمات جنين ونابلس، أهمها حجم الأضرار الجانبية المتوقعة، والخوف من الانتقادات الدولية، مع التركيز على الولايات المتحدة، فيما تنشغل حكومة اليمين بتحقيق تقدم في العمليات السياسية الجارية في المنطقة، حيث لم تتم دعوة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لزيارة واشنطن على الإطلاق، وهناك عدد غير قليل من مسؤولي وزارة الحرب يخشون أن الوضع قد يتدهور بسبب البناء الاستيطاني في الضفة الغربية، لذلك يحاول الجميع “السير على أصابع أقدامهم”.

وأضاف في تقرير ترجمته “عربي21” أن أسبابا أخرى تحول دون تنفيذ العملية تتمثل بأن مقاتلي مخيم جنين يزدادون قوة، وقاموا بإنشاء شبكة من المراقبين مع أجهزة الراديو، ليتم الإبلاغ عن أي مركبة مشبوهة وتحرك غير عادي في المنطقة، وحينها يتم تشغيل صفارات الإنذار في أنحاء المخيم، ووجود مسلحين بعبوات ناسفة وزجاجات مولوتوف وصخور وخزائن من الأسطح.

وإذا تفاقمت الحادثة، يتوجه المسلحون إلى النقاط الرئيسية لإحباط أي اقتحام بالذهاب إلى قلب المخيم، ولهذا السبب يصبح كل اقتحام للمخيم، بما فيها الوحدات السرية، معقدا للغاية.

وأشار إلى أن التخوف الإسرائيلي يصل إلى حد أن الانخراط في قلب المخيم قد يؤدي لسيناريو مرعب، لافتا إلى أن الجيش ليس معدا للتعامل مع مواجهات تشمل تفجير عبوات ناسفة، بل نيران أسلحة خفيفة.

رون بن يشاي الخبير العسكري لصحيفة يديعوت أحرونوت، أكد أن عبوات ناسفة زرعت على طول طريق خروج القوات في المخيم، وهناك حاجة لإجابة عاجلة للسؤال عن سبب عدم كشف المخابرات عن مكانه مسبقا.

وأضاف في مقال ترجمته “عربي21” أن عملية الكمين تكشف أن قوات الاحتلال أمام مسألة وقت فقط قبل أن يطور المسلحون وسائل وأساليب عملية لوقف عمليات الاعتقال والاغتيالات.

وأشار إلى أن تطورات الأحداث في الضفة الغربية أكدت أن قوات الاحتلال ليس فقط هي التي طورت أساليبها القتالية لتنفيذ عملياتها الخاصة للغاية، بل إن الفلسطينيين أتقنوا أيضا أساليبهم الدفاعية ضد عمليات “الاختراق العميق” للجيش والشاباك والوحدات الخاصة، خاصة زراعة العبوات الناسفة السائبة على طول هذه الطرق، وبعد أن بدأت عبوات ناسفة بدائية الصنع خفيفة الوزن والقوة، لكنها في الأشهر الأخيرة ارتفع وزنها إلى عشرين كغم من المتفجرات، يتم تفعيلها عن بعد عبر الهواتف المحمولة.

ومن أجل هذه المخاوف، فقد قرر جيش الاحتلال حماية الهيكل السفلي لمركباته العسكرية التي تستخدمها القوات الخاصة في العمليات العميقة في مخيمات اللاجئين، علما بأن الظاهرة ليست جديدة، فقد واجهها جيش الاحتلال في عملية السور الواقي 2002، وشكلت تحدياً له في مخيمات طولكرم وبلاطة.

كما جرّب جيش الاحتلال عبوات أكثر تعقيدًا وفتكًا في لبنان، قادرة على اختراق أي مركبة مصفحة، وقتل جنودها، أما عبوات جنين ونابلس اليوم فهي موضوعة على جانب الطريق والطرق الترابية وفي الأماكن التي يمكن الحفر فيها، صحيح أنها ليست معقدة وقاتلة، لكنها تحدّ من حرية عمل الجيش والشاباك.

عدنان أبو عامر

المصدر: موقع عربي 21




عودة «قطف الورود»: الانتفاضة الثالثة أقرب

كان واضحاً، خلال الأسبوعَين الماضيَين، أن جيش الاحتلال يُجري في مخيم جنين، الذي شهد هدوءاً نسبياً طوال شهر ونصف شهر تقريباً، عملية جسّ نبض، أو «استطلاع استخباري بالنار»؛ إذ عمد إلى تنفيذ عدّة عمليات مداهمة على أطراف المخيم، هدفت إلى استثارة المقاومين وإجبارهم على الخروج من مواقعهم، بهدف جمع معلومات دقيقة عن أعدادهم وعتادهم وآخر ما وصلت إليه تكتيكاتهم القتالية. وأتى ذلك في سياق تحديد الإجراء الميداني الأنسب للتعاطي مع مناطق شمال الضفة الغربية، التي كثر الحديث على لسان المحلّلين العسكريين في وسائل الإعلام العبرية، عن أنها ستكون في انتظار عملية أمنية كبيرة. على أن الصدمة التي تعرّضت لها قوات الاحتلال في حيّ الجابريات، حين فجّر المقاومون عبوة ناسفة كبيرة أسفل عربة ناقلة جنود «النمر»، ثمّ حاصروا القوات المتوغّلة بالنار طوال أكثر من 10 ساعات، فجّروا في خلالها العشرات من العبوات في الجيبات المتوغلة، ما تسبّب بتضرّر وإعطاب نحو عشر آليات، إلى جانب مروحية، قلبت الحسابات وأعادت خلط الأوراق تماماً.

صورة الهزيمة، التي أظهرت آليات العدو وهي تقتاد العديد من الجيبات المعطوبة إلى خارج المخيم، لم تجهض فقط فعالية الإجراءات الميدانية التي ظلّ يتّبعها الاحتلال منذ بدء عملية «كاسر الأمواج» في آذار 2022، إنما عمّقت من حالة تآكل قوة الردع، والتفوق التكنولوجي الميداني الذي أمضى رئيس أركان جيش العدو، هرتسي هاليفي، نحو ربع كلمته في «مؤتمر هرتسيليا للأمن القومي»، وهو يتباهى به، خصوصاً في ساحة الضفة، التي يتحكّم القادة العسكريون بمجريات أيّ عملية ميدانية فيها من داخل غرف عملياتهم المتطوّرة وكأنهم في لعبة فيديو. أمام ذلك، كان اللجوء إلى استخدام سلاح الجو، في خلال الاجتياح الأخير للمخيم، ثمّ في تنفيذ عملية اغتيال الشهداء صهيب الغول وأشرف السعدي ومحمد عويس، بواسطة طائرة مقاتلة مسيرة، لأوّل مرّة منذ عام 2006، بمثابة إجراء ضروري لاستعادة صورة القوة والاقتدار، في الوقت نفسه الذي استبطن فيه إقراراً بأن خلايا المقاومة انتقلت إلى مرحلة لم يعُد يجدي معها العمل بطريقة العامين الماضيين.

ويعيد التطوّر الميداني الأخير في جنين، إلى الأذهان، بداية استخدام هذا السلاح، لأول مرّة، في خضمّ انتفاضة الأقصى الثانية في قطاع غزة، وتحديداً ما بين عامَي 2002 و2004. آنذاك، كشف جيش الاحتلال أن بوسع الطائرات المسيّرة التي يسمّيها الغزيون «الزنّانة»، إطلاق الصواريخ، ومهاجمة الأهداف الأرضية على نحو دقيق، بعد الخسائر الجمّة التي كان يمنى بها في كلّ حادثة توغل. يقول مصدر في المقاومة لـ«الأخبار»: «بدأ العدو، حينها، عملية عسكرية حملت اسم قطف الورود، يقوم تكتيكها على تنفيذ عمليات اقتحام ميدانية، تجبر المقاومين على الخروج للتصدّي الميداني، لتقوم الطائرات المسيّرة باغتيال أكبر عدد منهم»، مضيفاً أن «تلك التجارب التي خسرنا فيها المئات من المقاومين، هي التي أجبرتنا على العمل من تحت الأرض، كي نحرم العدو هامش التفوّق الجوي».
وبالعودة إلى ما ينبئُ به استخدام سلاح الطائرات المسيرة في جنين، يقدّر المصدر ذاته أن «الاحتلال يمتلك تقديراً بأن أعداد المقاومين في المخيم لا تتجاوز الـ200 عنصر، ما يعني أن توظيف سلاح الجو في استنزاف القدرة البشرية في هذه المرحلة، هو خيار يمكن أن يكون منجِزاً، وفق الفهم الإسرائيلي». غير أن هذا التكتيك، وإن كان سيضاعف الضغط على خلايا المقاومة، إلّا أنه سيضع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أمام واقعية الدخول الفعلي في مرحلة الانتفاضة الثالثة، التي ستنخرط فيها، والحال هذه، كافة أطياف الشارع الفلسطيني. ومردّ ذلك أن تأثير عمليات الاغتيال من الجوّ، النفسي أولاً والميداني ثانياً، أكبر من تأثير عمليات التوغّل الجراحية، التي كان يقوم بها الاحتلال لاغتيال عنصر ما، فيما يحرص على أن تستمرّ الحياة المدنية في المدن الفلسطينية من دون تغيير، لإشعار السكان بأن مشكلة العدو هي مع شريحة معزولة عن المجتمع، وليس مع الشارع كلّه.

