1

شركة إسرائيلية تعيّن بحرينياً مسؤولاً للاستثمار: ما علاقة الرياض؟

عيّنت شركة «Exigent Capital Group» الإسرائيلية، الرئيس التنفيذي السابق لصندوق الثروة السيادية البحريني، طلال الزين، في منصب كبير مسؤولي الاستثمار، ومسؤولاً عن مكتب الشركة في العاصمة البحرينية المنامة، والذي تم افتتاحه في وقت سابق من هذا العام.

وأفاد الزين، وهو مسؤول تنفيذي كبير سابق في «PineBridge Investments and Investcorp» بالإضافة إلى صندوق ممتلكات البحرين، شبكة «بلومبرغ»، اليوم، بأنه يتطلع إلى التقنيات التي تنتجها إسرائيل والتي يمكن استخدامها «لبناء جسور اقتصادية بين إسرائيل والمنطقة».

وقال الرئيس التنفيذي لشركة «Exigent»، إيلي برندر، إن الاستثمارات ستمتد إلى الدول التي لا تعترف بإسرائيل، بما في ذلك المملكة العربية السعودية، حيث تأمل الشركة في فتح مكتب آخر. وأشار إلى أن الشركة قد تتوسّط في مشروعات مشتركة مع شركات التكنولوجيا الإسرائيلية وشركات الشرق الأوسط.

وزعم بريندر، في مقابلة أجرتها «بلومبرغ»، أن هدف الاستثمارات هو «خلق فرص عمل في المنطقة»، وأضاف: «نريد خلق الناتج المحلي الإجمالي»، مع انتقال المنطقة إلى اقتصاد أكثر توجهاً نحو الخدمات.

وبينما رفضت شركة «Exigent» الكشف عن حجم الأصول التي تديرها، قالت إنها ستضخّ 500 مليون دولار في شركات السوق المتوسطة على مدار العامين المقبلين، وستركّز على الرعاية الصحية والأمن الغذائي والطاقة والمياه والتعليم.

وأشارت الشركة الإسرائيلية إلى أن لديها حصة في شركة الأسهم الخاصة «HighPost Capital» وهي مشغل فندق «Waldorf Astoria» في القدس المحتلة، مشيرةً إلى أن السفير الأميركي السابق لدى الإمارات، جون راكولتا، هو من بين سلسلة من الأفراد البارزين والمستثمرين المؤسسيين الذين استثمروا أموالاً في الشركة.

يُشار إلى أن رون دريمر، المستشار المقرب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يسعى حالياً إلى صفقة التطبيع بين إسرائيل والسعودية، كان شريكاً سابقاً في «Exigent Capital Group» قبل أن يعود إلى الحياة السياسية كوزير للشؤون الاستراتيجية في أواخر العام الماضي.

وكانت البحرين، من بين الدول العربية التي طبّعت مع الاحتلال الإسرائيلي في عام 2020 بموجب اتفاقيات أبراهام التي توسطت فيها الولايات المتحدة.

المصدر: صحيفة الأخبار




«ستالينغراد الفلسطينية» تخلط الحسابات: هل يقع الاجتياح الموسّع؟

تَخلق عمليات المقاومة وتكتيكاتها العسكرية المستحدثة قلقاً متزايداً في أوساط صنع القرار السياسي والأمني في دولة الاحتلال. ففيما ظلّ «التهوين» من خطورة المشهد الميداني مرافقاً لحديث قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، انقلبت في الأيام الأخيرة تلك الرؤية، إلى الحدّ الذي بدأ معه جيش الاحتلال، فعلياً، التمهيد الاستخباري لشنّ عملية واسعة النطاق والتأثير، تستهدف في المقام الأوّل مخيم جنين، وتمتدّ إلى باقي مناطق شمال الضفة الغربية. ودفع هجوم «باب الريحان» ذو التكتيك المدروس وغير العشوائي، والذي نفّذته «خلية ظلّ» يوم الثلاثاء الماضي، ثمّ استخدام العبوات الناسفة بشكل مكثّف في مخيم جنين يوم أمس، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي، تساحي هنغبي، إلى التحذير من مغبّة التريّث في تنفيذ عملية كبيرة، إذ قال: «إذا لم نواجه هذه العبوات بعملية عسكرية في جنين، فسنقابلها تحت الحافلات في تل أبيب والقدس»، فيما وصفت «القناة الـ 12» العبرية مخيم جنين بـ«ستالينغراد الفلسطينية»، مشيرةً إلى أن حركة «الجهاد الإسلامي» نجحت في إنشاء مصانع للعبوات الناسفة، «التي (تعيدنا) إلى ما كان يستخدم مطلع الانتفاضة الثانية وفي جنوب لبنان، فضلاً عن ارتفاع مستوى الأداء العسكري للمقاتلين».