يوسف فارس

المصدر: صحيفة الأخبار




صهيب الغول: «منجنيق الكتيبة»

«ثقيل على قلوبنا هذا الليل، كأنك تبتلع رصاصة مع كلّ نسمة»؛ بهذه الكلمات، وصف الشهيد صهيب الغول ليلة استشهاد رفيقه حمد أبو جلدة في نهاية العام الماضي. الشعور نفسه، وأكبر، عايشه رفاق الغول في «كتيبة جنين» وسكّان المخيم قاطبةً، ليلة الأوّل من أمس. لم يكن صاحب الـ27 ربيعاً مقاتلاً عادياً؛ فإلى جانب ما تميّز به من صلابة وديناميكية وعناد، واستعداد هائل للتضحية، «شكّل «أبو فالح» نقطة التقاء وإجماع، لم يختلف عليها أحد»، بحسب ما يقوله أحد رفاقه في الكتيبة في حديثه إلى «الأخبار». ويتابع أن «أكثر ما تَميّز به، هو القدر الكبير من البساطة والذكاء الاجتماعي، كان يحبّه الجميع، لأنه كان يحبّ الجميع، ولا يحمل في قلبه كرهاً أو موقفاً سلبياً من أحد، يمكنك أن تنظر فقط إلى صفحته في «فيسبوك» كي ترى كمّ الأصدقاء المقرّبين منه، والذين خصّهم بمنشورات في مناسباتهم الاجتماعية».

في منطقة الجابريات ذاتها التي نفّذت فيها «سرايا القدس»، قبل يومين، عملية تفجير ناقلة الجند، ولد صهيب، لعائلة بسيطة. وفي مدارس المخيّم، تلقّى تعليمه الابتدائي ثمّ الإعدادي، قبل أن يلتحق بـ«كلية قلنديا للتعليم المهني»، التابعة لـ«وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (الأونروا). في المخيم، عرف الغول الذي ينحدر من عائلة مضحّية اعتقلت قوات الاحتلال اثنين من أبنائها هما شقيقاه لسنوات، بالعناد والمواقف الجريئة. برز هذا خلال اعتقال الأجهزة الأمنية شقيقه الأسير المحرَّر جمعة، بعدما قضى الأخير ستّ سنوات في سجون الاحتلال؛ وقبل ذلك، عندما نشرت الأجهزة الأمنية اسمه رفقة مؤسّسَي «كتيبة جنين»، جميل العموري ومتين ضبايا، بتهمة حيازة السلاح، قبل سنتين من الانطلاقة الفعلية للكتيبة.

«هو رفيق البدايات الصعبة والجميلة»، يقول مصدر في «كتيبة جنين» في حديثه إلى «الأخبار»، مضيفاً: «اعتُقل صهيب في سجون الاحتلال مدّة خمس سنوات، وهناك التقى بالشهيد القائد طارق عز الدين، وبعد تشكيل الكتيبة، كان الغول جندياً باراً في جيش عز الدين، إذ بقي على تواصل معه طوال عامين، كانا خلالهما يبنيان الكتيبة ويعزّزان حاضنة المقاومة طوال الوقت». ويتابع: «آمن بتكتيك المشاغلة، بل وافتُتن فيه، أو قُل أدمن تنفيذه كلّ يوم، وكان حريصاً على تحويل عمليات إطلاق النار إلى روتين يومي، وقد نفّذ العشرات من العمليات بيده، مستخدماً سلاح «الناتو» ذي الطلقات النارية التي تخترق التصفيح (…). أجبرت عمليات أبو فالح في مستوطنات «حنانيت وشاكيد وتعناخيم ومافو دوتان ومعاليه جلبوع وميراف» جيش الاحتلال على بناء جدار إسمنتي من موقع سالم وحتى جبال المزار شرق جنين، عوضاً عن الشريط الشائك».
فجر يوم الإثنين الماضي، شاهد أبناء المخيم جميعهم، آخر صولات «منجنيق الكتيبة» كما يحلو لهم تسميته. في حيّ الجابريات، عانقت تكبيرات الغول السماء، حينما وقعت قوة جيش الاحتلال المؤلّلة في شَراك الحقل الناري، المعدّ منذ نحو ثمانية أشهر في محيط الآليات. ظَهر أبو فالح رفقة صديق عمره الشهيد محمد عويس، وهو يتنقّل من بناية إلى أخرى، ويطلق الرصاص من سلاحه الشهير «الناتو» تجاه جيبات الاحتلال وآلياته. على أن الحدث الكبير، الذي انتهى بإصابة نحو 7 جنود وإعطاب عشر آليات، كان قد نقل جيش الاحتلال إلى مرحلة أخرى من التكتيك والأسلوب. يقول مصدر في «سرايا القدس»: «صهيب كان يطمح إلى أن يحرّم أراضي مخيم جنين على جيبات الاحتلال وقواته الخاصة، وقد بذل جهوداً كبيرة في هذا الصدد، وقد استشهد اغتيالاً من الجوّ، بعدما أدرك العدو أن كلفة العمل البرّي في المخيم أكبر من تحمّلها».

رحل صهيب، في أوّل عملية اغتيال من طائرة مسيّرة، ينفّذها جيش الاحتلال منذ عام 2006. سيفتقد رفاقه في «السرايا» «نفَسه الشهيّ في إعداد الطعام»، الذي كان يعدّه للمقاومين على الثغور. سيرثيه أهالي جنين وأبناء حركة «فتح» و«كتائب شهداء الأقصى» الذين أحبّوه وآمنوا بصدقه وإخلاصه، فيما سيكون على عائلته انتظار جثمانه الذي اختطفه جيش الاحتلال، كي لا يلهب حدث تشييعه حافزيّة الفداء والانتقام.

المصدر: صحيفة الأخبار




أفريقيا ما بين روسيا وأوكرانيا: حلم «بريكس» يحرّك الوساطة اليتيمة

فيما تتسارع جهود روسيا، الحثيثة والأقوى منذ تفكّك الاتحاد السوفياتي قبل أكثر من ثلاثة عقود، للعودة إلى القارة الأفريقية، جاءت المبادرة الأفريقية للوساطة بين موسكو وكييف لتثير تساؤلات هامّة حول دوافعها وجدّيتها وقدرتها على تحقيق اختراق في الأزمة المستحكمة، فضلاً عن مدى ارتباطها برغبة طائفة كبيرة من الدول الأفريقية (من مثل مصر والجزائر ونيجيريا وزيمبابوي) في الانضمام إلى تجمّع «بريكس»، والاستفادة من مقدّراته في دعم التنمية لديها. وقاد وفدَ الوساطة الأفريقي، رئيس جنوب أفريقيا (الدولة الأفريقية الوحيدة في «بريكس»)، سيريل رامافوسا، فيما ضمّ أيضاً رؤساء جزر القمر (الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي) والسنغال وزامبيا (الرئيس الحالي لتجمّع الكوميسا)، ورئيس الوزراء المصري، ومسؤولين من جمهورية الكونغو الديموقراطية وأوغندا. وقدّم رامافوسا خطّة أفريقية من عشرة بنود تتراوح بين احترام ميثاق الأمم المتحدة، وعودة الأطفال الأوكرانيين، وحرية تصدير الأغذية والأسمدة، بينما قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، «(إنّنا) لم نرها على الورق»، في إشارة إلى كونها مجرّد اقتراح قابل للتطوير قبل القمّة الروسية – الأفريقية المرتقبة نهاية تموز المقبل.