وفي خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، تسبّب أداء المقاومة بفتح «مندبة» بين رؤساء مناطق المستوطنات، والذين يكرّرون المطالبة بعملية واسعة يجتاح فيها جيش الاحتلال المدن والمخيمات كافة، على شاكلة «السور الواقي» في عام 2002، والتي يُنظر إليها، في الأوساط الإسرائيلية، على أنها منجز عسكري استطاع وضع حدّ للعمليات الفدائية التي كانت تضرب مدن العمق المحتلّ. وفي «مؤتمر هرتسيليا السنوي للأمن القومي»، احتلّ تكتيك التعاطي مع خلايا المقاومة في الضفة الغربية المحتلّة مساحة واسعة من كلمة رئيس أركان جيش الاحتلال، هرتسي هاليفي. وبرّر الأخير الامتناع عن التوجّه إلى عملية عسكرية شاملة بمستوى التطوّر والديناميكية اللذين «تتميّز» بهما العمليات الأمنية في مدن ومخيمات الضفة، حيث يستطيع كبار ضباط الجيش مراقبة مسرح العمليات من كاميرا مثبتة على خوذة وبندقية كلّ جندي. وإلى جانب ذلك، لم يكن مستوى الضغط الميداني الذي تمارسه خلايا المقاومة في الضفة، حتى أمس، يستدعي أن «تُشنّ عملية عسكرية كبيرة (…) في 2002، كنّا أمام مشهد مغاير تماماً: العشرات من العمليات التفجيرية تنفَّذ شهرياً في داخل مدن مثل تل أبيب والخضيرة والقدس، وقطاع كبير من كبار قادة الأجهزة الأمنية تحوّلوا إلى مقاومين وقادة لفصائل المقاومة؛ أمّا اليوم، فالواقع مختلف»، وفق ما يرى المحلّل السياسي، إسماعيل محمد، مستدركاً بأن «إدخال سلاح الطائرات الانتحارية والهليكوبتر، والذي ظلّ جيش الاحتلال يحاذر اللجوء إليه، يعبّر عن أن الأمور على الأرض خرجت عن السيطرة، وعن قدرة الوسائل الميدانية المتطوّرة التي تحدّث عنها هاليفي عن إحداث فارق».

من وجهة نظر محمد، فإن خصوصية المنجز الذي تحقّق في الضفة خلال العامَين الماضيين، لم تكن مرتبطةً بنوعية الفعل، وإنّما بإعادة بعثه من العدم، في جبهة اطمأنّ جيش الاحتلال طويلاً إلى أنها لن تقوم من سباتها مجدداً. ويلفت محمد، في تصريح إلى «الأخبار»، إلى أن «أكبر قوة عسكرية تحتاج إلى ثماني دقائق للوصول من حاجز الجلمة إلى عمق مخيم جنين، وإلى مدّة مماثلة أو أكثر قليلاً للوصول إلى عمق البلدة القديمة في نابلس انطلاقاً من حاجز حوارة»، مضيفاً أن «إسرائيل قطّعت حرفياً أوصال الضفة الغربية، بحيث أضحى جيش الاحتلال وقواته الخاصة في كلّ شارع ومخيم، فلماذا قد يضطرّ إلى خسارة جهود الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، الموازية لعملياته الجراحية، إنْ هو اجتاح الضفة كاملةً؟». على أن تلك الحسابات السابقة، أضحت اليوم عرضة للتغيير، بل والانقلاب؛ إذ تشعر المؤسّسة الأمنية الإسرائيلية بأن ضغط الفعل المقاوم على المشروع الاستيطاني تجاوز الأكلاف التي قد يدفعها الجيش لتنفيذ عملية عسكرية شاملة.
إزاء ذلك، يرى الخبير في الشأن الأمني، محمد المصري، أن خلايا المقاومة في الضفة تقدّم أداءً ميدانياً متناسباً مع حجم التهديد، مضيفاً أنه «فيما يحاول الاحتلال استقراء ما هو متوفّر من إمكانيات وأساليب قتال، تحافظ المقاومة على مستوى فعل مضبوط، لا يستنزف القدرات اللوجستية، ولا يقود إلى كشف ما لا يلزم كشفه من عناصر ميدانية وخلايا ظلّ نائمة». ويتابع المصري، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «كتائب المقاومة حرصت منذ تأسيسها، على تصدير فعل متناسب مع هياكلها وإمكانياتها، كي لا تستجرّ عملاً أمنياً إسرائيلياً يقود إلى تقويضها؛ وفي هذا السياق، لم تعلن مسؤوليتها عن عمليات كبيرة نُفّذت في داخل العمق المحتل، على رغم أنها خطّطت لها من اللحظة الأولى وحتى التنفيذ، كي لا تجرّ على كتائبها العاملة هناك ردّة فعل إسرائيلية عنيفة».