الوساطة الأفريقية: الدوافع والإمكانات
تضرّرت القارّة الأفريقية، بشكل واضح، من تداعيات الأزمة الروسية – الأوكرانية، التي ستتجاوز فترة العام ونصف عام في آب المقبل، مع انعقاد قمّة «بريكس» في جنوب أفريقيا. وبغضّ النظر عن بعض المبالغات في تقدير تلك الآثار السلبية أو توظيفها في سياقات محلّية مغايرة في محاولة لتبرير فشل الدولة في العديد من الحالات، فإن الحرب أدّت إلى اضطرابات في الأمن الغذائي، ورفعت تكاليف الأسمدة الزراعية التي ازدادت بنسبة 200% تقريباً منذ عام 2020، فيما قدّر «بنك التنمية الأفريقي» (كانون الثاني 2023) وجود 300 مليون أفريقي يواجهون راهناً أزمة جوع وانعدام أمن غذائي. كما شهدت دول القارة تقلّبات حادّة في أسعار صرف العملات الأجنبية، ما دفع التضخّم إلى تجاوز 40%، ولا سيما في أسعار السلع الغذائية التي تستقطع وحدها نحو 42% من إجمالي نفقات المواطن الأفريقي، وتصل إلى 60% في الدول الموبوءة بالصراع وعدم الأمن. واتّضحت أولوية تعزيز الأمن الغذائي وقطاع الزراعة الأفريقي من خلف الوساطة الأفريقية، في تصريحات ليوري أوشاكوف، مستشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للسياسة الخارجية، والذي أعلن، قبل زيارة الوفد الأفريقي بأيام، أن الوساطة الأفريقية ستُعنى على الأرجح باتفاق تصدير الحبوب الأوكرانية المتداعي، في ضوء حاجة القادة الأفارقة إلى إمدادات حبوب منتظمة إلى القارة، وهو الأمر الذي لم ينجح في تأمينه «اتفاق إسطنبول»، بحسب أوشاكوف.

وتَبرز الدول المشاركة في الوفد (إضافة إلى الجزائر التي توجّه رئيسها عبد العزيز تبون إلى موسكو في 13 الجاري)، في مقدّمة الارتباطات الروسية – الأفريقية المتصاعدة. فمصر – على سبيل المثال – تستورد وحدها نحو 5 بليون طن من الحبوب الروسية سنوياً بحسب تقديرات 2022، فيما يُتوقّع تزايد هذه الأرقام في العام الجاري. كما تتعاظم أهمية العلاقات الروسية – المصرية في قطاعات السياحة والتعاون النووي ومسألة المساعي المصرية للانضمام إلى «بريكس»، ومشروعات لوجيستية مرتقبة في قطاع الموانئ البحرية والنقل، خصوصاً مع إعلان بوتين، خلال زيارته جناح الإمارات في معرض سان بطرسبرغ منتصف حزيران الجاري، عزم بلاده إقامة منطقة صناعية روسية في منطقة قناة السويس الاقتصادية باستثمارات تبلغ 4.6 بليون دولار على مساحة 20 كم مربع. كما تَبرز السنغال، التي تولّت رئاسة الاتحاد الأفريقي في مطلع 2022 بالتزامن مع اندلاع الأزمة الروسية – الأوكرانية، كواحدة من أهمّ الدول الأفريقية التي اتّخذت موقفاً «محايداً» في الأزمة، منذ تصويت الأمم المتحدة على قرار يطلب من موسكو انسحاباً فورياً من الأراضي الأوكرانية (2 آذار 2022). وتهتمّ السنغال بعلاقات وثيقة مع روسيا، في ظلّ تخوّفها من تداعيات الأزمات الأمنية في إقليم الساحل المجاور، ووعود بوتين التي قطعها للرئيس ماكي صال بالسماح لأوكرانيا بتصدير الحبوب والأسمدة إلى بلاده وإلى دول القارة الأفريقية بـ«أمان»، عقب اجتماع بينهما في سوتشي مطلع حزيران 2022، وقبل ما يُعرف باتفاق إسطنبول، وأيضاً بتمتين للعلاقات التجارية بين البلدين في المرحلة المقبلة، ولا سيما أن السنغال واحد من أهمّ شركاء روسيا في أفريقيا جنوب الصحراء؛ إذ بلغ التبادل التجاري بينهما نحو 2.5 بليون دولار في عام 2021، فيما توقّفت التجارة الروسية – الجنوب أفريقية عند حدود 1.3 بليون دولار في العام نفسه.

الاستجابات الروسية والأوكرانية للوساطة: تعميق تهميش أفريقيا؟
اتّسمت الاستجابات الروسية والأوكرانية لجهود الوساطة الأفريقية بقدر من الاستخفاف بل وعدم الاكتراث. إذ اعتبر زيلينسكي، عقب اجتماعه مع القادة الأفارقة، أن محادثات سلام مع روسيا لن تكون ممكنة إلّا مع مغادرة القوات الروسية الأراضي الأوكرانية، وتجاوز ذلك إلى حثّ الوفد الأفريقي على عدم السفر إلى سان بطرسبرغ بحجة قيام موسكو بضربات جوية على كييف في يوم الزيارة نفسه، ما يفرّغ الوساطة من مضمونها عملياً. أمّا في سان بطرسبرغ، فقد أشارت التقارير إلى نهاية اجتماع الوفد الأفريقي مع بوتين (17 حزيران) من «دون تحقق تقدّم ملموس»، علماً أن المبادرة الأفريقية طُرحت كخطوط عاملة غير مترابطة، ووصفها ديمتري بيسكوف، الناطق باسم الكرملين، بأنه «يصعب للغاية تطبيقها»، معتبراً أنه ليست جميع بنودها مرتبطة «بالعناصر الرئيسة لموقفنا (في أوكرانيا)، لكن ذلك لا يعني عدم حاجتنا إلى مواصلة العمل». وكان بوتين استبق عرض القادة الأفارقة بتجديد موقفه القائل إن أوكرانيا والغرب قد بدآ الصراع قبل وقت طويل من إرسال روسيا قواتها إلى الحدود في شباط 2022، وإن الغرب، وليس روسيا، هو المسؤول عن ارتفاع أسعار الغذاء العالمية، وإن صادرات الحبوب الأوكرانية التي سمحت بلاده بمرورها عبر موانئ البحر الأسود اتّجهت إلى الدول الغنية وليس الأفريقية؛ لتبدو الوساطة الأفريقية برمّتها أقرب إلى جهد لتمرير الحبوب والأسمدة إلى دول القارة أكثر من كونها وساطة سياسية شاملة.

روسيا وجنوب أفريقيا وعامل «بريكس»
أمّا جنوب أفريقيا، التي تقود الوساطة الحالية وطُلب منها منذ آذار 2022 القيام بمثل هذه الجهود بحسب رامافوسا، فقد طوّرت في السنوات الأخيرة علاقات متميّزة مع روسيا في أطر مِن مِثل «مجموعة العشرين». وتأتي تلك الجهود بالرغم من تراجع التبادل التجاري بين البلدَين في عام 2022 إلى بليون دولار فقط مقارنة بأكثر من 55 بليوناً بين بريتوريا وبكين، وحوالي 20 بليون دولار بين الأولى وكلّ من واشنطن وبرلين ومومباي. على أن تحمّس جنوب أفريقيا الواضح للوساطة، وسعيها إلى حشد المواقف الأفريقية خلفها على رغم هامشية هذه المواقف وما رصده مراقبون من عدم اختيار اللحظة المناسبة لطرح المبادرة، إنّما يجسّد اهتمام بريتوريا بالأساس بتعميق دورها الإقليمي والدولي، وكذلك تخفيف الضغط الغربي على موسكو وجهود عزلها. كما أن جهودها لا تَخرج من سياق تغيّرات في سياساتها الخارجية متّسقة وتبنّيها مقاربة «الجنوب العالمي»، وما يوصف بإعادة توازن النظام العالمي «بعيداً عن الغرب»، بحسب تصريحات وزيرة الخارجية الجنوب أفريقية، ناليدي باندور، في قمّة وزراء خارجية «بريكس» مطلع حزيران في كيب تاون. ومن هنا، لا يعني الفشل العملي لجهود الوساطة الأفريقية انتفاء نتائجها على مستويات أخرى، ولا سيما أن عدداً من الدول الأفريقية تسعى بكلّ قوة للانضمام إلى مجموعة «بريكس»، أو على الأقلّ دفع ملفاتها خلال قمّة المجموعة في جنوب أفريقيا في آب المقبل.

محمد عبد الكريم أحمد

المصدر: صحيفة الأخبار




محو الأحساء والقطيف من الخريطة: المشروع السعودي المؤجل!

منذ عقود بعيدة، وتحديداً في عام 1913 حين بسط عبد العزيز بن سعود سيطرته على الأحساء، وتالياً على القطيف، وانتشار مقاتليه المؤدلجين كجنود احتلال في أعقاب طرد الحامية العثمانية وهزيمة المقاومة الشعبية المحلية إثر تخاذل وتقاعس وخيانات الإقطاع المحلي وشبكة المتنفّذين في المنطقة… منذ ذاك الوقت المبكر، وربما قبل ذلك إبّان العهد السعودي الأول في القرن الثامن عشر، اكتشف السعوديون أن إقليم الأحساء والقطيف ينطوي على عناصر رفض وتمرد ومقاومة للاحتلال تحت أي عنوان ومسمّى ولافتة! فالوهابية التي شكّلت رافعة لبسط نفوذ الاحتلال السعودي على مناطق شبه الجزيرة العربية بذريعة التطهر الديني ونشر الإسلام، تتناقض كلياً مع عقيدة السكان الأصليين في إقليم الأحساء والقطيف، الذي عُرف في حقب تاريخية متقدمة بـ«إقليم البحرين». تناقضٌ أدّى على الدوام إلى فشل السلطة في استتباع وإخضاع أهالي المنطقة كنتيجة طبيعية لسياسات التكفير والإقصاء والحرمان والتهميش والنبذ من كل ما له صلة بمراكز ومؤسسات صنع القرار الاستراتيجي لإدارة شؤون البلاد.

في المقابل، أدرك السعوديون الأوائل أن إقامة مملكتهم ومشروع حكمهم لا يمكن أن ينجح ويتوطد دون احتلال إقليم الأحساء الغني بثرواته الاقتصادية والزراعية وموقعه الجيوستراتيجي وما يؤمنه من اتصال برّي وبحري مع دول الجوار والعالم، ومن دونه تصبح نجد والرياض مجرد هِجَر أو قرى استيطانية معزولة وسط الصحراء.
وسرعان ما تأكدت، وتعاظمت، أهمية إقليم الأحساء بعد اكتشاف الثروة النفطية في المنطقة نفسها التي أنعم الله عليها بغنى الطبيعة، ظاهرة وباطنة، براً وبحراً. فكان الإقليم ولا يزال مصدر وشريان خزينة العرش السعودي وميزانيته في نسختَيه البائدتين والحالية. وطوال عقود الحكم السعودي الراهن، شهد الإقليم ولادة ثورات وانتفاضات شعبية متتالية، كما احتضن تبرعم عشرات الأحزاب والحركات والجماعات المعارضة للنظام السعودي من مختلف المرجعيات والأيديولوجيات اليسارية والقومية والبعثية والشيوعية والإسلامية، بدأت بحركة الاعتراض للزعيم السياسي عبد الحسين بن جمعة (1914)، مروراً بثورة الإمام الشيخ محمد بن نمر (1929)، وحركة الإضرابات العمالية (1945) و(1953) و(1956)، وذروة النضال اليساري في السبعينيات، ثم انتفاضة المحرم (1979)، وليس انتهاء بانتفاضة الكرامة (2011) التي قادها الشهيد الشيخ نمر النمر (2016).

وطوال هذه السنوات، مارس السعوديون بحق الثوار والمعارضين أبشع صنوف القمع والسجن والتعذيب والقتل والتصفية والاختطاف والاغتيالات الميدانية ومجازر الإعدامات الجماعية والفردية. وفي الأحساء تحديداً، بقروا بطون الحوامل ورموا الرجال من فوق أسطح المباني وذبحوا الشيوخ وسط الأسواق، في أجلى تمظهرات الداعشية الوهابية. وبرغم ذلك كلّه، فشلوا في إركاع الشعب وكسر إرادته في رفض احتلالهم وهيمنتهم وسلطتهم الديكتاتورية. ومع تعاظم فشلهم في وأد انتفاضة الكرامة، كشفوا ما كان مخفيّاً وأظهروا من أدراج أحقادهم التاريخية مخططاتهم المؤجلة، فراح كتّاب صحفهم و«ذبابهم الإلكتروني» يدعون صراحة وبكل صفاقة إلى «مسح العوامية ومساواتها بالأرض لتكون عبرة للبقية»! فيما دعا آخرون، بنفَس طائفي بغيض، إلى تنفيذ سياسة «ترانسفير» لعموم الشيعة في المنطقة، أي لنحو 95% من سكانها الأصليين!
لا يزال أصحاب تلك الدعوات التي احتضنها الإعلام الرسمي السعودي يسرحون ويمرحون بلا حساب وبلا عقاب، ما يؤكد أنها ليست سبق لسان ولا اجتهاداً لحظيّاً أملته حراجة الظرف وسخونته ومأزق السلطة أمام تصاعد الغضب الشعبي واستمرار التظاهرات الجماهيرية واستقطابها زهاء 100 ألف مشارك في تشييع جثامين الثوار المضرّجين بدمائهم تحت جنازير المدرعات السعودية ورصاص مجنّديها وقذائفهم. بل كانت لحظة إعلان الساعة الصفر للبدء بتنفيذ الخطة المؤجلة والرغبة المكبوتة منذ عقود في تنفيذ «التطهير الطائفي» والوصول إلى «أرض بلا شعب» واقتلاع السكان «المشاكسين» لكي يتمتع «السعونجدي» بكامل الأرض وما تحتها وما عليها من ثروات وإمكانات!

تنبغي الإشارة هنا إلى أن السلطات السعودية نفذت منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي عملية تغيير ديموغرافي واسعة نجحت إلى حد كبير في «استبدال» طبيعة التركيبة السكانية التاريخية للمنطقة، عبر استنبات أو توسعة مدن حديثة كالظهران والخبر والدمام ورأس تنورة والجبيل وعشرات المشاريع الإسكانية، حيث تم استجلاب مئات الآلاف من خارج المنطقة ليستوطنوها، سواء كانوا موظفين في القطاعات الحكومية التي حُرم السكان المحليون منها، أو تجاراً نجديين جاؤوا ليديروا شركات الأمراء وعقاراتهم ومشاريعهم التجارية المختلفة. وإلى جانب ذلك، كانت محاصرة التمدد العمراني للسكان الأصليين تجري، سواء أفقياً أو عمودياً، بعشرات الحجج والذرائع المفتعلة؛ فحتى وقت قريب، كان ممنوع على الشيعة في القطيف تشييد أي بناء من 3 طوابق! كما منعوا من تعمير المساحات البيضاء غير المأهولة بحجة تخصيصها لمشروعات «أرامكو». وبالتزامن مع ذلك، تم خلال مطلع الألفية الثالثة التلاعب بالحدود الإدارية للمدن الواقعة في الإقليم عبر تحجيم مساحات محافظة القطيف لمصلحة المدن المستنبتة التي سكنها الوافدون من نجد والجنوب، وحين تحرك أهالي المنطقة عبر لجان محلية، كـ«قطيف الغد» و«صمود من أجل الحدود»، جرى استدعاؤهم وإيقاف أنشطتهم تحت طائلة التهديد بالسجن!

فمخطط «السعونجديين» لتهجير الشيعة من مناطقهم إلى الشتات ليس جديداً، ولقد أرادوا من «غزوة العوامية» حسب ما سمّاها جحافلهم في منابر الإعلام الرسمي أن تكون «بروفة» ونموذجاً لما يُراد تنفيذه على كامل أرض الإقليم بضفّتيه، أي الأحساء والقطيف. بل أزعم أن اختيارهم مسمّى «المحافظة البيضاء» إلى المساحة المقتطعة من القطيف ليس بريئاً ولا عفوياً، بل ينطوي على دلالات رغبوية صارخة لإخلاء المنطقة من أهلها لتصبح فعلاً وواقعاً «بيضاء» – أي أرض خلاء جرداء بلا سكان وبلا أبنية! أو الزعم مستقبلاً بأنها كانت كذلك، في تماهٍ متطابق مع المخطط الصهيوني الذي ارتكبه الصهاينة المؤسسون لكيان الاحتلال بحق الفلسطينيين.
وينبغي أن نتنبه إلى أن النتائج التي ستتمخض عن تنفيذ المخطط السعودي في إقليم الأحساء ليست كما هي نتائج التجريف والهدم اللذين تعرضت لهما مدينة جدة أو تبوك أو المدينة المنوّرة، فتماثل الفعل/ الجريمة لا يعني تطابق الهدف بعيداً عن حجم الفعل/ الجريمة وسعة مداها الجغرافي. فما تعرضت له مناطق الحجاز هدفه الأساس إمرار مشروعات ابن سلمان البهلوانية والمزعومة، وهذا لا ينفي أو يقلّل من حجم الكارثة الإنسانية التي تعرّض لها سكان تلك المنطقة وجلّهم من الفقراء المسحوقين. لكن الهدف من التهجير في القطيف والأحساء استراتيجي بعيد الغور سينتج منه اقتلاع السكان من أرضهم ومحو معالم المنطقة واختفاء مدن وبلدات من الخريطة، وقد مهّد النظام السعودي لذلك بتغيير أسماء عشرات المدن والبلدات والشوارع في المنطقة.