يوسف فارس

المصدر: صحيفة الأخبار




العدو يتلمّس «تغييراً في قواعد اللعبة»: الضفة «تتلبنن»

لم يكن إدراج الكمين الذي استهدف قوات مدرّعة لجيش الاحتلال بالعبوات الناسفة، وأدّى إلى إعطاب خمس آليات، في سياق «لبننة جنين»، لما أحياه في ذاكرة العدو من أنماط عمل «حزب الله» في جنوب لبنان، إلّا إقراراً إسرائيلياً بالتطوّر الذي تشهده المقاومة في شمال الضفة الغربية، في أساليبها وتكتيكاتها. وخلال الساعات الماضية، كشفت ردود الفعل الميدانية والسياسية والإعلامية في الكيان، وقعَ الصّدمة التي نتجت من تلك العملية المتعدّدة الأبعاد، وأماطت اللثام عن حجم المخاوف التي تراود الأجهزة الإسرائيلية المعنيّة في شأن تطورّ هذا المسار ومآلاته. وكان نجح المقاومون في تحويل عملية توغّل افترضها جيش الاحتلال تقليدية، إلى مفاجأة تَمثّلت في تحقيقهم إنجازاً نوعياً فرض على المنظومة القيادية الإسرائيلية مروحة تحدّيات تتّصل بعناوين استخبارية وعملياتية وسياسية، إذ ستكون المؤسّسة الأمنية معنيّة بالإجابة عن مجموعة أسئلة، بعضها مرتبط بنوعية وحجم المواد المتفجّرة وما إن كان بعضها على الأقلّ محليّ الصنع أم أنه تمّ تهريبه من الخارج، وبعضها الآخر متّصل بكيفية معرفة المقاومين بمسار عبور الآليات وتوقيتها، وما إن كانوا قد زرعوا عدّة عبوات على عدّة مسارات.

هكذا، وجدت إسرائيل نفسها أمام ارتقاء في التخطيط والتكتيك والأسلوب، ستكون له تداعياته الميدانية والسياسية. وفي هذا الإطار، أشار موقع «واللا» العبري إلى أن «الجنود دخلوا كميناً في جنين احتوى على عبوة ناسفة قوية جداً: كما (كان يحصل مع) حزب الله في لبنان»، في مقارنة تختزن الكثير من المخاوف ممّا سيؤول إليه الوضع في الضفة. وممّا يصعّب الموقف بالنسبة إلى إسرائيل أيضاً، ويفرض عليها تساؤلات إضافية، هو أن الآلية التي أصيب الجنود فيها، وهي من طراز «فانتر»، هي من الآليات الحديثة المصفّحة، إلّا أن إصابتها أدّت إلى خروجها من الخدمة كلّياً، بعدما «تمّ تدمير الجزء الخلفي منها، وفي اللحظة التي خرج فيها الجنود منها، بدأ إطلاق النار عليهم» – وفق «واللا» -، في تعبير عن كون العملية مركّبة وعلى درجة عالية من الكفاءة. كما ربط الموقع بين العملية وما سبقها من عمليات، وخلص إلى أن ما يجري هو مسار «وليس حالة منفردة»، مذكّراً بأن قوات الجيش لمست «الشهر الماضي ارتفاعاً حادّاً في استخدام العبوات الناسفة ضدّ القوات الإسرائيلية».