المساحات التي أتت عليها جرافات آل سعود وهدمتها على رؤوس ساكنيها، وتلك المُدرجة على قائمة الهدم في قرارات وزارات الشؤون البلدية والنقل والطاقة شملت مئات البلدات والقرى والمدن والأرياف والمزارع والبساتين، ولم توفر شيئاً يذكر من مساحات القطيف المختنقة سكانياً بسبب الحصار المفروض على التمدد العمراني فيها منذ عقود، كما سبقت الإشارة. فلا بدائل أمام السكان المقتلعين من منازلهم سوى التيه في فيافي «مملكة آل سعود» وصحاريها بحثاً عن قطعة أرض أو مسكن إن استطاعوا تأمين ثمنه! وهو ما يعني خلخلة البنى الاجتماعية ونسف الروابط الإنسانية الحميمة مع الأرض والمسكن والبيئة المجتمعية بكل ما تعنيه من حمولات الذاكرة الجمعية والتاريخ المشترك وصور الذكريات الفردية. وهي الخطوة التي لا نستبعد تنفيذها في الأحساء في سياق الذرائع والمبررات ذاتها، أي إزالة بيوت آيلة إلى السقوط وأنسنة المدن وشق الطرق وتطوير حقول النفط والغاز!
إنّ الآلية التي تتبعها السلطة السعودية في تنفيذ مخطط الهدم والتهجير بالوتيرة المتسارعة والمتزامنة في مختلف مدن وبلدات المنطقة تفضح الغايات والأهداف المشبوهة من ورائه، فهي لم تكلف نفسها عناء تهيئة مخططات سكنية تتوافر على الخدمات الأولية وقابلة للإعمار والسكن، فضلاً عن عدم تشييدها مجمعات سكنية كبديل من آلاف البيوت والمنازل التي هدمتها، وتلك التي يجري هدمها أو ستهدم في قابل الأيام والشهور، في ترجمة فعلية لسياسة بعثرة المجتمع المحلي وتشتيته وعدم منحه فرصة إعادة التكتل في «بؤر» مجتمعية متقاربة تحفظ جذوره التكوينية وروابطه ومصالحه المشتركة وتضمن استمرار وبقاء بناه الاجتماعية وهويته الثقافية والتاريخية.

هذه السياسة السعودية لا تبدو نافرة، بل تأتي في سياقها الطبيعي. فالسلطة «السعونجدية» أجنبية عن الشعب ولا تنتمي إليه لا جغرافياً ولا تاريخياً ولا عقائدياً، وبالتالي هي تخطط وتعمل كسلطة احتلال، وإن مارست التهجير في يومنا هذا داخلياً ضمن نطاق سيطرتها الجغرافية فقد مارسته وألجأت إليه السكان في مراحل تاريخية مختلفة حين اضطرّ أهالي القطيف والأحساء إلى الفرار من البطش السعودي إلى بلدان الخليج، ولا سيما البحرين وقطر والكويت وكذلك العراق وإيران. وفي جميع هذه الدول، توجد حتى اليوم عوائل قطيفية وأحسائية، بل في بعضها هناك كتل بشرية كبيرة، كما في البصرة بالعراق والمحمّرة في الجمهورية الإسلامية في إيران.

حمزة الشاخوري

* قيادي في «لقاء المعارضة في الجزيرة العربية»

المصدر: صحيفة الأخبار




لودريان مستمعاً و«داعية حوار»… وتباين في تفسير موقف باريس: هل طوت فرنسا الصفحة السابقة؟

فاق شكل زيارة الموفد الفرنسي جان إيف لودريان مضمونها أهمية. التوقّعات المرتفعة التي سبقت الزيارة لم تتطابق مع ما حمله الرجل بعدما تبيّن، «مبدئياً»، أن هدفها هو عبّر عنه لودريان: «استطلاعية لمساعدة لبنان على الخروج من أزمته»، وهو ركّز خلالها على توجيه «نصيحة» إلى الأطراف اللبنانية بالحوار. وفي ظل الإجماع على أن الموفد الفرنسي «كان مستمعاً»، تباينت التفسيرات لهذه المقاربة «الإصغائية»، بين من وصفها بأنها محاولة لمسح المواقف المحلية تمهيداً للتقدم بـ«شيء جديد»، ومن رأى فيها إشارة إلى ثبات باريس على مبادرتها بتسوية سليمان فرنجية – نواف سلام.

والتقى لودريان أمس رئيس الحكومة نجيب ميقاتي والبطريرك الماروني بشارة الراعي ورئيس حزب «القوّات» سمير جعجع ورئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل. وكان أطول لقاءاته (نحو ساعتين) مع وفد من حزب الله ضم رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد ومسؤول العلاقات الخارجية في الحزب عمار الموسوي، أكّد خلاله الوفد «التمسك بترشيح فرنجية شارحاً أسباب موقفه».
وفيما وصفت مصادر مطّلعة اللقاء مع باسيل بـ«الإيجابي والودود جداً جداً»، علماً أن بين الرجلين «صداماً» سابقاً يعود إلى الموقف من الحرب في سوريا عندما كان لودريان وزيراً للخارجية، قالت مصادر في الفريق المعارض لترشيح رئيس تيار المردة إن الموفد الفرنسي «بدا مسلّماً بأن المرحلة السابقة قد طُويت، وبأن المرحلة المقبلة لن يكون فيها فرنجية مطروحاً فرنسياً، بعدما لمس حجم المعارضة له».

في المقابل، أكّدت مصادر مطّلعة أن فرنجية الذي استضافه لودريان إلى الغداء في قصر الصنوبر، بحضور السفيرة الفرنسية آن غريو والنائب طوني فرنجية والوزير السابق روني عريجي، «لم يسمع ما يدل على تراجع الفرنسيين عن مبادرتهم»، مشيرة إلى أن «باريس تتعامل معه كمرشح رئاسي وليس فقط كمسؤول سياسي مسيحي». وأكّدت أن «كل الأجواء الغربية تؤكد أن الفرنسيين لم يبدلوا موقفهم لاقتناعهم باستحالة وصول رئيس لا يوافق حزب الله عليه»، وأن «لودريان مكلّف بمتابعة المهمة، ومحاولة إقناع الأطراف اللبنانية الرافضة بصوابية الطرح الفرنسي، وإن بأسلوب جديد». ولفتت إلى أنه رغم «اعتراض بعض القوى الخارجية على السياسة الفرنسية، إلا أن أحداً منها لا يضع لبنان ضمن أولوياته، على عكس الفرنسيين».
وأشارت المصادر إلى أنّ «ما نتج عن جلسة 14 حزيران ثبّت وقائع جديدة في المشهد الرئاسي أهمّها سقوط ورقة المرشح جهاد أزعور، إذ لم يُسجّل بعد الجلسة إصرار أي من المتقاطعين عليه، سوى موقف مُعلن من جعجع». وقالت إن «المشهد في بيروت يرسّخ القناعة بأنّ الرئيس الفرنسي لم يتنازل عن دعم فرنجية، فيما يُسجّل صمت سعودي متواصل، وضعته المصادر في إطار «التريّث» الذي يبديه ولي العهد محمد بن سلمان قبل اتخاذ القرار النهائي في الشأن اللبناني، وهو قرار له متعلقات تتصل بالعلاقة الآخذة في التطور مع إيران وسوريا.
وتقاطعت المعلومات على أن المسؤول الفرنسي «كان داعياً للحوار والتوافق من أجل الخروج من الأزمة». وهو، وبحسب مصادر سياسية بارزة، أكّد ذلك في اجتماعه الأول مع رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي «قدّم شرحاً مطوّلاً عن أسباب دعم الثنائي لفرنجية، وعن مسار جلسات الانتخاب». وهو ردّ على دعوة لودريان له إلى المبادرة بالدعوة للحوار، أنه «سبقَ أن فعلت ذلك سابقاً عندما كانت كتلتي النيابية تصوّت بورقة بيضاء، لكنني اليوم أصبحت طرفاً». ونقل زوار بري عنه أن الموفد الفرنسي «أكد الحاجة إلى «توافق فعلي» وأن الأمر لا يتعلق بالرئاسة فقط، بل بكل الملفات العالقة في لبنان، وأنه سيعود إلى بيروت مجدداً وستكون له زيارات متعددة.

وفيما يبدو حزب الله كمن يتعامل مع الملف الرئاسي «على البارد» مراهناً على تبدّل مواقف بعض المتردّدين أو «المتقاطعين السابقين»، أكّدت مصادر مطّلعة على موقف الحزب، أنه لا «يعتبر أي دعوة إلى الحوار مسبوقة بشروط معينة من قبيل تخليه عن دعم فرنجية، قائمة أو جدية، وبالتالي فهو لن يتجاوب معها باعتبارها لزوم ما لا يلزم». إلا أن الحزب لا يوفّر أي فرصة لفتح قنوات اتصال وحوار مع أي طرف داخلي، سواء أكان من النواب المستقلين أم المتقاطعين أم غيرهم، بغية شرح موقفه وموجبات تمسّكه بدعم ترشيح زعيم «المردة»، وهذا ما يعكف عليه منذ ما بعد جلسة 14 حزيران. وتشير المصادر إلى أن الحوار الحاصل مع الجميع لا يتضمن «شرط» البحث عن التخلي عن دعم فرنجية، بل في القواسم المشتركة التي قد يتم التوصّل إليها في الملف الرئاسي، خصوصاً أن نقطة التحوّل في مشهد الاصطفافات الداخلية قد تبدأ من كتلة اللقاء الديمقراطي (8 نواب) والنواب المحسوبين على رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري (8 نواب)، وهؤلاء ينتظرون قراراً سعودياً واضحاً.

وبينما تضمن جدول أعمال لودريان أمس لقاء مع النائب فيصل كرامي ممثلاً تكتل «التوافق الوطني»، أعلن النائب سجيع عطية أن النائب أحمد الخير سيلتقي لودريان ممثلاً كتلة «الاعتدال» واللقاء النيابي المستقل. وعلمت «الأخبار» أن هذا الموضوع سبّب إشكالية بعدَ أن طلب الفرنسيون النائب الخير بالاسم، لكن أعضاء الكتلة اعترضوا وطلبوا أن يضم الوفد أكثر من نائب، بينما أصرّ الجانب الفرنسي على أن يكون هناك نائب وحيد. وعُلِم أن لودريان لن يلتقي نواب «التغيير» معاً، إنّما حدّد لكل منهم موعداً لمدة نصف ساعة، والجميع أكّد حضوره. ووفق مصادرهم «كان لهذا الترتيب وقعه الإيجابي على معظمهم، لجهة تفضيل لقاء الرجل على انفراد، للتحدّث بحرّية»، خاصة أنّهم باتوا في صورة أنّ اللقاء هو للاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، وأن لودريان سيكون مستمعاً فقط».
إلى ذلك لفت غياب الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط عن جدول أعمال لودريان، وهو أمر أعادته مصادر مطّلعة إلى علاقة متوترة مع الرجل. وكشفت المصادر أن «جنبلاط استاء كثيراً من لودريان الذي زار بيروت في تموز 2020 ولم يدرجه على برنامج الزيارات بينما التقى مسؤولين في المجتمع المدني»، ولعلّ هناك من نصح المسؤول الفرنسي بعدم طلب لقاء هذه المرة بسبب موقف جنبلاط والاكتفاء بالاجتماع مع كتلة «اللقاء الديمقراطي» برئاسة تيمور جنبلاط.

المصدر: صحيفة الأخبار




البحث في إشهار ترشيح قائد الجيش بعد فشل الانقلاب الدستوري: من أعدّ السيناريو الأسود لجلسة 14 حزيران؟

لا تزال جلسة 14 حزيران الماضي ترخي بظلالها على الفريق الذي تقاطع على دعم ترشيح وزير المال السابق جهاد أزعور، بعدما تبيّن أن الالتزام بالتصويت لم يكن مطابقاً للتعهدات التي قُدّمت. وقالت مصادر مطّلعة إن تدقيقاً شمل معظم الكتل المعنية وشخصيات مستقلة، بعدما كانت توقعات هذا الفريق تشير إلى أن أزعور سينال بين 62 و66 صوتاً، إثر جهود وضغوط مورست في الأسبوع الذي سبق الجلسة، وشاركت فيها أكثر من جهة محلية وخارجية.

وكانت خطة الفريق الداعم لأزعور تهدف الى عدم حصول رئيس تيار المردة سليمان فرنجية على أكثر من 45 صوتاً. ولذلك، تم التواصل مع السعودية والإمارات وقطر والولايات المتحدة للضغط على نواب أقرب الى فرنجية للتصويت بورقة بيضاء، وخصوصاً النواب السنّة في بيروت والشمال وصيدا. كما مورست ضغوط كبيرة على النواب «التغييريين» للحصول، على الأقل، على أصوات ستّة منهم، كان هذا الفريق يعتبرها حاسمة لنيل أزعور أكثر من 65 صوتاً، تتيح المضيّ في «الانقلاب الدستوري» الذي أشار اليه رئيس مجلس النواب نبيه بري باعتبار أزعور رئيساً للجمهورية بناءً على «اجتهادَين» لمحافظ بيروت السابق زياد شبيب والمفوض السابق في المحكمة العسكرية بيتر جرمانوس. وبحسب المعلومات، ليس كل من تقاطعوا على دعم أزعور كانوا جزءاً من هذه الخطة التي كانت القوات اللبنانية رأس الحربة فيها، إلى جانب حركة «تجدد» وبعض نواب كتلة الحزب التقدمي الاشتراكي، ولا سيما النائبين مروان حمادة ووائل أبو فاعور.

ويعتبر شبيب وجرمانوس من خلال اجتهادهما أن جلسات انتخاب رئيس الجمهورية مفتوحة مُذ حُدّد موعد الجلسة الأولى التي تعدّ دورة أولى تقتضي نصاب الثلثين، أما كل ما يليها فيعدّ دورة ثانية لا تحتاج سوى إلى نصاب النصف زائداً واحداً، وبالتالي فإن نيل أيّ مرشح 65 صوتاً يجعله حكماً رئيساً للجمهورية. بناءً عليه، كان السيناريو، في جلسة 14 حزيران، جمع 65 صوتاً لأزعور، ثم اعتصام نيابي داخل القاعة لنقل النقاش حول النصاب الى نقاش حول منع الرئيس الجديد من أداء القسَم وممارسة صلاحياته. واللافت أن بين معدّي هذا السيناريو من تحدث عن إمكان توفير تغطية شعبية للعملية، وعن احتمال الحصول على اعتراف خارجي بالعملية الانتخابية.

وتؤكّد المعلومات أن التيار الوطني الحر لم يكن جزءاً من هذا السيناريو، وأنه أبلغ الجميع أنه لن يكون شريكاً في انقلاب من هذا النوع، وأن التقاطع على أزعور لا يعني فرض رئيس على بقية اللبنانيين. إلا أن أصحاب المخطط لم يبدوا اهتماماً بالأمر، باعتبار أن المطلوب من التيار التصويت فقط لمصلحة أزعور. لذلك، بعد فشل الخطة، شنّ هؤلاء حملة على التيار واتهموا رئيسه النائب جبران باسيل بأنه كان مهتماً بألّا يتجاوز عدد أصوات فرنجية عتبة الخمسين، ولم يعنه حصول أزعور على 65 صوتاً.
بعد ظهور النتائج، بدأ داعمو أزعور استكشاف ما اذا كانت جلسة جديدة لمجلس النواب قد تؤمن لفرنجية أصواتاً إضافية تجعله يلامس عتبة الستين صوتاً، وخصوصاً أن الفريق الداعم للأخير يعتقد بأن الضغوط التي مورست سابقاً انتهت فعاليتها، وأن نواباً من «التغييريين» شعروا بأنه تم التلاعب بهم، وتعرّضوا لانتقادات من قواعدهم المباشرة والبيئة الشبابية القريبة منهم، لوماً على انضوائهم في تحالف مع قوى سياسية يفترض أنها من ضمن المنظومة المسؤولة عن الأزمة. ونُقل عن أحد نواب العاصمة أن هناك ميلاً كبيراً لدى النواب «التغييريين» للعودة الى التصويت للوزير السابق زياد بارود، وإقناع داعمي أزعور بذلك استناداً الى أن بارود يؤيده معظم داعمي أزعور، باستثناء القوات اللبنانية التي قد تغيّر موقفها لعدم وجود مرشح آخر موضع إجماع في مواجهة فرنجية.