بناءً على ما تَقدّم، يبدو واضحاً الأثر الكبير لهذه العملية على تكتيكات العدو الذي سيكون أكثر قلقاً وحذراً في أيّ عملية توغل لاحقة، على رغم إعلان وزير الأمن الإسرائيلي، يوآف غالانت، أن إسرائيل «ستُواصل اتّباع أسلوب هجومي ومبادَر إليه»، في ما يمثّل محاولة لتبديد أيّ تقديرات بأن هذه الضربة قد تؤثّر على القرار العملياتي. وبينما تحاول إسرائيل منع تشكّل معادلة تتحوّل بموجبها جنين ومعها شمال الضفة إلى ملاذ آمن للمقاومين، فإن أهمّ تداعيات الكمين الفورية، هو أنه أطاح شعور التفوّق لدى قادة الاحتلال إزاء الساحة الفلسطينية، لما أظهره من حصانة أمنية مكّنت المقاومين من إخفاء التخطيط والتكتيك حتّى نجاح التنفيذ. ويؤشّر ذلك، بالنسبة إلى قادة جيش العدو، إلى مزيد من المفاجآت التي قد يكون بعضها أكثر بأساً. كما أن هذه العملية عكست حجم التصميم والمبادرة الكبيرَين لدى خلايا المقاومة، وشكّلت عيّنة ممّا قد يواجهه جيش الاحتلال في حال تبنّيه خيار تنفيذ اجتياح واسع في شمال الضفة.

في الصورة الأوسع، فإن أهمّ ما يميّز هذه العملية، هو أنها تمّت في الضفة الغربية، حيث مخاطرها ونتائجها أشدّ وطأة على العدو انطلاقاً مما تتمتّع به تلك المنطقة من مزايا تجعلها حسّاسة جداً بالنسبة إلى العمق الاستراتيجي للكيان. وبذلك، تتكامل الضفة مع غزة في أكثر من عنوان؛ فهي ساحة واسعة نسبياً للعمليات، وتتاخم ما تبقّى من منطقة فلسطين في الشمال والوسط والجنوب إلى حدّ ما، ما يُمكّنها من استهداف كلّ من المناطق المذكورة بقدرات وجهد أقلّ ممّا يتطلّبه العمل في غزة. أيضاً، يشكّل التواجد السكاني في الضفة عمقاً بشرياً واستراتيجياً للمقاومة، يضاف إلى «الميزة» التي توفّرها حالة التماس الدائم مع المستوطنين وجنود الاحتلال. ومن هنا، فإن أخطر السيناريوات التي تقلق مؤسّسات العدو، هو أن تواجد صواريخ في الضفة، حتى لو كانت بدائية، كافٍ لشلّ كبرى المدن الإسرائيلية في الوسط، هذا فضلاً عن أن نجاح أيّ مقاوم في عبور الإجراءات الإسرائيلية يُمكّنه من الضرب في العمق، كما حصل مرّات متعدّدة بالفعل.
تبقى حقيقة ينبغي تأكيدها كونها تشكّل إطاراً تفسيرياً للكثير من المواقف وردود الفعل الإسرائيلية التي قد يفهمها البعض على أنها نوع من المبالغة من جانب الاحتلال، مغفلاً عمق المقاربة الإسرائيلية لهذا النوع من الأحداث، إذ إنه في حال تحوَّلت هذه العملية إلى مسار وظاهرة، فستكون لها تداعيات استراتيجية على الأمن القومي الإسرائيلي؛ ولذا تجد القيادة الإسرائيلية نفسها ملزمة بالتعامل مع الكثير من الأحداث بعيون المستقبل. ومن هنا، يُفهَم تحذير قيادة المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، من أن تكون «قواعد اللعبة قد تغيّرت»، بعد أن أقرّت بعنصر المفاجأة الذي انطوت عليه العملية، وكشفت عن بعض ما ترتّب عليها بالقول: «نحن في صدمة. هذا (حدث) متطرّف بالنسبة إلى هذه الساحة».

علي حيدر

المصدر: صحيفة الأخبار




مفخرة الآليات الإسرائيلية تحت يد المقاومة: العبوات النوعية تَدخل جنين

لم تكن قوات الاحتلال الخاصة التي تسلّلت، فجر أمس الاثنين، إلى محيط مخيم جنين، في عملية اعتقدت أنها ستكون عادية، وستنتهي سريعاً، تحتمل أنها ستقع في كمين الموت، الذي ستتبعه كمائن أخرى، ستترتّب عليها تداعيات كبيرة، سواء على جيش العدو وصورته أمام المستوطنين، أو على الوضع الأمني برمّته في الضفة الغربية. وكشفت الكمائن التي نصبتها المقاومة لقوات الاحتلال، وما رافقها من مواجهات استمرّت لأكثر من 8 ساعات، عن استعدادها خلال الفترة الماضية جيّداً لأيّ مواجهة قد تقع. ونجح مقاومون في تفجير عبوات ناسفة في آليات عسكرية، كانت إحداها عبوة شديدة الانفجار تسبّبت بإعطاب آلية مصفّحة وإصابة العديد من جنود الاحتلال بجروح مختلفة، وتبع تفجيرها حزامٌ من النار نصبه المقاومون، ودفع جيش العدو إلى الاستعانة بطائرات «الأباتشي» في محاولة لإنقاذ الجرحى، وشكّل صفعة للمستويَين السياسي والأمني في إسرائيل. ولأوّل مرّة منذ أكثر من عشرين عاماً، شنّت طائرات الاحتلال عدّة غارات في محيط مخيم جنين لإنقاذ الجنود من كمين آخر، كان المقاومون يقتربون فيه من هؤلاء بشكل مباشر، ما دفع الأخيرين إلى طلب النجدة.