غير أن بعض «التغييريين» يتحدثون عن نقاش مفتوح مع القوات والنواب الموقّعين على بيان الـ 32 نائباً الذين رشحوا أزعور حول إمكان الانتقال فوراً الى إشهار المرشح الأساسي لهذا الفريق، وهو قائد الجيش العماد جوزيف عون، علماً أن الأخير لا يحبّذ أن يكون مرشح فئة، ويفضل أن يتم الاتفاق بين هؤلاء وكتلة الاشتراكي وكتل نيابية وشخصيات مستقلة، مع رهانه على «تحول اللحظة الأخيرة» في موقف الرئيس نبيه بري، ما يتيح له الوصول الى الرئاسة، رغم اعتراض حزب الله والتيار الوطني الحر عليه.

اهتزاز تكتل لبنان القوي: المجلس التحكيمي يقرّر مصير بو صعب وعون

بعد موقف رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الداعم لفكرة التقاطع مع كتل نيابية أخرى على ترشيح الوزير السابق جهاد أزعور، انطلق النقاش بين قيادات التيار ومسؤوليه، خصوصاً مع اعتراض عدد غير قليل من نواب «تكتل لبنان القوي» على دعم أزعور، انطلاقاً من سببين: الأول، عدم ترك التفاهم مع حزب الله والتحالف مع قوى عادت التيار منذ عام 2005، ولعبت دوراً كبيراً في إفشال عهد الرئيس ميشال عون. والثاني، كون أزعور أحد المسؤولين عن المشكلات المالية التي عرفها لبنان خلال حكومات الرئيس فؤاد السنيورة، وورود اسمه في الاتهام الكبير الذي أعلنه التيار سابقاً تحت اسم «الإبراء المستحيل». وفي خضمّ هذا النقاش، دعا نواب إلى السير في ترشيح النائب إبراهيم كنعان، باعتباره من التيار، كما أن اسمه كان في اللائحة التي عرضتها بكركي على القوى السياسية.

ومع إدراك أصحاب هذه الآراء أن التوازنات القائمة لا تسمح بالسير في ما يدعون إليه، أخذ النقاش بعداً مختلفاً عندما شكا هؤلاء من تفرّد النائب باسيل بالقرارات وعدم قبوله التصويت على دعم ترشيح أزعور، ما أدى إلى انتشار أخبار عن نية ما سمي «مجموعة الخمسة» (الياس بو صعب، إبراهيم كنعان، آلان عون، سيمون أبي رميا وأسعد درغام) معارضة قرار تأييد أزعور، فيما أعلن معترضون آخرون، كالنائب سليم عون، التزامهم قرار التيار.

وإلى الكتلة الحزبية، حاول باسيل إقناع حلفائه في التكتل، ولا سيما كتلة الطاشناق (ثلاثة نواب) ونائب عكار محمد يحيى بالالتزام بموقف التيار، وعندما لمس أنهم سيصوّتون – على الأرجح – للمرشح سليمان فرنجية، سعى باسيل إلى إقناعهم بالتصويت بورقة بيضاء.
فور رفع جلسة 14 حزيران، بدأ التيار الوطني الحر ورشة عمل تضمّنت مراجعة لكل الفترة السابقة منذ بدء النقاش حول التقاطع مع القوى الداعمة لأزعور. وخلصت قيادة التيار إلى قناعة بضرورة التوصّل إلى قرار حول مستقبل «تكتل لبنان القوي» وبعض نواب التيار. وقد برز الآتي:
أولاً، رغم العلاقة الممتازة التي تجمع بين رئيس التيار والنائب يحيى، إلا أن خروج الأخير من التكتل بات طبيعياً بعد تصويته لفرنجية، كما شكّل انضمامه إلى «كتلة التوافق الوطني»، برئاسة النائب فيصل كرامي، سبباً إضافياً لهذا الخروج.

ثانياً، المشكلة مع حزب الطاشناق سابقة للملف الرئاسي، وبدأت عندما قرر أحد نوابه، وزير الصناعة جورج بوشكيان، المشاركة في جلسات الحكومة التي يعتبرها التيار مخالفة للدستور. ورغم اهتزاز علاقة بوشكيان بحزبه، إلا أنه لم ينفصل عنه. ومع الاستحقاق الرئاسي، قرر الطاشناق دعم فرنجية (ولو لم يعلن ذلك جهاراً)، ما دفع بقياديين في التيار إلى إثارة ضرورة الافتراق عن الطاشناق على صعيد التكتل النيابي الكبير، وهو أمر قيد البحث، ويُرجح عقد جلسة أخيرة بين قيادتي الحزبين للبت في الأمر. علماً أن قيادة الحزب الأرمني الأعرق في لبنان أبلغت التيار، منذ سنوات، أنها تتصرف على أساس وجود تحالف بين الطرفين، وليس اندماجاً، ما يفترض حصول تباينات كما جرى في الانتخابات النيابية الأخيرة. لكن ،بعد جلسة 14 حزيران، بدا لباسيل أن التباين بشأن الملف الرئاسي ليس أمراً عابراً، وأنه في حالة الاختلاف حول المرشح، وذهاب الطاشناق إلى دعم المرشح الخصم، فقد يكون من الأفضل عدم البقاء معاً في التكتل النيابي نفسه. لكنّ القرار النهائي لم يُتخذ بعد، مع وجود ميل إلى عدم القطع واستمرار العلاقة مع حفظ التمايزات، نظراً إلى وجود قضايا كثيرة يمكن التعاون معها بين الطرفين.

ثالثاً، ماهية الموقف التنظيمي من مخالفة نواب أعضاء في التيار قراراً بالتصويت لأزعور. في ما يتعلق ببو صعب، فهو كان قد أبلغ باسيل بأنه لن يلتزم بالقرار، وأخذ الأخير في الاعتبار أن بو صعب، منذ انتخابه نائباً لرئيس مجلس النواب، أخذ مسافة من التكتل والتيار، إضافة إلى أنه لم يترشح إلى الانتخابات النيابية الأخيرة وفق القواعد المعتمدة من قبل التيار، ما يساعد على تظهير التوافق الضمني على الانفصال حبياً بين الجانبين.

أما في ما يتعلق بنائب بعبدا آلان عون، فإن النقاش يأخذ منحى أكثر تعقيداً، نظراً إلى أنه يشكل مركز ثقل في التيار، ويُعتبر من القيادات المؤسّسة، وتربطه صلات قوية بغالبية القيادات، وعلاقة خاصة بالرئيس ميشال عون، إضافة إلى صلة القرابة بينهما. لكن، بالنسبة إلى باسيل وبقية قيادة التيار، فإن هذه الاعتبارات، على أهميتها، لا تحجب المشكلة الأساسية في أن عون خالف قرار التيار التصويت لأزعور، وحاول إقناع زملاء له بالحذو حذوه. كما يتهم باسيل عون بأنه شارك في اتصالات مع جهات سياسية أخرى من دون علمه.

وكان باسيل جمع أعضاء الكتلة بعد انتهاء جلسة 13 حزيران، في إحدى قاعات مجلس النواب، وسأل عن وجهة التصويت، فقال بو صعب إنه سبق أن أبلغ باسيل بعدم التصويت لمصلحة أزعور وأنه أعطى صوته للنائب السابق زياد بارود، فيما رفض عون الإجابة على السؤال معتبراً ذلك إهانة وفحصاً للدم، وغادر الاجتماع.
وبحسب المعلومات، ناقش التيار رفع مخالفة بو صعب وعون إلى مجلس الحكماء، وهو هيئة معنوية تصدر توصيات غير ملزمة، لكن لها تأثيرها الكبير. ويرأس المجلس العماد عون، ويضم خليل حمادة وريا الداعوق (من المؤسّسين)، نائب رئيس التيار السابق رومل صابر، النائب السابق ناجي غاريوس والنائب الحالي نقولا صحناوي.

إلا أن باسيل أبلغ الهيئة السياسية في التيار، أمس، أنه سيتم مثول المعنيين من النواب أمام المجلس التحكيمي بحسب النظام الداخلي للتيار، لسؤالهم عمّا إذا كانوا قد التزموا بقرار القيادة. وفي حال تأكيدهم أمام المجلس أنهم التزموا بالقرار فلن يُتخذ أي إجراء، أما من يقرّ بأنه خالف القرار، فسيصدر قرار بفصله من التيار، كما سيصدر قرار غيابي بالفصل في حق من يمتنع عن المثول أمام المجلس التحكيمي، كما جرى مع فصل النائب السابق زياد أسود لرفضه المثول أمام المجلس التحكيمي.

أزعور: معركة عن بعد
ترافقت الضغوط على عدد من النواب للتصويت للمرشح جهاد أزعور مع جهود لإقناع الأخير بالقدوم الى بيروت قبل الجلسة، غير أنه رفض بحجة أن طبيعة عمله في صندوق النقد الدولي تسمح له بإجازة غير مدفوعة، إلا أن أي تصريحات أو موقف حول الملف الرئاسي يحتاج إلى موافقة إدارة الصندوق. كما أن عليه في حال قرّر إعلان ترشحه رسمياً أو الانخراط في حملة انتخابية أن يقدّم استقالته من الصندوق.

وفيما احتجّ نواب من القوات اللبنانية ومن «التغييريين» على رفض أزعور عقد اجتماع موسّع معهم عبر تطبيق «زووم»، أبلغ الأخير قيادات الفريق الداعم له أنه غير قادر على التصرف كمرشح عادي، وأن كل ما يمكنه فعله هو التواصل الفردي مع النواب، باعتبار أن مثل هذه المحادثات تُدرج في إطار العلاقات الشخصية وليس لها طابع سياسي رسمي. وانتهى الأمر الى الاتفاق على اتصالات ثنائية أجراها أزعور مع عدد كبير من النواب، لكنها لم تشمل الجميع.
إلى ذلك، عُلم أن الاتصالات التي أجراها أزعور في زيارته الأخيرة لبيروت ركزت على معرفة موقف الرئيس نبيه بري منه على وجه التحديد، مشيراً إلى أن هذا الموقف سيكون له تأثير على قراره. وفيما تؤكد أوساط رئيس المجلس أنه أبلغ أزعور دعمه الواضح لترشيح سليمان فرنجية، نُقل عن أزعور أنه سمع من بري «كلاماً عاماً لا يفهم منه معارضته لخوض المنافسة الديموقراطية مع فرنجية». لذلك، كلّف بري معاونه السياسي النائب علي حسن خليل الاتصال بأزعور وإبلاغه الموقف بصورة أكثر وضوحاً.

أما في ما يتعلق بما سيقرره أزعور، فتؤكد قيادات في الفريق الداعم له أنه مستمر في ترشحه طالما أن هناك تقاطعاً عليه، وأنه ينتظر المشاورات الجارية، وسيعود الى عمله ريثما تتضح المواقف، وسيتشاور أولاً وأخيراً مع البطريرك الماروني بشارة الراعي قبل اتخاذ أي خطوة جديدة.


بين 5 أيار و 14 حزيران
في مقال سابق، جرت الإشارة الى موقف كل من النائب جبران باسيل والمرشح جهاد أزعور، من زاوية التنبيه الى أن «التقاطع» القائم لا يستهدف فقط إطاحة المرشح سليمان فرنجية، بل السعي الى عزل المقاومة. واعتُبر ذلك بمثابة تخوين أو تهديد أو تحريض على باسيل وأزعور.
بمعزل عن كل ردود الفعل، كان الهدف من المقال لفت انتباه باسيل الى أن ما يخطط له شركاء التقاطع لا يتطابق مع نياته وأهدافه من التقاطع. وقد حصلت لقاءات واتصالات كثيرة بقي معظمها خارج التداول، أوضح خلالها باسيل أنه لا يقبل بأن يكون شريكاً في أي عمل سياسي أو غير سياسي يؤدي الى عزل المقاومة.
ومع أن باسيل عبّر علناً وسراً عن أسفه لما ورد يومها في «الأخبار»، إلا أنه لم يناقش أصل الفكرة بأن الفريق الآخر ما كان ليقبل بالتقاطع لولا أن لديه مشروعه الخاص الذي يتناقض حكماً مع تصورات باسيل للحل. وبالتالي، فان هذا الفريق، بقيادة القوات اللبنانية وآخرين، لم يكن يريد من التيار الوطني الحر سوى التصويت لتحصيل 65 صوتاً لأزعور.

أما في ما يتعلق بأزعور نفسه، فإن الملاحظة التي وردت في المقال سبق أن قيلت له مباشرة، لتنبيهه أيضاً إلى أن ما يجري يتجاوز المنافسة الديموقراطية بمعناها التقليدي، وفي حال كان لديه ما يكفي من الأسباب التي تجعل التيار الوطني الحر يدعمه، فإن ما فاته هو درس الأهداف الفعلية لكتلة الـ 32 التي أيّدته، والتي لم تناقش معه برنامجه في حال انتخابه. أضف أن أزعور، نفسه، خرج من اجتماعه الشهير مع رئيس حزب القوات سمير جعجع بانطباع غير مريح، بعدما صارحه الأخير بأنه مضطرّ للسير به لصعوبة السير في ترشيح قائد الجيش العماد جوزيف عون. إلا أن جعجع لم يكن ليناقش مع أزعور فكرة الانقلاب الدستوري، وما كان متوقعاً أن يصارح أحد أزعور بالأمر.
بهذا المعنى، فإن التحذير من 5 أيار جديدة كان القصد منه التوضيح بصورة مباشرة، ولو قاسية، لكل من باسيل وأزعور بأن ما يحضّر له الفريق الآخر، يشبه الى حد بعيد مشروع الانقلاب الذي «تحمّس» له عام 2008 النائب السابق وليد جنبلاط، وقاده بصورة مأسوية الرئيس السابق فؤاد السنيورة، فكان ما كان يومها.

الصحناوي: صوت واحد لفرنجية
عبّرت قوى داعمة للمرشح جهاد أزعور عن «صدمة» من تصويت نواب محسوبين على رجل الأعمال المصرفي أنطوان الصحناوي للمرشح المدعوم من حزب الله، علماً أن الصحناوي لم ينخرط في الاتصالات التي انتهت بالتقاطع حول أزعور، وسبق أن أبلغ جهات عدة أنه لن يكون ضمن تحالف مواجه لفرنجية. ويبدو أن للصحناوي، الذي «يمون» على ثلاثة نواب على الأقل، ضمن نفوذه الذي يشمل سياسيين وإعلاميين وجمعيات وشخصيات سياسية وبلدية، حساباته الخاصة. وعُلم أنه أبلغ الرئيس نبيه بري أنه سيحاول إقناع ثلاثة نواب (جان طالوزيان، إيهاب مطر وراجي السعد) بالتصويت لفرنجية، وبعث برسالة الى أزعور يبلغه فيها أنه سيدعم فرنجية بطريقة غير مباشرة. وتبين لاحقاً أن طالوزيان هو فقط من التزم التصويت لفرنجية، بينما صوّت النائب مطر لمصلحة قائد الجيش العماد جوزيف عون، والتزم السعد قرار كتلة اللقاء الديموقراطي.

وفيما يشيع خصوم الصحناوي أن قراره جاء استجابة لضغوط رجل الأعمال جيلبير الشاغوري، الذي تربطه به علاقة صداقة وعمل منذ وقت طويل، قال قريبون من القوات اللبنانية إن الصحناوي تلقى نصائح من جهات فرنسية بالتصويت لفرنجية، مع وعد بأن تكون له حصة في الحكم المقبل. لكن واقع الأمر أن الصحناوي لا تربطه أي علاقات بالتيار الوطني الحر ولا بالقوات اللبنانية أو بكتلة «التغييريين»، ويرى نفسه بعيداً عن هؤلاء، وهو في الوقت ذاته لا يرى نفسه قريباً من حزب الله.

إبراهيم الأمين

المصدر: صحيفة الأخبار