وقدّرت مصادر أمنية إسرائيلية أن العبوة الناسفة التي انفجرت في دورية عسكرية في جنين، تزن قرابة 40 كلغ، لافتةً إلى أنها أخرجت آلية «فنتار» المحدثة والمصفّحة عن الخدمة، وهو ما أثار ردود فعل وتساؤلات حول مدى علم الأجهزة الأمنية بتطوّر إمكانات المقاومين، وكيفية نصبهم الكمائن، ومعرفتهم بمسار خروج الجنود من مكان العملية العسكرية. ولعلّ مرارة الهزيمة التي تجرّعتها قيادة الاحتلال، تنبع خصوصاً من كون المركبة القتالية التي استهدفتها العبوة هي من نوع «النمر»، التي يفترض أن تكون مضادّة للرصاص والقذائف الصغيرة، غير أنها غير مصمَّمة للتصدّي للعبوات وقذائف «الكورنيت». ودخلت المصفّحة الخدمة قبل عامين فقط، باعتبارها وسيلة نقل آمنة للجنود وإجلاء الجرحى بسرعة، لتحلّ مكان مركبات مصفّحة قديمة، على الحدود مع قطاع غزة وداخل الضفة الغربية. وقد خصّصها الجيش لنقل الجنود ومهام الأمن المستعجل على المناطق الحدودية وداخل الضفة الغربية، علماً أنها تزن قرابة 10 أطنان، وهي من صناعة أميركية وتصفيح إسرائيلي، وقادرة على حمل 12 – 14 جندياً، بالإضافة إلى حمل 2 – 6 جنود مصابين، وتصل تكلفتها إلى مليون شيكل. وبحسب وسائل إعلام عبرية، فإن مركبة «الفهد» مصفّحة ضدّ الحجارة والزجاجات الحارقة والرصاص والقذائف، وتحتوي على 5 مخارج للطوارئ، في حال اختراقها بالصواريخ الدقيقة.

وأعلنت المقاومة في مخيم جنين، منذ أسابيع، حالة استنفار قصوى، ورفعت من جاهزيتها، واتّخذت إجراءات ميدانية معلَنة، على ضوء تقديراتها بشنّ الاحتلال عملية عسكرية واسعة ومفاجئة، وهي استعدادات بدت فاعليتها واضحةً في المعركة التي خيضت أمس. وسيلقي ما جرى في مخيم جنين بتداعياته على أيّ خطط إسرائيلية قبل أيّ عملية اقتحام مستقبلية، أو شنّ عملية عسكرية واسعة؛ إذ إن وجود عبوات ناسفة بهذه القوة، ووضعها على جوانب الطرق، يعنيان أن أيّ خطوة لجيش الاحتلال لن تكون بلا ثمن، أو من دون خسائر، وهو ما يقتضي مراجعةً سرعان ما تُرجمت بإلغاء العدو اقتحام المستوطنين لقبر يوسف في مدينة نابلس. وأيقظت كمائن جنين هواجس الاحتلال، وأعادت تذكيره بكوابيس غزة وجنوب لبنان، وهو ما تحدّث عنه موقع «واللا» العبري، الذي نقل عن مسؤول في القيادة المركزية أن «استخدام مثل هذه العبوة الناسفة القوية يتميّز به حزب الله على الحدود اللبنانية وحركة حماس على حدود قطاع غزة»، بينما قال مراسل الموقع العسكري: «بالمحصّلة النهائية، فرقة الضفة الغربية ولواء منشية ووحدة المستعربين فوجئوا جميعاً بشدّة المقاومة اليوم… كان هذا كميناً كلاسيكياً يتناسب أكثر مع حزب الله وحماس في غزة».

وبدأت تداعيات الكمائن التي أصيب فيها نحو 7 جنود من جيش الاحتلال، تَظهر تباعاً؛ إذ شرعت سلطات العدو في دراسة إمكانية تغيير المركبات المدرّعة التي تُستخدم في شمال الضفة، بينما تعالت الدعوات إلى شنّ عملية واسعة في الضفة، وتحديداً في جنين ونابلس، وأبرزها ما نادى به وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، من بدء عدوان عسكري «واسع» هناك، قائلاً: لقد حان الوقت لـ«استبدال الأنشطة العينية بعملية واسعة واستعادة الردع والأمن في المنطقة… ولإدخال القوات الجوية وقوات المدرعات». وأكد سموتريتش أنه سيطالب بـ«عقد اجتماع عاجل لمجلس الوزراء المصغّر للشؤون السياسية والأمنية» (الكابينت). هكذا، شكّلت معركة جنين صدمة لدى المستويات السياسية والأمنية والإعلامية العبرية؛ اذ اعتبرت قيادة الوسط (الضفة الغربية) في جيش الاحتلال مواجهة أمس «تغييراً في قواعد اللعبة، وصدمة، وأمراً خطيراً»، فيما فتح الجيش تحقيقاً بشأن العبوة الناسفة التي استهدفت إحدى الدوريات المصفّحة والحديثة وأخرجتها عن الخدمة.
في المقابل، حصلت المقاومة على أكثر من صورة انتصار، وخصوصاً بعدما فشل الاحتلال، مع مرور قرابة 8 ساعات على بدء عدوانه، في سحب جميع آلياته المعطوبة، وهو ما اضطرّه إلى الإعلان أنه بحاجة إلى مزيد من الساعات الإضافية لإنجاز المهمّة التي لم يتهاود فيها، لإدراكه أن ترك ولو آلية واحدة خلفه سيلحق أضراراً جسيمة بصورة القوة والردع لديه (عاد وأعلن عصراً انتهاءه من إخراج المركبات العسكرية الخمس المحاصَرة في مخيم جنين). على أن هذه الأضرار قد تَحقّقت سلفاً بالفعل، مع تمكّن المقاومة من تصوير عشرات المقاطع التي تُظهر عدّة آليات معطوبة بفعل العبوات الناسفة أو صليات الرصاص، واعتراف العدو بإصابة 7 من جنوده بإصابات مختلفة، ووقوع العديد من آلياته في كمائن معقّدة، ولجوئه إلى استخدام الطيران تلبيةً لنداءات النجدة الصادرة عن الجنود الموجودين على الأرض من ناحية، ولنقل الجرحى من ناحية أخرى. ويطرح كلّ ما تَقدّم تساؤلات حول الأداء العسكري للجندي الإسرائيلي على الأرض في أيّ مواجهة برية، سواء إذا ما قرّر الاحتلال شنّ عملية عسكرية واسعة في شمال الضفة، أو دخل في مواجهة أكثر قوة وتعقيداً مع المقاومة في غزة أو في لبنان.

على أيّ حال، ستشكّل المواجهة في مخيم جنين ضغطاً كبيراً على حكومة الاحتلال لاتّخاذ قرار بشنّ عدوان واسع. لكن التقديرات الإعلامية العبرية تشير إلى أن ذلك لن يكون سهلاً، وخصوصاً بالاستناد إلى ما تطرحه معركة أمس من احتمال وجود عبوات مماثلة أو حتى أقوى من تلك التي انفجرت بـ«الفهد». ومن غير المستبعد، على ضوء ما تَقدّم، أن تؤدّي واقعة فجر الاثنين إلى تسعير الخلافات داخل الكيان، وخصوصاً أن الاقتحامات المتكرّرة لمدن الضفة لم تَعُد «نزهة» كما كان يُعتقد، والجنود المشاركون فيها لم يعودوا بمأمن بعد اليوم، وهذا ما سيلقي بثقله على مركز القرار السياسي، بالنظر إلى أن تطوّر إمكانات المقاومة يضع الجنود وذويهم والرأي العام برمّته في مواجهة مع حكومته. وممّا يعزّز تلك التوقّعات علوّ صوت المستوطنين وممثّليهم بالمطالبة بعدوان واسع، واتّهامهم حكومة اليمين المتطرّف واليمين الفاشي بأنها لا تستطيع القيام بواجبها تجاه المستوطنين، أو مواجهة المقاومة التي ازدادت شراسة.

أحمد العبد

المصدر: صحيفة الأخبار